 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (178): فلسفة الخلق ورمزية الرقابة

majed algharbawi9احمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الثامنة والسبعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ: أحمد مانع الركابي.

 

ماجد الغرباوي:

2- العرف العام:

العرف العام رهان ثانٍ للرقابة القانونية، ورابع وسائل ديمومة قيم الفضيلة. يقصد به: "منظومة قيم أخلاقية عرفية ملزمة، تضبط سلوك الناس، ومستوى انتمائهم". أو التزامات متفق عليها ضمنا بين أفراد المجتمع الواحد، كسلطة عرفية، قانونية، يتعهدها الجميع، لتفادي التهميش، وتأكيد انتمائهم. ذلك الهاجس النابع من عمق المشاعر الاجتماعية لدى الفرد، ورغبته في التوحد مع أبناء جنسه، حينما يشعر بالاغتراب بعيدا عنه. إذ قديما اعتبروا الإنسان اجتماعيا بطبعه. يبحث عن كل ما يعمّق روح الإنتماء، ويلوذ بكل ما يساعده على وعي العلاقة اجتماعيا، كي يألف حضوره، ويؤكد ذاته، ويكف عن عزلته، التي تعني موته اجتماعيا، مادام تأكيد الذات لا يتحقق إلا من خلال وعي الآخر. وهذا سبب اهتمام الإنسان بالعلاقات الاجتماعية، حيث يجد فيها ذاته. وليس كالمناسبات والطقوس والشعائر الدينية والأعراف والعادات والتقاليد، أداة أمضى في قدرتها على تعميق روح الإنتماء للجماعة. حيث تعمل على حماية وتحصين الذاكرة المشتركة للشعوب والجماعات البشرية، التي لها دور أساس في تعميق روح الإنتماء. فحماية الذاكرة المشتركة من الإنقراض ضرورة اجتماعية، نحن نعيش تجلياتها، حينما نشعر بانتمائنا المشترك للتاريخ والأحداث الكبرى. فهي جزء الهوية، وأحد معالمها. لهذا تسعى الشعوب لترميم ذاكرتها المشتركة، وتحفيز التلاحم معها. (انظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة). وبالتالي فالأعراف والتقاليد  ضرورة يتوقف عليها تماسك المجتمع، لا تختص بشعب دون غيره، مهما تفاوتت درجة الالتزام وضوابط الأعراف والتقاليد، رغم نسبيتها من حيث انتسابها لقيم الفضيلة. وما تراه صالحا قد يراه الآخر تخلفا وبالعكس. لذا نستوعب محدداتها ونلتزم بشروطها.

والأعراف أو ما تعارف عليه الناس، مرجعية قانونية يحتكم لها القضاء مع عدم وجود نص دستوري أو قانوني فضلا عن احتكام الناس لها في منازعاتهم وتسوية خلافاتهم. وقد حث الكتاب على الالتزام بالعرف في بعض الموارد: كقوله: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ). فالعرف يحقق رضا الناس وإن لم يحقق عدالة كاملة. ويساهم في استتباب الاستقرار الاجتماعي، من وحي قواسمهم المشتركة، التي من أبرز مصاديقها الأعراف الاجتماعية، التي تحافظ على ديمومتها من خلال تعهدها، وتبقى سارية المفعول ما لم تعصف به تحولات ثقافية واجتماعية وسياسية، تقلب نمط العلاقات السائدة بين الناس، فتتمظهر ثانية ضمن نسق علاقات جديدة، تعبّر عن قيمه. العرف ينطلق من قناعات مسبقة، ثم يفرض محدداته، التي تمثّل قناعة الجميع حسب الفرض، وهذا سر مركزيتها. بغض النظر عن طبيعة تلك القناعات ومدى تماهيها مع قيم الفضيلة.

