 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (190): نساء النبي والأخلاق

majed algharbawi7صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة التسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

نساء النبي والأخلاق

ماجد الغرباوي: نخلص أن العقل الأخلاقي يجب أن يكون حاكما على السُنة في حالات التعارض بينهما. ونقصد بالسُنة خصوص السيرة العملية / فعل النبي، ومثاله زواجه من عائشة الذي اختلفوا حول تفاصيله، وصدّقوا رواية تقول أنه تزوجها بعمر السادسة وأجّل الدخول فيها إلى عمر التاسعة. الزواج من الأطفال يخالف قيم الكتاب والأخلاق كما تقدم، ويؤيده: "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، لذا استبعدنا صحة الرواية بعيدا عن القداسة وتأثيراتها اللاشعورية، لعدم وجود دليل قطعي على صحتها وفقا لمنهجنا في تصحيح الروايات، كما أن النبي أولى بالتزام قيم الدين ومبادئه وأخلاقه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ). فسيرة النبي سيرة تطبيقية لأخلاق القرآن وقيم الدين، فكيف يقول شيئا ويخالفه علنا، مع وجود خصم عنيد يترصد سلوكه ليل نهار للتشهير به؟. لكن ثمة ملاحظة جانبية يحصل لدى العوائل وإلى يومنا هذا أن تُسمى طفلة باسم شخص، فيقال هذه لفلان. أي ستكون زوجته مستقبلا، ولا يحق لغيره خطبتها، وربما حصل مع عائشة الأمر ذاته. وهي قضية مألوفة، تنسجم مع قيم المجتمع الأبوي، التي ترتهن الأنثى ومستقبلها لأب الأسرة. وهي قيم استبدادية، دأبت على سلب المرأة حريتها وإرادتها. وهذا أمر ممكن ومتوقع. فأبو بكر أقرب الناس لرسول الله، وأكيد كان يتمنى زواجها منه، وربما قبل النبي على هذا الأساس، وإلا كيف نتصور رجلا خمسينيا يقترن شرعا بطفلة صغيرة؟. وهناك قضية شرعية تحول دون صحة العقد على فرض وقوعه، وهي: أن الزواج عقد بين طرفين. إيجاب وقبول. يشترط في المتعاقدين شروط، منها: البلوغ والعقل والرضا والرشد، وغيرها. فكيف يصح العقد من طفلة في سن السادسة، وهي ليست بالغة وليست راشدة من باب أولى؟ لكنهم التفوا على الأمر حينما منحوا الأب ولاية تمكنه من إجراء العقد، وهو ذات المنطق الذكوري السائد، حتى وإن منح الفقهاء الزوجة حق فسخ العقد عند بلوغها إذا لم تكن راضية، فإن نفس التصرف بمستقبله أمر مستهج، وفعل لا أخلاقي.

