 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (160): فلسفة الخلق والمنهج

majed algharbawi7احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الستون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

 

ضرورات المنهج  

ماجد الغرباوي:ثمة دلالات تستدعي فهماً تأملياً يمكّنه التقاط جملة إشارات هاربة، والتماعات تتوارى بفعل تقنية لغة النص وطريقة تعبيره، ليؤسس فوقها رؤية مغايرة، في ضوء الواقع، وجدلية العلاقة بين المفردة والسياق، والتأثير المتبادل بينهما. وتزداد الحاجة لمناهج نقد النص الحديثة طرديا مع ثراء النص وقوة إيحاءاته وإحالاته، لتجاوز محنة التقاطع بين النص المقدّس ومعطيات الواقع، وكيفية فهم اللامعقول الديني مع عدم القدرة على إثباته علميا وتجريبيا سوى إيمان الفرد وقناعته الشخصية، فيكون التجرد شرطا في فقهه وفهم مداليله. أعني التخلي عن أهوائه ومواقفه وإسقاطاته، وعدم الكف عن البحث والتنقيب ومساءلة النص، للكشف عما يريده وما يستبعده، والتأمل في أسلوب الخطاب، وكيف يعيد النص تشكيل الواقع لتمرير رسالته، كما في الروايات الدينية والتاريخية التبجيلية – مثالاً - التي تنشد تعزيز قناعة المتلقي بقدسية بطل الرواية، اعتمادا على خلفيته، فيخلق النص علاقة بينه وبين قبليات المتلقي، ويعيد تشكيلها لترسيخ حقائقه، عندما يتعمد الراوي إخفاء تفصيلات وقرائن لو ذكرها يخسر النص رهانه، هذا إذا أحسنا الظن به ولم يزوّر الوقائع التاريخية، كما في الروايات الموضوعة والروايات التبجيلية. وهنا سينجح في تمرير رسالته ما لم يمارس المتلقي النقد، يواصل الحفر والتنقيب، لفضح  تقنياته وطريقة اشتغاله في تمرير رسالته. المتلقي قد يغفل دور النص لا شعوريا عندما يتعامل مع الحقيقة، بفعل غواية الخطاب وقدرته على تمرير رسالته بعيدا عن دور النص. فنقد النص وتعرية حقيقته يزعزع صدقيته كمرجعية مطلقة، متعالية.

أو يترك النص هامشا للتأويل، لتحري دلالاته ومضمراته، كما في قصة الخلق التي نحن بصددها، عندما يتسلّح الباحث بعدة معرفية ووعي يقلّب به أوجه النص، في حركة تأويلية دؤوبة بين مداراته ومختلف علائقه. النص عالم مدهش في أساليبه التعبيريه، وطريقته في الإظهار والإخفاء، وقدرته على توظيف قبليات المتلقي في سياق هدفه حداً يعيد تشكيل الوعي. فالنص، أي نص، ليس بريئا، بل يراوغ ويخفي أكثر مما يظهر، ويضمر أكثر مما يقول، وكلما زادت مراوغات النص كلما تراكمت دلالاته. فثراء النص يعرف بمقاومة التأويل وقدرته على المراوغة، واستجابته المخادعة لأداة النقد، فكلما عوّل الناقد على إحدى دلالات النص، تبدد يقينه مع مواصلته التحليل والتفكيك. فالنص القوي لا يعطي نفسه بسهولة، ولا يبوح بأسراره وشبكة دلالاته، حتى أجد النص أكثر خيانة عندما يمارس غوايته ويتستر على الممنوع والمحرّم والمسكوت عنه. وفي كل هذا يجب عدم إغفال قبليات الناقد وتأثيرها على تأويل النص. وقبلياته ثقافته التي يستمدها من بيئته ومعاناته الفكرية والعقدية، ومجموع ما يؤمن به من عقائد ومسلمات وثوابت. فنقد ثوابت المتلقي تؤثر هي الأخرى في فهمْ النص. يظهر هذا جليا في الانحياز الأيديولوجي، حينما يسقط الباحث قناعاته على النص، ويستنتج ما يعضد عقيدته. أو حينما تسلبه قداسة النص حرية النقد، وهو سرّ تفاوت فهم ذات النص بين الباحثين. لا أستهين بدور النص حينما يفرض محدداته، ولا أشطب مؤلفه، عندما يتعلق الأمر بسلطته. كما لا أحد يشترط على الباحث حضور المؤلف، وبامكانه فهم النص بمعزل عنه، وهذا يشمل جميع النصوص الأدبية وغيرها. لكن هل يمكن تجريد النص الديني من قداسته؟.

