 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (191): الاجتهاد والأخلاق

majed algharbawi8صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الواحدة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الاجتهاد والأخلاق

ماجد الغرباوي: إن مرجعية السيرة النبوية كانت وراء مقاربة عينتين منها، لتحري شرطها الأخلاقي، وبيان ما هو الأصل عند التعارض بين فعل الرسول، والمبادئ الأخلاقية. السُنة كما هو معلوم امتداد للقرآن في البيان والتفصيل، ومرجعية أخلاقية في السلوك والمواقف، وهذه إحدى معاني قدسيتها، أي حجيتها مطلقا والارتفاع بها فوق النقد والمراجعة، حتى لدى من يقتصر الحجية على خصوص ما له جذر قرآني، فثمة تزكية مطلقة في ظاهر قوله: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ) تفرض حجيتها بعد أن جعلت الآية من الرسول نموذجا أخلاقيا أسمى، فيكون معيارا لسلوك المؤمنين. ومرجعية لتبرير سلوكهم وشرعنة تصرفاتهم أخلاقيا. وتكون حجة في حالات التعارض مع القيم الأخلاقية. فالسُنة دليل أخلاقي وشرعي، يستدل به المجتهد على صحة الفعل وأدائه السلوكي، سواء طابق أو لم يطابق القيم الأخلاقية المتعارفة. فالسُنة هي مصدر الأخلاق، يُحتكم لها في حالات التعارض وليس العكس. وهو اتجاه عريض يرى تبعية الأخلاق للدين. يؤكده الاتجاه الأشعري الذي يعتقد بشرعية الحُسن والقُبح، وما حكم به الشرع فهو حسن، وما نهى عنه فهو قبيح. فالأمثلة المتقدمة تعتبر فعلا أخلاقيا متعاليا يستمد شرعيته من آية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ). فأخلاق النبي أخلاق نموذجية نهائية، تقصر دور المؤمن بالامتثال والاقتداء بعيدا عن النقد والمساءلة. هذه هي الرؤية الدينية السائدة معززة بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسُنة). وهي رؤية اجتهادية قابلة للمراجعة والنقد وفق زاوية نظر أخرى.

