 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (193): الدين والأخلاق

majed algharbaw10صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الثالثة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الدين والأخلاق

ماجد الغرباوي: هل الأخلاق مستقلة عن الدين أم الدين مصدر الأخلاق؟  سؤال قديم كان ومايزال موضوع اهتمام الفلاسفة والمفكرين لخطورة دور الأخلاق في حياة الفرد والمجتمع، ومازالت تتسم براهنيتها. فثمة اختلاف حول مصدرها باعتبارها سلطة تتحكم بالضمير الأخلاقي والديني. حيث اعتبر سقراط الإيمان مكمّلا للأخلاق دون أن تقوم عليه. وقد حصر مصدرها بالحكمة التي تفضي للفضيلة طريق السعادة، وهي غاية الإنسان القصوى. وكان هدفها عند أفلاطون تحقيق السعادة لا إرضاء الآلهة. بينما أصّل أرسطو لها عقليا. وأعادها كانظ إلى العقل العملي، رغم أهمية الدين. ولا تخفى الآثار المترتبة على القولين حينما يلقي الشك بظلاله على بعض السلوكيات المجافية للقيم الأخلاقية. فمن يعتقد بالحُسن والقُبح العقليين، لا يمكنه تسويغ سلوكياته الخاطئة، بينما التبرير ممكن لمن يعتقد بالحُسن والقًبح الشرعيين، لإمكانية التأويل وارتهان فهم النص لقبليات وثقافة المتلقي / المجتهد. وهذا أحد أسباب مظاهر الفساد في صفوف المسلمين، حينما تبرر فتوى الفقيه استباحة المال العام، أو تبيح له الجنس بشروط شكلية مجردة عن أي التزام أخلاقي. أو تسمح له باستباحة أموال ودماء الآخر المختلف دينيا أو طائفيا. الأول سيعاني تداعيات تأنيب الضمير. بينما لا يشعر الثاني بوخز الضمير، ولا يهمُّ بتقويم سلوكه. بل وتغمره سعادة كبيرة عندما يجد في النص الديني أو الفتوى ما يبرر انحرافه السلوكي. وهذا ما يدعو للمراجعة والنقد لمعرفة حقائق الأمور، ومدى صدقية أن الدين مصدر الأخلاق. وعندما أشير لخصوص الفقيه لا أغفل أدلته الروائية، بل وحتى مصادرها، فهي أساس صدور فتاواه، لكن ارتهن في وعي مضمرات المفهوم لوعي المتلقي وخلفيته الثقافية.

ويراد بالدين الذي هو مصدر الأخلاق إما خصوص الخالق / الله / الكائن الأسمى، عن طريق الوحي أو الإلهام. أو يراد به الرؤية الدينية الشاملة. حيث تقدم الأديان رؤية كونية، للإجابة على الأسئلة المصيرية. وتقدم  منظومة عقائدية وتشريعية وأخلاقية لتحقيق سعادة الإنسان. وتلك التعاليم إما أن يتلقاها الفرد مباشرة من خلال النصوص المقدسة أو عبر الوسط الديني والديني – الثقافي، المتداخل مع العادات والتقاليد، باعتباره الوسط الذي تتجلى فيها الأخلاق. أو انها تتجلى ضمن السياقات الاجتماعية والعلاقات العامة. فالفعل محايد بذاته، يرتهن وصفه بالحُسن والقُبح، للدين بمعنى الوحي أو الثقافة. وهذا يدعونا لتحري حقيقة الدين ومدى علاقته بالأخلاق، حيث تترتب على كلا القولين نتائج مهمة. ونحن نهدف إلى تحرير الوعي الديني من خلال نقد الأنساق الثقافية الدينية، المحركة للفعل الأخلاقي.