بلا شك لا يمكن تجريد النص الديني من قداسته، خاصة بالنسبة للباحث الديني، فتجده محاصرا، لأن معنى القداسة في أحد أبعادها، تعني لديه الجمود على حرفية النصوص، وعدم زحزحة دلالاتها خوفا من المساس بقداستها. فالباحث يتهيب المغامرة التأويلية، خاصة مع صرامة خطابات الترهيب. فيجد نفسه أمام خيارين، إما التمسك بظاهر النص وإملاءات التراث وفاء لإيمانه ولقداسة النص، أو التضحية بثوابته الإيمانية، التي تعني التشكيك بمصداقية الخالق وبالتالي الكفر به، ما لم ينتقل كليا من خندق الإيمان إلى خندق اللا إيمان بعالم الغيب. فيقتصر بحث الباحث الديني على التفسير والتوجيه والتبرير والتوضيح وإعادة تشكيل الوعي بذات السقف العقدي، وبذات المقولات الكلامية والإيمانية. والحقيقة أن الباحث الديني هو الذي جنى على نفسه عندما حاصرها بفهم واحد لمفهوم القداسة. وقد مرّ مكررا أن للقداسة فهماً آخر، وأن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. ويزداد التأويل ضرورة لتفكيك رمزية النص كلما كان متعاليا ومقدسا. ثراء النص لا ينفد بنقده، بل تتطور دلالالته.

ولا مراء أن الأسلوب القصصي الأقدر بين الأساليب الأخرى على تمثّل المفاهيم المجردة والقضايا المفارقة، عندما تحولها إلى مشهد متحرك، يمكن معايشته عبر شخوص القصة وتقنية السرد، فتتجلى القيم والمفاهيم من خلال الحدث، ومسرحة الوقائع. وربما مثل أو حاكية  أو وسيلة إيضاح أو رمز أقدر على إيصال الفكرة للمتلقي من مقال أو دراسة مفصّلة. وربما الجميع يتذكر ثلاثية نجيب محفوظ التي جسدت مفهوم الاستبداد وسلطة الأب ضمن النظام الأبوي، من خلال سلوك "السي سيد"، رغم تعدد ثيماتها، ولو أنك تقرأ كتابا عن البطريريكية لما تجلى مفهومها كما في السرد القصصي، وأوضح عندما يتحول النص إلى مشهد تمثيلي أو درامة متلفزة. خاصة عندما تكون المفاهيم عصية، أو تكون القضايا المفارقة حداً يصعب  تمثّلها. وبالتالي فنحن أمام نص أدبي، يحمل ثيمة معينة، ما إن نضع اليد عليها، نتمكن من فهم فصولها ومشاهدها، وفق منهج التدبّر "ألا يتدبرون القرآن"، الذي يعني التأمل العقلي والفلسفي في النصوص العميقة التي تنطوي عليها القصة.

الوحي ثانية

ينبغي التأكيد ثانية على مفهوم الوحي ودوره في تمثّل المفهوم. فقصة الخلق بالنسبة للأول قصة واقعية (نَّحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ)، وفقا لفهمه معنى الوحي. واعتبار القرآن وحيا من الله معنى ولفظا، فينحصر دوره بالتلقي والبيان والشرح. يكتفي بحمل اللفظ على معناه، لا يقارب النص تأويلا إلا قليلا، ويبقى محاصرا بالتراث.

