 حوار مفتوح

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (194): الأداء والأخلاق

majed algharbawi11صادق السامرائيخاص بالمثقف: الحلقة الرابعة والتسعون بعد المئة، من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، حيث يجيب على أسئلة الأستاذ الدكتور صادق السامرائي:

 

الأخلاق والاقتداء

ماجد الغرباوي: نخلص، أن الأحكام الأخلاقية في القرآن، أحكام إرشادية لحكم العقل، لنسبية المعرفة الدينية، ووجود حقائق قرآنية ذات ملاكات خارج إدراكات العقل العملي، وذات مصالح يتعذر إدراكها وفقا لمعطيات الطبيعة البشرية والفطرة السليمة. وارتهان  فهم النص وتحري مضمراته ودلالاته للتأويل، فتتعدد القراءات، ومن ثم تتجرد من كونيتها وشمولها وإطلاقها التي هي أساس صدقية حكم العقل العملي، وسبب ترجيحها على الحكم الشرعي عند التعارض والالتباس. مما يؤكد استقلال الأخلاق عن الدين. وهنا يأتي السؤال: كيف يقدم العقل على الشرع في حالات التعارض والآية تصف الرسول: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)؟. وقبل ذلك تقول الآية: (وَلِلّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَىَ)؟.

مرًّ الكلام حول الآية الثانية، وقلت إن مقتضى كمال الخالق أن يكون له المثل الأعلى. وأما الأخلاق فهي تجل للفطرة السليمة: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ). كما أن العقل البشري هو تجل للعقل المطلق. والاحتكام للعقل احتكام لقانون الفطرة البشرية، وهي ثابتة وشاملة. فالآية تؤكد أن جميع صفات الثبوت ثابتة لله بالضرورة. فالآية  ليست بصدد بيان تحديد التكليف بالنسبة للأحكام الأخلاقية، وليست بصدد نفي الحُسن والقُبح العقليين. أو نفي قدرة العقل على التمييز بين الخير والشر. وبهذا نفهم أنها لا تقصد المفاضلة، بل تؤكد ثبوت الصفات الأخلاقية لله، وهو أمر مفروغ عنه، فيكون قدوة ومثلا مطلقا، ومرجعية نهائية لها، وهذا منفصل عن التشريعات وضرورات الواقع، التي قد تقتضي تشريعات لا ندرك ملاكاتها، لوقوعها خارج إدراكات العقل العملي، كلقتل الغلام في قصة العبد الصالح، واستجابة نبي الله إبراهيم لذبح ولده. كلا الفعلين ترفضه القيم الأخلاقية والدينية، وقد نهت الوصايا العشر في جميع الأديان عن قتل النفس المحرمة. لذا لا يمكن أن تكون الشريعة مصدرا للأحكام، مادامت تختلف من ملة إلى ملة ومن شعب إلى غيره، وهذا سبب إضافي: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا).

وذات الأمر بالنسبة لآية: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)، فقد جاءت لوصف أخلاق النبي والثناء على تصرفاته وسلوكه. وتذكّره وهو في مقام الداعية لله، ليكون أكثر صبرا ورباطة جأش، لا تستفزه مواقفهم وكلماتهم، كما جاء في سياق آيات سورة القلم. وهنا ملاحظات:

الأمر الأول: لا يفهم من الآية أن الأخلاق قائمة على الشرع وليس على العقل، وكل ما في الأمر يكون النبي مرجعية أخلاقية، وهو بهذا المستوى من الخُلق الرفيع، شريطة أن تكون القيم الأخلاقية هي الأصل في حالات التعارض أو الإلتباس للأسباب التي تقدم بيانها، فقد تقتضي الرسالات مواقف لا نستوعب ملاكاتها، ونجد فيها تعارضا مع القيم الأخلاقية، وفي هذه الحالة نفهم أنها استثناء، جاءت أحكامها على نحو القضية الخارجية كما يعبر المناطقة والأصوليون، فأحكامها تقتصر على موردها، وليست شاملة، عكسا لموضوعات الأحكام المأخوذة على نحو القضية الحقيقية. شريطة أن يستوفي الحكم شروط فعليته، وقبل ذلك فعلية موضوعه.