تعدد القراءات

تقدم أن اللغة الدينية تختلف عن اللغة العرفية في دلالاتها ورمزيتها، سيما مفهوم المقدس، والمفاهيم المجرّدة، كالقضايا الغيبية. إذ المجاز والتشبيه والاستعارة والترميز يتصف بقوة حضوره للتعبير عن مضمرات النص العصية على الإدراك بعيدا عن التأويل. فهي لغة ثرية، مرنة تستدعي فهما للنص. لازمها نسبية المعرفة الدينية، التي هي معرفة بشرية،  تستمد وجودها من النص ومن قبليات الفرد ومستوى وعيه وإيمانه وثقافته التي تختلف باختلاف مناشئها، فهي نسبية دائما. وحينما تكون نسبية ترتهن لزاوية نظر المتلقي وقبلياته، فلا تكون قاسما مشتركا بين الناس جميعا، وهو ما نحتاجه في الحكم الأخلاقي. وهكذا بالنسبة لسيرة الأنبياء والصالحين، فهي تارة تقررها زواية نظره ضمن معطيات ظرفه الزمكاني، فتكون نسبية، لا يمكن اعتمادها مرجعية مشتركة. الفعل الأخلاقي فعل معياري، يستمد صدقيته من طبيعته الأخلاقية ومن مصدره، العقل العملي، الذي يرتكز في أحكامه لمبادئ إنسانية كونية، يُحتكم لها عند الاختلاف. فالعقل يحكم بحُسن العدل وقُبح الظلم مثلا، لا فرق بين شخص وغيره. غير أن المشكلة بالاتجاه الأشعري الذي يعتقد بعجز العقل عن إدراك الحُسن والقُبح، ويؤكد أن الحسن ما حكم الشرع بحسنه، والقبيح ما حكم الشرع بقبحه، فالأفعال بذاتها محايدة، ليست حسنة ولا قبيحة. والقتل الذي هو عمل قبيح قد يكون حسنا إذا أمر به الشرع. وهكذا بقية الأفعال والسلوكيات، كالخيانة الوطنية وسرقة المال العام، ونصرة الظلمة. وهؤلاء يخلطون بين حكم العقل العملي والتسليم للدين. الثاني لا يغير من حقيقة الفعل الأخلاقي بذاته. فالظلم قبيح وإن مهما كان مصدره. ويبقى قبيحا وإن سلّمت له من منطلق إيماني، أو بحكم سلطة التقاليد أو الخوف. أو خوفا من الإقصاء. وكلامنا عن الفعل الأخلاقي الأصيل. الفعل بذاته بما هو فعل، بمعزل عن أي مؤثر ذاتي أو خارجي. هل للعقل رأي فيه أم لا؟.

يتضح الجواب من خلال سلوكيات المجتمعات اللادينية. أو التي لم تتعرف على الدين إطلاقا. كيف تميّز بين الخير والشر؟ وما هي مرجعيتها في الأحكام الأخلاقية؟ هل العادات والتقاليد التي هي نسبية دائما تختلف من مجتمع إلى آخر،  تضفي على الفعل قيمته الأخلاقية، أم أن دلالته ذاتية، وأن العقل هو الذي يحكم بحُسن أو قُبح الفعل الأخلاقي؟ بلا شك أن العقل يحكم بمعزل عن المجتمع وعادته وتقاليده بحُسن العدل، وقُبح الظلم، صرّح أو لم يصرح. قد يمنعه الخوف عن التصريح به وهو يشاهد ظلم السيد أو شيخ القبيلة عندما يعاقب فردا ظلما، فيؤيده خوفا منه، لكنه يدين الظلم في داخله أو يشخصه كحد أدنى، وهو قدر متيقن حتى بالنسبة للفرد المؤمن، فإنه يميز بعقله بينهما لكنه يسلم للإرداة الدينية. وأدل دليل، أن الشعوب التي تدمن الاستبداد تصفق للدكتاتور في استبداده وظلمه، رغم إدانته سرا وهمسا. وعندما يعود لرشده يعترف بظلمه وجوره وهو ما يؤكد استقلالية العقل العملي في أحكامه الأخلاقية. قد يكون الفرد محقا في موقفه الممالئ لتفادي جور السلاطين، لكن خوفه لا يغير شيئا من الحقيقة. الظلم عمل قبيح مستهجن بذاته، تنفر منه النفس الإنسانية بفطرتها التي هي القاعدة الأساس لبرمجة العقل العملي.