والثاني يقصر الوحي على المعنى دون اللفظ، ليمثّل القرآن فهمَ النبي للوحي. وهو فهمٌ بشري، يرتكز لقبلياته وثقافته وبيئته، وحينما نكتشف ثيمة النص يمكننا تأويله وفقا لمقتضيات عصرنا وفهمنا للواقع وضروراته، ولا تعارض في البين، لأن في كل الحالتين هو فهمٌ بشري، لا فرق في ذلك سوى الواقع وضروراته، وهذا لا يسلب الرسول قدسيته، ونتكلم هنا عن الفهم الثاني لمعنى الوعي. وبالتالي  فالنبي بشر بصريح الكتاب، واجه مفاهيم مجردة وقضايا مفارقة وراح يتمثلها من خلال الآيات، حدوده قداسة النص وسلطته. وفهم النص يتغير بتغير شرطه الثقافي والتاريخي، وثمة كشوفات معرفية هائلة تنعكس لا شعوريا في فهم الباحث.

والثالث: يتعامل مع النصوص على أساس بشريتها، ويمارس نقده على النص من هذا المنطلق بعيدا عن سلطة القداسة. وبحرية مطلقة، لا تحده حدود، وقد ينتهي لنتائج مغايره تماما. فهو يفهم النص نتاجا بشريا ويأخذ كل متطلباته في صياغة النص. ويقرأه وفقا لحاجاته البشرية، بمعزل تام عن قداسته. بمعنى أدق أنه يقارب النص بمعزل عن مؤلفه، ويمارس نقده في ضوء معطيات العلوم وما يؤمن به من فرضيات ونظريات معرفية. يتوغل في بنيته المثيولوجية ويسعى الاستنطاق رمزيته بحثا عن دلالات تتستر باللغة وتقنياتها. فهو لا يكف عن فضح بشرية النص وتقنياته في التخفي واستغفال المتلقي.

والرابع قد يضفي على مخيلته شيئا من القداسة، ويفرض سلطتها عليه. وهو يختلف عن الأقسام السابقة، لأن الوحي في فهمه تجربة بشرية تنفتح على آفاق الغيب والمطلق، والفارق بات دقيقا بينه وبين القسمين الثاني والثالث، فهو من جهة يشابه الثالث في بشريته، ويشابه الثاني في تجربته الروحية، لكن يتنزل عليه الوحي، وهنا إنفتاح على آفاق روحية واسعة، يستلهم من تجربته معارف دينية وعقدية وروحية.

وبالتالي إما أن يقرأ المتلقي قصة الخلق من داخل النص، فيكون منحازا لقداسته لا شعوريا. أو يقرأ قصة الخلق من خارجها عبر نسق فلسفي تأملي، والاستعانة بمناهج العلوم الحديثة، بعيدا عن مؤلف النص وسلطته، فيقدم فهما وفقا لمعطياتها، ليواكب الحاضر ومتطلبات الواقع، بعيدا عن الأوهام والأحلام الطوباوية. عقل الإنسان ووعيه في تطور مستمر بتطور العلوم والآفاق المعرفية الحديثة، وما لم يواكبه عبر قراءة منفتحة، سيضحي بالدين، رغم ما فيه من زخم روحي وأخلاقي، يعضد مسيرة الفرد والمجتمع، لاستباب الأمن والاستقرار.

