 حوارات عامة

التعليم الأولي بالمغرب مشروع لم ينطلق بعد.. حوار أجرته هجر المغلي مع جميل حمداوي

564 هجر المغلي 1- ما الإشكالات التي يطرحها التعليم الأولي اليوم؟ 

- يعد التعليم الأولي مرحلة تمهيدية أساسية من أجل استكمال مراحل التعليم الابتدائي كافة. وتتعلق مرحلة التعليم الأولي بإعداد متعلم السنتين: الرابعة والخامسة بغية الالتحاق بمرحلة التعليم الابتدائي الفعلية التي تبتدئ من السنة السادسة. ومن ثم، تتميز هذه المرحلة الأولية بأنها مرحلة تمهيدية على مستوى القراءة والكتابة والرياضيات؛ حيث تساعد المتعلم، بواسطة اللعب الحركي، على اكتشاف شخصيته، وإخراجه من التقوقع الذاتي نحو فضاء الاندماج الاجتماعي. لذا، كان من الأفضل للمربي أو المربية أن يتمثل مجموعة من الآليات العملية على مستوى التخطيط، والتدبير، والتنظيم، والتقويم، والتتبع والمراقبة... والاستفادة من مستجدات علم النفس النمائي والسيكولوجي، واستيعاب مبادئ علم النفس الاجتماعي، والاطلاع على مختلف قضايا التربية والتعليم المتعلقة بهذه المرحلة الأولية.

وعلى الرغم من الجهود الجبارة التي تبذل من أجل تطوير التعليم الأولي العمومي، فإن ثمة مشاكل عويصة ما يزال هذا التعليم يعاني منها كما وكيفا. وقد خلص المشاركون في اليوم الدراسي حول (التعليم الأولي المغربي: التجارب، والمعوقات، والآفاق) المنظم بالرباط في الثالث من شهر يونيو 2014م، بشراكة بين وزارة التربية الوطنية من جهة أولى، والتكوين المهني( المديرية المكلفة بالتعليم الخصوصي والأولي) من جهة ثانية، ومنظمة اليونيسيف من جهة ثالثة، إلى أن أي إصلاح للمنظومة التربوية ينبغي أن يستحضر بنية التعليم الأولي على مستوى الهيكلة والتنظيم والتدبير التربوي والبيداغوجي.وفي هذا السياق، دعت الندوة إلى اعتبار التعليم الأولي دعامة ذات أولوية أساسية في الارتقاء بمبدإ المناصفة وحقوق الطفل.كما أشارت هذه الندوة إلى أن وضعية المغرب لاتختلف كثيرا عن باقي الدول التي لايزال فيها التعليم الأولي يعاني من مشاكل عدة؛ حيث لاتزال نسبة ولوج أطفال العالم القروي وذوي الدخل المحدود متدنية؛ مما ينعكس هذا سلبا على تدني مستوى تمدرس هؤلاء الأطفال.ومن هنا، يؤدي ذلك إلى ارتفاع نسبة الهدر المدرسي بالمغرب.

ومن جهة أخرى، يلاحظ أن هناك تراجعا في نسبة الإقبال على التعليم الأولي العمومي مقارنة بالقطاع الخاص. ناهيك عن الفوارق الشاسعة الموجودة بين المناطق القروية التي يكاد يكون فيها التعليم الأولي منعدما، والمناطق الحضرية التي تعرف نوعا من الإقبال النسبي على هذا النوع من التعليم، وكذلك التفاوت الجلي بين نسب الفتيان والذكور، على الرغم من بعض التقدم الطفيف الذي أنجز في هذا الصدد.

علاوة على ذلك، فلقد أبانت الندوة أيضا أن التعليم الأولي التقليدي يهيمن بمعدل 80.4% من حيث بنيات الاستقبال. في حين، لا يسجل العصري منه سوى 10%؛ ويرجع ذلك إلى ارتفاع تكلفة هذا الأخير. وقد ترتب عن ذلك أن تعمقت الهوة بشكل كبير في هذا المجال.

ويلاحظ كذلك استمرار حذف أقسام التعليم الأولي بالمدارس العمومية سنة بعد أخرى بالوسط القروي، دون أن يتم تعويضها، ذلك أنه من أصل 18.826 قسم محدث برسم سنة 2005/2006 م، لم يتبق سوى 14.012 برسم السنة الدراسية 2012/2013م.

