mohamad almazoz- هل تمكن العرب القدماء من صوغ ترسانة مفهومية قوية تخص

"علم الجمال عند العرب"؟

تعددت الأصوات التي تنفي عن النظر الجمالي في الفكر العربي القديم صفة الاتساق العلمي، رغم ما تمدنا به المتون التراثية العربية من مفاهيم تتصل بشكل وثيق بالنظر الجمالي العربي القديم، والتي تؤطر هذا النظر الفلسفي الجمالي كفكر متسق. إلا أن الاقتناع بوجود علم عربي للجمال دفع بالباحث الدكتور محمد المعزوز إلى تناول الموضوع ومحاولة إثبات طرحه، وذلك من خلال حفره واستقصاءه في الفكر العربي القديم. فأتبث أن هذا الفكر يشتمل في مضانه نظرا جماليا متسقا ومتبنينا من خلال شبكة اصطلاحية ومفاهيمية متفرقة على قطاعات معرفية متنوعة، تصح أن تجعل من النظر في الموضوع الجمالي العربي القديم علما قائما على مفاهيم واستشكالات اطر وحية. إلا أن ما ينقصه في اعتقاده هو غياب وضع صنافي يؤطر أسسها الموضوعية لتبيين الشرعية العلمية للموضوع.

إذن، من خلال هذا الطرح المتسم بالجرأة العلمية والمحفوف بمخاطر التأويل والإسقاط، حاورنا الباحث كي يضيء أكثر طروحاته وأدلته في هذا الشأن.

 

س: تقف خلف كل تفكير واع أهداف ودوافع منها المعلنات والمضمرات، فما هي في نظركم المنطلقات الاستشكالية التي أسست لاشتغالكم في موضوع"علم الجمال في الفكر العربي القديم"؟

ج: بالتأكيد، يعد موضوع علم الجمال في الفكر العربي القديم منه أو الحديث مثار انشغالاتي المركزية في نطاق اختياراتي العلمية، ولما ظل الموضوع غفلا في الدراسات المعاصرة لأسباب كثيرة، منها التسليم بعدم وجود علم للجمال عند العرب؛ انتهضت بالنظر في النص القديم قصد الإنصات إليه وتمحيص متونه للتثبت من مدى صدق الدعاوى العادمة لحق العرب في هذا العلم. وبتجوالي عبر النصوص الفقهية والكلامية والفلسفية والنصوص النقدية تثبت بما لا يدع مجالا للشك أن العرب القدماء صاغوا الشبكة الاستقوائية على استحصاد القوانين التي بها تصح أن تكون أنظارهم في موضوع الجمال علما قائما على مفاهيم واستشكالات اطر وحية.

 

س: بالفعل، من خلال إطلاعنا على كتابكم" علم الجمال في الفكر العربي القديم" وجدناكم قد مارستم حفرا أقرب إلى الإنصات الإبستيمي للنص القديم وبخاصة النص النظري، فما هي الأقطاب الممثلة لهذه النصوص؟ وما طبيعة الخيط الناظم لتعددها وتنوعها؟

ج: بخصوص الأقطاب الممثلة لهذه النصوص، فإنها تمثلت في كتابات "الكندي" و"الفارابي"و"ابن سينا" و"أبي بكر الرازي" و" ابن مسكويه" و"إخوان الصفا" وغيرهم...

فمثلا نجد أن "الكندي" استطاع من خلال رسائله في الموسيقى أن يضع القوانين التي ينتظم عليها هذا العلم، وقد كان سباقا إلى تحديد النوتات الموسيقية عبر تسميات حروفية (أ.ب.د...)، كما تمكن "الفارابي" من خلال كتابه القوي" كتاب الموسيقى الكبير" أن يتحدث عن الأسس النظرية والعلمية لعلم الموسيقى بتصيغ مفاهيم دقيقة وسياقات وظيفية في بناء المفهوم وتفجيره من داخل ما اعتبره نظرا في هذا العلم، بل تفطن إلى السياقات العروضية في دلالتها على الوزن الشعري والقياسات الإيقاعية في دلالتها على المدى الموسيقي، فليس الوزن العروضي في الشعر هو نفسه الوزن الإيقاعي في الموسيقى. وهكذا نلمح"ابن سينا" يتحدث عن الموسيقى في علاقتها بالسعر وفي علاقتها بالنفس، بل نلحظه في كتابه"النفس" وهو يتحدث عن بعد نظري جمالي قوي يخص الجمالية التشكيلية بتعرضه إلى الألوان وكيفية تركيبها ومزجها وإيقاعاتها المستجلبة للذوق ولحركية الاستجمال البصري. ولم يفته ها هنا الحديث عم المركب البصري باعتباره تحصيلا للوجود والماهية، وبوصفه نظاما وظيفيا مميزا للنفس الإنسانية، وفي نفس السياق نلفيه يتحدث عن الشكل والمادة في اتجاه البحث عن الشيء الذي حدث به الموضوع الجميل، هل هو حادث بالمضارعة الحلولية بينهما أم بفضل هذا عن ذلك؟ فضلا عن ذلك نلحظ"ابن رشد" يتحدث عن الشعر بمنظور جمالي، وليس بلسان"أرسطو" كما يرى البعض، لما اعتبروا آراءه في الشعر مجرد تلخيص ل "فن الشعر". بذلك كانت إضافات "ابن رشد" مجددة في تحليله لمعنى المحاكاة و وظافتها، فليست المحاكاة لديه نقلا بفعل مؤثر طبيعي، وإنما هي إنتاج بفعل مؤثر إبداعي. وأكثر من ذلك لما ننظر إلى "أبي بكر الرازي" وهو يتحدث عن المؤلم والملذ، لا نراه يتحدث من موقع المتفلسف المنقطع عن علية التزواج بين اللذة والإبداع المتجاسرين بمؤثر جمالي، وانما نراه يصوغ المفهوم في علاقته بالحكم والاستجمال والاستقباح وفق متطلبات نظرية، تنظر إلى الكيفيات المولدة لهذا المركب المبهم الموسوم بالالتذاذ بمختلف حدوث معانيه.

أما بخصوص الضيق المفهومي لماهية العلم في سياق الموضوع الجمالي، قد تلحظ أن الإطارات المنطقية والفقهية قد وضعت المداميك الداعمة لبلورة هذه الماهية. ف"الشاطبي" في كتابه"الموافقات" يعتبر الإبداع الجمالي من لواحق العلم وليس من صلبه، كما أن "الفارابي" في كتابه"إحصاء العلوم"، يعتبر الإبداع الجمالي مقتسما ما بين المنطق والحساب، كما اعتبر "إخوان الصفا" الماهية الموسيقية كلية مجتزأة من علم الفلك والنفس والحساب. وعليه كانت ماهية الموضوع الجمالي مجزأة عبر مفاهيم مبنية داخل الفكر العربي القديم، تحتاج إلى وضع صنافي يؤطر أسسها الموضوعية لتبيين الشرعية العلمية للموضوع.

والكتابات الغربية المؤسسة لعلم الجمال ابتداء من " بومغرتن" إلى " شانجوا" مرورا" بكانط" و"هيجل" و " شارل لولا" و" سوريو" و" برجسون" وغيرهم، يسلمون بصعوبة التسليم بعلم دقيق يقربنا من فهم ما يجري بخصوص الحكم واللذة و الاستجمال. وهو تسليم عبر عنه القدماء في أكثر من موقع نظري.

يضاف إلى هذا، كتابات نقاد الأدب الذين استثمروا البناء الفلسفي لسابيقهم لينظروا إلى الواقعة الجمالية نظرا داخليا وليس وصفيا، وهذا ما نكتشفه مع كل من "الجرجاني" و"حازم القرطاجني" و" أبي حيان التوحيدي"، بل أيضا مع الذين تخصصوا في الكتابة الشعرية نفسها مثل" ابن طباطبا العلوي" و" قدامة بن جعفر"، انشغلوا فلسفيا بتحليل الظاهرة الشعرية تحليلا يأخذ بإطارات عموم النظرية الجمالية كما صاغها الفلاسفة العرب.

 

س: نعلم بان أي تفكير عليه أن يخضع إلى عملية انبناء داخل النسق ليتسم بصفة العلمية، وعلبه كيف يمكنكم أن تبرزوا لنا مدى الانبناء النسقي للتفكير الجمالي العربي القديم حتى يتسنى لكم وصفه بالعلم؟

ج: قبل أن أجيبكم لابد وأن أشير إلى أن العلم الجمالي ليس موضوعا دقيقا قائما على حساسية المفهوم وانضباطه، كما هو الشأن عليه في العلوم الحقة. أي انه ليس موضوع تجريبيا مختبريا، وإنما هو موضوع تأملي يحاول بناء موضوعه وتصيد مفاهيمه، لفهم ومعرفة الظاهرة الجمالية في حدود معينة، وهذا ما يقر به المشتغلون في هذا العلم أنفسهم. والعرب القدماء لم يكتبوا اقل مما كتبه الغرب المتخصص، ولم يكونوا اقل عمقا مما تعرض له هؤلاء، ولكنهم لم ينعتوه بالموضوع، ولم يسموه ب"علم الجمال". من هذه الناحية فقط لا يسلم البعض بمعرفة العرب لهذا "العلم".

 

س: في تجميعكم للنظرية الجمالية عند العرب القدماء لاحظنا أنكم انزحتم عن موضوعات الجمال كما وردت عند الغرب، لتبرزوا مفاهيم أخرى مثل الصنعة والصناعة والاعتدال والتناسب أو النسبة وغيرها... كمفاهيم تكون النسق العلمي للحكم الجمالي في الفكر العربي القديم . في نظركم هل نجح هذا العلم خلق توافق بين قوة الفهم والإدراك وملكة التخيل، وبالتالي هل تكاملت في تصوركم الاستيطيقا و المعرفة في هذا الحكم ؟.

ج: ليس يخفى أن المتفلسف العربي كان موسوعيا، وتعرضه لهذه المفاهيم كان بمؤثر موسوعيته، لذلك كان المفهوم في السياق القديم متمحورا على التداخل والتعاضد. فالفلسفي متداخل بالفقهي والكلامي والأدبي.... بل المفهوم القديم نفسه قد انبنى بمحاورته للمفهوم الفلسفي اليوناني. من ثمة، تعد صفة التداخل المركب لبنة مؤسسة للموضوع العربي ومفهومه في علم الجمال، من ها هنا لا نستطيع الفصل بين الاستيطيقي والمعرفي في الفكر العربي القديم، وبه حدثت صعوبة عزل موضوع علم الجمال في هذا الفكر.

 

س: أين يمكن أن نموقع أداتيا وابستيميا علم الجمال الذي عرفه الفكر العربي القديم، والذي أصريتم على تمتعه بتلك الديمومة المتصلة، في مقابل الهيمنة التقنية التي تتدخل في توجيه الحكم الجمالي بخدعها التي تقتطع عناصر من الواقع وتزج بها في مجالها الافتراضي لتصنع لذة تلق وهمية؟

ج: بالرغم من الأبعاد الحداثية للوجود التكنولوجي الغربي في تسريع وتيرة الإنتاج الجمالي، نلفيها لا تخرج عن الأساس التجاري الذي ينمط العواطف، ويعولبها وكأنها سلع معروضة للاتجار، فبروز الآلة الآن قد عطلت حركية المشاعر والعواطف في معانقتها للبدء، للمنبع الوجداني القائم على الإبداع والمعاناة. لذلك لا نرى كتابات في موضوع علم الجمال الآن، تعتمد الآلة كإبداع أساسي باهر، تقام على إثره نظريات تخص الإنسان وملكاته الذوقية. وعليه فالآلة صماء، والإنسان سيل صاخب بالعواطف والعطاءات النبيلة، لأن أساس الإنتاج الجمالي هو تحقيق تواصل إنساني عبر الجميل الأصيل المتوالد من تفاعلا وحركيات العقل و الوجدان كسافات بانية لهوية الإنسان.

 

حاوره: د. شكير فيلالة

      

souzan aounلبنانية الأصل ولدت في بيروت من الكفور قضاء النبطية، كما معظم أجدادها، الذين تركوا القرية واتجهوا إلى المدينة، في أولى بدايات الحرب اللبنانية عاشت قسم من طفولتها في لبنان، سافرت مع أسرتها إلى دولة الأمارات العربية المتحدة، وهناك أكملت دراستها الثانوية .

بدأت أولى محاولاتها الكتابية في تلك الفترة، حيث كتبت أول رواية، وفيها سيناريو وحوار، ولكّم تمنت أن تنهيها وتراها فيلماً أو مسلسلاً فكانت أولى خطواتها التي مكّنتها أن تقف اليوم على درب الكتابة الذي تعشقه وتعتبره زادها في الحياة، أنها أسيرة الحرف والكلمة، هكذا تعبّر عن نفسها

عادت إلى لبنان، تزوجت وأنجبت أولادها الخمسة حفظهم الله تعالى .

توجهت إلى التعليم الديني، لتكون على إلمام بالمسائل الفقهية وواثقة مما تقوم به، فحصلت على شهادتين بدرجة امتياز

عملت كمديرة، مشرِفة، ومُدرّسة دورات قرآنية عدة في لبنان

غادرت لبنان مجدداً بعد أن دمّرت الحروب كل فرصة أو أمل لها بحياة سعيدة في وطنها، فاتجهت نحو أستراليا التي حضنتها ورعتْ مسيرتها الجديدة في كنف أهلها وإخوانها وأختها .

في أستراليا، لم تجلس في البيت، بل تعلّمت وحصلت على عدّة شهادات أكاديمية في التجارة والعلوم المصرفية والمالية عدا عن مشاركاتها في أي نشاط ثقافي تدعى إليه ويكون لها فقرة شعرية أو كلمة، تدعو فيها الجميع لاتخاذ لغة المحبة والتفاهم مبدأ وشعارات تحترم الناس وتتعامل معهم حسب الجنسية الانسانية والمحبة .

انها نبذة مختصرة عن الشاعرة والأديبة اللبنانية سوزان عون، التي كان لنا معها هذا الحوار الرائع والشيّق فتوجهنا اليها بالسؤال التالي ليكون بداية لمشوارنا الحواري:

 

هناك كم كبير من التراث الأدبي والثقافي لدى المجتمع العربي في عصرنا الحاضر،-1 وكتاب وأدباء ومثقفون في تزايد مستمر وفي المقابل هناك تراجع لدى الشباب العربي في مطالعة هذا الكم من التراث مما أدى إلى وجود جيل ليست لديه الرغبة في التواصل مع القراءة، إن كان هذا الكلام صحيحا، برأيكم ماهي الأسباب، وهل عجز المثقف والأديب العربي في الوصول إلى طرح مواضيع أدبية وثقافية بأسلوب عصري مشوق تتناسب وعقلية الشباب واجتذابهم، أم العكس ؟وهل سعى المثقف العربي إلى إيجاد منهاج واضح لكسر حاجز ذلك التراجع وحث جيل الشباب على شغف المطالعة والتعرف على تراثهم الأدبي والثقافي؟

ج - التراجع لدى الشباب العربي في مطالعة هذا الكم من التراث سببه الظروف السياسية السائدة حاليا، وتعدد وسائل جذب أخرى شغلت الكثير من القراء عن المكتبة والكتاب، منها على سبيل المثال شيوع ظاهرة ثقافة النت وما تنشره من مواد هابطة، مضافاً إلى السببين المذكورين حالة الإحباط التي يعيشها القارئ العربي جراء ما يشاهد من حروب وثورات وفتن، وهي جميعا أسباب قد استنزفت طاقات الشباب وأرواحهم وحياتهم، وحصدت تلك الحروب الكثير من الثقافات والحضارات ودمرتها، ولم يقتصر ذلك على الحجر فقد طال ذلك البشر أولا وبعنف وبطرق وحشية، كبارا وصغارا ومن خيرة الشباب .

ثمة سبب آخر، هو تنامي وتكاثر الطروحات الأدبية العشوائية، واختفاء الثقة بين القارئ والمقروء، وتراجع نسبة الالتزام الإبداعي والثقافة الأدبية الشعرية في النص .

فنجد كل مَنْ هبّ ودبّ يكتب،أوجد ذلك نصوصا خالية من الإبداع الأدبي الفكري، وخصوصا بعد ثورة الأنترنت القوية والفضاء المفتوح وإباحة المحظور وكل ما يخطر على البال للجيل المراهق .

كل تلك العوامل، نفّرت الشباب من القراءة وفي الوقت نفسه قدم الأنترنت تسليات مجانية وفتح للشباب عيونه على الانحراف ودعمَ انحرافه بمواقع تلبّي احتياجات الشاب الفاسد من كل أدوات اللهو والفساد تخاطب غريزة القارئ لا عقله .

لا يوجد عجز كما طرح في السؤال، ولكن الموضوع أخطر من ذلك بكثير، هي حرب مدروسة لإنشاء جيل بعيد عن الفن والثقافة، ويكون أقرب إلى العنف وإدارة الحروب .

ننتظر الأحداث لتهدأ، فما يحدث من تغيّرات في البلاد العربية ومن محاولات للقضاء على الحضارات، وما ينجم عن ذلك من انعكاسات سلبية لها أثرها المخيف ومرعب، وينذر بكوارث أكثر من التراجع الأدبي .

وأجد حاليا جمعيات ثقافية فهمت وأدركت ما يجري، فعملت على إنشاء جمعيات ثقافية أدبية، تعنى بالنشئ الجديد وتمهّد لجيل يعي ما يتهدده من تحديات، تدعم قدراته وتقف بجانبه ليسمع صوته لكل الناس، وهنا أعطي مثالا على ذلك، جمعية حواس ومقرّها لبنان والتي أشغلُ منصب سفيرتها هنا في أستراليا، ورابطة أدباء العالم العربي والمهجر ومقرّها فرنسا والتي أشغل منصب مستشارتها في أستراليا .

هذه الجمعيات تقف كتفاً بكتف لدعم أية موهبة شبابية مغيّبة بشكل من الأشكال، فتعمل الجمعيات على نشر إبداعاتهم وإسماع أصواتهم لكل الناس.

 

2 - الكثير من يوجه اللوم إلى المؤسسات التعليمية في الدول العربية لطرحها الثقافة الأجنبية في قنواتها الدراسية بكثافة وإهمال الأدب العربي أو عدم إدراج مناهج أدبية وثقافية متميزة كافية ترتقي إلى المستوى المطلوب تساعد على أيجاد جيل أكثر تفاعل مع ثقافته العربية، ماقولكم؟

ج - هذا السؤال لا ينطبق على بلادنا العربية، فأنا درست في مدارس لبنانية ومدارس في دولة الإمارات العربية، وكانت كتبنا المدرسية تتحدث عن الحضارة العربية، وعن الشعر ورواده، أما إذا قصدت بعض المدارس التابعة لبلاد أجنبية وتعمل في بلادنا، وتدّرس المناهج الأجنبية، فهنا صار القرار فردياً ونابعاً من الشخص الذي يريد أن ينشئ أولاده على الثقافة الغربية .

ولا أجد ضيراً من تعلم كل الثقافات والإلمام بها ولكن بدون تجاهل حضارتنا العربية الشعريّة الرائعة .

وأنا أطالب دولنا العربية من هنا ومن على هذا المنبر، بمراجعة كل الكتب المدرسية، وإصدار مناهج تحاكي أوجاعنا الحالية وما يجري حولنا من فتن وثورات بائسة وحروب مدمرة ودعوة الجميع ليكون واعياً للهجمة المركزة على الحضارة العربية الأدبية .

التركيز على حثّ التلاميذ للعودة إلى المحبة والسلام والألفة في التعامل في المجتمع بين الأفراد، ونبذ العنصرية الدينية والطائفية وترك محاسبة الناس على معتقداتهم لله سبحان وتعالى وعدم المس بحريات الآخرين أو التعدي على خصوصياتهم وأملاكهم .

القصة الأبلغ من كل ذلك، هي أن الثورات الحالية والتي تقتل باسم الدين والدين منها براء، دمرت الكثير مما كان مطروحا سابقا ونسفته وكان يدّرس في المدارس وعلينا إعادة النظر مجددا وإصدار مناهج جديدة تزنُ الناس بميزان الإنسانية وتحاسبهم حسب

ذلك كما قال إمامنا علي عليه السلام، الناس صنفان، إما أخ لك في الدين أو نظيرك في الخلق .

 

3 - إلى أي مدى وصلت مكانة الشعر في حياة سوزان عون؟

ج - الشعر هو سوزان وسوزان هي الشعر، فهو حياتي وأنفاسي .

الشعر هو نبض الحياة وأنفاس الحضارات، والحضارات بلا شعراء وفنانين، لا قيمة لها .

الكتابة سمو وارتقاء، وحديث الروح للروح .

واستحضار الماضي بلسان الحاضر، فالشعر هو اللغة الروحية الإنسانية الأممية الخالدة التي يتركها البشر قبل أن يرحلوا وتظل أبد الدهر فكيف سيكون إذن في حياتي أنا بالكتابة

شممتُ عطراً لم أشمّه من قبل ليس له مثيل

وحولي الغيوم البيضاء، ترسم لي في الفضاء أشكالاً وكلمات حب وقصائد أعجبتني إلى أن استمريت في التحديق بها، وأنا أحاول أن أقرأ كل ما تكتب بلا كتابة اشعر كأنني مغيبة

عن الجمال والفن والرسم والنحت والموسيقى .

 

4 - لو قلنا إن الصحافة العربية وبكل قنواتها المتاحة في استراليا – مقصرة ولم تكن حلقة وصل مهمة في نشر مساهماتكم الأدبية والثقافية وإيصالها إلى الآخرين ماهو ردكم، ومن ساهم أكثر بذلك؟

ج - لا أستطيع أن أحمّل الصحافة مسؤوليّة التقصير، فالوضع العام السائد، دفع الكثير من الناس إلى الانشغال بأمور على المحك ومصيريّة رغم أن الشعراء هم لسان أممهم والناطقون الرسميّون لهم والأقوى على نشر الوعي الثقافي والاجتماعي وإسماع العدو والصديق أوجاع أقوامهم .

وهنا أنتهز الفرصة لأشكر كل من وقف بجانبي ودعمني أو آمن بي كشاعرة أو أحب ما أكتب، أشكر والديّ وأولادي،أشكر أيضاً كلّ الأصدقاء على مواقع التواصل وأهمها الفيسبوك، فكل واحد فيهم ترك أثرا طيبا في داخلي وأشكر الصحافة العربية اللبنانية والأسترالية كجريدة التلغراف ورئيس تحريرها الأستاذ أنطوان قزي والأنوار ورئيس تحريرها الأستاذ سايد مخايل وبانوراما ورئيسة تحريرها السيدة وداد فرحان وجريدة العراقية ورئيس تحريرها الأستاذ أحمد الياسري وأشكر والدي الروحي المخضرم الشاعر الأستاذ يحيى السماوي ووالدي الروحي الشاعر المبدع الأستاذ شربل بعيني، وأوجه شكر كبير للباحث الأستاذ ماجد الغرباوي ودعمه لي

ولن أنسى الصديق المميز الملحن الفلسطيني الأستاذ والأخ ياسر عمر

وأعتذر إذا سهوت عن ذكر البعض .

 

5 - بالنسبة إلى قصيدة النثر، يقاطعها البعض ويعتبرها أدب غربي دخيل على الشعر العربي، كيف يكون ذلك؟

ج - نحن نعيش عصر تلاقح الحضارات وتبادل العلوم والمعرفة في زمن أصبح فيه العالم شاشة حاسوب وليس قرية كونيّة، فما المانع من إثراء الأدب العربي بجنس أدبي جديد

أليست الرواية أوربية النشأة وقد استفاد منها الأدب العربي فأصبحت لنا روايتنا العربية التي وصلت مرحلة العالمية فحصدت جائزة نوبل؟

نحن نستورد من الغرب السيكار والحذاء وحتى الحنطة والشعير وليس السيارة والتلفزيون والحاسوب فحسب، فما المانع من الاستفادة من فنونه الإنسانية لإنماء فنوننا العربية؟

الإنسان واحد حتى لو اختلفت الجنسيات والأعراق، لأننا في النهاية نستظل شمسا واحدة

أتمنى على الذين يقفون ضد قصيدة النثر أن يستفيدوا من الدرس المجاني الذي قدمه لنا الزمن عندما شهر حرّاس القصيدة العمودية أصواتهم ضد قصيدة التفعيلة والشعر الحر فتلاشى ضجيج رفضهم وبقيت قصيدة التفعيلة والشعر الحر .

 

6 - عندما نتحدث عن فن كتابة القصة القصيرة، ربما يقع الكاتب في متاهات وتخبط الابتعاد كلياً عن أساس المادة القصصيّة الناجحة، باعتبار أنّ المحادثة والحوار اليومي بين الناس تعتبر جزء فني في القصة، هل لكم رأي آخر؟

ج - القصة تعني القصّ / الحكي.. فالقاص هو حكواتي، غير أن للقصة القصيرة ثوابتها التي تختلف عن الرواية والقصة الطويلة ..

فإذا كانت الرواية تتطلب الإفاضة والإطناب وذكر التفاصيل وما هو ثانوي تبعاً لتعدد الأحداث والشخصيات، فإن القصة القصيرة تتسم بالإيجاز وذكر الجوهري وعدم ذكر الهامشي والثانوي .

 

7 - من المعروف، هناك لغتان إحداهما تسمى لغة رواية وأخرى لغة الرواية الشعرية، كيف يتسنى لنا أن نعرف المشترك والمختلف بينهما، والاثنان يستخدمان الجنس الروائي والتعبيري في الحوار؟

ج - اللغة واحدة، لكن البنية الأسلوبية تختلف، فالرواية الشعرية تعتمد على جمالية اللغة وشعرنة الجملةـ بمعنى تقريب الجملة من الشعر على صعيد البلاغة واستعاراتها المجازية ومخيالها كما في رواية شرق المتوسط لعبد الرحمن منيف، بينما اللغة في الرواية العادية لا تولي أهمية للبلاغة والانزياحات اللغوية، وقد تلجأ أحيانا إلى استخدام اللهجة الشعبية في السرد كما في رواية زقاق المدق لنجيب محفوظ .

 

8 - ما هو دور المثقف اليوم فيما يجري حاليا في كشف عورات السياسيين وماالحجم الذي تحمّلهُ من أعباء نتيجة لذلك، وما درجة ثقة الجماهير العربية بهذا الدور؟

ج - دور المثقف كدور أيّ مواطن شريف يعيش في بلده أو بالاغتراب وهو دور كبير وحساس، فتراه يهتم بِقيمه ووطنه وشعبه وراحتهم وسعادتهم .

المهم دوره يظل كالشمس التي تنير وتشرق لتكشف أي فساد، ويسلّط الضوء من خلال قصائده على المنابر أو مقالاته المكتوبة على الحقائق والمفاهيم والأصول إن غابت وذلك لايكون الا بإلمامه بالحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وإلا لا يكون مثقفا، بل مردداً لكلمات يحفظها أو ساكتاً على ظلم السلطان وجوره .

فلا يكون المثقف صوتاً لشعبه المظلوم والمهدور حقه، ولا يكون الناطق بأوجاعهم وأحلامهم فيطالب الساسة بها تاريخيا، تحمل المثقف عبئا ثقيلا كلفه حياته أحيانا والتاريخ لا يخلو من حكام ظلمةٍ فتكوا بالمثقفين وقطعوا رؤوسهم وأعدموهم وصلبوهم فيا للأسف طبعا ولولا كلمة المثقف المسموعة والمرئية والمقروءة والخوف منها واحترامها من عامة الناس، لما سمعنا بظلم السياسيين ولا عرفنا ببطشهم والشعب المقهور المسلوب حقه في رفع صوته، ينتظر من يصرخ عنه أو من يطلق شرارة الانتفاضة ليسانده ويدعمه، فكلمة المثقف لا زالت ولله الحمد مسموعة ومحل احترام حتى أيامنا هذه، وهذا من طبيعة الشعب العربي الذي لا زال يستأنس بالشعر وبالشعراء وبالمثقفين ويراهم شعلاً من المحبة تطفئ نار الخائنين وأيادي خير وغيث لمساندة فقراء المجتمع، فيساندهم بحبه لهم وإبداء الاحترام والتقدير.

مما جعل مكانة الشعراء عالية لدى شعوبهم، كمكانة شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري في العراق ومكانة محمد مفتاح الفيتوري في السودان، وقبلهما مكانة حافظ إبراهيم في مصر كأمثلة وليس حصرا .

 

9 - المتلّقي العربي يعيشُ أزمة الثّقة بمثقفيهِ بالوقت الراهن بحجة أن أغلبهم ما زال في مرحلة تعتبر بدائية مقارنة بالتقدم الثقافي الذي وصل إليه المثقف الغربي، ويعزون ذلك إلى أمور كثيرة منها توفر الاستقرار والمساندة المباشرة وحرية التعبير في بلدانهم وغيرها، كيف الحل لهذه المشكلة؟

ج - لا أعرف ما المشكلة حقيقة الأمر بالثقافة العربية المجيدة التي شرّفت حضارات وأمماً وعوالم ولا زالت .

المشكلة الحالية هي مشكلة خاصة بالمتلقي العربي، لا نستطيع أن نعمّمها وجعلها مشكلة عامة .

بلادنا العربية والجاليات الاغترابية لا زالت تضخّ مثقفين وفنانين وشعراء وأدباء، فلا أجد أنّ هناك مشكلة كبيرة تستحق هذا الخوف

لولا إنقاص اسم أو نسيانه لكنتُ ذكرتُ لكَ لوائح طويلة عريضة تضم مبدعين من كلّ البلاد العربية والاغترابية ومن الجنسين، رجالاً ونساءً

وأما المشكلة التي ترخي ظلالها حالياً، هي الأزمات السياسية المرّة التي تدمر الأخضر واليابس، وهي مؤمرات عالمية مدفوعة الأجر وأُنفقَ عليها الملايين لتدمير البنى التحتية والثقافية والسياسية والاجتماعية وإحلال الفساد مكانها

ولكن لتلك الثورات أيضا فائدة، فهي محرّضة شعرياً على رأي المتنبي: مصائبُ قوم عند قوم فوائد

ولكي أكونُ أكثر إنصافا ودقّة، إن الأحزان التي زرعتها الحروب في نفوسنا، جعلتنا ننسى أفراحنا ونكتبُ عن النصر والدفاع المقدس ونعيش أوجاع الشعوب، فلا ننسى الأشعار التي كُتبت عن الحشود الشعبية التي انتظمت في صفوف جماهيرية واسعة تطالب بحقوقها وطرد المحتل وتحارب الهجمات الإرهابية الفاشيّة التي فتكت ببلادنا وأرزاقنا

قل لي من فضحَ الرؤساء المرتشين الفاسدين في كل مكان، أليس الشاعر الذي أنهكهُ وجع أهله وأرضه ومشاهدته السرقات الكبيرة التي تنهبها أيد داخلية؟

 

10 - كيف استفاد الأديب العربي من وسائل الاتصال الحديثة كالأنترنت، وإن لم تكن هل لها مساوئ واضحة؟

ج - لكل اختراع، قديم وحديث فوائد إيجابية وسلبية، وكل آلة أو كل جهاز يعتبر سلاحا ذا حدين، كالأنترنت تماما، فلا نستطيع أن ننسى خوف الأجداد والأهل قديما عند اختراع التلفزيون والراديو والكثير من الأجهزة.

والأنترنت حاليا، هو منبر المثقف والشاعر الذي من خلاله يطلّ على المجتمع والناس ويوصل صوته وكلماته لجماهيره

فلولا الأنترنت مثالاً لا حصراً، لمَا عرفتني ولا عرفتك أخي سلام، وحضرتك مقيم في ملبورن وأنا في سدني .

