 حوارات عامة

حوار مع الرّوائي التّونسي حسن سالمي

761 حسن السالميحوار مع الرّوائي التّونسي حسن سالمي

الرّوائي والقاص والنّاقد التّونسي حسن سالمى أهلا ومرحبا بك.

- أهلا وسهلا. لا تسعني الكلمات للتّعبير عن مدى سعادتي وأنا أصافح رجلا نبيلا واسع الثّقافة مثلكم، دكتور نادر عبد الخالق.

من هو حسن سالمى؟

- حسن سالمي، أديب من بلاد الجريد، من توزر تحديدا، وهي مدينة تقع في الجنوب الغربي من البلاد التونسية، ولدت سنة 1971، وأشتغل موظّفا بوزارة الماليّة، أهتمّ بكتابة السّرد إبداعا ونقدا. وقد صدر لي "التّيه" (مجموعة قصصيّة). "البدايات" (رواية). " زغدة" (مجموعة قصصيّة). "الإشارات" (دراسات نقديّة). "الدّماء لا تنبت القمح" (قصص قصيرة جدّا). "مأدبة للغبار "(قصص قصيرة جدّا). ولي في انتظار الطبع: "المحاق" (رواية في ثلاثة أجزاء، حوالي1000صفحة). "الطّيف" (رواية). "أرض الزّعفران" (رواية للنّاشئين).

كتبت في فنون الأدب (الرّواية والقصّة والقصّة القصيرة جدّا والمقالة والنّقد) مالذي يروق لك منها؟ وهل يمكن للأديب أن يقدّم نفسه من خلال عدّة فنون وألوان مختلفة من الكتابة؟

- أعتبر السّرد بيتا واحدا وإن تعدّدت غرفه. جميعها تنفتح إلى بهوه الواسع، مثلما تنفتح على العالم الخارجي متمثّلا في تجاربه الفكريّة والإبداعيّة والفنيّة وما إلى ذلك. وإذا كان كلّ جنس ممّا تفضّلتم بذكره مستقلاّ بذاته، قائما بهويّة إبداعيّة تخصّه، فإنّ ذلك لا ينفي قيام علاقة ما بينها. من هنا يصبح الأمر يسيرا على الكاتب أن يخوض غمار التّجربة في رحاب تلك الأجناس السرديّة. والدّافع إلى ذلك ذاتيّ وموضوعيّ. أمّا الذّاتي فكلّ جنس من تلك الأجناس يمثّل خمرة يختلف طعمها ومذاقها ودرجة الانتشاء بها عن الأخرى. ولذّة الكتابة في نظري دافع أكبر للخوض فيها. أيضا الدّافع إليها هي غموض الذّات وما تثيره من فضول، خصوصا الذّات الكاتبة. من هنا تكون رحلة البحث عنها بطرق مختلفة بواسطة الكتابة. أمّا الدّافع الموضوعيّ فلأنّ كلّ جنس غير قادر بمفرده أن يقول كلّ شيء. أو على الأقلّ غير قادر أن يكون وفيّا كفاية لتلك الطّاقة الكامنة بين حنايا الكاتب. لهذا كان من الضّروريّ للمبدع أن يصنع رئات عدّة للتنفّس وأن يجعل له أكثر من جناح كي يحلّق ما وسعه التّحليق. أمّا سؤالكم ما الذي يروق لي منها، فأقولها بلا مواربة. الرّواية. ليس فقط لرحابة فضائها وما يعنيه من حريّة للكاتب كي يبحر في العالم أنّى شاء. بل لأنّها الوحيدة القادرة على اختزال الكون بكلّ ما يعنيه من تنوّع وتعدّد في الألوان، والظّلال، والأطياف، والأحجام والأبعاد...

ما رؤيتك للنّقد الأدبي؟ وكيف تنظر للنّص مجرّدا من التّأثيرات النّظريّة؟ هل يمكن أن يستطيع للكاتب والأديب أن يمتهن النّقد؟

 

- النّقد الأدبيّ لا يكون بنّاءً إلّا إذا كان صاحبه متجرّدا إلى أبعد حدّ. معتبرا قراءته للنّصوص عبارة عن شهادة يدلي بها أمام القضاء. فلا ينبغي له أن يشهد شهادة الزّور بقطع النّظر عن العواقب، مثلما لا ينبغي له أن يكتم بؤر الضّوء في النّص ولو اختلف جوهريّا مع صاحبه. نظرة النّاقد فاحصة ودقيقة قائمة على ميزان عادل لا تفرّق بين نقطة الظّل ونقطة النّور. تِبيانُهُما بكلّ موضوعيّة يخدم تجربة المبدع الكاتب، وتربحه كثيرا من الوقت، وتسهم في إثراء الثّقافة السرديّة للمتلقّي ككلٍّ.