الأمر الثاني: لا يلزم من الآيات الآمرة بطاعة النبي تبعية الأخلاق للشريعة، بل ينبغي الاقتداء بأخلاق النبي مهما كان مصدرها عقليا أم شرعيا. والنبي هنا ليس مشرعا للأحكام الأخلاقية بل متمسكا بها على خير مثال، فيكون قدوة في أدائه الأخلاقي. كما في آية: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا). رغم أنها جاءت في سياق حض المؤمنين على الثبات والصبر ولا علاقة لها بالموضوع، لكن بعضهم ذهب إلى إطلاقها. ومهما كان، النبي رمز الأخلاق الفاضلة، قبل وبعد البعث. فقد كان ممدوحا في سيرته وأخلاقه، وهو سرّ مكانته الاجتماعية لدى قريش، ومشاركته في دار الندوة، واستشارته في أمر رفع الحجر المكي، وكان يلقب بالصادق الأمين، وكل ذلك من وحي فطرته الإنسانية. وحتى لو قيبل بأن النبي كان مسددا من قبل الله تعالى منذ نعومة أضفاره، فأيضا لا يخرج الأمر عن قوانين النفس البشرية وأحكام الفطرة السليمة. وكانت أحكام العقل العملي هي التي تقرر: ماذا يجب أن يفعل؟. رغم تداعياته على المستوى الاجتماعي حينما تتقاطع القيم الأصيلة مع القيم المكتسبة، وقد يغدو الحق باطلا، والباطل حقا.

الأمر الثالث: أن قول النبي: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ"، يؤكد أسبقية الأخلاق، باعتبارها قيما إنسانية نابعة من الفطرة السليمة التي هي فطرة بشرية كونية. وبالفعل عاشت البشرية ردحا طويلا من الزمان علاقات اجتماعية قائمة على قيم ومبادئ أخلاقية قبل بعثة الأنبياء: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). ثم جاءت رسالات السماء وبُعث الأنبياء لترشيد وعي الناس، والتأكيد على قيم الأخلاق، عبر منظومة قيم أخلاقية، لضبط الأداء السلوكي للمجتمع: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ). وبهذا الصدد يقول الرسول: "إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَکَارِمَ الْأَخْلَاقِ". فالأخلاق قائمة مادام هناك اجتماع بشري، ومادامت هناك حاجة لها. وكلامنا عن الأخلاق الأصيلة التي يحكم بها العقل بعيدا عن أية تأثيرات خارجية، وهي قيم تتصف بالحُسن أو القُبح بذاتها، بغض النظر على الآوامر والنواهي الإلهية. كحكم العقل بحُسن العدل وقُبح الظلم، حَكَمَ أو لم يَحكم بها الشرع. فالكلام ليس عن الأخلاق المكتسبة التي تفرضها ضرورات اجتماعية وسياسية واقتصادية ونفسية أو يتعلق بها خطاب شرعي بعدي. بعضها أخلاق فاضلة بطبيعتها توظف لغرض ما. وهناك مصفوفة أخلاق تبدو ظاهرا حميدة لكنها تنطوي على ضعف واستغلال.

استقلالية العقل

وبالتالي نخلص إلى قضية مهمة بل وخطيرة، وفقا لسؤال الأخلاق. إن لازم قولنا بالحُسن والقُبح الشرعيان و(قيام الأخلاق على الشريعة)، أن يفقد الفعل صفته الأخلاقية، ويكون مرتهنا لحكم الشريعة، التي لم تقف عند حدود تشريعات القرآن، بل امتدت لمطلق سُنة النبي، وشملت سنُة الصحابة والأئمة الإثني عشر، ومن ثم أحكام وفتاوى الفقهاء، فتغدو كل سلوكياتهم المرتهنة لقبلياتهم العقدية والسياسية والأديولوجية حجة علينا. وقد استدلت المنظمات الإرهابية على صحة ما ارتكبته من مجازر بسيرة الصحابة، دون دراسة للأسباب الموجبة لذلك، وما هوالظرف الذي اقتضى سكوت النبي لو كان الأمر بمرآى ومسمع منه، رغم عدم شرعية ما فعلوه. وبأي دليل غدت سنة الصحابة حجة، وعلى أي قاعدة علمية غدت مطلقة. بل حتى سكوت النبي، الذي يمضي الفعل، لا ينفع هنا مادام استثناء لقيم الدين والإنسانية، فيكون حكما ولائيا مختص به، تنتفي فعليته بعد وفاته مباشرة. وهذا شامل لكل ما يبدو تجاوزا لقيم الدين في المعارك والحروب التي دارت بينه وبين خصومه.