إن مجتمع الفضيلة كغيره يرتكز لأعراف تنتمي لقيمه، وتضبط سلوك الناس تلقائيا. فهي سلطة قانونية وأخلاقية تفرضها ضرورات الاجتماع البشري وحاجاته. تستمد وجودها من ثقافته وطريقة تفكيره ومصالحه. ويصدق أنها نسق يعمل ضمن مهيمن ثقافي يتولى توجيه الوعي الجمعي. بهذا نفهم أن وجودها يرتهن لمقولات أساسية راسخة، كما يرتهن لمصالح اجتماعية متبادلة. وتلك المقولات نتاج رؤية فكرية وعقدية، هي سرّ تفاوتها أخلاقيا، فمجتمع الفضيلة يسعى لسيادة قيم الفضيلة، وتأسيس أعراف كفيلة برعايتها وتعهدها، فيحصل انسجام بين المجتمع وأعرافه، أحدهما يثري الآخر. بمعنى أدق أن قيم الفضيلة ستكون رافدا لشرعية الأعراف، بعد تحريرها من سطوة الاستبداد والمصالح الشخصية، بعيدا عن الرذيلة والتهوّر الأخلاقي. فالعرف بما أنه سلطة  فوقية موجّهة، يضبط سلوك الأفراد، لتعدد روافد شرعيته: "المصالح المشتركة لجميع أفراد الشعب، الدين، السلطة السياسية، الصراع الطبقي، النظام الاجتماعي، القوة الاقتصادية، الملكية، وقيم الفضيلة". وهي تختلف باختلاف قدرتها على التأثير، سواء كانت دينية أو اقتصادية أو رمزية. وتعزز عبر منظومة الأعارف ما يوافق مصالحها ويثري رصيدها الاجتماعي، ويكون لها الهيمنة فعل مركزيتها. فتفرض التزامات اجتماعية، تتعهدها الطبقة الوسطى لضمان انتمائها وتأكيد ذاتها، رغم تمرّد بعض المهمشين والمعدمين، ممن يتساوى عندهم الانتماء وعدمه. تمردهم ليس مغامرة، فهم معدمون، لا يملكون شيئا كي يخسرونه. بينما قلق الطبقة الوسطى تجاه انتمائها، يدفع لمراعاتها، وضمان عدم سخط الطبقة المهيمنة. بهذا نفهم آلية عمل الأعراف والتقاليد، حينما يتأكد وجود الفرد بالتزامه بها، فتفرض محدداتها، وهو ما نقصده من تصنيف الأعراف ضمن وسائل ديمومة الفضيلة. الأعراف تتأثر على مدى الوقت، وقد تندثر وتحل محلها أخر، كما حصل بظهور الإسلام، إذ تأثر العرف العام بانتمائه لقيم الدين. فالأعراف والتقاليد التي كانت تفرض على الفرد التزامات دينية ومجتمعية تنتمي للشرك وعبادة الأصنام، باتت مرفوضة وفقا للقيم الجديدة، وقبل حصول أي فراغ نفسي وروحي، استبدلها بأعراف وتقاليد تنتمي لقيم الفضيلة والتوحيد.

ولكي تبقى الأعراف والتقاليد فاعلة، تفرض قيم الخير والفضيلة، ينبغي تركيز حضورها عبر مختلف المناسبات الاجتماعية. وهنا يأتي دور الإعلام والثقافة بكل تجلياتها، الشعائر الدينية، الفن، وغيرهما من مظاهر الثقافة. خاصة الإعلام من خلال الأداء التمثيلي (السينما، المسرح) الذي يحيي الأعراف والتقاليد ويجدد فيهما، يرسخهما ويصقلهما ويؤكد حضورهما، عندما يتفاعل معهما الجميع ويندفع لاحيائهما ذاتيا. لذا يحرض مجتمع الفضيلة على حماية ثقافة المجتمع، والحيلولة دون التباس الحق بالباطل كي لا يرتد سلبا على الواقع الاجتماعي. وبالتالي فإن الأعراف الاجتماعية رهان رابح في استتباب قيم الفضيلة وحمايتها، من كل طارئ يتلبس بالحق وهو باطل. وبالتالي فإن الأعراف الاجتماعية رهان رابح في استتباب قيم الفضيلة وحمايتها، من كل طارئ يتلبس بالحق وهو باطل. وبالتالي فإن الأعراف الاجتماعية رهان رابح في استتباب قيم الفضيلة وحمايتها، من كل طارئ يتلبس بالحق وهو باطل. ما لم تتحول الأعراف إلى صنمية مقيتة، تتمتع بحصانة، تضعها فوق النقد والمراجعة. فأحيانا يطغى العرف على حساب الحق والحقيقة، ويتمادى في اضطهاد الآخرين، ومصادرة حراياتهم. وبالتالي عندما تحدثنا عن العرف نقصد خصوص العرف الإيجابي الذي يثري قيم الفضيلة، ويضمن ديمومتها.

3- السلطة الحاكمة:

لا ريب بقدرة الدولة على ديمومة قيم الفضيلة، وحماية مجتمعها، عبر ما تسنّه من قوانين وأنظمة، وما تتبناه من قيم أخلاقية. وقدرة على تنفيذها بالقوة والإكراه. بل وقادرة على تقويم سلوك المجتمع، وتوجيه وعي الناس من خلال المناهج الدراسية، التربية والتعليم، وسائل الإعلام، النشاطات الثقافية. وسبق القول أن مجتمع الفضيلة يفرز سلطة فاضلة، تتبنى قيمه وتسهر على حمايتها. لذا يتعرض المجتمع لنكسة أخلاقية حينما تستحوذ على السلطة حكومة تتبنى قيما تتقاطع مع قيم المجتمع، وتفرض تشريعات تتيح  حرية منفلتة أخلاقيا. كما لو شرّعت قانونا لحماية المثلية الجنسية، التي يرفضها مجتمع الفضيلة، باعتبارها ممارسات شاذة، لا تنسجمع مع الفطرة السليمة، وتفضي لانقراض المجتمع على المدى البعيد. فهنا ترتكب الحكومة جريمة إذا وضعت القرار حيز التنفيذ، وقدمت حماية  قانونية للمثليين. هذا التشريع يقضي تدرجيا على قيم الفضيلة، عندما يبرر عمله بعنوان حقوق الإنسان. مما يؤكد مسؤولية الشعوب في انتخاب الأصلح، من يخدم مصالح الشعب والوطن، ويتبنى قيم مجتمعه، ويرفض أي تشريع يتقاطع معها. ونقصد بالقيم، خصوص القيم الأخلاقية، التي تعزز إنسانية الفرد، وتنآى به عن الظلم والعدوان واضطهاد الآخر أو إقصائه. ولا شك أن قيم الفضيلة تحد من حرية الفرد، مثلها مثل القوانين والتشريعات الحكومية، فهي الأخرى تحدّ من حرية الفرد، لتعود عليه بمنفعة أكبر. ولا يصدق هنا الاضطهاد والاستغلال، لتجرده من الظلم والعدوان، الذي يلزم منه خسارة مطلقة، وتضحية بلا تعويض، واضطهاد لصالح غيره، حينما يصادر حريته لضمان أمنه واستقراره الشخصي، كما هي سيرة الأنظمة الشمولية والاستبدادية، حيث يكون الفرد الخاسر الوحيد دائما، بينما يتمتع المستبد بجميع ثروات البلد، المادية والمعنوية، على حساب الشعب وحريته وكرامته. نحن هنا نفترض أننا نعيش في مجتمع فاضل، ونسعى لديمومة قيمه، فكان السؤال هل ثمة ملازمة بين ديمومة قيم الفضيلة والإمامة؟ وقد ذكرنا وسائل عدة لضمان ديمومة قيم الفضيلة بمعزل عن الإمامة وتبعاتها العقدية.

ثالثا: الرقابة الرمزية

يقصد بالرقابة الرمزية: رقابة تمليها كارزمية الرمز وما توحيه الفكرة الدينية والأخلاقية. لا تتمتع بسلطة مستقلة، وتنشأ تدريجيا بتفاعل المتلقي وتمثّله لإيحاءاتها. وكلما زادت قدسية الرمز وهيمنته الروحية كلما تعمّقت سلطة الرقابة الرمزية، حينما يتخذ منها قدوة ومقياسا لعمله، حدا يرتبط به ارتباطا روحيا، يقلّده في سلوكه ومتبنياته العقدية والأخلاقية. والقدوة هنا غير الإمامة، رغم أن القداسة من مقوماتها، هكذا انطباع الناس عنها. تجدر الإشارة أن قيم الفضيلة تتخذ طابعا ديناميكيا يتحكم بمشاعر الفرد، عندما يتمثلها الفرد من وحي وجود قدوة صالحة، يقتدي به سلوكا، ويهتدي به فكرا وعقيدة. خاصة أن المقدس محايدا، يتجلى من خلال وعي المتلقي، وما تمليه رغباته، فيتماهى معه، ويندك به. وهنا نستعرض مصداقين لهذه الرقابة، القدوة الصالحة، والمثل الأعلى:

1- القدوة الصالحة:

لا شك بأهمية القدوة، بمعنى وعي الدين، وفهم رسالته السماوية والإنسانية، في مجتمع جديد على الإلتزام الديني: (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). وقد جاءت الآية مطلقة، لا تقصر الهداية على أحد. بل وتفترض تعددها استجابة لظروف الناس وحاجاتهم. مهمة الرسول الكريم هي الإنذار والتبليغ، أما الهداية فلا تنحصر بشخص، ولا تختص بمصداق، ولا تتوقف على وجود إمام رغم صدقية المفهوم عليه. بل يتعدد الهداة بتعدد الأقوام، ولكل قوم هاد، مراعاة لظروفهم، وثقافتهم، وعاداتهم وتقاليدهم، ومستوى وعيهم. ويستحيل أن يحيط شخص واحد بظروف جميع الأقوام والمجتمعات، فالهداية متجددة بتجدد المجتمعات ووعي شعوبها، ويتجدد الهداة مع تجددها. الآية لم تقل لكل أمة هادٍ، كي يقتصر مصداقها على واحد بعينه / رسول، كما في قوله تعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ) بل قالت: لكل قوم هاد. فصلحاء أئمة الدين هداة، لكن لا يلزم تفرّدهم بالهداية. (أنظر كتاب: مدارات عقائدية ساخنة). ومن باب أولى لا يلزم عصمتهم واحتكارهم الحقيقة أو تفردهم بالخلاص، أو اتسامهم بصفات خارقة. غير أن بعضا أراد الاستدلال بآية: "إنما أنت منذر ولكل قوم هادٍ"، على ضرورة وجود إمام معصوم هادٍ، حاضر أم غائب. وبهذا الشكل يكون الإمام مرجعية لفهم النص، وتحديد دلالاته، لا يمكن تجاوزه أو معارضته، يتعهد رسالة الدين ويواصل تعهدها. وقد ذكرت أن الآية مطلقة، كما ذكرت في بحث سابق، لا يمكن ربط  فهم وتفسير وبيان القرآن الذي هو نص مقدس متحرك، يواكب الحياة والرسالة بعقل زمني محدود، "السُنة أو العترة"، والقضية مرتبطة بنظام اللغة وقبليات المتلقي. الهداية تختلف عن التبليغ. وفي كل مرحلة هناك فهم للقرآن وفقا لقبليات المتلقي وظرفه وثقافته والمهيمنات الفكرية والعقدية، ولا استثناء لأحد في هذه القاعدة، بل هي طبيعة التلقي المعرفي، وارتباطه باللغة وكيفية تكوّن المعلومة.  وبهذا نفهم أن مرجعيات فهم النص تختلف عن مرجعيات العلوم الطبيعية، كما أن الحقيقة بالنسبة للعلوم الطبيعية حقيقة ثابتة، بينما الحقيقة في فهم النص حقيقة نسبية، تتأثر بقبليات المتلقي وأيديولوجيته وزاوية نظره. (أنظر كتاب: النص وسؤال الحقيقة). بهذا نفهم أن الهداية مرنة، تستدعي شخصية متوازنة، تتمثل قيم السماء، وتواكب متطلبات الحياة، وتعيش الحاضر دون المكوث في الماضي. فيكون الحضور الفعلي شرطا في صدقية القدوة. كما أن الاستقامة هي الشرط الأساس أو تنتفي الهداية: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ)، (كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ). والاستقامة تعني التقوى والورع والتعامل الحسن، بل وحتى مستوى الوعي وفهم الدين وتحديد الموقف من العقل والتراث، يدخل عندي في مفهوم الاستقامة، فالعابد الدوغمائي أشد ضررا على الدين، تنقلب هدايته سلوكا سلبيا ينعكس على الدين ذاته. وهذا القدر يحتاج إلى استعداد نفسي وتجربة روحية وثراء معرفي وأخلاق رفيعة ووعي سليم للذات والآخر، ويلزم من هذا تفاوت الهداة في استقامتهم ووعيهم، وهو أمر طبيعي، لاختلاف الناس، وتفاوت استعداداتهم الذاتية. والمجتمع المدني يحتاج لقدوة وهداة.