لذا، لابد من إيلاء التعليم الأولي أهمية كبرى ، باختيار الكفاءات من الموارد البشرية العاملة به للقيام بمهمة تكوين الأطفال في هذه السن بالذات؛ إذ يكون فيها المتعلم مؤهلا لتشرب القيم الدينية والأخلاقية والوطنية والكونية، واكتساب مختلف المعارف والقدرات والمهارات التي من شأنها أن تحدد مستقبله الدراسي في المراحل التعليمية اللاحقة.

وينبغي أيضا على كل الإستراتيجيات التربوية الهادفة إلى الإصلاح الأخذ بعين الاعتبار مقاربة مندمجة للطفولة، ترتكز على حاجيات الطفل قبل الولادة وبعدها، بإحداث مراكز عمومية وخصوصية لتكوين الموارد البشرية المؤهلة، وإشراك الجماعات الترابية في التعليم الأولي، وكذا عقلنة تدخل المنظمات غير الحكومية الوطنية والدولية، والقيام بحملات التوعية في صفوف الأسر حول أهمية التعليم الأولي ، ولاسيما في المناطق القروية .

وبناء على ماسبق، يعرف التعليم الأولي مجموعة من المشاكل والعوائق التي تحول دون تطويره كما وكيفا. ويمكن حصرها فيما يلي:

1 - مازالت نسبة إقبال المتعلمين على التعليم الأولي ضعيفة جدا، وخاصة في القرى والبوادي. وفي هذا السياق، فإن نسبة تمدرس الأطفال المتراوحة أعمارهم بين أربع وخمس سنوات لم تتجاوز ستين في المائة برسم الموسم الدراسي2006 - 2007م، مسجلة بذلك تفاوتا بين الوسطين الحضري والقروي وبين الجنسين؛ حيث لم تتجاوز نسبة التسجيل45 في المائة بالوسط القروي، و30 في المائة بالنسبة للإناث. وتبقى المؤسسات التقليدية هي السائدة بنسبة 80 في المائة من مجموع المؤسسات الموجودة.

2 - هيمنة الكتاتيب القرآنية على 85 % من النسبة العامة من متعلمي فترة الطفولة المبكرة.

3 - ضعف إنجازات وزارة التربية الوطنية في مجال التعليم الأولي؛ حيث لايوجد سوى 1.140 فصل فقط لهذا التعليم في المدارس الابتدائية.

4 - غياب واضح للبنيات التحتية والتجهيزات الأساسية التي تتعلق بالتعليم الأولي ، سواء أكان ذلك في المدن أم في القرى والبوادي...

5 - الافتقار إلى البرنامج البيداغوجي الموحد، ونقص ملحوظ في تكوين المربين، وتأهيلهم تربويا وديدكتيكيا.

6 - فشل المخطط الاستعجالي (2009- 2012م) في إصلاح المنظومة التربوية المرتبطة بالتعليم الأولي تخطيطا، وتدبيرا، وتنظيما، وقيادة، وتتبعا.

7 - العجز المادي والمالي والبشري، ونقص في التجهيزات، وقلة المربين، وقلة أطر الإشراف التربوي.

8 - تفاقم ظاهرة البيروقراطية، وتأخر الإدارة في تنفيذ القرارات المتعلقة بالتعليم الأولي.

9 - اختلاف التعليم الأولي العمومي عن التعليم الأولي العصري على مستوى التجهيز، والتدريس، والتكوين، والجودة؛ بل حتى على مستوى تدريس اللغات. فالمدارس العمومية لاتدرس الفرنسية. في حين، يهتم القطاع الخاص بتدريس اللغات الأجنبية. ويعني هذا تباين على مستوى الجودة والمردودية التحصيلية الكمية والنوعية. 

2 - كيف يمكن تنزيل الإصلاح الذي تقترحه مؤسسات وطنية وحكومية بتوجيهات ملكية؟

 - يعد التعليم الأولي مسارا دراسيا مهما في المنظومة التربوية المغربية، حسب الميثاق الوطني للتربية والتكوين، منذ السنوات الأولى من الألفية الثالثة، باعتباره مرحلة أساسية للولوج إلى عالم الدراسة بالسلك الابتدائي. ومن ثم، فلقد أعطت وزارة التربية الوطنية أهمية كبرى لهذا النوع من التعليم، باعتباره مدخلا رئيسيا لتأهيل الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الرابعة والسادسة.