القرآن لم يشرّع سوى عدد محدود من الأحكام وترك الحياة لتجربة الإنسان والعقل والأخلاق. فثمة عقل أخلاقي يجب أن يكون حاضرا في تشريع الأحكام والقوانين. فمثلا عدم وجود نهي صريح في القرآن عن زواج الصغيرة لا يبرر جوازه، فثمة إطار كلي للدين والكتاب، ونهي أخلاقي يستمد شرعيته من إنسانية الإنسان وروح الأديان، لتفادي الظلم والعدوان والجور، إضافة لما سقناه من أدلة قرآنية. وزواج الأطفال ظلم ومصادرة لحقوقهم: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)، فما ذنب المرأة عندما تفيق وتجد نفسها مع زوج يكبرها بعشرات السنين، تختلف معه مزاجا وأخلاقا؟. إذا ينبغي تفكيك شرعية الفتاوى الفقهية من خلال نقد مرجعيتها والتأكد من سياقاتها التاريخية. كما يجب نقد مناهج استنباط الحكم الشرعي التي لا تراعي العقل الأخلاقي، والمنطق الداخلي للكتاب، والهدف العام للدين، ومحورية الإنسان في الحياة. المجتهد لا يأبه بالآثار الأخلاقية المترتبة على نتائج استنباطه، ولا يهمه سوى التشريع ضمن سياقات التقنين، وتطبيق كبرى الأحكام على صغرياتها. ومادامت الأدلة دلت على صحة العقد من الصغيرة، يفتي طبقها، انسجمت أو لم تنسجم مع قيم الأخلاق. فهناك تعسف ترفضه الأخلاق الإنسانية الكريمة يجب مراعاته في عملية استنباط الأحكام الشرعية. ولا أقل ينبغي للفقيه التأني أو الاحتياط في الفتوى، لذا بعض الفقهاء يشترط نضوج المرأة، وهذا حق وصواب. وينبغي تفهمها لمعنى الحياة الزوجية وشروطها وضروراتها، ويترك لها الخيار في دراسة الموضوع، وتكوين قناعة كافية تتحمل معها مسؤولية الزواج. بل بات التعارف بين الرجل والمرأة قبل الزواج ضرورة، لتفادي عدم الانسجام وضعف القناعة والانفصال النفسي المبكر، وربما الطلاق. وهذا يستدعي ثقافة منفتحة يتفهم معها الفقيه ضرورات الحياة، وما حفلت به معطيات العلوم الحديثة، لصالح حياة زوجية زاخرة بالسعادة والوئام. فليس المهم تشريع الحكم بل تشريع الحكم الذي يحقق سعادة الإنسان ومصالحه العامة.

المشكلة عندما يوضع الفقيه بين خياري الإنسان والتشريع يقدم الثاني على الأول، متناسيا محورية الإنسان في الحياة. فثمة إشكالية معروفة: هل الأولوية للإنسان أم للتشريع؟. ومثاله عندما يرفض الفقيه الهدنة مع العدو، ويفتي بوجوب مواصلة الحرب تحاشيا لمخالفة الحكم الشرعي رغم فداحة الخسائر بالأرواح والممتلكات. بمعنى أخر عندما تشكل الحرب خطرا على جماعة المسلمين، فهل يفتي الفقيه بحرمة الهدنة ووجود مواصلة الحرب؟ وهل يقدم الحكم الشرعي على مصلحة الإنسان أم العكس؟  وهي إشكالية مردها لإشكالية أعمق ترتبط بفهم الدين، ودور الإنسان في الحياة. فثمة اتجاهان مرَّ الحديث عنهما تفصيلا. اتجاه العبودية الذي يعطي الأولوية للتشريع انسجاما مع قيم العبودية، فالإنسان مجرد عبد، يدمن الطاعة، مهما كانت تبعاتها. بينما الأولوية للإنسان وفقا لاتجاه الخلافة الذي تم التأسيس لجملة من مبادئه، كما تقدم. الدين وفقا للرأي الثاني جاء لترشيد وعي الإنسان، فيراعي مصالحه، وليست ثمة قدسية للتشريع عندما يكون على حساب الإنسان. والحقيقة أن الثاني لا يفرط بالحكم الشرعي لكنه لا يرى فعليته، حينما يتعارض مع مصالح الفرد والمجتمع، فتكون مصالح الإنسان شرطا في فعلية موضوعه. إن هذا النمط من التفكير كان وراء وجود نسق أخلاقي يجافي القيم الإنسانية، فيحسب على الدين، والحقيقة أن رأي الفقيه رأي اجتهادي غير ملزم لأحد سوى مقلديه ومن يتبع فتاواه. ويبقى العقل الأخلاقي حاكما في المقام. فنرنو للتعرف على نماذج تنتسب ظاهرا للدين لمعرفة حقيقتها، عبر منهج تاريخي، ثم دراستها أنثربولوجيا، قبل أدلجتها واستغلالها تحت تأثير العقل التراثي وروح العبودية الذكورية. هذه هي مهمة البحث في هذه الأمثلة التاريخية. أي تفكيك قدسيتها ومعرفة مدى انسجامها مع العقل الأخلاقي وقيم الإنسان والأديان، فربما هناك التباس في فهم الحدث التاريخي فيبدو واقعا بفعل التراكم بعيدا عن النقد. وليس القصد من استدعاء بعض النماذج التاريخية خاصة من السيرة النبوية لتوهين الدين أو الاستخفاف بالقيمة الأخلاقية للتشريعات الاجتماعية الدينية. السيرة أحد مصادر التشريع، والنبي قدوة المسلمين، وهذا يكفي مبررا لدراسات بعض النماذج التي يبدو منها التعارض مع القيم الأخلاقية، لسلبها شرعيتها بعد اكتشاف تاريخيتها. منها:

ثانيا: حرمة زواج نساء النبي بعد وفاته

إذا كان زواج الرسول من عائشة بسن السادس كان مجرد رواية ضعيفة، تم استبعادها لأسباب موضوعية مرَّ ذكرها، فإن حرمة زواج نساء النبي بعد وفاته منصوص عليها قرآنيا: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا). فكيف نفسر أخلاقيا حرمة زواج عائشة وهي مازالت امرأة ثلاثينية أو أربعينية في أحسن الأحوال، وربما تتوق لزوج يعوضها ما فاتها بسبب فارق العمر أو بسبب كثرة نسائه وانشغالاته؟. وأما باقي زوجاته فربما بلغن سن اليأس، وقد تشملهن عن قريب آية: (وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا). والسؤال: ما مبرر حرمان نساء النبي متعة الحياة الزوجية بعد وفاته التي ربما لم تكن مثالية في زواجها منه؟.

لا ريب في سلبية القرار عندما تؤخذ حرمة اقتران زوجات النبي بشخص آخر بعد وفاته. ولا شك في تعسفه لغير اليائس ومن عانت الحرمان أو عدم الإشباع بسبب فارق العمر وكثرة نسائه وانشغالاته وهمومه. هذا إذا كان طرف القضية محمد بن عبد الله الشخص. لكن الأمر سيختلف حينما يكون طرف القضية محمد بن عبد الله الرسول. النظرة الأولى: نظرة تجزيئية لا تخلو من ظلم وتعسف، ما لم يدرس الموضوع ضمن إطار كلي، فتكون حرمة زواجهن بعد وفاته جزءا في سياق رؤية رسالية. فتأتي منسجمة مع غايات ومقاصد الرسالة، فإذا خسرت زوجة النبي شيئا من حريتها تعوّض رمزيا ما يحفظ لها كرامتها وحيثيتها ومقامها. فهناك إطار عام عنوانه: "الرسالة السماوية"، يؤطر جميع تصرفات الرسول، فقرار حرمة زواج نسائه بعد وفاته ضمن سياقات المهمة الرسالية. وهنا عندما نتناول الموضوع باعتباره جزءا من كل، ستختلف نظرتنا إليه، وسوف يخرج عن كونه مرجعية لفعل أخلاقي سلبي. وهو ما نريد فهمه ودراسته، حيث قوة حضور الديني، وقدسية السيرة النبوية. كي لا تبقى حجة لأي سلوك سلبي يقحم السنة النبوية لشرعنته، واتخاذها ذريعة لسلوكه أو لتشويه سمعته. وبشكل أدق، لا نتحدث عن محمد بن عبد الله الشخص، بل نتحدث عن محمد بن عبد الله النبي الرسول. والكلام عن رمز قدسي، ينهل المسلمون من سيرته مكارم الأخلاق. تقول الآية: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)، فالصفة الرسالية متخذة بنظر الاعتبار، وهو ما أكدته الآية حينما نسبت الزواج لرسول الله: "لا تؤذوا رسول الله". "لا أن تنكحوا أزواجه" (أزواج رسول الله). فهن أزواج محمد الرسول، الرمز المقدس لدى صحابته وجميع المسلمين. الرسول الذي ترصده عيون الخصوم، وتتابع عثراته علها تحظى بذريعة للتشهير به: (فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ). ولبيان حقيقة النهي، والآثار المترتبة عليه، وهل يصدق معه مفهوم الظلم أم لا؟، نقول ضمن نقاط:

-  ثمة خصوصية لنساء النبي ذكرتها مصفوفة آيات بعنوان: (يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء)، قد أخذت بنظر الاعتبار خصوصيته الرسالية، وموقف الأعداء منه. كما نظرت للجانب العرفي، وحساسية مقام الرسالة في مجتمع مازالت تسوده قيم القبيلة.