بهذا الشكل تعطلت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عندما انبرى فقهاء السلطان فيما بعد لتبرير سلوكياته وظلمه وعدوانه، بمختلف الأدلة والقواعد الأصولية. إذ لا معنى لمحاسبته وفقا لأي مبدأ أخلاقي، بعد أن فقد الفعل الأخلاقي استقلاليته وصار يستمد وجوده من الشريعة بل ولفتاوى الفقهاء واجتهاداتهم الشخصية. بهذا نفهم سبب تبجيل عدوانية المنظمات الإرهابية من قبل بعض الفقهاء، السلفية خاصة، ودعوة كثير من رجال الدين لنصرتهم بالمال والأنفس والسلاح، مادام سلوكهم مرتكزا لكتاب الله، رغم حجم الدماء التي سفكت على أيديهم، ورغم حجم الخراب، وسمعة الدين والإسلام التي شوههها الإرهاب الديني. ولا يختلف باقي الفقهاء عنهم سوى في شرط فعلية الجهاد هل هو الحرابة أم مطلق الكافر والمشرك. والنتيجة واحدة: ما نهى عنه الشرع فهو قبيح، وما أمر به فهو حسن، ولا استقلالية للعقل في ذلك. وقس على هذا كثير من السلوكيات التي هي تمظهرات لفتاوى وأحكام، بدأت بعد وفاة النبي ومازالت تتدفق استجابة لعقل تراثي أو حافز أيديولوجي أو هدف سياسي يحمل بصمات طائفية. وكلها أحكام شرعية، محاطة بأسيجة قدسية، تتلقاها روح العبودية بعيدا عن الأخلاق وأسئلتها. بينما يمكن مساءلة كل فعل يتعارض مع الأخلاق إذا قلنا باستقلاليتها. والفعل إما أن يكون حَسنا أو قبيحا بذاته. يمكن للعقل إدراكه، كما هو حقيقته. فالعقل الذي يستبعده الخطاب الديني، وينصب له العداوة والبغضاء، هذا العقل هو عقل معياري، يميّز الصح من الخطأ، والخير  من الشر، والحسن  من القبيح. كما لو ارتُكبت جريمة قتل استجابة لفتوى دينية، فإنه يحكم بقبحها، حكمت الشريعة بقبحها أم لا. ارتكازا لبداهاته المنبثقة عن فطرته الإنسانية. فاستقلالية العقل في أحكامه، هي جوهر حقيقيته. وهذا ما قرأناه سابقا عن قصة موسى النبي الكريم مع العبد الصالح حينما قتل الغلام، فاستفز فعله موسى وقد استنكره صراحة: (فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). لم يتأن النبي الكريم في فهم ملابسات فعل الرجل الصالح، ولم يطرح أسئلة واستفسارات، وحكم تلقائيا، لا شعوريا، على الفعل من وحي بداهات فطرته الإنسانية، فأعلن فورا: (لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا). فالفعل وفقا لعقل موسى فعل قبيح، لا أخلاقي، بغض النظر عن مببرات العبد الصالح. كل ما في الأمر أنه اكتشف ثمة ملاكات مجهولة بالنسبة له اقتضت هذا الاجراء، دون أن تؤثر على حكم العقل، مما يؤكد استقلاليته في أحكامه، وإن الفعل بذاته إما أن يكون حسنا أو قبيحا.

استقلالية الأحكام

ولو لم يكن العقل مستقلا وقادرا على التمييز فلماذا يُحيل القرآن عليه لمعرفة حقائق الأمور؟: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ). كيف ارتهن فهم وإدراك الآيات للعقل إذا لم يكن مستقلا في أحكامه؟. بمعنى الاستقلال بمعايره، التي بها يميز بين الصح والخطأ والخير والشر والحسن والقبيح؟. هناك (22) آية تحتج بالعقل، بصيغة (لقوم يعقلون) أو (قوم لا يعقلون) وهذا دليل آخر على مرجعيته لمعرفة الحقيقة. أو الاحتجاج بمشتقاته مثل: يتفكرون التي جاءت (11) مرة بصيغة (لعلهم يتفكرون). فأحكام العقل العملي ثابتة لا يمكن لأحد سلبها إياه. ولم يقتصر الاهتمام بالعقل على القرآن، بل أكد عليه الأنبياء والمرسلون والحكماء، والأحاديث كثيرة جدا، وكشاهد في المقام، نذكر بعضها:

- الرسول الكريم: (ما اكتسب المرءُ مثل عقلٍ يَهدي صاحبهُ إلى هُدى، أَو يردّهُ عَن ردى). مما يؤكد استقلالية العقل في أحكامه الخاصة. فالنبي هنا يؤكد قدرة العقل على الهداية وردع صاحبه على الغي والقبيح. فلماذا يتعمد العقل التراثي إقصاء العقل؟. إنه يفعل ذلك ليتفرد بوعي الفرد والمجتمع من خلال روايات إما موضوعة أو تتحدث عن طرف مختلف زمانا ومكانا يريد لها أن تكون مطلقة مهما كانت تداعياتها على مسقبل الأمة المسلمة. فيكون قراره أنانيا، نابعا عن ضيق أفق، ووعي متخلف، لا يدرك ما وراء الكلام، فيتعطل عنده الفهم، يقتصر على اجترار التفسير الذي يخدم أهدافه أو يحقق صدقية وعيه.

