 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (156): فلسفة الخلق والتأويل

majed algharbawi3احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السادسة والخمسون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

لغة الدين

ماجد الغرباوي: يمكن من خلال تحديد ماهية ووظيفة لغة الدين التوصّل إلى فهم، نرفع به التعارض بين الحقيقة العلمية والحقيقة القرآنية في قصة الخلق. فرب ما نعتقد به حقيقة قرآنية حسب ظاهر الآيات هو ليس كذلك، فنتحرى تأويلا للنص ودلالالته في إطار فلسفة الخلق، ودور الإنسان في الحياة، وفق منهج تأملي - تأويلي لا يقف عند ظاهر الألفاظ، ولا ترعبه قداسة النص. النص أساسا مكتوب لنا: (هَٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)، ونحن مدعوون إلى التفقه به وإدراك مقاصده، للكشف عما يتستر عليه ويخفيه. فثمة رسالة يحملها الخطاب، من المُرسِل إلى المرسَل إليه تضيق بها اللغة، فتلجأ إلى تقنيات تساعد على تمريرها ضمن نسق لغوي موحٍ بدلالات أعمق. تترك لنا فك شفرتها. وقد أشرت سابقا: "إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس".

والتفقه كمفهوم أشارت له الآيات ضمن مفهوم التدبر، كقوله: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا). فمفهوم التدبّر يتضمن معنى التفقه والتأمل والاستغراق في فهم النص من خلال قرائنه وسياقاته أو من خلال الأطر الكلية للنص، وغير ذلك. ويعني التدبر لغة: (تدبَّر الأَمرَ / تدبَّر في الأمرِ: تأمَّله وتفكّر فيه على مَهَلٍ، ونظر في عاقبته). وبالتلي، الآيتان تكشفان عن أمرين مهمين وخطيرين:

الأول: أن القرآن بشكل عام يحتاج إلى تدبّر، بمعنى التأمل والتفكير في آياته، خاصة القضايا الغيبية والغرائبية التي لا يمكن إدراك حقائقها؟. فلا شك أن التأويل أهم الآليات للكشف عن مضمراته، وما يخفي من معان يؤثّر في فهم النص. فالآيتان لا فقط إمضاء للتأويل بل إمضاء للهرمينيوطيقيا كمنهج جدير، مادام التدّبر والتفقه يمثلان جوهره وحقيقته.

والثاني: أن الآية المتقدمة، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، قد أكدت على صفاء القلب شرطا في فعلية التدبّر والتأمل. ويعني صفاء القلب، التحرر من تراكمات الأغلال وسجون الأيديولوجيا والقبليات المسبقة التي تفرض سلطتها على النص، والنظر إليه ضمن أطر قرآنية كلية. وهو ما تعبّر عنه الآية بالرين: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ)، الذي يغلق آفاق المعرفة، ويرتهن فهم النص لقبليات المتلقي، فيخرج فهم النص من الموضوعية إلى فهم أيديولجي يطيح بقصديته.

لغة الدين

إذاً، تنشد لغة الدين، (الإخبار عن قضايا مفارقة للمادة بلغة بشرية. وحكاية مشاهد ووقائع تضيق بها اللغة العادية. فتكتفي بالتلميح دون التصريح، وبالإشارة دون البيان). فثمة امتناع ذاتي في عالم الغيب تفرضه غرائبيته وطبيعته التجريدية، وعدم وجود مشتركات تساعد على تمثّله. واللغة تستدعي وجود مشتركات تخلق وسطا ثقافيا أو منظومة مفاهيمية تساعد على تفكيك غرائبيته واستيعاب حقائقه. والقضية مرتبطة باللغة وطريقة أدائها وكيفية اشتغالها. فمثلا: عندما يحدّثك شخص عن فاكهة متوفرة في بلادك، تتبادر لذهنك بكل خصائصها مادمت قد تذوقتها. وأيضا يسهل عليك تصور فاكهة من خلال مثيلاتها، بينما ستعاني في إدراك حقيقة نوع ثالث تجهله، ولا توجد مشابهات تستعين بها على تصوره. بل حتى محدثك سيعاني في وصفها، فيضطر لتوظيف لغة تقرّبها، كأن يصف طعم حموضتها أو حلاوتها، وماذا يحدث للإنسان عند تناولها بطريقة تمثيلية. أو كيفية أكلها بأسلوب أدبي أو أداء مسرحي، يراهن في ذلك على خصوبة خيالك، وقدرتك على التحليق في عالمه، لكن كل ذلك لا يعني أنك قد تذوقتها فعلا، ومازلت في حدود التصور، تتردد بين الخيال والوهم، ولم تصل حد الجزم والاعتقاد، الذي هو شرط صدقية العلم. بهذا نفهم معنى الحديث المشهور عن الرسول حول وصفه الجنة، رغم كثرة الآيات التي وصفتها، حدى تلهب مشاعر القارئ. حيث قال النبي عنها: "ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت ولا خطر على بال بشر".!!، متجاوزا بذلك كل الأوصاف المذكورة في الكتاب. لا يريد تكذيبها، بل يؤكد من خلال حديثة على قصور اللغة، وما جاء من أوصاف لا تمثّل تمام حقيقتها.  فالأسلوب البلاغي وتقنيات اللغة في الآيات الكريمة جاءت لتقريب المعنى، لكنها لا تنقل الواقع كما هو، لتعذر نقله بلغتنا، فتنتفي الدلالة المطابقة بين الدال والمدلول. وما يتلقاه الأنبياء وحي، يتطلب لغة خاصة لبيانه، عندما تعجز اللغة عن استيعاب معانيه.

