 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (182): فلسفة الخلق ومعاجز الأنبياء

majed algharbawi13خاص بالمثقف: الحلقة الثانية والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على سؤال الأستاذ هاشم صالح.

 

 

القيمة العلمية لمعاجز الأنبياء

س142: هاشم صالح / العراق: من خلال بحث مستمر ومتواصل وقراءة متأنية  في مسألة القصص الواردة في القرآن وتقصي تفسيراتها وجدت أنها لا تنسجم مع العقل والواقع والسنن والقوانين الكونية، فهي حادثة مروية في كتب الأسفار والأناجيل حدثت في مكان ما وزمن معين ومن ثم لم تتكرر هذه الحادثة من قبيل حادثة ذبح البقرة للكشف عن الجاني الذي قتل واحدا من بني إسرائيل!! وبطريقة خارقة للنواميس ورفع الطور وإماتتهم ثم بعثهم من جديد. وقصة هاروت وماروت الملائكة التي نزلت تعلم البشر السحر وأصحاب الكهف وإحياء الموتى ونزول المائدة من السماء ونزول المن والسلوى وغيرها من القصص التي تعطي تصورا أن أهل تلك العصور كان بإمكانها مشاهدة الملائكة والتحدث معهم بصورة مباشرة. وأن الشيطان يتكلم مع الله بدون واسطة وكذلك الجن وهذا العالم كان مشحونا بالصعود والنزول وأن الله كان متحيزا لشريحة ما وكان  يتدخل في توجيه البشر بشكل مباشر وهذا ما لا نراه اليوم كأننا في صمت مطبق او لربما هذا الوجود هو بهذه الكيفية منذ خلق. إلا أن التصور الذي هيمن على العقل بسبب قراءة النصوص القصصية بطريقة حرفية جامدة قلب تصورنا عن الوجود بشكل مغاير للحقيقة التي نعيشها وعاشها أسلافنا من قبل . فالعقل الآن أصبح لا يقبل الاعتقاد بمجرد النقل للوقائع التاريخية من دون تقصي حقيقي لها ومطابقتها مع الواقع  للوقوف على كل جوانبها التاريخية ..

فما هو رأيكم السديد بكل ما ذكرت رغم أن هذا الموضوع قد تم مناقشته من قبل الباحثين في الفن القصصي للقرآن وتم تقديم حلول  مبنية على عصمة النص وقدسيته وعدم المساس به فكان الحل مجرد توجيهي ينفر منه الطبع والعقل .. ولكم فائق شكري وتقديري

ج142: ماجد الغرباوي: الأستاذ القدير هاشم صالح، شكرا لثقتك ومشاركتك الحوار من خلال موضوع مهم، يراود من يفهم القداسة بشكل مختلف، بعيدا عن الصنمية والجمود والتسليم اللاعقلاني.  

القداسة لا تحول دون النقد، بل تنبّه لتعالي النص، مما يستدعي تأملا طويلا في ثناياه دون التسرّع في الحكم عليه، وهو ذات المنطق القرآني لمن يفهمه: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانً). فالوعي شرط في صدقية الإيمان، إذ جاءت الآية ضمن مصفوفة آيات تتحدث عن صفات المؤمنين. أو (عباد الرحمن) بالتعبير القرآني، من الآية: 63 إلى نهاية سورة الفرقان. ومطلعها: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ..). فالسؤال حالة صحية، أعرض عنه المسلمون بفعل التراث الذي كرّس التبعية ومجّد التسليم والانقياد لغايات سياسية وأهداف طائفية. ولازمه حرمة السؤال والنقد والمراجعة، سوى التلقين، باعتباره رؤية صادرة عن عقول مطلقة، معصومة، تتصف بصفات الكمال. فهي فوق التاريخ، وصالحة لكل زمان ومكان. فيصادرون حق السؤال وهو مشروع. وما تفضلت به سؤال مشروع، يستدعي إجابة موضوعية. فإن معجزات الأنبياء لا يمكن للعقل قبولها بعيدا عن سياقاتها ودلالاتها، وقد يُسلّم بها بناء على قداسة النص.

