حوارات عامة

مع الشاعر والروائي العراقي عبد صبري أبو ربيع وشيئ من البوح

eljya aysh- أُمَّتُنَا تُعَانِي من انْشِقَاقٍ اجتِمَاعيٍّ خطيرٍ يَمُسُّ وُجُودَهَا وخَيْرَاتِهَا

- ماذا يفعل القلم تجاه الصواريخ وأسلحة الأطلسي؟

 

تقف الإنتلجنسيا اليوم منطوية على نفسها، منعزلة عما يدور ويجري في الساحة السياسية، وذلك من جراء ما يشوب العلاقة بين السلطة والمثقف من فقدان الثقة والعداء في كثير من الأحيان، ففي ظل تيار العولمة الجارف، فأزمة المثقف تكمن في القطيعة السياسية والثقافية مع السلطة، من خلال ممارستها ثقافة الإقصاء تجاه الإنتلجنسيا، ومنع المثقف من الوصول إلى مراكز القرار، لأنها ترى أن السياسي وحده يملك القوة في حيازته لأجهزة السلطة، فكان الإنغلاق على الذات من طرف المثقفين، فهم موجودين في بلادهم وغير موجودين، هذا ما أراد الكاتب والروائي قوله من خلال الحوار الذي أجريناه معه، رسم فيه لوحة للواقع العربي الذي أثر في مسار الحياة السياسية والثقافية للبلدان التي وقعت أسيرة الصراع الطائفي

 

س) يريد القارئ العربي أن يعرف من هو عبد صبري أبو ربيع؟

- أنا عبد ابن صبري ابن طخاخ المعمار (الاسم الصريح) أما اللقب الأدبي عبد صبري أبو ربيع، كنت صبياً أحب فريد الأطرش وأنا في الصف السادس الابتدائي كتبت قصيدة أعتقد أن فريد سيغنيها وأطلع عليها جارنا الذي يعزف على العود قرأ القصيدة وقال لي: لو كان البيت الأول مثل البقية لقلت عنك عبقرياً، والبيت هو: "من أول ما شفتك .. قلبي مطمئن عليك " وللأسف الشديد لم يوجهني هذا الأستاذ إلى قراءة الشعر أو التراث العربي والإسلامي، وكنت في الأول المتوسط وكان لنا أستاذ تونسي (الله يرحمه) يدرسنا اللغة العربية كتبت إنشاءً من أربع صفحات قال لي: هل أمك معلمة؟ هل أباك معلم؟ قلت له: إنهما أميان فتعجب كثيراً وقال لي: يا ولدي ستكون كاتباً في المستقبل أذكرني .. ولقد ذكرته في رواية لي (أشباح الليل) وكان والدي عسكرياً مشتبهاً بمساعدته الى العناصر الوطنية فكانوا ينقلونه من مدينة الى مدينة ونحن معه ولم أجد من يرعاني أو يعلمني إلا أنني اطلعت على الأدب العالمي في مكتبة كركوك إحدى محافظات العراق . لي مؤلفات كثيرة في المسرح والرواية والشعر والقصة والقصة القصيرة جداً وأنا أول من كتبها في بلدي . اشتركت في عدة مهرجانات حصلت بعض الجوائز، وقد تعرضت في الزمن السابق الى اضطهاد لأنني دافعت عن عائلة زوجتي وقد خسرت الكثير ولازلت اكتب وأول قصيدة لي مطلعها (أمنيتي هي كالليل حين يسري ... وكحثيث النمل في الوهاد) وأول رواية كتبتها عن (هابيل وقابيل) وهي مفقودة لضغوطات اجتماعية في صباي، وأول ما كتبت عن الفيلسوف "نيتشه " رداً على فلسفته وهي مفقودة .

 

س) من يقف على كتابات يقرأ فيها البحث عن الذات، فهل هذا راجع إلى ظروف الحرب؟ وما سر انتقالك من الشعر إلى المسرح، هل هذا يدخل في باب التنوع؟

- هكذا كنت اكتب الشعر والرواية والقصة والقصة القصيرة جداً وأنا أول من كتبها ليس هذا تنوعاً وإنما شيء في أعماقي يدفعني لأكتب الكثير فإذا جثى الليل أمسكت بالقلم وارى المفردات تتفجر حتى تبدو مرة قصيدة شعر أو كرواية أو قصة ذلك شيء لا اعرفه مع انني عانيت من السفر الكثير من مدينة الى أخرى بسبب والدي العسكري الذي كان يساعد الوطنيين آنذاك فلم اعرف الأوزان أو أشياء أخرى مع أنني قرأت الأدب العالمي في مكتبة كركوك أيام الصبا (الشيخ والبحر) لارنست همنغواي، ولم يرشدني أي إنسان لأقرأ من تراثنا العربي الإسلامي وكنت أنا وبقيت أنا كما أنا في خضم الأحداث الداخلية جعلتني أكتب الكثير وبصورة مخفية لأنه الخوف الذي يحيط بنا .

