 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (184): الخلافة والاستخلاف

majed algharbawiاحمد مانع الركابيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والثمانون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ أحمد مانع الركابي.

 

مصادر التشريع

ماجد الغرباوي: أشرت أكثر من مرة أن متقضى شمول التشريع لجميع مناحي الحياة وجود نصوص تشريعية تغطّي جميع مفاصلها، بينما عدد آيات الأحكام لا تتجاوز 500 آية، جلها ناظر للواقع، والإجابة على أسئلته. ورغم محدودية آيات الأحكام، تقول الآية: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)، التي جاءت ضمن نسق آيات أحكام سبقتها وتلتها. فكيف يصف الدين بالكمال، مع محدودية الآيات، وعدم وجود مرجعيات تشريعية باستثناء الكتاب، ولم يجعل ولاية تشريعية بنص صريح لأحد بما فيهم النبي الذي اقتصرت وظيفته على البيان والتبليغ، كما صرّحت بذلك الآيات؟. لم يكن الرسول مشرّعا، ولم يسبق الوحي بفتوى، وكان تحت رقابة السماء طول حياته النبوية، فتسارع الآيات إلى تنبيهه مع كل اشتباه أو خطأ: (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ)، (وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا)، (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ). كان جهد النبي جهدا اجتهاديا، يطبّق فيه كليات الأحكام الشرعية المنصوص عليها قرآنيا على مصاديقها. فعندما تجيب الآية عن المحيض مثلا، تعطي حكما عاما، يصدق على موضوع  السؤال، وكل مورد مشابه له بذات الصفات، فالحكم العام بالآية يكون كبرى القياس في فتوى الفقيه، وهذا ليس تشريعا بل اجتهادا. والنبي هنا لا يشرّع حكما لهذا الفرد أو ذاك، وإنما يطبّق الآية على مصاديقها مع مراعاة الواقع وضروراته، كما في تفصيلات الأصناف والنسب الزكوية المشمولة بالزكاة، لذا لا يقتصر على أصناف الزكاة التي جاءت في رواياته ويمكن للفقيه التوسعة، متى ما توفرت شروط الزكاة في أصناف أخرى. فربما بعض الدول لا تزرع الغلات الأربعة (الحنطة والشعير والتمر والزبيب)، فيستطيع الفقيه فرض الزكاة على الشائع في تلك البلاد، كزراعة الرز وتربية الخيول. فالنبي يجتهد في فهم النص وتطبيقاته في ضوء الواقع، وحينئذٍ لو تغير الواقع يستطيع الفقيه الافتاء بما يقتضيه. وقد فهم الصحابة المنطق الفقهي، ولم يعترضوا على اجتهادات عمر بن الخطاب. فكيف يصف القرآن دين الإسلام بالكمال مع كثرة الحوادث ومحدودية الآيات، وعدم جعل ولاية تشريعية لأحد بما فيهم الرسول الكريم؟. إن لازم كماله الاقتصار على مورده، وعدم تقويله ما لا يقل، ولم يصرّح به، كما هو حال التراث حينما يعمد إلى تقويل القرآن ما لم يقل، وتفسيره وفق إسقاطات طائفية وسياسية. فهو كامل بما هو، وبما تضمن، بلا زيادة أو نقصان.

أما الفقهاء فراحوا يبحثون عن مصادر أخرى غير القرآن، بناء على المقولة المشهورة: (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم). فالحكم وفقا لهذه المقولة موجود وما على الفقيه سوى الجد والاجتهاد لتحصيله.  فكانت الخطوة الأولى جعل الحجية لسُنّة النبي، بين من قال بحجيتها مطلقا، ومن يرى حجية ما يخص تشريع الأحكام، بعد اتفاقهم على ولاية النبي في تشريعها وفقا لأدلة تمت مناقشتها سابقا ولم تصمد أمام النقد العلمي، وقد ابتدأت هذه المرحلة بالصحابة. ثم جاء من أضاف للقرآن وسنة النبي، سنة أهل البيت بناء على عصمتهم، وهم الشيعة الإمامية. ومن أضاف سنة الصحابة بناء على عدالتهم مطلقا، وفقا لآيات وروايات الفضائل، وكانت الشورى أول من اشترطت على الخليفة التمسك بكتاب الله وسنة نبيه وسنة الشيخين، فرفض علي بن أبي طالب الشرط وآلت لعثمان بن عفان، والقصة معروفة تاريخا، روى ابن كثير: (فأخذ عبد الرحمن - أي بن عوف – بيده - أي بيد علي بن أبي طالب - فقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم لا. ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي قال: فأرسل يده وقال: قم إلي يا عثمان، فأخذ بيده وقال: هل أنت مبايعي على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفعل أبي بكر وعمر؟ قال: اللهم نعم). فعلي كان لا يعتقد بحجية سيرة الشيخين، لأنها اجتهادات شخصية في ظل الواقع وضروراته، ويلزم من الالتزام بها جمود الواقع، فعبّر عن الواقع وضروراته بعبارته: (ولكن على جهدي من ذلك وطاقتي).