والحقيقة لا مانع من توظيف المناهج الحديثة، ليبقى الباحث ينقب في أعماق قصة الخلق بحثا عن ثيمتها الأساسية، التي ستكون منطلقا لفهم كثير من القضايا الدينية المرتبطة بها. بل أجد أن معطيات العلوم الحديثة باتت أمرا واجبا حيث تزودنا بمعارف تساعد على فهم النص الديني وخلفياته وشروطه. فالأنثربولوجي حينما يقدم كشفا اجتماعيا، يساعد على فهم بعض الظواهر المجتمعية آنذاك، وحدود الدين في وعي المجتمع المكي. ويعلل لنا مثلاً، لماذا لم يتقبل أهل مكة فكرة التوحيد؟ ولماذا التمسك بالشرك من ناحية اجتماعية، وما هي انعكاساته؟ ما هي الدوافع الاجتماعية والاقتصادية وراء رفض الدين الجديد. وأشياء كثيرة. وأيضا بالنسبة لعلم النفس الذي يساهم من خلال آخر الاكتشافات على فهم طبيعة الفرد والمجتمع من ناحية نفسية. ومدى تفاعله مع القضايا الغيبية والخرافية والأسطورية؟ وماذا يعني إيمانه بالجن والقوى الخارقة والسحر؟ وكيف نفهم الروح القبلية ودورها في الإيمان والشرك؟ وما هي الأسباب الحقيقية وراء الانقياد المطلق لسلطة الشيخ. وهكذا منهج التفكيك والأركيولوجيا والهرمنيوطيقا. كل واحد منها يضع تحت تصرف الناقد أداة لتحري طبقات النص وفهم طريقة اشتغالها لتحقيق ثيمة النص ضمن بنيته المثيولوجية.  بهذا الشكل نوظف قصة الخلق لفهم ديني مستنير، نستعيد به إنسانية الإنسان، ونخرجه من كونه مذنبا مطرودا من الجنة، تلاحقه الخطيئة في نسله، ويتحمّل مسؤولية خطيئة الإنسان دائما، إلى كونه خليفة في الأرض، سيدا عليها. مع هبوطه بدأت مهمته الإلهية، والخلافة الربانية. وأما النتائج الخطيرة التي يحذر منها الداعية الإسلامي عند توظيف مناهج النقد الحديثة، فلا تؤثر، لأن خوفه يعود لتشبعه بالتراث، حد الهيمنة المعرفية، التي ترفض كل معرفة دونها.

من هنا نبغي مقاربة قصة الخلق بعيدا عن الفهم التراثي المتداول للقداسة. ونريد استنطاق النص بذاته. وستتكفل المقدمات التي بينتها سلفا بحفظ تعالي القرآن وقداسته بالمعنى المتقدم أيضا، حيث اشترطت في تناول النص الديني خصوصيته، وهي أن بنية النص الديني تربط بين عالمي الغيب والشهادة. أمنت أو لم تؤمن به. نحن لسنا أمام قضية إيمانية، بل أمام قضية مقدّرة، ويكفي فهم النص بمعزل عن مؤلفة، ولا داعي لأنسنة النص وسلبه قدسيته. بإمكان المتلقي رمي النص بالخرافة والهرطقة، وأما من يرد مقاربة النص الديني فهذه بنيته. ثمة مساحة مثيولوجية واسعة إلى جوار عالم الشهادة. وعلى الدارس ملاحقة مختلف تأثيراته التي منها فهم النص. وقصة الخلق نص ديني، مهمته ربط الإنسان بخالقه، وترسيخ الإيمان بالغيب، يرسم خارطة طريق لبداية الإنسان ومصيره، إذ قلنا أن قصة الخلق جاءت في سياق سؤال الوجود، والقلق المصير الذي هو قلق وجودي، يلازم الإنسان الذي يرهبه المجهول، وما بعد الموت، ولديه نزوع فطري للبقاء والخلود. وبالتالي نحن أمام نص ديني، نتأمل دلالاته، بمعزل عن العلم وموضوعاته. الفهم الصحيح للغة الدين فصل بين مسارات العلم والدين، وشخص موضوعاتهما، وما عادت هناك ثنائية صلبة بين العلم والدين، كما يريد الفهم السلفي والتطرف الوضعي ذلك.

البيئة الثقافية

جاءت قصة الخلق ردا على أسطورة الخلق في سفر التكوين من التوراة، وهي على قسمين، الأول سرد لقصة الخلق في سبعة أيام، والثانية حول خلق آدم وزوجته. فأكدت أسطورة الخلق على الوقائع التاريخية، بينما كانت قصة الخلق تدور مدار الهدف الأساس من خلق الإنسان، ودوره الوجودي باعتباره محور الحياة (خليفة)، فتكتفي من وقائع الحدث بما يخدم ثيمة القصة، وهو منهج القصص القرآني، الذي يهتم بالعظة والعبرة، بشكل يدور التأويل مدار الهدف الكلي: "لَقَدْ كاَنَ فىِ قَصَصِهِمْ عِبرْةٌ لّأِوْلىِ الْأَلْبَابِ". وهذا غير متاح إلا لأولي الألباب، ما يؤكد دور العقل وأدواته التأويلية. والهدف الكلي من النص الديني بشكل عام كما تقدم: "تكريس وجود الخالق ووحدانيته، وربط الإنسان ووجوده ومصيره بخالقه، وتفسير ظواهر الوجود والحياة على أساسه".