 ولم يقتصر التعليم الأولي على المؤسسات العامة فقط، بل اهتم به القطاع الخاص أيضا لمساعدة الدولة على الارتقاء بهذا التعليم كما وكيفا بغية تحقيق الجودة المطلوبة. بيد أن هذا التعليم مازال يتخبط في كثير من المشاكل الهيكلية، والتنظيمية، والقانونية ، والمادية، والمالية، والبشرية. وما زالت الطموحات أكثر من الواقع. بل إن التعليم الأولي العمومي - في الحقيقة - لم ينطلق بعد بشكل إيجابي مقارنة بالتعليم المدرسي الابتدائي الفعلي، أو مقارنة بالتعليم الأولي العصري والتعليم الأولي التقليدي. ويعني هذا أن ثمة مجموعة من العوائق والمشاكل التي يتخبط فيها كما وكيفا.

وإذا كانت الأسرة هي التي تتكلف برعاية الطفل في مرحلة المهد، أو في السنوات الأولى ، فإن مؤسسات التعليم الأولي هي التي تقوم برعاية الطفل في المرحلة الثانية، أو ما يسمى بالطفولة المبكرة ، مع تحمل مسؤولية تنشئته حركيا، ونفسيا ، واجتماعيا.

ولقد أدمجت وزارة التربية الوطنية التعليم الأولي ضمن التعليم الابتدائي، وأصبحت سنواته ثماني سنوات؛ إذ خصصت السنة الأولى والسنة الثانية للتعليم الأولي، ويسمى بالسلك الأساسي. وتشكل السنتان الثالثة والرابعة السلك الأول. في حين، تشكل السنوات الأربع الباقية السلك المتوسط من التعليم الابتدائي. ويعني هذا أن الوزارة قد اعتمدت على سياسة الدمج بين مجموعة من الأسلاك ضمن التنظيم الجديد للمنظومة التربوية الحالية، وفق المادة (60) من الميثاق الوطني للتربية والتكوين الصادر في بداية الألفية الثالثة.

لذا، جاءت المادة (65) من الميثاق الوطني لتقول:" السلك الأول من المدرسة الابتدائية يدوم سنتين. ويهدف بالأساس إلى تدعيم مكتسبات التعليم الأولي وتوسيعها، وذلك لجعل كل الأطفال المغاربة عند بلوغ سن الثامنة، يمتلكون قاعدة موحدة ومتناسقة من مكتسبات التعلم، تهيئهم جميعا لمتابعة الأطوار اللاحقة من التعليم.[1]"

وقد نظم الميثاق الوطني للتربية والتكوين التعليم الأولي في المادة (63) بقوله:" يلتحق بالتعليم الأولي الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات كاملة وست سنوات. وتهدف هذه الدراسة خلال عامين إلى تيسير التفتح البدني والعقلي والوجداني للطفل، وتحقيق استقلاليته وتنشئته الاجتماعية، وذلك من خلال:

- تنمية مهاراته الحسية الحركية والمكانية والزمانية والرمزية والتخييلية والتعبيرية؛

- تعلم القيم الدينية والخلقية والوطنية الأساسية؛

- التمرين على الأنشطة العملية والفنية (كالرسم والتلوين والتشكيل، ولعب الأدوار والإنشاد والموسيقى)؛

- الأنشطة التحضيرية للقراءة والكتابة باللغة العربية خاصة من خلال إتقان التعبير الشفوي، مع الاستئناس باللغة الأم لتيسير الشروع في القراءة والكتابة باللغة العربية."[2]

ويعني هذا أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين قد ركز على مجموعة من الكفايات الأساسية في التعليم الأولي التي تتمثل في : كفاية القراءة، وكفاية الكتابة، وكفاية التعبير الشفوي والكتابي، والكفاية اللغوية والتواصلية التي تتمثل في التمكن من اللغة الأم . وبطبيعة الحال، فالمقصود بها اللغة العربية، على الرغم من أن اللغة الأم بالنسبة للأمازيغيين هي اللغة الأمازيغية. بيد أن التعليم الأولي العصري يلقن المتعلمين اللغة الفرنسية، واللغة الإنجليزية، ولغات أخرى، ويسهم هذا في تلويث البيئة اللغوية لدى المتعلم، ويؤثر سلبا في اكتساب اللغة العربية الفصحى.