ثم أسسوا، بدءا بالشافعي، قواعد أصولية، لضبط قواعد استنباط الأحكام الشرعية، وعقد لذلك مجموعة مباحث والأصول، لمعرفة الحكم الشرعي أو موقف الشريعة من الحكم المشكوك. ومرَّ الكلام حول هذا وغيره. وبهذه الطريقة أحكم الفقهاء قبضتهم على الناس، وطوقوهم بأحكام لم تترك لهم فسحة لحرية الرأي والعقيدة. وبعضهم ساق الناس لخدمة الطاغية والمستبد، تحت أحكام سلطانية لا دليل عليها من الشريعة الإسلامية المنصوص عليها قرآنيا.

بهذا نفهم أن ختم النبوة (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا)، كما تقدم، تعني: العودة للعقل البشري في هدي قيم الدين ومبادئه (مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ). أو بعبارة أوضح أن ختم النبوة إيذان برفع الوصايا المباشرة، كي يتمكن الإنسان من القيام بدوره في خلافة الأرض. لذا يصدق أن العدل أساس الملك، والعدل أساس الحياة. وختم النبوة تعني أيضا مسؤولية الفرد والرهان على عقله. ولا ولاية لأحد على غيره. وما يعزز هذه النظرية ومركزية الإنسان أن هدف النبوات، أن يقوم الناس بالقسط (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، بشكل يتحوّل إلى سلوك عام، أو مَلكة حقيقية لدى الناس كما في المصطلح المنطقي. دون الارتهان إلى أي شخص. بل أن في ختم النبوة دلالة أكيدة على ما نقول. فهدف الرسالة وفقا للآية الثانية تسوية الخلافات وإقامة القسط والعدل، من خلال مرجعية الكتاب. فهدفها أولا وأخيرا إقامة العدل، الذي ضاع بفعل الظلم والعدوان. وهذا كما يتحقق بمرجعية الكتاب يتحقق بغيرها، ما دام مفهوم العدل واحدا، لكنه نسبي بفعل الواقع وضروراته.

لا تتوقف إقامة العدل على أحد حتى الأنبياء، وقد أشاد النبي الكريم بعدل النجاشي ملك الحبشة، وبات الغرب نموذجاً في إقامته والتمسك به في قوانينه وأنظمته الداخلية. من هنا نفهم أن مهمة الدين في أحد أبعاده ترشيد وعي الفرد حتى ينضج ويتمكن من إقامة القسط، كما أشارت الآية، فإنها لم تشترط وجود نبي أو إمام أو فقيه في إقامته، بل المقياس أن يصدر القسط والعدل من الناس جميعا، عندما يتحوّل إلى ملكة دائمة في سلوكهم. لذا تجد المجتمعات الراقية حضاريا تلتزم القسط والعدل من خلال إلتزامها بقيمه وقيم القوانين الراعية له: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).