- الإمام علي: (كفاك من عقلك ما أوضح لك سبل غيك من رشدك). وقوله: (العقل مرآة صافية). وهذا الحديث هو الآخر يؤكد قدرة العقل على التمييز بين الصح والخطأ والخير والشر والحسن والقبيح. فيشمل أحكام العقل النظري أو المحض وأحكام العقل العملي.

- بل يرهن الإمام علي فهم القرآن للعقل حينما يقول: (هَذَا اَلْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ اَلدَّفَّتَيْنِ، لاَ يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَلاَ بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ، وَإِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ اَلرِّجَالُ). كل هذا وغيره يؤكد معيارية العقل وقدرته على التشخيص والحكم، خاصة بديهيات العقل النظري، وبديهيات العقل العملي، الأحكام الأخلاقية: (الشيء الذي ينبغي فعله).

الأخلاق والجزاء

وهنا يبرز سؤال: إن شرط الفعل الأخلاقي أن تأتي به لذاته، ويكون هو المحرك له إيجابا وسلبا. فهل يفقد صفته الأخلاقية حينما يؤتى به بداعي القربى وطمعا بالثواب، أو الخوف ودفعا للعقاب؟.

لا ريب، إن لازم القول بالحُسن والقُبح العقليين أن تكون الأخلاق مطلوبة بذاتها باعتبارها أحد تجليات إنسانية الإنسان التي يفترق بها عن غيره من الكائنات. فيأتي بالفعل الأخلاقي بدافع ذاتي، نابع من إنسانيته وطبيعته البشرية، بغض النظر عما يترتب على الفعل الأخلاقي من نتائج كالثواب أو العقاب. وبشكل أدق، إن إنسانية الإنسان تدفع باتجاه الفعل الأخلاقي، بمعزل عن أية إرادة خارجية، فتكون مبادرة تلقائية عفيفة دافعها الأخلاق فقط. فيبادر الإنسان لاستغاثة أخيه الإنسان مبادرة محررة من كل قيد وشرط. ولا يتأثر بقبلياته الدينية والطائفية، ولا تحد من مبادرته الأخلاقية أية أيديولوجيا بما فيها الأوامر الدينية، وما تفرضه العادات والتقاليد من أحكام تارة تكون جائرة ضد الآخر المختلف. فمصدر الإلزام سيكون ذاتيا. بل يصدق أن نقول: "إن الفعل الأخلاقي هو الفعل الذي يشتمل على مبررات ذاتية، نابعة من طبيعته الإنسانية، تفرض المبادرة له".

والجواب: هناك ثلاثة مستويات للفعل ، يمكن من خلالها تسوية هذا الإشكال، كي لا يفقد الفعل صفته الأخلاقية، ويكون للدين دور يعزز القيم الإنسانية.

- الفعل بذاته، قد يتصف بالحُسن أو القُبح، بموجب أحكام العقل العملي الذي يهتدي لها ببداهاته وفطرته الإنسانية السليمة. فيكون حكمه حكما أخلاقيا على ذات الفعل، دون ارتهانه لأي جهة خارجية، دينية أو عرفية أو قانونية. ويأتي به الفرد، أو ينهى عنه، بدافع أخلاقي، ذاتي.  

- الفعل كممارسة سلوكية. حيث يتجلى الفعل الأخلاقي. وهنا يتوقف الوصف على نوايا الفرد، وسبب اندفاعه. فإن كان الدافع ذاتيا فيصدق أنه فعل أخلاقي، أو تنتفي عنه صفة الأخلاق. في الحالة الأولى يتسجيب لضميره الشخصي، وينتهى عن الفعل القبيح خوفا من توبيخه. بينما الحالة الثانية مرتهنة لجهة خارجية فتخسر صفتها الأخلاقية.

- الفعل عندما تتعلق به إرادة خارجية: دينية أو عرفية أو خارجية. فهل يفقد صفته الأخلاقية؟. وكيف نوفق بينه وبين الأوامر الإلهية؟

يأتي في الحلقة القادمة

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

 

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5217 المصادف: 2020-12-17 05:00:31