 حوارات عامة

حوار مع الناقد السوري عصام شرتح (2)

esam shartah10- هل وقفت عاجزاً أمام نص من النصوص؟ استعصى عليك كشفه نقدياً؟!!

- الناقد الحقيقي هو القادر على ترويض أي نص مهما تعددت طبقاته، واختلفت رموزه، ومؤشراته الدلالية، وأهم إجراءات الترويض النصي الناجح امتلاك الأدوات النقدية المؤثرة، والفاعلة في اكتشاف النص، ومضمراته الخفية، وبتصورنا: إن الناقد الحقيقي يستطيع ترويض كل النصوص بسهولة ويسر خاصة إذا امتلك الرؤية النقدية الوهاجة، والخبرة المعرفية والجمالية المؤثرة، ولا أبالغ في قولي: لم يقف أي نص في وجهي، ولا أدع نصاً يتغلب علي لدرجة يشكل كل نص أمامي أدرسه أو أحلله، تحدياً أو استفزازاً من نوع ما، لفك جموحه، وإن بدا النص معقداُ، متعدد الرؤى، والطبقات الدلالية، وهذا الهاجس يرافقني دوماً لأكتب عن قصائد معقدة، وقد أغرتني نصوص أدونيس، لأنها متعددة الرؤى، والدلالات، ولهذا، اشتغلت كتابين متواضعين عن هذا الشاعر هما (أدونيس شاعر التجريد والاغتراب في الشعر العربي المعاصر)، و (تحولات الخطاب الشعري عند أدونيس بين (فلسفة الجزئيات/ وتجريد الكليات)، وسبب اشتغالي على نصوص هذا الشاعر جسارتها الرؤيوية، وصعوبة ترويضها، وتعدد طبقاتها الدلالية؛وبصراحة أقول: إنني أنفر من النصوص البسيطة، لئلا تعتاد أدواتي النقدية النصوص السهلة البسيطة، فتضعف مهارتي، وخبرتي النقدية، وقد تتحجر أدواتي عند حد معين فأسقط كما سقط غيري من النقاد وكانوا أبرع مني كشفاً، وأعمق رؤية، لأنهم ركنوا إلى أدواتهم المعتادة، ونصوصهم ذات الطبقات السطحية العائمة ولم يتغوروا الأعماق، و يخوضوا في فضاءات النصوص القوية المتأبية على التنميط أو الترويض.

باختصار: إن قوة الناقد وجسارة أدواته هي الرائز في الحكم على قيمة المبدع، ومهارته في الكشف النصي. ولا يمكن أن تتحقق المعادلة النقدية الناجعة إلا وهي: براعة الكشف، ودقة الاستدلال إلا إذا خاض الناقد في النصوص الملغومة، أو النصوص المشبعة بالدلالات المحتدمة والمعاني المكثفة المتوالدة واللاملتقطة.

وصفوة القول الذي أريد الخلوص إليه" أن الناقد المبدع هو الذي لا يركن إلى نص ويهادنه، عليه أن يروض النص بمهارة أدواته، وقوة كشفه، ومتانة قدراته المعرفية، وهذا لن يتحقق بدون وعي معرفي، ومهارة إبداعية فائقة لا يستطيعها إلا القلائل من نقادنا العرب المعاصرين

وآمل أن أكون منهم. وبودي أن أكون ضمن دائرتهم.

 

11- لقد لاحظنا توجهاتك النقدية من المضمار الأسلوبي إلى الدراسات الجمالية؟!! ما سبب هذا الانجراف الكاسح صوب تلك الدراسات ونذكر منها دراساتك النقدية التالية: (رؤى جمالية في شعر عبد الكريم الناعم) و (فضاءات جمالية في شعر حميد سعيد) والآن كتابك (الفكر الجمالي عند شعراء الحداثة المعاصرين) و (علم الجمال النصي) و (ماهية الجمال في شعر نزار قباني) هلا وضعت القارئ في صلب هذا التوجه المخصوص بقوة صوب هذه الموضوعة البحثية التي استحوذت على عالمك النقدي في مرحلتك الراهنة الآن؟ّ!