إذاً، الأسئلة المتقدمة تفرضها نسبية المعرفة الدينية التي تستمد صدقيتها من النص وقبليات وثقافة المتلقي. النص الديني يتصف بقوة مرونته وثرائه، مما يجعله حقلا للتأويل يعمق إشكالية اللغة الدينية وعلاقتها بالأخلاق، وقد تحدثت عن النص مفصلا في كتاب: النص وسؤال الحقيقة، وقلت هناك: إن قوة النص تقاس بقدرته على حجب دوره في تكوين حقيقته، ودوره في تشكيل حقائق أخرى. وتقاس قوة الخطاب ببراعته وقدرته على حجب آليته في التأثير والإقناع. فحينما تستولي قدسية الخطاب على مشاعر المتلقي، يتستر على براعته في استخدام أدواته وتقنياته اللغوية. وهذه خصوصية جميع الخطابات الأيديولوجية والتعبوية. فرهان الخطاب الأكبر على قبليات المتلقي وثقافته، ومساحة اللامعقول الديني في ذهنه، وكيفية تفاعله مع مضامين النصوص وغرائبيتها. فالبنية الأسطورية تفتح آفاق اللامعقول. وتُقصي العقل والمنطق الاستدلالي.

وهذا يؤكد نسبية المعرفة الدينية، ومن باب أولى نسبية تمثّل مفهوم المطلق والقضايا التجريدية والغيبية. ولا يختلف الأمر بالنسبة للرسل والأنبياء. وهذا لا يعني التشكيك في مصداقيتهم الأخلاقية معاذ الله، غير أن  جملة من مواقفهم ذات ملاكات ومصالح تصطدم مع مبادئ وقيم العقل الأخلاقي. لا يمكن لنا إدراكها وفقا لمعطيات الطبيعة الإنسانية أي الفطرة السليمة والعقل العملي، لكنها تجد مبرراتها خارج العقل الأخلاقي، الوحي أو ما يقرره وفقا لرؤية غائبة عنا، كما في قصة قتل الغلام من قبل العبد الصالح الذي رافق موسى، فكيف يمكن تبرير فعله أخلاقيا؟ وهل يمكن أن يكون النص هنا مصدرا للأخلاق، ويكون مبررا لقتل غلام آخر، بما في ذلك الأنبياء؟. وسبق أن أجبت، لو استبعدنا البعد الرمزي في القصة، فثمة أفعال تتوقف فعليتها على وجود كشف تام لموضوعها، وهذا منحصر بالله، باعتباره محيطا بكل شيء، ويتوقف على وجود الوحي، وقد انتفى بوفاة الرسول الكريم محمد بن عبد الله. ولا يمكن لأي شخص مهما بلغ إيمانه وتقواه ارتكاب عمل من هذا القبيل مادام يتنافى مع القيم الأخلاقية الإنسانية والدينية. فهنا العقل يحكم بظلم قتل الغلام من وحي فطرته. بما في ذلك الإنسان المؤمن، فإنه يستغرب، ويسكت على مضض كيف يصدر هذا الفعل وبأمر من الله كما جاء في النص القرآني؟. ثم يواصل اسئلته واستفهامته رغم إيمانه ولو همسا. أما غير المؤمن فيرفض الفعل جملة وتفضيلا، ويعتبره ظلما وجورا. وبالتالي فهو فعل مرفوض وفقا للعقل العملي للإنسان. ما ذنب الغلام يتحمل وزر والديه، كما ذكرت الآية هذا مبررا لقتله؟: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا، فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا). وغيرها من الأسئلة التي استفزت موسى رغم نبوته وقدسيته. لكن الطبيعة الإنسانية الرافضة للظلم رسمت فوق محياه علامات استفهام غاضبة: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا).

وأيضا في قصة إبراهيم وإقدامه على ذبح ولده، بناء على رؤية في منامه: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ). فالآية تتحدث عن تجربة قاسية مرّ بها النبي إبراهيم لامتحان مستوى تقواه وتسليمه للوحي. والرؤية كما فهما إبراهيم أنها وحي من الله لفتنته واختباره فبادر بكل ثقة وإيمان وتسليم مع أنه إبنه ويريد ذبحه استجابة لتلك الرؤية!!!. حقا أن العقل البشري لا يستوعبها بل ويستفزه الفعل أن يصدر من نبي كريم. نعم يسلم للإرادة الدينية، لكن التسليم لا يقمع الأسئلة ولا يغير من الحقائق شيئا، ويبقى القتل بلا مبرر عملا قبيحا وفق معطيات العقل العملي: (وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). ومفهوم الحق وفقا للمنطق البشري له مبرراته، ليس منها جواز القتل بناء على رؤية منامية. ويمكنهم الاحتجاج بهذه الآية ذاتها. فهي مطلقة، وحرمة القتل شاملة لكل نفس، لا فرق بين واحدة وغيرها. إن الأمثلة القرآنية المتقدمة تدعو للمراجعة والتأمل الجاد بمقولات الأشعري والاتجاه الذي يرى تعبقية الأخلاق للدين. فثمة تداعيات لا يمكن تداركها عندما يكون الدين مرجعية مستقلة للأخلاق.