أساسا لا يصدق مفهوم المعجزة ما لم تكن خارقة للقوانين الطبيعية ظاهرا. لكن غرائبيتها لا تعني بالضرورة عدم صدورها أو تعارضها للعقل، فقد تكون قد صدرت فعلا لكن وفق قانون غير مكتشف، فينتفي التعارض بين العقل والنقل. أو ربما يراد بالنص خلافا لظاهره، فيقرأ ضمن سياقاته، كما مرَّ بنا في البحوث السابقة حول بعض المعجزات ودلالاتها الواقعية. ولا تفقد المعجزة قيمتها الاعجازية لو اكتشف العلم مستقبلا قانونها، لأنها كانت معجزة في زمن ما، وقد حققت أهدافها آنذاك، لذا لم تتكرر المعجزات بل تختلف من وقت لآخر. وما كان معجزة قد لا يصدق عليها المفهوم في ظل الفتوحات العلمية المذهلة، حتى باتت الهندسة الوراثية تتحكم بالصفات الوراثية. فالمطلوب وفقا للمنطق الديني هو التسليم بصدق الكتاب في إخباراته. وأما دلالات النص فمتروكة للمتلقي وقدرته على فهمه وعدم الاكتفاء بتفسيره. والفهم: إدراك واعٍ لما وراء ظاهر النص، وقدرة على فهم رمزيته ودلالاته المتوارية: (لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ)، فالوعي شرط الفهم، ومفتاح التأويل والقراءة الرمزية. وبالتالي معجزات الأنبياء تقرأ ضمن سياقات الكتب السماوي التي لها خصائصها ولغتها التي تحدثت عنها. أعني تقرأ في سياق لغة الكتاب وهدفه ورمزيته أو تنقلب خرافات مسطورة في ظل عقول فتاكة باتت ترهن إيمانها للدليل والبرهان، يهون عليها تمردها والاستغناء عن الدين وإعلان إلحادها. عقول ترفض كل تبعية وانقياد باسم القداسة والأديان والكتب السماوية. فمنهج القراءة له دور كبير في انتاج المعنى، ليس تزلفا للآخرين، بل لمقاربة الحقيقة، والتوصل لصيغة عقلانية تدرك ما وراء النص من دلالات رمزية ضمن الأطار الكلي للكتاب وفي سياق أهدافه ومحاوره. وحينئذٍ ستنتفح آفاقا جديد للمعرفة، وفهم جديد لقصص القرآني، نجاوز به إشكالية تقاطع العقل والنقل.

تناولت البحوث المتقدمة فلسفة الخلق، وكانت قصص الأنبياء حاضرة، وقد تركّز الكلام حول غرائبية قصة خلق الإنسان من طين، وترى الكتاب يؤكدها في آيات عدة مرَّ استعراضها. وهنا نستثمر السؤال لوضع منهج لفهم قصص الأنبياء، نتجاوز به التعارض بين العقل والنقل، حيث غرائبيتها في وقائعها. لا نريد منهجا ترقيعيا أو توافقيا للهروب من الإشكال، لأنها هزيمة مضاعفة، مع إمكانية توظيف العلوم الإنسانية الحديثة لفهم النص، والاستفادة من آلياتها. وهذا لا ينقص من قدسية الكتاب أو التشكيك بقصصه والحكم بخرافيتها، لأن اللغة الدينة كما تقدم لغة مختلفة، تخدم هدف الدين وغاياته ومقاصده. وبالتالي فذات المنهج في قراءة قصة الخلق سيكون منهجا لفهم قصص الأنبياء. وأشير لملاحظة: إن وجود القصص في كتب سماوية وتراثية سابقة لا ينقص من قيمتها الرمزية. كما أن روح الأديان واحدة في قيمها ومبادئها بل وحتى قصصها التاريخية لوحدة تاريخ رسالات ومعاناة الأنبياء. ورغم وجود قصة الخلق في التوراة وقبلها في أساطير الأولين، غير أن البحث توصل لنتائج مختلفة من خلال آيات الكتاب الكريم. كما أن هدف السرد قد اختلف لاختلاف منهج تناول القصص، بين الوقائعية والرمزية، التي كشفت عنه دلالات ومضمرات تنتمي لقيم الدين وهدف السرد.

المنهج

فيما يلي ملخّص لمنهج فهم قصص القرآن، وقد تقدم تفصيله ضمن قراءتنا لقصة الخلق. فهنا الإيجاز وهناك التفصيل.

- إن اللغة الدينية لغة رمزية تكتفي بالإشارة دون التفصيل وبالتلميح دون التصريح، وتتخذ من تقنيات التعبير اللغوية أساليب للتعبير عن المعنى، فيحتاج فهمها لتأمل وإمعان النظر. أو باللغة القرآن، أن فقه النص متاح لأولي الألباب القادرين على تدبّره وتحري ثيمته ومضمراته. وبالتالي فماهيّة اللغة الدينية تختلف في أدائها عن اللغة العرفية، وطريق تعبيرها عن مضامينها وما تريد إيصالها للمتلقي. فهي أبعد ما يكون عن اللغة الصريحة الواضحة بالنسبة للقضايا الغيبية والرمزية، حتى وهي تسرد وقائع ضمن سياق القصص.