-  أولاً- الجمال هو القطب المحوري الذي تدور حوله مختلف الأقطاب، وأنا أعد أن أية ظاهرة أسلوبية لا تشكل قيمة جمالية، أو تحقق قيمة فنية لا أهمية في وجودها، وتكون عبئاً على النص لا مظهراً من مظاهر جماليته، ولهذا أقول: إن بحثي المتواصل في المتغيرات الأسلوبية قادني إلى الينبوع أو المصب النهائي الذي هو الجمال أو الإفرازات الجمالية التي تحققها البنى الأسلوبية في المضمار النصي.

ثانياُ- أنا أرى أن الأسلوبية يجب أن تكون من أهم مكتشفاتها البحث عن المحفزات الجمالية النصية، وأرى أن من مهام الأسلوبية أن تحرك المحفزات أو القوى الجمالية الكامنة في النص الشعري، فلا قيمة لأي متغير أسلوبي إن لم يحقق قيمة جمالية، ولذلك أعد فن الشعر تحديداً فن المتغيرات أو المتحولات النصية المحمومة التي لا تقف عند حد معين، أو تعتمد مظهراً أسلوبياً محدداً، إن كل ما يحقق تحولاً قيمياً في الأسلوب، سواء في ارتفاع قوة الدافع الجمالي، أم انخفاضه هو ديدان كشف الباحث الأسلوبي، وطبيعي أن تتجه الأساليب رغم اختلافها وتنوعها إلى المصب النهائي لتنهل منه معينها الخالد ألا وهو الجمال، وكل متغير أسلوبي لا يصب في هذا المصب لا يدخل نطاق الشعرية.

وأنا في دراساتي النقدية أبحث في كل ما يثير الشعرية من قيم جمالية تصب في هذا الجانب أو ذاك، لأن إيماني المطلق بأهمية هذا الجانب، كإيماني بأهمية الإبداع ذاته، ومصدر جماليته، وجاذبيته الإبداعية، ولهذا، توجهت دراساتي الأسلوبية مؤخراً إلى ما يحقق جوهر القيمة الشعرية ألا وهو الجانب الجمالي الذي اعتبره القطب المحرقي للإبداع كله، ومركز ثقله الفني.

 

12- ما هو منظورك للمشهد النقدي المعاصر في ظل التغيرات الوجودية والإبداعية التي تشهدها بلادنا العربية، على المستوى المعرفي والإبداعي؟ وكيف تقيم الحركة النقدية محلياً وعربياً؟!!

- سبق أن حدثتك في حواري السابق أن النقد السوري يعيش في أزمة، لأنه لا يملك البديل، ولا أحد يسد الثغرات، فرحيل خليل الموسى عن عالمنا النقدي ترك فجوة وفراغاً لا يستطيع غيره أن يسده، أو يردم هوة هذا الفراغ الذي خلفه رحيله إلا الموسى نفسه، وهكذا دواليك على نعيم اليافي، من النقاد، وبدوي الجبل، محمد الماغوط وآخرين وقد قلت في أكثر من محفل ثقافي إننا في سورية نعيش الشللية واقعاُ مفروضاً شئنا أم أبينا لا نبني النقاد المبدعين، ولا نؤسس لولادتهم، خاصة السلك الجامعي الذي يئن تحت سطوة أسماء قليلة لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ويكفي ما دمره المجرمون سعد الدين كليب، وأحمد محمد قدور، وأحمد محمد ويس من الكفاءات والمواهب ما يندى الجبين حياء وخزياً وعاراً، ويكوي القلب كمداً، وحزناً؛ إن أمثال هؤلاء دنسوا الوجود وشوهوا الحياة، وباتوا عبئاً على الثقافة، والأدهى والأمر من هذا وذاك أن الوسائل الإعلامية ترفع أنصاف المواهب في مختلف المجالات، وتخرب المواهب الحقيقية، وبدوام الحال على ما هو عليه نخسر الرهان، ونبقى في الميدان منعزلين إبداعياُ وثقافياً نلوك التخلف والخذلان، ..للأسف- وبحرقة أقول- هكذا حال نقدنا ونقادنا.. وحال إبداعنا في جل مراحله كذلك.