وبالتالي، لا يمكن للغة العادية إدراك حقائق القضايا الغيبية، وإدراك معانيها، لأنها عالم مفارق، لا يفصح عن نفسه، يكتفي بالإشارة والتلميح، دون البيان والتصريح. الفارق الجوهري بين العالمين فارق بين: الغيب والشهادة، المجرد والمحايث، السماوي والأرضي، الإلهي والبشري. إنهما عالمان مختلفان، وما تقوله اللغة رغم قداسة النص هو تلك التلميحات والإشارات بلغة تتميّز بمرونتها وقوة إيحاءاتها وإيماءاتها، وثراء دلالاتها ورمزيتها وتنوع تقنياتها وأساليبها، لخلق أجواء تعين المتلقي على تمثّلها، ومقاربتها شعوريا. فالترميز والإيحاء والإيماء وكافة تقنيات وأساليب التعبير اللغوي، توظف لتتجاوز ظاهر اللفظ إلى أعماقه، لنتوفر على رؤية مغايرة للدين، يمكن توظيفها لصالح الإنسان. ولعل خير مثال في لغة التصوف، وكيفية تأويلها للنص القرآني بدلالات بعيدة. وهنا التأويل يختلف عن التفسير الباطن، الذي يستبدل الألفاظ بمصاديق رمزية، لتبجيل الذات وهجاء الآخر.

ومعنى الإبهام والمفارقة أن القضايا التي تتحدث عنها لغة الدين قضايا نسبية لا وجود لها خارج النص والفضاء المعرفي للفرد، ولا دليل على مطابقتها للواقع ونفس الأمر سوى الإيمان. كالملائكة والجن والقلم والكرسي والعرش والمعاد واللوح والأسماء، ومنها أيضا قصة الخلق، وما زخرت به من مشاهد ومعلومات عصية على الإدراك لولا تقنية النص الديني في توظيف مختلف الأجناس الأدبية، لتمرير ما يريد تمريره، فهي تتحدث عن عوالم غريبة، يتعذر إدراك حقائقها، فتلجأ للمجاز والترميز والقصة والحوار. فالقضايا الغيبية تفرض لغة تتدارك فائض المعنى بأساليب موحية.

تجدر الإشارة، أن لغة الدين تؤسس لوعي تشد من خلاله المتلقي، فردا وجماعة، لعالم الغيب والمعاد والتماهي مع عوالمها، وتضفي على الوجود والحياة والموت معنى، وقيمة دينية. وهي ميزة تختص بها الأديان. فهي لغة خاصة، لها تقنياتها ومنطقها وأساليبها وطريقة اشتغالها وتأثيرها على المتلقي عندما تمسك بمشاعره وتتحكم بإرادته، وتفسح مجالا للهيام والوجد بالمطلق، حد يذوب المتهجد في محراب التأمل. تربط عالم الشهادة بعالم الغيب، وتوصل الدنيا بالآخرة، وتجعل من الإنسان جزءا من الكون، لا ينفصل عنه، تتولى وجهته، وتتحكم بمصيره، وترسم له طريق الخلاص، لذا تؤسس لوعي مختلف، يراهن على مشاعر الإنسان وعقله.