 بهذا نفهم حقيقة شمول الشريعة لكل مناحي الحياة، الذي تبناه الفقهاء، ورفعته الحركات الإسلامية شعارا في تحركاتها السياسية، وعلى أساسها استباحوا كثيرا من الدماء، بينما هي وجهات نظر واجتهادات، قد تصيب وقج تخطئ. فكان نصيبها الفشل والإخفاق. كما كان الفشل نصيب مشاريع أسلمة العلوم، التي أرادت أن تجعل من العلوم الطبيعية علوما إسلامية، وهي علوم إنسانية، وتراكمات بشرية، ولا علاقة للدين بها. إن الخطأ الأساس في كل هذه التخبطات هو إقحام الدين في غير مجاله، وتحميله ما لا يتحمل. الدين له وظيفة محددة، يروم ربط الإنسان بخالقة، عبر منظومة قيم أخلاقية ودينية، تقوم سلوكه، وتضعه على طريق الحرية والتحرر الذاتي من جميع العبوديات. ليس الدين بديلا عن العقل، بل أن وظيفته ترشيد الوعي، لذا تجاهل عصبي الحياة رغم أهميتهما القصوى، النظامين السياسي والاقتصادي، سوى مبادئ وقيم تضبط إيقاعهما الأخلاقي. بينما بالغ بالتقوى، وجعل غاية العبادات تعميق روح التقوى، أساس العدل والإنصاف، وأساس قيم الفضيلة. سواء كانت التقوى دينية أو أخلاقية، المهم أنها وازع ذاتي ترتهن له إستقامة الفرد والمجتمع. فشمول الشريعة وكمالها، هي بحدود ما شرّعه الله تعالى، وما عدا ذلك تركه للإنسان ليواكب به تطورات الحياة وحاجاته وضروراته. أنا لا أفهم سبب حساسية المتدينين من العقل، ولا أفهم لماذا يسقطون رغباتهم على الدين، ولماذا يرفضون كل من يخالفهم الرأي، مع عدم وجود نصوص صريحة تعضّد آراءهم، سوى تقويل الآيات ما لم تقل.

 

س144: احمد مانع الركابي: لقد دعوت في طرحك إلى تحرير القرآن الكريم من قيود الفقيه الذي يستقي تفسيره من أطر بيئته الفكرية، إلى أطر أكثر شمولية وانفتاحا. وفي موضوع خلافة الأرض نجد نصا واضحا من القرآن الكريم وهو قولهُ تعالى: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ). أي هناك صلة بين الإمام (الخليفة) والمستخلف. وهذه الصلة لا يمكن أن تبنى ما لم يكن هناك استعداد ومؤهلات روحيه عند المستخلَف (َإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) والذي يعكس تجليات الحق ّ(الله) في تجسيده للخلافة أو الإمامة، وهو ما يبدو متناقضا مع ما طرحتموه في أنّ المستخلَف من يصلح الأرض وفق مفاهيم العدالة الفكرية وإن لم تلتق مع الدين، لذا نرجو توضيحكم.

ج144: ماجد الغرباوي: منذ بداية الحديث عن قصة الخلق وخلافة الإنسان نبهت لقضية مهمة طالما تمسكت بها التيارات الدينية الأيديولوجية، وهي تفسير الخلافة بالإنسان الكامل، الذي ينحصر مصداقه بمحمد بن عبد الله، ثم من أتى بعده، على اختلاف بين السنة والشيعة والمتصوفة والعرفانيين فيمن يأتي بعده، مصداقا للإنسان الكامل الذي تناط به الخلافة الربانية. وهذا السؤال يأتي بذات السياق، وأن المقصود من جعل الخليفة هو الإنسان الكامل، وليس مطلق الإنسان.

ينبغي التمييز بين الخلافة بمفهومها العام / خلافة الأرض، والخلافة بالمعنى الديني: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ). وعندما نعود للخلافة بالمفهوم القرآني نجدها مطلقة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً). وفي آية أخرى:  (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ). فوراثة الأرض التي يختص بها الخليفة الإنسان، غير مشروطة بالإيمان أو الإسلام أو أي صفة دينية أو روحية إنما اشترطت الصلاح فقط، وهو مفهوم عام، ينطوي على العقل والحكمة. فارتهنت الآية ديمومة وراثة الأرض بصلاحها: (أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). الإيمان وحده لا يحقق شرط ديمومة صلاح الأرض، لكن استثمارها بأية معنى هو الذي يحققها. فخلافة الأرض تتطلب وجود كائن يستوفي شروط الخلافة، وهو الإنسان، بما له من استعدادات وقابليات.