ثم أن ديمومة الفضيلة ترتهن، لمقومات ذاتية، تكرّس نزوع الخير، ونبذ الظلم والعدوان، ومجتمع يتعهد قيمها، تنبثق عنه قيادة تدير شؤونه بالعدل والانصاف، وهو شرط مسؤوليتها أمامه أو يفقد المجتمع شرعية محاسبتها، فينشأ الاستبداد، وتصادر الحريات. ولا يمنع أن تتلقى القيادة تربية مثالية وعناية خاصة، كما بالنسبة لصحابة الرسول، ممن عاشوا حياة فاضلة في ظل تربية النبوة، وتمثلوا قيم السماء التي هي قيم إنسانية. ولا يجوز للمجتمع التخلي عن وظيفة تقويم سلوك الخليفة / الإمام / الزعيم / القائد. وقد مارس الصحابة فعلا تقويم سلوك الخلفاء واعترضوا عليهم، وكان الخلافاء يؤسسون لمبدأ محاسبة الخليفة:  قال عمر (أيها الناس من رأى في اعوجاجا فليقومه..). وقال الإمام علي: (فَلاَ تَكُفُّوا عَنْ مَقَال بِحَقّ، أَوْ مَشُورَة بِعَدْل، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِىءَ، وَلاَ آمَنُ ذلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلاَّ أَنْ يَكْفِيَ اللهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي) (الخطبة 216 في صفين). والمبرر لشرعية المحاسبة انبثاقه "الخليفة" من داخل المجتمع، فتكون البيعة عقدا بينه وبين مجتمعه، يحق لهم محاسبته حينما ينقض بنود العقد بتخليه عن تعهداته والتزاماته. كما حصل للخليفة الثالث، الذي تمت ازاحته عن الخلافة بالقوة. ولا استثناء لأحد بما في ذلك الأنبياء، غير أنهم مسددون بالوحي، وعندما يمارسون ولاية استثنائية، فهي صلاحيات يلاحقها رصد ورقابة سماوية مباشرة: (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)، (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ)، (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ).

هذه المقدمة تساعد على وعي العلاقة بين المتلقي وقدوته، وفك التشابك بين القدوة والقيادة / الإمامة، دينية كانت أم سياسية. ديمومة قيم الفضيلة تستدعي وجود قدوة صالحة، يهتدي بهديها الآخرون، وتغدو بفعل رمزيتها وكارزميتها وهالتها الروحية، مقياسا لعمل الخير والثبات عليه. فالقدوة مثال عملي لقيم الفضيلة، يصدق عليه دور الهداية. أو بوصلة يهتدي بها الفرد في مجتمع الفضيلة. لذا موقف القدوة حساس جدا، تسقط بسقوطه القدوة، أيا كانت اتجاهه، فهي مسؤولية أخلاقية، تترتب عليها آثار إيجابية وتداعيات سلبية. وفرق القدوة الصالحة عن الإمامة، أن القدوة لا يملك سلطة فعلية أو بالقوة، فيكون أكثر مصداقا وتأثيرا منها. لا توجد رهبة سوى اندهاش روحي وأخلاقي.