وأكثر من هذا، يشير الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى الطابع الحسي الحركي لهذه المرحلة، وضرورة التركيز على الأنشطة العملية والفنية ، وخاصة ما يتعلق بالتشكيل، والموسيقا، والمسرح؛ وتنمية قدرات المتعلم الذهنية والوجدانية والحسية الحركية، بالمساهمة في ترقية التلميذ من جميع النواحي، وتنميته عقليا ونفسيا واجتماعيا من أجل الإحساس بالحرية والاستقلالية، وبناء الشخصية عن طريق اللعب، والاتجاه نحو التعلم الذاتي والفني، واكتساب القيم الوطنية، والدينية، والخلقية.

ولقد سمحت وزارة التربية الوطنية للسلطات العمومية والجماعات المحلية والجمعيات المدنية ذات الصفة القانونية بإحداث هذه المؤسسات. ومن ثم، لا يعطى الترخيص لهذه المؤسسات التعليمية الأولية- بناء، وتعديلا، وتغييرا، وإغلاقا- إلا من قبل الأكاديميات الجهوية التابعة لقطاع التربية والتعليم وفق الشروط التنظيمية والقانونية الملائمة في مدة أقصاها شهر، ولن يكون هناك رفض لأية مؤسسة ما إلا بقرار معلل .

و" تضع الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين مجانا ، ورهن إشارة مؤسسات التعليم الأولي، في حدود الإمكانات المتوافرة، محلات ملائمة لحاجات هذا النوع من التعليم، وذلك في المناطق القروية والمراكز الحضرية الأكثر احتياجا، وبصفة عامة في المناطق السكنية الأكثر احتياجا، والتي يتم تحديدها من لدن الأكاديمية.

كما يمكنها أن تضع رهن إشارة هذه المؤسسات، ولمدة معينة، وقابلة للتجديد، أطرا تربوية تتكفل بتأدية أجورهم.

وتستفيد كذلك مؤسسات التعليم الأولي ذات الاستحقاق من منح للدولة حسب أعداد الأطفال المتمدرسين بها، وعلى أساس احترام معايير وتحملات محددة.

ويتم تمتيع مؤسسات التعليم الأولي من الامتيازات المنصوص عليها في هذه المادة في إطار تعاقدي يحدد حقوق والتزامات الطرفين معا، وعلى الخصوص الحد الأعلى لواجبات التمدرس التي يجب أن تتلاءم مع الوضعية الاجتماعية للأطفال.[3]"

ولن ترخص الوزارة لمن هو عام أو خاص بفتح مؤسسة التعليم الأولي إلا بتنفيذ مجموعة من الشروط التنظيمية والقانونية والتربوية، كالاهتمام بالوقاية الصحية، والتأمين على التلاميذ، وتنفيذ العقود المبرمة التي تجمع المشغل (بكسر الغين) بالمشغل (فتح الغين) ، والالتزام بالكتب المدرسية التي تعينها الأكاديمية الجهوية، والاحتفاظ بتسمية (التعليم الأولي).

ومن جهة أخرى، " تخضع مؤسسات التعليم الأولي لمراقبة تربوية وإدارية تمارسها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين.

وتشمل المراقبة التربوية السهر على تقيد مؤسسات التعليم الأولي بالأحكام المشار إليها في المادة السابعة أعلاه، خاصة فيما يتعلق بمراقبة استعمال الكتب والوسائل التربوية.

وتشمل المراقبة الإدارية فحص الوثائق الإدارية المتعلقة بالمؤسسة ومستخدميها التربويين والإداريين وبالأطفال، وكذا تفتيش المرافق الصحية للمؤسسة، ومراقبة حسن سير المطاعم والأقسام الداخلية في حالة وجودها.[4]"

ويستفيد مدرسو التعليم الأولي وإداريوه من دورات التدريب والتكوين والتأهيل والتأطير. و من يخالف دفتر التحملات، فسوف يتعرض لعقوبات قضائية، أو غرامات مالية، أو سحب الرخصة القانونية. وقد لا تطبق بعض القوانين التي نص عليها القانون رقم 05.00 على الكتاتيب القرآنية، باستثناء مادتي 5و15.