ولو كان مفهوم الخلافة ينصرف لخصوص المؤمن المستقيم في عمله وسلوكه، لسلّمت الملائكة ولم تحتج: (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء)؟. بل ولا معنى لأن يطرحوا أنفسهم بديلا عنهما باعتبارهم يسبحون بحمده ويقدسون له: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). لكن مفهوم الخلافة عام، لا يتبادر منه خصوص الإيمان أو الإسلام. والكائن الذي جعله الخالق خليفة في الأرض هو الإنسان المستعد بطبيعته لعمل الخير والشر. فالرهان كان على عقل الإنسان وقابلياته، مطلق الإنسان، لذا ردَّ عليهم الخالق: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ). كانت زاوية نظر الملائكة منصبة على البعد الإيماني في احتجاجها. فجعلت الإيمان والتقوى ميزانا وملاكا لخلافة الأرض. لذا استبطن جوابه تعالى أمرا آخر عبر عنه: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). وهو ما تجهله الملائكة حول فلسفة وجود الإنسان على الأرض ومدى قدراته وقابلياته، وكانت الملائكة تعتقد أن الإيمان ملاك كل شيء، فاقتصر نظرها عليه. بينما خلافة الإنسان أبعد، وقد أشار لها تعالى في بداية محاورته حينما عبر بلفظ الخليفة، فقال: إني جاعل في الأرض خليفة، لكنها لم تدرك مراده. فهم لم يعاصروا الإنسان ولا يعرفون عن قدراته الخلاقة سوى سفك الدماء، الذي هو مجرد استنتاج، لا عن خبرة وتجربة، بل لأن مقابل الإيمان في نظرها هو سفك الدماء. وقد مرَّ الكلام في قصة الخلق مفصلا.

وبالتالي فخلافة الإنسان غير مشروطة بالإيمان، وكانت الآية مطلقة: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً). لدلالة المفهوم على الاستثمار والإعمار: (أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا). وأما خلافة الأنبياء فيقصد بها الخلافة بمعنى النبوة، فتكون مشروطة: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ). وقد جاءت الآية بعد افتتان دواد بقصة الخصمين، غير أنه أفاق لخطئه، فخر ساجدا وأناب. كان ينبغي له وهو النبي الكريم أن يحكم بين الناس بالحق. بهذا نفهم أن المراد بالخلافة هنا، التصدي الفعلي، تصدي داود للقضاء والحكم. وهو شأن كل من يتصدى أن يحكم بالعدل والحق بين الناس.

وأما آية: (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ) التي استدل بها السائل الكريم على مطلوبه. فأيضا كان المخاطب بها خصوص الأنبياء. ممن وردت أسماؤهم قبل وبعد الآية، التي كانت في سياق الحديث عن تاريخ نبواتهم. ولا شك أن إمامة الأنبياء مشروطة، لا تصدق على كل شخص، وتختص بالمصطفين من الأنبياء. فالآية ناظرة لخصوص الإمامة بمعنى الهداة، والهدايا، فمن يتصدى لهداية الناس فالأولى به أن يتصف بما ذكرته الآية: (َإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ). فالآية لا تؤسس لشرط الخلافة، كما جاء في السؤال. وتتحدث عن وظيفة الأنبياء الهداة.

الحديث عن الخلافة قرآنيا جاء على مستويين: عام وخاص. الثاني مختص بالأنبياء، ومن يتصدى لإمامة الناس دينيا، فيكون مسؤولا عن سلوكه وتصرفاته. أما الخلافة العامة فهي شأن الناس جميعا، باعتبارهم مستخلفين في الأرض. ويبقى السؤال وفقا للنظرية القرآنية، هل هناك خصوصية للأنبياء في مسائل القضاء والحكم أو الاستخلاف الديني بشكل عام؟ أم لا خصوصية لهم، سوى التزامهم بالعدالة كمبدأ ديني وإنساني، وضمان عدم انحيازهم لأحد طرفي الدعوى، لقوة وازع التقوى؟. عندما نعود للكتاب الكريم، نقرأ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا). فالعدالة ركيزة القاضي لتسوية النزاع القضائي، سواء كان نبيا أم لا. فمن تمسك بالعدالة فقد حكم بالحق. ومن انحاز عنها، فقد خان الأمانة. وقد طالبت الآية المتقدمة النبي داود أن يحكم بالحق. ولازمه أن يكون عادلا في حكمه كي يظهر الحق، بعيدا عن الهوى. والعدالة ملكة إنسانية، يتصف بها من لا ينحاز لأحد طرفي الدعوى عند القضاء والحكم وفقا لصيغة قانونية، دينية أو وضعية، فالمرجعية القانونية شرط. وجميع الآيات التي تحدثت عن الحكم كانت تقصد الحكم بمعنى القضاء، لا بمعنى السلطة، غير أن الاتجاهات الأيديولوجية، من تروم توظيف الدين لمصالحها الشخصية تصرّ على إرادة السلطة من آيات "الحكم"، كقوله:  (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، ﴿44﴾ وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿45﴾ وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ ﴿46﴾ وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿47﴾ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ). وبهذا الاتجاه ثمة من يريد تفسير الخلافة بخلافة الإنسان الكامل، ثم احتكاره لصالح رموزه الدينية والتاريخية في سياق تعزيز الرأسمال الرمزي.

