 حوارات عامة

التشكيلي الفلسطيني زكي سلاّم في حوار:

821 زكي سلام 1- الفنان حامل رسالة ولا ينظر إذا كانت رسالته تتقاطع مع السياسي والاجتماعي أم لا

- قال: أن الفن الحالي هو فن مستورد من الغرب ومقطوع من جذوره التاريخية

- (حلمي أن تصل الإنسانية إلى حالة من الرقي تنتفي فيها الحاجة إلى الحدود والدول والجنسيات)

الفنان التشكيلي زكي سلاّم  أداة تشكيل تنزف، ترسم معاناة شعب منزوع الحرية، هو  منحوتة هادية إلى المرتقى الصعب في تشكيل الحضور الفلسطيني، من واحات بسكرة يتكلم زكي سلاّم عن مخزون عنفوان شعب ، ليكشف الزّيف وهو يجد نفسه في مركز الصراع العربي الصهيوني، اختار زكي سلام النخلة، لأنها رمز للمقاومة،  تقاوم كل الفصول،هي بسكرة التي رسمت ثورة الزعاطشة فجعلته يحمل عن كاهله ثوب القضية  الفلسطينية ورسالتها، ويضيف إليها عمقا في الرؤية، يقول زكي سلاّم: تلك النخلات وإن غرست بحب سترونها من بعيد كما لو أنها سعيدة في موطنها الجديد، فهل هي حقاً كذلك؟ اقتربوا أكثر لتعرفوا فإذا كانت النخلة لا تستطيع تمور "دقلة" هنا في تلمسان حيث أراقبها أو العاصمة كما كانت في بسكرة فهذه ليست معارضة هي خارج تربتها فحسب، التقينا بالفنان التشكيلي زكي سلاّم وقد أبرهنا برقي ثقافته واتساع فكره،  كلامه فلسفة، في هذا الحوار يستشرف زكي سلام  المستقبل ويحزم الفكر بحجم الثورة في حضور يرسم أبعاد "المسيرة"، لأن الفن عنده مرتبط بالحرية، أما عن منحوتاته فقد رسمت تراجحيديا الشعوب ومأساة الأمم

س) تختلف رؤية الفنان التشكيلي للواقع عن رؤية الكاتب والروائي  والمسرحي، ماهي رؤيتكم  له؟

- أعتقد أن جوهر الفن واحد,يكمن الفرق بأختلاف حوامل الفن الذي من أهم سماته الأبداع, وفي حوامل كالكتابة الأدبية عامة ومنها الروائية تتجلى اللغة كقاسم مشترك معروف بين المبدع والمتلقي (الذي خبر اللغة وتفاعل مع محيطه بها منذبداية وعيه) وبذلك هنالك مدخل سهل للتواصل بين الأديب والقارئ (بين المنتج والمتلقي) هذا يعطي فكرة عن سبب شعبية الأدب قياساً بباقي الفنون، أما في الشعر فإن تقنيات أخرى تحتاجها اللغة لتعطي النص شاعريته المبدعة وهذا ما يتوجب على المتلقي معرفته لتمام فهم وتذوق الشعر. في المسرح تذهب الأمور إلى إضافات كبيرة على النص وهي إضافات بصرية مشهدية وتشكيلية كحرة الممثلين وصوتهم الذي يعطي بعداً إضافي للمعنى بحضور الإضاءة والموسيقا، الديكور، الأزياء، والسينوغرافيا التي تعطي للمسرح بعدا تشكيلياً.

 أما السينما (الفن السابع) التي وصفها أحد الفلاسفة بوريثة الفنون فإنها سوف تستخدم جميع الفنون لإنتاج ذات أكثر تمكّناً وأكثر قدرة على التعبير وخلق قواسم مشتركة بينها وبين المتلقين على إختلاف مستوياتهم الثقافية للوصول إلى تواصل (نسبي) مع جميع المتلقين كلٌ بحسب ثقافته، أما الفن التشكيلي الذي يعتمد على حوامل بصرية بعيدة عن اللغة أي أنها تحمل في جوهرها لغة بصرية بدل اللغة المحكية والمكتوبة، وبالتالي فإن  جمهور الفن التشكيلي قادر على التفاعل مع المنتوج الإبداعي إنطلاقا من فهمه ودرايته باللغة البصرية ورامزاتها عبر التاريخ والجغرافيا، وهذا يفسر لماذا يتوجه الفن التشكيلي للخاصة عادةً ومحدودية الجمهور المتذوق للفن التشكيلي وجنوح بعض الفنانين إلى الخط "كحامل للغة" وإدراجه في اللوحة لفتح علاقة مع جمهور أوسع خاصة إذا كان الحرف هنا ذو مدلول لغوي.