- إن قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمً). قد خيّرت نساء النبي بين أمرين، فمن قبلت البقاء معه، قد وافقت على شروط العقد وشروط الآية أعلاه. وتنازلت طوعا عن بعض حقوقها، فانتفى الظلم والعدوان، مادام الأمر باختيارها.

- مقتضى أمومة نساء النبي، عندما اعتبرهن أمهات المؤمنين، (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ) فتكون الحرمة تحصيل حاصل، لحرمة الأم على ولدها (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ)، سواء كانت أماً حقيقية بالنسب. أو أماً بالسبب كالأم بالرضاعة أو بجعل شرعي من قبل الله، في مثال نساء النبي اللاتي جعلهن الله أمهات المؤمنين.

الحرمة والظلم

- لا يصدق الظلم مع عدم صدق الحرمان. ومع عدم تعويض الحقوق المهضومة. ولا يصدق على المرأة التي ترفض الزواج. أو حالت ظروف قاهرة دون ذلك. وأيضا لا يصدق مفهوم الظلم إذا كان لديها ما يبرر عدم زواجها، كما بالنسبة لزوجات النبي.

- عندما رفع الله تعالى نساء النبي إلى منزلة "أم" لجميع المؤمنين، فقد وهبها قيمة رمزية، لم تعد بعدها مجرد زوجة للنبي بل أماً بما يوحي مفهوم الأمومة من قدسية ووقار وحب واحترام، وما لها من حقوق وواجبات دون الإرث. وهذا تعويض رمزي يتلاشى معه مفهوم الظلم. بل ما قيمة الزواج بالنسبة إلى نساء قد تجاوزهن العمر (ما عدا عائشة). فهل يصدق الظلم وهي تتمتع بهذه الحيثية الرفيعة؟

- مهما كانت حاجة زوجة النبي للزواج بعد وفاته فإنها لا تغامر بخلع لقب ديني واجتماعي كبير. أي زوجة أقدس إنسان في نظر أصحابه والمجتمع، ويكفي أن يشار لها لتوحي بدلالات قدسية كبيرة. فكيف تتنازل من أجل متعة جسدية، يمكنها الصبر عليها خاصة مع تقدم العمر؟. فنساء النبي قد غمرهن الفرح بهذه المنزلة ولم يراودهن شعور بالظلم والحيف.

- الظلم قضية نسبية. فالحرمان الجنسي في رأي امرأة ظلم عظيم. وفي رأي أخرى مسألة عادية، قياسا على المرأة وشدة شبقها وموقعها الاجتماعي، فهناك نساء يرفضن الاقتران ثانية مهما كن شابات من أجل قضية رمزية وقيمة أخلاقية ومبدأ إنساني تؤمن به. نساء النبي أغلبهن يائسات، فلا ظلم في عدم زواجهن بعده، بل يجدن فيه راحة نفسية، وهذا ما نشاهده بالنسبة لكبيرات السن. ماعدا عائشة أو بعضهن. ولا شك أنها لا تشعر بأي ظلم وهي في مقام الأم، بل ستشعر أنها كُرمت من قبل الله تعالى، فتغض الطرف عن الزواج، احتراما لمقامها. لقد وضعتهن بين خيارين، وكان بامكانهن التنازل عن اللقب الاجتماعي الكبير وفراق النبي: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآَخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمً). لكن لم يحصل شيء من هذا.

- قد يصدق الظلم كما بالنسبة للسيدة عائشة، لكن كم نسبته، مع بديل قدسي هو الأمومة والاحتفاظ بلقب زوجة النبي، أقدس إنسان بنظر قومها ومجتمعها؟. إن كثيرا من النساء يرفضن الزواج بعد وفاة أزواجهن، حفاظا على ألقابهن ومكانتهن الاجتماعية. تريد البقاء زوجة فلان الشخصية الكبيرة، حتى لو تطلب الأمر التنازل عن رغباتها الجسدية. وبالفعل قد وظفت عائشة لقب "زوجة رسول الله" في صراعها السياسي على السلطة حربها ضد الإمام علي الخليفة الشرعي. فالتعفف الجنسي حالة مألوفة وليست غريبة على المجتمعات كافية.