إذن استخدام الأنترنت بطرق صحيحة، يربط العالم أجمع ببعضهِ ويكون فعلا قرية واحدة

إذن للأنترنت حسنات جمّة إذا أحسنّا استخدامه

أما مساوئه، فحدّث ولا حرج، كالسكين تماما بيد الأحمق، لا نعرف أين سيغرزها

تَرك الأطفال يقلّبون بالأجهزة الحديثة من حواسيب وأجهزة محمولة (موبايلات) بدون رقابة، حتماً سيؤسس جيلاً خرِبا، اطلّع على أمور أكبر من عمره وأصبح مدمناً عليها، وأصبح خطراً حقيقياً على أيّ مجتمع يعيش فيه ولن تردعه أي قيم سلوكيّة أو دينية

علينا الوعي واستدراك حلول تناسب هذه المرحلة الجديدة ولا نعتمد على ما سلف

هنا أرفع صوتي عسى أن يصل لكل أسرة ولكل أم وأب، وأقول; ليس المهم أن نُنجبُ أطفالاً المهم أن نحافظ عليهم ونربيهم تربية صحيحة نظيفة وطاهرة .

 

11 - ما أهمية قيام مهرجانات للأدباء والكتّاب العرب؟ وبصراحة، هل لديك قناعة كافية بالدور الذي يلعبه الأديب العربي بكل هذه الأمور، وهل هي كافية وتلبّي طموحات المثقف العربي على مستوى الساحة الاسترالية ؟

ج - المهرجانات واللقاءات والمحاضرات تُعزّز العمل الثقافي وتعمل على نشره وبث روح التنافس الشريف بين المبدعين، وتخلق جوا يسوده الفن والإبداع وهذا ما يحتاجه كل منّا، فلولا تلك الاحتفالات، لانحسر الحس الفني الموجود داخل النفس البشرية، فمن خلال تلك الاحتفالات ينفّس المبدع عن ما يجول في باله وينشر أمام الملإ آخر إبداعاته ..

كما أن للمهرجانات فائدة مهمة للأديب ذاته لأنه تجمعه بزملائه الأدباء المتباعدين جغرافيا .

عندي إيمان قوي بالدور الذي يلعبه المثقف في المجتمع، ولولا هذا الدور لمْ تكلف حضرتك عناء إرسال هذا الحوار الجميل لأجيب عليه وتنشره حضرتك لاحقا في جريدة بانوراما ويقرؤه الآخرون .

لولا الدور المهم الذي يلعبه المثقف العربي لمَا وجدت ما أكتبه عن حراكه المهم والمميز في إشعال فتيل الانتفاضات بين الأمم .

أما على مستوى الساحة الأسترالية، فنحتاج لهذا الحراك الثقافي الإبداعي جداً وكثيرا، فهو الجسر الذي يربطنا باللغة الأم ولولاه لمات الحرف واختنق اللون وضاعت المعاني الجميلة .

وأيضا على المستوى الأسترالي، أكيد، إذا نظرنا حولنا جيدا، أكيد سنراهم ونسمع بهم .

هناك نتاجات عربية اغترابية أسترالية، ولكن قلّة الاهتمام بنشاطاتهم وتسليط الضوء عليهم، يشعرهم بالخذلان والضعف، فيسكتون عن وجع ..

يجب الاهتمام بكل مبدع مغترب في أستراليا، وإنشاء رابطة ثقافية لها وزنها وحضورها القوي وعلى مستوى كافة الولايات الأسترالية، تعمل على زيارة كل ولاية على حدة وتسجيل أسماء المبدعين فيها وما قاموا به وأنتجوه .

وهنا أود أن أنوّه بالخطوة النوعية التي قامت بها الأخت الدكتورة بهية أبو حمد بإيعاز من الشاعر المخضرم شربل بعيني في إنشاء مكتبة تضم كل الإنجازات العربية وتوضع هذه المكتبة في القنصليات العربية لحفظ النتاج العربي الاغترابي .

ويكفينا فخراً نحن في أستراليا وجود القامة العراقية المخضرم الأستاذ يحيى السماوي، الذي أجده مدرسة إنسانية نتعلم منها كل يوم ونتشرف بمعاصرتنا له .

والقامة اللبنانية الشاعر المبدع الأستاذ شربل بعيني، والشاعر الإعلامي القدير أنطوان قزي وهناك الكثير الكثير، لهم منّي كل الاحترام والتقدير .

وستقوم رابطة البياتي مشكورة بتكريمهم في يوم 22 وتوزيع الشهادات التقديرية تشجيعا لهم وإسماع العالم أصواتهم .

ومن هنا أدعو الجميع إلى حضور هذا الحفل الثقافي المبهر والمشاركة فيه دعماً للإبداع والفن والثقافة .

وهناك معرض للفنون التشكيلية في يوم 12،يشترك فيه الفنان العراقي حيدر عباس في سيدني، وهو معرض يشرّف كل فنان ووجود هكذا إبداع مميز وبهذه الجودة والإتقان .

 

12 - لأنهم لا زالوا يظنون ويعتبرونه مجرد أدب في طريقه نحو التطورمتى يعترف أدباء الغرب بالأدباء العرب المعاصرين؟

ج - لا يا أخي، الغرب عرف قيمة أدبنا العربي منذ عقود كثيرة، وبعض كبار الأدباء الغربيين تأثروا بالأدب العربي كالشاعر الإيطالي الكبير دانتي في ملحمته الكوميديا الإلهية وتأثرها برسالة الغفران لأبي العلاء المعري حسب رأي كثير من النقاد العرب والأجانب، كذلك نلاحظ الحضور الكبير لجبران خليل جبران في المشهد الأدبي الأمريكي، ولنا في حيازة نجيب محفوظ على جائزة نوبل، والطيب صالح الذي عدّتْ روايته " موسم الهجرة إلى الشمال " من بين أفضل مئة رواية في العالم

 

13 - عربياً برأيكم هل هناك أزمة في الشعر أم في الشعراء؟

ج - هنا ليس الشعر وحده في أزمة، فالواقع العربي يعيش أزمات في السياسة والاقتصاد والتنمية وفي كل مناحي الحياةـ وجميع هذه الأزمات هي انعكاس للأزمة الكبرى: الفساد السياسي .

 

14 - ليلى حتى الرمق الأخير، هو عنوان لمجموعتكم الشعريّة التي صدرت مؤخرا بالتعاون مع مؤسسة المثقف في سيدني، بما تميّزت من خصائص؟

ج - أعتبرُ مجموعتي الشعريّة ليلى حتى الرمق الأخير، هدية ثمينة في حياتي، لأنها تحتوي على خلاصة تجربتي كامرأة تحدّت كل الظروف لتُسمِع صوتها للعالم، وتتحدى النظرة السائدة حول المرأة ولأضع أسس جديدة في حياتي، وأكون جديرة بالحياة فأترك بصمتي الخاصة بي قبل رحيلي .

وهذا ما قاله الشاعر المبدع الأستاذ شربل بعيني عن المجموعة الشعريّة ...

((عندما طلبتْ مني الأختُ الشاعرة سوزان عون أن أتكلّمَ في ندوة توقيع ديوانها الجديد "ليلى حتى الرمَقِ الأخير"، وافقتُ دونَ تردّدٍ، كيفَ لا، ونحنُ بأشدّ الحاجةِ إلى أدبٍ أُنثَويٍ في غربتِنا هذه .

لذلك اسمحوا لي أن أسلّطَ الضوءَ، بشكل سريع، على التمدّد الشعري عند سوزان عون

والتمدّدُ الشعري هو أن لا تبقى في مكانِكَ كشاعر القبيلةِ، أو أن تتقوقعَ في حزبيةٍ ضيقةِ، أو طائفيةٍ بغيضة هو أن تضمَّ الجميعَ تحت جناحيكَ، وتشعِرَهم بدفء إنسانيتكَ، لتبلُغَ العالميةَ، ومجنونٌ من يعتقدُ أن العالميةَ هي الكتابةُ بلغةٍ أجنبية

لا وألف لا، العالميةُ هي أن تُبدعَ بلغتك أنت، لأن الكونَ كلَّه، تحوّلَ إلى قريةٍ صغيرة، بوجود الأنترنت .

سوزان عون كما تَروْن، شاعرةٌ مؤمنةٌ مسلمةٌ محجبةٌ، ومع ذلك تمدّدت في أشعارها، وسطعتْ بإنسانيتها كشمس قريتها الكفور في قضاء النبطية، ورفضتْ أن تكونَ شاعرةَ القبيلة .

وها هي تفكّ أغلالَ المرأة العربية المهمّشة وتتمددُ نحو الحب بجرأة بالغة :

"اسمع أيّها الآدميّ ..

أنا شوكةٌ داميةٌ في خاصرةِ الحَصادِ،

أبرعُ كما نسائمُ الساكنينَ على رِمشكَ ..

متوردةٌ أنا، في حُشاشةِ الصّبا،

يقتبسُ منّي كلُّ المجادلينَ في أزليةِ الحبّ

فيُخْفِقُونَ، وأنتصر أنا ..

أنتصرُ أنا " .

ولم تكتفِ بذلك بل راحتْ تهدّدُه بإغرائها الأنثويِّ العاري من الأوراق :

سأغرزُ إغرائي فيكَ

بكلّ ما أوتيتُ من أنوثةٍ

وأتقلّبُ بينَ ناظريكَ

كهاربةٍ مجرّدةِ من أوراقي " .

إلى أن تبلُغَ ذُروةَ التحدي في هذا المقطعِ المثيرِ الرائع :

"حبّاتُ الكرزِ تلك، ما أينعَ مجدُها بعد

ولن تعصُرَ لكَ نبيذاً، سَلْني أنا

. أنا ليلى حتى الرَّمَقِ الأخير"

واللهِ، والله.. هذا هو الأدبُ الأنثويُ الجميلُ .

                   **

سوزان عون التي تنقلّت بين البلدان إلى أن حطّتِ الرحالَ بيننا، تأبى إلا أن تغرُفَ من التراث الفرعوني المصري هذه الصورةَ الجميلة :

"يحنّطُ الذكرى كمومياءٍ لئلاّ تموتَ

ويحفظُها في هرمِ القلبِ زخرفاتٍ أبديّة"

كما أنها أهدتِ العراقَ "قرابينَ عِشقها"، وتكحّلت بترابه :

أنا من تُربَةٍ سقاها حُلُمُ الصبا،

خطّ على جبينِها اسمي،

فتكحلتُ كعروس الفرات الخصيب " .

أما التمددُ الأجمل فكان مسيحياً صرفاً، وهذا ليسَ بغريبٍ على شرفاءِ الكلمةِ، فلنسمعْها تصرخُ :

أحلمُ بأجراسِ مدينتي

تَقرعُ في ليالي اللقاء،

تَرفعُ الغربةَ عن صدرٍ متعطّشٍ لحضنِ الوطن " .

وصدقوني إن لم نحلمْ حُلمَ سوزان عون في هذا الزمن التعيس، القاتل، ونبتهجْ لسماعِ الأجراسِ والآذانِ معاً، سيضرِبُنا الله بصمم قد لا تحسدُنا عليه الصخور .

ولكي تُثبتَ القولَ بالفعلِ بدأتْ باتبّاع آثارِ القديسينَ :

"كسَرَتِ الرسلُ كلَّ أصنامِ الجمودِ

وتبِعْتُ أنا آثارَ القدّيسين "

وفي نفس الوقت راح "هديرٌ سماوي لقداس في معبد" يحوّلها إلى "أيقونة من زمن أمي حواء " .

الآن بدأت أفهمُ لماذا عجائبُ القديس شربل تشفي المسلمين أكثر من المسيحيين

تصفُ سوزان عون نفسَها بـ"الغيمةِ الغافيةِ على بساطٍ من وجع"، وأنا أصفُها بالغيمة المباركةِ التي أمطرتْ من وجعِها فرحاً، بدأنا نتنعّمُ به في غربتنا هذه . وشكرا

الشاعر شربل بعيني

رئيس تحرير الغربة

 

15 - هل من نتاج أدبي جديد في الأيام القليلة القادمة؟

ج - حتماً، فأنا أحضّر لمجموعة شعريّة ثالثة ستكون خطوة جديدة لي وبأسلوب شيّق

لن أتحدّث عنها الآن، لكيلا أفقد العمل رونقه .

 

ألشاعرة ألمتألقة سوزان عون شكرا لك وللصراحة ألواضحة أتمنى لك ألمزيد من ألألق ألمتعال وألأبداع ألمستمر.

أودّ أنْ أشكر حضرتك أستاذ سلام السماوي على هذا الحوار الغني والشيّق معاً .

دمتم للإبداع ولأهله صوت حق صدّاح .

 

حوار : سلام البهية السماوي - ملبورن

 

maymon harashحين يُسأل عن عمره يحب أن يسمع من قرائه الكثيرين "كم عشتَ منه للمسرح؟"..سكنه المسرح، وهب له نفسه، وكرس له كل طاقاتِه، فأبان عن ممثل بارع، وكاتب رصين، يُقنع كلما نطق بصوته الجهوري، ويحصد الإعجاب وهو فوق الركح .. حتى كتاباته في الرواية، والقصة القصيرة، والقصة القصير جداً، وفي الشعر لم تسلم من " أثر المسرح" فيها..

نفَسه في الكتابة طويل، يعشق الحرف المخملي، ينتقيه، و يصفيه، ثم به يبدع في الرواية، والشعر، والقصة..لا يمكن أن تعرفه دون أن تحبه.. هو مثل " بطل روائي" يعيش في المخيلة، يحيى بين الناس، يتكلم بلسانهم، ويعيش حيواتهم في الزقاق، كما في القصور، يتأبط قضاياهم، ويتحدث بلسانهم فيفرح لفرحهم، ويأسى لترحهم..

أصدر في الرواية " غادة العامرية"، وفي الشعر الزجلي " خويا العربي"، و"لميمة"، و"جذبة المداح"، وفي القصة القصيرة جداً " رسم بريشة القمر"، و"من الهدهد إلى الحكيم"، و" عشتار والقمر"، وفي المسرح له "عودة أريز"، و" صهيل الجياد الريفية"..

أهلا بك أستاذ مولاي في "العرين"..

 

س- حدثنا عن طفولتكم؟.. لن نعدم فيها محطات تنبئ بما أنت عليه الآن من شهرة؟

ج- ألف شكر على استضافتكم لشخصي المتواضع وبارك الله فيكم، وأنتم بفعلكم هذا تكرمون الأدباء والكتاب، وأقول مستعينا بالله :

ولدت ببيت العائلة من أبوين صحراويين وتربيت بين أحضان جدي وكان ضريراً رحمه الله وفقيها وإماما ومؤذنا ومجودا لكتاب الله، وكان حلم والديّ رحمهما الله أن آخذ العلم وأحفظ القرآن من جدي وفي سن السادسة كنت أحفظ نصفه أو يزيد قليلا عن ظهر قلب، مع ابن عاشر والبردة وكثير من الأحاديث، إلى أن توفي جدي والتحقت بالمدرسة النظامية التي لم آخذ منها شيئاً وقد أثرت في الوفاة، وكنت كسولا وأذكر أنني حصلت على الشهادة الابتدائية من مدرسة القرآن الكريم الحرة بمدينة وجدة وأنا كبير في السن وكنت محظوظا إذ انتشلني أستاذي رحمه الله محمد اليوسفي الورطاسي من براثن الجهل وظلمته، وأدخلني المسرح والتمثيل الإذاعي فتعلمت منه "وقد كان فقيها وفناناً ومسمعاً وممثلا ًجيداً ومطرباً يصدح بصوته العذب"، وفي ظرف وجيز أصبحت أفرق بين الناسخ الفعلي والناسخ الحرفي، و أقرض الشعر وأجيد الوقوف على الخشبة (هههه)..

 

س- المسرح سَكنَ منكم القلب والأهداب.. ما قصتكم مع هذا الفن الراقي؟

ج-المسرح كياني أعشقه وأحب رجالاته ونسائه، وله أفضال علي يؤثر في نفسي أن أرى الركح ولا أقف عليه، رحم الله من علمني ممن انتقلوا إلى الرفيق الأعلى وأطال الله في عمر من لا زلوا على قيد الحياة وأذكر على سبيل المثال، لا الحصر، الكاتب المسرحي الأستاذ محمد مسكين رحمه الله والمخرج المبدع يحيي بودلال، أطال الله في عمره، والأستاذ الدكتور حسن الأمراني، والدكتور محمد بنعماره رحمه الله، والأستاذ الدكتور عبد لكريم برشيد، والمخرج بنيونس الطاهر، والفنان محمد اليوسفي رحمه الله، والأستاذ الكاتب والمخرج محمد بلهيسي، والأستاذ الدكتور مصطفى الرمضاني، والدرماتورج يحيى العزاوي، والفنان بنيونس صديق، والممثل محمد بنقدور، والمخرج يوسف بلعيد والأستاذ الممثل محمد بنجدي، وأسماء أخرى كثيرة، قد نذكرها حين يتسع المجال لذلك .

 

س- تحرص دائماً على أن يتصدر أعمالَك الإبداعية تقديم ٌ من بعض الكتاب الذين لهم حظوة في مجال النقد..هل يضير العمل لو خلا من التقديم؟ ثم ماذا تضيف لك هذه التقديمات؟

ج- بالعكس إن التقديم من طرف المتمرسين هو بمثابة "سكانير" كشف أجريه على كتاباتي، فأشخص الحرف والمعنى وقد وجدت في إخواننا النقاد كل الاهتمام بما أكتب، "بارك الله فيهم" وما يضيفه التقديم لكتاباتي هو أولاً : وضع شخصي على المحك.. ثانياً الاستفادة من نصائح وإرشادات الأساتذة والباحثين والمهتمين؛ وأسألك "بعد إذنك" هل تستغني عن الطبيب حتى وإن كانت العلة صداعاً بسيطاً ؟ أو أن تسوق سيارتك من غير أن تتأكد من وجود رخصة السياقة والأوراق اللازمة معك ؟

 

س- المفهوم الجديد للبطولة حسب عبد الرحمان منيف في الرواية هو ألا يتوقف" البطل"، أكثر مما يحتمله المشهد، أو الحالة، وعلى الشخصيات الأخرى أن تشبه مياه النهر، بحيث تتعاقب في الرواية، وتواصل مشوار الحياة/ مشوار الرواية؛"غادة" بطلة من هذا النوع، تحتفل بالبطل الفرد، هي شخصية كاسحة في روايتك " غادة العامرية" لا تفسح المجال للشخصيات الأخرى لتواصل المشوار.. هل من تفسير لهذا الاختيار؟..

ج-غادة العامرية في الرواية بطلة تجسد واقعها، وأحداث الرواية، ثم راوية لما عايشته في رحلتها القسرية، فتحكي عن أشخاص مختلفين، وفي كل فصل من فصول الرواية تجد بطلا أو بطلين، وهذا المنحى الأدبي في الرواية هو ما راهنت عليه فأوهم القارئ أن غادة هي البطلة بينما في القراءة الثانية للقارئ سيكتشف أن أبطال غادة العامرية كثيرون، فأدعوك أستاذي الجليل إلى قراءة ثانية لها وأنا متأكد من اكتشافك للبطل الأول في القصة ودوره المهم وهو القارئ الجيد ..

 

س- ثم إن "غادة" هي شخصية سورية، لكن الحوار الذي تجريه على لسانها هو مغربي نطقاً، وكتابة.. هذا تناقض .. كيف تفسر هذا المسعى؟

ج- بل بالعكس هو انسجام تام مع روح النص فغادة العامرية هي إنسانة مثقفة وعلى درجة عالية من العلم وطبيبة وتجيد لغات مختلفة، ثم إن المؤلف هو أيضاً ينهل من معين اللغة فكان التواصل بينهما بلسان عربي مبين، وإذا سلمنا بوجود بعض اللهجات العامية بداخل النص فغادة عبرت أكثر من بلد في رحلتها فلابد من أن ترسخ في ذهنها مصطلحات لسانية سواء أردنية أم مصرية أم ليبية أم جزائرية أم افريقية أم مغربية خاصة وأن إقامتها بالمغرب كانت أكثر من سنة.

 

س- مسألة أخرى أستاذ، هل قضايانا بهذا المَحل، أقصد ألا تستحق موضوعات مغربية قريبة منك أن تكتب عنها.. لماذا تشيط بعيداً..لماذا غادة العامرية السورية، وليس فلانة أو علانة المغربية؟

ج- سأكون مجانباً للصواب إذا لم أوثق لما جرى من أحداث الربيع العربي وآثاره، سلبياته وإيجابياته ورواية غادة "سبق أدبي"، بعد جيل آو أقل سيعتبرها من سيأتي بعدنا وثيقة مجسدة لأحداث واقعية، أما الجزء الثاني من السؤال وهو الأهم في نظري والذي يجب أن نقف عنده، فإن أغلب كتاباتي عن الوطن واقعه وتاريخه ورجالاته، كتبت مجموعة مسرحية "صهيل الجياد" وجسدت فيها ملحمة البطل المجاهد الشريف سيدي محمد أمزين ومجابهته للاستعمار الاسباني وكتبت أيضاً في المجموعة مواقف السياسيين وبها فلان وعلان، وقد استحسنها المهتم الناقد المتمرس، إلا أن مطرب الحي لا يطرب فلا تلقى أعمالنا الاهتمام الكبير من طرف الجمعيات والهيئات ورجالات المسرح، في السبعينيات والثمانينيات والى غاية التسعينيات من القرن الماضي كنا نشتكي من أزمة النصوص المسرحية فكان الاقتباس والعمل على مسرحيات غربية وعربية ولما أصبح لنا كتاب ممتازون ونصوص جيدة لم نجد من يهتم بها، واسمح لي أستاذي أن "أسألكم مرة أخرى وبعد إذنكم طبعا" كم مسرحية شاهدتها خلال هذه السنة سواء في قنواتنا أم في قاعة العرض أعتقد جازماً أن إجابتك ستكون: (ولا واحدة)، والسبب يرجع لعدم وجود نصوص تبث جيدة، وهذا لا يعني عدم وجود جمعيات مسرحية تقدم عروضاً تستحق جائزة النص المتكامل لكن في ظل الاحتكار " وباك صاحبي" والمحسوبية فإنها لا ترقى للشهرة، ومع ذلك فمحبو وعاشقو الفعل الثقافي يمارسون عملهم وبصمت، إلى أن يحدث الله أمراً، ونقر بمقولة البقاء للأصلح وفي قصصي وأشعاري أكتب عن الوطن و بأسلوب جريء..

 

س- القصة القصيرة جداً لها نصيب كبير من إبداعاتك إلى جانب المسرح الذي تعشقه..كتبت لحد الآن: "رسم بريشة القمر" ومن الهدهد إلى الحكيم" ثم "عشتار والقمر".. هل لهذا التراكم اللافت ما يبرره؟

ج- لم يأت هذا التراكم عن طريق الصدفة، وإن كانت هذه الأخيرة ساهمت في وجوده، لأنه نتاج تجارب سابقة وحمولة أدبية سكنتني منذ أن أرسى مركبي على شاطئ الكتابة، وقد لا أقف عند المجموعات أعلاه بل قد أتعداها إلى مجموعات أخرى ستظهر قريباً إن شاء الله " جزاءً من ربك عطاءً حساباً "

 

س- تحتفي في "رسم بريشة القمر" بالمرأة بدليل أن أكثر نصوصها عن " الأنثى".. هل من علاقة بين القمر( وهو عنوان المجموعة) وهذا النزوع؟

ج- إنني من عشاق القمر حين أجلس إليه، يلهمني، يطربني وأناجيه ويناجيني، ويهدهدني فأنام وعيني مشرئبة إليه، والأنثى قمري وشعري وقرطاسي فرحي وأشجاني وكلما أحسست بغربة أو ضيق، كنت بين ذراعيها تهدهدني كطفل يحتاج صدر أمه فتكون بذلك أمي وأختي وابنتي وصاحبتي وحبيبتي والقمر والأنثى قدري وشغفي وهيامي .

 

س – أسبغت على المرأة في " رسم بريشة القمر " مسميات كثيرةً فهي : الأنثى، والأفعى، والجنية، والمرأة، والزوجة، والحبيبة، والبنت، والوصيفة، والجدة، وقرة العين، والفنانة، والوالدة والمبدعة، والسيدة، والأم، والمجنونة... كنتَ دقيقاً ورائعاً في انتقاء هذه الصفات في مقابل " الذكر" ولا أقول "الرجل".. أريد: المرأة في "رسمك" تتلون، والذكر يحتفظ بطلائه، هو إما زوج، أو حبيب فقط.. ما تعليقك؟

ج- المرأة هي الخصوبة، وهذه الأخيرة قد تلد حلواً أو مراً، وهي شلال دافق من الحنان والعطف والحب ومن متناقضه أيضاً فتكون بذلك في نظري محور هذا الوجود فلا يستقيم عود الذكر إلا بها، وإنصافاً لها ولحبها ذكرتها بما لها وعليها ..

 

س- تقول في "رسمك للقمر": " حاولتُ في هذه المجموعة القصصية "رسم بريشة القمر" أن أرسم حكايات ..." دعني هنا أسألك: رسم الحكاية؟ أم الكتابة عنها؟ ما الفرق ؟ هلاّ تفضلت وكشفت لنا ماذا تقصد؟

ج- حين نكتب الحرف فنحن نشكل صورة، ونضع رسماً، من أجل تجسيد معنى، وقد يعلق الرسم في الذاكرة وفي العقل الباطني فلا يحيد عنه، و بالتالي لا ينسى فهل يمكن أخي أن تنسى صور الرسوم المتحركة التي رأيتها وأنت صغير وهل يمكن أن تنسى ر سماً جميلا مر أمام عينيك ورسخ في ذا كرتك، لهذه الأسباب كان الرسم مختلفاً عن الكتابة، ولأنه خط بريشة القمر .

 

س- خصّك نقاد كثيرون بكتابات عن مؤلفاتك ..أيّهم برأيك استطاع أن يلمس وترك الحساس، أو يغني معك عزفك؟

ج- ليس الأمر مجالا للتفاضل بقدر ما يكون للنصح والإرشاد والتشجيع وبذل الجهد، لو لم يكن الكاتب لما كان الناقد ولو لم يكن الناقد ما واصل الكاتب مسيرته الإبداعية فكلاهما غصنان لشجرة طيبة مباركة جذعها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وأحمد الله وأثني عليه، أنني أقطف من بساتين النقاد أجمل الفواكه وأينعها، و" أجني منها مفازاً حدائق وأعناباً ..وشراباَ دهاقا "

 

س- تُكثر من الحوار في مؤلفاتك، وهذه ملاحظة سجلها الدكتور نور الدين الفيلالي، وغيره..وغياب الوصف من بعض أعمالك الأدبية لافت.. هل لممارستك المسرح علاقة ما ؟ أم هناك أسباب أخرى؟

ج- إن الغموض والتعلل به اعتبره لا يفي الغرض الأدبي ويضلل القارئ، أسلوب بسيط بمعنى واضح يخضع لشروط الكتابة المتعارف عليها أفضل عندي بكثير من نص يكتنفه الغموض فلا يعرف أوله من وسطه ولا من أخره وهذا يدفع إلى العزوف عن القراءة في رأيي المتواضع، و كما يرى الدكتور جميل حمداوي : أن الحوار أهم من الصورة ويذهب فرونسوا مورو إلى القول : إنه ليس كل علاقة لغوية بين موضوعين تستحق اسم الصورة فقد نجد صوراً ميتة تنتمي إلى القاموس والمعجم” lexicalisation "، وأرى أن الحوار هو أصعب ما في النصوص القصصية وليس من السهل إيجاده، وبخصوص ما قال به فضيلة الدكتور نور الدين الفيلالي فأنا أحفظه عن ظهر قلب وهو كالتالي : " كما تتميز المجموعة بغلبة عنصر الحوار على أغلب قصصها، وهو أمر يمكن ربطه بتجربة الكاتب في مجال المسرح، حيث نجد دائما حواراً بين شخصيات القصة رغم قلة الشخصيات وضيق الفضاء الذي تتحرك فيه". وأنا أتفق معه وأدعوك أخي للتمعن فيه فستجد أنني نهلت من كتاب الله الذي لا تخلو آية ولا سورة فيه من حوار، فنجد أن الحوار فيه بين الله والملائكة، وبين الله والإنسان، وبين الإنسان والإنسان، وهذا الأخير والحيوان، وحتى مع الأجرام والكواكب كالشمس والقمر والنجم ووو..

لهذا تجدني أركز على الحوار الذي أحدث به الصور التي أريدها وتقتضيها ضرورة وجودها

 

س- ألفتَ في القصة القصيرة جداً " رسم بريشة القمر"، و" عشتار والقمر"..

- ما قصتك مع القمر؟

- وكيف تختار عناوينك؟

ج- بيني وبين القمر علاقة طيبة ووشائج ومحبة.. أدعوك إلى الجلوس إليه فستعشقه وحتما ستضع اسمه على غلاف لمجموعة قصصية أو لأحد أعمالك الأدبية ..

 

س- ماذا عن المتابعة النقدية لأعمالك؟ .. هل أنت راض عنها؟

ج- حينما أسلم جسدي للطبيب للكشف عنه فأنا مستعد لنتيجة الكشف إما إيجاباً وإما سلباً ولا أستطيع أن أعارض الطبيب، إن صارحني بحقيقة علتي ودائي و أقبل دواءه وآخذه بعناية كي أشفى، والناقد الأمين بالنسبة للكاتب أو المبدع هو بمثابة الطبيب المعالج، وقديماً قيل :اثنان لا يتعلمان المستحيي والمتكبر، "فأحمد الله " أن كل النقاد الذين تناولوا موضوعاتي كانوا أمناء، وأنا أقدر مجهوداتهم.. ومن هذا المنبر أتوجه بخالص الشكر لكل من الدكتور عبد السلام بوسنينة وقد قدم ديواني الزجلي خويا العربي، والدكتور أبي أسامة محمد دخيسي وقد قدم المجموعة المسرحية عودة آريز، والدكتور نور الدين الفيلالي المجموعة القصصية رسم بريشة القمر، والأستاذة سنا ء يحياوي رسم بريشة القمر، والدكتور جمال الدين الخضيري المجموعة المسرحية صهيل الجياد، والدكتور نور الدين أعراب الطريسي المجموعة القصصية من الهدهد إلى الحكيم، والدكتور محمد امحاور الديوان الزجلي لميمة، والدكتور يحيى يوسفي المجموعة القصصية عشتار والقمر، والدكتور جميل حمداوي المجموعة القصصية عشتار والقمر، ويقوم الدكتور فريد أمعضشو بتقديم ديواني الزجلي "جذبة المداح " ويرجع له الفضل قي تصحيح و مراجعة المسرحية الفايسبوكية التي كان لي شرف إعدادها وإخراج فكرتها بمعية كتاب من مختلف البلدان والأوطان، والأستاذ وديع بكيطة رواية غادة العامرة، وأسماء أخرى كثيرة أذكرها في الإصدار الجديد لإعمالي الأدبية تحت مجهر النقد، وللأمانة يجب أن أنوه بإعمال الفنانين التشكيليين والفوتوغرافيين الذين زينت أغلفة كتبي بلوحاتهم المعبرة والمنسجمة مع مضامين مؤلفاتي ومنهم الأستاذ الفنان يحيى دخيسي، والأستاذة الفنانة زكية مركَوم، والإعلامي المصور محمد مقرش ..