- إن الهدف من القصص قرآنيا هو العبرة والعظة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)، (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). لذا ارتهن إدراكها لأولي الألباب، مما يؤكد دور التأويل، وبالتالي رمزية وقائع جملة من القصص، التي يرتهن لها السرد في تحقيق أهدافه، باعتبارها أقوى وسيلة آنذاك للتعبير عن الثيمة الأساسية. لذا تجد الآيات تهتم بالعبرة والعظة على حساب وقائعية القصص.

- الحق في آية: (لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللّهُ وَإِنَّ اللّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)، يدور مدار الهدف القرآني، العبرة والعظة، ولا يدور مدار وقائعية القصص دائما، كالأمثال التي هي حق في دلالاتها ولوازمها بغض النظر عن وقائعيتها، لأن غايتها استفزاز وعي المتلقي، لتحري دلالات الربط بين المثل وما يريده ويقصده. فتارة الرمز أقوى من التصريح، لقدرته على تكثيف المعنى وتخليده، فيستجيب لمختلف الثقافات والقراءات، بينما القصص الواقعي يفرض عليك محدداته.

الرمز يتدارك قصور اللغة عندما تضيق بالتعبير عن حقائق الأشياء. أو بتعبير "النفري": (كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة). ويحتفظ بخصوبته وثرائه، مادام المتلقي شريكا في استخلاص المعنى. وهذا سبب تعدد الفهم بتعدد البيئات الثقافية.

- يعتبر تصديق ما جاء في بعض التوراة والأنجيل وجعل الكتاب مهيمنا عليهما أستراتيجية قرآنية،: (نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ). (وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ). (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ). وهذا يقتضي تصديقا ظاهريا لما جاء فيها من قصص، وتوظيفها ضمن الهدف الأساس، كما قرأنا في قصة أصحاب الكهف، حيث ذكر كل ما ورد عندهم من روايات حول عددهم، ومدة لبوثهم، ولم يبت بالموضوع، تمشيا مع منهج أهل الكتاب الذي كان يرتهن تصديق نبوة محمد، بما يوحى له حول قصص الأنبياء والصالحين. وبذلك اكتسب النبي الجولة، وحقق كامل أهدافه من القصة. وهكذا الأمر بالنسبة لغيرها من القصص.

- ثمة اختلاف بين القراءتين الوقائعية والرمزية من حيث منهج فهم وتفسير قصص الكتاب. الأولى تقف على ظواهر النصوص دون تأويلها. وهو منهج تراثي غالبا، يتحرى القصص باعتبارها واقعا ملموسا، ويواجه الإشكالات العلمية بدعوى التسليم، ويضطر لملء فراغات السرد القصصي بروايات وحكايات تراثية تتصف بخرافيتها، وروايات كتب قصص القرآن شاهد على ذلك. بينما يرتكز منهج القراءة الرمزية للتأويل باعتباره منهجا قرآنيا وآلية لإدراك ما وراء ظواهر النصوص من دلالات ومضمرات. التزما بهدف القرآن من سرد القصص.

أنواع القصص

يمكن الإشارة إلى ثلاثة أنواع من القصص في القرآن، تشتغل ضمن سياقات السرد القرآني ومقاصده، جميعها يتحرى قوة إيقاع النص على مسامع المتلقي. فهي تستهدف وعي القارئ، من خلال مخيال السرد، وما يتركه من أثر يحصص مقاصده.

1- قصص واقعية عبّرت عنها الآيات بـ(أنباء الغيب)، كقوله تعالى:

- (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلاَمَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ).

- (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ)

- (ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ).

2- قصص وظفت الرمز للتعبير عن فكرة تضيق بها العبارة، وتعجز اللغة عن بيان مقاصدها، فتساق القصة كأسلوب أدبي رمزي، مثالها مشاهد خلق آدم التي مرَّ بيانها: حوار الله مع الملائكة، وردهم، والسجود وغير ذلك.

3- قصص يراد بها تصديق أهل الكتاب، وهي أستراتيجية قرآنية، كان يرتهن لها أهل الكتاب لتصديق نبوة محمد، غير أن القرآن يوظفها رمزيا لصالح ثيمة وفكرة ضمن هدفه التوحيدي وربط الإنسان بخالقة، كرمزية الطين في قصة آدم.