 

13- كيف تنظر إلى المبدعين، وما هو منظورك للمبدع المؤثر ناقداً أم شاعراً؟!!

- المبدعون كواكب مشرقة في تطور المجتمعات، وزهو حضارتها، ورقيها الثقافي، وزادها الفكري في النمو، والتطور، والازدهار، وأنا أحزن لرحيل كل ناقد، أو أديب عن عالمنا، لأن الفراغ الذي تركه لا يسده غيره، وأفرح كثيراً عندما يولد شاعر مهم أو مؤثر، وهذا ما احتفيت به في كتابي الموسوم ب (المحفزات الجمالية في شعر تميم البرغوثي)، وهو شاعر فلسطيني شاب موهوب شعرياً وإبداعياً، ولهذا، شرفني بتأليف كتابي النقدي المتواضع عن تجربته، الذي طبع في دار الصفحات دمشق، 2012.وكما أحتفي بالشعراء أُسَرُّ وأبتهج عندما أجد من الناقدات والنقاد الشباب ما يملكون ناصية الإبداع، والموهبة الخلاقة، ويشرفني ذكر الأسماء النقدية الشابة، وأشيد بمهارتهم، وتندى شفاهي بذكرهم: خلود ترمانيني، وهايل الطالب، ومحمود الضبع، وأحمد طعمة الحلبي، وقصي حسين، وغيرهم كثير من نقادنا الشباب، وأعتز بتجارب النقاد المؤثرين المهمة التالية أسماؤهم: [ محمد العبد، وغسان غنيم، وفايز الداية، ومحمد لطفي اليوسفي- وبشرى البستاني- ومحمد صابر عبيد- وصلاح فضل – وعبد الملك مرتاض- و أخص بالذكر (عز الدين إسماعيل وخليل موسى رحمهما الله وأسكنهما فسيح جناته) ]؛ ولهذا أعتبر أن ولادة ناقد أو مبدع حقيقي مكسباً حقيقياً للثقافة العربية، وقد سبق أن أشرت في دراسات نقدية سابقة أن المبدع الحقيقي هو الذي يخوض في قضايا نقدية جديدة، وينأى عن القضايا المكررة أو المستعادة، وأفخر بما أنجزته في هذا الجانب من إثراء في كتابي النقدي الموسوم ب (الاغتراب في الشعر العربي المعاصر) من تناولي لبعض الأشكال الاغترابية الجديدة، التي لم تنلها أقلام نقادنا ودارسينا كالاغتراب اللغوي والفني والجمالي والأسلوبي، ونأيت عن الاغتراب الفكري أو الاغتراب الزماني والمكاني، نظراً لاجتراحهما الزائد من قبل نقادنا الأكارم. وبهذا أحاول دائماً أن أطرق أبواباً جديدة، وأفتح نوافذ جديدة لمواضيع بكر.. آمل أن يسعفني العمر، وتهبني الحياة بعض طاقتها لأنجز ما بدأت، وأعمل لما حلمت.

 

14- ما هو منظورك للجمال خاصة (علم الجمال النصي)، فلسفياً وإبداعياً خاصة قد أنجزت كتاباً مهماً في هذا المجال؟!!!