غير أني لا أقف عند هذه الحدود، وأجد أن هذا المعنى يكرّس نظرية العبودية، التي تختزل الإنسان بالطاعة والانقياد المطلق، وتسلبه حريته وإرادته التي هي لوازم وجودية، فيعيش حالة اغتراب، ويغدو مشروعا للتبعية، ينساق مع كل تفسير. وطالما ناقشت اتجاه العبودية وتداعياته، وطرحت في مقابله اتجاه أو نظرية الخلافة / الإنسان، التي تؤكد على مركزية الإنسان، ودوره في استخلاف الأرض. فتأتي علاقته مع الله منسجمة مع فهم مختلف للدين والحياة، بشكل يشعر الإنسان باستقلالية تمكنه من وعي الذات. وهذا ليس استكبارا (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، بل وعيا مستنيرا بالإيمان. فعلاقة الفرد بربه علاقة العابد بالله، لا علاقة العبيد بسيدهم. فترى القرآن يؤكد عليها وينسب المتلبسين بفعل العبادة لنفسه: (وعباد الرحمن). فعبادتهم عبادة إرادية واعية. وأما عبودية العبد فهي عبودية مطلقة، بلا تمرّد أو رفض. لذا في قصة الخلق إكتفى الخالق بسؤال إبليس عن سبب عدم سجوده، ولم يجبره عليه. لأن العبادة الواعية فعل إرادي. وذكرت في بحث سابقا: أن الغاية من تشريع الأحكام وفقا لهذا الاتجاه، ليس اختبارا لدرجة طاعة الإنسان ومستوى عبوديته كي يواكب الحكم كل تطورات حياته، في ظل قيمومة الفقيه ومن سبقه. بل أن تشريعها جاء لتحقيق ملاكات تتوقف عليها مصلحة الاجتماع البشري. فتكون رهن فعليتها وفعلية موضوعاتها. ما دام الحكم ناظرا لمصلحة الإنسان وفقا لشرطه التاريخي. فما كان فعليا في زمن الرسالة قد لا يكون كذلك في زمن آخر. لا بسبب نسخ الحكم كما يعتقدون بل بسبب عدم فعليته. وهذه وجهة نظر تحترم قدسية التشريع وتناقش في فعليته، بينما النسخ يرمي المشرّع بالجهل، وعدم قدرته على تشخيص تمام الموضوع وشروطه. بعبارة أخرى أن ما جاء في القرآن من تشريعات تكفي حاجة الإنسان ليواصل حياته اعتمادا على عقله وقيمه ومبادئه الإنسانية، التي تحفظ له كرامته ودوره، وتحقق شروطه الحياتية بعيدا عن الظلم والتعسف. وهو فهمٌ مختلف لا يسمح بتضخم الأحكام الشرعية. لكن الفقهاء لم يلتزموا به، لأنه لا يحقق سلطتهم ومركزيتهم، ويسمح بتمرّد الإنسان والاحتجاج بعقله في مقابل فتاواهم وأحكامهم. فتحرره من سلطة الفتوى ليس تمردا بل وعيا حقيقيا لفلسفة التشريع. وكل هذا يؤكد ثيمة القصة.