 

س) تستعمل في كتاباتك الأسلوب الرمزي مثلما نقرأه في مسرحية المستكلبون، هل ترى أن كتاباتك تصل إلى القارئ؟

- نعم أن هذا الأسلوب يدركه القارئ فقد أدركه بعض المصريين وقاموا بتمثيل مسرحية (مستكلبون) في ايطاليا وبدون علمي وهذه المسرحية بألغازها تعطيك دلالة مما يحيط بك من ابتزاز للذات والجيب .

 

س) قصيدتك " نداء الى الأمم المتحدة " كانت رسالة تحدثت فيها عن الحروب المذهبية وحقوق الشعوب، ترى ماذا كان موقف الأمم؟

- ان قصيدة (نداء الى الأمم المتحدة) أنادي بها أهل العقل والإنصاف وأهل الضمير أن يتدخلوا لتخليص بعض الشعوب العربية من مأساتها فهيئة الأمم المتحدة وجدت لكي تحمي بعض الدول والشعوب التي تقع تحت العنف والدكتاتورية والتي حدثت بأسباب طائفية وأخرى بفعل دفع الدول الكبرى صاحبة الكلمة لتحقق مآربها في السيطرة على الشعوب وتجد لها مناطق نفوذ واقتصاد .

 

س) كتبتم عن المرأة كعملية في بناء الإنسان، ماهي الإرهاصات العميقة التي تتفاعل في صفوف المرأة العربية وخصوصا المرأة العراقية؟

- قلبي على المرأة في عالمنا العربي والإسلامي وهي تعاني الأمرين وقد كتبت للمرأة في عيدها وفي تكوينها ووجودها وهي في حلقة مفرغة تعاني من السلطة وسلطة الرجل لأننا نعيش بقايا العصر الجاهلي وكذلك عصور ما قبل العصر الجاهلي كالعصر الأموي والعباسي خاصة الذي استغل المرأة بشكل فضيع من أن الإسلام أعطى للمرأة حقوقها ولم تتحقق بسبب جشع الإنسان في اللذة والسيطرة .

 

س) كمثقف كيف تتم رعاية الشأن الثقافي في بلد يشهد توترات على كل الأصعدة؟

- إن الشأن الثقافي في بلداننا يعاني من حصار شديد لأسباب كثيرة منها اننا نخضع الى قيم إسلامية وقبلية وأننا تحت سلطة الأجنبي بشكل وبآخر مع أننا نحظى بحرية مقطوعة الذنب وإن أمتنا تعاني من انشقاق اجتماعي خطير يمس وجودها وخيراتها حتى صار المثقف على حافة الهاوية، رغم حرص المثقف على أن يكون له رأي وحضور في قضايا الشأن العام، إلا أنه في سياق استراتيجية الإستبعاد ليس هناك رعاية حقيقية له لتؤهله للاستمرار في طريقه الذي يختلف عن الآخرين، كما أن استحواذ السياسي على قضايا الشأن العام كان وراء تعميق الفجوة وتباعدها بين السلطة السياسية والمثقف كطليعة وصفوة المجتمع، أظن أن النهوض الحضاري والثقافي في بلد ما لا يمكن أن يستقيما إلا في ظل مجتمع مدني متطور وفي ظل سيادة الحرية الفكرية والإبداعية.

 

س) ما موقف النخبة المثقفة مما يحدث في المنطقة؟

- إنه الصمت المطبق إلا أن بعض الذين يواجهون مما يتعرض له الوطن العربي والإسلامي من مؤامرة الانشقاق والتقسيم ونهب الثروات التي حرمت منها الشعوب وباتوا بفقر مدقع، ثم لا ننسى أن المراحل الانتقالية في المجالات جميعها وعلى المستويات كلها، تشهد تحولات كبرى في المجالين السياسي والاقتصادي، كما في المجالين الاجتماعي والثقافي، وعلى المستويين الإقليمي والدولي، كما على المستوى المحلي، تحفل عادة بالأخطاء والعيوب، لأن هناك واقع جديد مرتجل، كثير من أحلام المثقفين لم تتحقق، وهنا بالذات يصل الانفصام السياسي إلى مداه، حيث التمزق بين الواقع والحلم، فتصبح السلطة على صواب والحقيقة الاجتماعية خطأ مطلق، فماذا يفعل القلم تجاه صواريخ وأسلحة الأطلسي.