- إن الجمال النصي يتبع الشكل الجمالي، والمضمون الرؤيوي الخلاق؛ولهذا، تزخر بعض النصوص الإبداعية بطاقة خلاقة، تنعكس على وهج استعاراتها، وصورها، وإيقاعها الرؤيوي المثير في توجيه الرؤى، واكتنازها بمضمونها الجمالي، ومن هنا، فإن القارئ الجمالي للنصوص الإبداعية هو الذي يحقق قيمها الجمالية، ويكتشف محفزاتها الإبداعية المستكنة في كل عبارة، أو جملة، أو تركيب، ويخطئ من يظن أن الجمال مجرد شكل فني، أو قالب لغوي جذاب؛ إنه كلٌّ متحرك يجري كما يجري الدماء في الجسد، ومن أبرز مقومات أو محفزات التفعيل النصي الجمالي، ما يلي:

 

1- الرؤية الخلاقة:

لاشك في أن قيمة المنتج الفني الشعري الجذاب، تكمن في رؤيته الخلاقة التي تهب المعنى توهجه، وألقه الجذاب، والنص – في المحصلة- كلٌّ متفاعل، مظهراً لغوياً، ورؤية خلاقة، وهذه الرؤية لا تتشكل بمعزل عن شعرية المنظور، وحساسية الرؤية، وقوة تفعيلها للبنى الدالة المحركة للمتن النصي.

وبتقديرنا: إن قيمة أية بنية فنية - في النص- تتشكل من تضافرها وتفاعلها الخلاق مع فاعلية البنى النصية الأخرى المحركة لبقية الأنساق النصية، بقوة اقتضائية بلاغية تؤسس حركتها على كل ما يولد في النص لذة جمالية مقتنصة من هذا الشكل النسقي الجذاب أو ذاك، ولاغرو إزاء هذا التفاعل، والانسجام، والحراك النصي أن نلحظ تفاعل البنى، وتضافرها، لتشكيل قوة فنية نابعة من إحساس جمالي، وحراك شعوري متواشج مع المظهر اللغوي في بثه لهذه الرؤية الخلاقة التي تؤكد بصمة النص الإبداعية التي لا يرتقيها النص الآخر، دهشة، وقوة، وإزاحة بلاغة فنية، وهذا التميز في التشكيل النصي هو الذي ينماز فيه المبدع من سواه، أو يتميز في تخليقه إبداعياً عن غيره من النصوص، فكما أن أبناء البشر متفاوتون في الفكر، والأداء، والذكاء، والقيم، والبصمات الشخصية، فإن النصوص الإبداعية كذلك متفاوتة في قيمها، ورؤاها، ومحركاتها، ومضمراتها النصية، وهذا ما يجعل لكل نص شعري قيمة ما تميزه عن غيره، وتؤكد جدارته، وقيمته الإبداعية. وهذه القيمة غالباً ما تكون مرتكزة على بلاغة الرؤية، أو بلاغة المحفزات النصية الخلاقة المنتجة التي تنتجها النصوص الإبداعية وتنماز بها عما سواها.

 

2- الجاذبية اللغوية:

إن لكل نص شعري قيمه الجمالية، وفاعليته الرؤيوية الخلاقة، التي تعود إلى شكل اللغة، ومظهرها الفني الجذاب، أو لنقل: جسدها اللغوي المميز، فكم من النصوص الإبداعية لا يتجلى إبداعها و مكمن جوهرها الإبداعي إلا عبر جسدها اللغوي الخلاق، ومنتوجها الإيحائي المثمر، ولا نبالغ في قولنا: إن الكم الغفير من نصوصنا الحداثية ما يشفع لها على الصعيد الفني والجمالي ارتقاؤها اللغوي، ومظهرها الشاعري الخلاق، الذي يثير الحركة الجمالية، ويبتعث إيقاعها الفني المتوهج، وهذا القول يصلنا إلى حقيقة جوهرية جد مهمة هي: إن الإمتاع اللغوي جزء رئيس لا ينفصل عن جوهر البناء النصي، بل إن قيمة البناء تعود للزخرفة اللغوية، والحنكة في تظليل الكلمات إيحائياً، لتسمو بشكل إبداعها، ولهذا، أكد الكثير من مبدعينا ونقادنا ضرورة الالتزام بتطوير المنهل اللغوي في قصائدهم، لترتقي تجاربهم، وتسمو إبداعياً، فالنص الذي يمتاح من منهل واحد سرعان ما يذبل، وتضمحل قنواته الواصلة إلى نبع الحياة، وجوهر الفن؛ فالتنوع اللغوي، وتطوير الحقول الدلالية، يتطلب انفتاحاً واسعاً على ثقافات عديدة، ولغات متعددة، وهذا ما يجعل المبدعين ينمازون في شكل إبداعهم، من مرحلة إلى أخرى، بل من قصيدة لقصيدة، ومن مضمون نصي لآخر، وكم من النصوص الإبداعية لم يكن المحرك الإبداعي لها في تحقيق شعريتها إلا شكلها اللغوي، وحساسية الرؤية، وقيمة الفكر الجمالي في تطوير مثيرها الجمالي وتلقيها النصي الفعال.