وتبلغ مؤسسات التعليم الأولي- حسب الموسم الدراسي 2012- 2013م- ما يناهز 23.485 مؤسسة، بما فيها 9.992 مؤسسة حضرية، و13.493 مؤسسة في العالم القروي.ويلاحظ أن هناك تراجعا على مستوى البناء والإعداد والتجهيز مقارنة بالسنوات السابقة. ويدرس بها حوالي 685.307 متعلم، بما فيها 476. 286 في المجال الحضري، و209 .021 في العالم القروي. ويشكل التعليم الأولي التقليدي نسبة كبيرة بــ81.9% مقارنة بالتعليم الأولي العصري الذي يمثل 9.8%، والتعليم الأولي العمومي الذي يشكل نسبة 8.3 %.

وتبلغ نسبة الحجرات الدراسية في التعليم الأولي العمومي نسبة أقل (2.319) مقارنة بالتعليم الأولي العصري(9.324)، والتعليم الأولي التقليدي (24.922). وبطبيعة الحال، تتعلق هذه الأرقام بالمستوى الحضري.أما في البوادي، فنسبة التعليم العمومي هي 1.470. أما التعليم التقليدي، فنسبته هي 12.303، ونسبة التعليم العصري هي 239.

ويعني هذا أن التعليم الأول بالعمومي مازال دون التطلعات مقارنة بالتعليمين الأولين: العصري والتقليدي. وينطبق هذا الحكم على مستوى المربين، فهناك فقط 2.131 مرب في التعليم الأولي العمومي، منه 2.063إناث. أما في التعليم الأولي التقليدي، فهناك 25.382 مرب. وفي التعليم العصري، يوجد 10.590 في الوسط الحضري.أما في الوسط القروي، فالتعليم العمومي يمثل 1.332. أما التعليم التقليدي، فيمثل نسبة 12.243. أما التعليم العصري، فيمثل نسبة 210.

ويعني هذا كله أن التعليم التقليدي مازال مهيمنا بنسبة 66.6 في المائة، وبعده التعليم العصري بنسبة 27.8 في المائة، ثم التعليم العمومي بنسبة 5.6 في المائة.

علاوة على ذلك، فلقد سطر المخطط الاستعجالي مجموعة من الحلول الإجرائية المستعجلة للحد من المشاكل والعوائق التي يعاني منها التعليم الأولي، كان الهدف منها هو تطوير مفهوم جديد للتعليم الأولي، و تأهيل العرض التربوي القائم وتوسيعه لتحقيق إلزامية التعليم إلى غاية خمس عشرة (15) سنة. ومن هنا، تقول جريدة (الصباح) ملخصة الخطوط العريضة للمخطط الاستعجالي في ما يتعلق بالتعليم الأولي:" شكل البرنامج الأول ضمن مخططات البرنامج الاستعجالي فرصة لبلورة نموذج لتعليم أولي عصري وملائم للخصوصيات المغربية، حيث يهدف البرنامج استقطاب حوالي مليون تلميذ في التعليم الأولي في أفق 2012م، منها 100 ألف طفل على عاتق الوزارة. وأعلنت وزارة التربية الوطنية التزامها بإحداث 3.608 حجرة دراسية للتعليم الأولي في المدارس العمومية. وفي الأوساط القروية والحضرية الهامشية، مع ضمان التكوين الأساسي لأكثر من 3.600 مربية ومرب، وكذا تنظيم 390 ألف يوم تكوين مستمر لتأهيل المربين العاملين بسلك التعليم الأساسي على الصعيد الوطني. ووعدت الوزارة بتعزيز جهاز التفتيش لصالح التعليم الأولي عبر تعبئة 250 مفتش تربوي."[5]

بيد أن هذه الآمال والطموحات بعيدة عن التحقيق الفعلي ؛ إذ لم يستكمل المخطط الاستعجالي مقرراته بعد، ولم ُيفعل كل تدابيره الإجرائية.