إن وعي السُنة يعتبر أحد الفوارق الأساس بين من يرى حجية مطلق السُنة ومن يقصتر حجيتها على ما له جذر قرآني، حيث يكون الواقع شرطا في فعليتها عند الاتجاه الثاني، ولا فعلية لها ما لم يكن الموضوع فعليا من جمع الاتجاهات، فتُستثنى جميع القضايا الخارجية المأخوذة موضوعا للحكم الشرعي وأيضا ما اقتضاه الموقف العسكري من تكتيك سلوكي يلغي الشرط الأخلاقي لضرورات أمنية أو أستراتيجية، كإباحة الكذب في المعركة بناء على مقولة الحرب خدعة. والكذب قبيح وعمل لا أخلاقي، وقد أفتى الفقهاء بجوازه إذا توقف عليه أمر مهم، كإنقاذ النفس المحترمة. بينما يؤكد الاتجاه الأول فعلية السيرة وإطلاقها في جميع الأحوال والأوقات، خوفا من مخالفتها ولو احتمالا. أو كما يعبر المجتهد: لبراءة الذمة من خلال الإتيان بالفعل المشكوك ولو احتياطا، وهو موقف احترازي على حساب رحمة الدين وسعته، سببه مفهوم القداسة، التي تعني عندهم منجزيّة الحكم مادام محتملا. وأن الوارد لا يخصص المورد. والعبرة بعموم اللفظ لا خصوص السبب. فيهدرون القيمة المعرفية المترتبة على أسباب صدور الحكم وفلسفته وغاياته ومقاصده إلا قليلا. إن التباس مفهوم القداسة كرّس الجمود على حرفية النصوص، والتمسك بالتراث، والاحتياط المبالغ فيه بالأحكام. وحماية النص من النقد بمعنى التعرف على فعلية موضوعه وأسباب نزوله وما هي غايته ومقاصده. إن ما لا يدركه هؤلاء، أو لايريدون إدراكه أن عدم  فعلية بعض السيرة لاحقا لا يسلبها قدسيتها ومرجعيتها بل يكشف عن شرط فعليتها المرتهن لفعلية موضوعها. فهو وعي للواقع وضروراته التي تملي الموقف الأخلاقي. فكان الهدف من مقاربة الأمثلة السابقة الكشف عن تاريخية السيرة بهذا المعنى. وهذا يستدعي إحاطة الفقيه بالظرف التاريخي للحكم الشرعي والسيرة العملية للرسول، ومعرفة فلسفتها، ودواعي تشريعهما أو صدورهما لتفادي أية تداعيات أخلاقية. هكذا يجب تدارك إشكاليات التشريع، بعيدا عن التكفير ومنطق الاقصاء لكل من يروم التجديد في الفقه الإسلامي. إن التمسك بمطلق السيرة النبوية، وسلبها تاريخيتها أحد أسباب العنف الديني، فثمة مواقف وتشريعات فرضها واقع لم يعد فعليا لتكون أحكامه فعلية أيضا. لكن جمود الفقيه يرفض وعي الدين وعيا مرناً، ويتمسك بالسيرة كحقائق دينية مطلقة دون مراعاة الواقع وشرطه التاريخي. ففي المثالين المتقدمين يبقى الأصل للقيم والمبادئ الأخلاقية، ويكون الموقف استثناء في إطاره التاريخي، فلا يكون مطلقا ودليلا يستدل به الفقيه على الحكم الشرعي. وهذا يشمل جميع السيرة النبوية، لا خصوص المثالين المتقدمين، لتدارك تبعية التمسك بمطلق السيرة، كما فعلت الحركات الإسلامية المتطرفة، ومن قبلها فتوحات المسلمين، التي وظفت السيرة لتبرير العنف وهتك القيم الأخلاقية، وكان أحد سلبياته تربية جيل يأنس العنف، ويلهو بالحرب. يهجو الحياة ويمجد الموت تمثلا لمواقف تاريخية فرضها واقع مختلف، وتشبها بجيل الصحابة ممن خاضوا حروبا لحماية الرسالة في أول ظهورها، وليس دفاعا عن مشروع سياسي أو دولة دينية. وهنا ينبغي التنبيه لمخاطر التقديس خاصة الخطاب الحركي وهو يصف سلوك الصحابة وشوقهم للشهادة ولقاء الحور العين، فيسافر المؤمن عبر خياله مع النبي وأصحابه، يتقمص شخصياتهم واحدا تلو الآخر، ويتمنى لو كان معهم، يُقتل شهيدا بين يدي رسول الله، ثم يتحين الفرص ليمثل دورهم، وبهذا الاتجاه يجافي الحقيقة حينما يحكم على واقع المسلمين بالكفر والجاهلية، التي تقتضي تطهير المجتمع منها، فيمارس العنف بشراسة وكأنه في إحدى معارك النبي، رغم اختلاف الواقع على فرض فعلية الجهاد والقتال. حيث عاش الصحابة واقعا مختلفا لا يمكن استعادته. كانت هناك رسالة سماوية مهددة بالفناء من قبل خصومها، ونبي مهدد بالاغتيال والقتل. بينما يعيش الإسلامي المتطرف اليوم في إطار مجتمع مسلم ولو ظاهرا، يرفع شعار لا إله إلا الله محمد رسول الله. ومن قالها كما هو متفق عندهم أحصن دمه وماله وعرضه. فكيف تستبيح الحركات الدينية المتطرفة دماء بريئة لا ذنب لها سوى اتهامها بالكفر والجاهلية؟. توجد قاعدة أصولية تقول: الحكم لا يستدعي موضوعه. فأنت لست مكلفا بتحصيل الموضوع، لكن متى ما كان الموضوع فعليا صار الحكم فعليا، يجب عليك الاتيان بمتعلقه. فقوله: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلً)، لا تفرض عليك أن تكون مستطيعا أبدا، لكن متى ما استطعت، استطاعة شرعية غدا الحج عليك واجبا. التكفيريون يريدون خلق واقع يبرر العنف، فيفترضون كفر السلطة بل والمجتمع وجاهليتهما. أنظر كيف يركز سيد قطب في أدبياته على مفهوم الجاهلية. إنها ذريعية لتبرير العنف من أجل السلطة. وهذا النوع من التفكير يخلق أجيالا تدمن العنف باعتباره فضيلة رغم عدم فعليته، بل ويصدق أنه عدوان سافر عندما يكون ظلما وجورا. فهناك آيات محكمة وقيم أخلاقية لا يمكن تجاوزها. فإضافة للنهي عن قتل النفس المحرمة، وحرمة قتل من تشهد الشهادتين كما في روايات عدة عن الرسول، فإن القيم الأخلاقية حاكمة، مهما كانت مبررات العنف الديني. فهي أي المبررات، من أي جهة صدرت، لا تعدو كونها وجهات نظر اجتهادية، لا يمكن تعميمها أو اعتبارها أحكاما شرعية ملزمة. ينبغي التمييز بين النص وفقه النص، الثاني فهم بشري للنص وفقا لقبليات المتلقي وأيديولوجيته. لا يمكنه تعميمها، بل ويكون مسؤولا عن تبعاتها، وحينئذٍ  لاينفعه التمسك بخبر "للمجتهد إن أصاب حسنتان وإن أخطأ فحسنة". الذي جاء في سياق الفقه السلطاني، لتبرئة الفقيه. وقد أشرت إلى نقاط ضعفه في مناسبة سابقة. المجتهد مسؤول عن أحكامه وفتاواه ومواقفه: (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ). خاصة وأن آيات النهي عن سفك الدماء البريئة ماثلة في الكتاب الكريم، وما دعوى النسخ سوى التفاف عليها. فمن يقل بالنسخ لا ينفي حاكمية الآيات المحكمة لكنه يدعي نسخها دون دليل قرآني صريح بخصوصها، فكيف لا يكون مسؤولا عن أقواله ومواقفه؟