إن رغبة التماهي مع القدوة الصالحة، تراكم لا شعوري، وسلطة ينقاد لها عندما يتقمص رمزيتها، ويرتفع بها صوب القداسة، ويعيش لذة الانقياد والتماهي، بفعل المهيمن الثقافي المرتهن لإيحاءاتها، فيعيد تشكيل الوعي، ويعزز قيم الفضيلة داخل المجتمع، باعتبارها، أي الثقافة، موجها للوعي. والصلاح هنا صلاح إنساني، تتجاوب معه الروح والفطرة السليمة،  ترمم بها جروحها وتدفع بتلقيده سلوكيا.

6- المثل الأعلى:

الكلام عن المثل الأعلى يأتي في سياق الحديث عن القدوة الصالحة، كرهان ضمن رهانات الرقابة الرمزية التي يرتهن لها ديمومة الفضيلة داخل المجتمع. ويعني المثل الأعلى الارتفاع بوعي الفرد من المحدود إلى المطلق. من الضعف البشري إلى الكمال الإلهي، تقول الآية: (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَىٰ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). فالاقتداء بالمثل الأعلى تحرير الذات عبر التماهي مع المقدس، المتعالي في انفتاح الأفق وسعته، كما في الحديث المنسوب للإمام الصادق: (تخلقوا بأخلاق الله)، وهي ميزة أخلاقية، تعزز قيم الفضيلة: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، وهو غاية ما يطمح له مجتمع الفضيلة. وتعني التخلق بأخلاق الله، التماهي معه فكريا وأخلاقيا. وتمثّل العدل والإحسان والبر والتقوى والشعور بمسؤولية سلوكا، واجتناب الظلم والعدوان بمنظور إنساني لا فقط ديني، من خلال تداعياته على الفرد والمجتمع. وبالتالي فثمة قاعدة عقدية - فكرية وراء المثل الأعلى. فيكون الاقتداء به تماهيا نابعا من أعماقه.

بهذا ننهي الحديث عن مقومات مجتمع الفضيلة ووسائل ديمومة قيمه. وكان قصد استعراضها تعزيزا لما تقدم من كلام، حينما قلت:  استمرارية الفضيلة لا تتوقف على وجود قيادة صالحة، مادامت تنبثق تلقائيا، بل تتوقف على وجود مقومات ذاتية وبيئة كفيلة بحمايتها، وهذا ما حرصت عليه الأديان السماوية وأكدتها النصوص المقدسة، من خلال وجود: رقابة ذاتية وقانونية، وثالثة رمزية، كل واحدة تؤثر من زاوية خاصة، تارة تستقل وثانية تتداخل، باتجاه هدف واحد، فيكون تأثيرها مشتركا، خلاصته تعبئة الفرد والمجتمع أخلاقيا، لحماية قيم الفضيلة وتبنيها سلوكا. ويقصدون من القيادة الصالحة، خصوص الإمامة الأعم من الخلافة، ولها شروطها التي نظّرت لها الأحكام السلطانية وفقه السلطة، غير أن الخطاب الشيعي اشترط النص والتعيين في صدقيتها، إضافة لعصمة الإمام، وجاءت الشروط لسلب شرعية الخلفاء، وانتقام الديني من السياسي باحتكار الحقيقة والنجاة. ولما تمادى خطاب الغلو، في أسطرة رموزهم، واتحد اللهوت بالناسوت راحو يبحثون لهم عن وظائف دينية شاغرة، فكانت (الولاية التكوينية، وسائط الفيض، علل الوجود)، مناصب اعتبارية تبرعية، يرفضها القرآن والعقل. وبالتالي كان ينبغي معالجة إشكاليات قيم الفضيلة  بعيدا عن خطاب الغلو، ومقاربتها من وحي الأخلاق والقرآن.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (9)

This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر الرائع الاستاذ ماجد الغرباوي
حوار تحليلي دقيق كالعادة
لكن أؤيد أن تكلل (الأعراف العامة والرقابة الرمزية والقانونية والقدوة الصالحة) بإقامة مجتمع الحرية والتعددية مع ترسيخ مفاهيم وثقافة الدولة الليبرالية. لأن ما أخشاه أن تأتي الأعراف حاملة لثقافة جامدة تغل أيدي الأفراد وتحول دون تفتح الوعي باتساع العالم وتطوراته الراهنة.
وانتم أعلم مني بكون العرف يحمل الماضي كله بصراعاته وتقاليده مما يكبل حدود التنوع، بل قد يطغى على المجال العام. فالقوانين تحل تلك المشكلات بسهولة وبخاصة إذا كانت عادلة ومتوافقة مع تطلعات الشعوب من عدالة ومساواة وتطور. وليس يخفي عليكم أن كل أنظمة الاستبداد السياسي العربي كانت تلجأ للأعراف لحماية نفسها من التغيير. وكانت باسم الاعراف تبقي الأوضاع على ما هي عليه. لأن أغلب مجتمعاتنا قبائلية وعشائرية وعندما يتم إحياء قيم القبيلة والعشيرة( وهي جزء من الأعراف) فهذا حق يراد به إعاقة مسارات الدولة عن التغيير. ومع أن الهدف من ذلك سيزيد التماسك وقوة العلاقات بين أفراد المجتمع، لكن النتيجة هو التلاعب بإراة الناس لصالح الحاكم الفرد... وبالتأكيد أنتم ضد هذا التوجه بحكم منطلقاتكم الفكرية والإنسانية.
دمت معطاءً ومبدعاً مع خالص تحياتي