نعود للسؤال:

إن الأصل في قصص القرآن واقعيتها، ما لم تدل الشواهد على رمزيتها، التي تعني توظيف الخيال لتشييد نص أدبي يحاكي القصص الواقعية في حبكتها، وثيمتها، لتمرير حزمة معانٍ ومفاهيم، يكون السرد القصص الرمزي أقدر على تمثّلها، وردم الهوّة بين النص والمتلقي، بعيدا عن حقيقتها كوقائع وأحداث، مادامت تحقق مقاصد النص وغاياته الفلسفية والأخلاقية والدينية، بشكل يكون الرمز دالا عليها. بهذا يمكن رفع التعارض بين العقل والنقل. بين قبول القصص ورفضها لتعارضها مع العقل، وافتقارها للدليل. فحينما نتحرى رمزية القصص ضمن الإطار الكلي للكتاب وهدفه الديني، ينتفي التعارض. لكن المشكلة حينما تحمل قصص الكتاب على وقائعيتها، ومطابقتها للواقع. فيكون دور النص نقل الواقع بتمامه، كما هو المنهج التراثي، الذي يجمد على ظواهر النصوص. فيقع المحظور. وهذا ليس تبريرا، بل لأن القرآن كتاب ديني، والسرد يقصد العظة والعبرة، فيستدعي التعبير الرمزي، الأقدر على تحقيق هدفه.

القصص الواقعية تلاحق الأحداث، وتنتظر نهايتها، بينما يفرض التعبير الرمزي عليك التأمل والتدبر، شرطا لإدراك ثيمة النص. بهذا نرفع التعارض بين العقل والنقل. بينما التفسير الوقائعي لجميع قصص القرآني، يضعك بين خيارين بين إطفاء العقل والتسليم المطلق، أو يقظة العقل ورفض النقل لتعارضه مع العقل. فالسؤال المتقدم مشروع، ما لم نقدم إجابة ترفع التعارض. والقصة صنف أدبي ليس حكرا على الكتب السماوية، وقد اتخذها الإنسان أسلوبا للتعبير عن بعض الوقائع أو للتعبير عن فكرة معينة. بل أن الجميع يلجأ للقصة إسلوبا لتعليم الأطفال، لعجزهم عن إدراك فكرة مجردة. فعندما تحذرطفلك من الكذب لا يبالي لكلامك، لعجزه عن تمثل فكرة الكذب، بينما بإمكانك ذلك عبر قصة خيالية غير واقعية، يتابع فيها تبعات الكذب، وما يؤول له مصير الإنسان.

 إن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرّد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط وعالم وعارف بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وبهذا يكون النص المقدس آفاقا للمعرفة الدينية، بعد تحري مضمرات النصوص والوقوف على سياقاتها ودلالاتها ورمزيتها. ولا يخفى ثراء ومرونة النصوص المقدسة، واستجابتها للتأويل، فهي إمكان شاسع في مدياته، تغري أولي الألباب في تأملها، والغور في أعماقها. فالقداسة لا تعني قمع المتلقي، كما يفهم المنطق التراثي ذلك، بل تعني أفقا رحبا للتأمل في مضمرات النص، واكتشاف رمزيته، وما توارى من دلالاته.

الطابع الغرائبي

احتج السائل الكريم  علىى غرائبية القصص، وافتقارها للدليل العلمي، فهي مجرد خرافات، وأخبار تناقلتها الكتب السابقة، ولم تقع ثانية، وهذا طبيعي. لا يمكن إنكار البنية الأسطورية للقصص والروايات غير الواقعية. كل ما في الأمر يرتهن فهمها في الكتب السماوية لسياقات النص ومقاصده من جهة، والتمييز بين القصص الواقعية والرمزية، وما يسرده ضمن استراتيجية تصديق أهل الكتاب.

وأما لماذا لم تتكرر المعجزات؟ وهو سؤال مشروع أيضا وقد أجاب عنه القرآن، عندما ارتهن المعاندون إيمانهم لنزول معجزة على يد الرسول الكريم، فكان الجواب: (وَأَقْسَمُواْ بِاللّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَّيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ). فهي ليست شأنا نبويا بل شأنا إلهيا، له ضروراته. (وَقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً، أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً). فالرسول بشر، والمعجزة خارقة للعادة، يُؤتى بها من جنس ثقافتهم، ومستوى وعيهم دليلا على نبوة الأنبياء. لا فرق بين المعجزات الحقيقية التي وقعت فعلا، أو يسوقها الكتاب كالمثل في دلالاته لتقريب الأفكار كما مرّ بنا بالنسبة لمعجزة عيسى النبي الكريم، وإحياء الموتى بالنسبة لإبراهيم.