وعدم إدارك القضايا الميتافيزيقية لا يعني إنكارها البتة، بل يعني عدم قدرة اللغة العرفية على استيعاب حقيقتها، فتهرب من التصريح إلى التلميح، تخفي أكثر مما تظهر، وتشغل المتلقي بدهشة أساليبها لتمرر ما تريده، فتقول ما تدركه القلوب قبل العقول، ويهيم بها الوجد دون الوعي. ولعل في عبارة النفري أفضل تعبير عن اللغة الدينية: (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة). فمفهوم العرش مثلا مهما عرّفته أو وصفته لا يطابق حقيقة العرش الإلهي كما هو واقعا، لكن يصفه بالعرش لتقريب المعنى، حيث ينصرف الذهن إلى مفاهيم متداولة كعرش السلطان، وما تحيطه من أبّهة وجبروت وعظمة وحراسة مشددة. أو يتبادر معنى السلطة مطلق السلطة، وهو وعي أكثر تطورا، لكن  كل هذا لا يعني إصابة الواقع ومطابقته مع مفهوم العرش، كما في الكتب المقدسة، وإلا كيف تتصور استواء الله على عليه؟؟!!. فحمل اللفظ على معناه الظاهر أو الملازم يصدق في اللغة العرفية، أما اللغة الدينية فتستدعي التأمل والاستغراق في تقمّص المعنى في إطار ذات المجال التداولي لتلك المفاهيم. وحتى التراث لا ينفع في هذه الحالة، مادام  تصورات مسبقة، وتأملات صوفية وروحية، لا تعني المطابقة، مهما كان مصدرها، ولو أن الأنبياء أدركوا معانيها كما في الواقع ونفس الأمر لاختلف التعبير عنها بشكل أوضح، أو مقارن مع مفاهيم متداولة، يمكن للمتلقي تمثلها من خلال مشتركاتها. لكنه لم يوحَ له أكثر مما أوحي، ونقله كما هو وترك للعقل البشري يتدبر ألفاظها، لذا يكفي التسليم بعوالم الغيب، كحقائق إيمانية، تذعن لها النفس بفعل الإيمان بالكتب المقدسة، وأما حقائق الأمور فمرجعها لمصدرها: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ).

والآية تؤسس لمنهج يساعد على تدبّر الكتاب، بإرجاع المتشابه من آياته إلى المحكمات. فثمة آيات تعمل موجّهات لضبط الآيات المتشابهة، التي تلتبس على المتلقي، كي لا يتمادى ويسقط في الكفر، ويقول ما لا يعلم. غير أن ظاهر المقطع الأخير يشجب التأويل الذي هو عماد القراءات التأملية وأحد روافد المنهج الهرمينيوطيقي، وقد أكد الكتاب التأويل وضرورته  في آيات أخرى، فكيف نرتكز له في فهم النص؟

الظاهر من الآية أنها نزلت في واقعة، تخص قوما يتشبثون بالمتشابه رغم صراحة الحكم الشرعي كما جاء في أسباب النزول، لغرض الفتنة وصرف الناس عن الدين، والخروج من صراحة الحكم إلى تأويله، فختمت الآية بالحديث عن تأويلٍ لا يعرفه سوى الله تعالى، وفي هذه الحال يقتصر موقف المؤمنين على التسليم، دون تأويله بما تشتهي أنفسهم، وهذا لا علاقة له بالتأويل كمنهج أكد عليه الكتاب.

التأويل الموضوعي

التأويل من المفاهيم التي اختلف حولها العلماء، ويراد به لغة: الإرجاع. وتأويل الكلام هو الرجوع به إلى مراد المتكلم. ويقصد به أيضا: تفسير باطن اللفظ. وهو غير المجاز، الذي يعني صرف اللفظ عن معناه الظاهر لوجود مناسبة، والمجاز اللغوي، هو لفظٌ استُخدمَ لغير معناه الحقيقيّ لعلاقة معيّنة. فالمجاز هنا بسيط، تدل عليه كاف التشبيه، ووجود المناسبة وغيرها من شروط مذكورة في محلها.