سامي عبد العال
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ الدكتور سامي عبد العال، شكرا لمداخلاتك التي تضفي وتضيء. وشكرا لثنائك، رضاك عن كتاباتي شهادة ولا ريب. كان ينبغي اثارة هذه النقطة، لكن فضلت البقاء في دائرة السؤال، فيكون الحديث عن خصوص مجتمع فاضل، يرتكز لقيم الدين. وقد اضفت شرطا لصديقية الاعراف حينما كتب: (ما لم تتحول الأعراف إلى صنمية مقيتة، تتمتع بحصانة، تضعها فوق النقد والمراجعة. فأحيانا يطغى العرف على حساب الحق والحقيقة، ويتمادى في اضطهاد الآخرين، ومصادرة حراياتهم. وبالتالي عندما تحدثنا عن العرف نقصد خصوص العرف الإيجابي الذي يثري قيم الفضيلة، ويضمن ديمومتها)، وانطلاقا من الفقرة الاخيرة يمكن الحديث عن المجتمع المدني وقيمه، لو شئت. غير أني اختلفت مع المحاور المحترم، حينما ارتهن ديمومة الرسالة الاسلامية على وجود الإمامة المعصومة المنصوص عليها، والتي وصفها بأنها ثورة على كل شيء، وهو خطاب حركي بامتياز، وعناوين جذابة براقة، نثير الحماس لدى الشباب، كما هو ديدن دعاة الحركات الاسلامية في بداية تنظيمهم. وكان رأيي أن هدف الدين إقامة مجتمع الفضيلة، وعندما يكون المجتمع فاضلا يفرز قيادة وسلطة وقدوة صالحة. ثم بينت وسائل ضمان ديمومة قيم الفضيلة ليس من بينها شرط الامامة. لذا كنت مضطرا للبقاء في دائرة السؤال. شكرا لك من الاعماق، سعيد بنقدك الذي يثري الفكر وهو ما احتاجه انا قبل غيري. دمت بعافية وسلام

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذه الحلقات التي سلطت الضوء على مختلف جوانب الدين الاسلامي و وضحّتها بشكل سلس .
بالرغم من انني لست متخصصاً في علوم الدين او التاريخ لكن احببت ان اضيف بعض الملاحظات :
ان معنى أئمة " او امام- مفرد" اعتقد تعني وجهاء القوم المؤثرين في المجتمع و ليس فقط "امام ديني" في الجانب الديني الاصلاحي. كما موضح في الايتين التاليتين:
سورة الانبياء –آية 73
وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا واوحينا اليهم فعل الخيرات واقام الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين
الاية اعلاه نعم يقصد بها رجل الدين الذي يهدي الناس الى اطاعة الله و مرضاته. و هي جاءت بشكل عام و لا تنطبق على شخص معين. اي انسان مسلم تقي يمكن ان يحمل هذه الصفة.
الاية التالية تؤكد عكس ما جاء في الاية الاولى – و هي تتعلق بقوم فرعون و وجهاءهم و تأثيرهم السلبي على الناس.
سورة القصص- آية 41
وجعلناهم ائمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون
في الاية اعلاه ان الائمة "يدعون" الى النار!!!! و ليس الى الجنة كما في الاية السابقة؟؟. و هذا يدل على المعنى الاجتماعي المؤثر لهؤلاء في ذلك المجتمع. او بمعنى آخر يقصد بها وجهاء القوم "المؤثرين" في المجتمع و الذين يحرضون الناس ضد النبي موسى و رسالته.
بالنسبة للمحددات التي تؤثر في الانسان "كالضمير الانساني" و "الضمير الديني". اعتقد ان "الضمير الانساني" اكثر تأثيراً من "الضمير الديني" في بنية اخلاق البشر؛ بالرغم من انه يجب ان يكون العكس. و لكي ابرهن هذا ادرج مثالين :
المجتمعات الغربية و غيرها من المجتمعات التي يكون فيها تأثير الدين "قليلاً" او لا تأثير له اطلاقاً نلاحظ الغالبية العضمى تمتاز بالنزاهة و العدل و تطبيق القانون و تحقيق العدالة بين الناس.
و لو قارنا هذا مع المجتمعات العربية و الاسلامية التي ترفع شعار الدين و بالرغم من الوقت الهائل الذي يصرف في الطقوس الدينية (لتهذيب النفس البشرية و تطويعها على اطاعة الله) نرى العكس تماماً حيث الرشوة و الظلم و عدم تحقيق العدالة بين الناس و التلاعب على القوانين تحت يافطة الدين. اين الضمير الديني و كذلك اين الضمير الاخلاقي الانساني؟؟؟. لماذا تذهب كل طقوسنا بدون فائدة في تهذيب النفس البشرية؟؟؟. لماذا لا يؤثر الدين في صقل نفوس البشر في مجتمعاتنا ؟؟؟ و شكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