أمّا بخصوص الجزء الثّاني من سؤالكم، فأعتقد أنّ الّنص السّرديّ الذي لا يتغذّى من الجانب النّظري لهذا الفن فلن يحلّق كثيرا، وحينئذ يكون الأقرب للنسيان والاندثار. النّص الذي لا ينطلق من رؤية واضحة محدّدة مسبقا، والذي لا يبالي بالإرث النّظري العظيم للسّرد، سيظلّ يراوح مكانه دون ان يتخطّى عتبة البدايات... لكن هذا لا يعني أنّ قدر المبدع أن يظلّ سجينا للنظريّة، وأن يفرّط في حريّته باعتبارها السّند الأعظم للإبداع. نعم يتغذّى من النظريّة ويهضمها جيّدا ثمّ يسبقها بخطوة أو بخطوات. ذلك ديدنه.

نعم يستطيع الأديب الكاتب أن يمارس النّقد في حالات ما. ثمّة أسرار وخفايا في ألاعيب السّرد لا يدركها من كان يتفرج عليها من الرّبوة. وقديما قال العرب ليس الحائك كالبزّار. وعموما فإنّ السّاحة العالميّة لا تخلو من أولائك الذين يمارسون الكتابة بشِقيّها، الأدب والنّقد. ولولا الإطالة لذكرت أمثلة على ذلك.

ماذا يعنى الفنّ لك وللمتلقّي الآن؟ وما هو حال الفنّ الأدبي الآن في تونس على ضوء مفاهيم الحداثة التي غزت الثقافة العربية؟

- سأبقى في مجال السّرد. ما الفرق بين قصّة وقصّة أو بين رواية ورواية؟ النّقطة الفارقة بين هذه وتلك هي الشّحنة الفنيّة التي تشبّعت بها. تظلّ النّصوص السرديّة مجرّد حكايا يقولها غير المبدعين كذلك. قد تتضمّن كلّ شيء وأيّ شيء، إلّا أن تتضمّن أشواق الفنّ وشطحات الإبداع. ومهما بدا موضوع السّرد ساخنا وملتصقا بالقضايا الحسّاسة وهموم النّاس فإنّ ذلك وحده لا يصنع نصّا متميّزا يقدر على البقاء.  إنّما ذلك رهين لعبة يلعبها الكاتب مع القارئ، يضمنها الفنّ أساسا بعيدا عن المباشرتيّة والوعظ والإرشاد.

أمّا بالنسبة إلى حال الأدب في تونس فإنّي لا أراه يختلف كثيرا عمّا قرأت له في الوطن العربي. واسمح لي أن أستثني الأدباء الكبار الذين تعلّمنا منهم ولا نزال. إنّما أتحدّث عن موجة جديدة من الكتابات، قامت أغلبها على العفويّة والتّداعي من دون احتفاء كبير بالجانب التّقني والفنّي في السّرد والمرحلة التي وصل اليها عالميًّا. مازال الاهتمام بالموضوع طاغيا على حساب طريقة تقديمه، فيكفي أن يكون صادما وجريئا وساخرا من القيم والعقائد. ربّما يعود هذا الى الافتتان ببعض المفاهيم الحداثيّة المعزولة عن سياقاتها ومناخاتها، ومحاولة استنباتها في غير تربتها.

وكيف تقيّم تجربتك في ضوء هذا الزّخم الأدبي المتصارع من حيث تداخل الأنواع والاتّجاهات؟

- من الصّعب جدّا أن يقيّم الكاتب نفسه. فهذا موكول الى النقّاد والتّاريخ ومدى تفاعل القُرّاء مع كتاباته. لكنّي أحاول أن أواكب مستجدّات الفنون السرديّة، معتبرا الرّواية باعتبارها سيّدة السّرد قد أضحت عالما مفتوحا على جميع طرائق التعبير. وهي قادرة على استيعاب كلّ الفنون وتحويلها إلى خيوط تنسج بها عوالمها. ولكي تثبت تناغمها مع هذا المبدإ فإنّها مدعوّة إلى التّحلّي بأكثر قدر ممكن من التّسامح حتى يمكنها هضم المتناقضات والاتّجاهات المتضاربة في داخلها، سواء على المستوى الفنّي والتّقني أو على المستوى الدّلالي والمعرفي.

