 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (177): فلسفة الخلق ورقابة القانون

majed algharbawi8احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

ماجد الغرباوي:

ثانياً: الرقابة الاجتماعية

يقصد بالرقابة الاجتماعية: "اجراءات عملية يتخذها المجتمع لردع الظلم والعدوان مراعاة لمصالحه، وضمان ديمومة قيمه الأخلاقية". وبهذا تكون الرقابة الاجتماعية رهانا لتفادي إخفاقات الوازع الداخلي، تحفّز باتجاه عمل الخير، وتساهم في نقاء المجتمع وبسط قيم الفضيلة، بعد غلق منافذ الشر والظلم والعدوان، ولو بالقوة والإكراه.  إذ استدعى المصير المشترك للأفراد، منذ مرحلة المشاعية، مرحلة الصيد وجمع الثمار، إلى التجاور ضمن تجمعات سكانية، أو تقارب سكاني، لتحقيق أمرين:

الأول: التعاون على مواجهة المخاطر، كالوحوش الضارية، والفيضانات والزلازل والعواصف، وغيرها من أخطار يمكن درؤها بالتدبّر والحكمة والقوة. فالتجاور السكاني، يضافر الجهود، ويضع الجميع أمام مسوؤليات، لا يسعهم التخلي عنها. فالمصير والمصالح المشتركة كانت وراء نشوء علاقات اجتماعية تترتب عليها التزامات ومسؤوليات، تؤثر سلبا على حرية الفرد، لكنها تعود عليه بمصلحة أكبر، هي مصلحة المجموع. فتضحياته لا تذهب سدى، لذا يندفع بواجبه تجاه الجماعة. وبشكل أدق أن حب الذات يدفع باتجاه التجاور وتشكيل علاقات تراعي مصالحها، فيكون التنازل عن جزء من الحرية تنازلا لصالح الـ"أنا" ولو بعنوان الجماعة أو المجتمع مستقبلا.

والأمر الثاني: تحقيق خصوصيته الاجتماعية. وهي حاجة فطرية وغريزة إنسانية، فهو كائن (أو حيوان) اجتماعي بالطبع. لا يمكنه العيش منعزلا. ودأبه الخروج من حالة التوحش إلى التآلف. من العزلة  إلى الاجتماع، من الفردية إلى الجماعية، من التيه إلى الانتماء، الذي هو جزء مقوم لهويته، وأداة لتأكيد ذاته. فالانتماء هاجس، ينتشل الفرد من ضياعه. وما لم ينتم ويشعر بانتمائه، تفترسه غربة المكان، ويعيش قلقا وجوديا مضاعفا. فالانتماء يبعث فيه روح العاطفة والمشاركة، ويبعث فيه السكينه والأمل. كما هناك آثار اجتماعية تترتب على الانتماء، فهو بمثابة هويته في المجتمعات القبلية والأبوية. لا يمكنه التنازل عنه. لذا كانت السجون أقسى أنواع العقوبات، بسبب معاناة الوحدة والانفراد والعزلة عن وسطه الاجتماعي. فالإنسان رغم فردانيته يتنفس برئة اجتماعية، وعندما قلت سابقا أنه يميل لعمل الخير، رغم استعداده الفطري للخير والشر معا، وذكرت أن ميله للخير تعبير عن إنسانيته، أضيف، أن ميله لعمل الخير يحقق انتماءه الاجتماعي، ويضفي معنى لوجوده. فهذه الدواعي إضافة لظهور الملكية الشخصية، كانت نواة مسؤولياته الاجتماعية، وبالفعل كانت هذه المرحلة بداية ظهور الأخلاق، ورسو أعراف تضبط أداء الفرد والمجتمع، لضمان استقراره ورعاية مصالحه، وهي أشبه بالقوانين بلغة اليوم، تتضمن صلاحيات تصل حد الردع بالقوة، عندما يتفاقم الشر والعدوان والظلم، وراحت هذه الأعراف تتطور لتواكب تطور المجتمع، ثم استُغلت من قبل الاستبداد في مرحلة العبودية. وبالتالي فإن الرقابة الاجتماعية رقابة أصيلة داخل المجتمعات البشرية، سواء كانت مفروضة، أو ضمن العقد الاجتماعي باعتبارها ضرورة لضمان قيمه والمحافظة على أمنه واستقراره، فتكون متقفا عليها ضمنا، وشرطا ضمنيا في العقد. وهذا لا يختص بشعب دون آخر أو مجتمع دون غيره. بل حتى المجتمعات المتمرّدة، تحكمها قوانين داخلية، تضبط أداء الأفراد. فالأعراف الاجتماعية سلطة حقيقية، وليست اعتبارية أو رمزية. سلطة مجتمعية، قبل ظهور الدولة، بل حتى قبل ظهور مرحلة العبودية والاقطاع، باعتبارها ضرورة  يلجأ لها الفرد والجماعة. ومن بعد اُعتمدت قوانين رسمية ضمن صلاحيات السلطات الحكومية. وهذا هو الجذر التاريخي والبعد الأنثربولوجي للرقابة الاجتماعية. فهي ليست طارئة أو مفروضة من الخارج، بل هي من صميم العلاقات الاجتماعية، ثم أضفت الأديان على بعضها شرعية دينية، وأدرجتها ضمن تشريعاتها، لتكتسب معنى أعمق، ويترتب عليها، إضافة للجزاء الدنيوي، جزاء أخروي، ثوابا وعقابا. وبهذا تكتسي الرقابة الاجتماعية شرعيتين، اجتماعية ودينية. كل هذا شريطة أن لا تكون أداة للقهر والتسلط والعدوان بيد الحاكم المستبد والطاغية. فثمة رقابة اجتماعية كما في الحكومات الشمولية مفروضة على المجتمع لتحقيق مأرب السلطة، وهذا خارج بحثنا، وسنختار أدوات تحفظ توازن المجتمع وفق آلية، النفي والاثبات. نفي ما يفكك المجتمع، وتأكيد ما يضمن مقوماته. ويقصد بالمجتمع هنا المجتمع الإنساني، الذي هو بطبيعته مجتمع فاضل، يعزز قيمه ويسعى لرعايتها وديمومتها، وعندما يمده الدين بمنظومة قيم أخلاقيا تنسجم مع قصديته، وتحقق هدفه، لا تخرجه عن صفته الإنسانية، بل تكرسها وتبقى أُسّاً تشيد فوقه معمارية مجتمعها. فالدين يعزز قيم الفضيلة، ويكافح قيم الرذيلة، فيزادن المجتمع صلابة، ومَنَعة ذاتية. وبهذا الصدد يمكن رصد نوعين منها، هما:

1 - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فريضتان دينيتان، لتسديد المجتمع، وتدارك انحرافه، أكد عليهما الكتاب مرارا: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ). يفهم من الآية أن توظيفهما بشكل صحيح يساهم في تقويم السلوك العام للمجتمع. ويراد بهما لغة: (المنكر: كل فعل تحكم العقول الصحيحة بقبحه. أو تتوقف في استقباحه واستحسانه فتحكم بقبحه الشريعة)، (أنظر غريب القرآن). ولازمه أن المعروف ما حكمت العقول الصحيحة بحسنه. وهذا التعريف بناء على أن الحُسن والقُبح حكم عقلي، كما عليه المعتزلة والإمامية. أو يدوران مدار الشرع، كما هو مبنى الأشاعرة. وأما اصطلاحا فيمكن فهم دلالتهما عبر قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وهي مفاهيم واضحة، ينضم لها ما حكم به العقل، حُسناً أو قبحاً. لكن هل يجب الأمر بما حكم العقل بحُسنه، والنهي عما حكم بقُبحه؟ أم يقتصران على ما ورد في الكتاب الكريم؟. قد يقال: "ما حكم به العقل حكم به الشرع"، وهذا صحيح لكن ما هي الضابطة؟. الضابطة تدور مدار ديمومة قيم الفضيلة، سلوكا وعملا. ثمة أفعال أساسية، ينهار بانهيارها المجتمع، وهي ما ذكرته الآية: "العدل، الإحسان، والتكافل الاجتماعي، ومصداقه إيتاء ذي القربى". بينما تسلب المجتمع قيمه الفاضلة أفعال مثل: "الْفَحْشَاء، الْمُنكَرِ، وَالْبَغْيِ". فالآية اقتصرت على الأفعال الأساسية، ويبقى المفهوم مطلقا، تحدده الظروف الزمكانية وضرورات المجتمع، وتبقى الضابطة ديمومة قيم الفضيلة، وتدارك ما يفضي لانهياره. وهذا ما نتوخاه من الفريضتين، كمقومتين أساسيتين لمجتمع الفضيلة. الأولى تكرّس قيمه، والثانية تتفادى انهيارها. فالمجتمع مكلّف بحماية قيمه ورعاية بيئتة، من خلال هاتين الفريضيتين وعلى نحو الوجوب الكفائي، كما هو واضح من الآية المتقدمة. ولم يكتف  الخطاب القرآني بجعلهما فريضة شرعية بموازاة غيرهما من العبادات، بل راح يثقّف عليهما، من خلال جملة آيات: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). في مقابل من يتعهد المنكر، فيرميه بالنفاق والفسق، تأكيدا لخطورة سلوكهم: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ). بل جعل النهي عن المنكر من آثار الصلاة، عندما تكون صلاة حقيقية، ولازمها خواؤها وجدبها روحيا، عندما يتخلى الفرد عن مسؤوليته، ويضعف أمام المنكر: (وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ). وبالتالي فالخطاب القرآني يراهن على الأمة والمجتمع في ديمومة قيمه ومراعاة مصالحه، عبر رقابتين، داخلية وخارجية، بعيدا عن الإمامة كسلطة فوقية موجهة. المنهج القرآني يبدأ بالمجتمع، كمقدمة لديمومة القيم الأخلاقية، وفرز قيادة صالحة. لذا لم يخاطب النبي قومه بلغة فوقية، ولم يصف نفسه بالرئاسة والملوكية، بل كان صريحا معهم أنه بشير ونذير ومبلغ، ولم يتطرق لموضوع السلطة والحكم والخلافة، واقتصر هدفه على قيام مجتمع فاضل، وبيئة إنسانية صالحة، تراعي كرامة الإنسان، وتحفظ حيثيته. وأما السلطة فشأن اجتماعي، يرتهن صلاحها وعدم صلاحها بصلاح المجتمع وأفراده. وهذا واضح من الخطاب القرآني وعلى لسان جميع الأنبياء.