ويمكن تعريف التأويل اصطلاحا: "إرجاع النص إلى ما هو أبعد من المعنى الحرفي، لتحري دلالاته وممكناته التأويلية". وإنما جعلت النص موضوعا للتأويل، لأنه حقل خصب للحرث والتنقيب في أعماقه معرفياً، بحثا عن ممكناته التأويليه والمتوارية التي يتستر عليها مكر النص لغوياً. فيتناسب ثراء النص طرديا مع حجم إيحاءاته. ويتوقف الكشف عن المضمر من أنساقه المعرفية والثقافية، على مرونته، وأسلوبه في التعامل معه. بالتالي ثمة فرق بين النص واللانص، رغم أن كليهما نسيج لغوي، يتكون من كلمات وجمل، ومعانٍ وألفاظ، وتراكيب لغوية، ودوال ومداليل. إلا أن النص يتصف بثراء تأويله، وقابليته للكشف عن المضمر من أنساقه. وبهذا تخرج الدلالات الثلاثة للدال والمدلول ومفهوم الوصف، كما بينت مفصلا في كتاب: النص وسؤال الحقيقة.

التأويل منهج قرآني تؤكده آيات عدة:

 (ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم هدى ورحمة لقوم يؤمنون هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله ويقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق). وهنا يراد به التفسير والبيان.

(سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا). بيان مبرراته ودواعيه فهو أيضا تفسير وبيان. (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك).

(إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين)

(ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا).

 (وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر واخر يابسات يا أيها الملا أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون يوسف أيها الصديق أفتنا إلى أن قال: قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون)

(ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نريك من المحسنين إلى أن قال: يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الامر الذي فيه تستفتيان)

(ولنعلمه من تأويل الأحاديث)

 (وعلمتني من تأويل الأحاديث)

(بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله).

من خلال الآيات ثمة تأويل مختص بالقضايا الغيبية لا يعلمه سوى الله، باعتباره: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول). وهناك تأويل متاح شريطة أن يكون تأويلا موضوعيا، غير متحيز، رغم استحالة عدم التحيز، وهي قضية مرتبطة بنظام اللغة، وكيفية انتاج المعرفة، وكل إنسان يتأثر بقبلياته وثقافته. وما قصدته بالموضوعية هنا هو التأويل الناتج عن تدبّر وتأمل في أعماق النص، وتحري أنساقه وامتداداته ومضمراته، بعيدا عن أي اسقاطات عقدية أو فكرية. فيكون الفرق بين التأويل الموضوعي والأيديولوجي:

- أن الأول يبغي استنطاق النص من خلال التأويل، والثاني يسعى لتطويع النص تأويلا لتعزيز أيديولوجيته. وهذا واضح جدا في الاتجاهات المذهبية والطائفية حينما تتنافس حول تأويل بعض الآيات لصالح هذا الطرف أو ذاك، على خلاف ظاهر النص وتأويله الموضوعي. لا شك أن الأول يتأثر بمضمراته وقبلياته، غير أنه يختلف عن الثاني في طريقة توظيفها.

- الأول تفتح له المعارف والعلوم الإنسانية والمناهج الحديثة آفاقا جديدة لاستنطاق النص، بينما الثاني انتقائي، يختار ما يخدم النتيجة التي يطمح لها من تأويل النص.

- التأويل الموضوعي يمضي مع المنهج مهما كانت نتائجه، بينما الثاني مستعد للتخلي عنه عندما يتقاطع مع هدفه.

وهذه فروقات جوهرية تختلف معها نتائج التأويل. ونحن نؤمن بالتأويل الموضوعي، الذي من خلاله نستنطق النص، ونتحرى مضمراته وأنساقه. إن التأويل الأيديولوجي غير الموضوعي لا يخدم تأويل قصة الخلق بل يوجهها الوجهة التي يؤمن بها، خاصة إذا كان عقلا تراثيا، يأتي مثقلا برؤى مقدسة يسقطها على النص. نحن نطمح لتأويل موضوعي يتحرى قصة الخلق للكشف عن دلالالتها الأعمق من ظاهر النص، حينئذٍ يمكننا التأكد من التنافي بين الحقيقتين الدينية والعلمية. وهنا سنضيء البحث بنموذج قرآني، نوظفه لاستنطاق قصة الخلق، في ضوء لغة الدين والهدف الأساس من وجود الإنسان في الحياة. لذا نستعرض النموذج التأويلي أولا:

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (8)