- حتى لو صدق مفهوم الظلم بسبب حرمة الزواج من بعده، فهناك تعويضات كبيرة، منها أنها تحتفظ بلقب زوجة الرسول، وتبقى أماً للمؤمنين، تحظى باحترامهم وتقديرهم في ظل مجتمع ذكوري لا يحترم المرأة. كما من الناحية الرمزية لها ثواب مضاعف في الآخرة: (وَمَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُّؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا).

- إن رمزية النبي ومقامه الروحي انعكست على زوجاته بشكل اختلف بسببها أفق تفكيرهن، خاصة أن الاقتران به كان شرفا عظيما وميزة اجتماعية تتصاغر معها كثير من الأمنيات والحاجات المادية والجسدية. فالتعويض ينفي صفة الظلم عن حرمة زواجهن.

- إن غلبة الجانب الروحي والروحاني على نساء النبي، استحوذ على الجوانب الأخرى، بعد اختلاف أفق تفكيرهن. وهذه نقطة مهمة. ومن يعش اجواء روحية خاصة يفهم هذا الكلام. فلم يكن هناك ظلم بل سمو روحي ونفسي.

- نحن لا نتكلم عن رجل اعتيادي وعن نساء اعتياديات لا شاغل لهن سوى التفكير بالليل والجسد بالعلاقة الجنسية. نحن أمام رجل غيَّر مجرى الحياة من حولهن، وفتح أذهانهن وقلوبهن وقلوب الناس جميعا لرؤى وآفاق جديدة من الروحانيات والعبادات والجهاد وهموم توسيع أفق الدعوة بالفتوحات الإسلامية، فكان يدخل على كل واحدة منهن وهي تصلي أو ترتل القرآن أو تعظ النساء أو تقري الضيوف، فكان يحترمهن ويبثهن همومه ويستشيرهن في بعض القضايا.

- لا أنكر الصفة البشرية لنساء النبي، لكن المرأة توازن، تتنازل عن بعض حقوقها لتكسب امتيازات وحقوقا دنيوية وأخروية. فكانت نساؤه يتباهين ويتفاخرن به، وقد اكتسبن منزلة رفيعة، فلا مبرر للحديث عن الظلم هنا.

- يأتي الحكم بحرمة اقترانهن برجل غيره بعد وفاته تكريما اجتماعيا استجابة لقوله: (لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ)، فمن باب التوقير أن لا يشاركه في فراشه أحد من بعده، خاصة في المجتمع الذكوري، الذي ينسب المرأة في زواجها الثاني إلى زوجها الأول، فلانة زوجة فلان قد تزوجت ثانية. فالحرمة جاءت لتوقيره وتوقير نسائه. فهو قرار احترازي جاء بصيغة النهي الذي لا رجعة فيه، لإبعاد أية شبهة محتملة: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)

- ولعله أيضا من باب التكريم للنبي الأمين، بأن يحتفظ ببعض الخصوصيات لمنزلته ومكانته، وما تفرضه بعض الضرورات، فلا يشاركه أحد في زوجاته ولو بعد وفاته. مثله مثل بعض الواجبات المختصة به دون غيره كوجوب صلاة الليل عليه.

- ثمة مسألة مرتبطه بالعرف. المجتمع العربي مجتمع ذكوري بامتياز، يفسر كل شيء على أساس الذكورة والأنوثة. يمنح الرجل جميع صفات العلو والرفعة، ويصفها بكل صفات الانحطاط والدونية. فالرجل لا يفهم معنى الشراكة في الحياة، ولا يتعامل مع زوجته على أنها مكمّل بايولوجي للعملية الجنسية، ويفكر بطريقة ذكورية حيوانية لا تنتمي للحس الإنساني، فهو واطئ وهي موطوءة، وما دامت موطوءة فهي في درجة أدنى، وهي مهانة، ومحتقرة، وما زالت مجتمعات القرى والأرياف في العراق مثالا لا حصرا، يتعففون عن ذكر المرأة. ويرددون عبارة: (تجل أو تكرم عن طاريها) اي تجل وتكرم عن ذكرها أمامك باعتبارها حيواناً لا يصح اقترانها بالإنسان، هي موطوءة ومركوبة. وبالتالي لو أن نساء النبي تزوجن بعد وفاته، سيهان الرسول في نظر العرف العربي آنذاك، بسبب نظرة الرجل للزوجة.