رقابة قانونية

تختلف الرقابة الاجتماعية عن الرقابة الذاتية. الثانية شعور نابع من فطرة الإنسان، ومسؤولية أخلاقية، بما في ذلك الضمير الديني، فهو ليس شيئا آخر غير الضمير الإنساني، يكتسب مناعة جديدة من خلال القيم الدينية. أما الرقابة الاجتماعية فهي مسؤولية بعض الأفراد: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، في إجراء احترازي، لتفادي استغلالهما، عندما تُحمل الألفاظ على ظاهرها، وتوظف لأغراض بعيدة عن مقاصدها، حداً تنعكس سلبا على الدين وقيمه، كما في السلوك المستهجن لبعض جمعيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في بلدان العالم الإسلامي، حيث تستخدم القوة مع إمكانية الرد السلمي. وتارة قوة مفرطة وعدوان سافر. كما اتخذت منها الحركات الاسلامية ذريعة، سفكت بسببها دماء غزيرة، وارتكبت أعمالا إرهابية فضيعة. وأخرى تجد شخصا يمنح نفسه صلاحيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالعنف. وسبق أن عالجت هذا الموضوع في كتابي: تحديات العنف. ونبهّت هناك أن الموقف لم يكن واحدا من هاتين الفريضتين على طول التاريخ فهناك من يجيز القتل في سبيلهما، وثمة من يحذّر من إلحاق الأذى بالنفس، ماديا أو معنويا أو كلاهما. فتقف عند حدوده بسببهما. فيكون إلحاق الأذى ضابطة للوجوب والنهي. وبالفعل اشترط الفقهاء شروطا لتفادي تبعاتهما. فهي فريضة منضبطة ولها مبرراتها، كما لها حد معين من التضحية، وليست مطلقة أو متروكة لتقدير الشخص نفسه. لكن بعض الحركات الإسلامية اتخذت من فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أساسا لوجودها، حتى غدت مبررا لقيام دولة إسلامية، ولو بالإكراه والعنف، إذا توقف العمل بهما عليه. وأيضا صار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سببا ودافعا لنشوء وتأسيس حركات أخرى، استجابة لقوله تعالى: "ولتكن مّنكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون". وبهذا تفاقمت الفريضة في حدودها وصلاحياتها ومسؤولياتها. بل وجدت بعض الحركات الاسلامية فيهما ضالتها، وانطلقت تتحرك بصلاحيات مفتوحة تستمد شرعيتها من الفريضة نفسها، ومن خطابي الأمر والنهي في الآيات القرآنية، لدلالة الأمر على الوجوب. هكذا ببساطة دون مراعاة قرائن الخطاب، ومناسباته. الأمر لا يدل على الوجوب دائما. لا بذاته ولا عقلا، بل يدل على الوجوب أو الندب بالقرائن، وهذا ما أذهب له، وقد فصلّت الكلام مع ذكر الأدلة اللازمة في محله. وقد ساعد عدم وجود مفاهيم محددة للمعروف والمنكر على التمادي في العنف، فهما بطبيعتهما فضفاضان يمكن تأويلهما وتوظيفهما وفقا لاجتهاد الأشخاص والحركات، فكانت مركزا للاجتهادات والتأويلات، وأسهلها صياغة المصالح الحزبية موضوعات ناجزة لتفعيل الفريضة واتخاذها ذريعة لتحقيق أهدافهم السياسية.