ثمة حقيقة لا يوجد اجتهاد بالمعنى الاصطلاحي للمفهوم، ومازال الفقهاء يقلدون السلف الصالح، ولا يخرجون على الشافعي وابن حزم في موقفهم من السيرة، ولا يتجاوزن المنطق السلفي في تعاملهم مع القرآن. والجمود على حرفية النصوص ظاهرة مشتركة بينهم. والجميع يمارس اجتهاده على هامش من سبقه، لذا لا يخالف الاجماع ويعتبره حجة ودليلا على الحكم. بل ولا يُفتون خلافا للمشهور، ومازالت حملات التشهير قائمة ضد كل من يختلف معهم فيما يعتقدون أنها جزميات نهائية. حتى ولو كان الاختلاف بين التقييد والسعة، التي تنسجم مع المنطق القرآني القائم على السعة والرحمة: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ). (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، وهذه الآية نزلت في سياق أحكام الحج، فهي ناظرة للحكم الشرعي. بينما تجد فتاوى الفقهاء حقل من احتياطات لا موجب لها، سوى وساوسه، وضمان براءة ذمته على حساب رحمة الدين وراحة مقلديه. إنها أنانية بعنوان ديني براق اسمه الاحتياط في دين الله. غير أنه احتياط يستبطن استخفافا واضحا بعقل وكرامة الإنسان.

إن تداعيات القول بمطلق حجية السُنة ليست قليلا، وكان من السهل الاستدلال قرآنيا على عدم حجيتها مطلقا غير أن أصول الفقه ولد من رحم علم الكلام القديم في منهجيته القائمة على الدفاع دون النقد والمراجعة. فتجد الأصولي يحشد مؤيدات للاستدلال على ما يريده. ولو أنه ارتكز للنقد والتأمل الفلسفي، كان سينتهي إلى نتائج مغايرة، تحمي الدين من اختراقات هوات العنف والاقصاء.

اتضح بهذا كيف وظفت السُنة غطاء لسلوكيات تجافي قيم الدين والأخلاق، وأداة بيد السلطة لتبرير حروبها وقمع المعارضة والتفرد بالحكم. وكيف استغلت وجوب طاعة الرسول، من خلال تكريس حجية مطلق السُنة، بما في ذلك الروايات الموضوعية والمكذوبة، وهو أمر لا يخفى على أهل الخبرة، وهناك كتب خصصت لمعرفة هذا اللون من الأحاديث. السبب إذاً سلب السيرة تاريخيتها وتكريس مطلق حجيتها، فكان نتاج التنظير الأصولي "ظهور جيل متطرف". والرد العلمي على هذا النمط من التفكير هو تفكيك مرجعيات التفكير الديني، ورد الاعتبار للقيم الأخلاقية بشكل تكون الأصل في حالات التعارض بينها وبين السيرة حينما يراد لها أن تكون مطلقا خرجا ظرفها الزمكاني. وبالتالي لا مبرر ديني للأخلاق السلبية حينما ترتكز للكتاب والسُنة، ما لم يكن التعامل معهما وفق منهج استدلالي نقدي يستعين بمعطيات العلوم الإنسانية الحديثة، ودراسة تاريخ الحكم وفلسفته. والسبب أن منهج القرآن قائم وفقا لمنطقه الداخلي على رد المتشابه للمحكم من الآيات، والاحتكام لإطار كلي يأخذ بنظر الاعتبار دور الإنسان في الحياة، ومحوريته في التشريع.