مما تقدم يتضح أن الظلم هنا نسبي، وقد لا يصدق المفهوم مع حجم التعويضات النفسية والرمزية. فالحكم لا يتناقض مع الشرط الأخلاقي، ولا يعكس صورة سلبية إذا ما نظرنا للقضية من زاوية رسالية.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (9)

This comment was minimized by the moderator on the site

حرمة زواج نساء النبي من رجال آخرين بعد وفاته قد يكون حكمة الإلهية، لأن زواج زوجات النبي من رجل آخر بعد وفاته يعني أن هذا الأخير وُضِعَ في مرتبة النبوة، و أنه ندا للند مع الأنبياء، ثم من الناحبة الأخلاقية لا يجوز أن يتزوج رجل عادي بإحدى زوجات النبي و يستمتع بها، فنساء اهل البيت لهن ميزة خاصة يتميزن بها عن النساء الأخريات، لا أعلم إن كان هذا التحريم محرم في الإسلام أم لا، و كيف يمكن الإقتداء في مثل هذه المسائل ، الحقيقة أن زواج المرأة التي توفي عنها زوجها مسألة كانت تعيشها بعض المجتمعات غير الإسلامية ، ففي الهند مثلا كانت الأرملة لا يسمح لها بإعادة الزواج من جديد و تظل طيلة حياتها ترتدي اللون الأبيض و لا تتزين إلى أن توارى تحت التراب، و شيئا فشيئا تغيرت الذهنيات و منحت للمرأة الهندية بعض الحقوق

علجية عيش
This comment was minimized by the moderator on the site

شكرا لتفاعلك مع الحوار الاستاذة علجية عيش، المهم فهم المسالة اخلاقية في سياق الحوار

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

المحترمة علجية عيش
فقط أذكرك بأن المرأة الهندية التي يموت زوجها كانت تقتل من قبل أحد افراد اسرة الميت وكان هذا سائدا كعرف هندوسي حنى لوقت جد قريب ولكوني عشت في الهند لمدة طويلة فقد عرفت هذا الفعل المستنكر اليوم وان كنت لم اشاهده ولكن حكاه لي الكثر من الهنود وحكوا لي عن طرق قتل الأرامل البشعة
تحياتي

سردار محمد سعيد
This comment was minimized by the moderator on the site

نعم هي عاداتت وتقاليد مختلفة باختلاق الشعوب وثقافتهم. شكرا لحضورك وقراءتك الحوار الشاعر القدير الاستاذ سردار محمد علي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

تحية طيبة
هذه جهود فكرية وبحثية مهمة تفتح افاق المراجعة التاريخية المنهجية للتراث الاسلامي
السؤال
هل يفهم من هذه الحلقة من هذا البحث انها تبحث في مجالين او فكرتين احداها تقول ان حياة النبي الرسول محمد ص فيها جانب سماوي قرآني مقدس وجانب اخلاقي اجتماعي غير منفصل تماما عن القيم والعصبيات الاجتماعية السائدة الخ.
والجانب او الفكرة الاخرى هل نحن امام فلسفة او رؤية جديدة او بحث عقلاني منطقي حديث يراجع اليات جمع القران الكريم واحتمالية ان تكون هناك ايات قرآنية هي اقوال او افعال للرسول محمد ص او منسوبة اليه
ليس تحريفا للقران وانما طريقة جمعه لاتعد مقدسة او غير قابلة للمراجعة والتدقيق والنقاش ام لا مجرد البحث في مسألة خلافية متوارثة حول زوجات النبي وبالاخص السيدة عائشة
شكرا لجهودكم الكبيرة في هذه السلسلة البحثية المهمة