الكلام عن المعجزات كلام عن التحقق الخارجي، وليس الإمكان، فكل شيء ممكن لله تعالى بالإمكان الفلسفي، المقابل للوجوب والامتناع الذاتيين. والسؤال هل حقا وقعت العجزات التي تضمنتها قصص الأنبياء أم هناك ما هو أبعد من الوقوع الخارجي. وقد اتضح بما لا مزيد عليه أصناف القصص ودلالاتها، ويمكن مراجعة التفصيلات السابقة.

من زاوية أخرى، ينبغي أخذ تطور العقل في رحلة الأنبياء، وقد بلغ العقل مرحلة متقدمة مع النبي محمد، أصبح قادرا على طرح الأسئلة النقدية، واستيعاب القضايا التفصيلة. وربما هذا أحد أسباب عدم الحاجة للمعجزة المادية. وربما أن جميع معاجز الأنبياء، جاءت ضمن خطابات الترغيب والترهيب أو جاءت ضمن تصديق ما بين يدي الرسول من التوراة والأنجيل، فتكون دلالاتها رمزية. وقسم أتى بها الكتاب لتقديم تفسير إلهي للحدث الكوني كنزول الأمطار والأمراض والرياح العاتية وانهيار المدن، فهي ظواهر طبيعية، تجري وفق قوانين كونية، فتكون مرتبطة بالله باعتباره علة الوجود، فتكون إنذارا وعقوبة ضمن سياقها التاريخي وتزامنها مع القوم الظالمين. وهذه القضايا ترتهن جميعها لفهم الوحي وحقيقة النبوة، وسيكون لنا حديث آخر حينئذٍ.

لا يمكن أن يكون التراث مرجعية تستدعي محاكمة كل ما فيه حول قصص الأنبياء، ومن يقرأ قصصهم في الكتب التراثية، يكتشف بجلاء فداحة العقل التراثي، وقد اكتفيت في هذه البحوث بفهم النص القرآني ومقارنته بالتوراة في بعض جوانب القصص. وقد ذكرت في بحث سابق أن رؤية الملائكة والجن مستحيلة، وقد سقت مجموعة أدلة قرآنية، فما جاء في السؤال حول الموضوع يشير بشكل غير مباشر للتراث، أما القرآن فلم يؤكده، ولم يبين لنا شيئا تفصيلا عن حقائق عوالم الغيب سوى إشارات وتلميحات. فهل يقصد بها كائنات حقيقية أم ذات الأسباب التكوينية؟

وأخيرا، سيكون التعارض مستقرا بين العقل والنقل لدى من يصرّ على وقائعية القصص بناء على ظواهرها. ويمكن لكل شخص التشبث بها واتخاذها دليلا على خرافية القرآن بل وخرافية المعرفة الدينية. وفي هذا ظلم عظيم، فالكتب الدينية لها لغتها ودلالاتها، وما لم تقرأ ضمن سياقاتها، تكون النتائج ضدها دائما وفقا للعقل الحداثوي. وبالتال المطلوب فهم النص وليس الوقوف عند حدود التفسير الظاهري له. وقراءة قصص القرآن ضمن شروطه والمنطق الداخلي للكتاب. فما كان منها رمزيا لا يمكن حمله على القصص الواقعي ومن ثم إدانة الكتاب.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (10)

This comment was minimized by the moderator on the site

كلام الاستاذ الغرباوي يغني عن اي اضافة.

و لكن اود ان اصحح ما تتداوله الدراسات من مصطلحات.

القصة غريبة على القرآن. فهو مدونة من الذات الالهية و حافلة بالحكم و الامثولات و الاخبار و اصداء السير.

و كلمة قصص نشرها عبد الحميد جودة السحار و سيد قطب و احمد سيد جاد المولى. و ذلك بسياقين.  قصص الأنبياء و قصص القرآن.

و ذلك لغاية لا تخفى على احد و هو اعطاء القصة هوية اسلامية.

وافضل استعمال عبارة اخبار القرآن.

فهذا يعفينا من الدخول في هذه الاشكالات. و يحدد اطار البحث و هو الحكايات الدينية.

و مهما يكن الأمر حكايات القرآن تعيد انتاج بنية الحكاية الشعبية مع فارق واحد. ان القرآن يحجز البشر عن الذات الإلهية و العرش او مخلوقات السماء. و بهذا المعنى ما ورد عن غزوة بدر: ان الله ايد المسلمين بجنود لم تروها.