 والفن بمجمله هنا لا يهتم بتفصيلات الواقع إلّا بمقدار ما يعيد هذا الواقع الرؤية إلى جواهر الأمور كالخير والجمال وصيرورتهما وبالتالي فإن الإتجاهات الفكرية الأكثر التصاقا بالواقع كالمدارس الواقعية في الأدب والفن التي تبدو عليها سمات الواقع جلية هي في الحقيقة ليست الواقع إنما (تمثاله) وهنا مهما كان  الشبه كبيراً بين الشخص وتمثاله لا يمكن الخلط بينهما، ليأتي الرقص كتعبير غير محكي أدواته الجسد مدعوماً بإكسسواراته كلغة للتعبير مبتعداً عن الأدب ومقترباً من الموسيقى التي هي الفن الأكثر تجريداً والأكثر استقلالية عن لغة الأدب.

821 زكي سلام 3س) تريد القول أن الفنان التشكيلي يختار الإيقاع الموسيقي عاملا لإختيار ما يريد إبداعه؟

 - الحقيقة أن الفن التشكيلي يستعير من الموسيقى إيقاعها انسجامها وتضادها للوصول إلى قوة تعبير تجريدية مستقلة عن اللغة والمراجع الواقعية وفي الفنون التي تعتمد المشهدية لتصل بها إلى ذروة التعبير عبر تسلسل المشاهد يأخذ الفن التشكيلي على عاتقه تثبيت اللحظة ليكثف بها كل ما يحتاجه للتعبير  وبالمحصلة أعتقد أن الفن لا يصور الواقع إنما يعبر عنه انطلاقا من ذاتية الفنان وتجربته المعاشة بأدواته المعتادة.

س) هل الفنان التشكيلي مطالب بأن يكون محمّلا بخطاب سياسي ما، أم أنه يحافظ على طهرانيته

- يبدو من السؤال وكأن السياسة عكس الطهارة فهي فن الممكن تستطيع الإفتراء وقابلة للتنازل حسب الأوراق التي تمتلكها والأهداف التي ترسمها والمعطيات المتغيرة التي تصادفها أو تبنيها، الفن طريق آخر تماماً عنوانه الحب والجمال حتى حين يصور البشاعة "كما نكبة" فإنه ينشر الإنسانية والمحبة والجمال، وبالتالي الفنان هنا حامل رسالة ولا ينظر إذا كانت رسالته تتقاطع مع السياسي والاجتماعي أم لا.

س) كيف يعيش زكي سلام المشهد السياسي؟

- أنا أتابع مجريات الأمور وأحاول فهم ما يدور حولي بالخبرة التي أعطتني إياها السنين وأبني موقف ما على ذلك من دون أن تدخل حركة السياسة إلى عملي الفني لإعتقادي أن السياسة تفسد كل ما تطاله يدها من الثقافة عامة والفن خاصة لأن الآليات مختلفة والأهداف أيضاً. ربما يربط الفن نفسه بالثورة وهذا جوهري لكن بالسياسة مقتله. لا ننسى أن إشتقاقات من الفن التشكيلي أخذت على عاتقها تبني السياسة في بعض جوانبها كالملصق السياسي الذي جوهره الترويج للفكر السياسي والكاريكاتير الذي جوهره النقد الصحافي المصور.

س) يقال أن الفن التشكيلي هو فن التمرد، هل هذا يعني أنه فن كسر قواعد الجمال؟ وكيف يحافظ الفنان عن الفكرة الجمالية ؟

- أعتقد أنه فن الحرية أكثر من كونه تمرد وفي كسر القواعد ربما نحتاج إلى وقفة وتوضيح فالفن مرتبط بالإنسان وكل تطور معرفي تنتجه الإنسانية سوف ينعكس على الفن الذي هو نمط معرفي من نوع آخر، فاكتشاف الكاميرا أدى إلى ثورة في الفن التشكيلي كما الطباعة والنظرية النفسية وآليات الحلم "فرويد" أعطى للسريالية مفهومها الأساسي واكتشاف تحليل الضوء في الفيزياء أغنى الإنطباعيين بجزء كبير من البيان الإنطباعي وهذا لا يعني علاقة ميكانيكية بين هذه المفاهيم، إنما عدة عوامل اجتماعية وفكرية وفلسفية كلها مجتمعة سوف تعطي للفن التشطيلي ثورته والتغيير اللازم، وهذا التغيير "باعتقادي" لا يلغي ما سبق إنما يبني عليه وتبقى المدارس السابقة حاضرة مادامت الحاجة إليها حاضرة ومالفكرة الجمالية بهذا المعنى ليست قالبا ثابتا وإنما تتغير عبر الزمان والمكان متتبعة السياق المعرفي العام أو تسبقه بخطوه، إذا لا يجب الحفاظ على الفكرة الجمالية وهذه ليست ثابتة ولن تكون، التطور المعرفي الهائل والمتسارع في القرن العشرين خاصة والأحداث الكبيرة الناجمة عنها كالحروب أدت إلى تغير كبير في المعرفة وفي علوم الجمال والإستطيقيا مما أدى إلى مقولة كسر القواعد الجمالية وهذا يشبه ثورة مفاجئة قياساً بالتاريخ.