مصداقية السيرة

والأمر لا يختلف بالنسبة للسيرة، فقد وفرت مراجعة بعض نماذجها فهم سياقاتها التاريخية في إطار الحديث عن علاقة الدين بالأخلاق، لتفادي الآثار اللاشعورية المترتبة على تكريس قدسيتها، والأخذ بكل ما ينسب للأنبياء دون تمحيص ودراية، بناء على عصمتهم مطلقا لا في تبليغ الوحي فقط. فثمة من يرى عصمة وحجية مطلق السُنة النبوية ومطلق سيرته قولا وفعلا وتقريرا، لذا يرون وجوب تقصير اللباس مثلا، رغم أن الخطاب في الآية موجه للنبي: (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ). في مقابل من يرى عصمتهم في تبليغ الوحي خاصة. والحقيقة لا عصمة تحول دون الخطأ والاشتباه بناء على فهم خاص للوحي. أو اقتصارها على الوحي: (قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ). فالقيم الأخلاقية العقلية والإنسانية هي الأصل في حالات التعارض، مادام صدور الخطأ محتملا منهم. لا شك أن لازم العصمة بلوغ الأخلاق حدا يغدو المعصوم نموذجا ومرجعية للسلوك الأخلاقي المثالي، وهذا منحصر بالله تعالى: (لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فله مطلق الكمال وجميع الصفات الإيجابية وصفات الكمال، وهو كلي القدرة، لا يضطر لتسويف الأخلاق واقتراف الظلم والعدوان: (وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ)، (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ)، و(إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). هذا وفقا للمنطق القرآني، كمرجعية لفهم المثل الأعلى ولوزامه. بينما الأخلاق لا تستلزم عصمة الإنسان الخلوق المتمسك بالقيم الأخلاقية. مهما كانت مثالية سلوكه. لأن العصمة السلوكية عصمة ظاهرية، وأما حقيقة الفرد فلا يعلمها سوى الله: (اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء). هو الذي (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ). وهي آيات حاكمة على أدلة العصمة باستثناء العصمة السلوكية الظاهرية التي هي متاحة لكل فرد، لكنها لا تستلزم العصمة. بشكل أدق لا يمكن الجزم بالعصمة مهما كان الأداء السلوكي للشخص مادام صدور الخطأ محتملا منه. وهذا يؤكد تقديم القيم الأخلاقية على النص في حالات التعارض كما تقدم، لأنها قيم ثابتة نابعة من صميم الطبيعة الإنسانية المشتركة، وأحكام العقل هنا أحكام كونية، شاملة. ومبادئ الحكم مشتركات بشرية لا ريب فيها. وهذا لا ينفي تأثر الأخلاق بالدين والعادات والتقاليد، ولا ينفي إمكانية فرض نمط من الأخلاق لتكريس قيم العبودية والطاعة والتلقي، فتغدو بسبب إدام العبودية أخلاقا حميدا، كما هي أخلاق العبيد، خاصة من يدافع منهم عن قيم العبودية، وبل ويستميت من أجلها، ويجد ذاته فيها، بل وأساس وجوده بمعنى التحقق، وقد مرّ الكلام مفصلا عنها، في كتاب النص وسؤال الحقيقة.

ويمكن تعضيد احتمال وقوع الخطأ على مستوى السلوك الأخلاقي بجملة آيات، منها:

(فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ). فالآية تجعل من الفظاظة أمرا ممكنا، غير ان تدخل الإرادة الإلهيه جعلت منه رحيما معهم. فالوقوع في الخطأ السلوكي بموجب هذه الآية ممكن بحد ذاته. لكن أليس تدخل رحمة الله هو العصمة بعينها، فيكون الرسول معصوما بهذا المعنى، بمعنى التسديد والهداية الإلهية؟.