يأتي في الحلقة القادمة.

 

.......................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (6)

This comment was minimized by the moderator on the site

كالعادة يوضح الكلام غنى الواقع المتجدد و جهوزية النص و عدم قدرته على تجديد نفسه. فالكلام لا يكون الا بصيغة ااماضي.
المشكلة في التمسك بحرفية النص.

مثلا توجد عدة صيغ لأحاديث و عبارات تفيد: ان تكون عبدا لمن يعلمك.

فهل هذا يعني الاسترقاق و البيع في سوق النخاسة. ام ان الكلمة رمز يدل على التوقير و بالغ الاحترام.

واللغة لها قوانينها.

لا احد يقبل ان تشبهه بالحمار او الكلب. مع ان الاثنين رمز للتحمل و الوفاء و الاخلاص و الاستماتة.

اللغة ليست مربوطة بصمغ بالواقع. و هي لا تنقله ماديا. و انما تعبر عنه من خلال استخدامات متعارف عليها.

و هنا يأتي دور الفهم و استخدام العقل و المخيلة.

يجب ان تعرف كيف كانت العلاقة بين اللغة و المتكلم لتعرف ماذا يعني القرآن و ماذا تعني الأحاديث و التشريعات المبكرة..

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لحضورك ومداخلتك الاستاذ الدكتور صالح الرزوق، تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

الاستاذ ماجد الغرباوي المحترم تحية وسلام
شكرا لك على هذا العطاء الثر الذي افاض علينا من خلال طروحاتك التي تهتم بالشريعة الاسلامية والفكر الاسلامي .
واذا سمحت لي ببعض الاسئلة والملاحظات التي جاءت من خلال سياق هذا البحث .
قلت حضرتك (( وعدم وجود مرجعيات تشريعية باستثناء الكتاب، ولم يجعل ولاية تشريعية بنص صريح لأحد بما فيهم النبي الذي اقتصرت وظيفته على البيان والتبليغ، كما صرّحت بذلك الآيات )) سؤالي اذا كان دور النبي يقتصر للبيان والتبليغ،، فهذا الدور يمكن ان يقوم به اي شخص ملهم بفصاحته وبلاغته علي ابن ابي طالب مثالا بما شهد له من قبل بلغاء عصره وماتلاهم حتى وصوفوه بنهج بلاغته انه فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق . اذن اصبح دور النبي مجرد، ساعي بريد
لاغير.
تقول حضرتك (( فيستطيع الفقيه فرض الزكاة على الشائع في تلك البلاد، كزراعة الرز وتربية الخيول. فالنبي يجتهد في فهم النص وتطبيقاته في ضوء الواقع، وحينئذٍ لو تغير الواقع يستطيع الفقيه الافتاء بما يقتضيه)) هل يحق للفقيه في البلاد الاسلامية ان يفرض فريضة زكاة مايستخرج من الارض مثل البترول على الحكومات وهو من حق المسلمين وهل معمولا بها دون ان نعلم واذا كانت مستثناة لماذا تم استثناءها .

اشرت للاية التي تقول ((وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ)) هناك اعتراضات كثيرة حول هذه الاية اليس الزبور قبل الذكر لماذا تم تقديم الزبور على الذكر ياترى .

ودمتم بأمان الله

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة ابا سجاد، شكرا لتفاعلك. النبي يبين ويبلغ ويفهم الوحي، ومن جاء بعد يقوم ذات المهم لكن على النص القرآني. وهذا هو الفارق الجوهري.
نعم يستطيع لكن موار الغوص وباطن الارض عليها الخمس، فالنسبة اكبر.
الذكر هنا بما هو مصدر فوقي تحدثت عنه في ايات انا نزلنا الذكر وانا له حافظون. وعليه فالزبور وغيره ياتي بعد الذكر.
تمناتي لك بالعافية