821 زكي سلام 2

س) هناك منحوتة لكم  تعبرعن الهجرة، يريد القارئ أن يعرف  كيف ينحت زكي سلام فلسطين؟ وكيف ينقل رسالة اللاجئين الفلسطينيين  ( حتى لا نقول معاناة) عن طريق للنحت؟

- الفن الحقيقي هو الفن الصادق، أنا وجدت نفسي هنا في مركز الصراع العربي الصهيوني أعطاني الفن ذاته كأدة للتعبير أردت لها أن تقول ما يدور حولي انطلاقا من رؤية وجدانية للأحداث، هذا العمل "نكبة" الذي أنجزته هنا في الجزائر بعد أن أرغمت الحرب سكان مخيم اليرموك من الخروج بقوة السلاح ومعظمهم من الفلسطينيين الذي هجروا عام 1948 بفعل المجازر الصهيونية واحتلال قراهم ومدنهم "ومن هنا كان مصطلح النكبة" بدأ هؤلاء الناس إعادة انتاج حياتهم في هذا المخيم إلى أن أصبح مدينة مهمة قرب دمشق لتأتي الحرب وتعيدهم إلى نقطة البداية، وقد أُعيد هنا انتاج النكبة كما قبلها في عدّة مدن في الوطن العربي وهذه القصة التي هي وطنية قصتي الشخصية أيضاً وقصة أبنائي وأهلي وجيراني وهي الموضوع الأكثر إلحاحا على وجداني، هكذا ولد هذا العمل الذي هو مجموعة أشخاص يحملون حقائب حزنهم وتعبهم وعجزهم ويهيمون، تركت هذا العمل تفاعلي "الجمهور يستطيع تحريك بعض قطع هذا التمثال فيغير في الشكل والمعنى" ويكون الجمهور هنا (متورط) في انتاج أشكال مختلفة للنكبة، الطريف في هذا السياق أن الفنانين الفلسطينيين وأنا منهم قد أخذوا من مشارب مختلفة بسبب أن جزء كبير منهم خارج وطنهم حيث عاشوا ودرسوا، وربما ولدوا، وهؤلاء تكونوا في المدارس المختلفة حول العالم فما هو القاسم المشترك الذي نستطيع من خلاله أن نقول "مجازا على الأقل" هذا فن فلسطيني، الموضوع هنا هو القاسم المشترك فجميع الفنانين تناولوا الموضوع الوطني فلسطين من جوانب مختلفة.

س) هل يحدد الفن التشكيلي والنحت بالخصوص حدودا ما، يمكن من خلالها التعبير عن قضايا المجتمع ومهاجمة السلطة بعيدا عن أي حراسة أو حصار؟ 

- الفن في بعض جوانبه اجتماعي (يمكن النظر إلى تنظيرات شارل لالو في الفن والمجتمع) ولكن هل يقتصر دور الفن على هذا؟ لا طبعاً، ولا حدود للفن طالما هو عملية إبداعية لا من حيث الموضوع ولا الشكل ولا المادة فالعملية الإبداعية في تطور مستمر وحواملها في جدل ديالكتيكي لانتاج إبداعي جديد، ولكن لماذا يهاجم الفن السلطة ؟ "وقد يلعب هذا الدور في لحظة تاريخية ما في مكان ما" ، للفن دور جمالي ومعرفي لرفع مستوى الحياة الإنسانية في الفضيلة والحق وقد يذهب إلى فضح البشاعة والوحشية والظلم، الحرية هنا هي الحد والفن هنا ليس مهاجماً أو مدافعاً بل معبرا وخالق أسئلة، إن بناء الأشكال بعلاقتها الجدلية مع ذاتها ومحيطها بظلالها وسطوحها وخطوطها تخلق متعة التلقي المحملة بالرسالة "الموضوع" الذي يفجر أسئلة من نوع ما، وبهذا المعنى لا يمكن وضع حد للفن.

