 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (170): فلسفة الخلق والخطيئة

majed al gharbawiاحمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

الخطيئة

ماجد الغرباوي

العنصر المشترك الحادي عشر: الخطيئة

تعتبر خطيئة آدم وحواء، التي رسمت معالم الإنسان، جوهر قصة الخلق. فكانت الخطيئة قدره منذ أول ممارسة فعلية لحريته، حتى اتخذ منها الفكر الديني ذريعة لإدانته، وحرمانه منها، بعد محاصرته أخلاقيا، وهي نتيجة ينتهي لها كل من يرفض رمزية الآيات، ويجمد على حرفية النص. تارة جهلا، وأخرى حينما يرتهن تفسيرها لعقول يسبغ عليها من العصمة والكمال ما يمنحها صفة الإطلاق،على حساب إنسانية الإنسان. إن الفهم التراثي لخطيئة آدم بيان ضد الحرية، وإدانة الإنسان مدى الحياة، وهذا ما تقوم عليه فكرة الفداء الكنسي، ويرددها العقل التراثي في الأديان بعناوين شتى، لا تخرج عن إدانة الإنسان وضرورة التحكّم بحريته. ومنذ ذلك والإنسان يناصب نفسه العداء، ويعيش دوامة الاغتراب والقلق الداخلي، حدَ التناقض في سلوكه ومشاعره. ينسى الاتجاه التفسيري مشاعر الاغتراب التي عاشها آدم بفقده جزءا من حريته (وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ)، فتمرّد كان ردة فعل لا إرادية لمعرفة سبب النهي، الذي أفضى لحرمانه من الشجرة، فوقعت الخطيئة، وكان بإمكانه تفادي المعصية لولا نسيانه: (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا)... ربما نسى مصدر النهي بسبب محدودية وعيه. أو نسى حقيقته، فتراخت عزيمته، ولم نجد له عزما. فهو لم ينس النهي وكان سببا لوساوسه. ثم دفعت حالة الاغتراب باتجاه تحري الحقيقة، بعد جدل داخلي، أو وسوسة شيطانية بالاصطلاح القرآني: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). ويراد بالخطيئة اصطلاحا، "انتهاك المبادئ الأخلاقية والقوانين الإلهية". فتشمل معصية الخالق: (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى). وتصدق معصية آدم وفقا لهذا التعريف. هذا هو ظاهر الآية، لكن ثمة دلالة ترتبط بحرية آدم بناء على رمزية القصص. تقدم بيانها وسيأتي الكلام.

والخطيئة عنصر مشترك بين التوراة والقرآن، كشفت عن جوانب ضعف الإنسان، حتى وهو يعيش عيشة مثالية في أحضان النعيم، مادام الخطأ كامنا فيه. هو ليس محض خير، ولا محص شر، بل استعداد كامن لكليهما، بالقوة لا بالفعل: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا). لكن لم تكن الخطيئة قدرا نهائيا، بل أنها تجربة يوظفها لتقويم مساره السلوكي، ويتدارك تبعاتها النفسية بالتوبة، وقد ضمن الخالق توبته، كي يواصل طريقه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) .

ولكي يتضح تشابه قصة الخلق في الكتب السماوية، نستعرض النصوص المرتبطة بها في التوراة والقرآن، كما هو موضوع البحث.

جاء في التوراة:

[- وأوصى الإله آدم قائلا:

- من جميع شجر الجنة تأكل أكلا

- وأما من شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها،

- لأنك يوما تأكل منها موتا تموت].

ثم تتوالى أحداث الخطيئة مفصلا في التكوين، انسجاما مع واقعية القصص. وقد جعل أهل الكتاب مدى تطابق وقائع القصص دليلا على صحة نبوة محمد بن عبد الله، كما مرَّ بيانه في قصة أصحاب الكهف.

جاء في سفر التكوين:  

[- وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ، فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقًّا قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟»

- فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ،

- وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلاَّ تَمُوتَا».

- فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا!

- بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ».

- فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ، وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ، وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضًا مَعَهَا فَأَكَلَ.

- فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ.

- وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلهِ مَاشِيًا فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ، فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ.

- فَنَادَى الرَّبُّ الإِلهُ آدَمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيْنَ أَنْتَ؟».

- فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ، لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ».

- فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟»

- فَقَالَ آدَمُ: «الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ».

- فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ».

- فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ.

- وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ».

- وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ».

- وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ.

- وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ.

- بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».

- وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ «حَوَّاءَ» لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ.

- وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا.

- وَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفًا الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضًا وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ».

- فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا.

- فَطَرَدَ الإِنْسَانَ، وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ، وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ]. سفر التكوين: (3: 1-24)

وجاء في القرآن:

- (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)

- (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا، وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى، إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى، فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى، ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى، قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى)

نخلص من خلال المقارنة بين نصوص التوراة وآيات القرآن، تشابه القصص في عناصرها الأساسية، وهي:

- اتخاذ الجنة سكنا لآدم وحواء.

- الصورة المثالية للجنة. (فيها ما يشتهون).

- النهي عن الاقتراب من الشجرة. (مشخّصة في التوراة، مبهمة في القرآن)

- الوسوسة (الحيّة ومن ثم المرأة في التوراة، الشيطان / إبليس في القرآن)

- الخطيئة وارتكاب المعصية  بالأكل من ثمرة الشجرة المنهي عنها.

- الخجل والآثار التكوينية للمعصية (ظهور سَوْآتُهُمَا، والشعور بالخجل، والتستر بورق الأشجار)

- عتاب الخالق لآدم (في التوراة،  خلال جولته في الجنة، وتخفي آدم خجلا. وفي القرآن: وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا..).

- الخروج من الجنة. (طرد في التوراة. وهبوط للأرض في القرآن)

فوارق جوهرية

اتضح من مقارنة النصوص وجود عدة فوارق، بعضها جوهري، بين التوراة والقرآن، هي:

1- البنية الخرافية للرواية التوراتية، حيث تنجح الحيّة في غواية حواء الإنسان، ومن ثم آدم الإنسان.  ويحسب للنص القرآني عقلانيته في قصة الخلق، حينما تجنب المنهج الوقائعي في السرد القصصي. وهذا فارق لافت. قد يقال أن التوراة محكومة لظرفها الزماني، والبيئة الثقافية آنذاك، وهذا صحيح، لكن نسبة التوراة إلى الرب الإله، يقتضي تجردها من الخرافة. بل أن رواية التوراة تمادت، فكان الله بشرا يتمشى في الجنة وراح يبحث عن آدم، ورمته بالجهل وعدم المعرفة، عندما سألهم عن مكان وعلة اختفائهما.

2- إن نسبة الوسوسة للحيّة في التوراة، ونسبتها للشيطان / إبليس، في القرآن، لا يشكل فارقا جوهريا، مادام كلاهما يرمز للشر وغواية الإنسان. (وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلهُ). ويقول القرآن عن الشيطان: (وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ)، فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى). إما لطبيعة الشر الكامنة في الحيّة (أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ). أو كان حقدا لتفضيل الإنسان على إبليس: (أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إَلاَّ قَلِيلاً). فالنتيجة واحدة. والوساوس وساوس نفسية تمثل صراعا مستداما بين الخير والشر. بين تنزيه الذات وإدانتها. فيتخذ الإنسان من الشياطن ذريعة لتنزيه الذات، ونسبة ما يقترف من سيئات لغوايته. وهو بهذا يدين نفسه حينما يتهم الشيطان بالغواية، ويعترف بضعفه. وكل هذا لا يخفى على خالقه، فقبل توبته، شريطة أن يبقى سويا. والشيطان رمز للشر منذ العصور القديمة، وليس حكرا على المنطقة العربية، اتخذه الإنسان شماعة يعلق عليه أخطاءه.

3- نسبت التوراة غواية آدم للمرأة (فَقَالَ آدَمُ: "الْمَرْأَةُ الَّتِي جَعَلْتَهَا مَعِي هِيَ أَعْطَتْنِي مِنَ الشَّجَرَةِ فَأَكَلْتُ"..). بينما نسب القرآن غوايتهما (الزوج وزوجه) للشيطان. وكلاهما في شراك الغواية. غير أن توسط المرأة بين الشيطان وآدم / الرجل في التوراة تعكس ثقافة المجتمع العبودي، القائم على تهميشها، ورميها بالغواية والنقص العقلي. فهي وراء كل خطيئة بما فيها أخطاء الرجال، وهي مركز الشر والخطيئة. أو بشكل أدق أن خطيئة الرجل تغتفر بينما تبقى وصمة عار تلاحق المرأة. وهذا يعتبر فارقا جوهريا بين التوراة والقرآن. فارق لا يقتصر على الاجمال والتفصيل. بل ثمة نظرة عادلة في وحدة الخطاب الموجه لهما قرآنيا: (وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ، قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). دون أن يغوي أحدهما الآخر. وهذا اعتراف باستقلاليتهما، وتحمّل المسؤولية الشخصية وفقا للمبدأ القرآني: (وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).