إن الفصل بين الكتاب والسُنة، لا يعنى القطيعة التامة، بل الاقتصار على الوظيفة القرآنية للسُنة، وأخذ الواقع وضروراته في سلوك النبي ومواقفه، وهذا أحد أسباب عدم إدراج السُنة ضمن الكتاب، باعتبارها رؤية اجتهادية محكومة للواقع وضروراته وشروطها، فما كان فعليا في عصر النص لا يكون كذلك دائما خارجه. وعليه لا شرعية لمن يحتج بمفردات قرآنية ونبوية لتبرير سلوكه المجافي للقيم الأخلاقية. فثمة واقع فرض صدور بعض الأحكام والمواقف التاريخية، وثمة شروط تتحكم بفعلية الأحكام الشرعية. ولا يمكن لغير الخبير الاحتجاج بظاهر الكتاب والسُنة.

نخلص أن العقل الأخلاقي حاكم على العقل الفقهي في إطار الرؤية الكلية للدين وغاياته ومقاصده، وهذا يقتضي التأني في استنباط الأحكام وفق النظرة التجزيئية التي تفصل بين الأحكام دون مراعاة الهدف الكلي للدين، ومقاصد الكتاب الكريم. وهذا يستدعي فهما حقيقيا لمفهوم القداسة، بعيدا عن أوهام الحقيقة وهواجس روح العبودية. القداسة، كما مرَّ بنا، لا تعني قمع المتلقي، كما يفهم المنطق التراثي ذلك، بل تعني أفقا رحبا للتأمل في مضمرات النص، واكتشاف رمزيته، وما توارى من دلالاته. كما أن قداسة النص لا تستدعي الانغلاق، والجمود على حرفيته، وعدم تأويله وفهمه وفق سياقاته. ولا تجرد النص من تاريخيته، ويبقى النص موضوعا للفهم والتفسير وحتى التأويل. القداسة تعني صدور النص عن مصدر متعالٍ محيط بكل شيء، فيشرّع ويهدي وفقا لملاكات ومصالح، يمكن للإنسان إدراكها لتحديد مدى فعلية النص المقدس. وهذا الفهم يحرر الفقيه من هاجس براءة الذمة على حساب السعة والرحمة التي تشكل إطارا عاما لفهم النص. وتسمح بدراسة النص، للتعرف على أسباب نزوله وفلسفته، ليبقى إمكانية متاحة للمراجعة والاجتهاد، في ضوء مستجدات الواقع، ومتطلبات الحياة. وقد تقدم أيضا: أن القداسة سلطة معرفية موجّهة، تحد من حرية الباحث الديني، تسلبه خيار القراءة المفتوحة للنص، ويخضع لا شعوريا لسلطته وقدسيته، باعتباره مطلقا. بل تارة رهاب القداسة يحول دون التعرف على تاريخ النص وفلسفته وشروط فعليته، مخافة المساس بقدسيته، فتغدو القداسة حجابا يحول دون رؤية المتواري والمضمر في متاهات النص، حينما ينحاز للتبرير دون النقد والتفكيك. ويعود ثراء النص إلى ثراء دلالته، وإمكانيات تأويله، فيما يضمره ويستبعده، من خلال تقنيات اللغة وقدرتها على توظيف المجاز والتورية. كما تلعب قداسته دورا كبيرا في توجيه فهم النص، بحكم سلطتها وهيمنتها، حداّ يستبعد المتلقي كل ما يتقاطع معها، ويغفل عن كثير من الدلالات التي يمكن استدعاؤها لولا قداسة النص. ولعل في النصوص الغرائبية مثالا واضحا للفرق بين القراءتين، حيث يبالغ الباحث الديني في قداسة النص ومصدره، هروبا من جحيم أسئلة العقل واستفهاماته.