ومن جهة أخرى، فلقد قدم المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي رؤية إستراتيجية للإصلاح التربوي ما بين2015و2030م. والهدف منه هو تأسيس مدرسة الإنصاف والجودة والارتقاء. وإن كان هذا التقرير، في الحقيقة، تطويرا وامتدادا وتمطيطا للميثاق الوطني للتربية والتكوين ؛ ذلك الميثاق الذي كان يدعو إلى تأسيس مدرسة النجاح الوطنية، بانتهاج بيداغوجيا الكفايات والإدماج.

ويستند هذا التقرير إلى تحقيق أربعة أهداف إستراتيجية كبرى هي:      

الهدف الأول: خلق مدرسة الإنصاف وتكافؤ الفرص

يعني هذا الهدف أن تكون المدرسة المغربية مدرسة مساواة وعدالة وإنصاف بالمفهوم الحقوقي، بسن سياسة الإلزام، والسهر على تعميم التمدرس وإجباره على الأطفال المغاربة حتى السن السادس عشرة. ثم، الاهتمام أيضا بالتعليم في المناطق القروية وشبه الحضرية والمناطق ذات الخصاص، والاعتناء بذوي الحاجيات الخاصة ، ولاسيما المعوقين منهم الذين لهم الحق الكامل في التعلم والتكوين ، والاستفادة كذلك من بعض امتيازات الدولة الخاصة في مجال التربية والتعليم.

 وتسهر الدولة كذلك على دعم المؤسسات التعليمية وتجهزيها وتوفير الأطر اللازمة للقيام بمهمتها في الظروف الحسنة، وتجهيز تلك المؤسسات بالمستلزمات المادية والمالية والبشرية والتقنية الكافية.والهدف من ذلك كله هو خلق مدرسة ذات جدوى وجاذبية وجودة.وتقوم المدرسة الخصوصية بدور مهم في تحقيق ذلك الإنصاف الوطني، مع المساهمة، إلى جانب مؤسسات الدولة، في التكوين والتأطير والتعليم وفق قانون العدالة والمساواة والإنصاف.

الهدف الثاني: العمل من أجل بلوغ مدرسة الجودة للجميع

يتحقق هذا الهدف الأسمى بتحقيق الجودة الكمية والكيفية، وتجديد المحتويات الدراسية آنيا وظرفيا، بتحديث طرائقها البيداغوجية والديدكتيكية، وعصرنة وسائلها التعليمية، وتجديد مهن التدريس والتدبير والتكوين، وخلق هيكلة جديدة لمؤسسات التكوين والتعليم والتدبير والتأطير، وخلق الجسور الممكنة بين مختلف الأسلاك التعليمية، والبحث عن نموذج بيداغوجي قوامه الانفتاح، والتنوع، والابتكار، والنجاعة، والإبداع. فضلا عن ضرورة التمكن من اللغات العالمية، وتجويد تدريسها، والنهوض بالبحث العلمي والتقني والابتكار، وتطبيق الحكامة الجيدة في مجال التربية والتعليم.

الهدف الثالث: بناء مدرسة الارتقاء بالفرد والمجتمع

يتحقق هذا الهدف بتكييف التعليم مع سوق الشغل، وملاءمة التعلمات والتكوينات مع حاجيات البلاد، ومهن المستقبل، وتحقيق الاندماج المهني. فضلا عن ترسيخ ثقافة المواطنة والديمقراطية والمساواة، والسعي الجاد نحو بناء مجتمع ديمقراطي يتفاعل فيه الجميع بحرية، ويتفانى لخدمة الوطن. علاوة على تقوية الاندماج السوسيوثقافي، وتأمين التعلم مدى الحياة، والاهتمام بالتكوين المستمر والمتواصل، والانخراط في الاقتصاد الوطني والدولي ومجتمع المعرفة والمعلومات، والسعي الجاد من أجل أن يكون المغرب من الدول النامية والصاعدة .

الهدف الرابع: تحقيق الريادة الناجعة عبر التدبير الجديد للتغيير

يتجسد هذا الهدف بتعبئة مجتمعية مستدامة على جميع المستويات والأصعدة، مع تدبير المدرسة والمؤسسات التعليمية وفق طرائق جديدة لسياسة التدبير، والتنفيذ، والقيادة، والإشراف، والتتبع، والمواكبة، وتوزيع العمل، وتقويم المنتج التربوي والإداري بغية تحقيق الريادة الناجعة في مجال التربية والتعليم وطنيا ودوليا.