لكن يجب عدم خضوع هذه الفريضة لإرادة الأشخاص، تحسبا لأي  فوضى وعدم استقرار، سيما إذا عرفنا أن سقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتمدد حسب المصلحة الإسلامية، وحينئذٍ من سيحددها؟ إن أساس المشكلة يكمن في تعدد القراءات والفهم بحسب الفقهاء وقبلياتهم وثقافاتهم وفهمهم للأحداث والقضايا الساخنة والمصيرية، ومدى استجابتهم لضرورات الزمان والمكان. لذا نؤكد أن موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الأحكام الشرعية المنصوصة المتفق عليها بين المسلمين، والقيم الأخلاقية، وليس العقيدة أو الدين، بل ولا الأحكام الاجتهادية. فتقتصر على القدر المتيقن، بما فيها القيم والأخلاق الإسلامية، التي هي أخلاق إنسانية، وتأكيد تعهد الواجبات الشرعية، والنهي عما حرّم الله تعالى من أفعال وأعمال وأخلاق ذميمة. وقد اشترط الفقهاء للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شروطا، لا تجب الفريضة في حالة اختلالها، فهي ليست وظيفة كيفية خاضعة لمزاج الأفراد، وليست مطلقة في مصاديقها بل مقيدة بآيات وأحكام أخرى، تصلح محددات لها. كما للإنكار مراتب تبدأ من القلب ثم اللسان واخيرا اليد، كما جاء هذا في حديث الرسول: (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان)، (رواه مسلم في صحيحه) . فاذا تحقق المطلوب في مرتبة اللسان لا يجوز الانتقال الى مرتبة اليد. لكن بعضا يلجأ للعنف والإكراه بشكل فج، يؤلب ضد سماحة الدين ورسالته الإنسانية، ويعكس عنهما صورة سوداوية مشوهة. إنهما فريضتان منضبطتان لا تخضعان لأهواء الناس ورغباتهم الأيدولوجية، تارة يكون المخاطب فيهما هو الفرد، فيكون موضوعها المفردات التي تصادفه في حياته داخل محيطه (العائلة/ المدرسة/ العمل/ الجمعية/ النادي/ ...). أي جزء أو شريحة صغيرة من المجتمع. ولا شك انه سيساهم في تقويم الأفراد في حدود دائرته، على مستوى القلب، حينما ينكر المنكر. واللسان، بكلام مؤثر وحوار بناء، يلتزم فيه بالحسنى والموعظة الحسنة، وتحاشي نفور الناس من الدين، كي لا يرتد عمله سلبا، ضرره أكبر من نفعه. وأن يتحلى بوعي رسالي، غير مسكون بالعمل الثوري، ويضمن عدم الضرر، وجملة شروط ذكرها الفقهاء في محلهم. وأن يتمثل أخلاق الدين، ولا يصار للمرحلة الأخيرة، بل ينبغي له الانسحاب خاصة مع احتمال الضرر.

وأخرى يكون الخطاب موجها للجماعة وليس الفرد، فيكون موضوعها المفردات التي يتعذر على الفرد معالجتها. وهنا يمكن تصور العمل الجماعي ضمن أطر متعددة، فيمكن للجماعة أن تعمل ضمن مؤسسة أو حزب أو جمعية، أو أي تشكيل، وفي جميع الأحوال ترتكز لهذه الفريضة بالذات. وحينما تكون منظمة تندرج ضمن مؤسسات المجتمع المدني. والشرط الأول في هذه المؤسسات هو العمل ضمن قانون يضبط مسؤولياتها، فحينما تجد مؤسسات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تصادما بين الفريضة والقانون عليها حل التعارض والتصادم من خلال الإجراءات الدستورية المتبعة.

إن اللافت في آيات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثناؤها على مطلق الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، لكنها تضع مسؤولية تنفيذه على الجماعة والأمة: "ولتكن مّنكم أمّة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون". وقد  اختلف الفقهاء حول دليل الوجوب، هل هو عقلي. وما ورد في الكتاب والسنة ارشاد لحكم العقل، أم وجوب شرعي؟. وعمدة دليلهم روايات. خلافا لآيات الكتاب التي خصت الجماعة بمسؤولية تنفيذهما. وابعاد الفرد بما هو فرد مادامت وظيفة، محفوفة بالمخاطر، وقد يفقد السيطرة حينما يتخذ موقفا من وحي مزاجه الشخصي أو الأيديولوجي. لذا وضعت في عهدة الجماعة المنظمة التي تأخذ على عاتقها دراسة الموضوع والظروف المحيطة به ومدى صلاحية ممارسة النهي إذا كان منكرا. أو الأمر إذا كان معروفا، فيحد التنظيم القانوني والإداري من سلبياته. وقد تتلاشى اذا حظيت بدرجة عالية من الحيطة والتخطيط ورعاية مصالح الوطن والمسلمين.

إن شرعية هاتين الفريضتين، لا تبرر أي ظلم وتجاوز واعتداء. والهدف منهما حماية قيم الفضيلة داخل المجتمع، وتحصينه ضد كل سلوك يفضي لانهياره. وأما تبرير الحركات المتطرفة، واتخاذهم من الفريضة ذريعة لاستباحة الدم وهتك الحرمات، فلا دليل عليه من نفس الآيات كحد أدنى. لذا الصيغة الأفضل لأدائهما بانضباط وتوزان، أن تتعهدهما الجهات الحكومية المسؤولة، فتكون أسلم طريقا وأقل ضررا. لقد وظفت الحركات الإسلامية مرونة النص القرآني، وإطلاق آياته لتحقيق مآرب سياسة، واتخذت من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ذريعة لشرعنة العنف والعدوان، واعتبرت اسقاط الحكومات مقدمة لهاتين الفريضتين، لكن سرعان من تنفضح نواياهم، حينما تنقلب السلطة إلى حكومة مستبدة، تصادر الحريات، وتقمع الرآي الأخر، وتستأثر بالمال والثروات. بل لم تسفك دماء بريئة بحجم ما سُفك على أيدي الحركات الدينية المتطرفة.