 

3- قوة المحركات النصية الجمالية الفاعلة:

إن لكل نص شعري مؤثر إبداعياً قوى خلاقة في تناميه الجمالي، وهذه القوى هي بمثابة المحركات النصية الجمالية المحركة لمحمولاتها الدلالية، وبتصورنا: إن قيمتها تزداد بمتحولاتها النصية، التي ترتقي من محمول دلالي إلى آخر، ومحمول نصي إلى محمول نصي آخر أكثر غنى، وفاعلية، ومدلولية نصية من المحمول النصي الأول؛ ومن هنا، فإن قيمة الفواعل الدلالية مرتبطة بطاقة الفواعل النصية الأخرى، وطبيعة العلائق والفواعل الدالة في مجريات الرؤى والأحداث التي تثيرها القصيدة، ووفق هذا التصور، فإن كل قيمة دلالية لا ترتقي إلا بمحمولاتها النصية المرتبطة بها، برابط اقتضائي، فني فاعل، إما بمقضى لغوي صرفي فاعل، أو بمقتضى لغوي بصري محرك للشعرية، أو بمقتضى نصي علائقي نحوي فاعل، أومقتضى علائقي محرك للروابط العلائقية الأخرى، أو بمقتضى دلالي رابط لحركة الأنساق، ومن مجموع فواعل هذه المقتضيات تنماز البنى النصية، وترتقي الرؤى الشعرية.

وبتصورنا: إن المحركات النصية الجمالية هي بنى فاعلة في تلوين الأنساق، واستخلاص محركاتها النصية، التي تثير الرؤية الشعرية، ومدلولاتها المراوغة. ولعلنا لا نبارح الحقيقة الشعرية إذا قلنا: إن الفواعل النصية الجمالية المحركة للبنى النصية الفاعلة ترتبط بقوة الأنساق اللغوية ومحركاتها البؤرية المنشطة للشعرية، والباعثة على تحريك الدلالات، وإبراز ملمحها الجمالي، ولهذا، لا قيمة لمثل هذه المحركات إن لم ترتبط بالرؤية النصية، ومنبع ثقل البؤر الدلالية الأخرى، وبناءً على هذا، فإن المنتوجات النصية ترتقي بفاعلية مثيرها الدلالي، ومحركها النصي الفاعل ضمن بنائها الكلي.

وهذا يعني – بالتأكيد- أن شعرية المحركات النصية في القصيدة ترتقي بسوية توجهاتها الرؤيوية واقتضائها النصي المراوغ، ولهذا، فعلم الجمال النصي يختلف من نص لآخر، ومن مدلول بؤري محرك للشعرية، والباعث على إنتاجها البؤري الفاعل في البنى داخل نصية لا البنى الخارج نصية المسقطة من القارئ على النص. ومن هذا المنطلق، تعد، قوة المحركات النصية الفاعلة من مؤسسات شعرية النص، والركائز المحورية في تأسيس ما أسميناه (علم الجمال النصي) .