 

س- كتابة الأنطولوجيات في القصة القصيرة جداً تحكمها المزاجية في الاختيار، ويسيجها ما هو عصبوي غالباً .. كيف السبيل لتنقية هذه الكتابة بغية تحقيق مناخ صحي للقصة القصيرة جداً؟

ج- أرى أن كل عمل إبداعي يخضع بالأساس لظروف عدة : الحال والزمن والمكان ..، فقد لا ترغب في الكتابة أو الرسم أو في أي عمل أخر فتجد نفسك وقد ارتديت لباسه فقد يكون هذا اللباس خشناً أو خفيفاً بحسب حالة الجو، وقد يحرك حنين الكتابة ظرف المكان أو الحالة النفسية وهذا لا عيب فيه بحسب رأيي ..

 

س- آخر كتاب قرأتَه أستاذي الفاضل، ولمن تقرأ من مبدعي القصة والقصة القصيرة جداً؟

ج- كتاب الله والموطأ للإمام مالك رحمه الله محاولة مني للوقوف على نصوص الأحاديث به وتدقيقها ..وفي مجال الأدب كتاب المقارنة بين الصور البلاغية (إبدالات نقدية) للدكتور نور الدين أعراب الطريسي والمجموعة القصصية القصيرة جداً تحت عنوان "فقاقيع" للدكتور جمال الدين الخضيري والمجموعة القصصية "نجي ليلتي" للقاص ميمون حـرش..

 

س- كُتاب القصة القصيرة جداً كثيرون والحمد لله .. بماذا تنصح مبدعي ومبدعات هذا الجنس الأدبي؟

ج- عدم التسرع في الطبع والتركيز على اللغة، ولا ضير في الاستعانة بمن سبقوهم في هذا الميدان والله موفق الجميع ..

 

س- كلمة في التالي: (حمى انتخابات 2015 - المقاهي الأدبية- غادة العامرية)

ج : سؤال مهم ويحتم الإجابة عنه ظرفيته

الجميع يقر بالإصلاح، ومحاربة الفساد، والرشوة، والزبونية والمحسوبية، والبيروقراطية

والتهميش، والإقصاء، و"الحكرة"..والكل ينادي بالديمقراطية والعدل، وتحقيق التوازن والعيش الكريم، وتعديل المنظومة التربوية، وبالعلاج للجميع، وترخيص الأسعار، وتشغيل العاطلين، حتى لا يبقى في البلاد جائع، ولا متسول، ولا مريض، ولا بائس، ولا عاطل، ولا ساخط، ويتحقق الأمن والرخاء، وتعم الحرية، ويسود الإخاء والتعاون، ونحقق مزيداً من المكاسب، والتشبث بالوحدة الترابية ونعطي للجهوية الموسعة حقها، وقد جاء هذا الادعاء في برامج المنتخبين، وقد أجمعوا عليه، والجميع ينادي به، فإذا كانت هذه المعطيات هي مطالبهم ومراميهم، فلماذا لا يتفقون ويضعون يداً في يد ويشكلون لبنة واحدة من غير إضاعة الوقت والجهد والمال وتعطيل الحياة العامة !؟ومن غير تنابز بالألقاب ولا طعن في بعضهم البعض ولا تسخير للأموال في الدعاية وشراء الأصوات من بعض عديمي حس المواطنة الحقة ويحققون الائتلاف الوطني، والإجماع على مصلحة الوطن أولا، ويشكلون برلماناً منسجماً ثانياً، وحكومة متجانسة ثالثاً، ومجالس محلية وإقليمية تنبذ الخلاف، ولكنهم يعرفون أن المزايدة على بعضهم البعض من أجل سيارة فارهة وأريكة ناعمة، وتقاعد مريح وأجر خيالي، وتحقيق مصالحهم، ومصالح من يدور في فلكهم؛كم حكومة وبرلمان مرت وتعاقبت، و كل آتٍ يدفع بأساليب يحفظها الشعب منها :

الأزمة عالمية- مخلفات الجفاف- الوضع العربي - زيادة النمو الديمغرافي - قلة العائدات- أزمة صناديق التقاعد- صندوق المقاصة، استمرار نهج الحكومة السابقة ..لهذه الأسباب أنا في حيرة من أمري، ولا أملك غير أن أدعو للوطن بالخير، والأمن، والاستقرار..

وكان لزاماً على الحكومة قبل الإعلان عن إجراء الانتخابات تعديل قانون الأحزاب الذي أصبح متجاوزاً بإقرار نظام الجهوية، فكل جهة يجب أن تخضع لنمط حزبي بعيدا عن مركزية الأحزاب من اجل اختيار الصالح ممن يتولى تسيير شؤونهم وأختم هذا الموضوع بمقتطف من خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله أنه « إذا كان عدد من المواطنين لا يهتمون كثيرا بالانتخابات ولا يشاركون فيها، فلأن بعض المنتخبين لا يقومون بواجبهم، على الوجه المطلوب. بل إن من بينهم من لا يعرف حتى منتخبيه »، مشددا بهذا الخصوص، على أن المنتخب، كالطبيب والمحامي والمعلم والموظف وغيرهم، يجب أن يشتغل كل يوم. بل عليه أن يعمل أكثر منهم، لأنه مسؤول على مصالح الناس، ولا يعمل لحسابه الخاص" "انتهى ".

 

- المقاهي الأدبية..

ج: توزع المشروبات بمختلف نكهاتها الباردة والساخنة على من تريد مع الأداء المسبق لروادها ..

 

- غادة العامرية:

ج- أتعبتني أطربتني أسعدتني أشجنتني، ويبقى جزؤها الثاني يراودني، سأضعه بين يديكم لتقديمه إن أطال الله في عمرنا (هههه)..

 

س- كلمة أخيرة ..

ج: أشكركم على هذه البادرة الطيبة و الكريمة وحواركم هذا عسل لا يشبع منه ..وأنوه بمجهودات الأخ القاص والمبدع الأستاذ ميمون حـرش، وأرجو لعمله هذا الاستمرار والنجاح

وأن يكتب الله له بكل حرف إبداعي صادق حسنة وأن يجعل الله عمله خالصاً لوجهه الكريم، ومهما قلت فلن أفيكم حقكم سيدي من الامتنان والثناء ولا أملك غير أن أقول في ختام هذا الحوار الشيق ونحن ضيوف على عرين الأدباء " بارك الله لنا فيكم والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته ..".

108-sadmohamadmousaفي اروقة المعرض الثاني لجماعة مابين النهرين للفنانين التشكيليين العراقيين المغتربين الذي اقيم في مدينة ملبورن الاسترالية بتاريخ 15-8-2015 وانتهازا للفرصة القيمة اجرينا الحوار التالي مع الفنان التشكيلي العراقي المغترب سعد محمد موسى:

ولد الفنان في الناصرية – العراق

خريج اكاديمية الفنون الجميلة بغداد 1990

غادر العراق عام 1991

متفرغ حاليا للرسم والكتابة في ملبورن – استراليا

شارك في العديد من المعارض الجماعية والشخصية على مدار مسيرته الفنية التي امتدت منذ بداية الثمانينات في العراق والى اخر معرض جماعي له مع جماعة مابين النهرين الذي اقيم يوم 15 آب 2015

 

1108-sadmohamadmousa3 - استاذي لنبدا حوارنا بالسؤال التالي ماهو العنوان العام لمعرضكم الثاني هذا؟

ج – "لمسات" هوعنوان معرضنا الثاني هذا لجماعة مابين النهرين

انها اللمسات التي نقشها فناني مابين النهرين فوق جسد الوطن البعيد والقريب !

 

2 - لماذا تزامن في هذا الوقت بالذات، هل تودون من خلاله ارسال رسالة مساهمة وتضامن مع الشعب العراقي؟

ج - اردنا من معرضنا ايضا ان يكون دعوة تضامن ومساندة لاحبتنا في العراق وبمطاليبهم المشروعة، فالعراق اليوم يمر بمحنة كبيرة وعلينا جميعا ان نتحد ولانتركه ضحية للمؤامرات او ان يكون ساحة للتصفيات السياسية والدولية والطائفية .

 

3 - ماالهدف من اقامة هذا المعرض؟

ج - المعرض كان مشروعه ورسالته ان يبين للعالم ان العراقيين هم اصحاب حضارة عظيمة وهم اصحاب الحرف الاول الذي دون ابجديات لغات الشعوب فيما بعد وهم اصحاب رسالة سلام ومعرفة وفنون . وايضا كان العرض هو تظاهرة دعم وتعاطف مع احبتنا في العراق في اعتصاماتهم ضد الفساد والارهاب .

 

4 - عن ماذا عبرت اللوحات المعروضة؟

ج - ان مواضيع اللوحات هي اغلبها استلهام للموروث الحضاري الرافديني وربطه بالمشهد المعاصر . لدي اسلوب خاص وهو مايؤكد هوية الفنان وتقنياته وادواته، حين اجسد واربط مابين الماضي

وصورة الحياة اليومية .

 

5 - ماهي اكثر المواد المستخدمة فيها؟

ج - عادة ما ارسم واكون فوق القماش او سطح الخشب باستخدام الواني المفضلة الالوان الزيتية وايضا استخدم المواد المختلفة مثل الخلطة التي استخدمها المكونة من مزيج الغراء والمساحيق وصبغة الاكرليك واحيانا اضافة الرمل او التراب .

 

6 - طيب من خلال مشاهداتنا الان لو قلنا انك تنتمي الى الفن المعاصر ماردكم؟

ج - حين تسألني عن اسلوبي فانا غير منتمي الى اي مدرسة فنية مثلما اني غير منتمي مذهبيا الى اي حزب او عقيدة سياسية لدي اسلوبي في الرسم فانا بعيد عن المدارس الفنية التقليدية التي مرت بتاريخ الفن من الكلاسيكية الى البوب آرت والصرعات الحديثة .

 

7 - وماهي المفردات المستخدمة فيها؟

ج - اغلب المفردات كانت مستوحاة من الارث الحضاري لبلاد مابين الرافدين سواء من سومر او بابل واشور ايضا اضافة لاستلهام الموروث الشعبي العراقي .

 

8 - ماالذي تريد طرحه للمتابع من خلال لوحاتكم؟

ج - في هذة المرحلة وكما ذكرت مواضيعي هي تكريس وربط مابين الموروث التاريخي والحضاري والشعبي وتوظيفه برؤية حديثة ترتبط بالمشاهد اليومية المعاصرة.. على سبيل المثال حين اتناول موضوع او شخصية كلكامش فلم يكن طرحي للموضوع بالشكل التقليدي والذي عرفناه من خلال الواح الملحمة .. بل اوظف كلكامش كأن يكون موجوعا وهو يحمل مسلاته ويبحث عن وطن او ضفة آمنة لانقاذ الواحه وهويته وسط كل هذا الخراب الذي لحق بالعراق او ان ينتظر قارب او قطار ينقله الى محطة اخرى !!

 

9 - حدثنا عن المعاني التي استخدمتها في رسم لوحاتكم ومن اين استوحيتها؟

ج - كل المواقف التي تؤثر بي وتدهشني تحفز مخيلتي لمغامرة جديدة

 

10 - عندما تبدا برسم لوحة تشكيلية معينه، ماهو الاحساس الذي تشعر به؟

ج - حين ادخل في صومعتي الروحية (المرسم) اشعر بقدسية وانتماء الى تلك المملكة، ربما مثل شعور الناسك او الصوفي حين يمارس طقوسه وحلوليته في العبادة .

 

11 - عادة مايمر الانسان بحالات كثيرة منها محرجة اوحزن او فرح او حالة عصبية مثلا، في اي حالة من هذه الحالات تبدا بمسك الفرشاة وترسم، وفي اي منها تبدع؟

ج - ليس للفنان جدول عمل او زمن معين يطلب منه انتاج يومي حالات الابداع لدى الفنان خارج المهنة اليومية التي يرتبط بها مثل الطبيب او التاجر او العامل، الفنان يستفزه الحزن احيانا لرسم مواضيع لها علاقة بالوجع والمأساة الذاتية او العامة، وللفرح ايضا مساحة كبيرة تؤثر في ابداع الفنان .

 

12 - برايكم الفنان التشكيلي يحتاج الى خيال واسع وحرية في الاختيار كي يرسم، ام هي مجرد هواية فنية يمارسها؟

ج - اعتقد الفنان الحقيقي هو من يولد بجينات فنية وبالتالي يمكن صقلها وتطويرها عن طريق دراسة الفن والممارسة والتجريب .

108-sadmohamadmousa2 

13 - لو صنفنا الفن التشكيلي الى رجالي ونسائي ماهي الفوارق المهمة بينهما، وايهما مرغوب في الساحة الفنية؟

ج - الفن هو حالة شمولية ودعوة لالغاء الفوارق العرقية والدينية والسياسة والاجتماعية .. ونحن ضد التقسيم والعنصرية مابين فن نسائي او رجولي او فن مسيحي او يهودي او اسلامي .. الخ الفن يبقى قضية اممية وانسانية وللجميع .

 

14 - انا الان الاحظ في هذا المعرض ان لوحاتكم تتركزعلى الجانب النسوي، هل من سبب معين؟

ج - تبقى المرأة هي الاصل وهي رمز العطاء والخصب والديمومة منذ نشوء الخلق، وللمرأة حضور كبير في اعمالي الفنية فهي النبع والالهام الابدي للفنان .

 

15 - ماسرك مع الالوان الغامضة؟

ج - الكثير يسألني لم الالوان الخضراء والزرقاء تطغي على اغلب اعمالك اشعر ان هذة الالوان تجذبني وتاخذني اكثر من بقية الالوان الاخرى ربما تلك الالوان تعبر عن شخصيتي !!

 

16 - انت دائما ما تستوحي التراث والمشهد العراقي في كل الافكار التي تعتمدها في لوحاتكم الفنية ، هل تريد ايصال الفن العراقي الى الشعب الاسترالي ام ان هناك امر اخر؟

ج - رغم اهتمامي بالمحليات وبالرموز التاريخية الرافدينية لكني اعمل على توظيف تلك المواضيع وجعلها لغة عالمية وليست محلية فقط .. ان يشعر ويتداخل كل مشاهد مع مفردات لوحاتي .

 

18 - كيف تتلاعب بالالوان عند الرسم ومن هو سيد الاختيار النهائي فيها؟

ج - حين امزج الالوان على الباليت واجعلها تتناغم اتذكر العازف حين يتلاعب باوتار الته الموسيقية .. فنحن متشابهان بالعزف .. اما روحية الالوان في النهاية فالموضوع هو من يختار طبيعة التدرجات اللونية .

 

19 - هل اقمت معارض فنية من قبل خارج مدينة ملبورن الاسترالية وماهو انطباع الجمهورعنها؟

ج - في مشاركاتي الفنية والتي عمرها اكثر من ثلاثة عقود.. اقمت وشاركت في الكثير من المعارض الجماعية والشخصية في بعض البلدان والمدن الاسترالية الاخرى .. انطلاقا من بلدي العراق ومن مشاركاتي الفنية في بغداد اثناء دراستي في اكاديمية الفنون الجميلة .

 

20 - هل هناك لقاءات مستمرة فيما بين الفنانين التشكيليين العراقيين في استراليا، متى واين؟

ج- لقاءاتنا ومشاريعنا لاقامة معارض مستمرة ونأمل لن يكون معرضنا الثالث لجماعة مابين النهرين في بداية السنة القادمة .

 

21 - ماموقفك من المشهد العراقي الراهن،ولمن تنتمي؟

ج - انا مع التظاهرات والتغيير ومع الشعب في مطاليبهم المشروعة .. وانا مستقل وليبرالي اؤمن وادعو لبناء دولة عراقية مدنية وحرة .

 

22 - مارايكم بالاهتمام من جانب الحكومة العراقية للثقافة والفنون في الداخل اوالخارج، وهل تلقيتم مساعدات من جهة معينة سواء عراقية او اجنبية، وعلى ماذا تعتمدون في انجاز مشاريعكم؟

ج – اولا انا شخصيا كفنان طيلة عمري لم اتلقى اي مساعدة مادية ولو دينار واحد من جميع الحكومات العراقية المتعاقبة .. اما هذة مافايات الحرامية الاخيرة والتي تسمى بالحكومة فانا ضدها تماما وادعو للتغير وبناء سلطة ودستور عادل وتكنوقراط، وايضا لم اتلقى اي مساعدة من جهة او منظمة استرالية كل مشاريعي ومعارضي اعتمدت على جهودي الذاتية وبامكانياتي البسيطة .

 

23 - صف لنا حنينكم الى العراق وهل في نيتكم العودة اليه؟

ج - الوطن هو العش الاول وحبل السرة المدفون هنالك مابين زقورة اور وضفاف الفرات .. يبقى الحنين ابدي .. وساعود للوطن حين تكون هنالك دولة مدنية ودستورعادل يحمي الجميع ولايفرق بين ابناء الشعب جميعا .

 

24 - كلمة منكم الى المغتربين من الفنانين العراقيين التشكيليين؟

ج - اتمنى من الفنانين العراقيين المغتربين ان يكونوا رسل سلام ومحبة للبشرية وان يعطوا ايضا انطباع راقي وحضاري عن وطنهم العراق في المحافل الدولية .. وان لايتهافتوا في مستنقع الطائفية والاحزاب الدينية والسياسية والقومية .

 

شكرا لكم الفنان التشكيلي المغترب سعد محمد موسى ونتمنى لكم التوفيق ولمعرض جماعة مابين النهرين للفن التشكيلي النجاح

 

سلام البهية السماوي – ملبورن

jamil hamdaouiهو قنديل من قناديل مدينة الناظور، أسدى لمدينته، عبر سعيه الثقافي المتميز، خدمات جُلى، حرص على أن يكون ضمن من ساهم في أن ينتشلها من "وحل" اللامبالاة .. لا شيء خارج دائرة اهتماماته، لا يؤمن بالتخصص في مجال واحد، بل يسعى لامتلاك سعة في المعرفة عبر الإبحار في معالم كثيرة؛ لذلك فهو مثقف موسوعة، له أكثر من تسعين كتاباً، تتوزع بين التربية، والنقد، وعلم الاجتماع،والتاريخ، والأمازيغية،والشعر، والفلسفة، وغيرها من حقول المعرفة المتنوعة..

له نصيب من اسمه (جميل حمداوي)، وأقصد هنا الجانب الروحي الجميل لدى الرجل، يسدي خدمات جلى لأصدقائه، يناصر الثقافة، ويشجع المثقفين، الشباب منهم خاصة..

هو رئيس "جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون" بالناظور، وعضو نشيط في جمعيات عدة، اسمه له حظوته، لا يذكر إلا وترفع معه القبعة احتراماً وتقديراً لكفاءاته..

إنه بعبارة: د جميل حمداوي المثقف العضوي، وابن الناظور البار...

أهلا بكم د جميل في "العرين"..

 

س: ما الذي لا يعرفه الناس / القراء عن الدكتور جميل؟

- شكرا جزيلا أخي العزيز ميمون حرش على هذا الحوار الشائق والمتميز. ما لا يعرفه الناس عن جميل حمداوي أنه يعجبه الكسكس يوم الجمعة، ولايستطيع أن يستغني عنه، مهما كانت الظروف. وقد قال ابن خلدون: "يعرف البربر بحلق الرؤوس، ولبس البرنوس، وأكل الكسكس." وهذا دليل صادق على هويتي الأمازيغية.

 

س: أنت مثقف، وكاتب موسوعة، لذا دعني أولاً أستأذنك في أن نحصر حوارنا في مجال نقد القصة القصيرة جداً.. ما قصة انتشار هذا الجنس الأدبي بهذا الشكل المهول؟

- بعد أن تربع الشعر على أدبنا العربي لقرون طويلة، إلا أن هذه البضاعة، في العقود الأخيرة، قد أصابها الركود والبوار والكساد، فحلت الرواية محله، وكان الإقبال عليها شديدا ؛ والسبب في ذلك هو انتشار التعليم، واهتمام الدرس الجامعي بالسرديات بصفة عامة، وفن الرواية بصفة خاصة .بيد أن القصة القصيرة جدا أعلنت انقلابها الفني على الرواية بشكل مفاجئ، فأسقطت الرواية عن عرشها، واستطاعت أن تفرض نفسها في ثلاثة عقود متتابعة، من سنوات السبعين من القرن الماضي إلى يومنا هذا.

ويعود انتشارها السريع إلى ما قدمه الانترنيت من خدمات جلى لهذا الجنس الأدبي الجديد تعريفاً وتنظيراً وتطبيقاً. وهذا ما جعل بعض الباحثين يسميها بالقصة التويترية.علاوة على تعقد الحياة اليومية على جميع المستويات والأصعدة؛ مما يستلزم ذلك الميل نحو السرعة في كل شيء. واليوم، أصبحنا نتحدث عن القراءة السريعة المركزة أو الماسحة أو الذكية. علاوة على ذلك، لايستطيع القارئ أن يقرأ النصوص المسترسلة أو الروايات الكبيرة الحجم ؛ لأن هذا يتطلب وقتاً طويلا، نفتقده: اليوم: بسبب تعقد حياتنا المعاصرة، وتشابكها بشكل كبير بين حين وآخر.

أضف إلى ذلك الرغبة في التجريب والتجديد والانزياح وتكسير الطابو السردي، بالبحث عن الأشكال السردية الجديدة، فكان العثور على هذا الجنس الجديد. دون أن ننسى كذلك مدى التأثر بتراثنا السردي العربي القديم من جهة، والانفتاح على تجارب كتاب أمريكا اللاتينية الذين أظهروا مقدرة إبداعية هائلة في مجال القصة القصيرة جداً من جهة أخرى. وأكثر من هذا ما قدمه النقد العربي المعاصر من اهتمام بالقصة القصيرة جداً على مستوى التأريخ، والتنظير، والتطبيق، والتشجيع؛ فضلا عن انتشار الندوات والملتقيات والمهرجانات التي تخصصت في القصة القصيرة جدا. وغالباً، ما كانت هذه المهرجانات تعلن عن جوائز مادية ومعنوية في مجال كتابة القصة القصيرة جداً.

وبعد أن كان انتشارها في العراق وسورية لافتاً للانتباه ما بين سنوات السبعين والتسعين، سرعان ما انتقلت إلى المغرب، في سنوات الألفية الثالثة، ليحضنها بشكل جيد، ويرعاها إبداعاً ونقداً وتشجيعاً.وبذلك، صار المغرب الحاضن الأول للقصة القصيرة جداً بدون منازع إلى يومنا هذا.

 

س: في الناظور خاصة تأخذ القصة القصيرة جداً منحى مختلفاً مقارنة بمدن أخرى، من حيث كثرة الكتب المطبوعة، وكذا بروز كتاب لهذا الجنس بشكل لافت.. كيف تفسر هذه الظاهرة؟

- تعد مدينة الناظور عاصمة القصة القصيرة جداً في عالمنا العربي، بفضل مهرجانها السنوي الذي تسهر عليه جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، ويخدمه أيضاً طاقم من المبدعين والمثقفين والنقاد المتميزين وطنياً وعربياً. وأكثر من هذا فمدينة الناظور هي التي حضنت هذا الجنس الأدبي الجديد بحرارة ورعاية وعطف كبير.واستطاع مبدعوها ونقادها أن ينتجوا أعمالا إبداعية ونقدية متميزة في هذا المجال، إلى أن تربعت هذه المدينة على أكبر إنتاج على الصعيد الوطني في مجال القصة القصيرة جداً.

ولا ننسى كذلك ما قدمه أبناء هذه المدينة من إبداعات متميزة في هذا الميدان . ونعترف كلنا بقيمة ميمون حرش، وجمال الدين الخضيري، والخضر الورياشي، وعبد الواحد عرجوني، وعبد الله زروال، وسمية البوغافرية، وأمنة برواضي، وحسن المساوي، ونجاة قيشو في مجال الإبداع على الصعيد المحلي والوطني والعربي، وما قدمه فريد أمعضشو، ومحمد أمحور، ونورالدين الفيلالي، وعبدكم الضعيف هذا، من دراسات نقدية لمقاربة هذا الجنس الأدبي الجديد بنية ودلالة ووظيفة.

 

س: بعضهم يكتب القصة القصيرة جداً كمن ينشر تقريراً أو خبراً بدعوى الحفاظ على صغر حجم النص . ماهي مقاييس النص القصصي القصير جداً الناجح برأيك كناقد؟

- ثمة مقاييس ضابطة لجنس القصة القصيرة جدا نحصرها في الحجم القصير جدا ما بين نصف الصفحة والصفحة، وألا يتعدى ذلك إطلاقاً، وإلا أصبحت القصة أقصوصة كتلك الأقاصيص التي يكتبها المبدع المغربي إبراهيم بوعلو. ثم ضرورة الحفاظ على الحبكة القصصية من بداية، وعقدة، وصراع، وحل، وتوازن.وهنا، يمكن للمبدع أن يتصرف في هذه المكونات بالزيادة أو النقصان أو الاستبدال أو تغيير الترتيب أواستعمال تقنية الحذف، وتنويع البدايات والخواتم لمفاجأة المتلقي الضمني، وتخييب أفق انتظاره أو تأسيسه من جديد. ثم انتقاء الأوصاف الدقيقة، وعدم الإسهاب فيها إلى درجة اقتراب القصيصة من النفس السردي الروائي.

علاوة على ذلك، يمكن للمبدع أن يوظف الجمل الفعلية، ويستخدم الإيقاع السريع في تحريك نغمة القصة وعروضها السردي، واستعمال ظاهرة التراكب الجملي، والمفارقة، والإدهاش، والإضمار، والتنكير، والسخرية، والصورة الومضة، وتحويل القصيصة إلى أسئلة محيرة على الرغم من الحجم القصير جدا.

ويمكن كذلك توظيف الأجناس الأدبية الأخرى من حكاية، وشعر، وأحجية، ولغز، وكاريكاتور، وكذب، وكدية، ومقامة، وخبر، ووعظ...بشرط أن تحتفظ القصة القصيرة جداً على مقوماتها الأساسية، وهي: الحجم القصير جداً، والصورة الومضة، والحبكة القصصية، والإضمار، والمفارقة، وغيرها من الأركان الضرورية .أما الشروط، فيمكن التصرف فيها حسب مقدرة المبدع.

 

س: لكم رأي في حجم النص القصصي القصير جداً، ولغيرك من النقاد آراء أخرى..في خضم هذه الاختلافات .. لمن يحتكم كاتب القصة القصيرة جداً؟

- يستهين كثير من المبدعين بحجم القصة القصيرة جداً، فتصبح هذه القصيصة رواية أو قصة قصيرة أو أقصوصة بسبب الإسهاب والإطناب الاستطراد، والإكثار من الوصف الاستقصائي. بيد أن القصة القصيرة جداً لها حجم محدد ومعين، يتراوح بين نصف صفحة وصفحة واحدة، بشرط أن تستوفي تلك القصيصة أركان القصة القصيرة جداً، بكل مكوناتها الدلالية والسردية والفنية والجمالية، وإلا أصبحت أقصوصة ليس إلا.

 

س: تبنيتم مقاربة جديدة في القصة القصيرة جداً، وألفتم فيها كتاباً قيماً، سميتموها المقاربة الميكرو سردية.

رجاءً، بعض التوضيح حول هذه المقاربة لمن لم يطلع على كتابكم؟

- من المعروف أن لكل جنس أدبي مقاربة منهجية خاصة به، فللشعر منهجيته التي تقوم على دراسة المكونات الصوتية والإيقاعية والصرفية والتركيبية والدلالية والتداولية.وكذلك للمسرح والسينما والرواية والقصة القصيرة منهجية خاصة بكل واحد على حدة.أما القصة القصة القصيرة جداً، فقد كان النقاد يقاربونها انطلاقاً من مقاربات سردية أو مضمونية أو اجتماعية أو سيكولوجية . وهذا نوع من الإسقاط المنهجي الذي يتنافى مع خصوصيات جنس القصة القصيرة جداً. وإلا كيف سنميز بين جنس سردي وآخر، إذا كانت المنهجية واحدة في التحليل والتقويم والقراءة ؟

لذا، طرحنا منهجية عربية جديدة هي المقاربة الميكروسردية تحلل القصة القصيرة جداً من داخل هذا الجنس، برصد مكوناته البنيوية وسماته الفنية والجمالية.أي: تعنى هذه المقاربة الجديدة باستكشاف البنى الثابتة التي سميناها أركاناً (الحجم القصير جداً، وفعلية الجملة، والتراكب، والإضمار، والمفارقة، والصورة الومضة، والتنكير، والإدهاش، والمفاجأة، والحذف، والسخرية، والتسريع...)؛ واستجلاء البنى المتغيرة في حضورها وغيابها، وقد سميناها شروطاً أو سمات(ما تشترك فيه القصة القصيرة جداً مع باقي الفنون والأجناس الأدبية الأخرى ).

 

س: "الناظور عاصمة القصة القصيرة جداً" هل هو لقب جدي لهذه المدينة، حدثنا عن حيثياته، وكل ما له صلة بهذا الموضوع؟

- فعلا، تعد مدينة الناظور عاصمة للقصة القصيرة جداً بفضل مهرجانها السنوي الذي بلغ الدورة الخامسة؛ والسبب في نجاح هذا المهرجان يعود إلى زمرة من الفاعلين المثقفين الذين ينتمون إلى جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، أو يتعاطفون معها من قريب أو من بعيد. وقد اخترنا هذا التوصيف على أساس أن هذه المدينة هي التي تسهر على هذا الجنس الأدبي الجديد بشكل أو بآخر، بتنظيم ندوات وملتقيات لمدارسة هذا الجنس وتقويمه؛ وتشجيع المبدعين والمثقفين على الاهتمام به وكتابته؛ والمساهمة في التنظير والنقد خدمة لهذا الجنس الوافد علينا؛ والمشاركة في كثير من الملتقيات والمهرجانات المحلية والجهوية والوطنية والعربية التي تعنى بالقصة القصيرة جداً.ويعني هذا أن مدينة الناظور حاضرة في جميع الأحداث الثقافية المتعلقة بالقصة القصيرة جداً بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.فلايمكن تجاوز مجهودات أعضاء جمعية جسور في هذا المجال إبداعاً، وتنظيراً، ونقداً، وتوجيهاً، وتقديماً...

كما أن الناظور هي الحاضنة لجميع المبدعين والنقاد والمثقفين العرب الذين يهتمون بالقصة القصيرة جداً، وهي التي تشرف كذلك على الرابطة العربية للقصة القصيرة جدا.

س: " مهرجان الناظور للقصة القصيرة جداً في نسخته الخامسة كما أعلنت جمعيتُكم " جسور للبحث في الثقافة والفنون" في مارس المقبل 2016: ما جديد هذه النسخة؟ وما هي أهم المآخذ على النسخ السابقة؟

سينعقد مهرجان القصة القصيرة جداً في نسخته الخامسة: إن شاء الله: في مارس 2016م. والجديد في هذه النسخة هو إعداد ورشات تكوينية للكبار والصغار في مجال القصة القصيرة جداً؛ ومناقشة قضية المنهج النقدي في القصة القصيرة جداً؛ والاحتفاء بالناقد المغربي المتميز ميمون مسلك وتكريمه مادياً ومعنوياً؛ ودراسة اتجاهات القصة القصيرة جداً تجنيساً وتجريباً وتأصيلا. ويبقى مشكل التدوين والإعلام والدعم والتوثيق أهم ما يؤرق مضجعنا إلى يومنا هذا.