تساؤلات مهمة في نهاية التعليق. شكرا لحضورك الاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم. هذه الملاحظة تدعو لاعادة النظر في مفهوم الدين، والعبادة والطاعة، كي ينتج لنا الدين ضميرا حيا فاعلا نشطا. شكرا لك من القلب

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

إذا كان غير المعصوم (المرجع) لا يمكن مناقشته في جدوى رؤيا الهلال بالعين المجردة أو بالتلسكوب وهو أبسط مثال بين يدي، فكيف بالإمام المعصوم الذي يقول للتراب كن ذهبا فيكون، وملايين العقول (تصدق ذلك) مما يجعل التقويم أو مجرد التنويه محرما وممنوعا في المجتمع كحرمة تناول المخدرات، دام قلمكم الواعي .

منتهى البدران
This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بالاديبة والباحثة الجديرة الاستاذة متهى البدران. نعم ان دور المكلف في العقيدة الشيعة طاعة الامام طاعة مطلقة، دوره يقتصر على التفسير والتبرير، دون النقد والمراجعة. ونحن نتكلم بعيدا عن علم الكلام القديم ومتبنياته، وبعيدا عن الايديولوجيا. وقد اشتهدت بمثلين. شكرا لك ثانية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة أستاذ ماجد
وشكرا لهذه الجهود ودعني أكون صريح جدا
أنا لم أجد في تناولك موضوع الإمامة نقاط تزيل الضبابية عن وجه الحقيقة كي يتم تجاوزها لتناول دور الفضيلة والقيم والرقابة الداخلية والضمير الجمعي للمجتمع الواعي الذي يرسم مسارة ويحاسب الخليفة الذي يفرزه المجتمع كما حصل في صدر الاسلام بعد وفاة النبي (ص)
بل أن القوم تركوا نبيهم مسجى دون تكفين وتغسيل وهرولوا من أجل اغتنام السلطة وفق مفهوم قبلي لم ينتمي لروح الفضيلة بشيء بل ينتمي لروح العنصرية الداخلية لقبيلة قريش هذا من ناحية ومن ناحية أخرى كذلك الأنصار تحركوا بنفس النازع
وهنا تثار علامات إستفهام كبيرة ؟ هل هذا مجتمع فاضل يمتلك فضيلة وفيه هداة للحق يهدون بأمر الله ؟ ثم أين أمر الله من تلك النازلة ؟ وأين جعل الله بحيث يقول وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا
ربما سَيُختلف في تأويل النص ؟ بل ويتم التقاتل
كما حدث مع الخوارج الذين فهموا النص وفق قراءتهم ؟ إذن أين الحقيقة ؟
أنت تقدم قراءة وأخر يقدم قراءة
ألم يقاتل الإمام علي على تأويل القران كما قاتل النبي على تنزيلة
إذا لم يكن هناك أحد يمتلك الحقيقة
لماذا قال الرسول ص أني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي ....
كما ان المجتمع الاسلامي أقصي تماما وذكرت لك سابقا أن مفهوم الشورى ليس له واقعيه وإنما خلق من أجل ترسيخ شرعية الخلفاء
إن ترك مشروع الرسالة هكذا بدون وصاية يتناقظ مع العقل والمنطق وكل ما يطرح ليس مقنع وهناك أدله تنقضه تماما
أما ما ألصق بالامامة من أشياء مستحدثه مثل الولاية التكوينية وترهات لا يضير بحقيقة الإمامة من كونها تشكل إمتداد طبيعي للرسالة
كما لا يضير بالاسلام تفسير المجسمة
صدقني أستاذ ماجد لست متموضع سوى لغير الحقيقة التي أبحث عنها باستمرار
ولكني أختلف معك بخصوص الإمامة وخصوصا
إمامة الأمام علي والحسن والحسين

ثم هناك سؤال لم أجد له جواب وهو لو ذهبنا إلى قول أن الشورى وأن الأمور سارت بشكل أراده الله أن يكون كذلك بحيث يترك الأمر للمجتمع الإسلامي المثالي وهو سوف يفرز طبقة من الهداة ...الخ
فلماذا وصل المجتمع لهذا الحال ...بل حتى أن الصين الشيوعية وصلت لتجربة انسانية لم يصل لها المجتمع في عهد النبوة ...بل في عصور جميع الرسالات ...فاين الخلل
في المرسل أم في الرسالة؟
وشكرا

أحمد مانع الركابي
This comment was minimized by the moderator on the site

اهلا وسهلا ومرحبا بك دائما، وشكرا لتفاعلك المستمر مع الحوار. وينبغي ان تكون صريحا كي نستفيد من مداخلتك.
حقك لأنك تنطلق من مسلمات، هي ليست مسلمات عندي بعد أن أفَضتُ في مناقشتها عبر عشرات الحلقات، لادري اذا اطلعت على بحوث الغديرا مثلا، حيث تناولته بموضوعية ناقشت الايات والروايات، وظهرت بنتيجة تتقاطع مع السائد من اليقينيات. وبالتالي ما لم تعد النظر في ما تعتقد أنه نهائي، لا يمكنك النظر من زاوية مختلفة.
سأتناول اشكالية حول ديمومة المجتمع الفاضل في بداية الحلقة التالية باذنه تعالى. عندما اتناول اي قضية أتاكد ما اذا انطلق من موقف او قبليات تخل بالموضوعية. وهذا الموضوع حساس جدا، تناولته اعتقد بمنهج لم يسبقه له احد، حيث ناقشت بعض المفاهيم من حيث إمكانيتها وعدم إمكانيتها قرانا وعقلا. فاذا وجدتها ممتنعة، فالبحث التالي مجرد مجارات او ترف فكري، لكنه ضروري للانساجم مع مستوى المتلقي. تقبل احترامي.