 

س) كيف تواكب النخبة المثقفة في العراق الأحداث؟ وفي رأيكم من بيده حل أزمة المثقف العربي في الوقت الراهن، وكيف يمكن إخراجه من العزلة أو التبعية في نفس الوقت؟

- إذا تمكنا من التحرير وخلاصنا من الدول الكبرى التي هي صاحبة الأمر العسكري وخلاصنا من العملاء والخونة حينذاك سنكون أحراراً في ترابنا وخيراتنا التي جعلت الأجنبي يطمع فينا وقد وجد له حواضن تساعده على السيطرة وإخضاع الإنسان العربي والإسلامي، فإن الأقلام الحرة نعم لها التأثير على المجتمع والفرد وخاصة العراقي، ولكن هل هناك من يقرأ ويسمع؟ اكتبوا ما شئتكم، ولنا وقرٌ في الأذن، وعين لا تبصر، مع أن الشعب العراقي كان من القراء الجيدين، لقد اختلف الأمر بين المظاهر اللاإرادية جعلت المثقف العراقي يدور في فلكه الخاص فقط، عموما إذا أراد المثقف أن ينخرط في العمل السياسي، عليه أن يختار موقع المعارضة السياسية وليس الممانعة الثقافية، وأن يتساءل دوما عن مدى فعالية ما يقوم به، وأن يستوعب مجمل التحولات الوطنية والدولية، ويسخرها لتحقيق أقصى قدر من التنمية الشاملة لبلده، لأن التعددية في الرؤى والتصورات والإستراتيجيات، باتت حقيقة واقعة في الساحة السياسية العربية والإسلامية.

 

س) بعض النخب السياسية تنتقد النظام السابق لصدام حسين وتنعته بالتطرف، كيف تفسرون ذلك؟

- لقد انحاز النظام السابق الى جهة دون أخرى وهذا خطأ كبير لان هادى الى انقسام المجتمع ولازال المجتمع منقسماً بفعل الماضي فلو كان النظام عادلاً في جمعه للشعب عموماً لما تمكنت أميركا من عبور الحدود، ولكن الكراهية والظلم دفع الشعب ان يفتح ذراعيه الى المحتل ليتخلص من الظلم كما كان يتصور .

 

س) يعرف العراق بأنه بلد متعدد الهويات، هل الطائفية العابرة للحدود وراء الانقسامات الداخلية في العراق؟ وكيف تقيمون واقع العراق في ظل هذه الأحداث؟

- نعم من أسباب الانقسام الاجتماعي الطائفية وحب السلطان فأهلنا ابناء الجماعة كانوا هم المتنفذون والمسيطرون سابقاً على كل الأمور العسكرية والاقتصادية والاجتماعية ولما تغير الحال باعتبار أن الشيعة هم المسيطرون الآن وهذا الأمر ليس صحيحًا، مع أنه أشعل فتيل النار بين الشعب وتخلص العراق الان من لغة الانقسام والرعب بفعل إدراك الخيرين منه جسامة الموقف الذي هم فيه، وليحفظ الله الشعب العراقي وشعوب الأمة العربية والإسلامية من هذا الوباء، لو أدركوا الرسالة النبوية السمحاء وبيت النبوة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) .

 

س) يقال أنه ليس في تاريخ الأوطان بأن يبقى الضمير العربي مفتتا بالشكل الذي تفتت فيه العرب، في رأيكم ما هو أول نقاش جدي يمكن البدء به لتحقيق الوفاق؟

- إن أهم خطوات التغيير يجب أن تبدأ من الجوامع والمدارس والمناهج وتتخلص من كل الرؤى الذاتية والتفسيرية وتتبع رؤى منهج الرسول الأعظم وآل بيته وصحبه المقربين لنتخلص من الخطب والمناهج الخالية من الأحقاد والكراهية فالمجتمعات اذا اختلفت في المنهج تداعت وتفككت وضعفت مع أننا على قبلة واحدة وصوت الله واحد .