هل يمكن قراءة الواقع الاجتماعي للكاتب من خلال نصوصه؟

بالتّأكيد، وإلّا فإنّ الكاتب يكون خائنا لرسالته. ما يكتبه لا ينبغي أن يعكس الجانب الاجتماعي فحسب، بل يمتدّ إلى جميع نواحي الحياة بكلّ ما تحبل به من ألوان ومشاعر. ما الادب، إن لم يكن ملتصقا بالهموم الحقيقيّة للناس؟ معبّرا عنهم في حالات الفرح والحزن، والقوّة والضعف، والإشراقة والظّلمة.... "نحن معشر الرّوائيين قضاة تحقيق في النّاس وأهوائهم" كما يقول إميل زولا.

للجريد بيئة خاصّة ومذاق خاصّ وطبيعة ساحرة في نخيله وشخوصه وصحرائه ومناخه. هل كان لذلك تأثير في تجربتك الكتابيّة؟

- لا شك أنّ البيئة التي نشأ فيها الكاتب تظلّ هي الضّرع الأوّل الذي يستمدّ منه نسغ كتاباته. الكتابة ذاكرة قبل كلّ شيء وامتلاء بتفاصيل الحياة. وبلاد الجريد هي التي أمّنت هذا المكسب لي. لهذا فهي تتسلّل إلى أعمالي على نحو أو آخر. فضلا عن أنّني أتعمّد أكثر الأحيان رسم هذه البيئية بتفاصيلها وأجعل منها مسرحا لأعمالي المتخّيلة، خذ مثلا القصص التّالية شعرات الكلب الأسود، الطّلاسم، زغدة، التّيه، التميمة، شوكة في حلقي، الدجّال.... أمّا الرّواية فخذ مثلا رواية الطّيف... لكن هذا لا يعني أنّى أقتصر على البيئة الجريديّة فحسب، بل أحاول التّنويع من الأمكنة قدر المستطاع. فرواية المحاق مثلا تجري أكثر أحداثها في إيطاليا. كذلك رواية البدايات تتّخذ من الشّمال الغربي للبلاد التونسيّة مسرحا لها.

أراك تهتمّ بالصّورة ورسم الشّخوص وبناء الأفكار. هل يمكن أن تكون الصّورة بتنوعاتها بديلا عن اتجاهات السرد الموضوعي؟

- أمام التّحديات الكبيرة التي باتت الأجناس السرديّة تواجهها في زمن هيمنت عليه الصورة ووسائل الاتّصال الحديثة، فإنّ هذا الفنّ يجده في دائرة جديدة من الأسئلة تتعلّق أساسا بطرق بقائه في أدنى درجة، وكيف يفتكُّ له مكان الصّدارة كي يبقى على عرشه. من هنا بات ضروريّا على الكاتب أن يغيّر من طرق كتاباته وأساليبها. من ذلك استثمار تقنية الصّورة وإعادة ترجمتها سرديّا. ومن هنا فإنّنا لا نتحدّث عن منطق البدائل، بقدر ما ندفع إلى تظافر جهود أنماط من السّرد ضمن تصوّر واعٍ، يحقّق أكبر جرعة من الجمال.

عناوين أعمالك خالية من التّفاؤل وتميل للمواجهة والصّدام أحيانا. ما تفسيرك لذلك؟

- أشكركم على ملاحظتكم هذه. وأنتم تنبّهونني إلى شيء مهمّ. من عادتي أن أتخيّر العنوان المخاتل المثير للتّأويل والاحتمال. وطبعا لن تكتمل هذه الدّائرة إلّا إذا اقترنت بالنّصوص وتمّت الموازنة بينهما. مأدبة للغبار أو التّيه باعتبارهما الأقرب الى ملاحظتكم لا يدلّ معناهما الظّاهر بالضّرورة على عدم التفاؤل، بقدر ما يشكّلان موقفًا ما من شيء ما، وتوصيفا دقيقا لمظهر ما. قد يصدمنا هذا التّوصيف ولكنّه الحقيقة من وجهة نظر النّص. ثم ما معنى التّيه؟ ألا يدلّ في معنى من معانيه على عدم الإرتكان الى أرض صلبة والاستمرار الدّائم في البحث عن شيء ما؟ ... وهنا اقتنص الفرصة لكي أبيّن أنّ العوالم التي أصنعها ليست كوابيسا دائما ولا عتمة مقيمة. الاعتدال يظلّ مطلبي وغايتي دائما. لأجل هذا أحاول أن أمثّل الحياة في كتاباتي. والحياة معناها تعدّدٌ في الألوان والظّلال والأصوات...