وبالتالي فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أداة يرتكز لها الخطاب الديني، لضمان ديمومة قيم الفضيلة، وتقويم سلوك المجتمع، شريطة عدم استغلالهما لأهداف سياسية أو أيديولوجية، وعدم تكريسهما لشرعنة القوة والاستبداد واحتكار السلطة، سواء كانت سلطة فعلية أم اعتبارية. كما يجب الحذر من فتاوى الفقهاء، فليست ثمة فتوى بريئة. ومكمن الخطر في تشخيص موضوعات الأحكام، ومدى تأثّرها بقبلياته وتوجّهاته السياسية والأيديولوجية، خاصة مع المناوئ السياسي والعقدي والمذهبي. فالدافع السياسي مثلا قد يبرر سفك دماء غزيرة بذريعة التمهيد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من باب مقدمة الواجب واجبة. إذ أن الأمر فيهما مطلق، ولم تحدد الآيات أساليب تنفيذهما وتطبيقهما، فيجتهد المتلقي / الفقيه في تشخيص الموضوع، ويمكنه توظيفها لخدمة مصالحه. وعليه فإن دراسة هاتين الفريضتين ضمن سياقاتها القرآنية يجعل منها أداوات ماضية لديمومة قيم الفضيلة والقيم الإنسانية. ويحول دون استغلالهما، عندما وضع مسؤوليتهما على عاتق الجماعة وليس الفرد، مهما كانت صفاته، كإجراء احترازي لتدارك أي سلبيات ترافق أدائهما. خاصة حجم الإغراء في الخطاب الديني الذي يدفع للتضحية بالمال والنفس، من أجل تطبيق الأحكام الشرعية. وهذا خطر مضاعف.

 

يأتي في الحلقة القادمة

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (7)

This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر المرموق أ. ما جد الغرباوي خالص التحايا
"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" موضوع دقيق جداً وربما كان سبباً في تشوّه عقول الأفراد في البيئات الإسلامية
ذلك حين نشأت جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما لدى بعض الدول العربية بأشكال مختلفة إن لم يُعترف بهم ينفرط عقد المجتمع لتخرج جماعة تطالب بهما رأساً.
- فهم المسلمون( وما زالوا ) أن الأمر والنهي فرديان، وهما ليس كذلك. لماذا قال القرآن" أمة" بقصد اللفظ ذاته، لأن الأمة لها أبعاد سياسية تنظيمية عامة لا تخص الأفراد حصراً.
- فهم بعض المسلمين أن الأمة ( جماعة، كتلة، هيئة - مؤسسة) مما أعاق بناء الدولة.
- انحصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في مجالات السلوك والأخلاقيات مع أنهما يعنيان تطور المجتمعات وتقدمها وتنميتها( وهذا يتفق تماماً مع كلمة الأمة ومع فكرة االمجتمعات الراهنة).
- وعلى المستوى العام تأخذ المسألة مكانتها عبرالهندسة الاجتماعية والتخطيط للمستقبل وبناء الحياة الحرة دون وصاية.
- تندرج المسألة برمتها حاليا في دائرة الحضارة وأكثر أشكالها إبداعاً وتطوراً( نظام ديمقراطي ليبرالي مفتوح) هو الذي يكف الناس فيه عن التناحر والإمساك برقاب بعضهم البعض والهوس بالمراقبة والتتبع.
كنت أود ألاَّ يكون العنوان( الرقابة الاجتماعية)، لأنه مصطلح أمني خشن، وهو أقرب إلى الاقتصاد وتحول إلى سلطة يومية تقمع الحريات.
دأم ألقكم وطابت أوقاتكم