4- إن وصف الخلد للشجرة جاء على لسان الشيطان: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى). وبناء على أن الوسوسة نفسية داخلية، فإن الوصف مجرد وسوسة وتكهن. وأما القرآن فلم يصفها بأية صفة: (.. وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ). بينا جاء في التوراة: (وأما من شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها). وعليه ثمة فارق بين الإبهام والتشخيص، يكشف عن مدى تعلق التوراة بالتفاصيل ووقائع القصص دون ثيمتها. بينما الإبهام جاء منسجما مع رمزيته.

5- كان خروج آدم من الجنة نهاية مرحلة، وبداية مرحلة، بالهبوط إلى الأرض، وليست عقوبة كما يفهما التراث والتفسير السائد، لأن الله قد تاب عليه: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، بل أكثر من ذلك: (ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى). فهو بعد توبته شخصية جديدة، وأما الهبوط للأرض فهو قدره منذ بدء الخليقة، حيث الخلافة التي من أجلها خلق الله الإنسان، وليس عقابا. بينما اعتبرت التوراة خروج آدم من الجنة طردا، تعبيرا عن غضب الله عليه. وفارق واضح بين الغضب الذي أدى لطرده، وبين التوبة والاجتباء والاصطفاء. فآدم توراتيا طريد في الأرض. يكمل فيها عقوبته. وزد على ذلك، ثمة تبعات لحقت الحيّة وحواء وآدم جراء معصيتهما، وتبقى تلاحقهما مدى الحياة:  فَقَالَ الرَّبُّ الإِلهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هذَا، مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعَيْنَ وَتُرَابًا تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ.  وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ، وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ، وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ». وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «تَكْثِيرًا أُكَثِّرُ أَتْعَابَ حَبَلِكِ، بِالْوَجَعِ تَلِدِينَ أَوْلاَدًا. وَإِلَى رَجُلِكِ يَكُونُ اشْتِيَاقُكِ وَهُوَ يَسُودُ عَلَيْكِ».  وَقَالَ لآدَمَ: «لأَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِ امْرَأَتِكَ وَأَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ قَائِلًا: لاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، مَلْعُونَةٌ الأَرْضُ بِسَبَبِكَ. بِالتَّعَبِ تَأْكُلُ مِنْهَا كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكَ. وَشَوْكًا وَحَسَكًا تُنْبِتُ لَكَ، وَتَأْكُلُ عُشْبَ الْحَقْلِ. بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزًا حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ، وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».

 ثم جاءت الأناجيل، فنظّرت للخطيئة ضمن عقيدة الفداء. وهل الأناجيل فقط أم المذاهب الدينية بعناوين مختلفة؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

كنت و لا أزال أعتقد أن وجود النوع البشري حافل بالافتراضات.
و مشكلة اليقين أيضا مشكلة افتراضية. مثلا الجنة و النار و الموت .. لم يجربها أحد. و لم يخبرنا أحد عنها بعد تجربة يقينية.
لذلك دائما الأخطاء موجودة. و بعد تكراراها تتحول إلى خطايا.
و هو ما تحاول الأديان أن تتخطاه أو تنظف نفسها منه.
و ألمح الأستاذ الغرباوي بعدة مناسبات أن الثواب ليس مثل العقاب. فالعقاب عاجل و آجل. لكن الثواب آجل فقط. و ما تستمتع به في الحياة الدنيا إنما هو عرض سريعا ما يختفي و يزول أثره أمام مسائل لامتناهية و منها السؤال الأزلي.. ماذا بعد أن نموت.
و ما أشار إليه حول رمزية بعض المواقف و الحكايات يقدم اقتراحا يستحسن النظر بتفاصيله و إمكانياته.
و شكرا.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

جميع القضايا الغيبة والميتافيزقية قضايا نسبية لا حقيقة لها خارج النص والفض المعرفي للمتلقي وقد فصلت الكلام في كتاب النص وسيؤال الحيقية. شكرالمشاركتك الاستاذ الدكتور صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

بوركت الجهود أستاذ ماجد ودام مداد القلم حين يتحرى عن الحقيقة بين طيات النصوص وفق منهج فينومينولوجي لا يستند الى افكار الثراث .

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

الله يبارك الاديب احمد مانع الركابي وشكرا لمتابعتك حلقات الحوار. دمت بعافية

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5038 المصادف: 2020-06-21 04:32:10