 

س: ما رأيكم في نصوص القصة القصيرة جداً في الجهة الشرقية، وكيف تفسر هذا التراكم السريع لها؟

- نلاحظ تراكماً متميزاً في الجهة الشرقية، إذ استطاع هذا الجنس الأدبي الجديد أن ينتشر بسرعة انتشار النار في الهشيم، إلى أن أصبحت المنطقة الشرقية أكثر إنتاجاً وتراكماً على الصعيد الوطني.بيد أن هناك تفاوتاً فنياً وإبداعياً من مبدع إلى آخر، ومن ناقد إلى آخر. فهناك مبدعون مازالوا في مرحلة المحاكاة والتقليد. وهناك من لم يبرح مرحلة التجنيس والتأسيس. وهناك من تجاوز ذلك إلى التجريب.وهناك من وصل إلى مرحلة التأصيل والتميز والجودة والإتقان كميمون حرش، وجمال الدين الخضيري، وعبد الواحد عرجوني، وعبد الله زروال، وسمية البوغافرية على سبيل التمثيل ليس إلا.

 

س: أنت ناقد كبير، وتجربتكم في النقد لها حظوتها.. بماذا تنصح كتاب القصة القصيرة جداً،الشباب منهم خاصة؟

- أنصح شباب القصة القصيرة جداً بالقراءة الواعية للنصوص السردية المتميزة في مختلف المجالات؛ والاطلاع على الكتابات النقدية التي نظرت للقصة القصيرة جداً؛ والبحث عن أسلوب سردي يميزهم؛ والابتعاد عن الكتابة المباشرة القاتلة للإبداع؛ ثم قراءة التراث العربي قراءة واعية لاستثماره بشكل فني وجمالي، في إطار رؤية تناصية حوارية؛ ثم الاغتراف من جميع الفنون بغية توظيف تقنياتها في الكتابة؛ واحترام الحجم القصصي القصير جداً؛ والتركيز على الحبكة القصصية؛ والابتعاد قدر الإمكان عن الوعظ والخطابة والتقريرية؛ وعن تحويل القصة القصيرة جداً إلى شذرة فلسفية تأملية أو خاطرة إبداعية إنشائية؛ مع الإنصات المستمر إلى النقاد بشكل جيد ...

 

س: الدكتور جميل، لم تسلم أنت أيضاً من "عدوى" القصة القصيرة جداً.. ألفت فيها كتاباً سميته " كتابات ساخرة".. هو الكتاب الأول لكم في الإبداع بعد تجربتكم في نظم الشعر .. ما الذي استمالكم في كتابة القصة القصيرة جداً؟

- كتبت هذه الأضمومة من باب الاطلاع على ممارسة المبدعين ليس إلا، وتطفلا على عوالمهم الإبداعية. ولا أدعي أنني قاص أو كاتب سرد. إنها تجربة أولى وأخيرة، كان الغرض منها هو الدخول في متاهات هذا الجنس الأدبي الجديد لمعرفة صعوباته وعوالمه التخييلية على مستوى الكتابة والسرد والرؤية .ومن حق الناقد أن يجرب بنفسه الكتابة الإبداعية رغبة في معرفة أسرارها الفنية والجمالية، وفهم آلياتها التخييلية والإبداعية . فالناقد المجرب أفضل من الناقد المجرد. ودائماً، يبقى الناقد مبدعاً فاشلا.

 

س: أمر آخر، لماذا حرصتم على تأكيد في مقدمة مجموعتكم القصصية " كتابات ساخرة" بأنها نصوص مباشرة جداً.. كيف تكون مباشرة جداً، بالنظر إلى حجمها القصير جداً؟

- قلت لكم كان هدفي هو التجريب وممارسة هذا الفن الجديد، وتعمدت المباشرة التي أحاربها في نقدي. وتحمل المباشرة، في كثير من الأحيان، وظيفة جمالية وإيحائية .فأشعار نزار قباني وأحمد مطر، على الرغم من مباشرتها، فهي نابضة بالشاعرية والإيحاء الصاخب.ومن هنا، فمجموعتي كتبت بأسلوب مباشر بسيط، ولكنها تطفح بالسخرية والكاريكوتورية والنقد اللاذع. لقد كتبتها بأسلوب طبيعي على غرار إميل زولا.

 

س: أقصد أليس هناك تناقض بين شروط القصة القصيرة جداً، وهذا الشرط الدخيل" المباشرة"؟

-         صحيح أن هناك تناقضاً واضحاً وجلياً. ولكنني أستدرك قائلا: إن المباشرة نوعان: مباشرة فجة قاتلة، ومباشرة موحية نابضة بالدفء الشاعري المتميز. فالذي يكتب القصة القصيرة جداً بأسلوب تقريري مباشر، فهو قاتل لما يبدعه من البداية، وساخر من المتلقي. أما الذي يكتب قصيصته بمباشرة إبداعية نابضة بالشاعرية والإيحاء والجمالية، فهي مقبولة بشكل أو بآخر. والأمثلة على ذلك كثيرة في مجال الشعر: أمل دنقل، ونزار قباني، وأحمد مطر، وأحمد عبد المعطي حجازي...

 

س: ماذا سنقرأ لكم في المستقبل كجديد؟

- هناك كتاب أعده في نقد القصة القصيرة جدا، مع إصدار ببيليوغرافيا مغربية منقحة ومزيدة في هذا المجال.

 

س: ما تقول في:

- أمين حداوي،

- "جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون بالناظور"

- الدكتور فريد أمعضشو،

 

- أمين حمداوي هو ابني العزيز والطالب الجامعي الذي أشرف على الانتهاء من الإجازة في الفلسفة، يعجبني هذا الولد على ذكائه الخارق والمتنور، يذكرني بالفيلسوف ديكارت بتأملاته العميقة في الوجود. فدائماً، أتناقش معه في كثير من المواضيع الفلسفية المؤرقة، وينتقد كتاباتي بجرأة حادة، ويرفض توجهي الكمي، والاعتماد على المصادر والمراجع، ويريدني أن أتحرر من سلطة التناص، بالبحث عن مشاريع شخصية ذاتية. فهو لايرى الفلسفة نظريات وأقوالاً، بل هي عملية التفلسف نفسها. ومن ثم، أندهش كثيراً لزاده العلمي في مجال الفلسفة والمنطق، وطبيعة تفكيره الذي يعتمد عليه في مناقشة كثير من القضايا المعرفية والفلسفية.لذا، يزودني بكل النصائح والتوجيهات الفلسفية التي قد تنفعني في مشاريعي وأعمالي المستقبلية.

 أما الدكتور فريد أمعضشو، فهو الوحيد الذي يكملني، وأراه يكمل مسيرتي العلمية والفكرية، وهو كثير الاجتهاد والنشاط والإبداع، ومتمكن من علوم الآلة بشكل جيد. وتعجبني موسوعيته التي جعلته يحتك بكثير من الأجناس والأنواع والأصناف الكتابية، ويجتهد فيها إلى أن يحذقها بكفاءة قل نظيرها. لذلك، فأنا سعيد جداً عندما وجدت شخصاً يكمل مساري العلمي في مدينة الناظور، فهو المرشح الوحيد، لحد الآن، لحمل مشعل النقد والتنشيط والتدبير الثقافي بجدية وصرامة وتفان وإخلاص . وأرجو له النجاح في ذلك إن شاء الله.

 أما جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، فهي جمعية ثقافية محلية مستقلة تُعْنى، أساساً، بالبحث في الثقافة، والفنون، تأسست بمدينة الناظور عامَ 2010، بمبادرةٍ من عدد من مثقفي المنطقة وكُتابها ومبدعيها. وتنحصر أهدافها في الانفتاح على مكوّنات الثقافة المغربية كافة؛ والعناية بجميع فروع الثقافة وأشكال التعبير الفني؛ والاهتمام بالتراث الأمازيغي توثيقاً وأرْشفة ودراسة؛ وتنظيم مهرجانات ثقافية وفنية خدمةً للثقافة الوطنية بصفة عامة، والثقافة المحلية بصفة خاصة.

بيد أن ما يميز هذه الجمعية هو إشرافها على مهرجان القصة القصيرة جدا، وخدمة المونودراما، والاهتمام بالثقافة الأمازيغية بصفة خاصة، وخدمة الثقافة العربية بصفة عامة. ويشرف عليها طاقم من المثقفين المخلصين الغيورين على الفعل الثقافي المحلي والجهوي والوطني والعربي الذين أسدوا خدمات كبيرة وجلى للثقافة القومية إبداعاً وتنظيراً ونقداً وتأريخاً وتوثيقاً وتنشيطاً وتأطيراً وتنويراً...

 

س – يشرف "العرين" أن تستضيف كاتباً كبيراً مثلكم، كلمة أخيرة منكم رجاءً...

- أشكر الأخ الأستاذ ميمون حرش على هذا الحوار المفيد والبناء مثل اللؤلؤ المنضود، وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على الموهبة الصحفية التي يمتلكها صاحبنا المبدع المتميز ميمون حرش. وأشكره مرة أخرى على استضافته لنا في عرينه الثقافي المتميز .

 

حاوره: الأستاذ المبدع ميمون حــرش

 

 

maymon harashهو منارة عالية، لاسمه مكانة خاصة في قلوب أهل الناظور، يحبونه ويحبهم، وترضيهم كتاباتُه، وهو يحرص أن يكتب ما يعجبهم.. لا شي خارج اهتمامه، يكتب القصة القصيرة، والق الق جداً، والمقال، والخبر، والخاطرة.. وفي كل نصوصه لا نعدم متعة أبداً؛ يختار كلماتِه، ينتقيها بدقة، وخوفه من القراء لا حدود له، يعتبرهم قضاة يحاكمونه على قيمة ما ينشره، لذا حرصه على الدقة فيما يكتب يصل أحياناً حد الهوس، ولكن يكفي لأي نص أنْ يُصبغ باللون الأخضر(نسبة إلى اسمه " الخضر") حتى يحصد أعلى نسبة من القراءة، وقدراً غير يسير من الإطراء، والإعجاب فتتقاطر عليه رسائلُ كثيرة مادحة ومُنوهة..

اشتغل صِحفياً، وتدرب على الحرف كما يجب، وألف لحد الآن:

"قصتي مع جاكي شان" في القصة القصيرة، و"تعويذة شهرزاد" في القصة القصيرة جداً.. ومشاريع كثيرة في الطريق ستعرف النور قريباً إن شاء الله..

يُسعد سلسلة حوارت "العرين" أنْ تستضيفَ الكاتب المتميز الخضر الورياشي ..

 

س- مرحباً بك سيدي الخضر في "العرين".. ما الذي لا يعرفه الناس عن الخضر الورياشي؟..

ج-هناك أشخاصٌ منزعجون بما "يظنون" أنهم يعرفون عني، ويتَّخذون بظنونِهم تلك مواقف عدائية، وسلبية، تجاهي.. فكيف إذا أعلنتُ لهم عن ما لا يعرفون ؟!.. أخشى أن تزدادَ كراهيتُهم لي، وألقى منهم أذى شديداً... دعِ الطبق مستوراً يا صديقي.

 

س- اسمك في الإبداع عموماً معروف، واسمح لي أن أستعير لفظاً من الفن السابع وأقول عنك بأنك "كاتب شباك التذاكر".. هل أنت سعيد بهذه الشهرة؟..

ج- لم يخلق بعدُ من لا يحبُّ الشهرةَ، حتى الزهاد والمنقطعون عن الدنيا تُسْكرهم الشهرة، ويجدون لها حلاوةً خاصَّةً.

نعم، أنا سعيدٌ بهذه الشهرة، وهي النعمة الوحيدة التي أشعر بها شعوراً "مُصَفَّى"، وأحرصُ أن أزيدَ من رَصيدها بالإنتاج الأدبي الجيِّد، الذي يُرْضي القراء والأصدقاء.

 

س- ألفتَ لحد الآن "تعويذة شهرزاد"، و"قصتي مع جاكي شان وجنية الكتب، وقصص أخرى".. هل يمكن الحديث عن نقط الاختلاف، والائتلاف في المجموعتيْن..؟

ج- "قصتي مع جاكي شان" هي باكورتي في النشر، كتبتُ قصصَها بسهولةٍ أكثر، ووجدتُ نفسي مُسيطراً فيها على الحكي والأدوات الفنية، وقلتُ ما استطعت أن أقول دون شعورٍ بأنني مراقب من أحدٍ، أو أن هناك من سيحاسبني على بنائها الفني.

أما "تعويذة شهرزاد" فكتبتها وكأنَّ مجموعة من الأرواح كانت تحُفُّ بي، وتراقب ما تخطُّ يميني من مفردات وعبارات، وتنتظر كلاماً محدَّداً لا زيادة فيه ولا نقصان. ولا يخفى عليكَ أن خصوصية القصة القصيرة جداً، هي التي فرضت عليّ هذا "المناخ الأدبي" الذي كتبت فيه المجموعةَ، وأرغمتني أن أكون حذراً، يقظاً، لا أسطر أي سطرٍ، إلا وأعرف ما يتطلب السطرُ من حرفٍ وفعلٍ واسم.

إنَّ القصة القصيرة جداً مغارةٌ عجيبةٌ تستوجب على من يريد الدخول إليها أن يُتَمْتِم بعبارات محددة جداً، قصيرة جداً، قوية جداً، بليغة جداً...

 

س- تحرص كثيراً على عنصر "الحكائية" أو القَصصية في نصوص القصة القصيرة جداً.. هل يضير النصَ لو اكتفينا بالتكثيف، والإدهاش دون حكائية..؟

أقصد أن "القصصية" غالباً ما تُسقطنا في نصوص طويلة دون أن نشعر، إذا راعينا شروط فن القصة كالحدث، والشخصية، والعقدة، والزمكان، والنهاية..؟

ثم لماذا هذه الصرامة في شروط الق الق جداً، ما يتعلق بجم النص خاصة..؟

ج- لكل قصاص طريقته، وأسلوبه، وقناعته، في الكتابة... والنقاد أنفسهم مختلفون في التنظير لفن القصة، والقصة القصيرة جداً. لكن، من جهتي، أجد أنَّ شرط "الحكائية" ضروريٌّ لفن القصة؛ فالقصة - بكل بساطة - هو أن تقص أشياءً، وتحكي أموراً، ويستمع إليك الناس تصف لهم حوادث وأشخاصاً ووقائع، وأنت وأسلوبك في طريقة القص، وإدارة تفاصيل الحكاية، تُقدِّم أوتؤخر.. تٌُوضِّح أو تُلْغز.. لكن تبقى أن هناك "حكايةً" تشدُّ الانتباه، وتثير غريزة الفضول والمعرفة. ولا يضير النص إذا استخدم التكثيف والإدْهاش بمهارة وذكاء، يستشف منهما المتلقي أنَّ الساردَ "يحكي حكايةً ما"... وهكذا ترى أني أُصرُّ على عنصر الحكاية في القصة بجميع أنواعها.

 

س- في مقالي عنك "تعويذة شهرزاد وتجليات الجودة" بمناسبة احتفاء اتحاد كتاب المغرب /فرع الناظور بإبداعك في بحر سنة 2015 أثرتُ نقطة لها صلة بحرصك الشديد على اعتماد اللغة العربية الفصحى.. أنت تكتب بفصاحة، وبلغة متينة، ولا تعترف بعلامة "قف" حين تبدع.. من أين تأتي بهذه الفصاحة كلها؟..

ج- شهادتُكَ بأني أكتب بفصاحةٍ، تثلجُ صدري. أما من أين تأتيني؟.. فهي من حرصي الدائم على القراءة، وقراءة مختلف الكتب والمؤلفات، واطلاعي على نصوص كثير من المؤلفين العرب القدامى والمحدثين. ومن حينٍ إلى حين أعودُ إلى كتب اللغة والمعاجم، وأنظر فيها. وأعظمُ كتابٍ منحني هذا الجزء الذي تراه من الفصاحة هو القرآن الكريم. وإني أجدها فرصة سانحةً لأقول لكل من أراد أن يحمل القلم، ويحترف الأدب، أن ينْهلَ من القرآن الكريم، ومن الحديث النبوي الشريف، ويحمل نفسه على قراءة كتب التراث العربي، ويطلع على مؤلفات رواد النهضة الحديثة. وإني أتعجب كل العجب حين أسأل بعض الشباب الذين يتصدَّوْنَ للكتابة هل قرأوا مثلا (المنفلوطي/ أو الرافعي/ أو العقاد/ أو طه حسين/ أو جبران/ أو ميخائيل نعيمة/ أو.. أو...) فأكتشف أنهم لمْ يقرَبوهم ولو ساعةً من الزمن !!

 

س- "تعويذة شهرزاد" ممهورة بتيمات فيها من التأمل الشيء الكثير، تلتقط فيها جزئياتٍ، وتفاصيلَ تقبع في زوايا لا يهتم بها أحد، فتميط اللثام عنها، كيف تختار موضوعاتك ؟..

دعني أشرح سؤالي رجاءً: "أريد هل شرط الاستفزاز وارد هنا للإبداع؟ أم الكتابة لديك هي فعل "أمر" كلما حكم القلمُ انسقت، واستُثيَرت في داخلك ثورة الكتابة كما نعهدك..؟

جـ أنا لا أختارُ موضوعاتي، ولا أحَدِّدُ ماذا أكتب اليوم أو غداً، بل وأزيدكَ أنه إذا كلَّفني أحدٌ بكتابة موضوع مُحددٍ فإني أرتبكُ وأعجز عن الكتابة.

الموضوعات هي التي تختارني، وتهجم عليَّ بمشاكلها، وعُقدها، وأزماتها، وتنزلُ على رأس قلمي وتقول له: "اكتب".. فيكتب وهو يشعر أنه يقوم بواجب مقدس.

في حالتي، "الاستفزاز" هو الذي يحملني على الكتابة، وهو الذي يضطرني إلى أن أمتشق قلمي، وأشْرَع سنَّه في وجه الموضوعات، أكتب عن القبح والفساد والظلم والانحراف، وأقول كلمتي وأمشي إلى بيتي مرتاحاً.

أنتَ تقول "الاستفزاز".. وهناك من يقول "الغضب".. وأغلب الكتاب هم أشخاصٌ غاضبون، من زمنهم، من بيئتهم، من مجتمعهم، من أقاربهم، من حكامهم... المهم أنهم لا يكتبون وهم هادئون، مطمئنون، مرتاحو البال، والحال، والمال... وإن لمْ أخطئْ فلِـ "أوسكار وايلد" عبارةٌ يؤكد من خلالها أنَّ الغضب هو الذي يدفع الأشخاصَ إلى الإبداع.

 

س- ميزة القصة القصيرة جداً لديك هي اقتناص المفارقة Paradoxeعبر سرد مكثف، دال، وموحٍ.. كيف تنجح في اقتناص الحدث بهذا الوهج فتحقق به مفارقة عجيبة؟.

ج- لستُ أدري كيف أنجح ـ إن بدا لكَ أنِّي أنجح ـ، لكن، أؤكد لك أني حين "أتعاطى" الكتابة أحرصُ على أن أكون "أديبا"، ولا يكفيني أن أكون "موثِّقاً" أو حتى "صحافيا" يُخبر الناس عن أمورٍِ بكلام عادٍ، يستطيع أن يقوله أيُّ "عابرٍ في كلامٍ عابرٍ".

 

س- لن يستقيم حواري معك دون أن أثير معك نصك البديع "نبي إبليس" في الملتقى الثالث للقصة القصيرة جداً، والذي نظمته "جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون" بالناظور في مارس 2014.. قرأتَ نصك على ضيوف الناظور فاحتدت الأكف لك بالتصفيق، بل وهناك من النقاد الكبار من تبناك بسبب هذا النص، سؤالي، كيف يمكن لنص "يتيم" أن يفعل فعل المطر في التربة في الوقت الذي تعجز فيه كتبٌ كثيرة لمؤلفين كثيرين أن تلفت مجرد النظر إليهم..؟

ج- بدايةً، أغتنم هذه الفرصة، وأتقدم بشكري الجزيل لجمعية "جسور للبحث في الثقافة والفنون"؛ فهي التي أتاحت لي هذه الشهرة، والآفاق، والعلاقات، والصداقات، وهي التي قدمتني إلى الفضاءات المختلفة، والرجال والناس المهتمين بفنون الأدب والكلام الجميل.

أما "نبي إبليس" فقد كان رسولي الكبير إلى أهل الأدب، وأصحاب الصناعة النقدية، وهو الذي أسمعهم "صوتي الأدبي"، وجعلهم يلتفتون إلى دعوتي، ورسالتي، وهناك من آمن بي، وهناك من كفر حسداً من عند أنفسهم.

لقد كان "نبي إبليس" نصّاً مشاغباً، اقتحم "الملتقى الثالث للقصة القصيرة جداً"، ووجد له مكاناً، مع أنه لم يكن "قصة قصيرةً جداً"، لكنَّ الضيوف الكرامَ الذين استمعوا إليه، في تلك الليلة في الفندق، هم الذين حرَّضوني على قراءته على الضيوف، وجعلوا الابتسامة التي ارتسمت على شفاهم ـ ليلاً ـ تنتقل إلى شفاه الآخرين ـ نهاراً ـ، وتعمَّ الجميع، في المركب الثقافي. وقد كنتَ أنت من المحرضين، وعلى رأسكم الدكتور ميمون مسلك.

أمَّا أنَّ في إمكان "نصٍّ يتيمٍ" أن يفعل فِعْلَ المطر في التربة، فليس بغريبٍ، أو عجيبٍ، فكثيرٌ من النصوص في الآداب العالمية فعلت ذلك، نذكر منها على سبيل المثال: "دونكيشوت" و"الإلياذة والأدوسيا" و"الكوميديا الإلهية" و"المعلقات" في الأدب العربي... ولا يخْفى عليك أن "المطر يتكون من تجمُّعِ السحب، وتبخُّرِ المياه من الأنهار والمحيطات"؛ بمعنى أنَّ النص الجيِّدَ استقى جوْدته وقوته من ينابيع مختلفة ومياه عذبة.

 

س- بدأتَ بمطولات قصصية، وانتهيتَ إلى قصص قصيرة جداً.. كيف استقام لك هذا الانتقال من البحر إلى النهر؟ وأين يجد الخضر نفسه وهو يكتب؟..

ج- لم أنتهِ إلى القصة القصيرة جداً، وليس في نيَّتي أن أنتهي إلى أي جنس مُعين من الكتابة؛ إنِّي أطلقُ العنان لقلمي، وأترك له مطلق الحرية، في أن يشقَّ طريقه في القصة، أو الخاطرة، أو المقالة، أو الدراسة، أو الخبر، أوالتعليق والتحليل... وإني أجد نفسي في كل ما أكتب ما دمتُ أكتب، وبمجرد ما أنتهي أضيعُ.

وقد أفاجئكَ إذا أخبرتك أني أجد نفسي بقوة حين أكتب المقال؛ ففي المقال أبحر في كل المحيطات دون أن أخشى الغرق، وأسافر وأنا متأكد من العودة السليمة.

 

س- عناوين قصصك لافتة، ما الذي استهواك مثلاً في "جاكي شان"Jackie chan؟ ، وما علاقة هذا الممثل بمتن مجموعتك "قصتي مع جاكي شان وجنية الكتب وقصص أخرى"؟

ج- سأكون معك صريحاً، وأخبركُ أني كنتُ "لئيماً" حين اخترتُ أن يكون اسم "جاكي شان" عنواناً لمجموعتي القصصية، وأن تتصدر صورتُه الغلافَ؛ لأني أردتُ من خلال ذلك أن ألفتَ إليَّ الأنظارَ، وأشعلَ غريزة الفضول عند القراء، ويتساءلون أي "قصة" يمكن أن تكون بين هذا "الورياشي" وبين "جاكي شان"، فيسارعون إلى اقتناء المجموعة. إنها "سياسة تجارية".. لكنها لم تنجح للأسف. فحضور "جاكي شان" في السينما أقوى من حضوره في "الأدب".

 

س- أثير معك نقطة تتعلق بقدرتك على الكتابة " le pouvoir d’écrire،هذه الميزة تمنحك إنصاتاً جدياً لنبضات قلبك، وحباً لإبداعك، ورهبة من قُرائك؛ والحصيلة كتابات كثيرة كحبات الرمل.. حدثنا عن سر هذه القدرة العجيبة؟

ج- لن يظل السرُّ سـراً إذا تمَّ الكشفُ عنه. وأنا نفسي لا أعرف "سرَّ هذه القدرة العجيبة".. ولكن، أحمد الله عليها، وأشكر فضله.

فقط، أودُّ أن ألفتَ انتباهَكَ؛ هو أنني لا أرهبُ من قرائي، بل أشعر نحوهم بشعورٍ مسؤولٍ، وحين أكتب أحرصُ أنْ "أفيدهم وأمتعهم معاً"، ففي اعتقادي الراسخ أن الأدب فائدة ومتعة. وهذا هو موقفي من الكتابة ومن القراء.

 

س- أنت قارئ نهم ، ومُواكب لكل ما يصدر من جديد ؛ هل أنت راض عن المتابعة النقدية لما تكتبُه؟

ج- لستُ راضياً، ولستُ ساخطاً؛ وإنما ما زلتُ أنتظرُ من يكشف عن أمور أتمنَّى لو يصل إليها النقادُ، ويضيئوا بعض المناطق التي لم يتلفتْ إليها الذين تناولوا أعمالي حاليّاً.

 

س- تكتب الروائية آمنة برواضي في مقالتها عن "تعويذة شهرزاد" قائلة:

" على صورة غلاف المجموعة أن يحل محل يفاجئنا الضوء المنساب من داخل البيت ليضيء السواد الكثيف،/.../ وشعاع الضوء دليل على وجود أمل يطمح الكاتب الظلام. يكفي أن نفتح الأبواب على مصراعيها، وهذا الأمل يؤثث زوايا المجموعة. الضوء يتسرب على غير العادة من داخل البيت، فقد يكون الوقت ليلا ولا وجود لمصابيح تضيء المكان في الخارج، وربما مرده إلى كون البناية قديمة لا سقف لبهوها كما هو حال البنايات في الماضي، كما أن الباب الذي يتسرب منه الضوء نسجت حوله خيوط العنكبوت وهذا يدل على أن المكان مهجور لا يسكنه أحد، ولا بد من تلك التعويذة، وقد يكون إشارة إلى التراث القديم.."

- لوحاتُ كتبك مثل قصصك، غنية، وثرية بالدلالات، ترى هل وفقت برواضي في فك لغز لوحة التعويذة؟ ..ثم كيف تختار مثل هذه اللوحات الفنية الرائعة..؟

ج- نعم، وفقت "أمنة برواضي" في قراءة غلاف المجموعة، واقتربت من غموضها قليلاً، وإني أحييها بهذه المناسبة تحية خاصة، لما خصتني به من دراسة جادة وموفقة، اقتربت فيها من منابعي أكثر من غيرها.

واختياري للوحات الفنية مسألة ذوق بالدرجة الأولى، ومحاولة للتوفيق بين مضامين القصص والصور التي قد تترائ في خيال القراء.

وبالمناسبة، أودُّ أن أخبرَ القراء هنا، أنَّ التعويذة السحرية تطلق ثلاث مرات حتى تتحقق الاستجابة كما هو شائع في كثير من الاعتقادات، ولهذا السبب وظَّفتُ في القصة التي جاءت بعنوان "تعويذة شهرزاد" ثلاثة قصاصين، أجبرتُ كل واحدٍ منهم أن يحكي قصة قصيرة جداً، كي يُفتحَ بابُ القصر الذي سُدَُّ عليهم. وذاك ما كان في القصة.

 

س- " ركزت آمنة في دراستها للمجموعة عن عنصر "التناص"، وتتبعته بشكل دقيق، فكشفت عن قدرتك كمبدع كبير على استثمار نصوص كثيرة تختزنها في ذاكرتك..

عنصر التناص، ما ذا يمكن أن يضيف، وهل هو قادر على لفت النظر كما النص الأصلي؟

ج- التناص إذا جاء عفواً أثناء الكتابة فهو شيء محمودٌ، ويضفي على العمل الأدبي جمالا وسحراً، لكن إذا كان مقحماً ومسيطراً، فهو غير مرغوبٍ فيه؛ فالعمل الأدبي يكون جميلاً بنفسه وليس بغيره، مثل المرأة الجميلة جمالاً طبيعيّاً، لا يضرُّها أن تضيف بعض المساحيق والعطور إلى ملامح وجهها وجسدها، لكن لا يُفقدها غيابُ تلك المواد الإضافية جمالها الحقيقيَّ.

 

س- كثيرون هم الذين خصوك بكتابات عن إبداعك الثر، منهم على سبيل المثال لا الحصر: د ميمون مسلك، د مصطفى سلوي، القاصة آمنة برواضي، والباحث عبد الواحد أبجطيط، والدكتور عيسى الداودي ، والكاتب السوري أحمد عكاش، وميمون حرش،/.../ ما الذي يميز كتابة كل واحد من هؤلاء؟..

ج- كلهم اتفقوا على أمورٍ مشتركةٍ، وذكروا أنها موجودة عندي، ونوَّهوا بأسلوبي الخاص في الكتابة، وإنْ كان الدكتور "ميمون مسلك" أكثر الجميع صرامةً في نقد القصص، ولفتي إلى أمورٍ ضرورية، يجب عليَّ أن ألتزم بها، كي أرتقي بفن القصة القصيرة جداً. وإني أتوجه إليه بالشكر الخاص لما حباني به من عناية خاصة، وتشجيع.

 

س- شاركت إلى جانب مبدعين عرب كثيرين من عيار ثقيل في كتابة القصة القصيرة جداً، وحازت مجموعتك "تعويذة شهرزاد" المركز الثالث في المسابقة الكبرى للقص الوجيز في مهرجان الناظور للقصة القصيرة جداً مارس2015..

هل أنت راض عن هذه الجائزة؟ ثم هل الجوائز الأدبية تعكس فعلا قيمة المبدع؟..

ج- راضٍ كل الرضا، والحمد لله الذي جعلني أقف بقامتي القصيرة إلى جانب كتاب طِوالٍ.

الجوائز الأدبية لا تعكس قيمة المبدع دائماً.. لكن نسبة القراء هي التي تعكس قيمته، وهي التي لا يشك فيها أحدٌ أو اثنان.

 

س – تجربة التأليف الجماعي ( أعني مشاركتك في كتاب "جسور" مع مبدعين من الريف ) ماذا أضافت للخضر الورياشي؟

ج-أضافت إليَّ أنني موجودٌ بين حملة الأقلام في الريف.

 

س - أنت كاتب ناجح.. كيف يمكن للمبدع أن يكون كاتباً ناجحاً برأيك؟

ج-أن يكون موهوباً أولاً وأخيراً.. أن يكون قارئاً مستمراً.. أن يكون صادقاً حين يكتب.. أن يكون منصتاً جيداً للنقد.. أن يعترف بأخطائه حين يشار إليها.. أن يكون ذكياً في تناول القضايا والموضوعات.. أن يكون متعلِّماً دائماً...

 

س- ما هي مشاريعك الإبداعية مستقبلا؟

ج- ليست لي مشاريعٌ محددة.. أنا أكتب متى تنزلت عليَّ الشياطين والعفاريتُ .. وأنقادُ لقلمي، وليس هو الذي ينقادُ لي، مع أنني لا أجْني منه سوى الأرق والقلق والتعب والحسد.

 

س – كلمة في حق:

• الحسن والحسين

• ـ زينةُ حياتي، وإلى جانبهما ابنتي الصغيرة "أسينات".

• كورنيش الناظور

• بدون "كشك" لبيع الجرائد والمجلات والمنشورات الثقافية لا قيمة له ـ بالنسبة إليَّ ـ

 

س- شرف كبير أن نستضيف الأستاذ الخضر الورياشي في "العرين" ، شكراً على صبرك، وكلمة أخيرة من فضلك..