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

سعيد بحضورك الاخ الاستاذ الدكتور سامي عبد العال. تفاعلك مع الحوار اضافة حقيقية ومداخلة تضفي، وهذا ما اطمح له. هذا هو النص الديني، مرن، ثري، لا يكف عن التأويل ما لم يقرأ ضمن مقاصد الشريعة، وفهم جديد للدين يقوم على مركزية الإنسان، وكانت تداعيات هذه الفريضة خطيرة، وقد فصلت الكلام حول العنف والعنف الديني في كتاب تحديات العنف. الدوافع السياسي تسقط رغباتها على النص، وتسعى لتأويل كل آية يمكن تأويلها سياسيا، سواء اقامة دولة أو تبرير قتل الآخر واستباحته، كما تقرأ في أدبيات الحركا الإسلامية، الأخوان المسلمين ومن تربى في أحضانها الفكرية والثورية. أما ملاحظتك حول العنوان فجديرة، ساغيرها الى قانونية الاعم من القانون الديني والوضعي، حيث أكدت في نهاية البحث على ضرورة تخويل المؤسسات الحكومية بهذه الفريضة لتنتظم ضم قوانين والدولة، ولا تستغل لاغراض سياسية. اكرر احترامي وتقديري.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الغرباوي تحية و بعد.
منعني الارهاق و الحرارة من الادلاء بوجهة نظر متواضعة حول هذا الجهد المستمر و الدؤوب.
الحقيقة ان مسألة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر تحيل فكريا و ليس شرعيا لمشكلة حوار الثواب و العقاب و ديالكتيك المذموم و المقبول. و هذه مشكلة ازلية في المجتمع الروحي و المادي على حد سواء.
و لكل اختصاص او مجتمع جمعيات امر بالمعروف و على مستويات مختلفة. فالقانون و الدساتير المعمول بها موجودة لتحض على الفضيلة و تمنع الرذيلة و اثارها.
حتى في المجتمعات الريفية هناك دوائر اسمها الارشاد الزراعي تبين للمزارعين افضل الطرق لتغل الارض و اسوأ الطرق التي يجب انكارها و تجنبها لتفادي المخاطر.
و لكنها طرق متبدلة حسب الطقس و المناخ و ظروف الارض و البذار المتوفر و الميزانية.
انا مع ما ذكره الاستاذ عبد العال ان القضية هي في الحضارة.. و هي قضية تثقيف و تهذيب و توجيه.
اما ان نفهم انها ارغام و قسر و ضغط و اكراه فهذا ما يمكن ان يدخل في نطاق المجالات الرمادية التي تحتاج لمداولة و اعادة تعريف.
اخر جماعة للأمر بالمعروف تم تفكيكها بالسعودية. كما اسمع. لأنني اهتم في السعودية بروايات عبده خال و رجاء العالم و عبد الله بن بخيت اكثر من اهتمامي بهذه القضايا التي تحتاج لتدخل السلطات العليا. و هو ما لا اعتقد انه مكان أفيد به.
و شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

الحمد لله على سلامتك، معافى ان شاء الله تعالى، اخي العزيز د. صالح الرزوق. شكرا لحضورك وتفاعلك.لا تنسى حجم الاغراءات فيهما، مما يجعلهما في معرض الاستغلال وتهديد الامن والاستقرار.لذا أضفت خلاصة في نهاية الحوار لبيان الحقيقة ولكي لا يلتبس الامر، اتمنى الاطلاع عليه، مع خالص احترامي ومحبتي.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل ماجد الغرباوي تحية طيبة.
اسمح لي يا استاذ ان اختلف معك وانا من المعجبين بما تحمله من فكر منفتح وعقلية واعية جبارة وثقافة دينية واسعة.
في بعض كتاباتك هناك شبه فيما تكتب وماكتبه الراحل محمد شحرور تحاول تجميل بعض ماجاء في القرأن رغم عدم القناعة وهذا ماتلمسانه من خلال طرحك فتصل الى حد معين وتتوقف عنده دون ان تتجاوزه ولانعلم هل خوفا ام ترددا في استنتاجاتك حول ماجاء في القرأن من خلال التناقض في اغلب ماجاء به .
في هذا البحث تشير الى الاية ((وأقم الصلاة أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر)) ولا اعرف مامدى قناعتك بهذه الاية هل حقا انها تنهى عن الفحشاء والمنكر فاذا كانت كما جاءت لماذا لاتنهي المسلمين من عمل المنكرات من قتل وسرقة وفساد وزنى الى اخره ولماذا لاتمنع المسلم مثل داعش والوهابية وغيرهم من المسلمين الاصوليين وهؤلاء اكثر مني ومنك تعبدا ونراهم اكثر اجراما وكفرا