وبالتالي ثمة فرق بين أن تقرأ القصة من الأعلى إلى الأسفل، فيغدو الإنسان متلقيا، مسلوب الإراداة، تملى عليه الأشياء، وافقت أم خالفت رغباته، وهو اتجاه عبودي، يضحّي بالإنسان لصالح رؤية موروثة عن المجتمع العبودي لسطوة الخالق، تشبيها له بالطغاة والجبابرة، حيث يختزل الفرد إلى مجرد تابع ومفردة بسيطة ضمن ملكية مطلقة، مشاعة، للسلطان، باعتبارها حقوقا سيادية. وبين أن ننطلق من الإنسان ومن الواقع لفهم قصة الخلق، فيكون الإنسان محورها، ومصلحته غاياته، فنحمل دلالاتها بهذا الاتجاه. وبما أن قيمة الإنسان بعقله، فقصة الخلق خطاب العقل ودوره وأهميته، كما سأشير في دلالاتها.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (12)

This comment was minimized by the moderator on the site

انها قراءة متينة ان صح التعبير. تصع عالم الفكر الديني على رأسه و تنظر للأوهام و الدسائس التسليمية نظرة متعقل و متفهم.
و لي فقط اضافة بما يتعلق بثلاثية نجيب محفوظ مع ان المسألة هامشية.
يضع محفوظ حسب افتراض جورج طرابيشي الأب موضع النظام ثم الله. و يعتقد طرابيشي ان محفوظ اتبع رحلة رمزية ملخصها البحث عن صورة مقربة و معقلنة لإله كلي القدرة و غائب عن الأنظار لكنه يوجه دفة القارب الذي نبحر فيه.
و مع ذلك انا اجد ان الأب في الثلاثية أضعف من الأم. فالأم هي مهد دافئ للأبناء و جزء من الدار الكبيرة و هي رمز لمصر أم الدنيا. و لم يذكر أحد انها ابو الدنيا.
و كان سي السيد كل الوقت يعاني رهاب الخصاء من سلطة الانكليز. و عليه يهرب الى عشيقاته من الراقصات المتهتكات اللواتي يمثلن الوعي الباطن المريض و المتداعي.
معليش اذا قلنا.. ان نجيب محفوظ فسر اسطورة التكوين و الميتافيزيقا التي وراءها في اولاد حارتنا الممنوعة من النشر في مصر. و التي تدخل الرئيس و حسنين هيكل لنشرها بشكل متسلسل.
و لن استطرد اكثر. فاللامنتمي عند محفوظ هو نفسه المنتمي في صور افكاره المشخصنة.
و لهذا حديث اخر له ابعاد سياسية ليس هنا مجال الكلام عنها.
بالنسبة لمقاربة الاستاذ الغرباوي لموضوعة الخلق لقد اعطى تصورات غير مسبوقة و غير اصلاحية ايضا. بمعنى انها ترفض الخلق من العدم و تعطي الاولوية للتسليم بوجود قوة غير منظورة تحكم قبضتها على عدة خيوط متوازية و متزامنة. و هذا ينفي مشكلة تطور النفس المفكرة من النفس المتحركة و من النفس الغاذية التي اشار لها الفكر الاغريقي اولا.
شكرا..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

مقاربتك لثلاثية نجيب محفوظ تستحق دراسة مستقلة، دمت اديبا وناقدا قديرا. شكرا لك دائما د. صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ ماجد الغرباوي تحية طيبه وشكرا لهذا العطاء المتواصل ، وفيما يخص الهدف القراني من القصه هي العبرة والعظة والتي يدور حولها محور القصص بعيدا عن مفهوم الزمان والمكان ، مما يعني اعطاء النص مرونة التأويل لكل الأزمنة ، وهذا مما لا شك فيه لأن القران عابر للزمان والمكان بدائرة مقاصده ، ولكن محور الجدل المعاصر هو في الرمزية في القصة التي حسب رؤية بعضهم أنها مستمده في كثير من محاورها مما يؤمن به العقل الجمعي في التراكمات الثقافيه لبيئة الوحي التي وضفها القرآن الكريم لتكريس مقاصده
معتبرين أن ذلك من الحكمة العقلية والواقعية وهي الحق بمصداقه لا بمصداق التأريخ والمكان في القصة .
وهذا هو سبب وجود اللا معقول القصصي ، ليس في قصة الخلق فحسب بل في معظم القصص
وبالتالي لو فهم هذا المقصد ، لما بقينا في دائرة الثرات الروائي ومحاوره ، لذا أرجو منكم توضيح رؤيتكم فيما يتعلق بمصداق الحق في القصص القراني الذي لا ياتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ احمد مانع الركابي، شكرا لمرورك وتفاعلك، وشكرا لك من قبل على اسئلتك المهمة. لا شك ان الوقع في زمن الوحي له في فهم النص من قبل المتلقي، وقبله فهو مأخوذ في مضامين الوحي. والا كيف يؤثر اذا لم يكن ملحوظا، وسابين هذا لاحقا. واما بالنبسبة للرمزية والاهم الحق، فلا يمكن تجاوز البحث دون الوقوف عندهما. نأمل في مواصلة القراءة وانت بخير وسلام