انتشرت مواقع التواصل الاجتماعي وجعلت العالم قرية صغيرة هل ترى أنّها يمكن أن تحلّ بديلا عن المجموعات الورقيّة؟

- عندما هجم طوفان المواقع الاجتماعيّة لم تكن الشّعوب العربية متهيّأة له تماما. لأجل هذا أثّرت بشكل كبير على الكتابات الورقيّة، وأصابت سوقها بالشّلل. ولكم أن تقارنوا بين عدد المجلّات والجرائد والصّحف وأعداد نسخها قبل الطّوفان وبعده. كثير منها كسد وأغلق أبوابه. كذلك عالم الكتاب. فمن سَحْبٍ بالآلاف وعشرات الآلاف إلى عدّة مئات فقط. ولكم أن تراجعوا الإحصاءات بخصوص القراءة والمطالعة عند العرب لتدركوا أنّ الأرقام جدّ مفزعة. والسّؤال كيف نعيد عالم الورق الى عادات النّاس؟  كيف نوازن ونجاور- على الأقلّ- بينه وبين تلك المواقع التي لم يعد بوسعنا الفكاك عنها. والاستفادة منها في إعادة ترميم علاقة العربي بالورق؟ أقول هذا لأنّي أعتبر نكهة الورق لا تعوّضها الأدوات الجامدة الخالية من الرّوح وأنّ المعرفة الحقيقيّة لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن تؤمّنها الوجبات الفكريّة السّريعة، أو القراءات السّطحيّة المستعجلة.

هل ترى الانفتاح على التّجارب الغربيّة مفيدا للسّرد العربي؟

- طبعا... الانفتاح على الثّقافات الأخرى في العالم والاستفادة من تجارب الشّعوب هما البوّابة الأمثل لتطوّر التّجربة العربيّة في كلّ المجالات، بما في ذلك المجال السردي. والسّؤال، كيف يمكن غربلة تلك الرّوافد والاستفادة منها دون أن يؤدّي إلى ذوبان الهويّة العربية واضمحلال قضاياها في زمن العولمة؟ ماذا يمكن ان آخذ من تلك التّجارب وماذا أدع؟

ما رأيك في تأثير تجارب الكتاب السّابقين على الجدد وهل استطاعوا أن يستلهموا تاريخهم وموروثاتهم؟

- لكي تكون الإجابة دقيقة يجب الاستناد إلى استطلاعات رأي وإحصاءات إن لزم الأمر. ومثل هذه لا تتوفر لديّ الآن. غير أنّى ألاحظ في بعض الكتابات الجديدة ومن غير تعميم، فتور علاقتها بالأقدمين. فمِّما ابتلينا به هو ظهور طبقة من الكُتَّابِ لا تقرأ كثيرا. والنّتيجة هي نصوص متعثّرة مازالت تحمل وهن البدايات كأن لم يمر بها الزّمان.

يقولون "هذا زمن الرّواية" فهل سقطت دولة الفنون الأخرى؟

- أعتقد أنّ هذه الكلمة مبالغ فيها. قد تكون الرّواية ديوان العرب في عصرهم الحديث. إمّا أن تكون سيّدة الفنون. فالتّحديات أمامها كبيرة في زمن الصّورة وسرعة انتشارها في أبهى حلّة. فما تقوله الرّواية في عشرات الصّفحات قد تقوله الصورة في ثوب أكثر إغراءٍ في ثانية أو بعض الثّانية.

كرّمت من قبل عدّة جهات، فما التّكريم الذي تعتزّ به، وما رأيك في الذين يسعون للتكريم؟ وما أمنياتك على الصّعيدين الخاص والعام؟

- الحقيقة، لم أكرّم إلى اليوم. عدا بعض الجوائز زمن الشّباب وهي لا تدخل في هذا الإطار. التكريم الحقيقي للكاتب هو وصول كتابه الى أوسع طبقة من القرّاء ويجد صداه في تفاعلاتهم. التكريم بهذا المعنى لم أنل شرفه بما يكفي. لصعوبة انتشار الكتاب في بلدي ولانسداد الأبواب في وجهه.  أتمنّى أن يتوفّر لديّ الوقت أكثر كي أنجز مشاريع كبيرة في المخطّط مثلما أتمنّى وصول كتاباتي إلى النّاس، أمّا على المستوى العام فأتمنّى الأمن والأمان لكلّ الوطن العربي، وأن يخرج من محنته الرّاهنة في وقت قريب.

ما السّؤال الذي كنت تود أن يوجّه إليك؟

- كفيّتم ووفيّتم دكتور نادر. أشكركم على هذه المصافحة. وأتمنّى لكم مزيد التألّق والنّجاح.

 

حاوره: د. نادر عبد الخالق -  مصر

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4574 المصادف: 2019-03-15 10:07:35