 

4- فاعلية البنى الدالة، وقوة اقتضائها الجمالي:

إن لكل نص مؤثر فنياً بنى دالة في قوة اقتضائها الجمالي، وهذا يعني أن فواعل النص الإبداعي الخلاق المؤثر فواعل محركة ببنى واقتضاءات جمالية مؤثرة، لا تركن إلى شكل ثابت، أو رؤية مقننة، وهذا يعني أن فواعل البنى الدالة في قوة اقتضائها، وتناغمها في خلق رؤية نصية متكاملة؛ ترتقي بمحفزاتها النصية، ومحركاتها الجمالية، تبعاً لقوة المقتضى، وتفعيله لمقتضاه الفني، ووفق هذا التصور، فإن فاعلية البنى اللغوية الدالة تتأسس على فواعل مقتضياتها، ومحركاتها الجمالية، وهذا ما يضمن لها قوة التأثير، والحراك المضموني الجمالي الفعال، ومن هذا المنطلق فإن علم الجمال النصي يرتقي بفاعلية المقتضيات النصية الأخرى، وحراكها الرؤيوي الخلاق عبر قوة الاقتضاء الجمالي ومحركاتها النصية الراقية.

وصفوة القول: إن فاعلية البنى الدالة في النص تتأتى من قوة اقتضاء الدوال لمداليلها، ومحركاتها الجمالية، وهذا ما يضمن للنص شعريته، ويحقق فاعليته التحفيزية المؤثرة.

 

5- الدهشة الجمالية/ والتبئير الجمالي:

إن لكل نص جمالي خلاق، أو فاعل دهشته الجمالية التي يثيرها في هذا النسق أو ذاك، وهذا يعني أن علم الجمال النصي يتأسس على مقدار تفعيل هذه الدهشات عبر المداليل المواربة في حركتها، والمنزلقة في رؤاها، ومدلولاتها، ومحركاتها الشعورية؛ فالقارئ المبدع ينمي الرؤى الفاعلة في القصيدة، ويحقق منتوجاتها المؤثرة، بقوى محرقية مواربة في شكلها، ومنحاها الإبداعي، ومن هذا المنطلق، فإن أولى ركائز النص الإبداعي تتجلى في تنامي جماليته، عبر الدهشة الجمالية، وتبئير الدلالات صوب محرقها الجمالي المؤثر، الذي يرقى بالشكل النصي، ويرتقي بمحركات الرؤية، ومحفزاتها النصية، ومن هنا لا يرقى النص، ويرتقي فنياً، وإبداعياً إلا بمقدار المحركات الجمالية التي يثيرها في ثناياه، ومحركاته الشعورية.

ووفق هذا التصور، فإن المتعة الجمالية لا تتحقق إلا بالتفاعل النصي المثير الذي يؤسس أو يتأسس على القيم المحرقية لهذه المحاور في تبئير رؤاها، وإبراز مثيراتها النسقية الفاعلة على مستوى مثيرها ومستثيرها الجمالي.

 

6- الرؤية المتكاملة:

 إن لكل نص شعري رؤية متكاملة، ومحفزاً بؤريا مهندساً لمداليلها، ورؤاها، ومنظوراتها البؤرية الخلاقة، ومن هذا المنطلق، فالرؤية المتكاملة هي جوهر علم الجمال النصي، وفاعليته البؤرية المحركة لمداليلها، ومحركاتها النصية المحفزة للشعرية، وبهذا التصور، فإن الرؤية المتكاملة هي جوهر علم الجمال النصي الفاعل للرؤى، والمحفز للمداليل الشعرية، ولا أبالغ في قولي: إن مصدر جمالية أي نص شعري يكمن في رؤيته المتكاملة، وفواعله المؤثرة، ورؤاه المحفزة للشعرية، وهذا ما لا يمكن تحقيقه إلا من خلال نص بؤري، متكامل الرؤى، والمحفزات الجمالية، ومن هذا المنطلق يمكن القول: إن علم الجمال النصي يبقى علماً مفتوحاً على رؤى ومستجدات متجددة تتسع لكل ما هو جديد من رؤى نصية وفضاءات رؤيوية عميقة، وهذا ما يضمن للقصيدة حراكها الجمالي، وقوة دفقها الشاعري.