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

رحابة ثقافة ورصانة تعبير وجدارة بيان .. شكرا لاانتهاء .

شدو محمد
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية خالصة للاديبة شدو محمد واهل وسهل بك في صحيفتك المقف. شكرا لتعليقك. سرني رضاك على الحوار مع خالص الاحترام

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

استمتعت بجولتي بين الحروف ومعانيها ،، بورك خطوكم

سميرة بن نصر
This comment was minimized by the moderator on the site

دليل على افنتاح العقل، ويقظة الوعي. الشاعرة القديرة سميرة بن نصر. احترامي لحضورك، سعيد باطلالتك واستمتاعك بالحوار.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أبو حيدر يتعامل مع موضوعه ندّاً ذكيّاً مع الإحترام الواجب في آن \ وأنا أقرأه أجدني أمام عقل مسؤول \ ويقارب الزهرة غالباً برقّة ألاّ تجفل نحلة تدور حولها \ وكأنّي أيضاً بحضرة من يريد إحياء موتى \ وهي مهمّة نبيلة \ وإذا ما له وما عليه فليكن واضحاً أنّ لأبي حيدر أن يكون ضوءاً في الطريق المعتم الطويل.

شوقي مسلماني.
This comment was minimized by the moderator on the site

شهادة اعتز بها من شاعر يطرح نظراته بعمق ضمن نصوصه. فلا استغرب قراءته الفاحصة للحوار. تحياتي زاكيات لك اخي العزيز الاستاذ شوقي مسلماني

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

أن ما جاء في القرآن من تشريعات تكفي حاجة الإنسان ليواصل حياته اعتمادا على عقله وقيمه ومبادئه الإنسانية، التي تحفظ له كرامته ودوره، وتحقق شروطه الحياتية بعيدا عن الظلم والتعسف. وهو فهمٌ مختلف لا يسمح بتضخم الأحكام الشرعية.

الأديب القدير ا.ماجد الغرباوي تحية واحترام
لقد اوجزتم الموضوع جله بهذا المقطع من الكتابه الذي وضعتم فيه يدكم ع مكمن الموضوع علة وتعليلا،فالقران إنما أنزله الله ليكون دستورا للحياة لتيسيرالمواضبع الشائكة التي كانت موضع جدال كالتحليل والتحريم والزواج والطلاق والأرث وغيرها من الأمور وقد أعطى حق الاجتهاد حسب الزمان والمكان (فلولا نفر من كل فرقة منهم ليتفقهوا في الدين...)
اي أنه أعطى حق الاجتهاد والتجديد شريطة الإبقاء على الأصول كما يفعل عالم الآثار عندما يرمم الآثار القديمة دون تغيير الجوهر والمجدد يجب ان يكون عارفا بالامور الفقهية وان يستنبط أحكامه من الواقع الحياتي للناس وليس مجرد نظريات واحكام لاتمت الواقع بصلة ولأن الإنسان مخيراوليس مسيرا فعليه أن يبحث ويفسر ويجتهد من أجل حياة افضل..
امتنانا لكم ولسعيكم الدؤوب وفقكم الله وانار طريقكم بالعلم والمعرفة مع خالص الاحترام والتقدير

مريم لطفي
This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بك دائما الاستاذة القديرة مريم لطفي. نعم الاسلام قد اخذ بنظر الاعتبار الواقع حينما شرع احكامه وعندما يختلف الموضوع لاي سبب كان يتغير الحكم. تحياتي وخالص الاحترام

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4968 المصادف: 2020-04-12 06:52:20