والجواب: لقد مرَّ بنا موضوع العصمة مفصلا، وبينت مفهومها ودلالاتها، وقد ثبت بالدليل عدم إمكانيتها بذاتها. وأما التسديد والهداية فهي متاحه لكل إنسان، أو ما يعرف بالعصمة السلوكية، لكنها عصمة مشروطة بإرادة الفرد وقدرته على مراقبة سلوكه: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا). ولا شك أن الأنبياء أولى من غيرهم، وهم بحاجة مستمرة للدعم والتسديد. وبالتالي فالخطأ السلوكي ممكن بذاته: (عَفَا اللّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ). ومثلها: (وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً، إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا). وكذا يمكن الاستفادة من الآية التالية احتمال وقوع الخطأ، فلا يمكن أن يكون مصدرا لأخلاق كونية بمفرده، إلا بتسديد من الله، ولازمه وجود إمضاء لكل فعل فعل من سلوكه، وهذا متعذر وشل لوجوده الإنساني: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ، لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ، ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ، فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ، وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ)

كما يمكن الاستشهاد بالسيرة لتأكد إمكانية صدور الخطأ من الأنبياء:

1- نهي النبي عن تأبير النخيل، وما ترتب عليه من أضرار: جاء في صحيح مسلم: (رقم/2361): (عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ ، فَقَالَ: (مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟) فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ، يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا). قَالَ فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ: (إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا، فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ، وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ، فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَ). وهذا إن صحت الرواية دليل على أحتمال صدور الخطأ منه.

2- غضب النبي بعد مقتل عمه حمزه في معركة أحد، وتوعدهم بالانتقام والمُثلة بقتلاهم، رغم أن التمادي في الانتقام والمُثلة عمل ترفضه الأخلاق، فنزل قوله تعالى: (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ). فقد جاء في تفسير الطبري: (وقد اختلف أهل التأويل في السبب الذي من أجله نـزلت هذه الآية. وقيل: هي منسوخة أو محكمة، فقال بعضهم: نـزلت من أجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه أقسموا حين فعل المُشركون يوم أُحد ما فعلوا بقتلى المسلمين من التمثيل بهم أن يجاوزوا فعلهم في المُثْلة بهم إن رزقوا الظفر عليهم يومًا، فنهاهم الله عن ذلك بهذه الآية وأمرهم أن يقتصروا في التمثيل بهم إن هم ظفروا على مثل الذي كان منهم، ثم أمرهم بعد ذلك بترك التمثيل، وإيثار الصبر عنه بقوله وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ فنسخ بذلك عندهم ما كان أذن لهم فيه من المُثلة). ونقل جملة أحاديث في أسباب نزول هذه الآيات، منها: (حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أصحابه، عن عطاء بن يسار، قال: نـزلت سورة النحل كلها بمكة، وهي مكية، إلا ثلاث آيات في آخرها نـزلت في المدينة بعد أُحد، حيث قُتِل حمزة ومُثِّل بِه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَئِنْ ظَهَرْنا عَلَيْهمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِثَلاثِينَ رَجُلا مِنْهُمْ" فلما سمع المسلمون بذلك، قالوا: والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلنّ بهم مُثْلة لم يمثِّلْها أحد من العرب بأحد قطُّ فأنـزل الله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ) ... إلى آخر السورة.)

3- موقف الإمام علي بن أبي طالب من المرأة، وهو موقف سلبي، إن صحت الروايات التي نقلت أقواله. وإنما استشهد به بالخصوص لمقامه الكبير عند المسلمين، وقدسيته عند الشيعة ومثل أعلى للأخلاق عندهم. وهذا يعني أن الاقتداء بموقفه والاستشهاد بأقواله دليل على صحة موقفه السلبي من المرأة، التي طالما ظلمتها الأعراف والتقاليد والثقافة المتخلفة، وطالما ساهمت خطب الوعظ والإرشاد في دونيتها ونبذها: قال الإمام علي: (معاشر الناس، إن النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول. فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة الرجل الواحد، وأما نقصان حظوظهن فمواريثُهن على الأنصاف من مواريث الرجال. فاتقوا شرار النساء وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر). نهج البلاغة: 79. وما ينسب له في ذم النساء ليس قليلا. وهذا يؤسس لثقافة إزدراء المرأة، ونبذها وإقصائها، ولا يخفى حجم الظلم في هذا. فهل يصح هذا السلوك أن يكون مصدرا للأخلاق، أم أنها مستقلة عن الدين وسيرة المسلمين. هذه الأمثلة وغيرها تجعلنا نعيد النظر دائما بمقولة قيام الأخلاق على الدين. وهذا لا يعني تجرد الدين من الأخلاق، بل أن جوهر الدين جوهر أخلاقي، وجميع الأديان أكدت على القيم الأخلاقية، بل وحتى الأحكام الشرعية كما تقدم تقوم على قيم أخلاقية. ويكفي أن يجعل الرسول الأخلاق هدفا أساسا لبعثته: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ"