ج- الشكر لك أولا على احتفائك الكبير بأدباء الريف.

الشكر لجمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون.

"وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" صدق الله العظيم

 

حاوره القاص ميمون حـرش

 

wedad farhanوداد فرحان رئيسة تحرير صحيفة بانوراما تحاور الاستاذ عمر البرزنجي وكيل وزير الخارجية العراقية للشؤون القانونية، على هامش زيارته الأخيرة الى استراليا ...

- عمر البرزنجي: نجحت في مهمتي حيث تمكنت من ردم الهوة وازالة الغبار الذي كان يلف الحقيبة الدبلوماسية

- البرزنجـي: على الجميـع أن يضـع العراق أولا في عينيـه ونتعالى جميعـا عـن الإرهاصـات التي تعيـق خدمـة العـراق وأبنـاء الجاليـة في استراليـا

- البرزنجي: التزامنا الاخلاقي ببرنامج الزيارة المقرر من قبل السفير مؤيد صالح حال دون الالتقاء بأبناء الجالية العراقية

- بانوراما تحصل على وعد من وكيل وزارة الخارجية للشؤون القانونية على متابعة الخروقات القانونية والادارية والفساد المالي في السفارة العراقية.. وتزود الوكيل بالادلة الثبوتية للخروقات

- البرزنجي: أقلت سائقي الشخصي لكونه من العائلة رغم حاجة العمل لامانته،

- التزاما بتعليمات الوزارة بعدم جمع قريبين في سفارة واحدة!

 

لم يكن موضوع الالتقاء بالأستاذ عمر البرزنجي وكيل وزير خارجية الحكومة العراقية للشؤون القانونية خلال زيارته الى أستراليا أمرا سهلا في ظل وجود الغيمة السوداء التي يعيشها الواقع الدبلوماسي العراقي في أستراليا متمثلة في حالة الفساد المستشرية في بناية السفارة العراقية في كانبرا، وتحديدا في الخروقات الإدارية والقانونية لسفيرها مؤيد صالح الذي حاول وضع العصي في طريق حصول هذا اللقاء، لكننا كجريدة تفهم أن من بين مهامها الإعلامية الوصول الى المسؤول لكشف الأوراق والملفات أمامه بمهنية ومصداقية الصحيفة الملتزمة، لذا عملنا جاهدين من أجل الوصول الى وكيل الوزير، وتحقق الأمر، ووصلنا، ووضعنا أسئلتنا وتصوراتنا أمامه، فضلا عن الأسئلة والمشاكل التي يعاني منها المواطن العراقي في أستراليا، حيث استقبلنا السيد الوكيل في مقر إقامته، وكان هذا اللقاء:

 

بودنا ان نعرف ماهية زيارتكم الى استراليا؟

- كانت هذه الزيارة من ضمن خطط وزارة الخارجية للوقوف على اشكاليات وقضايا ادارية في الحقيبة الدبلوماسية العراقية في استراليا تخص السفارة والقنصلية وممثلية اقليم كردستان، وكذلك تخص علاقات هذه الجهات مع أبناء الجالية العراقية.

 

وفق هذه الإجابة هل تعتبر زيارتكم لغرض التحقيق في هذه القضايا؟

- لست هنا من أجل التحقيق، بل جئت كي أردم الهوة الكبيرة بين الجهات المختلفة في وجهات النظر وسياق المفهوميات الإدارية والقانونية التي حصلت خلال المدة الماضية بين الجهات الدبلوماسية الرسمية العراقية في استراليا كمهام وظيفية تتعلق بالسياقات الإدارية والقانونية، فضلا عن علاقات تلك الجهات مع أبناء الجالية، لاسيما الجهات الدينية وغيرها من المؤسسات الحزبية والمدنية والثقافية، وقد نجحت في ازالة الغبار الذي كان يلف الحقيبة الدبلوماسية بأكملها، في كانبرا، وسيدني، ومكتب اقليم كردستان، والجهات ذات العلاقة، وحسب اعتقادي ان الله قد وفقنا. نجحنا نجاحا كبيرا وبنينا بناء شاهقا لا أودّ أي من الأطراف ولأي سبب كان أن يزعزع هذا البناء الذي هو بالنتيجة يخدم الدبلوماسية العراقية في الخارج ويخدم العراق كله، وعلى الجميع أن يضع العراق أولا في عينيه ونتعالى جميعا عن الإرهاصات والمعوقات التي تقف حجر عثرة في خدمة العراق وأبناء الجالية في استراليا مع احترامنا لوجهات النظر المطروحة من قبل الجميع، ويتوجب على التمثيل الدبلوماسي في استراليا ان يتعامل بهذه الروحية.

 

يمر العراق بظروف أمنية صعبة في ظل الحرب الدائرة أوزارها ضد تنظيم داعش الإرهابي.. بودنا أن تطلعنا على الدور الذي لعبته وزارة الخارجية خلال المدة الماضية وما تفكر به للمرحلة القادمة؟

- لعبت الوزارة دورا مهما وفعالا في هذه المرحلة الحرجة التي يمر بها العراق، إذ حشدت الوزارة فرق عملها بشكل مكثف لشرح ابعاد الوضع الخطير الذي يمر به العراق وانعكاساته المتوقعة على دول الجوار خصوصا، والعالم عموما ونعتقد أننا كوزارة نجحنا في توضيح الصورة الحقيقية للدول العربية، ودول العالم بعكس المفاهيم الخاطئة التي كانت تصل اليهم لدوافع مغرضة، وذلك من خلال مشاركات أركان الوزارة في العديد من المؤتمرات العربية والدولية، وكذلك العمل الفعّال الذي يقوم به العديد من سفاراتنا وتمثيل السلك الدبلوماسي في دول العالم.

 

أموال العراق مبعثرة هنا وهناك، نعني الأموال المسروقة من جهات أو أشخاص يقيمون خارج العراق.. ما هو دور الوزارة في قضية استردادها؟.

- تسعى دائماً وزارة الخارجية على استرداد هذه الأموال وقد تابعنا وبصورة جدية ملاحقة الكثير من الحيثيات التفصيلية للعديد من رؤوس الاموال المسروقة والمسجلة تحت اسماء غير شرعية وربما وهمية في أكثر من مكان حيث استطعنا استرداد البعض من هذه الاموال من دول عديدة، بالإضافة الى أننا وضعنا اليد على أموال أخرى وهي مسجلة بأسماء أشخاص وقد أصبحت هذه الأسماء معلومة لدينا ولدى الدول التي بحثنا معها هذه القضية، ومازلنا نبحث عن كل متعلقات العراق المالية في الخارج.

 804-wedad

قرانا وسمعنا ايضا انكم وبجهود جبارة استطعتم استرداد الاثار العراقية المنهوبة وبحنكتكم الدبلوماسية وبالتعاون مع الجهات ذات العلاقة استعدتم العديد منها، هل كانت هناك مؤشرات استدلال على هذه الاثار ام كانت جهود بحثية الغرض منها الحصول على مفقودات العراق الثمينة مادية كانت ام معنوية؟

- كانت لنا جهودا حثيثة حول موضوع اعادة الآثار العراقية وقد نجحت الوزارة في استرداد العديد من القطع الآثارية المهمة، وأيضا مازلنا نسير في هذا الاتجاه حيث تشير معلوماتنا الى أن هناك قطعا آثارية لازالت مختفية.

انا شخصيا وعندما كنت سفيرا للعراق في رومانيا استطعت ان اعيد للعراق العديد من الاثار المهمة جدا والتي تؤرخ حقبة زمنية من تاريخ العراق وتستطيعون مشاهدة يوتوب باسمي مع الكثير من الاحتفاليات التي اقيمت بمناسبة استرداد اثار مهمة الى وطننا العزيز، وبالتاكيد هذا ليس فضلا منا بل انه احد واجباتنا المقدسة لخدمة بلدنا العراق.

 

هناك العديد من القضايا التي يعاني منها المواطن العراقي المقيم في استراليا ومنها الفترة الطويلة التي عليه انتظارها للحصول على جواز سفر عراقي.. هل هناك حلول لهذه المشكلة..؟

- الأمر يخص إجراءات ادارية تتعلق بإدخال المعلومات وإرسالها الى وزارة الخارجية ومن ثم تحويلها الى الجهات المختصة بموضوع إصدار جواز السفر وبالمناسبة فان هذه الإجراءات لا تخص وزارة الخارجية فقط، بل أن موضوعة إصدار جواز السفر تتم من قبل جهات أخرى ويدخل من بينها الجانب الأمني، لكننا كوزارة نحاول جاهدين إتمام ما يتعلق بنا في الجانب الاداري بأسرع وقت ممكن ونعتقد أن جهاتنا المعنية غير مقصرة في هذا الجانب.

 

وجه العراق في الخارج سفاراته وقنصلياته... ووجه السفارات والقنصليات موظف الاستقبال وموظف البدالة، لكن الجالية العراقية في أستراليا تعاني من هذه القضية وبالتحديد في تعاملها مع السفارة حيث ترد على هاتف البدالة موظفة من أصول عربية وبصعوبة واضحة للعيان لا تستطيع تقديم الخدمات المطلوبة لاسيما أنها تقوم بشرح التفاصيل المطلوبة للمواطن.. هل بامكانكم مساعدة المواطن العراقي للتغلب على هذه الحالة؟

- التعليمات واللوائح القانونية واضحة جدا بخصوص تعيينات الموظفين المحليين، ولكن هناك رؤى شخصية من قبل رئيس الحقيبة الدبلوماسية احيانا وحسب الحاجة الملحة في التعيينات المحلية وخاصة الخدمية منها على ان تكون بعيدة عن مصدر القرار السياسي والخاص وكل ما يخص اسرار الحقيبة الدبلوماسية.

 

عذرا سيادة الوكيل للمقاطعة، ووفق ما تتحدث به الان ماذا لو تعلم ان السفارة العراقية تخلو من الموظفين المحليين العراقيين تماما عدا موظفي السلك الدبلوماسي وسيدة عراقية ادارية واحدة فقط وكل ما يدور حول السفير هم موظفون محليون من جنسيات غير عراقية، واحيانا كثيرة يمثلون شخص سفيرنا في المناسبات الوطنية الرسمية وعندنا ادلة توثيقية تثبت صحة اقوالنا وايضا المسؤول الاعلامي للسفارة هو زوج سكرتيرته الخاصة، نحن هنا فقط نود الاستفسار ان كان كل ما تقدم مخالفة قانونية وادارية ام لا؟

- على الرغم من عدم علمي بهذه المخالفة، إلا أنني كما اسلفت بأن التعليمات واضحة والقانون واحد لكل السفارات والقنصليات وكل شيء يخالف هذه التعليمات يعتبر خرقا للقوانين المعمول بها من قبل الوزارة ولي رجاء تزويدنا بأية معلومات موثقة بأدلة واضحة وحقيقية لكي نتخذ اللازم بشأن مثل هذه المخالفات واضرب لكم مثلا عن نفسي حينما كنت سفيرا للعراق في رومانيا عينت شخصا من أقاربي كسائق شخصي في السفارة، لكنني بعد أن اطلعت على التعليمات المركزية قررت اقالته لإن وجوده يعد مخالفة قانونية واضحة المعالم.

 

(زودت بانوراما السيد الوكيل بالأدلة الواضحة حول الخرق الاداري والقانوني المتمثل في تعيين زوج وزوجته في السفارة العراقية واشارات الى كتاب وزارة الخارجية الذي نص على منع ذلك حتى على الموظفين العراقيين).

هناك شكاوى عديدة وصلتنا من المواطنين العراقيين تؤكد على تعطيل وارباك المعاملات المختلفة في قنصلية السفارة التي تعرقل اجراءات المعاملات المقدمة من الكثير من ابناء الجالية بحجج غير قانونية وغير منطقية والدليل على ذلك أن هذه المعاملات تم ترويجها من قبل القنصلية العامة في سيدني.. هذا الامر يأخذني الى السؤال التالي: هل ان القانون وتعليمات وزارة الخارجية العراقية تختلف بين السفارة والقنصلية؟

- القانون واحد والتعليمات واحدة لجميع السفارات والقنصليات، سواء القنصليات في السفارات او القنصليات العامة لكن ربما يكون هناك فهم من قبل موظف يختلف عن فهم موظف آخر لقضية معينة نتيجة الخبرة الإدارية، أو الكفاءة المعرفية المختلفة من شخص الى آخر ويؤدي ذلك الى عدم ترويج هذه المعاملة من قبل هذا الموظف، وترويجها من قبل موظف آخر، لكننا نرفض رفضا قاطعا أن يكون عدم الترويج لمعاملة مواطن لأسباب شخصية مثلا، أو تعامل فوقي او غير انساني من قبل أي موظف من موظفي سفاراتنا وقنصلياتنا في الخارج مع أبناء الجالية العراقية، وان كانت لديكم أية أدلة تؤكد ذلك فنحن على استعداد تام لمعالجة مثل هذه القضايا ومحاسبة المقصر فيها.

 

هل البرتوكول الدبلوماسي يمنع وكيل وزير الخارجية للشؤون القانونية الاجتماع بأبناء الجالية والصحافة العراقية والعربية وحتى الأجنبية ان تطلب الامر، وهل يمنعه من التحدث عن شؤون العراق في هذه المرحلة تحديدا والظروف الراهنة التي يعيش فيها العراق؟

- أبدا لا يوجد أي مانع، لكننا نحن ضيوف على السفارة العراقية وعلينا احترام البرنامج الذي وضعه السفير لزيارتنا، مع هذا فقد سنحت لنا فرصة اللقاء مع عدد لابأس به من مؤسسات دينية واكاديمية ومجتمعية وايضا اللقاء بكم الان كصحيفة عراقية في استراليا.

 

أخذ الحوار مناحي كثيرة، لكن الصحيفة أرادت أن تنقل هذا الجزء الهام من اللقاء. شكرا لسيادة وكيل وزارة الخارجية

bahjat abaasتوطئة: فن الترجمة صناعة تحتاج الى ثقافة رفيعة، باعتبارها ترتبط تماما بموسوعية الكلمة؛ جذورها اللغوية والتداولية، اي المفهوم المعرفي الابستمولوجي لسياقاتها الانسانية، اضافة الى ما يتطلبه هذا الفن من خزين تراكمي في باب الاستعمال الدلالي لمحتوى المضمون الفني والأدبي وطريقة انسيابه.

ان ترجمة النصوص الأدبية الى لغات مختلفة، يعد مهمة شائقة تفرض على المترجم صبرا ودقة وحرفية عالية، باعتبار ان هنالك شيئا ما، يختبيء خلف النص، يفرض على المترجم اضافة معنى آخراً، يلازم المعنى الأصلي للقصيدة، يحتويها بطريقة أعمق شمولا؛ هي مسؤولية كبيرة تلك التي تحتاج الى استقراء لغة النص من خلال استعمال نص ثان مطابق للنص القديم، ولكن بلغة اخرى محايدة، اي بشرط الحفاظ على المضمون الدقيق للنص، وليس هذا فحسب، إنما هنالك حاجة اخرى لإضافة ابعاد جديدة لمحتوى النص بكل مفردة من مفرداته.

لقد حرصت صحيفة المثقف وبشكل مميز على تشجيع ترجمة النصوص العربية الى لغات مختلفة، كالإنجليزية والألمانية وبالعكس، وكان اختيار النصوص جزء لا يتجزء من المسؤولية الملقاة على عاتق هذه، اوتلك النخبة من الأدباء والمترجمين من العاملين، وغير العاملين في هذه الصحيفة الغراء.

بهجت عباس واحد من رموز هذه النخبة، وله تجارب متميزة ومتعددة في قراءة وترجمة نصوص الشعراء العراقيين وغيرهم، والمثقف تتطلع الى تشجيع ما يتفق وخطتها في تبني النصوص المتقدمة بغية الوقوف وإيجاد ارضية واسعة لتداول افكار المبدعين من الكتاب، والأدباء، والشعراء، وأنماط القصائد المكتوبة وطريقة العمل والتفاعل مع نتاجاتهم.

لذلك كان لقاء متميزا هذا الذي جمعني مع واحد من ابرز الشخصيات التي بقيت محافظة على تألقها الأدبي والعلمي. تاريخ طويل وحافل بالعطاء، وكما ذلك، فهو عامر بالمحبة والتواضع.

هنا في مكان يحتفي بأصحابه ورواده، ساندياكو مكان يذكرني بأولئك الذين كنا نلتقيهم ذات يوم في مقهى البرازيلي ايام بغداد الجميلة، وفي مقهى الهافانا ايام دمشق التي كانت جميلة ايضا.

ستار بوكس هذه المرة، كانت على نمط جلسة عفوية جمعتنا صحبتها لتبادل الحديث معا عن نصوص الشعر وهموم الادب والأدباء، وكذا البحث كان عن علم الجينات ومواضيع، هي الاخرى تستهويني وانا انصت بلهفة عميقة الى مصدر شفوي من مصادر العلم والمعرفة.

العالم والمفكر والباحث والأديب والصيدلاني الدكتور بهجت عباس علي، الذي لم يخلو لقاء من لقاءاته من بحث جديد ومعلومة جديدة، وأفكار جديدة، ليس في باب الادب والترجمة الشعرية فحسب، بل في باب العلوم الطبية ومصطلحاتها الدقيقة ايضا. لذلك بعد السلام، استهل كلامي بهذه التوطئة:

800-akeel 

ان ترجمة النص يحتاج الى وقت وجهد مثابر، هو عمل مجهد وعسير، خاصة مع اهتماماتك العلمية والطبية، هذا ناهيك عن انشغالاتك الأهم في التأليف.

- ترى كيف تختار القصيدة للترجمة؟

دكتور بهجت: ليس الاختيار سهلاً. ما يهمّني أوّلاً المعنى فيما إذا كانت ذات معنىmeaningful أو بدونه meaningless والفكرة أو الغرض الذي كُتبت من أجله، غزلاً، سياسة، حالة نفسيّة أو فلسفيّة وقد ترجمت من هذه الأنواع الجيّدَ منها دون تمايز. ثمّ يأتي تركيبها وصوغها، إذا كانت ذات متانة أو ركاكة وفيما إذا لمْ تُحشرْ فيها تعابير أو أسماء معيّنة لا يسيغها القارئ من ناحية وتؤدّي إلى شرح طويل لتبيانهايستهلك وقتاً وجهداً لا ضرورة له من ناحية أخرى، وأستثني بعض الأسماء الواردة فيها إن كانت هامّة وذات فائدة للقارئ إنْ عرفها.وهناك شيء هامّ جدّاً، وهو التباين أو الفوارق بين اللغات والمفاهيم، فقد تكون القصيدة جميلة في لغتها وهزيلة أو مضحكة في ترجمتها حسب المتعارف عليه من تقاليد المجتمعات المختلفة.

 

سؤال: ما هي بنظرك أهمية الترجمة؟

دكتور بهجت: تكمن هذه الأهميّة في التواصل بصورة عامّة. فمعرفة الشخص بحضارة الآخرين هو علم بحدّ ذاته، إذ يتمكّن القارئ من المعرفة لاكتساب خبرة في ذلك الشأن فتتوسّع مداركه أو لتعلّم شيء جديديستفيد منه في حياته، أو ما هم عليه الآخرون ليسير على منوالهم أو يتجنّب ما يراه ضرراً عليه، فأهميّة الترجمة هي التقارب بين الشعوب في العالم الذي أصبح قرية كونيّة لا غنى له عنها في تجواله فكريّاً وجسديّاً.

 

سؤال: كم قصيدة ترجمت؟

دكتور بهجت: لمْ أحسِبْها. ولكنّها حسب ظنّي لا تقلّ عن 250 قصيدة.

 

سؤال: ما هي أهم القصائد التي ترجمتها لحد الان؟

دكتور بهجت: هذا سؤال محيّر أو محرج حقّاً! فما ترجمتُ هو مهمّ، وهل بفرّق فرق بين أبنائه إن كان عادلاً ومنصفاً!؟ فأنا أخترتُ ما رأيتُه جديراً بالترجمة ومهمّاً وجميلاً. وللقارئ أنْ يقرّر ولستُ أنا، فأنا أعرض البضاعة وأبرزها بصورة لائقة وجميلة وهو، الناقد المدرك، الذييختار ما يرغب ويستهويه منها. وكما تعرف يا عزيزي، فلكلّ مزاجه وذوقه وتفكيره وعاداته في الاختيار. وكما يقول المثل المعروف: لولا الأذواق لبارت السّلع!

 

سؤال: هل ترجمت لشعراء عرب؟

دكتور بهجت: نعم، ولكن عددهم ليس بكثير، وأتمنّى أن يتّسع لي الوقتُ لأترجم أكثر.

 

سؤال: ما الفرق بين ترجمتك للأدب العالمي والأدب العراقي؟

دكتور بهجت: الترجمة من الأدب العالمي، يعني من لغة أجنبيّة إلى العربيّة أسهل من العربية إلى اللغة الأجنبية، وليس دائماً، حيث يعتمد على أسلوب القصيدة التي يكتبها الشاعر. فمثلا ترجمة أشعار ريلكه وهولدرلينوتسيلان ليست سهلة أبداً مثلما تترجم لهاينريش هاينه، فهناك فرق واضح. وكذلك يوجد هذا الفارق بين الشعراء العراقيين الذين ترجمت لهم. فمثلاً ترجمة نصّ الشاعر الراحل كمال سبتي (حكاية في الحانة) صعبة جدّاً لكثرة الغموض والرموز فيها التي يجب فهمها لوضعها في أسلوب واضح ليتسنّى للقارئ الألماني فهمها. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى ترجمتي النصوص الأجنبية إلى العربية (أقوى) وأمتن من ترجمتي النصوص الأجنبية إلى العربيّة، ذلك أنّ العربيّة هي لغتي التي درستها وتعلّمتها منذ البداية فهي لغتي الطبيعيّة التي وُلدتُ معها وصاحبتني طوال حياتي. أما اللغات الأجنبيّة فهي مُكتَسَبة أحاول إجادتَها على أن المُكتَسَب ليس كالطبيعي، وقد يكون أحسن في بعض الحالات إذا عاش المرء حياة طويلة في ذلك البلد أو تكلّم بلغة مواطنيه زمناً طويلاً وكان جادّا فيتعلّمه ومتابعة أسرار تلك اللغة.

 

سؤال: ما هي الفائدة التي جنتها عملية ترجمتك للنصوص؟

دكتور بهجت: لا فائدة مادّية مطلقاً! ولكن المعرفة وتوسيع المدارك هو ما أصبو إليه إضافة إلى الهواية الشخصيّة وولعي بالشعر والأدب هو طبيعتي، ثمّ أنّ تعريف الشعوب بعضهم ببعض بواسطة الترجمة، وخصوصاً الشعر والأدب تجعلهم أكثر تقارباً ومودّة وصداقة، وهذا ما يسرّني.

 

سؤال: ما هي إنجازاتك الحالية والقادمة؟

دكتور بهجت: الحالية والقادمة سِيّانِ ، بل شيء واحد يتلخّص في كتابة (مذكّراتي) التي بدأتُ بها ونشرت بعضاً منها، وهي حافلة بالنضال من أجل البقاء. ولربّما تكون في الحقيقة تاريخاً حسب تجاربي،فهي ستذكر ما مررتُ به وخبرته من الأصدقاء والمعارف والناس بصورة عامّة وأنّ ما قيل : كما تكونوا يُوَلَّ عليكم، يصحّ تماماً، وهو ما كان شعراؤنا القدامى والجدُد يتذمّرون منه ويندبون.

 

سؤال: ما هي نصائحك لتطوير واقع الترجمة؟

دكتور بهجت: هي أن تُؤسَّس جمعية للترجمة ومؤسّسات حكوميّة تُعنى بالمترجمين كإيفادهم إلى الخارج في دورات تثقيفية قصيرة الأمد وتشجيعهم بكافّة السبل ماديّا ومعنويّا كأنْ تُخصِّص جوائز سنوية للمترجمين المتفوقين. هذا من ناحية ومن ناحية أخرى أن يتقن المترجم اللغة الأمّواللغة الأجنبية، وإن عَصتْ عليه كلمة أو جملة لا يفهم معناها عليهأن لا يتسرّع في ترجمتها عبثاً دون أن يتأكّد منها، لآنّ الترجمة أمانة في عنقه يجب أن تؤدّى بأمانة تامّة. ثمّ عليه أن يعرف طبيعة القصيدة وحالة الشاعر النفسيّة، إن أمكن، وظروفه عندما كتبها.

 

سؤال: الفرق بين الترجمة الانكليزية والألمانية؟

دكتور بهجت: كالفرق بين اليد اليمنى واليد اليسرى!

 

سؤال: هل تعتقد ان الجمهور الألماني أكثر تلهفا للغور في قراءة القصيدة؟

دكتور بهجت: لا أدري! فلقد عشت بينهم فترة ليست بطويلة في زمان بعيد، فكانوا توّاقين لقراءة الشعر.

أمّا الآن، فالدنيا تغيّرت وتغيّر معها كلّ شيء. ولكنّ الشعر بصورة عامّة لا يجذب كثيراً من القرّاء كما كان يفعل قبل زمن الإلكترونيّاتوالفيسبوك وتويتر وغيرها من هوايات الشباب.

 

سؤال: هل تفكر بترجمة نصوص معينة في الوقت الحاضر؟

دكتور بهجت: ليس لديّ أيّ مشروع في هذا الخصوص. كل شيء يعتمد على المزاج والوقت وجودة النصّ!

 

سؤال: كم تأخذ معك مسالة الوقت وانت تترجم القصيدة؟

دكتور بهجت: بعضها ساعة أو بضع ساعات وبعضها يستغرق يوماً أو أياماً وهذا يعتمد على القصيدة، طويلة كانت أو قصيرة وأسلوبها، هل صعب أو سهل. فمثلاً ترجمت سونيتات ريلكه الخمس والخمسين في 22 يوماً ولكنّ تنقيحها وتصحيحها وإعادة النظر فيها عدّة مرّات تجاوز شهراً قبل أن تُنشر في كتاب مع المراثي العشر (الطويلة) التي استغرقت ترجمتها شهراً أيضاً.

 

سؤال: كيف تنظر الى قصيدة الهايكو؟

دكتور بهجت: بعضها جميل. هي فنّ لطيف خفيف وقعه على السمع والفكر ولكنّه عرضة للسرقة بكلّ سهولة. يكفيك أن تسرق كلمة واحدة من قصيدة أو فكرتها، لتكوّن هايكو. أنا لستُ ضدّه ولكنّي لا أرغب في كتابته في الوقت الحاضر على الأقلّ، ولا أعرف ما سيأتي به غدٌ.

 

قبل الختام لا يسعني الا ان أشكرك على إجاباتك الدقيقة وملاحظاتك المهمة، وطريقة تعاملك مع هذا اللون من الإبداع، كونه يعد جسرا يربط بين ثقافات متعددة، ما يساهم في عملية الارتقاء الالتقاء الحضاري والانساني بين الادب العربي، والعالمي خاصة ونحن نجسد أزمة الانسان في ظل هذا النوع من الصراع، الترجمة ليس علما للتعامل مع فنون الادب المختلفة وتياراتها ومدارسها المختلفة، انما هو علم الامتداد التاريخي الحواري بين الثقافات والأديان والعلوم. لهذا لا يسعني الا ان اعبر عن خالص شكري لهذا الحضور اولا، وللمصادر القيمة التي اهديتني إياها في علم الجينات ومرض السكر وبعض المؤلفات الاخرى في عالم الصيدلة والكيمياء، وذلك عمل يضاف الى جهدك المتميز في عالم الترجمة، كونه يتطلب ثقافة علمية متنوعة في المصطلحات الطبية ما يجعلك مترجما وخبيرا متميزا في حقل اخر من حقول هذا التخصص الرفيع. دمت إنسانا ومفكرا وعالما، وأتمنى لك الصحة والعمر المديد، وسنلتقي مرة اخرى مع ستاربوكس يوم جديد.

 

دكتور بهجت: أشكر الأديب البارع الأستاذ عقيل العبود على اللقاء الجميل الذي تمّ بجوّ كلّه طيب وصفاء حيث كان حسن الحديث لطيف الشمائل يستمتع المرء بحديثه الشيّق وتمرّ الساعة وكأنها دقائق. سُررت جدّاً لحسن اللقاء ولحسن ظنّه بي وثقته بترجماتي التي أفرد لها هذه الأسئلة التي تدلّ على اطّلاع غير قليل بالترجمة والثقافة وولعه غير المحدود بما يدور في عالم الأدباء والأدب. وألف تحيّة للمثقف الذي يَعرض مثل هذه الحوارات بإدارة الباحث القدير ماجد الغرباوي الذي يؤدّي ما بوسعه خدمة للثقافة.

 

عقيل العبود

8/8/2015

souzan aounس١: من هي سوزان عون؟

ج١: سوزان عون، الأصل من لبنان وبالأحرى من جنوبهِ المعطاء، مقيمة في أستراليا.

أم ومدرّسة وناشطة إنسانيّة، أهوى العلم والتعلم، وما زلتُ أنهل من ينابيع العلم إلى الآن وفي أستراليا أيضاً، لم ولن أتوقف ولو لآخر رمقٍ في حياتي.

إنسانيّة الهويّة، عاشقة للوطن والأرض والإنسان،

أرفض الظلم والقهر والاستبداد.

 

س٢: حدّثينا عن بداياتكِ مع الشعر وكيف بدأتِ مشوار الكتابة؟

ج٢: بدأ مشوراي مع الكتابة في الصف الخامس ابتدائي خلال اقامتي في دولة الإمارات العربية المتحدة، عندما اكتشفتْ ذلك مدرّسة اللغة العربية، فقامت على تشجيعي مما أثّر ذلك إيجاباً في داخلي ودفعني للمزيد من الكتابة.

وجدتُ نفسي أحملُ القلم والدفتر، في سن المراهقة، وأخطُ أول رواية أسميتُها هكذا الرحيل، وهي عبارة عن قصة حب واخلاص ووفاء.

وتوالت كتاباتي، كتبتُ سيناريو وحواراً لقصةٍ جديدةٍ عنوانها، (تاه عن بالي).

زواجي المبكر أثر سلباً على موهبتي، فاختلطتْ الأمور بعضها ببعض، ولم أعدْ أمتلكُ وقتاْ كافياْ للكتابة بين صخب الحياة وظروف لبنان الأمنيّة ومتطلبات البيت والأولاد.

حملتُ مسؤوليّة عائلة في سن مبكر، ولكن كنتُ أسجلُ يومياتي وأكتبُ قصائد بين الحين والآخر، حسب تأثري بما يجري حولي أو حسب الظروف.

فالحروب التي شهدها لبنان، ما فارقت ذاكرتي، كانت الدافع الرئيسي لأكتب عن وجعي والخوف الذي كنتُ أعيشه مع أولادي.

دفتر يومياتي كنزٌ لا زلتُ أحتفظُ به، كلما قرأتهُ، أشحذُ همتي من جديد وأنطلقُ أكثر.

صقلَ موهبتي الكتابيّة، تجويدي وعشقي للقرآن الكريم، فمنحني ذلك، مفردات جميلة، وسِعة في المعلومات اللغويّة.

دراستي الدينيّة منحتني الكثير من الثقة، فخرجتْ أفكاري من قالب العادات والتقاليد والأعراف إلى ميدان فسيح من العلم والمعرفة.

 

س٣: كيف ترى سوزان عون الشعر في بلاد الغربة؟

ج٣: الشعرُ في الغربة أم في الوطن، يظلُ وديعة الشاعر أو الكاتب.