مهدي الصافي
This comment was minimized by the moderator on the site

الباحث القدير الاستاذ مهدي الصافي. مرحبا بك، وشكرا لتفاعلك وتعليقك. كان الحديث عن السؤال الاخلاقي، وكيفية فهمه باعتبار السنة أحدى مصادر التشريع، وان الرسول قدوة مطلقة لدى المسلمين، فالبحث عن صدق الظلم والجور، الذي يؤسس الى مرجعية تببره مستقبلا. ما تفضلت به كلها ممكنات بحثية، ولا يمكننا بعبد اليوم التوقف تحت اية ذريعة حان الوقت لنعرف كل شيء. دمت بسلام ومحبة

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال الرائع المتعلق بزوجات الرسول. و شكراً لكل المعلقين. و احب ان اضيف التعليق التالي:
اؤيد ما طرحه الاخ الغرباوي من ان الرسول لم يتزوج عائشة في عمر 6 او تسع سنوات بالاضافة الى هذا حصانة نساء الرسول. و اعتقد ان امر الزواج بهذا العمر مزور من قبل رجال الفقه لانه لا ينسجم مع آيات القرآن. و اعتقد ان رجال الدين لم يفهموا آيات القرآن بشكل صحيح و الدلالة على ذلك هو التمسك بهذا الرأي الغريب بدون استعمال عقولهم و مثال على ذلك هو تقديم وزير العدل العراقي السابق "قانون الزواج الجعفري" لاطفال بهذا العمر. يا لها من سذاجة. و ان الشيء الرائع ان هذا القانون رفض في وقته من قبل الشعب لانه اعتداء على الطفولة. ان رجال الدين دائماً يفكرون بشيئين اساسيين لا غيرهما و هما "الخمس" و "الجنس".
ان القرآن اكّد على بلوغ الشخص مرحلة النكاح للتصرف بأمواله كما موضح في الاية التالية.
النساء- 6
وابتلوا اليتامى حتى اذا بلغوا النكاح فان انستم منهم رشدا فادفعوا اليهم اموالهم ولا تاكلوها اسرافا وبدارا ان يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فلياكل بالمعروف فاذا دفعتم اليهم اموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا
بالنسبة الى نساء النبي نعم القرآن اعتبرهن "نساء غير عاديات" و ذلك لانهن زوجات الرسول. و هذا واضح من الاية التالية.
الاحزاب- 32
يا نساء النبي لستن كاحد من النساء ان اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا
ان الاية اعلاه تقول " لست كأحد من النساء".
بالاضافة الى هذا ان القرآن اضاف عليهن صفة التطهير من "الرجس " المتعلق بتشويه سمعتهن و سمعة الرسول كما في الاية التالية.
الاحزاب- 33
وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى واقمن الصلاة واتين الزكاة واطعن الله ورسوله انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا
و هذا مشابه تماماً الى اية تطهير مريم كما موضح في الاية التالية.
آل عمران-42
واذ قالت الملائكة يا مريم ان الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين
و شكراً مرة اخرى و مزيداً من المقالات التنويرية.
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

A-Mohammed Hussein

اخي استاذ ماجد الغرباوي رئيس مؤسسة المثقف العربي العالمية ::
https://iraq2003.com/للإطلاع-على-الحوار-المفتوح-مع-الأست.../
حواركم المفتوح هذا هو :::
حوارا معرفيا وتنويريا بامتياز وجهدا نبيلا خدمة لأصحاب الفكر والرأي والقلم ؛ أحسنتم وأجدتم والى المزيد من العطاء المعرفي ياأخي الكريم وصديقي البهي .
وفقكم الله في مسعاكم الواعد ؛ وألبسكم لباس العافية ورزقكم العمر المديد لإنجاز هذه المسؤولية الانسانية.

محمد حسين سيدني
This comment was minimized by the moderator on the site

اشكرك جدا اخي العزيز استاذ محمد حسين واشكر مودتك ومحبتك
ياليت تضيف لاعلان الحوار في موقعكم رابطه في المثقف كي يهتدي القارئ لجميع الحلقات
وهذا هوالرابط مع الاحترام
http://www.almothaqaf.com/c/c1d-2/917618

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5185 المصادف: 2020-11-15 01:42:58