وهنا يبرز سؤال إشكالي:

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (5)

This comment was minimized by the moderator on the site

اعدت قراءة الافتتاحية مرة ثانية بسرعة.
السؤال هام فعلا. فالعلاقة عضوية و جدلية. و هذا واضح من معنى الدين بكل اللغات. انه شيء نستسلم له و نعود إليه بإرادتنا. و بالتالي هو جزء حيوي من نظام الأخلاق. و هي من الخلق. او ما نتصف به حقيقة و فعليا.
و مع ان الباحث هنا يتكلم عن الاديان السماوية. لكن العرف يسمي كل عقيدة و لو انها سياسية او وضعية دينا.
مثلا دين ماركس. و دين بوذا و هكذا..
حتى ان نجيب محفوظ في واحدة من قصصه عاتب الماركسيين بقوله. اليس ماركس نبيكم و الطبقة العاملة هم الملالكة و الدولة الشيوعية هي الله. و الحزب هو الدين.
اعلم انني ابتعدت عن الموضوع قليلا. لكن بشكل موضوعي و علمي الاديان وحدات خطاب و سرد. و مثلها العقالد التي غيرت وجه العالم و لا تزال لديها خطط لمزيد من التحويل و التغيير. بمعنى انها ايضا وحدة سرد و خطاب.
و لاحظت التمييز بين لغة الأعراف و لغة الدين.
و هذا موضوع شالك و اتمنى ان تعفوني من الكلام فيه. و اكتفي بقراءة الخلاصة الممتازة التي وردت بالحوار.
شكرا

صالح الرزوق
This comment was minimized by the moderator on the site

مرحبا بك وشكرا لتفاعلك مع الحوارات. تحياتي لك الاستاذ صالح الرزوق

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

المفكر الاستاذ الفاضل ماجد الغرباوي تحية طيبة وسلام.

تبقى شمعة من الشموع التي تنير لنا دروبنا في ظلمات الحاضر وكل يوم في تجديد من خلال طروحاتك القيمة .
استاذ ماجد اذا كانت قصة الغلام وابراهيم ورؤياه بذبح ابنه رمزية وهناك قصصا اخرى من هذا القبيل في القرأن وهي كثيرة كموت عزير واعادة الطيور لابراهيم بعد تقطيعهن ونطق النمله في وادي النمل .
وهي بالفعل لاتدخل العقل اللا يستطيع الله القادر ان يأتي بقصص يستوعبها العقل وتتقبلها الاخلاق الانسانية اكثر من هذه القصص واذا كان الله يخاطب الناس على قدر عقولها في ذلك الزمان الم يحسب الله ان في زمن اخر ستتغير وتتطور العقول وتصبح لها مدارك اوسع ولاتستوعب ماجاء مثل ذلك .

ابو سجاد
This comment was minimized by the moderator on the site

اشكر حسن ظنك وثقتك الاخ الاستاذ ابا سجاد. يسرني رضاك عن كتاباتي. كتبت مفصلا في أبحاث قصة الخلق عن رمزية القصص القرآني وأهميته ودوره. الان عندما تقرأ القصة على أساس واقعيتها تقول: (بالفعل لا تدخل العقل). لكن حينما تقرآها على اساس رمزيتها ستقوم بتأويلها وفقا لثقافتك وقبلياتك، عندما تكون مؤهلة للتأويل، من خلال الاطار العام للكتاب واهداف الدين ومقاصده غلى غير ذلك. ستنتهي الى رؤية جديدة، وهو ما فعلته في تأويل قصة الخلافة مفصلا. وبينت ما هي دلالات سجود الملائكة مثلا وما معنى الجنة في الايات. فالرمز يبقى القصص حيا، تتفاعل معه جميع الثقافات في كل زمان ومكان. تحياتي

ماجد الغرباوي
This comment was minimized by the moderator on the site

هذا تواضع كبير منك يااستاذ ماجد فأنا التلميذ الذي يطلب رضا استاذه وانت استاذي الذي اكن له كل الاحترام والتقدير .

ابو سجاد
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5209 المصادف: 2020-12-09 04:05:31