ثم قلت لم يخاطب النبي قومه بلغة فوقية ولم يصف نفسه بالرئاسة والملوكية .
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ.
بالتاكيد ستقول هذا من باب الادب والاحترام ولكن هذا مايتمثل به الملوك والامراء والرؤساء في زماننا هذا والناس تمتثل لهذا خوفا وليس احتراما
.برأيك هل يستطيع احد رفع صوته او مجادلة النبي وهو بين اصحابه ام يقطع رأسه وخصوصا بسيف عمر بن الخطاب الذي كان جاهزا وابدا كما ذكره التاريخ فهذا يكفي النبي كبريائا وعلوا دون لجوءه الى الفوقية للمخاطبة كونه مقدسا وكلامه لايعلوه شيئا . ولما يرى المسلمون وغير المسلمين كيف يلقي المسلمون بانفسهم لتلقي بصاق النبي وبوله ودم حجامته للتبرك به بالتايد تصبح له هيبة ورهبة.
الا يكفي ابن مسعود واحتضانه نعلي الرسول في قعوده وقيامه فبالتاكيد ان هذه القدسية لاتستدعي من النبي ان يخاطاب المسلمين بفوقية فانهم يشعرون بالخوف والرهبة من دون ذلك.
وفي باب اخر تقول ولكن بعضا يلجأ للعنف والاكراه بشكل فج يؤلب ضد سماحة الدين ورسالته الانسانية ويعكس عنها صورة سوداوية مشوهة .
اليس هذا العنف هو الذي دعت له الرسالة الاسلامية السمحاء في القران والسنة الم يدعوا الاسلام الى القتل والتعذيب والتشفي الم يدعوا الى بشاعة قطع الايدي والارجل وجلد الزاني والزانية مائة جلدة والرجم بالحجارة رغم انه ليس في القرأن وانما جاء في الدين اليهودي حتى تنتزع روحه وهذا اقسى مايذهب اليه التعذيب فاين هي الرسالة الانسانية ياترى . اين الرحمة عندما جاء ( ماعز) من قبيلة بني اسلم واعترف للنبي بانه زنى حتى حكم عليه النبي بالرجم ففاضت روحه بين يدي رسول الله فأين قول من اعترف بذنبه لاذنب عليه . وخذ قصة المراة الغامدية التي رجمت بعدما اعترفت بالزنى وهي حبلى فقال لها النبي اذهبي حتى تلدي فلما ولدت اتته بالصبي في خرقة فقالت هذا فقد ولدته قال. اذهبي فارضعيه حتى تفطميه فلما فطمته اتت بالصبي في يده كسرة خبز فقالت. يانبي الله قد فطمته واكل الطعام فدفع الصبي الى رجل من المسلمين ثم امر بها فحفر لها الى صدرها وامر الناس فرجموها فاقبل خالد بن الوليد سيف الله المسلول بحجر فرمى راسها فتناثر الدم على وجهه فسبها فقال رسول الله مهلا ياخالد فانها تابت توبة نصوحة..
وان هذه المسكينة لم تستطع الفرار ويالها من قتلة مهولة فاين الرحمة والرافة وهي تائبة بين يدي رسول الله
.وخذ مني هذه القصة ايضا عن (عصماء اليهودية)
قالوا انها كانت تسب النبي وتؤذيه في شعرها وتحرض عليه فبعث رسول الله عمير بن عدي الخطمي ليقتلها .فجاءها عمير في جوف الليل وحولها نفر من ابناءها نيام وعلى صدرها صبي ترضعه فنحى الصبي عن صدرها حتى انفذه من ظهرها ثم صلى الصبح مع النبي بالمدينة فقال له رسول الله أقتلت ابنة مروان فقال نعم فهل على ذلك من شيء فقال لاينتطح فيها عنزان اي الامر في قتلها هين لايعارض فيه معارض.
لربما تقول لي ليس كل ماجاء في السير صحيحا ولكن اقول فليس كل ماجاء باطلا وليس صحيحا.
ولااريد ان اذكر الايات التي تحرض على هذه البشاعة والقسوة لانها تطول ولاحدود لها وحضرتك ادرى بها واحصاها.
وهذه الحركات الاسلامية كما سميتها حاولت تطبيق الشريعة الاسلامية التي الزمت المسلم الالتزام بها
((وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ
((ومن لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الظالمون))
فهذه الايات ثابتة وقطعية .