وأرى أن الشاعر المهاجر لا يكلّ ولا يتعب، يودُ أن تصل كلمته لكل الناس.

ولكن ظروف الحياة للشاعر العربي المقيم في الغربة أصعب من ظروف الشاعر المقيم في بلده.

حيث يجد الشاعر المغترب صعوبة كبيرة في وجود مستمع عربي يفهم ما يوّد قوله، وهذا يؤثر على استمراره في العطاء.

عدا صعوبة الطبع والنشر والتوزيع، والأمرّ من كلّ ذلك، عدم وجود قارئ عربي يفتح كتاباً، وما زاد الطين بلّة، ثورة الأنترنت الظالمة والناجحة معا.

الأنترنت المفتوح ووجود كل أماكن اللهو، جذب الكثير من الشباب، فبات الكتاب الورقي موضة قديمة، وربما سيصبح تحفة أثريّة يوماً ما، للأسف.

هذا الكلام لا ينطبق على الشباب في مواطن الاغتراب فحسب، بل في كل بقاع الأرض.

قلّة الوعي والإدراك لخطر الأنترنت وسرعة انتشاره، واستعماله بدون رقابة وتنظيم، أثّر بشكلٍ كبيرٍ على ثقافة المجتمع.

فانتشرت المعلومة الصحيحة والخاطئة بالوقت نفسه.

وأيضاً انشغال الشباب بمواقع التواصل الاجتماعي، وابتعادهم عن اكتساب المعرفة والعلم، ناسيين مسؤوليّاتهم الكبيرة تجاه أنفسهم ومجتمعهم.

انخفض بشكل كبير مستوى بلاغة الكلمة الواردة في النص الشعري، كانخفاض مستوى القراءة والكتابة والنبوغ الشعري وضاعت المواهب الحقيقية في لجّة لا نعرف متى ستنتهي.

الشعر وليد الأيام واللحظات، لذا نرى كل الشعراء المغتربين، يكتبون الوطن والأرض والتراب والقمح والسنابل.

يكتبون وجع بلادنا من الحروب والمؤامرات وفساد الأنظمة الحاكمة.

يكتبون حلم العودة إلى أحضان الوطن يوماً ما، بعد أن يتحقق حلمهم في وجود وطن خالٍ من الفساد، ليعيشوا في ربوعه همْ وكلّ الناس، حياة مميزة ناصعة، تليق بإنسانيّة البشر.

 

س٤: ماذا اضافت الغربة في بلاد المهجر لشعر سوزان عون؟

ج٤: الغربة أو أستراليا لها فضلٌ كبير، نعم وقد أثّرتْ الغربة بشكل كبير على كتاباتي الشعريّة.

الحياة المجتمعية المستقيمة التي يعيشها الفرد الأسترالي، جعلتني أشعر بالقهر على أهلنا في بلادنا العربية.

وأحدّثُ نفسي يوميّاً وأقول: ماذا ينقصنا لتكون بلادنا العربية منظّمة ومرتبة ونظيفة كما أستراليا؟

ماذا ينقص الفرد العربي ليحيا حياة تحفظ له حقوقه المشروعة التي تُرضي طموحاته وتدخل الفرح والسرور لقلبه؟

لماذا نُقلّد الغرب في كلّ أموره السيئة ونترك الحسنة، فلا نقلّده بحفاظه واحترامه لشعبه وتوفير كل مستلزمات عيشه من طبابة ودراسة مجانيّة؟

متى يكون سعر المسؤول في بلادنا بسعر أي واحد من عامة الشعب كما في أستراليّا؟

متى يتواضع حكامنا العرب كما يتواضع المسؤولون أمام القانون ومطالب الجماهير بدون تمييز أو عنصريّة؟

هذه الأمور تركت ألماً وحفرتْ في قلبي ومشاعري أثراً عميقاً، جعلتني أبكي بحرقة على أهل بلادنا العربية، وكيف لا أبكي وأنا أسمع وأرى قهرهم وظلمهم يومياً.

كيف لا أبكي همّ شعوبنا العربية المقهورة المسلوبة الإرادة والحريّة السياسية والتعبير عن الرأي؟

كل ذلك أثر في نوعيّة كتاباتي، التي باتَ أغلبها تحاور الأرض والسماء والجبال، تستعطف ربّ الكون كله ليرحم أهل الأرض من الحروب والقتل والدمار.

 

س٥: ما هي رسالتكِ الشعرية في أستراليا؟

ج٥: رسالتي الشعريّة تتضمن معظم ما ذكرته في السؤال السابق، عدا عن رسالتي الأسمى للإنسان، ألا وهي الحب.

الحب الذي نؤسس به كوناً خالياً من الكراهيّة والعنف.

حب الإنسان لأخيه الإنسان، أن يكون الدين فيما بيننا رسالة حب، أن يكون تعاملنا مع الآخرين رسالة حب.

فالحب لا يكون علاقة غراميّة بين رجل وامرأة فحسب، لا أبداً، الحب أجمل وأسمى وأوسع وأشمل.

فعلاقتنا مع الله حب، وعلاقتنا مع أنفسنا حب، وعلاقتنا مع كل فرد حولنا هي نوع آخر وفريد من الحب.

لذا تجدون في نصوصي الكثير من الدعوة إلى الحب.

وأجلُّ الحب، أن نرى الله بعين القلب، فنحب خلقه.

 

س٦: لمن تكتب سوزان عون؟

ج٦: أكتبُ أولاً لكل امرأة على وجه الأرض تعيش ظلماً في قالب العادات والتقاليد البالية.

أكتبُ لكل صوت مخنوق وعنه، لعل صوتي يصل.

أكتبُ لكل العاشقين والمخلصين، أكتبُ لصناع الحريّة والديمقراطيّة، أكتبُ للمجاهرين بأصواتهم والمستشهدين في سبيل الوطن لإعلاء كلمة حق لم تكن مسموعة.

أكتبُ وأستجدي المتعلمين ليهبّوا ويقفوا تجاه التاريخ الظالم الأسود وعدم تكراره.

نتعلم منه لننساه ونغيّره، لا لنعمل به من جديد.

أكتبُ بلسان أوطاننا الموجوعة التي تنزف دماءً وشهداءً يومياً.

أكتبُ للحب وفيه أعيش وبه أحيا.

 

س٧: كيف ترين واقع الشعر والشعراء العرب اليوم؟

س٧: الواقع العام هو واقع الشاعر، فينعكس عليه ويتأثر به.

فالشاعر، هو المترجم الحقيقي لمَ يجري من أحداث، والشاعر الذي لا يعيش واقع وطنه وأرضه، وينقل معاناة شعبه وآلمه، لا يكون شاعراً حقاً.

فالمعروف عن الشعراء بأنهم كتلة من الاحساس والمشاعر، فكيف يرى الشاعر كل ما يجري حوله ولا يتأثر به؟

لذا، الواقع الشعري العربي والمغترب المعاصر عموماً، ينزف ألماً ووجعاً.

 

وهذا ما نراه في الكثير من القصائد لمعظم الشعراء.

وأما إذا أردت أن تعرف واقع الحراك الشعري، فأنني أراه نشط.

وتتفاوت جدارة كل شاعر وكاتب حسب ظروفه المكانيّة والتعليميّة ووجود معاناة أو هدف أم لا.

المشكلة الكبرى، وأظنها وليدة الحياة القاسية التي يعيشها الفرد العربي، ألا وهي الحروب والمشاكل الاجتماعية، مما أثر ذلك على عدد القرّاء، فنرى تقلص مبيعات الكتب والدواوين الشعرية.

وإذا عدنا لسؤالك رقم ٣، سنجد أيضاْ تتمة جواب هذا السؤال.

 

س٨: بمن تأثرت سوزان من الشعراء ويعتبرون لكِ قدوة ومثال تقتدين بهم؟

ج٨: تأثرتُ في مراهقتي بالشاعرة العربية الخنساء، حيث قمتُ في الصف الأول ثانوي بتمثيل دورها في مسرحية خلال اقامتي في دولة الإمارات العربية المتحدة الحبيبة، أمام زوجة الشيخ زايد رحمه الله.

كان عليّ تمثيل دورها قبل وما بعد الإسلام، وحفظ قصائدها ورثاءها لأخيها صخر.

وبعد ذلك فرحتها باستشهاد أولادها الأربعة في الحرب في سبيل الله.

كله طُبِعَ في ذاكرتي، وكان له الفضل الأكبر، في تأسيس موهبتي الشعريّة.

عدا ولعي في القراءة، فكنت لا أتركُ كتاباً إلا وأتيتُ عليه.

ولا زلتُ أذكرُ كتاب النبي للراحل جبران خليل جبران، وكتب الأديبة غادة السمان، والأدبية مي زيادة والكثير الكثير من الكتب والقصص والروايات.

وأكثر من أحببتُ كتبها، الراحلة المجاهدة بنت الهدى، حيث تأثرتُ جداً بأسلوبها الشيق الراقي النظيف المحترم، رحمة الله عليها.

 

س٩: ديوان ليلى حتى الرمق الاخير، حدثينا عن اختيار العنوان وما يحمله الديوان من معانٍ وإشارة؟

ج٩: أنا ليلى حتى الرمق الأخير، أعلّقُ بعضاً من ألواني على شجرة زيتون، قناديلاً للعاشقين.

هذا مقطع من قصيدتي ليلى حتى الرمق الأخير، ومنه استوحيتُ الاسم لديواني الثاني الجديد، بعد ديواني الأول إليك الرحيل فاذكرني.

ديواني ليلى حتى الرمق الأخير قام بالإشراف عليه الشاعر الكبير الأستاذ يحيى السماوي. وهو من اصدار: مؤسسة المثقف العربي، سيدني – أستراليا، ونشر وتوزيع: دار العارف، بيروت –لبنان

تقديم: د. رشا غانم-مدرس النقد الأدبي-الجامعة الأمريكية-مصر.

 

وأعتبر ديواني الثاني ليلى حتى الرمق الأخير، نقلة نوعية كبيرة في أسلوبي وتعاملي مع النص الشعري.

ابتعدتُ عن النص الموزون، بنصٍ حرٍ، يؤرخ كل لحظة من الصورة الشعريّة التي أعيشها، مما منحني تحليقاً خاصاً بي، أحبّه وأرتاح فيه، أجد نفسي وأجد صوت سوزان عون الحقيقي، بعيداً عن التزييف والخداع أو المبالغة.

كتبتُ ما تريد سوزان عون إيصالهِ للقارئ، ربما يحب القارئ ذلك وربما لا.

أنا ليلى الحبيبة الأزليّة، المتوارثة من كتب التاريخ، ليلى التي أحبّت فخلدها التاريخ، بدون حصر ذلك الحب في قصة العشق الخاصة التي عاشتها مع قيس.

بل أعني ليلى العاشقة لحبيبها ولوطنها ولأرضها ولشعبها وللغتها.

ليلى ستظل ليلى لآخر نفس وآخر رمق.

ليلى الأنثى ابنة حواء حبيبة آدم الأبديّة.

حواء المخلصة لشريك حياتها ولأولادها ولأرضها ولوطنها.

حواء التي تجد في الرجل وطناً وفي قلبه عاصمتها.

 

س١٠: هل يحمل شعركِ معاناة الشعوب العربية، ونقل تراث وحضارة البلاد العربية إلى الغرب أو إلى استراليا بالتحديد؟

ج١٠: من يقرأ حواري السابق وأجوبتي، سيعرف حتماً جواب هذا السؤال، الوطن هو القضية الأساس والركيزة الأولى والمدماك الشعري لأي شاعر.

لذا لن أكرر هنا ما كتبته سابقاً.

 

س١١: ما هو سر انتشار او تغلب الشعر الشعبي على الفصيح؟

ج١١: لم ألحظ ذلك، أرى المسيرتين تسيران بجانب بعضهما البعض، ربما تسبق واحدة الأخرى.

الشعر العامي بكل الأحوال، هو لسان الشعب المقهور، لسان صاحب الأرض، لسان العامل والفلاح والفقير والغني. الخ.

الشعر العامي جميل جداً لمن يمتلك هذه الموهبة الإبداعيّة الخلاقة، ولا يستطيع أي شاعر أن يمتلكها.

ولكل شعر أكان فصيحاً أم عاميّاً جمهوره.

ولكن حتى في أحلك الظروف، يجب ألا ننسى اللغة الأم، اللغة العربية الفصيحة.

فلا نركّز على العاميّة على حساب أجمل لغة شعريّة غنيّة ألا وهي اللغة العربية.

 

صراحة، ما أراه من كلمات في بعض القصائد، يوجع القلب، وأشعر من خلاله بالقلق على لغتي الحبيبة.

البساطة في النص الشعري جميل ومريح، ولكن هناك خطر محدق بأروع لغة إذا استمر الوضع على هذا الحال.

 

س١٢: هل نجحت الشاعرة سوزان عون في تحقيق ما تطمح اليه من خلال شِعرها؟

ج١٢: الشعر والكتابة كانا ولا زالا، موهبتي التي أحب.

والطموح عند الإنسان لا يقف إلا بموته، وأنا أرى نفسي لا زلتُ في أول الطريق، والمسيرة لا زالت أمامي طويلة.

لا أنكر أن الكتابة منحتني الكثير والكثير من الآمال والأمنيات، تحقق بعضها، وأنتظر تحقيق المزيد.

مهما تعلمنا ودرسنا وارتقينا في الحياة على درج العلم، نكتشف يومياً كم نحن مقصرون وقاصرون.

العلم بحر لا نستطيع أن نستوعبه، كلما خضنا فيه، ازدادت الصعوبة الملقاة على عاتقنا، ووجب علينا مسؤوليات أكبر.

 

س١٣: لكل شاعرة رسالة توجهها من خلال قصائدها، ماهي الرسالة التي تودين ايصالها للمرأة العربية؟

ج١٢: رسالتي أولاً للمرأة، أقول للمرأة لا تخضعي إلا للذي خلقكِ، لا تكسري كرامتكِ أو تصمتي.

ارفعي صوتكِ وقولي للجميع بأنكِ الأكثر عطاءً وصبراً.

ارفضي كل أشكال الاستغلال الجسدي والنفسي، تعلّمي واقراي واخرجي للحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية.

عبّري عن همومكِ وحققي كل طموحاتكِ.

أنتِ شريكة الرجل في بناء الوطن، ولستِ تابعاً أو ظلا لأحد.

لكِ من الحقوق الكثير، فتعلّميها وقرّي عينا.

وأقول للرجل، المرأةُ بين يديكَ أمانة، فانظر كيف تحفظ هذه الأمانة.

 

حاورها: عزيز البزوني

maymon harashيحق للناظور، اليوم، أن تتجمل وتتباهى ببناتها وبنيها، وأن تجلس في هودجها أميرة متوجة، فحاديها شباب يحرصون على أن يهبوها نبتة خضراء، بها تخضب يديها بحناء العرفان بعد أن حفرتها أخاديد الجحود سنين طوال؛بالأمس كانت خاوية الوفاض، ونادية الإنفاض بسبب من هجرها، وأدار الظهر لها اللهم إلاّ من رجالٍ قلائل تحدوا سنوات الرصاص، وحرصوا على أن يهبوها كنز الربيع..

اليوم أصبحت الناظور تكتنز لحماً وشحماً بفضل أبناء وسيلتهم القلم، والركح، والصحافة والعمل الجمعوي.. كل من موقعه، يناضل بطريقته كرمى للسيدة مدام "ريف"..

ونجاة قيشو إحدى بنات الناظور، قاصة، مبدعة، استطاعت في وقت وجيز أن تجعل النقاد يؤمنون بموهبتها بفضل كتاباتها الجميلة، والبارعة، والذكية والشائقة..

لها في القصة القصيرة جداً " وشاح الخنساء"، وهي باكورة أعمالها، وحول هذا المؤلَف، ومحطات أخرى لنا معها وقفات عبر سلسلة حوارات في " أصوات أدبية "..

 

1- نجاة، مرحباً بك في " أصوات أدبية".. قدمي نفسك للقراء بما تحبين؟

- بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم على المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان الى يوم الدين.تحية أدبية عبقة يتخطى شذاها رسم الحروف ليتسلل عطراً إلى قلوب الأحبة المتتبعين.

إنه لشرف عظيم أن أحظى بهذا الالتفاتة الطيبة من شخصكم الكريم، سعيدة جداً أن أقف في هذه المحاورة أمام مبدع من الطراز الرفيع أكن له إعجاباً وتقديراً لا حدود لهما. فحييت أستاذي ميمون حرش بأجمل تحية وبوركت خطاك في سبيل الرقي بالأدب وتكريم المبدعين والأدباء من خلال هذا البرنامج الذي ينبض ويتنفس أدباً.

بالعودة إلى سؤالك، سأقول ببساطة نجاة قيشو هي تلميذة ميمون حرش.

أنا لا أحب الحديث عن نفسي كثيراً بل أترك حروفي تتكلم عني لأني أومن أن ما نكتبه هو ما يصنعنا وليس العكس. لكني باختصار أقول نجاة هي عاشقة للقص والسرد منذ كانت صغيرة، تمخر عباب بحر الأدب، تجذف حيناً وتلطمها الأمواج أحياناً أخرى، بعزيمة لا تخبو تحاول الرقي بكتاباتها، وتعرية الواقع بما يحمله من ظواهر وسلوكيات وممارسات وطابوهات من خلال قصص تحمل آهات، وآمال وأحلام الإنسان المعاصر.السرد حياة وهو متنفس بالنسبة لي ومتعتي، فأنا أحب السرد كثيراً، ولي نفس طويل فيه، حتى أن الدكتور والناقد ميمون مسلك قال لي ذات مرة: "أنت يسكنك سارد ثرثار".

 

2- في فترة وجيزة نجحتِ، والحمد لله، أن تلفتي النقاد حول كتاباتك.. هل من وصفة؟

- أولاً الحمد لله الذي وفقني إلى إخراج حروفي التي ظلت لأمد طويل قابعة على الرفوف وحيدة، فسمع أخيراً أنين قلمي الذي وأدته السنون تحت طيات دفاتري، حقاً أحمد الله على ذلك كثيراً، والوصفة التي تجعل من أي عمل مهما كان ناجحاً هو الصدق والإحساس، ولعلك أدرى بأن أي إبداع إن لم يعكس إحساس الكاتب ومصداقيته فإنه لا يعدو أن يكون فبركة، أو حرفة. وأنا منذ بدأت أكتب، وأنا أكتب عما يدور حولي وأحاول أن أنقله بنوع من المصداقية، وأظن أن هذا ما جعل كتاباتي تقترب من واقع القارئ، وتمثله.فأنا حين أكتب أعبر عما يختلج في صدري ويعج به عقلي من أفكار حول موضوع يستفزني، فأكتب دون أن أشغل بالي إن كان ما سأكتبه سيروق الآخرين أو لا. الكاتب المبدع مهما كان الجنس الأدبي الذي يكتب فيه؛ يصنع لما يكتبه عالماً يحتضنه ويتفاعل فيه بمعزل عن الآخرين، وهذا ما عبر عنه "هوراسيا كيروغا" بقوله:" حين تكتب لا تفكر بأصدقائك أو التأثير الذي قد تحدثه قصتك، اِحك قصتك كما لو كانت تهم العالم المحدود لشخصياتك والذي قد تكون جزء منه هذه هي الطريقة الوحيدة لتبعث الحياة في قصتك ."

بالنسبة للنقاد فالحق يقال فقد حظيت بعض كتاباتي التي نشرتها في منابر محلية وعربية باهتمام بعض النقاد المغاربة والعرب، وأفردوا لها قراءات نقدية، غير أن هذا لا يعني أني وصلت، بالعكس هو حافز للمضي قدماً وبذل مجهود مضاعف والاستفادة من آرائهم وملاحظاتهم، وتقبل النقد لأني أبحث دائماً عما يغني تجربتي ويمدني بالتربة الخصبة حيث تترعرع موهبتي وتكبر. كما أن آراء النقاد في كتاباتي ليست كلها كانت عسلا مصفى، فقد تلقيت أيضاً نقداً لاذعاً على بعض الكتابات التي ربما لم ترق برأيهم للمستوى المطلوب وهذا بحد ذاته مكسب لي لتصحيح العثرات وتصويب مساري، لتغدو كتاباتي أفضل وأفضل.

 

3- "وشاح الخنساء" مجموعة لافتة بشهادة الكاتب الخضر الورياشي مُقدم المجموعة، ودراسة الناقد الكبير الدكتور مصطفى سلوي.. كيف تشتغلين على نصوصك، هل تضعين تصميماً أ وخطاطة ما قبل الكتابة؟..

- برأيي المتواضع، الإبداع ليس مشروعاً يخطط له، فالإبداع يبدأ لدى الكاتب بالإحساس بالمشكلة والرغبة في إخراج ذلك التشويش الذي تحدثه تلك المشكلة في نفسية وعقلية المبدع، فتنبثق الفكرة وتكبر وتخرج منتوجاً يتسم بالجدة والأصالة. مجموعتي "وشاح الخنساء" كانت حصيلة تجربة في القصة القصيرة جداً دامت قرابة سنة، باعتبار أني في الأصل كاتبة قصة قصيرة، غير أنه في وقت من الأوقات أغوتني هذه القصيرة جداً فانسقت وراءها وضعت في دروبها وتعلمت أساليبها، فأخفقت وأخفقت مرات عديدة قبل أن أتمكن من الإمساك بتلابيبها، وذلك بشهادة من سبقوني إلى هذا الجنس الأدبي. بعد ذلك بدأ مشروع هذه المجموعة يختمر في عقلي، وقد امتنعت عن النشر لمدة طويلة إيماناً مني أن تجربتي لم تنضج بعد. لكن بفعل تشجيع أساتذتي أتى المخاض أخيراً وكان المولود هذا الوشاح الذي أتمنى أن يكون قد تكلم عني قليلا في الساحة الأدبية الوطنية وأعطى انطباعاً طيبا لدى القراء والنقاد.

 

4- أول نص من نصوصك الستين في وشاحك هو"اتفاق" خصصته للرجل، وآخِرُ نص فيه "بائع" عن الرجل كذلك، وحضور "الذكر" ولا أقول الرجل لافت، فلماذا "وشاح الخنساء"، وليس رداء غاندي، أو ربطة عنق فلان أوعلان.. العنوان مستقى من مخدع الحريم وليس من ديوان الرجل رغم طغيان تيمة الذكورة .. كيف تفسرين هذا الاختيار؟

- صحيح أن الموضوعة التي حظيت بحصة الأسد في المجموعة هي موضوعة المرأة والرجل في علاقتهما الشائكة، لكن هو ليس اختياراً مني، فكما سبق أن قلت أنا أكتب عما حولي ولا أخطط لما سأكتب، فلا أقول مثلا سأكتب قصة عن كذا وكذا، ففكرة أي قصة تنبثق تلقائياً في مخيلتي فتجدني أحمل قلمي وأترجمها إلى نسيج قصصي. بل إني أحياناً أكتب وأنسى ما كتبت، لان القصة تكون وليدة لحظة انبثاق الفكرة في عقلي، والمضحك في الأمر أني أحياناً أكتب القصة على ورقة ممزقة فأرميها في الدرج ويمر وقت طويل إلى أن يأتي يوم وأتعثر بها بين الأوراق فأقول من كتب هذا؟ !!.

 

5- دعينا في العنوان "وشاح الخنساء"، هو مجرد نص في المجموعة ولا يعبر عن كلية تنسحب على نصوص المجموعة، ولا عن رؤية شمولية حسب تعبير الدكتور مصطفى سلوي ..هو مجرد فرع وليس شجرة..لماذا هذا التقليد، أعني لماذا تستهوي المبدعين نصوصٌ في مجاميعهم فيختارونها عناوينَ لكتبهم الإبداعية؟

- طبعا لكل كاتب رؤية حول منتوجه قد تفضي به الى اختيار عنوان جامع شامل يمثل المجموعة في كليتها حيث يعبر عن رؤية شمولية لمضامين النصوص التي تحتويها المجموعة، أو إلى اعتماد عنوان نص معين من المجموعة، وغالباً ما يكون هذا النص ذا حمولة ووقع في نفس الكاتب.

وشاح الخنساء نص عذبني وظل يختمر مدة حتى وجدت له الصياغة والقفلة المناسبتين، وهذا النص من أحب النصوص إلى قلبي ذلك أنه يعبر عن قضية وطن تمزق وارتوت الأرض من دماء أبنائه، وغاصت مقل الأمهات بالدموع تبكي بنيها الذين قبروا، الخنساء هي ذاك الوطن الذي يبكي بنيه ويرثيهم.، والوشاح هو ذلك النسيج والروابط التي تفككت وتمزقت وعبثت بها عواصف الربيع. فلوشاح الخنساء حمولة إنسانية وسياسية وقومية، لهذا حظي هذا النص بشرف أن يكون على غلاف المجموعة.

 

6- تتكون "الوشاح" من ستين نصاً قصصياً، والعنوان النكرة طاغٍ.. هل من تفسير لهذه الظاهرة؟ هل يتعبك العنوان؟وكيف تختارين عناوينك؟..

- إن أصعب مرحلة في كتابتي لأي قصة هي مرحلة اختيار العنوان باعتباره يشكل العتبة لفهم المتن، فيجب أن يكون دالاً وغير مباشر وفاضح، وأن يحقق ذلك التكامل مع القفلة في تحقيق الدهشة ويكون مثيراً وشائقاً بالنسبة للقارئ لهذا فهو يأخذ مني وقتاً أكثر بكثير من الوقت الذي استغرقه في كتابة قصة بكاملها، فقد اكتب قصة في بضع دقائق ويستغرق اختيار العنوان ساعات وأحياناً أتخلى عن القصة لأني لم أجد لها عنواناً يرضيني.

تستهويني العناوين المفردة في القصة القصيرة جداً، لا لسبب سوى أني أجدها أنسب باعتبار الحجم الصغير للقصة القصيرة جداً والذي لا يحتمل عنوان أكبر من المتن. كما أن العنوان النكرة غالباً ما يتسم بأنه مبهم ويثير حفيظة القارئ لاكتشاف المتن والبحث عن توضيح للسؤال المبهم الذي يحمله العنوان المفرد النكرة وهذه رؤيتي والله أعلم.

 

7- يقول الناقد الكبير مصطفى سلوي في دراسته للمجموعة بأن نجاة قيشو تطل على عالم القصة القصيرة جداً من خلال ستين أقصوصة، وهو يسجل إعجابه الشديد بنصوصك من حيث احترامُك لبنية القصة القصيرة جداً.. وهذا تناقض واضح..أنت تكتبين قصة قصيرة جداً أم أقصوصة؟ ثم هذا الخلط في التجنيس هل من تفسير له..؟

- طبعاً أكتب القصة القصيرة ولا أظن أن الدكتور مصطفى سلوي لديه خلط في الأجناس فهو ناقد مشهود له بالحنكة والفطنة، ربما هو خطأ لم ينتبه له . أما عن الخلط الذي نراه في الساحة الأدبية بين القصة القصيرة جداً والأقصوصة والقصة القصيرة، فراجع بالأساس لاختلاف المنظرين في شروط كل جنس أدبي على حدة هذا من جهة، من جهة أخرى فقد كثر الهرج والمرج خاصة في القصة القصيرة جداً فصار كل من يكتب كلمتين يقول عنها قصة قصيرة جداً، وثانٍ يقول ومضة وثالث أقصوصة فضاع التجنيس وسط هذا العبث الذي تشهده صفحات التواصل الاجتماعي خاصة. وإن استمر الحال على ما هو عليه خاصة في غياب المراقبة وفي ظل انتشار منابر غير جادة تفتح أبوابها للعابثين فإن الأدب سيصير مرتعاً للأقلام العابثة فتقل المردودية تبعا لذلك.

 

8- ملاحظة سجلها الناقد الكبير مصطفى سلوي هو تكرير العنوان الواحد في المجموعة، قصة "موعد" في ص17، وص 58، وكذلك نص " حكمة" يتكرر في ص 14 و46.. هل هي ظاهرة مقصودة، أم هو مجرد سهو وصدفة..؟

- ليس ظاهرة مقصودة، وليس سهواً ولا صدفة، هو إيمان مني بأن العنوان مناسب للقصة وكما سبق وأن قلت أنا أتعامل مع كل قصة ككيان قائم بذاته مجردة عن باقي القصص فان وجدت أن العنوان مناسب فلا ضير عندي أن يتكرر.

 

9- ظاهرة أخرى، ويشترك معك فيها مبدعون كثيرون ممن يكتبون القصة القصيرة جداً.. لماذا يغيب اسم البطل في قصصك، وبدلا من ذلك تكتفين بضمير عائد عن الرجل أو المرآة؟

ببساطة لأني أترك القارئ يسقط الشخوص على من يجد القصة تمثلهم فيجد لهم أسماء من تلقاء نفسه.

 

10- يقول الناقد الخضر الو رياشي في تقديمه للمجموعة: " قصص نجاة في مجملها بارعة، وذكية، وشائقة..."

{البراعة، والذكاء، والتشويق}، كيف تنجحين في إيلاء هذا الأثافي حقه، وهل هناك رواد لفنِ القصة القصيرة جداً أفادوك في هذا الأمر؟

- الناقد الخضر الورياشي قد شرفني بهذا التقييم، ويبقى التوفيق من الله، أما عن القصة القصيرة جداً فاني أعترف أني كنت عصامية التكوين، كنت أقرأ الدراسات وأجتهد وأعرض منتوجي على القارئ وعلى من سبقوني في الميدان فأتلقى تشجيعاً من هذا ونقداً من ذاك ولم أبدأ في قراءة المجموعات القصصية إلا بعد أن تمكنت من الإمساك بتلابيبها .

 

11- أنتقل بك إلى التيمات /des temes المعتمدة في وشاح الخنساء..

- يبدو لي أن " الرجل والمرأة والشيطان ثالثهما" هو السياج أو هو للدقة ذلك الوشاح الذي يلف أكثر نصوص المجموعة، نحو "على نار هادئة"، و"كان يا مكان"، و"من.. إلى"، و"قطعة حلوى"، و"مسخ"، و"هو وهي"، و"حوار"...لماذا هذا الحضور الطاغي لثنائية الرجل والمرأة؟

ربما لأني أنثى..هههه،

أو ربما لأن هذه العلاقة الشائكة بين هذا الثنائي المرأة والرجل تغري بالكتابة خاصة أن مجتمعنا يعج بالقضايا التي يكون الرجل والمرأة والشيطان ثالثهما كما قلت أبطالا لها.

 

12- ثم إن المرأة في الوشاح سالبة، مبتذلة، وضحية وصيد رخيص..هل من رسالة هنا؟

- أكيد فان لم تحمل القصة رسالة فهي كلام فارغ من أي حمولة، ولا يجب أن يفهم من هذا الاختيار أني أنتصب مدافعة عن المرأة، ففي مجموعتي لم أظهر المرأة دائماً في موضع الضحية فكانت أيضا المرأة اللعوب (نص "وداع")، والمخادعة (نص "تكتيك") والساحرة ( نص "رقصة").. وغيرها من القصص التي تدل على أن المرأة ليست دائما ذلك المخلوق الرهيف اللطيف منبع الحنان والرقة. وأنا أصبو من خلال قصصي إلى تعرية الواقع ووضع اليد على الجرح وتنبيه القارئ إلى سلوكيات وممارسات قد تعترضه في حياته، أو قد يكون شاهداً عليها.