 

س) كيف تقيمون العلاقات العراقية العربية؟ وكيف ترون مستقبل العراق بعد عصر النفط؟

- العلاقات العربية تتخذ أشكالاً مختلفة وهي تخضع في كثير من الأحيان الى منهج إسلامي مختلف وتأثير السيطرة الخفية للاستعمار ومناهج التفرقة ليبقى المستعمر حراً في نهب الخيرات وتدمير العقل العربية الإسلامي،آهٍ لو تعود أيامنا الماضيات أيام الدول العربية والإسلامية الموحدة والعزيزة الجانب، كان الإنسان يعبر الحدود بكل حرية من بلد الى بلد وليس هناك من يحد من وجوده .

 

س) تردد كثيرا مصطلح حوار الثقافات وحوار الأديان ثم حوار الحضارات، ماهو دور الإعلام العربي في هذا الصراع الدائر؟

- أنا لا أؤمن بحوار الحضارات والأديان لأن كل مجموعة حريصة على ما عندها من منهج ورؤيا فالقبيلة والقيم الدينية المتوارثة تفرض شأنًا آخر في التعامل الحياتي والدولي وتقيد الإنسان ضمن إطار تكوينه ووجوده.

 

س) ماذا تقول في حقوق الإنسان؟

- مهما تنفتح أبواب الحضارات والتطور في عالمنا العربي والإسلامي تبقى الدول الغربية والأوربية هي صاحبة القرار والسيطرة والنفوذ وهل تتمكن دولنا من التحرر؟ لتكون حرة على ترابها وشعوبها مع انها قوية بموقعها وخيراتها ذلك رجعٌ بعيد، ان السلطات الحاكمة تتلاعب في الانسان حتى جعلته في بعض الدول اداة سلب ونهب وتخريب وبقي الانسان تحت هذه السلطات يتمنى العيش الكريم والسكن المحترم وهذه التمنيات والحقوق هي كالسراب حلمٌ لا يتحقق ما دام البعض يشتهي ان يأكل لحم أخيه نيئاً .

 

س) كلمتك الأخيرة

- كم أتمنى لو اننا نعيش بقلب واحد وفكر واحد ومنهج واحد وقيم واحدة وان نكون احراراً في بلداننا سعداء في خيراتنا التي وهبها الله لنا لنتخلص من كل القيود الأجنبية وان يتحقق الوجود العربي بقوة وان نعيش بسلام بعيدين عن الكراهية والأحقاد فماذا يستفيد الانسان من حربه لأخيه الانسان؟ والكل سوف يلاقي ربه في حفر زرقاء .(وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) .

حاورته علجية عيش

من أجمل كما كتب في الشعر

أنا أبن العراق الأبي..

لا تقـــل أنا سني أنا شيعي

قل أنــــا أبـن العـراق الأبي

لا تقل أنا صابئي أو يزيدي

أو مسيــــحي أو آشــــوري

قل أنــا أبــــن العراق الأبي

لا تقل أنا كردي أو تركماني

أو شبكي أو أنا عربي

قل أنا أبن العراق الأبي

عراق الحضارات والشرق والمغرب

لا تقـــل أنا قومــــي أنا ديمـوقراطي

أنا شيوعي أنا دعوتي أو أنا بـــدري

أو أنا أبن النبي

قـــل أنا أبن العراق الأبي

أبــــــن الشهيد والمغدور

والمهجر بعيــون الأجنبي

لا تقل أنا لأي دولة أنتمي

فأنا أبــن العراق الأبي

أحيا من ماءه وهواءه

وطعامه الطيب

قل هنا جذوري وأحلامي

ومســـجـدي وكنيسـتي ومحـــرابي

دمائي منها ومن بساتيني وأنهاري

وقبوري فيها على أتربي

قل أنا أبن العراق

تجري محبته في الشريان والقلب

لا أحيد يوماً عن العراق

ولا عن حبيبتي حتى إذا

أقبلت الشياطين من كل صوب

أن لسـت للغريب

أنا لست كالاسير

لا ولا كالعبيد

لقرار الغريب

أنا شاهقٌ كالجبال

كأعواد الهــور والقصب

أنا بهجة الفجر والمغيب

أنا أبن العراق الأبي

لا للذلة ولا ملاذاً لأبن الغرب

أنا أبن الشرقين

وأنــــا أبـن الغربيــــن والجنـــوب

بـــالله عليـــكم هـــــذا أوان الجمع

ووحدة الكلام ونخوة الحُر المهيب

استيقظوا يا هلي

يــــادواوين الضيف والكرم

ورجال الـــــــوغى والملعب

فالنــــوم لا يطيب إلا للجبان

والعميل والخؤون المتحزب

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4206 المصادف: 2018-03-12 01:40:04