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

اهلا وسهلا ابا سجاد الاخ الاستاذ العزيز، ومرحبا بك دائما، الاختلاف وطرح الاسئلة يثري الحوار، فما اطرحه وجهة نظر، قد نتفق او نختلف حولها. وشكرا لصراحتك فهذا يسعدني. شكرا لانك معجب بكتاباتي. ساجيب على ما تفضلت به:
- ان ما اطرحه يمثلني انا، لم اقتبس من احد، وعندما تقتضي الضرورة اشير للمصدر. ولا اعلم ان احدا قد كتب حول فلسفة الخلق بهذا التفصيل. ووجهة النظر قد تتغير ووتطور وقد اكتشف ادلة جديدة وفهما جديدا، فانا في حركة معرفية دؤوبة. والفكرة تتطور باستمرار.
- لا اكتفي بتفسير النص، واسعى لفهمه، وفق ظروفه وغاياته ومقاصده وقبلياته. وعندي القرآن روح واحده، محكومة باطار واحد، وفي ضوئه افهم اياته. وفهمه يتطلب ظرف نزول النص، واسباب نزوله، ثم بعد ذلك يقرأ ضمن الوحدة الكلية للقرآن. وينبغي التفريق بين القضايا الحقيقية والخارجية، والاخيرة ليست فعلية ولا يمكن ان تكون كذلك، بل هي احكام اقتضتها الضرورة.
- لا شك من يرد الاخذ بظاهر القرآن يستطع وبسهولة، ومن ثم يمارس العنف والقتل وفقا لبعض اياته، لكن ليس الامر كذلك، فنحن فنترض أن المشرع سيد الحكماء والعقلاء.
- كثير من الشبهات لا تحل الا بفهم جديد للوحي والنبوة، وهذا ما اطمح له، والا تبقى الاجوبة تبريرة، لا تقنع كثيرا من الناس، خاصة مع الفتوحات العلمية والمعرفية وشرعة حقوق الانسان.
- الاصل عند الشك او التردد هو القرآن وليس السنة، وقد فصلت الكلام حول هذه النقطة. وقلت ان دور النبي دور تبليغي.
- انا هنا باحث، اتناول النص كما هو، بلا تحيز، غاية الامر، ان فهم النص يتطلب جهدا استثنائيا بسبب لغة الدين ورمزيتها ودلالالتها المعقدة.
- لا توجد علاقة علية أو علة ومعلول بين الصلاة والنهي عن المنكر، بمعنى الضرورة التكوينية، كما في الورقة والنار، إذا القيت الورقة في النار احترقت، فالنتيجة هنا حتيمة لا تتخلف. والاية تتحدث عن آثار الصلاة متى استوفت شروطها الروحية، على اساس ان هدف العبادات خلق وازع روحي عند الانسان، أو تقوى وورع وخوف من الله. فينهى نفسه عن المنكر. وعليه فالامثلة التي ذكرتها تعبر عن ضعف الايمان، فيمارس الرذيلة ويسرق رغم صلاته وصيامه. كما ان التقوى مستويات، وهذه نقطة مهمة، ليس كل الناس بمستوى واحد، فمن يتورع بالقضايا الصغيرة قد لا يتورع في الشهوات وحب المال والنساء والسلطة. واما بالنسبة لداعش والحركات المتطرف فلديهم شبه وعدم فهم صحيح، كما بالنسبة للخوارج، وموقفهم من الامام علي، لذا قال لا تحاربوا الخوارج من بعدي، ليس من طلب الحق فأخطأه ، كمن طلب الباطل فأدركه.
- المقصود بكلامي، أن النبي لم يخاطب قومه كرئيس دولة او ملك، ويؤكد انه نبي مرسل، وانه مبلغ وهادي. السلطة السياسية تجعل الخطاب فوقي، لا شرعية له سوى استبداد الحاكم، وهنا نتكلم عن نبي مرسل من قبل الله، ويفترض أن لله الامر من قبل ومن بعد، وعندما يفوض نبيه صلاحيات، فهي صلاحيات ممنوحه منه، فهل يجوز مخالفته؟ المفروض كمؤمنين لا يخالفونه. انت تعتبرها فوقية وغيرك يعتبرها طاعة لله، فالاختلاف في زاوية النظر. فالمفهوم خارج حدود الدين يصدق ما قلته من انه خطاب فوقي. لكن الاخر يعتبره ضرورة تنظيميه لشؤون المسلمين وعلاقتهم برسوله. وبالتالي فالخطاب الديني ايضا خطاب فوقي، ويجيد لغة الامر والنهي، ويطالب بالطاعة والتعبد المطلق، والفرق أن لله ولاية بالاصالة لا بالجعل، ومعنى هذا له حق التصرف والامر والنهي، والكلام هنا يطول وفقا لنظريات علم الكلام. فالعلو والتعالي له حقيقة وليس مجعولا من احد. وايضا طاعة الاوامر الشرعية لا تخلو من تضحيات بل تتطلب التضحية بالنفس والمال، في مقابل الفوز بالاخرة، لهذا جل خطاباته للمؤمنين، لان الامر يتطلب الايمان اولا.
- في الفقرات التالية، نختلف حول زاوية النظر، حول العقوبات الجسدية، كتبت عدة حلقات في الحوار، يمكنك مراجعته لتعرف رايي فيها. أما القسوة فجيمع العقوبات بالعالم قاسية، ولكل زمان ظرفه، وقلت بصراحه كانت الغاية قطع دابر الجريمة ، باي وسيلة كانت، واليوم قد تغير كل شيء، وبات السجن والغرامات المالية اكثر تاثيرا. يمكن مراجعة الموضوع
- لا توجد عقوبة رجم في القرآن، وفصلت الكلام في كتاب تحديات العنف، وراجعت ادلة القائلين بالرجم، ولم اجد سوى دليل الاجماع، ووجدته اجماعا مدركيا، لرواية لابن عباس، وتحدثت عن مدى صحتها. فيبقى الاصل هو الكتاب الكريم.
- لا اناقش سلوك المسلمين، واقتصر في كتاباتي على الدليل، وعندما اضرب مثلا بالواقع فباعتباره مثالا للتطبيق، لا لان سلوكه يمثل مرجعية شرعية بالنسبة لي.
- مشروعي يسعى لتقدم فهم اخر للدين بكل ما لهذه الكلمة من معنى وابعاد، قد تفضي الى رؤية غير مالوفة. والكلام في محله اذا بقي في العمر باقية.
- قد تجد كلامي مجرد تبرير، وانا اسميه فهما وليس تفسيرا ولا تبريرا. وكم مسالة ذكرت فيها رايا مخالفا للمتداول خلال هذا الحوار وفي جميع كتبي؟؟.
شكرا لك ثانية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

اطال الله في عمرك وتبقى استاذنا ودليلنا نحو العلم والمعرفة . وتبقى شمعة تنير لنا طريقنا

بارك الله فيك

ابو سجاد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5087 المصادف: 2020-08-09 04:53:14