وبناء على ما سبق، يتضح لنا أن الرؤية الإستراتيجية للمجلس الأعلى للتعليم (2015- 2030م) قد أعطت أهمية كبرى للتعليم الأولي في البوادي والحواضر من أجل تطويره والعناية به وفق مدرسة الجودة والمساواة والإنصاف.

علاوة على ذلك، يعد خطاب جلالة الملك في شهر يوليوز 2018 بداية الإعلان عن ضرورة الاهتمام بالتعليم الأولي على جميع الأصعدة والمستويات.ويتمثل مضمون تلك الخطة الإصلاحية في"إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس، ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداء من الدخول الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج "تيسير" للدعم المالي للتمدرس، والتعليم الأولي، والنقل المدرسي، والمطاعم المدرسية والداخليات. وكل ذلك من أجل التخفيف، من التكاليف التي تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين".

ومن جهة أخرى، فلقد وجه محمد السادس رسالة سامية إلى المشاركين في (اليوم الوطني حول التعليم الأولي) الذي نظم يوم الأربعاء 18 يوليوز 2018م، تحت الرعاية الملكية السامية بالصخيرات.ولقد شددت هذه الرسالة على ضرورة إيلاء التعليم الأولي أهمية كبرى؛ لما له من إيجابيات في تحقيق التنمية المجتمعية الشاملة، وبناء المستقبل الوطني الزاهر. وفي هذا، يقول:"لا تخفى عليكم أهمية التعليم الأولي في إصلاح المنظومة التربوية، باعتباره القاعدة الصلبة التي ينبغي أن ينطلق منها أي إصلاح، بالنظر لما يخوله للأطفال من اكتساب مهارات وملكات نفسية ومعرفية، تمكنهم من الولوج السلس للدراسة، والنجاح في مسارهم التعليمي، وبالتالي التقليص من التكرار والهدر المدرسي.

كما أن هذا التعليم لا يكرس فقط حق الطفل في الحصول على تعليم جيد من منطلق تفعيل مبدأ تكافؤ الفرص، وإنما يؤكد مبدأ الاستثمار الأمثل للموارد البشرية، باعتباره ضرورة ملحة للرفع من أداء المدرسة المغربية.

وفي هذا الصدد، نثمن الرأي الصادر عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، الذي يعتبر "التعليم الأولي أساس بناء المدرسة المغربية الجديدة، باعتباره مرجعا أساسيا لتعميم تعليم أولي ذي جودة".

ولرفع تحدي إصلاح المنظومة التربوية، فإن التعليم الأولي يجب أن يتميز بطابع الإلزامية بقوة القانون بالنسبة للدولة والأسرة، وبدمجه التدريجي ضمن سلك التعليم الإلزامي، في إطار هندسة تربوية متكاملة.

كما يتعين إخراج النصوص القانونية والتنظيمية المتعلقة بتأطير هذا التعليم، وفق رؤية حديثة، وفي انسجام تام مع الإصلاح الشامل الذي نسعى إليه، واعتماد نموذج بيداغوجي متجدد وخلاق، يأخذ بعين الاعتبار المكاسب الرائدة في مجال علوم التربية، والتجارب الناجحة في هذا المجال.

وفي نفس السياق، نلح على ضرورة بلورة إطار مرجعي وطني للتعليم الأولي، يشمل كل مكوناته، لاسيما منها المناهج ومعايير الجودة وتكوين المربين؛ بالإضافة إلى تقوية وتطوير نماذج التعليم الحالية، لتحسين جودة العرض التربوي بمختلف وحدات التعليم الأولي، في كل جهات المملكة.

إن إصلاح قطاع التربية والتكوين، وفي مقدمته التعليم الأولي، يكتسي أهمية كبيرة بالنسبة للأجيال القادمة. لأن أطفال اليوم، هم رجال الغد.

ولا يفوتنا هنا أن نشيد بالجهود المبذولة من طرف مختلف الشركاء في العملية التربوية، ولاسيما منظمات المجتمع المدني، داعين إلى اعتماد شراكات بناءة بين مختلف الفاعلين المعنيين بقطاع التربية والتكوين، ولاسيما في ما يتعلق بالتعليم الأولي.