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

اطلب السماح من الاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي ان اوضح بعض الامور للاخ احمد مانع الركابي.
1- ان الاخ الغرباوي ابدع مشكوراً في هذه الحلقات التي تناولت الكثير من الامور الشائكة في الدين الاسلامي و مذاهبه. انه قدم لنا ثمرة جهوده و التي لا تقدر بثمن في هذا الظرف الحرج و الحساس من تاريخ امتنا العربية و الاسلامية.
ان اسلوبه العلمي في النقاش هو طرح ما هو موجود من فقه السلف الصالح!!! و فقه اصحاب المذاهب " و هو انتاج بشري غير مقدس" على "العقل" و كذلك على "النظرية الدينية" المعتمدة لدى المسلمين و هو كلام الله الوارد في القرآن الكريم.
و الهدف هو لمطابقته مع العقل و مع كلام الله لاثباب صحته او عدمها. و هذا شيء علمي في منتهى الروعة.
انه حاول ان يفك القيود التي فرضت على العقل البشري و منعه من "التفكير" من قبل اصحاب الفقه و المذاهب و رجال الدين و تحريره لكي يأخذ دوره في الحياة. انها خطوة رائعة جداً يشكر عليها. العقل الانساني يتطور مع تطور الزمن و يجب ان نحرر العقل و نفكر كما تفكر شعوب العالم حالياً لا ان نعيش افكار بشر مثلنا سبقونا بأكثر من 1400 سنة قال فلان و ذكر علان.
2- من خلال تصفح آيات القرآن وجدت ان الدين الاسلامي دين عالمي لكل البشرية و ليس مختصاً بقريش او بني هاشم او اي جهة اخرى حتى العرب " و ما ارسلناك الاّ رحمة للعالمين". و هنالك الكثير من هذه الايات في هذا الصدد. و يجب ان نعرف ان قيمة الانسان عند الله ليس قربه او بعده عن الرسول او الخلفاء ابداً و انما هي " التقوى" بكل ما تعنيه هذه الكلمة من نبل انساني و ديني. و هذا يعني ان الدين ليس ديناً وراثياً حسب ما يتصور البعض اطلاقاً. و الدلالة على ذلك لم توجد اية اشارة الى هذا في كل آيات القرآن. و لو كان وراثياً لأنفض العرب من الرسول . بالاضافة الى هذا ان الذي يعتقد "بوراثية الدين" ان هذا الرأي يتعارضً مع الكثير من الآيات القرآنية التي تؤكد على عالمية الدين.
لقد وردت اسماء الانبياء عيسى و موسى و هارون وكذلك ورود اسم السيدة مريم بالاضافة الى اسم ابي لهب و لم ترد اسماء الخلفاء جميعهم و لا اي واحد من اهل البيت او آالبيت.
كل الامور التي حدثت و التي تحدث حالياً بين المسلمين هي امور "سياسية بحتة" مغلفة بقدسية الدين و هدفها هو السيطرة على الحكم.
3- ان الاية التالية التي اوردتها في تعليقك و هي:
الانبياء -73
وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا واوحينا اليهم فعل الخيرات واقام الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين
و ان اسمها يشير الى دلالتها و هي تتعلق بالانبياء و لكي نفهمها بشكل اكثر علينا ان ننظر الى الاية التي قبلها و التي بعدها كما يلي:
الانبياء -72
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ
الانبياء-73
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ
الانبياء -74
وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ
و الايات اعلاه واضحة وضوح الشمس من انها تتعلق بالانبياء الذين سبقوا الرسول محمد.
و الاية التالية توضح ان معنى "الائمة" يأخذ معناً آخر و هو انهم "يدعون الى النار" و ليس الى "الجنة"!! . و هنا يقصد بها فرعون و جماعته
القصص - 41
وجعلناهم ائمة يدعون الى النار ويوم القيامة لا ينصرون
4- اذا كانت لديك شكوك في ان الامامة موجودة في الدين عليك ان تقدم لنا "الدليل" على وجود الامامة بشكل واضح و جلي اعتماداً آيات كتاب الله و هو "نظرية المسلمين " المتفق عليها" و ليس اعتماداً على مرويات فقه السلف الصالح و السنة النبوية لان اغلبها مزور. و شكراً مرة اخرى لك و للاخ الغرباوي .
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5094 المصادف: 2020-08-16 02:25:39