This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ والمفكر ماجد الغرباوي نفتخر بقيمة ما تطرحونه وهي حاجة واقعية مجتمعية وفكرية اضافة الى الثقافة الجدلية حول ما تطرحونه من افكار اكثرها تحاكي ما يعانيه الفكر الاسلامي من نقص في المكتبة الاسلامية وما يعانيه المثقف الاسلامي ولكن المشكلة ان هذه الافكار سوف تبقى كما بقيت افكار المتنورين الذين سبقونا كالحلاج وابن رشد وغيرهم من المفكرين المتقدمين والمتأخرين ولذلك انوه نفسي اولا واذكركم بضرورة ايجاد طرق اكثر واقعية وفاعلية وقد بلغني وجودي قربكم ومساعدتكم في مشروع المثقف المبارك ولكني افضل العيش مع المجتمع لطرح ما عندكم وما عند غيركم من امثال الدكتور عبد الجبار الرفاعي وان كان ذلك يأخذ جل وقتي ويبعدني عن الكتابة والبحث ولكن فيكم الكفاية والبركة .
كما اود ان انوه عن بعض الاخطاء المطبعية في بحثكم انفًا وبهذا نكون قد شاركناكم الكتابة والطرح لنيل رضى الله تعالى عله ينفعنا يوم الدين.
المحايث ولعلكم تقصدون المحايد
جلعت جعلت
وامتدادته وامتداداته
مع تحياتي لكم ولمتعليقيكم وتمنياتي لك بالصحة والعافية

اخوكم فاضل الشمري / ابو علي البغدادي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ ابو علي البغداد، شكرا لحضورك وتفاعلك، ملاحظتك صحيحة الفكر يحتاج الى من يتبناه وينهض به أو يموت، شعوبنا لا تقرا وتميل نفسيا للدعة والكسل وعدم القراءة. تمنياتي لك وانت تمارس نشاطاك الاجتماعي بالموفقية والسداد ودمت اخا عزيزا مع خالص الاحترام

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

استاذي المحترم اود ان اقول لك اعجبتني وجهة نظرك في كيفية قراءة النص الديني بطريقة عقلية نقدية تفتح المجال اكثر واكثر لفهمه والابتعاد عن التفكير المتحجر الايديولوجي الذي نستطيع ان نقول عنه شوه صورته . لك مني فائق التقدير.

فاطمة عرواوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضور الاستاذة فاطمة عرواوي، وشكرا لقراءتها الحوار. اعتز بتقييمك ورضاك. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

بوركت الجهود أستاذنا الفاضل
فطرحكم يضيف قيم جمالية لفهم النص بعيد عن الجمود الفكري والقوالب الجاهزة أو المتوارثة .
تقبل بالغ التحايا والتقدير

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

وبارك الله فيك ورعاك، شكرا لمتعابتك اجوبة اسئلتك المهمة. تحياتي لك الاخ احمد مانع الركابي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

وفقك الله استاذ ماجد الغرباوي
هناك طريقتان لفهم الدين جُبلنا عليها او هكذا تلقيناه كما هي اما تلقي مباشر من عالم دين سواء لقاء وجه لوجه او عن طريق وسائل الاعلام وهذا هو السائد واراحوا بالهم بمثل خليها برقبة عالم واطلع منها انت سالم. .. والأخرى عن طريق الكتب لمن اختار التوسع ولكن اغلب مافي بطون الكتب الخوف من الانتقاد او التقرب من الفكر المنفتح وحرمة تغير السائد والا أُتهم بالفساد او الكفر.. ولكن الاحداث التي مرت على العالم وتغيرات هزت كيان الفكر العربي والاسلامي جعلت من الكثير يتهم الدين بانه سبب الخراب فتوجه للالحاد والقسم الاخر اعتقد ان الحل في التشدد ومنهم ظهروا التكفيرين وزمرهم.. وبين ضجيج التغيرات السايكولوجية للناس عموما ظهر بعض المفكرين يدعون الى جمال الاسلام بالتفكر والتدبر وكنت تابعت الدكتور عبد الجبار الرافعي.. كما تابعت الدكتور المصري احمد عمارة وكيف ينسف الموروث وينقي الحقيقة مما اصابها.. من يتابع يشحن ذاته بطاقة لفهم ماهو مجهول... او ماهو مغلوط.... تحية لكم استاذ لهذه الدراسة الرائعة وفقكم الله
عروبة الجميلي

عروبة الجميلي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذة القديرة عروبة الجميلي المحترمة، شكرا لمتابعتك وقراءتك الحوار، سعيد برضاك عن البحث. لا شك ان تراكمات السياسة وتوظيف الدين لمصالح طائفية ومذهبية شوّهت حقيقته، واخرجته من مهمته الاساسية. وعلينا تكسير جميع الاصنام لاكتشاف الحقيقة، والعودة بالدين الى مكانته. دمت بخير وسلام واهلا بك دائما

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4940 المصادف: 2020-03-15 04:39:48