كما نؤكد على الدور الجوهري للجماعات الترابيـة، بمختلف مستوياتها، في المساهمة في رفع هذا التحدي، اعتبارا لما أصبحت تتوفر عليه هذه الجماعات من صلاحيات، بفضل الجهوية المتقدمة، وذلك من خلال إعطاء الأولوية لتوفير المؤسسات التعليمية وتجهيزها وصيانتهـا، خاصة في المناطق القروية والنائية، لتقريب المدرسة من الأطفال في كل مناطق البلاد."

وعليه، إذا كان التعليم الأولى، منذ استقلال المغرب إلى سنوات الألفية الثالثة، اختيارا تربويا ثانويا، تتكلف به المؤسسات الخاصة العتيقة والعصرية، فلقد أصبح، الآن، رهانا إستراتيجيا تتكلف به الدولة قانونيا ومؤسساتيا إلى جانب القطاع الخاص.لذا، أدمج هذا التعليم ضمن مراحل التعليم الابتدائي بشكل رسمي، وأصبح التعليم الابتدائي ثماني سنوات، وثلاثة أسلاك.

3 - ما السبيل إلى إنجاح هذا الورش ، وجعل التعليم الأولي بالفعل قاطرة التعليم، تعيد الجودة إلى منظومة التعليم ككل؟ 

- يمكن اقتراح مجموعة من الحلول والتوصيات من أجل النهوض بورش التعليم الأولي، وجعله قاطرة التنمية المجتمعية الشاملة ، ونجمل تلك الحلول الإصلاحية فيما يلي:

- نشر التعليم الأولي، وتعميمه في الحواضر والبوادي والقرى؛

- تحسين جودة خدماته في أقرب الآجال؛

- رسم إستراتيجية واضحة المعالم في هذا المجال تخطيطا، وتنظيما، وتدبيرا، وتتبعا؛

- المشاركة الجماعية لتجاوز الوضعية الراهنة للتعليم الأولي؛

- تمثل المقاربة التشاركية في حل مشاكل التعليم الأولي؛

- بناء مؤسسات خاصة بالتعليم الأولي؛

- توفير الإمكانيات المادية والمالية والبشرية لتدبير هذا التعليم كما وكيفا؛

- تجويد التعلمات البيداغوجية والديدكتيكية؛

- تطبيق نتائج علوم التربية وعلم النفس وعلم الاجتماع فيما يتعلق بخصوصيات الطفولة المبكرة؛

- مساعدة المتعلم على بناء شخصيته المستقلة، وتشجيعه على التعلم الذاتي والاكتشاف؛

- تطبيق البيداغوجيات المعاصرة (بيداغوجيا الأهداف، والكفايات، وبيداغوجيا الذكاءات المتعددة، والبيداغوجيا الإبداعية، وبيداغوجيا الملكات، و مدرسة المستقبل...)؛

- تطبيق آليات التنشيط التربوي والدراما التعليمية من أجل خلق متعلم سليم ومبدع ومبتكر؛

- إيلاء أهمية قصوى للإعلاميات والصورة البصرية والأيقونية لكي يعبر الطفل عن ذاته الطفولية البريئة، وينفتح على جميع العوالم الممكنة؛

- خلق شراكات داخلية وخارجية من أجل تطوير التعليم الأولي، والارتقاء بخدماته التربوية والديدكتيكية؛

- الاهتمام بالتعليم الأولي العتيق بتشخيص واقعه الراهن، وتطوير آفاقه البيداغوجية والديدكتيكية.

 

حاورته: هجر المغلي

..........................

[1] - وزارة التربية الوطنية: الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الرباط، المغرب، الطبعة الأولى سنة 1999م، ص:32.

[2] - وزارة التربية الوطنية: الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ص:32.

[3] - مجلس النواب: نفسه، المادة 5.

[4] - مجلس النواب: نفسه، المادة 16.

[5] - انظر: جريدة الصباح، الملحق التربوي، المغرب، عدد:2851، الأربعاء 10- 06- 2009م.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4489 المصادف: 2018-12-20 01:06:30