وفي الختام، فإن الفواعل الرؤيوية المتجددة لعلم الجمال النصي تبقى في توالد مستمر، لا تكاد تنتهي، وهذا ما يضمن لعلم الجمال النصي الإضافة وتقبل المزيد من الرؤى والمقترحات المحركة للذهنية الإبداعية، وللأشكال المبتكرة في التشكيل النصي، ولهذا، تبقى الدارة مفتوحة لكل التقبلات والإفرازات الإبداعية في شكلها النصي الجديد، تبعاً لكل مرحلة من المراحل وتجربة من التجارب الساخنة على الدوام

 

15- ما هو منظورك لجدلية الزمان والمكان في الإبداع؟!!

- العلاقة بين الزمان والمكان علاقة فاعل ومنفعل، مؤثر ومتأثر، وهذه العلاقة تلازمية، فلا انفصال للمكان عن الزمان، ولا انفصال للزمان عن المكان؛ فكلاهما يطلب الآخر، وكلاهما لا قيمة له بمعزل عن الآخر، ووفق هذا المنظور، فلا قيمة لأحدهما منفصلاً عن الآخر في دورة الحياة وماهية الخلق والوجود، وما ينبغي الإشارة إليه أن الزمن في الإبداع زمن إبداعي، وليس زمناً فيزيائياً، والمكان في الإبداع مكان شعري، وليس مكاناً فوتوغرافياً أو مكاناً فيزيائياً، وإن بدا المكان مشاكلاً للواقع، أو مشابهاً له يبقى المكان في الشعر فضاءً شعرياً، ويبقى الزمن في الشعر زمناً شعرياً، ولهذا تبقى القضايا في الشعر قضايا إبداعية، فالزمان والمكان في الشعر قضايا إبداعية لها أجواؤها الخاصة، ورؤاها المغايرة، وهذا الأمر ينطبق على الأنثى، فالأنثى في الإبداع هي معجونة بطاقة الخيال وطاقة الإبداع، ولذلك، يصعب على المرأة في الشعر أن تكون المرأة ذاتها التي صادفها الشاعر أو التي كانت ماثلة أمام ناظريه، هي محصلة من العواطف، والخيال والمؤثرات الوجودية اللامتناهية، وهذا ما ينطبق على الشخصيات التاريخية، والرموز، والأساطير المستحضرة في الشعر، وهذا يعني أن للشعر بانوراميته الخاصة، وقوانين لا يحكمها إلا الفضاء النصي الجمالي الذي اتخذته على هذا الفضاء النصي المشكل على بياض الصفحات الشعرية.

ولهذا تبقى القضايا في الإبداع قضايا لاتمس الإ الإبداع، فليس من مطلب الصورة الشعرية أم تكون مرئية، وليس من مطلب الفن أن يكون واقعياً حتى يصبح فناً، الفن هو الفن وهو الفضاء الذي ينأى بحركته عن الرقام المحسوبة والمعادلات الرياضية المقيسة، إنه الأفق الذي يمتد بلا حدود صوب عالم المطلق.

 

16- ما هو إنجازك القادم، وما هو أملك في نجاحه؟!

- إنجازي القادم بحث (الاغتراب في الشعر العربي المعاصر)، و (منظورات حداثوية في حداثة الحداثة)، آمل النجاح في نشرهما للقارئ.

 

17- ما هي رغبتك في الحياة؟!!

- أن أهب الناس الابتسامات والأفراح، وأمسح دموع التعساء بمحارم من نور، وامتص من قلوبهم مرارة الألم، وأمنحهم علمي على طبق من حب، ونقتسم رغيف المحبة، والود، والسلام.

 

أجرته القاصة والروائية فداء شرتح

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3549 المصادف: 2016-05-24 09:45:31