س) ماذا تمثل لكم الغربة بعيدا عن الأوطان؟ وكيف نرسم المعارضة في الفن؟

- أنا ولدت في الأصل خارج الوطن وتغربت عن المكان الذي ولدت وعشت فيه، صدف أن رأيت سيارة كبيرة تنقل أشجار نخيل مقتلعة من صحراء بسكرة إلى مدن الشمال "ربما العاصمة" أذهلني هذا، نظرت إليها وسقطت دمعتي، أنا شجرة رفعت جذورها إلى اللاشيء ولم تجد أرضها في هذا الخواء بعد، تلك النخلات وإن غرست بحب سترونها من بعيد كما لو أنها سعيدة في موطنها الجديد فهل هي حقاً كذلك؟ اقتربوا أكثر لتعرفوا فإذا كانت النخلة لا تستطيع تمور "دقلة" هنا في تلمسان حيث أراقبها أو العاصمة كما كانت في بسكرة فهذه ليست معارضة هي خارج تربتها فحسب.

س) شاركتم في صالون الفن التشكيلي للشرق بمدينة قسنطينة ، ماهي النتيجة التي خرجتم بها؟

- كنت ضيف الشرف من فلسطين" ، هذه التجربة هي الأهم هنا في الجزائر حيث كانت على هامش قسنطينة عاصمة الثقافة العربية ورصد لها من الإمكانات والخبرات ما لم يتوفر لأي صالون من التي أسعدني حظي المشاركة بها في مختلف ولايات الجزائر، هذا المعرض كان بمقاييس عالمية من حيث الإخراج والعرض والتوثيق وزمن العرض وصالته..، أسعدني حقا أنني مشارك في هذا النشاط الذي خلق كل هذه المعطيات تاركاً لفن النحت هذه الفسحة للحوار بين منتجي الفن وأعمالهم  وبين الفن والجمهور، ولكن يجب أن لا يفوتنا أن فن النحت الذي كان فناً أصيلاً في أرضنا في فترات تاريخية طويلة تشهد عليها متاحفنا ومتاحف العالم غير أن الفن الحالي هو فن مستورد من الغرب ومقطوع من جذوره التاريخية في المنطقة ولم يستطع الفنانين توطينه رغم المساعي الكثيرة منهم، ولا يزال الطريق طويل أمامنا لخلق رابط بين الفن الوافد والمكان بإنسانه وتاريخه وثقافته وحاضره.

س) ماذا عن رصيدكم الفني وماهي مشاريعكم المستقبلية؟

- الرصيد قصة طويلة عمرها من قبل التخرج من كلية الفنون الجميلة في دمشق 1984 وما زالت مستمرة، (يمكن النظر هنا إلى السيرة الذاتية حتى لا نكرر) وما من مشاريع أن أعمل وأفكر واطلع بشكل يومي أملي أن تمكنني الحياة من الاستمرار ويعطيني الله الصحة والإرادة والظروف المواتية للاستمرار وتطوير عملي ورؤيتي وايصال الرسالة .

س) حلمكم الأخير ماهو؟

- لن تقف أحلامي وأمنياتي عند حدود الشخصي والعائلي ولن تقف عند تحرير وطني كاملاً وعودتي إليه ، حلمي الأخير أن تصل الإنسانية إلى حالة من الرقي تنتفي فيها الحاجة إلى الحدود والدول والجنسيات ويفتخر الإنسان بانسانيته ونكون أحرارا في حضن أمنا الأرض.

لا يوجد مطلق، الأمور دائما نسبية والفن عندي مرتبط بالحرية فهل الحرية مطلقة؟

 

حاورته علجية عيش

...........................

بورتري/

التشكيلي زكي سلام غني عن التعريف ، فهو  من مواليد دمشق 1958 من أسرة فلسطينية خريج كلية الفنون الجميلة في دمشق  قسم النحت، متحصل على دبلوم عالي ، عضو اتحاد الفنانين التشكيليين في دمشقن عضو اتحاد الفنانين الفلسطينيين فرع سورية  من عام 1984 حتى 2008 ، رئيس قسم الخزف في معهد الفنون التطبيقية في دمشق في الفترة بين 1984 إلى غاية 2008 ، شارك في العديد من المعارضو المهرجانات (سوريا، روما، الجزائر، البحرين، الأردن)، وحصل على جوائز كثيرة

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4598 المصادف: 2019-04-08 02:42:04