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الفاضل الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال التنويري المهم و المتعلق بتكليف الله للانسان كخليفته في الارض. و شكراً للاخوة المعلقين الدكتور صالح الرزوق و الاخ ابا سجاد. و احب ان اضيف التعليق التالي:
ورد في المقالة اعلاه كلام جميل جداً و مهم و علمي يتوافق كلياً مع آيات القرآن و هو:
"فوراثة الأرض التي يختص بها الخليفة الإنسان، غير مشروطة بالإيمان أو الإسلام أو أي صفة دينية أو روحية إنما اشترطت الصلاح فقط، وهو مفهوم عام، ينطوي على العقل والحكمة". انتهى.
و لتأكيد الكلام اعلاه اورد بعض الايات القرآنية في هذا الشأن.
الحجرات – 13
يا ايها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم ان الله عليم خبير
الاية اعلاه تتكلم ان صفة التقوى للانسان بكل ما تعنيه الكلمة من نبل انسانية شيء اساسي في "تقييم الله" للانسان و لا تشترط الجانب الايماني.
الانبياء- 105
ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الارض يرثها عبادي الصالحون
البقرة-11
واذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا انما نحن مصلحون
البقرة -168
يا ايها الناس كلوا مما في الارض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان انه لكم عدو مبين
يونس -14
ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم لننظر كيف تعملون
الايات اعلاه تنادي البشر بشكل عام و ليست مختصرة على المسلمين فقط. و ان الانسان الذي يريده الله ليكون خليفته في الارض ان تكون له "صفات النبل الانسانية من عدل و مساواة و صدق و نزاهة --الخ" و ليس القيم "الدينية" الايمانية فقط .
و ان الدين الاسلامي يدعو كل البشر للايمان به و لكن ليس بطريقة الاكراه "لا اكراه في الدين فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر". المهم عند الله ان يكون خليفته في الارض عادل و يحقق الرفاهية لجميع افراد المجتمع بغض النظر عن اديانهم او قومياتهم او مناطقهم كما هي الحالة في المجتمعات المتقدمة.
الانبياء-107
وما ارسلناك الا رحمة للعالمين
ارسلناك رحمة للعالمين.
سبأ-28
وما ارسلناك الا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن اكثر الناس لا يعلمون
و ما ارسالنك الاّ للناس كافة و لكن اكثر الناس لا تعلم بهذا.
الفرقان-56
وما ارسلناك الا مبشرا ونذيرا
و الايات اعلاه تشير الى ان الرسول مرسل لكل البشرية و ان دوره مبشراً و نذيراً لكل البشر.
و ان الايات القرآنية كذلك وضحت انه قد يكون هذا الانسان الذي هو "خليفة الله في الارض" قد يكون شريراً و يفسد الحرث و النسل كما موضح الاية التالية:
البقرة -205
واذا تولى سعى في الارض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد
و لكي نفهم مغزى هذه الاية بشكل اكثر وضوحاً اخترت الايات التي قبلها و التي بعدها.
البقرة-204
وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ
البقرة-205
وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ
البقرة -206
وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ
و ان الايات اعلاه واضحة وضوح الشمس من ان الانسان "خليفة الله في الارض" قد يكون شريراً و يهلك الحرث و النسل و قد يتظاهر انه انسان سوي و عادل و تقي و ما اكثرهم في بلداننا. ان هؤلاء مصيرهم جهنم و بئس المصير.
الايات اعلاه توضح عالمية الدين الاسلامي بمعنى انه ليس ديناً مختصراً على العرب او بني هاشم ابداً ابداً. و بمعنى آخر انه ديناً ليس "وراثياً" ابداً ابداً. و لا يوجد به شيء اسمه تقديس البشر و عصمتهم اطلاقاً. الكمال و العصمة تعود الى الله فقط لا غيره.
امّا سورة الانبياء 73 و هي:
الانبياء-73
وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا واوحينا اليهم فعل الخيرات واقام الصلاة وايتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين
الاية اعلاه تتعلق بالانبياء الذين سبقوا الرسول "من اسمها" –اسحاق و يعقوب – ولوط و ابراهيم و غيرهم و ليست لها علاقة بآل البيت ابداً و هذا واضح من الايات التي قبلها و التي بعدها.
الانبياء 72
وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلا جَعَلْنَا صَالِحِينَ
الانبياء- 73
وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ
الانبياء-74
وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ
آسف على الاطالة –وجهة نظر. و شكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لك الاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم، وشكرا لتفاعلك وما تبذله من جهد لتوثيق الافكار قرآنيا من خلال مسرد من أيات الكتاب دمت بعافية وسلام

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5144 المصادف: 2020-10-05 22:58:58