إن ثنائية الرجل والمرأة هي ثنائية متباينة تتكامل في اختلافها ولا تتطابق في وظائفها، بحيث يدور كل منهما حول الآخر وتتمثل الروابط التي تجمع بينهما في الجذب والدفع. وإذا حصل أن اصطدما فإن كلاً منهما سيتضرر.

 

13- خاصية أخرى في الوشاح تتعلق بإيلائك للحوار أهمية كبرى، تمنحين له بعداً تواصلياً، ومقصدية من خلال استحضار المخاطب .. هل طبيعة الموضوعات تفرض ذلك، أم لثنائية الرجل والمرأة الطاغية على المجموعة يد في ذلك..؟

- أسلوب الحوار يغني أي كتابة قصصية لأنه يبطل دور السارد ويترك الشخوص تتولى مهمة السرد، مما يعطي للقصة جمالية وحياة وتخلق نوعا من التفاعل والتنامي في الأحداث وتقلل من وطأة السرد المستمر الملل.

 

14- أحب أن أسجل إعجابي بلغة "وشاح الخنساء"، جميلة ومخملية.. فمن أي مشتل تنتقين ألفاظك، وجملك، وتعابيرك..؟

- القراءة مثل المطر تزودك برصيد لغوي وتغني أسلوبك وتسقي مراعي الإبداع فيك.

 

15- " فتوى"، و" وشاح الخنساء" نصان جميلان جداً برأيي، هما على خلاف بقية النصوص يختزنان شحنة من المعاني من خلال استدعاء التراث، والتاريخ في ديباجة أنيقة.. هذا النوع من النصوص قليلة في المجموعة لماذا هذا الاقتصاد في الاغتراف من التراث، والتاريخ؟..

أشاطرك الرأي في آن المجموعة تفتقر لمثل هذا النوع من النصوص. ويبقى وشاح الخنساء تجربة أولى ربما قد تليها تجارب أكثر غنى ..يبدو يا أستاذي أنه شغلتني هموم واقعي فنسيت التاريخ والتراث هههه.

 

16- نجاة سجلت حضورها المتميز في مهرجان الناظور للقصة القصيرة جداً في نسخته الرابعة في مارس 2015..لا بد من استفادة ما، حدثينا عن "الإضافات"؟ وما هي الأسماء العربية التي التقيت بها؟

- من الأسماء التي تشرفت بالالتقاء من المغرب هناك سعدية باحدا، حسن برطال، عبد الرحيم التدلاوي، عبد الحميد الغرباوي، نعيمة الادريسي، سمية البوغافرية، ورحيمة بلقاس، وحسن قرى..والنقاد مصطفى سلوي، وميمون مسلك، ومحمد يوب ومن الدول العربية سعدت بلقاء الكتاب فاطمة وهيدي، جلنارزين، وجمعة الفاخري، ورقية هرجس، وعفيفة أم الشيماء... وغيرهم من الكتاب والأدباء الذي حلوا ضيوفاً على المهرجان.

 

17- بعد نشر الوشاح هل يمكن أن نتحدث عن نسبة "مقروئية" المجموعة؟

- هههه لا أعلم.

 

18 - لماذا لا يقرأ المبدعون لبعضهم؟

- أنا عن نفسي أقرأ لكل قلم يستحق القراءة ولا فرق عندي إن كان له عشر مجموعات أو ينشر فقط على مواقع الانترنيت.

 

19- لمن تقرأين من بنات جيلك في القصة القصيرة جداً؟

- ليس هناك أسماء محددة.

 

20- فزتِ، مؤخراً، بالمركز الأول في مسابقة القصة القصيرة عن نصك " قلبان في قفص".. نبارك لك أولاً هذا الفوز المستحق وتالياً دعيني أسألك، وسؤالي هنا من شقين :

- عما يمكن أن يضيفه هذا الفوز لرصيدك؟

- بعض النقاد يرون بأن المسابقات الأدبية مجرد مضيعة للوقت، ولا تحكمها ضوابط، والزبونية فيها اليد الطولى والقِدح المُعلى، كيف تردين؟

- لأكون صريحة معك لا تهمني المسابقات كثيراً، وقد أحجمت منذ زمن عن المشاركة في المسابقات التي تنظم على مواقع الانترنيت. شاركت في هذه المسابقة التي نظمتها مجلة قصيرة وذلك بعد ما تلقيت دعوة للمشاركة من طرف رئيسها الأستاذ يحيى أوهيبة باعتباري عضوة في المجلة والحمد لله تمكنت قصتي "قلبان في القفص " من كسب رضا مجموعة من الأساتذة والناقدين والمهتمين بمجال القصة القصيرة الذين كانوا أعضاء في لجنة التحكيم. يبقى الفوز في مثل هذه المسابقات حافزاً للكتابة وتشجيعاً على الاستمرار خاصة في غياب التحفيز على أرض الواقع.

أما عن المسابقات، ومدى جديتها فهذا يتوقف على الجهة المنظمة للمسابقة، ولا يمكن الحكم على أن جميع المسابقات عبث ولا تحكمها ضوابط.

 

21- "عمر" بطل قصة" قلبان في القفص"و الفائزة بالمركز الأول يبدو شخصية "غير حية " حسب تعبير مُنظري الرواية، هو مهدد بالقتل / الإعدام، ومؤمن بقضية، وفي جلسات العلاج التي كانت تشرف عليها الطبيبة "إميلي" في الزنزانة ستنشأ بينهما علاقة حب، يقول لها مثلا : "أجد بين يديك الدواء"، سؤالي هو: كيف يمكن لمناضل متفائل بما يُقدم عليه من تضحيات أن ينساق مع هذه " الريح الجديدة" وهو الذي وهب نفسه لقضية مصيرية.. كيف يستقيم هذا برأيك..؟

- ألم يقل وليام شكسبير إن الحب أعمى؟ !، المشاعر ليس لها منطق، فإن تحركت فلا يهم إن كانت هناك عداوة أو حرب. ونشوء مثل هذه العلاقة ليس جديداً بل هو تقليد معروف في أدبيات الرواية العالمية. وهذا ما أشار إليه الناقد صلاح هشام في قراءته النقدية للقصة بقوله:" فقد تحولت علاقة السجين عمر بالطبيبة من علاقة تطبيب إلى علاقة حب، هذا الحب، أو ما نسميه بالعشق المستحيل أو الممنوع وقس على ذلك من العناوين، فكثيراً ما سمعنا وقرأنا عن هذا النوع من الحب الذي تؤدي ضريبته في أحيان كثيرة من حياة المتحابين لأنهما يكونان ينتميان إلى طرفين متناقضين، فيحول هذا التناقض دون جمع المحبين، وهذا ما نلاحظه في هذه القصة الجميلة، إذ يستحيل أن يجتمع المظلوم بابنة الظالم، إلا إذا حدثت المعجزات، وإن كنا تعلمنا عبر العصور أن الحب يصنع المعجزات".

إن الحب الذي نشأ بينهما كان ضرورة فنية لدعم البطل بالقدرة على النضال حين يجد هذا الحب العذري الذي يملأه قوة وعزماً، هذا من جهة، ومن جهة أخرى اخترت هذه العلاقة للتعبير عن شرعية القضية حين يشهد طرف من العدو للمناضل ويتعاطف معه، بل ويخون وطنه من أجل هذا المحبوب بعدما أدرك قدسية ومشروعية مطلبه.ففي قصة (مغيب القمر) ل شتاينبك الأمريكي كان الأعداء ينشدون مع الأسرى الذين سيقتلونهم أغنية واحدة تعبر عن روح السلام المفروض أن يعم العالم، وما أبدعه من مشهد !. كما تجب الإشارة هنا أن عمر ليس شخصية غير حية أو في انتظار الموت، إن اختيار عمر بهذه الكيفية ضروري فنياً لبيان كيف تهزم الروح القوية ضعف الجسد، وكيف يهزم الإيمان جبروت العدو، وكيف يهزم الحب الكراهية.

 

22 - طيب، وماذا عن نهاية قصة" قلبان في القفص" تبدو لي مفبركة، وتحرير إميلي لعمر من السجن غير مقنع ألبتة..كيف يمكن للقاص أن يتملص من سلطته بحيث يترك شخصياته تتحرك بحيث تتصرف، تتكلم، وتعيش كما تريد لا كما يريد هو من خلال إملاءات؟

- طبعاً رأيك يحترم أستاذي، غير أني أرى أن النهاية غير مفبركة بل منطقية لأن الحب الصادق القوي هو الذي دفع اميلي إلى تحرير عمر لا إرادة الكاتب، الكاتب لم يتدخل فلا هو جعل عمر يدخل في حوارات جدلية كثيرة حول الحرية والاحتلال، ولا ضغط على إميلي لتحريره، بل اختار أن يكون السلوك الإنساني والشعور الإنساني هو محرك القضية وناصر الحرية. قد أذهب معك في أن النهاية لم تكن بتلك الدهشة باعتبار أن قارئ هذه القصة قد يتوقع نهايتين لها؛ إما موت عمر أو فراره ؛فأول نهاية كتبتها كانت موت عمر، غير أن شيئاً بداخلي لم يرض على تلك النهاية فغيرتها، أردتها نهاية فيها أمل، فيها انتصار للحق، فيها حلم يموت من أجل حلم أخر. وجمالية هذه النهاية ليست في الإدهاش بل في المفارقة التي خلقتها، كيف يبيع أصحاب الوطن وطنهم من أجل بضعة قروش(البياعة)، وكيف تخون ايميلي وطنها من أجل هذا الوطن المغتصب، وتضحي بنفسها لنصرة الحرية .آثرت أن يظل حبها مسجوناً في صدرها على أن يظل هذا الوطن في قفص وطنها مسجونا!، وهنا تكمن جمالية هذه النهاية.

 

23 - ما تقولين في حق:

- الخنساء،

- الخضر الورياشي،

- جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون .

- الخنساء عروس بحناء تنتظر عريسها وتأمل أن يكون لها بنات وبنون كثر..

- الخضر الورياشي، منجم كنوز .

- جمعية جسور للبحث في الثقافة والفنون، النجمة التي تضيء سماء الأدب في الناظور.

 

24 – يشرف سلسلة " أصوات أدبية" أن تستضيفك، وشكراً على رحابة الصدر..كلمة أخيرة من فضلك..

- شكراً لك أستاذي ميمون حرش على التشجيع المستمر، ونصرة الإبداع والمبدعين، وعلى الاستضافة الكريمة وفنجان الأدب الحلو المذاق الذي ارتشفناه معاً في هذا الحوار الأدبي..

ولكل مبدع حقيقي، أهمس له قائلة : لا تحقر قلمك ولا تستعجل، وثق أنك ستصل، فمن مشى على الدرب وصل ؛ فقلمي أنا بعث من الأنقاض، ورغم أني لم أكن أنشر ولاأحد يقرأ لي غير أني لم أتوقف عن الكتابة، ببساطة لأن الكتابة حياة، متنفس من دونها أختنق. وكلمتي الأخيرة لكل متتبعي سواء في العالم الحقيقي أو الافتراضي أقول لكم شكراً من القلب على كل كلمة تشجيع، وعلى المساندة وعلى المتابعة المستمرة، حياكم الله ودمتم بخير.

 

حاورها: ميمون حرش

reebar habonحسن خالد، أديب وباحث اجتماعي كردستاني،هو مثل حال الكثير ممن عانى وطأة الحرب السورية، مقيم كلاجئ كردستاني سوري في جنوب كردستان (العراق)

*عضوٌ في* تجمع الحب وجود والوجود معرفة

يكتب في عدد من المواقع والصحف الالكترونية كموقع الحوار المتمدن، صحيفة الحب وجود والوجود معرفة، وصحيفة الفكر

وبتاريخ 20-7- 2015.أجرينا معه الحوار التالي:

 

الباحث الاجتماعي المعرفي حسن خال نرحب بك في حوارنا هذا لنسلط الضوء عبره على بضع تساؤلات ونقاط نود مناقشتها وسؤالي الآن هو:

ما رؤيتك للمجتمع في ظل الحرب، إن قلنا احتمالاً أن المجتمع وليد

الظواهر الطبيعية وابن التصدعات التاريخية المندرجة حسب أطوار محددة مرت بها وفق سياق المحيط الجغرافي (المجتمع السوري أنموذجاً)؟

- الإنسان ابن بيئته من حيث المبدأ، وجملة من الأمور تتداخل فيما بينها، عبر علاقات البشر، لتكوّن ما نسميه " مجتمعاً

" يتميز بعلاقات وأنساق وتنظيمات (أحزاب ومؤسسات – تنظيمات المجتمع المدني - التنظيم الرسمي " الحكومة " تنظم العلاقة بين أفراده، هذا في الظروف الطبيعية، لها مهام ووظائف الغاية والغرض منها تيسير العلاقات تلك، لما فيه خدمة " المواطن – الفرد "، هذه في الظروف العادية " الطبيعية " لكن في ظل ظروف غير عادية " الحرب " مثلاً، فإن وظيفة تلك الجهات التي ذكرت آنفاً، تختلف – وبالضرورة – نتيجة دخول عناصر وعوامل طارئة في بنية وتركيبة المجتمع بتفاصيله ودقائق أمور حياته، ففي ظل الحرب يتوقف (كل ما هو طبيعي) أو يتأثر، الاقتصاد – الحركة الثقافية – الجانب الاجتماعي – العلاقات السياسية في العمق الداخلي والتشعب الإقليمي والدولي من هنا كان بروز شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة) الذي تم استعماله واحتكاره كأداة هيمنة سلطوية وبطريقة " مشرعنة "

وكلما طال أمد الحرب والصراع بين الأطراف المتقاتلة، كلما فقدت الدولة والسلطة أدوارها وهيبتها، كلما فرضت الضرورة تأقلماً من " المجتمع " مع هذه الأجواء، وكأن حتمية التوازن تعود رويداً رويداً، فالحياة لا يمكن أن تتوقف وتحت أي ظرف، لذا تظهر علاقات جديدة ناظمة للحياة تتلائم وطبيعة الظروف الراهنة، فالزواج بعاداته وطقوسه يمضي كمؤسسة لكن مع مراعاة " ظروف الحرب واقتصاده، فللحرب اقتصاده وللحرب مجتمعه وللحرب عاداته، التغيير يطال كل شيئ ومن هنا كانت المجتمعات نتيجة ظروف تاريخية وتصدعات ناجمة عن تصادم بين الرغبات والضرورات، والتجربة السورية (القاسية جداً) ستغير الكثير من المفاهيم في (مجتمعات الحرب) فالعقد الاجتماعي بين الأطراف السورية، بان بأنه كان زائفاً ومفروضاً بالقوة – بممارسة الفعل الخارجي – (سايكس – بيكو) عززتها تالياً سلطة لا يمكن أن نصفها بالوطنية السورية الجامعة، المخيف في الأمر أن " الحامل الاجتماعي " للنقيض السلطوي أشد تسلطية من سدنة الحكم والسلطة والمجتمع – تالياً – فلم يستطع أن يقدم نفسه بديلاً أكثر " وطنية " فالنفَس الطائفي المقيت " فاحت رائحته " وطفى موضوع الأقليات بعد أن تم وأده تكراراً ومراراً، حتى أن محاولات أسلمة المجتمع واضحة / محاولة تطبيق الشريعة / أي في المجمل، مجتمع الحرب يبرر وضع كل شيئ في خدمة الحرب، حتى المتطلبات المعنوية منها فما بالك بالمادية، وكأن الصراع ينتقل بين إرادتين (إرادة الحياة) و(إرادة الموت) ولكل منها فلسفتها ومنطقها . وحتى الأدب والفن يعكسان هذا الوضع وهذه الظروف، أي يمكن مجازاً أن نطلق عليهما " أدب الحرب " و" فن الحرب " .... كل هذا النشاط بمثابة المرآة في " مجتمعات الحرب أو مجتمع الحرب " حتى العادات الاجتماعية التي كنا نظنها "ستاتيكية " راكدة، يطالها التغيير بوضوح وبوتيرة متسارعة ...

 

الإعلام، هل وضع للخدمة الاجتماعية أساساً، أم إنه وسيلة حربية مهيمنة وبقوة في حاضرنا، وما البدائل المحتملة التي من خلالها يمكن نزع فتيل الأحزمة الناسفة عن الآلة الإعلامية لتبقى وسيلة ليقظة الجماهير لا إيهامها وجرها للعنف تدريجياً؟

- الإعلام وسيلة وأداة، وبالتالي يمكن استخدامها في مجمل النواحي وخاصة نحن نعيش عصر الثورات في التقانة ووسائل التواصل، وتقسيم العمل فرض جملة من الأمور في مجمل الجوانب الحياتية، يمكن استثمارها / سلباً وإيجاباً / بحسب الجهة والغرض والجانب الذي يُستخدم فيه، كما أن نوعية الأداة الإعلامية تلعب دوراً في مدى التأثير والفعّالية على المتلقي (الجمهور) فتأثير التلفزيون في عصر البث المباشر للحدث " صوت وصورة " يختلف عن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي " فيسبوك – تويتر – يوتيوب " خاصة بأن الأخيرة باتت واسعة الانتشار وسهلة الاستعمال لمن يجيد أدنى متطلبات " القراءة والكتابة " ولا ننسى هنا التأثير المباشر لفعالية الصورة والرسائل الصوتية في التأثير على الجمهور" المتلقي " الذي يتعامل بهذه الأدوات والوسائل ومعها في علاقة التأثير والتأثُر، وهنا بالتحديد نلاحظ وبشكلٍ واضح كيف أن الجماعات " المتطرفة " تستغل (نتاج التقدم والحضارة المادية) في حروبها وصراعاتها، في عالم يؤمن بجدلية " في الحب والحرب كل شيئ مباح"

وبما أن (الإعلام) وسيلة وأداة، فالجهة التي تديرها أو تملكها، هي التي تحاول أن تستغلها للتأثير في الجهة التي تريد، وبالتالي تبث سمومها وبالطريقة التي تراها مناسبة، وتشرعنها، فلا يمكن أن تكون موضوعية البتة في توجهها الغائي، لكن يكمن أن نقول بانه الأقرب إلى الموضوعية (في حالات نادرة وقليلة)، فنفس الخبر " مثلاً الصراع اليمني – الملف الكردي في سوريا " عندما تتناولها قناة (الأورينت) تختلف في تقديمها وصياغتها عن قناة العربية، والأخيرتين تختلفان عن قناة (العالم) أيّ أن الجهة التي تدير الأداة الإعلامية، تحاول أن تُسوق الأخبار والأحداث بطريقة (التأثير على نفسية المتلقي) ومحاولة تغير توجهاته وقناعاته وحتى منظومته الفكرية، والإنسان بطبعه ميال لنسقه الايديولوجي والفكري، تالياً تكون الرسائل التي يسوقها الإعلام موجهة لفئة محددة " حاضنة " وكما أسلفنا هي في " مجتمع الحرب " تتحول أداة حرب فاعلة لا تقل في أهميتها وتأثيرها عن أي سلاح يستخدمه " المقاتل " بغض النظر عن الصفة القانونية والشرعية له . وفي الظروف غير الاعتيادية تظهر الأمور غير الاعتيادية / أسباب ونتائج / ونسقط ذلك على الإعلام اللااعتيادي هو حقاً " إعلام الأزمة " " الحرب "

ووحدها " السلطة الوطنية " و" دولة المواطنة " تكون الأقدر على زرع روح المسؤولية في نفوس مريديها ومواطنيها عندما تتحول لدولة " العدالة الاجتماعية " و" دولة المؤسسات " يكون فيه " المعرفي المهني والمتخصص " أداة التغيير وموجه دفته .

وللسلطة فلسفتها الإعلامية وتوجهها قد تعكس مصالحها " الضيقة " فقط، لا تراعي حاجات ورغبات المجتمع، فينبعث من " الإعلام الموّجه " رائحة السلطة وحاشيتها، الذي يجر لاحقاً ويلات وفواجع فلا " رأي عام " ولا " سلطة رابعة " هذا إن علمنا بان الإعلام في بعض وظائفه " معارضة شرعية " إن مارسته " النخبة المهنية " بموضوعية أكثر ...

 

- هنا يجدر السؤال: " في الدولة القومية كيف يمكن للمعرفي " المثقف " أن يلعب دوره حيث " الروح الحزبية والمذهبية والعنصرية سائدة، وما هو الإعلام الذي يتوجب عليه أن يطلب معونتها، تكمن الإجابة في مد ى تعريفنا للأداة الإعلامية ودورها في عملية التغيير التي تطال مجمل تفاصيل حياة المجتمع .. هل ما يمر على الشرق الأوسط والعالم العربي من مخاضات وصدمات، نابعة عن إشكالية الشخصية الشرق أوسطية، أم وليدة تخبطات المركزية الشمولية لتلك الأنظمة المتفسخة؟

- لست ميالاً بوجود شخصية / غربية وشخصية شرق أوسطية / لكن جملة من العوامل هي التي أوجدت هذه " الشخصية " تالياً الظروف السائدة تولّد هذه النماذج من الشخصية، فالشخصية الشرق أوسطية (إن جاز لنا استخدام هذا المصطلح) هي الأقدر على التكيف إن ذهبت إلى الغرب فتتحول وبسرعة " جنونية " إلى شخصية غربية بحسب المطروح، ما في الأمر أو هكذا يُفهم أن جملة أحداث وتطورات وممارسات " تربوية بالدرجة الأولى – وتدخل فيها فيما بعد التنشئة السياسية " تفرز هذه الشخصية التي تتميز بجملة " ممارسات " على مستوى الفرد والجماعة، ناتجة بالأصل عن طبيعة العلاقة التي تربط بين مؤسسات المجتمع الموجودة في " دولة الاستبداد الشرقي " بحسب مفهوم (كارل ماركس) حيث " تأليه القائد- الزعيم – وسيطرة النمط الزراعي الإقطاعي – طبقية المجتمع – أسياد وعبيد " وجملة أمور أخرى ...

وبالتالي فالممارسات السلطوية " ومركزية الحكم " أثبتت فشلها في عديد تجاربها، وينبغي تأهيل فئات المجتمع " نفسياً " وعبر الأقنية الإعلامية المهنية وورشات العمل، إعادة تأهيل منظومته الفكرية في جملة من القضايا التي تهمه مع من يتعايش معهم " المختلف والمغاير عنه " فالتعايش الاختياري بات ضرورة عصرية وحضارية، وموضوع الأقلية والأكثرية لا بد من تجاوزه في " السير " نحو الأمة الديمقراطية " صحيح ٌ أن الرأي السائد ينبغي أن يصبغ ويطغى، لكن لا يجب وتحت أي " حسابات " إهمال الفئات " المهمشة " وهنا أقصد الأقليات بتعدد مشاربها – الديني – القومي – الثقافي .... ففي بعض الولايات الألمانية تنقل صلاة العيد للمسلمين في الأقنية التلفزيونية الرسمية مع أن نسبة المسلمين في المجتمع لا يتجاوز (5 %) حتى أن تظاهرات لمؤيدي " الجماعات الراديكالية " تجري في الساحات، دون أن يتعرضوا للملاحقة والمضايقات، طالما أنهم لا يخترقون المعايير الأدنى للقوانين النافذة، فحرية الفكر والاعتقاد مصانة

ولا بد من طرح التساؤل التالي أيهما ينبغي تغيره، نوع الحكم أم نمط الشخصية، تكمن الإجابة في إيمان الإنسان بقناعاته بالدرجة الأهم .

ثم لا ينبغي أن ننسى بأن العلاقة طردية " تَعقّد " العلاقة تلك ما بين الشخصية ونوعية السلطة من حيث " الأنظمة المنغلقة – أي الشمولية " وبين الشخصية والأنظمة المنفتحة أي الأكثر ديمقراطية " كوني أضع تحفظي على مفهوم " الأنظمة الديمقراطية " فكل شيئ قابع تحت سقف النسبية، ولاسيما عندما يتعلق الأمر بأنماط الحكم والسلطة ..

 

إلى ما تعزو ظاهرة العنف وفق سياقه (النفسي – الاجتماعي) هل يعود لترويج السلطة الاحتكارية لها، أم إنها حالة اجتماعية جاءت كتتويج لمراحل التشويه وطمس " البعد الحضاري للشعوب ...؟

- السؤال يحمل في طياته إزدواجية في الطرح، ولابد من مراعاة ذلك في إبداء الإجابة، فالعنف بـ " أشكاله " المتعددة انعكاس لغريزية الانسان كـ (كائن عضوي) إلى الحد الذي ذهب إليه هوبز " الانكليزي " بـ (ذئبية الإنسان لأخيه الإنسان) (الغريزة) عكس جان بول سارتر " الفرنسي " الذي يقول بأن الانسان بطبعه خيّر، لكن عوامل أخرى تتدخل فيميل إلى ممارسة العنف (التنشئة) في فترة (نظريات التعاقد الاجتماعي) وبين وجهتي النظر تلك تدور الدراسات ما بين مناصر لهذا الرأي أو ذاك، حتى أن هناك من حاول إيجاد صيغة توافقية بين " النظرتين " ونمو ظاهرة العنف " إنه يتأتى من عوامل اجتماعية أيضاَ، فالفقر والحرمان والتهميش – إن على مستوى الأفراد أو الجماعات والدول – كل تلك الجوانب هي بيئات ولاّدة لممارسة العنف، بل وتكريسه – عبر آلية التربية " وربما تدخل المناهج الدراسية أيضاً " التي تنقل ميراث الإنسان من جيل إلى جيل في عملية " دورية لا تتوقف " ...

فالفقر يولّد الإرهاب، والإستبداد يولّد الإرهاب، والدولة الفئوية تولّد الإرهاب، لنتمعّن في كل الذي سبق، سنجد بأن النخبة الحاكمة / السياسية – الثقافية – الاقتصادية / كلها بيئة حاضنة ومحرضّة للنزوح نحو ممارسة المزيد من العنف، فتتشابك المسببات ما بين (التربوي والسلطوي) أيّ ما بين الميول النفسية الشخصية والتوجه العام المجتمعي، تُكرسها طبيعة السلطة الحاكمة،وعبر أدوات ترتأيها هي، لتخدم توجهها العام نحو مجمل القضايا في ممارستها للفعل السلطوي، هنا لا يجب أن نتغافل عن السياقات التاريخية والنكسات الحضارية التي تمر بها المجتمعات في صيرورتها التاريخية، كون ممارسة فعلٍ ما عملية تراكمية وليست وليدة لحظتها، فلا يمكن أن نعزو العنف إلا ضمن سياقاته التاريخية التراكمية كون الشخصية هي نتاج تركمات تربوية ثقافية، تعززها المناهج الموجّهة، ولا ننسى هنا القول بأنه كلما تعدد المقدّس في المجتمع – كلما إزدادت مشاكله ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن نلفق صفة " العنف " بصفة اختيارية أو بحيز جغرافي محدد، إنما يتولّد العنف بوجود مسببات وينتفي بزوال تلك المسببات في عملية لا يمكن أن نقول عنها بأنها " يسيرة " بل قد تتجاوز أجيالاً وقروناً، فالزمن عامل هام في عملية التغيير التي تطال مجمل النواحي في حياة المجتمعات ...؟

 

ظهرت داعش في الآونة الأخيرة كتنظيم سلفي متطرف، دخل الميادين كافة والتي جاءت كإفراز عن صراع القوى الناهضة ضد القوى القائمة ناهيك عن مبررات هذا الصراع ونواياه البعيدة والمباشرة، وما بينهما فئات عديدة من المشردين والمهاجرين نحو الشمال الغني، إلاما تعزو هذه النتائج، هل هي دلائل إفلاس الرأسمالية وعجزها، أم إنها بداية النهاية للصمت المكرّس لعهود من استبداد ورضوخ، ونكوص عن تغيير الواقع الذي تأخر تغييره ...؟

- "ظاهرة داعش" ليست جديدة في سياقها التاريخي والجغرافي (الزمكانية) " الزمان – المكان " ولا يمكن أن أعتبرها توجهاً دينياً خالصاً، وإن ظهرت عليه الصبغة الدينية، يمكن أن يقال بأنها تحالف " خبيث " بين قذارة عنصرية " فئوية " وبين " المقدّس الديني" وتلاقٍ في رؤاها ومصالحها، هي تظهر وتخبو بين الفينة والأخرى، والتسمية ليست مهمة وذات جدوى (بقناعتي) لذا يمكن القول بأن داعش موجودة بوجود علاقة تسلطية بين الحاكم والمحكوم، بين الظالم والمظلوم، بين السيّد والعبد، وهي / ظاهرة داعش / كمفهوم حديث، من نتائج تلك الهبة الشعبية لمجتمعات ما يسمى " الربيع العربي " تعززها تضارب المصالح بين (القوى الكبرى المتناطحة) لتلجأ إلى مثل هذه الظواهر وتستخدمها كأداة ضغط، وتوجيه ما أمكن من " المتطرفين " إلى بقعة جغرافية يمكن لهم فيها التخلص منهم متى ما أرادوا ذلك، وبحسب ميلان كفة ميزان مصالحها، والحاضنة الشعبية مغلوبٌ على أمرها في نهاية المطاف، فالنخبة / الدينية والسياسية / تتحالف في تشابك معقّد، حتى أن هذه الظاهرة تتجاوز العمق الوطني لتصل للعالمية، هي ثقافة عابرة للحدود والقارات، وعندما نعرف بأن نسبة الفقراء في ازدياد وتعلو نسبة من يعيشون في فقرٍ مدّقع لتصل لنسب – أقل ما يقال بأنها مرعبة ومخيفة – هذه الأوضاع مزرية تساعد النخبة الآنفة الذكر في الصيد والتصيد مستغلة النقمة التي تتزايد لدى " المهمشين " الناقمين – المجرمين - لينضموا إلى أيّ حركة توفر لهم رغباتهم وحاجاتهم وإن توهماً، ولا يمكن أن يجدوا ضالتهم إلا في تنظيمات وحركات لها توجهات عقائدية ايديولوجية وحاضنة شعبية، وحتى الذين يهاجرون من " الغرب الغني " لينضموا لتلك التنظيمات المتطرفة، إنما يعانون من مشاكل الاندماج مع مجتمعاتهم الجديدة، كما أن نمط الحياة الغربية تخلق نوعاً من الملل والرتابة ونقصاً في الجانب المعنوي " الروحي " في الحضارة المادية الطاغية، فمن المعلوم أن فئة الشباب هي الأكثر ميلاً نحو " الصراعات والمغامرات " فينبهرون بتصرفات تنبعث منها الإثارة والعنف كـ " قطع الرؤوس – الحرق – الغرق " وأساليب يتفنون فيها عبر آلة إعلامية متنوعة (يوتيوب – تويتر ...)