تجدر الإشارة إضافة لما تقدم: إن صدقية الاجتهاد تتوقف على كفاءة المجتهد علميا واستقلاليته في آرائه الاجتهادية، سواء وافق أم اختلف مع آراء المجتهدين. وما لم يستقل برأيه أو يخضع لا شعوريا لسلطة غيره من الفقهاء، لا يصدق عليه مفهوم الاجتهاد، ويبقى يكرر ذاته ويستنسخ آراء غيره. لا فرق بين الأصول والفروع. يجب على كل مجتهد أن يستدل على نسقه العقدي قبل ممارسته لعملية استنباط الأحكام الشرعية. على أن يُعلن آراءه صراحة أمام طلابه ومقلديه. إذ ستتغير فتوى المجتهد وفقا لبعض مفردات العقيدة، كما لو اختلفوا حول عدالة الصحابة أو عصمة الأئمة. فمن يقل بعصمة الأئمة يعتبر رواياتهم دليلا على الحكم الشرعي، بينما يقف من لا يقول بها عند حدود الاستئناس بآرائهم. وبشكل أوضح من يعتقد بحجة مطلق السيرة النبوية وبين من يقتصر الحجة على ما له جذر قرآني. فالحكم سيدور مدار ما يؤمن به المجتهد. بينما يحول الخوف دون التصريح بها، وقد يفتى خلافا لقناعاته إرضاء للجمهور ولو على حساب الحقيقة. ومثاله حينما يحجم المجتهد عن المساس بعقائد وطقوس، لا أصلا دينيا لها، وربما تتعارض مع قيم الدين، لكنه يسكت أو يمالئ الناس خوفا من خسارتهم. فينبغي استقلال المجتهد وهو يمارس عملية استنباط الحكم الشرعي. ومعنى استقلاليته، تحرره من سطوة التراث وقداسة النص بالمعنى السلبي للمفهوم. وتجرده عن قبلياته الأيديولوجية وتحيزاته الطائفية، وإبعاد فهم النص عن كل مؤثر يحول دون استقلالية المجتهد. كما تتطلب عملية استنباط الأحكام الشرعية خبرة في آيات الأحكام.

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (4)

This comment was minimized by the moderator on the site

احسنت استاذنا الجليل المفكر ماجد الغرباوي
في طرح مفهوم القداسة والاجتهاد .
اسأل الله العلي القدير ان يمدّ بعمرك ويدم عليك نعمة العافية

الحاج عطا

الحاج عطا الحاج يوسف منصور
This comment was minimized by the moderator on the site

وأسال الله يحفظك ويرعاك الشاعر القديرر الاخ الاستاذ الحاج عطا الحاج يوسف منصور. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

شكراً الى الاخ الاستاذ ماجد الغرباوي على هذا المقال المتعلق بالاخلاق و الاجتهاد و شكراً الى الحاج عطا الحاج يوسف منصور على تعليقه.
رأي شخصي:
اعتقد ان الله اكد على اتباع "كتابه فقط" و ان مسؤلية الرسول هي تبيلغ الرسالة فقط و الامر متروك للناس و هذا واضح من الايات القرآنية. و كذلك ان السيطرة على الناس ترجع الى الله فقط و ليس لغيره و هذا كذلك واضح من آيات القرآن. و لكن اذا "تطابق" ما ورد في السنة النبوية مع آيات القرآن و كذلك مع الاخلاق العامة اعتقد انه يجب ان يؤخذ به.
هنالك الكثير من الاحاديث التي تنسب الى الرسول اعتقد انها تتعارض مع القرآن. مثلاً
-العشرة المبشرين في الجنة—هذه من صلاحية الله فقط لان هذا الموضوع متعلق بعالم الغيب و الذي لا يعرفه الاّ الله.
-الفرقة الناجية – ان الله لا يؤمن بالفرق وتشتيت الدين الاسلامي- اعتصموا بحبل الله جميعاً.
و هنالك الكثير من الايات في هذا الصدد.
ان الله اكّد على اتباع كتابه "فقط". كيف نفهم الايات التالية:
الاعراف- 3
اتبعوا ما انزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه اولياء قليلا ما تذكرون
الانعام- 153
وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون
الانعام-51
وانذر به الذين يخافون ان يحشروا الى ربهم ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع لعلهم يتقون
الزمر- 55
واتبعوا احسن ما انزل اليكم من ربكم من قبل ان ياتيكم العذاب بغتة وانتم لا تشعرون
محمد- 3
ذلك بان الذين كفروا اتبعوا الباطل وان الذين امنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس امثالهم
و هنالك الكثير من الايات في هذا الصدد. وان دور الرسول هو شاهداً و مبشراً و نذيراً.
الاحزاب-45
يا ايها النبي انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا
الخلاصة من الايات القرآنية اعلاه نستطيع ان نستنتج انها تدعو الى اتباع "كتاب الله فقط" لا غيره. و انني لم اطلع على السنة النبوية و لكن اعتقد ان الرسول لم "يؤول او يفسر" الايات القرآنية و ترك الموضوع للمسلمين يفسرونها حسب اجيالهم لانه لا يعرف بالغيب. و شكراً مرة اخرى
ارجو نشر هذا التعليق مع الشكر و التقدير

ثائر عبد الكريم
This comment was minimized by the moderator on the site

الاخ الاستاذ ثائر عبد الكريم. شكرا لحضورك وقراتك الحوار. تحياتي وخالص الاحترام

ماجد الغرباوي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5192 المصادف: 2020-11-22 03:06:15