و ان ذهبت التفاسير ان المقصود هو الملائكة. هذا لا ينفي دور التفضيل.

لكن الحكايات الشعبية تفترض واقعية كل ما يجري و لو انه يصعب على التصديق و يدخل في التخيل و الوهم.

النمل المتكلم في القرآن لا يعني الكلام حقيقة و لكن احساس الانسان بالحالة.

و فهم النبي سليمان للغة غير البشر لا يعني التواصل باللسان و انما ما يمكن تشبيهه بالحلول.. ان تأخذ موقع الكائنات غير البشرية و تتنبأ بأحاسيسها و تعقلها.

و توجد حاليا دراسات عن سيكولوجيا الحشرات و لغة النباتات و هلم جرا.

باختصار القرآن مدونة و الحكاية الشعبية مجرد نشاط خيالي لخبرات الانسان و امنياته. او بتعبير اخر القرآن ما نعقله من امور وعجائب و ذاكرة و الحكاية الشعبية ما نتخيله من هذه العجائب.

و الفرق واضح و قد تفضل الاستاذ الغرباوي بتبويبه و تفسيره.

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لمداخلتك الاستاذ الدكتور صالح الرزوق. بالفعل هناك اخبارات قرآنية، لكنه في قصة يوسف مثلا يصفها بالقصص نحن نقص عليك أحسن القصص، فاستعمال المصطلح كان استعمالا قرآنيا، قبل غيره. وفي قصة يوم كما يقول النقاد مكتملة العناصر. كما يصف قصصه بالحق. شكرا لك ثانية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ المفكر ماجد الغرباوي تحية صادقة .
نقدر لك هذا المجهود المبذول من اجل اضاءة بعض الدروب التي تعسر على الكثير ادراك مسالكها بسبب ماجاء في تراث الامة الاسلامي

واسمح لي ان اطلب ايضاح بعض ماجاء في بحثك واكون شاكرا لك وممنون .
قلت (( إن الهدف من القصص قرآنيا هو العبرة والعظة: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ)، (فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ))
كيف تكون عبرة وعظة ولايتصورها عقل المتلقي ولايستوعبها ليس في زماننا هذا فحسب بل في زمانهم هم ايضا فقالوا هذا من اساطير الاولين وغيرها من العبارات الساخرة .

قلت (( فالرسول بشر، والمعجزة خارقة للعادة، يُؤتى بها من جنس ثقافتهم، ومستوى وعيهم دليلا على نبوة الأنبياء.))
الم تكن مسألة الاسراء والمعراج من معجزات النبي كما يؤكدوها علماء الاسلام وهل هي في رأيك ليست بمعجزة وخارقة للعادة . وهذه جاءت من جنس ثقافتهم وشكك اكثرهم بصدقيتها وقال بعظهم في النبي كاذب ومنهم من قال ساحر ومجنون .
قلت : ((المعجزات الحقيقية التي وقعت فعلا،)) فنود ادراج بعض هذه المعجزات التي ربما غفلنا عنها ونكون لك شاكرين .

(( قلت : وقسم أتى بها الكتاب لتقديم تفسير إلهي للحدث الكوني كنزول الأمطار والأمراض والرياح العاتية وانهيار المدن، فهي ظواهر طبيعية، تجري وفق قوانين كونية، فتكون مرتبطة بالله باعتباره علة الوجود، فتكون إنذارا وعقوبة ضمن سياقها التاريخي وتزامنها مع القوم الظالمين. وهذه القضايا ترتهن جميعها لفهم الوحي وحقيقة النبوة،
سؤالي هل هذه الاحداث الكونية ،التي اشرت لها حضرتك وهي ظواهر طبيعية تجري وفق قوانين كونية جميعها من الله بأعتباره علة الوجود
فهل يحق لنا ان نقول ان وباء كورونا هو من الله انذارا وعقوبة للقوم الظالمين وماذا يحدث لو ان الغرب جاء بلقاح وانتصر على وباء بعثه الله .

وشكرا لسعة صدرك وما نبغي من وراء ذلك الا تنويرنا بنور فكرك
الواسع يادكتور.

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ ابا سجاد شكرا لك دائما، واهلا باسئلتك:
- قلت في حلقة سابقة أن العرب كانوا يصفون كل تفاصيل قصصية لا يعرفونها في تراثهم باساطير الاولين. فالأسطور عندهم ما لم يجدونه في تراثهم الذي هو تراث توراتي بالنسبة لقصص الانبياء. وقد تراث اهل الكتاب يلاحق وقائع القصة، فتجد التوراة مزدحما بتفاصيل لا تجد في القرآن سوى اشارات لها.
- قبل ان تكون الاسراء والمعراج معجزة، هل كانت حادثة حقيقية، وقد اسري بجسده للمسجد الاقصى او اعرج به للسماء؟ ام مجرد رؤية. هذا يجب ان تحسم أولا.
- أكدت في حلقة سابقة لا علاقة بين الكوارث الطبيعية ومنها الامراض وكورونا خصوصا بالعقوبات الإلهية. فهي تجري وفق قوانين كونية منضبطة. نعم يمكن نسبتها لله باعتباره علة الوجود بما فيها القوانين المودعة في الكون، فيصدق انها من الله بهذا اللحاحظ فقط. لكن ايضا هذا غير تام ما لم تكتمل جميع الشروط اللازمة لفعلية هذه القوانين. لذا يمكن انتاج لقاح مضاد لها، وفي هذه الحالة لا يقال انها ضد ارادة الله. يجب أن يكون العقل حاضرا في فهم الكتاب الكريم. فالعذاب الذي تحدثت عنه الايات كهطول الامطار والامراض والرياح العاتية والخسف الى غير ذلك. جرى وفق قوانين كونية، ومازالت تحدث الفيضانات والعواصف. ومهما يكون فنقتصر على القدر المتيقن على تصريحات الكتاب العصية على التأويل. وبالتالي لا يمكن الحكم على اي ظاهرة طبيعية بانها عقوبة الإلهية، لعد وجود دليل. شكرا لك ثانية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ الفاضل ماجد الغراوي بعد التحية والصادقة من القلب للعلم من اعلام الادب المعاصر الذي نهتدي به في مسيراتنا
(أن اغلب كتاب السير والمؤرخون لهم هفواتهم في الكتابة والنقل والتفسير وما قدموه لنا قد لا ينسجم مع الحقائق الواردة في كتب التأريخ الأسلامي والقرآن الكريم وكون القرآن الكريم هو أمتداد لسير ما مضى من الأولين وما سيحدث في العالم قد فسر أكثره على هوى وتوجهات مغرضة أرادة طمس حقائق التأريخ ومنها الكثير لكن هناك الكثير من المنصفين نقلوا ودققوا وغغبلوا لنا الكثير من الحقائق التي لم يكشف عنها وقد زورت في كتب كثير من الأمم وخاصة عند اليهود والمسحيين وليس النصرانيين فهناك الكثير من التطابق بين ما جاء به القرآن الحكيم وتعاليم الديانات السابقة لكونها من منبع واحد ومنهل واحد ومرسل واحد أراد للأنسان أن يكون في كمال من العقل والحياة وعلى سبيل المثال قد طمست الصحف المكتشفة في البحر الميت منطقة ( قماران ) والتي توضح الأنجيل في العهدين القديم والجديد كما جاء في القرأن لكن حين وصوله إلى الأيادي اليهودية في أسرائيل وأمريكا لم يكشف النقاب عنه خوفا من الفضيحة التي قد تسببها لدياناتهم الباطلة وهذه واحدة من المسائل وكثيرا من المكتشفات العلمية الجيلوجية التي أثبتت وجود القرى والمدن المغضوب عليهم والتي ذكرت في القرآن لكن مع شديد الاسف نحن أمة عربية أسلامية طفيلية نعيش على ما يقدمه لنا الغرب حتى ولو على حساب معتقداتنا وديننا لسمواوي ولم نكلف أنفسنا في البحث والتقصي والدراسة وأستخدام عقولنا ممزوجة بالتطور والحداثة الفكرية والتقنية وشكرا لكم لما طرحتموه

ضياء محسن الاسدي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتعليقك الاستاذ القدير ضياء محسن الاسدي. نسعى هنا لتقديم تفسير علمي لمعاجز الانبياء, لرفع التعارض بين العقل والنقل. وتقديم افضل فهم لايات الكتاب بخصوص معاجز الانبياء. شكرا لك ثانية مع احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

دمتَ أخًا في فكرهِ ماجدا
فالاسمُ للفعلِ غدا رافدأ

محبتي وتحياتي لك استاذي واخي ابا حيدر
ودمتَ لنا نبراسًا وعلمًا .

الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

دام يراعك ومحبتك اخي العزيز الشاعر القدير الحاج عطا يوسف منصور. شكرا لهديتك الباذخة. احترامي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال المتعلق بالقصص القرآنية؛ وشكراً للاخوة المعلقين. بالرغم من ان معلوماتي قليلة في هذا الجانب لكن احببت ان ادون وجهة نظري عنها.
اتفق مع الاخ الغرباوي في تقسيم هذه القصص الى ثلاثة انواع وهي كما وردت في المقالة اعلاه كما يلي:
1- قصص واقعية عبّرت عنها الآيات بـ(أنباء الغيب)،
2- قصص وظفت الرمز للتعبير عن فكرة تضيق بها العبارة، وتعجز اللغة عن بيان مقاصدها، فتساق القصة كأسلوب أدبي رمزي
3- قصص يراد بها تصديق أهل الكتاب، وهي أستراتيجية قرآنية، كان يرتهن لها أهل الكتاب لتصديق نبوة محمد،
و اعتقد ان اغلب القصص القرآنية هي "رمزية" وهدفها يتعلق بالجانب "الايماني واقناع البشر بالدين الجديد وكذلك توضح قدرة الله على عمل اي شيء". انها تدعو الى اخذ "العبر والموعضة" من تجارب الامم السابقة الموضحة في هذه القصص.
انها تبين لاصحاب الكتاب والمشركين وغيرهم الذين لم يؤمنوا بالدين الجديد قدرة الله على كل شيء. بالاضافة الى هذا انها تبين هذه التجارب القديمة للرسول لانه كان لا يعرف هذه القصص قبل نزول الوحي كما موضح في الاية التالية:
يوسف-3
نحن نقص عليك احسن القصص بما اوحينا اليك هذا القران وان كنت من قبله لمن الغافلين
الاية اعلاه تبين ان الرسول كان لا يعلم بهذه القصص وان القرآن اسماه من "الغافلين". ولكن حتى الرسول "يبدو" كان في البداية في حالة شك في تكليفه بحمل هذه الرسالة ولذلك جاءت هذه القصص لدعم ثباته وكما موضح ادناه:
هود 120
وكلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين
الاية اعلاه هي رسالة "للرسول لتثبيت عزمه وكذلك موعضة وذكرى للمؤمنين".
القصص التي وردت في القرآن ليس "كل القصص" ولكن ورد قسم منها "للموعضة والعبرة وامثلة" من تجارب الذين سبقوا الدين الاسلامي كما موضح ادناه:
غافر 78
ولقد ارسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول ان ياتي باية الا باذن الله فاذا جاء امر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون
الاية اعلاه تقول للرسول ان قصصنا عليك قصص بعض الرسل وليس كلها وهي تقول بالحق وتبين خسارة المبطلون.
و ان هدف هذه القصص هي "اخذ عبرة ودرس" من مغزاها كما مبين ادناه.
يوسف 111
لقد كان في قصصهم عبرة لاولي الالباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون
و الاية التالية تبين كذلك الجانب الايماني وعدم ايمان الناس بالرسل التي سبقت الرسول:
الاعراف 101
تلك القرى نقص عليك من انبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين
و الاية التالية تقول ان هذه الامثال والقصص لا "يعقلها" الاّ العالمون.
العنكبوت 43
وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها الا العالمون
و رمزية هذه القصص واخذ العبرة منها واضحة بشكل جلي في الاية التالية:
الحشر 21
لو انزلنا هذا القران على جبل لرايته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون
الاية اعلاه تدل بشكل واضح جداً على رمزية هذه القصص؛ ولذلك تقول لو انزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعاً متصدعاً من خشية الله وتلك الامثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون. وهذه الاية تشير الى عظمة الدين الجديد. واعتقد ان قصة الاسراء والمعراج التي جاءت بالقرآن ليست واقعية وانما "رمزية".
الخلاصة: لا اعتقد ان هذه القصص هي قصص "واقعية" بقدر ماهي الاّ قصص "رمزية" القصد منها اخذ "العبرة والموعضة والتفكير في عظمة الخالق ومقدرته والايمان بدينه الجديد". وشكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر والتقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

تحياتي للاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم. توجد قضية يجب الانتباه لها، يغفل عنها بعض المفسرين. ان اهل الكتاب كانوا يرتهنون صدق نبوة محمد بمعرفته القصص. فاذا كانت اخبارته مطابقة للقصصهم صدقوه، واذا اختلفت الوقائع او السرد قالوا اساطير الاولين. كما بينت حول قصة اصحاب الكهف، فكان الرسول يخبرهم بالقصص اجمالا لكنه يوظفها لصالح اهدافه، لذا لا يستغرق بالتفصيلات لانها لا تهمه، سوى تصديق اهل التكاب، واكسب جولة الحوار العقدي. شكرا لك من جديد مع الاحترام والتقدير

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5132 المصادف: 2020-09-23 05:06:46