 

يقول المفكر المعرفي عبد الله أوجلان في كتابه (المدنية الرأسمالية) من غير الممكن صياغة سوسيولوجيا قيمة، ولا تطوير كفاح اجتماعي ناجح بمصطلحات العلم تلك، وأشدِّد على أنه عندما نذكر هذه الأمور فنحن لا ننكر الكدح، القيمة، الربح، والطبقة، بل نسعى لإيضاح عدم صواب نمط استخدام هذه المصطلحات في إنشاء العلم، إني أود توضيح أن علم الاجتماع قد أنشئ على منوال غلط، ما مدى أحقّية هذه المقولة من وجهة نظرك ...؟

- عند تناولنا لشخصية (أوجلان) وفكره، ينبغي أن نفرّق بين (أوجلان السياسي) وبين (أوجلان المفكّر) إفتراضاً، فالفصل العملي يستحيل أن ينجح في الواقع العملي، بعيداً عن الاختلافات والإصطفافات الأيديولوجية والحزبوية الضيقة (نحو شخصيته)، فالرجل حتى قبل أن " يُعتقِل " كان منظراً – للاشتراكية المشيدة - وناقداً لاذعاً لها – هنا أقصد التجربة السوفيتية وفترة البروسترويكا - خلال حكم غرباتشوف والتي أدت في النهاية إلى تفكيك الاتحاد السوفيتي إلى دول متعددة، لكنه برز كمفكّر بشكل أوضح بعد أن زُج في المعتقل في جزيرة إيمرالي في بحر مرمرة وحُكم عليه بالإعدام وخفف إلى المؤبد، ثم تم الترويج لعملية الحل والسلام في تركيا، السارية إلى الآن (وهذا ليس موضوعنا هنا)

ففي كتابه (من دولة الرهبان السومرية نحو الحضارة الديمقراطية) يُقدّم عصارة فكره ورؤيته لمجمل القضايا المحلية " الكردستانية " والبينية مع الشعب التركي والإقليمية مع " دول الجوار وشعوبها " والعالمية،حيث يقول: (إن الخطر الأكبر الذي يهدد الديمقراطيات والإدارات شبه المستقلة في عصر الحداثة الرأسمالية يأتي من السلطات الدولتية القومية قاضية بذلك كلياً على حق المجتمع في الإدارة الذاتية وهي تدحض وتفنّد الديمقراطية) بحيث يولي للعلوم الاجتماعية أهمية بالغة في حل المشاكل التي تعاني منها الشعوب وخاصة " الشرق أوسطية " حتى أن مفهوم " الأمة الديمقراطية " هي من مفرزات تجربته الفكرية، ولا يركّز على " المفهوم الطبقي " كما يفعل ماركس، لكنه يولي لموضوع المرأة والبيئة وإدارة المجتمعات لأمورها أهمية بالغة، ولا يعير كبير الإهتمام لمفهوم الدولة القومية كونها – وبالضرورة – ستمارس الظلم على ما عداها من القوميات الأخرى في دولة الأكثرية والأقلية، فالعلوم إن لم تكن وليدة الحاجة وتقدم الحلول لمشاكل المجتمعات فما الفائدة من ظهورها وتأسيسها، وحتى علم الاجتماع (السوسيولوجيا) فشل " إلى الآن في تقديم الحلول للمشاكل التي تعاني منها المجتمعات، فإبن خلدون " الأب الروحي لعلم العمران البشري " حاول تنظيم هذه السوسيولوجيا، في كتابه " المقدمة " وقدّم جملة أمور اعتبرها مساندة للمجتمع في تنظيم حياته دون أن يدرك بأنه أسس أو سوف يؤسس لاحقاً لعلم، ربما يستطيع أن يقدم حلولاً لما تجابهها المجتمعات، وجاء أوغست كونت " الفرنسي " في فترة النهضة ليعلن بأنه أسس السوسيولوجيا كعلم يختص بالظاهرة الاجتماعية، تالياً لا بد من إعادة النظر في الظروف التي أدت لظهوره وترتيب الضرورات والأولويات، فالسوسيولوجيا في مجتمعاتنا " الشرق أوسطية " تختلف في الأهداف وطريقة تقديم الحلول، كون مراعاة الخصوصية الاجتماعية – ضرورة في إنجاح مهامه المنوطة به، لكن ظروف تاريخية تختلف من عصر(إبن خلدون – أوغست كونت – عبد الله أوجلان) وكلٌ ينظر للعلم من منظارٍ يراه ذات أهمية فالنظرة الدينية والتاريخية والسياسية للأمور تبقى مختلفة مهما حاول مروجوها أن يقنعونا بأهميتها والحركات الماركسية " عموماً " هي الأقدر على مخاطبة العاطفة واستغلالها وإرسال العقل إلى رحلة " تنويم " فدغدغة المشاعر والعاطفة جديرة بأن يتمكن الفرد في التأثير على المجموع، فقد كان " لينين " خطيباً بارعاً في هذا الشأن، ولا يمكن أن نستثني (عبد الله أوجلان المفكر) في استقطاب شرائح واسعة من المجتمع " الكردي " وفي العمق (الكردستاني) أيضاً

 

تُطرح في الآونة الأخيرة مواضيع إشكالية في / تجمع الحب وجود والوجود معرفة / كالترويج لحملة ضد الإنجاب أو (الزواج المثلي) هل وراء هذا الترويج ميل نفسي نحو مقولة خالف تعرف، أم أن الأمر لا يتعدى كونه ترويج لأفكار وجودية ؟

- تُطرح في التجمع بعض المواضيع التي يمكن أن يقال عنها " إشكالية " لكن في المقابل يبقى التجمع أرضية خصبة ومناسبة لتلاقح تلك الأفكار " المتناقضة " وقبول " الآخر المختلف " وهو(كما أعتقد) من ضمن أهدافه وغاياته / التجمع / فلا ضير من طرح هذه المواضيع مهما كانت " شاذة " (أستخدم هنا كلمة الشاذ لأنها تعني الخروج عن المألوف) على أن تراعي جملة معايير منها – قبول المختلف وتقديم بدائل وحلول بدل إطلاق أحكام وكأنها الحقيقة الوحيدة والمطلقة، فلا القناعات ولا الآراء " مقدّسة أو محرّمة " وكل فكرة قابلة للنقد، كـ (موضوع محاربة الانجاب) على سبيل المثال لا الحصر، فيمكن أن نقدم حلولاً لها كـ (تنظيم الانجاب) بدل محاربته أو تشجيعه، وبالتالي فعلى الطرف الآخر أن يتقبل هذا الإختلاف طالما بقيّت هذه المناوشات " فكرية " فالصراع الفكري وإن تصادم فلا ضير ولا خوف منه إن أنتجت تلاقحاً فكرياً، وبطبيعة الحال الإنسان في تصرفاته وسلوكه غائي (يهدف لتحقيق غاية) وانتقائي (ينتقي ما يلائم وحقيقته التي يريدها، لا الحقيقة التي هي موجودة، فتظهر إشكالية (ما هو كائن وما ينبغي أن يكون) وبالتالي فإن ما يصدر عن الإنسان (كائناً ما كان) يعكس حال الصراع بين " أناه " و" أناه الاجتماعية " بين قناعاته وميوله والتوجه العام " أيّ الذائقة الشعبية " والمتوازن في شخصيته يستطيع – وهو الأقدر على الملائمة - بين متطلبات الذات ووقائع مفروضة عليه، فالإنجاب نداء للطبيعة بين الذكر والأنثى عند الكائن العضوي، فإن سلمنا " جدلاً " بأن الإنجاب جريمة لدى الإنسان، هل يمكن إسقاط هذا المفهوم على باقي الكائنات العضوية " النبات والحيوان " فهي تختلف في إسقاطاتها القانونية والمعنوية

كما أسلفت : يمكن أن يوازن الإنسان في إطروحاته – بين النقائض – الفكرة ونقيضها، مع مراعاة المختلف – الطرف النقيض – عند ذلك يمكن أن يتولّد فكرة جديدة أو أفكار جديدة ترسّخ لفلسفة الحياة وحب المعرفة

 

ما تقييمك لوجود تجمعات فكرية وسياسية على الفيس بوك وهل لها القدرة على منافسة الأقنية المرئية على المدى القادم أم إنها تجسيد لتناقضاتها وأجندتها بصورة ما ...؟

- في عصر ثورة المعلومات والتقانة، التي طالت جزئيات حياة البشر، وظهور مجموعات متخصصة في مجالٍ محدد على الفيسبوك " القارة الزرقاء " في عصر المنافسة والخيارات المفتوحة، نجد نمواً متغولاً لتلك النشاطات والتجمعات في القارة الزرقاء تلك، حتى أن الشخص يستطيع أن ينضم لعديدها في الوقت نفسه ويلعب أدواراً تختلف وتخصص تلك المجموعات في عالم الخيارات المفتوحة اللامتناهية، ولسهولة الحصول على المعلومة وسياسة " الباب المفتوح " فإنها تهدد أو تستطيع أن تهدد عرش (الوسائل التقليدية) لكن باعتقادي لا يمكن أن تقضي عليها، فلكل وسيلة جمهورها ومناصروها تزيد هنا وتنقص هناك " فالنت بتعدد وسائله " أثّر بشكل واضح على " الإعلام المرئي " التلفزيون، والمسموع " الراديو " والمقروء " الجرائد والكتب " لكن يبقى لهم مناصروها، والتجمعات الفكرية تبقى الأقل انتشاراً وأعضاءاً، روادها الأقرب إلى التخصص، كما أن " الفلسفة والفكر" تعاني في مجتمعاتنا لوقوفها تحت تأثير الصورة النمطية، وفق مبدأ " من تفلسف فقد تزندّق " السيئ الصيت، لكن في المجمل تبقى من أدوات الإعلام التي تشق طريقها في عالم ٍ مفتوح الخيارات متعددة الأدوات، ويبقى للجانب "الترفيهي" في القارة الزرقاء، وقتل الملل والوقت في عصر " الاغتراب عن الذات "حظه في دخول المنافسة وبقوة في عصر (الحرية الفردية) ثّم إن للجانب النفسي للفرد دوره في انتشار منتديات تخصصية بفئات عمرية معينة " الشباب " أي هي زاوية ما تجسّد تلك الثقافة المليئة بالتناقضات مع فارق أن " القارة الزرقاء " وعاء لتفريغ الشحنات النفسية لا أجندة واضحة لها من حيث التوجه، عكس وسائل الإعلام التقليدية التي تتميز بأجندات وتوجهات محددة، هو عصر الإعلام " الشعبي"، عكس نقيضتها إعلام " السلطة " إلى حدٍ بعيد

 

في نهاية الحوار لا يسعني سوى شكرك على إتاحتك لنا الوقت لإقامة نقاش معرفي حر، كلمة أخيرة تود توجيهها للقراء والقارئات؟

- ينبغي أن يكون القارئ متوازناً مع ذاته، ويحرر لجام فكره، ويبتعد ما أمكن من الذاتية " الشخصنة " كل الشكر لأنك أتحت لي هذه الفرصة، هي رؤى وقناعات "شخصية" وقابلة للنقد والتقييم، لا قداسة فيها، ولا ندّعي الصواب ...

 

أجرى الحوار: ريبر هبون

 

saleh alrazukصدرت مؤخرا للروائي والقاص والكاتب إتجار كيريت مذكراته بعنوان " سبع سنوات طيبات". وفيها يكشف عن ولعه بكافكا. ويقول:" كان مصدر راحة عظيمة أن أكتشف كاتبا يبدو لي كمجاهد يعاني من الضغوط وكمخدوع وضحية للحياة أكثر مني". وبهذه المناسبة أجرينا معه اللقاء التالي.

 

س- ما هي الكتب التي تضعها قرب سريرك للقراءة الآن؟.

ج- حاليا أنا منهمك بقراءة " كل شيء هادئ على الجبهة الغربية" لإريك ماريا ريمارك. هذا الكتاب مذهل ويبدو أنه سيبقى مؤثرا إلى الأبد. مرت مائة سنة على الحرب العالمية الأولى ومع أن العالم تطور بعدة مجالات، لا تزال الحروب بعيدة عن الرحمة والشفقة. وتدور رحاها من غير إحساس. إنها بلا نتيجة كما كانت قبل قرن من الزمان.

 

س- من هو كاتبك المفضل في كل الأوقات؟.

ج- فرانز كافكا. اكتشفت كتاباته خلال خدمتي الإلزامية العسكرية في الجيش الإسرائيلي. وجدت " المسخ وقصص أخرى" في العطلة الأسبوعية التي منعت فيها من مغادرة الثكنة. وكشخص أنظر لنفسي على أنني جندي سيء ويعتبرني الآمر العسكري أردأ جندي مر على تاريخ جيش الدفاع الإسرائيلي، كان مصدر راحة عظيمة أن اكتشف كاتبا مجاهدا يعاني من الضغوط ومخدوعا وضحية للحياة أكثر مني. أعمال كافكا استمرت عندي مصدرا لا ينضب للإلهام، ككاتب وكإنسان يكافح ليتحمل ما ينوء به من مشاعر في أوقات يعاملنا فيها الآخرون وكأننا رفاهية فائضة عن الحاجة.

 

س- من ترشح من بين الكتاب الإسرائيليين؟ وهل من كتاب لم يترجم إلى الإنكليزية حتى الآن وتعتقد أنه آن الأوان لترجمته؟.

ج- يوئيل هوفمان، أورلي كاستيل- بلوم، شاي عجنون، آصف غافرون، جادي تاؤوب وأليكس إبستاين. هذه حفنة من الأسماء التي تدور في ذهني. و" مدينة دوللي" لأورلي كاستيل بلوم كتاب مذهل، ولا أزال أقدمه للاصدقاء بأية لغة ظهر بها كهدية ثمينة. إنه أفضل من تقديم قارورة نبيذ أو شراب إسرائيلي، ولكن الصداع في الصباح التالي بعد الانتهاء من قراءته قد يكون مقلقا.

 

س- ما هو النوع الأدبي الذي تستمتع بقراءته؟ وما هو النوع الذي تتحاشاه؟.

ج- أفضل القصص القصيرة والروايات المصورة وأحاول تجنب السير الذاتية والمذكرات. لأنني لا أثق بالناس الذين يروون حكايات معاناتهم الشخصية. وككاتب أصدر للتو مذكراته لا أدرج نفسي بين ما لا أحب. لأنني مستقيم ومباشر حينما أقترب من قصة حكايتي.

 

س- من هم كتاب الروايات المصورة الذين تفضلهم؟.

ج- كريس وير، دانييل كلوز وأرت شبيغلمان. وقراءة كتاباتهم درس مفيد في كتابة القصص.

 

س- هل تستمتع بالقصص المترجمة؟ قصص من مواضع معينة من العالم؟.

ج- لأنني كاتب إسرائيلي،معظم قراءاتي من بين الترجمات. قرأت كثيرا من الأدب الروسي، وكتاب مثل غوغول وبابل هم المفضلون عندي في كل الأوقات. وكذلك أعشق كتابات الييديش مثل إسحاق بوشفيز سينغر وشولوم أليخمان.

 

س- ما هي قراءاتك في طفولتك؟ ما هو كتابك المفضل؟ وما هي الشخصيات المحببة لقلبك؟

ج- في طفولتي لم أنتظم بمدرسة. كنت أعاني من الربو ولأن أبوي لم يكونا مهتمين بتعليمي، كنت أتظاهر باستمرار أنني مريض ويجب الانتظار في المنزل. وفي البيت أنفقت معظم الوقت أقرأ أي شيء يقع بين يدي. كان مزيجا سحريا من كتب مناسبة لعمري مثل أعمال الدكتور سويس، وكذلك قصص سالينجير القصيرة وحتى روايات فوكنر.

و لكن كتابي المفضل في الطفولة هو " هكلبري فين". أتذكر أنني اصطدته حينما كنت في التاسعة من العمر. وبعد أن انتهيت من قراءته، انتابتني السعادة لأنني أعيش في بلد لا يوجد فيه أرقاء. ولكن في نفس اليوم حينما ذهبت لأشتري لنفسي الفلافل في ساحة المدينة، رأيت صاحب حانوت الفلافل يعنف واحدا من عماله العرب بطريقة لا تليق بكائن بشري. وربما، كانت هذه أول لحظة سياسية في حياتي. إن الشعور أن تلك القصص التي قرأتها هي من جزء آخر من العالم ومن أزمنة وعصور مختلفات نبه عندي مشاعر مؤلمة.

 

س- ستقيم مأدبة أدبية. اذكر لنا ثلاثة أدباء وجهت إليهم الدعوة؟

ج- لا أحب تناول الطعام مع كتاب، ولكن أحب قراءتهم.

 

س- ما هي الكتب التي تجد نفسك تعود إليها مرارا وتكرارا؟.

ج- " المسلخ رقم ٥" ربما هو الكتاب القصصي الذي قرأته مرات لانهائية في حياتي. تقريبا خلال كل حرب تجتاح هذا البلد أعود إليه.

 

س- ما هو الكتاب الذي يخجلك أنك لم تقرأه حتى الآن؟.

ج- هناك كثير من هذه الكتب.

 

س- ماذا تنوي أن تقرأ لاحقا؟.

ج- " اغتيال الملك" لدان إيفرون، وتروي لنا حكاية اغتيال إسحاق رابين، لعل هذا الاغتيال هو أجرأ قتل سياسي في التاريخ. من النادر أن ينجح قاتل في تبديل اتجاه تاريخ بلاده، ولكن للأسف، هذا بالضبط ما حصل في حالة رابين.

 

الترجمة من عدد الأحد للإصدارات الحديثة في صحيفة النيويورك تايمز. ٩ تموز ٢٠١٥

 

/ ترجمة صالح الرزوق

 

khazael almajdiيعد الشاعر خزعل الماجدي من أبرز الكتاب العراقيين حداثة وأغزرهم إنتاجًا على مستوى الكتابة الشعرية في العراق. إذا أن تجربته الإبداعية تمتد قرابة أكثر من أربعة عقود من الزمن، أمضاها كتابة! في الشعر وتنظيرًا وتأليفًا مسرحيًا. فهو ينتمي، مرحلياً، إلى جيل السبعينيات، الجيل الحداثوي الذي أطلق عليه هذا اللقب تمييزا له عن جيل الستينات، الذي ضم نخبة من الشعراء المبدعين والذين ظهروا ما بعد رواد الشعر الحديث وجيله الخمسيني .

ومن يتتبع الجغرافيا الفنية لمنجز الماجدي الشعري والإبداعي يلفت نظره ويشد عقله ذلك التنوع الأسلوبي لأجناس الشعر وأفانين القول التعبيري لكتاباته. فالماجدي طائر جنوبي يغرد شعرًا؛ لأنه منحدر من سلالة الشعر السومري، ومتجذر من أعماق طين التاريخ الرافديني الأصيل. وتشكل المدينة وتحولاتها الجغرافية والثقافية المتعددة امتدادًا زمكانيًا مهما له ولشعره، أرخ لحياته الثقافية وفنه الإبداعي، وسبر أغوار تجربته الشعرية بمعين لا ينضب من الزاد المعرفي الفاحص للأساطير والحضارات والأديان والتي هي حقول اهتمامه الفكري . هذا الحوار يتناول ابرز المحطات التي ساهمت في نضج التجربة الشعرية للماجدي .

 

*كيف كانت بداياتك مع الادب؟ هل هو موهبة؟ أم وجد به الشاعر مجالا للتعبير عما يمور في نفسه من مشاعر.

بداياتي بسيطة جداً، كان توجهي، في الدراسة، علمياً واستمر لفترة طويلة وخلاله كنت أميل للأدب للتعبير عن مشاعري وتطور الأمر حتى وجدت نفسي في خضم حركة أدبية واسعة، وكان لابد من زيادة التحصيل الأدبي وتقوية الأسس، وكان لي ما أردت .. حتى أصبح الأدب والشعر والكتابة، عموماً، هي خلاصي الوحيد .

 

*كيف يستطيع الشاعر خزعل الماجدي ان يفسر لنا مفهوم الشعر لديه؟

الشعر هو الروح، الروح وهي تكشف أعماقها وبوحها من خلال الكتابة والسلوك، الشعر هو أعظم ما عرفته في كل حياتي، لقد أصبح جوهر وجودي، وبدونه لايمكن أن أحيا .

الشعر كمفهوم هو الكتابة المختلفة، هو المختلف الأول في هذا العالم، فهو يحرض على الإختلاف وينوجد به ويجعلنا نختلف من خلاله، وهذا يعني أن الشعر يجعلنا نعثر ونمتلك خصوصيتنا النادرة التي فطرنا عليها .

 

*كيف تستطيع أن توجز لنا طبيعة أعمالك الشعرية، وماهي مضامينها وأشكالها الفنية؟

أعمالي الشعرية المنشورة في ثماني مجلدات (حوالي 35 مجموعة شعرية ) هي كل تجربتي الشعرية بكل اتجاهاتها المختلفة وبكل تنوعاتها الفنية والجمالية، بكل أساليبها وأشكالها .

المجلد الأول ضم مجامعي الشعرية التي كتبت كقصائد نثر وهي من أنضج تجاربي واعتبرها الباكورة الأولى المميزة في هذا الحقل مقارنة بغيري، وهي وان كانت قصائد نثر لكنها تنجو مناحٍ مختلفة ومتنوعة .

المجلد الثاني ضم مجامعي الشعرية التي كتبت كقصايد تفعيلة، وهي تجاربي الخاصة في هذا الحقل وقد تضمنت اهتماماتي بالأساطير والسحر والتاريخ والإيروس .

المجلد الثالث ضم مجامعي الشعرية التي كتبت كنصوصٍ مفتوحةٍ وهي تجربة انفردت فيها مبكراً في الشعر العراقي وأنجزت فيها الكثير وقد كانت استجابةً لحاجتي لكتابة نصوص تختلط فيه كل انواع الكتابة النثرية لتكوّن شعرا من نمط خاص .

المجلد الرابع ضم تجربتي الخاصة جداً في (خزائيل) وهو ما أسميه بالشعر الغنوصي أو العرفاني، وتتكون من إثني عشر كتاباً كلها عبارة عن نصوصٍ مفتوحةٍ باتجاه العرفان، وهي سيرتي الباطنية الروحية والحسية .

المجلد الخامس ضم سبع مجاميع شعرية لي في الحب والإيروس بطريقة جديدة مختلفة عما كتبته سابقاً، تغلب عليها البساطة والعفوية وهي قصائد نثر.

المجلد السادس ضم خمس مجاميع شعرية بعضها إيروسي وبعضها غير ذلك وكلها قصائد نثر.

المجلد السابع ضم 2000 قصيدة قصيرة (اسميتها قصيرة في مقابل قصيدة) وهي كل ماكتبته من قصائد قصيرة بكل أنواعها ومشاربها ومنها قصائد الصورو وقصائد الومضة.

المجلد الثامن وهو (أحزان السنة العراقية) الذي تتبعت فيه جرحي وجرح العراق وهو ينزف ويتألم ويتكون من 365 قصيدة على عدد أيام سنة الموت 2006 في العراق.

 

*هل لمسيرتك الحياتية اثر في اعمالك الشعرية؟

بالتأكيد، كانت حياتي حافلة بالتحولات والأحداث وقد كانت أعمالي الشعرية تتوازى مع أحداث حياتي وتطور مشاعري ومذاقاتي الروحية والمادية، لكني لم أجعل شعري صدىً لحياتي بل كان شعري فيضاً جمالياً وروحياً حلّق عاليا بعد أن مست أجنحته حياتي .

*كيف استطاع الشاعر ان يزاوج مابين الادب والعلم؟

نظرتي للشعر تسمح بهذا لأني أعتبر الوعي العلمي للعالم غير منفصل عن الشعر بل هو يمده، اليوم، بأعظم أشكال الرؤى . خذ مثلاً العالم الذري الذي يذهب بك في عوالم عميقة تكاد تكون خيالية وكذلك العالم الكوني الذي يشرحه علم الكون الحديث (الكوزمولوجيا) الذي يذهب إلى أبعاد لامتناهية ويصور لنا سعة الكون بمليارات السنين الضوئية والمجرات الجبارة، كل العلوم مدهشة مثل الشعر، ولذلك تجد عوالمي ليست خيالية فقط بل هي عوالم علمية .

 

*هل الغربه اثرت على انتاجك الابداعي؟وماهو الاثر؟

بلا شك كانت الغربة سبباً من الأسباب فهي تعيد ترتيب الماضي من جهة وتخلق وطناّ افتراضياً جديدا فيه من الوطن الحقيقي الكثير وفيه مما نتمناه له وفيه مشاعر الشوق، اعادة ترتيب الوطن في المنفى تحدث تغييرات كثيرة في التصورات وفي معنى الوطن وفي طريقة الكتابة له .

 

*هل ساهم الشاعر في تاسيس منتديات ثقافية او جماعات شعرية.

في العراق طبعا ساهمت كثيراً بنشوء جيل السبعينات، وأسست مع أصدقائي الشعراء في نهاية السبعينات (منتدى الأدباء الشباب) الذي سرقته منا السلطة وأعطته لمدّاحيها . وأسست بعد عودتي للعراق في 2003 المركز العراقي لحوار الحضارات والأديان وكان معي بعض الأكاديميين والمثقفين وتوليت رئاسته وكان طموحنا أن نقدم الكثير لكن الأحداث لم تمهلني فخرجت خارج العراق في النصف الثاني من عام 2006 .

 

*كيف يمكن للشاعر ان يوضح لنا اثر مدينة الثورة في بواكير تجربته الشعرية؟

مدينة الثورة منجم كبير يضم مواهب الثقافة والفنون والرياضة، بشكل خاص، وكان شبابها يتطلع لتكوين حياة جديدة لهم ولعاوائلهم وكنت واحد من شباب تلك المدينة في نهضتها ونموها في السبعينات وقد انطلق مشروع جيل السبعينات الشعري والأدبي عموماً من هذه المدينة .

 

*ماذا يمثل لك الحب؟

الحب هو جوهر الأسطورة الشخصية للشاعر، والشاعر الذي لم يعرف الحب قلبه ليس بشاعرٍ على الإطلاق مهما كان مبهراً في نصه، صدق مشاعر الحب هي التي تعطي للشعر نكهة . وبدون الحب لايكون شعر مطلقاً .

الحب هو أعظم النعم في هذا الوجود والإنسان بدون حب لايعني شيئاً.

 

*ماذا يمثل لك الوطن؟

الوطن رحمنا الثاني بعد الولادة وبدونه نموت ونشقى، لكننا يجب أن نساهم في صنعه ونبذل له الكثير، نصحح أخطاء مواطنينا فيه ولايجوز التفريط بالوطن أو خيانته مهما كان الثمن، أكره الأحزاب لأنه تقسّم الوطن إلى اقطاعيات اجتماعية وتجعلنا نشعر بأن هناك حواجز بين أفراده، السياسة تفرق المجتمعات في بلداننا ولاتنهض بمشاريع بناء الوطن وأهل الوطن .

أرى أن البديل هو الإهتمام بالتعليم والعمل والعلم فهي التي ستصنع لنا وطناّ حقيقياً قائماً على التناغم مع عصر جديد .

 

*هل لك طريقة مميزة في كتابة النص الادبي؟

لا أدري، ربما .. أنا أحب الحقول التي اشتغل فيها ربما هذه هي الطريقة المميزة، أقصد أني لاأكتب شيئاً لاأحب كتابته، وقد دربت نفسي على هذا من زمن بعيد . الحب إذن، مرة أخرى، هو الذي يجعل طريقة كتابتي مميزة .

 

*هل انت مقلد للاخرين في اعمالك؟

ربما كانت بدايات نشأتي الأدبية فيها شيئ من تأثير الآخرين عليّ، لكني ما ان وقفت على قدميّ أصبحت لي أساليبي الخاصة وطرقي التي شاعت وعرفت، التقليد هو أسوأ مايكون عندما يرافق المبدع لزمن طويل فهو محدود بقترة زمنية مرتبطة بالبدايات فقط .

 

*بعد كل هذا الشعر الغزير والمتنوع هل مازلت تكتب الشعر؟

أكتب الشعر كل يوم .. أكتب الشعر كما لو أني لم أكتب شعراً من قبل .. الشعر هو الذي يجدد حياتي وأيامي، وهو سريّ الأكبر والوحيد .

 

أجرى الحوار جواد هادي الغزي

 

mahdiasalimالأديبة الكردستانية المعرفية مهدية سليم، من مواليد مدينة الحسكة 1980م، (كردستان الغربية)، شاعرة وموسيقية، تكتب الشعر، وتعزف اللحن منذ طفولتها، حيث تجلت حينها معالم الوجود الجميل في حضرتها، عضوة في تجمع الحب وجود والوجود معرفة، وتجمع المعرفيون، تكتب وتنثر شعرها في العديد من الصحف الالكترونية وبخاصة، صحيفة الحب وجود والوجود معرفة،، عُرفت كفنانة غنائية، وشاعرة

حين انضمامها لفرقة (تولهلدان) الكردستانية، وبتاريخ 19- 6- 2015م قمنا بإجراء الحوار التالي معها:

 

الأديبة المعرفية الكردستانية مهدية سليم نرحب بك في حوارنا هذا، ونود أن تحدثينا عن تجربتك الشعرية وأثر البيئة والمحيط على علاقتك بالشعر والفن؟

- لك كل الاحترام صديقي المعرفي، والتقدير لفتح هذا المجال أمام مهدية سليم، ليصافحها الناس بأفكارها الروحية والعقلية على المدى القريب أكثر .

طفولتي تتجسد في بضع كلمات ( الطفلة الحساسة، المنزوية، الخجولة، الذكية).

في بادئ البدء، مذ وصولي المرحلة الإعدادية، كانت لدي ميول أدبية، بما يتعلق بكتابة المواضيع المدرسية آنذاك، حيثُ كنت أتلقى الكثير من الإطراء من المدرسين، حول الأسلوب الجميل في تنسيق النص، من مقدمة واستيفاء لعناصره من شتى النواحي و بإسلوب إيجابي معبر وملفت للأنظار في سن مبكرة، واختيار الخاتمة اللائقة بإنهاء النص، ودوماً كنت أحظى بالعلامة التامة في التعبير .

إخوتي آنذاك، وحتى بعد تركي الدراسة، كانوا دوماً يطالبونني بكتابة النصوص التعبيرية الملقاة على عاتقهم أثناء دراستهم من قبل المدرسين القائمين فيها، من مقالات ومواضيع عدة ومختلفة، إلى جانب هواية الرسم الجميلة، وأتذكر جيداً جملةً، قالتها لي معلمة الرسم في الصف السادس الابتدائي (طريقةُ مسكك بقلم الرصاص ورسم الخطوط الأولى للوحة تشبه طريقة الفنانين الكبار) أما في الصفوف الإعدادية وفي الصف الثامن على وجه الخصوص قال لي معلم مادة العلوم (الرسوم التي تطلب منك لرسمها من الكتاب، تبدو أجمل من رسوم الكتاب بكثير)، كما كنت أمتاز بالخط الجميل الذي لا ينزاح عن السطر، ولذلك كلفتُ من قبل المدرسين بكتابة الآيات القرآنية على السبور في حصة الديانة، وكتابة الأمثلة والنصوص في حصة مادة اللغة العربية، والأمثلة باللغة الفرنسية في حصة اللغة .

 

ولأنني لم أنل الحظ الوافر، للمضي أكثر في دراستي وإنهاءها، ونيل الشهادات التي تحلم بها كل طالبة علم، تحولت إلى مجال العزف والغناء في سن السابعة عشرة، بحيث طلبت من والدتي، أن تبتاع لي آلة بزق، عن طريق أحد أقربائها المهتمين بالعزف. وبعد وصولها أحضان مهدية سليم، تخوفت منها في بادئ الأمر، وأحست بأنها ليست الند القوي لخوض امتحان العزف والتفوق فيه كعازفة جيدة . لكن في أول زيارة لخال أمي لنا في البيت بعد وصول الآلة، نظر إلي وقالها لهذه الجملة ( وسماههم في وجوههم ) وتابع قائلاً وهو يبتسم... سوف تتعلمين. وبالفعل تعلمت بإصراري وإرادتي ولوحدي، عن طريق الديناميكية السمعية والإحساس بمواقع اللحن. مع الدعم الجميل من والدي ووالدتي وقتها، والأهل بشكل عام . وبدأت من الثلاثة الأشهر الأولى من العزف، بكتابة الشعر الكردي وتلحينه وغنائه في فرقة تولهلدان في الحسكة  المعنية بفعاليات أعياد نوروز والمهرجانات الكردية.

عرفت زوجي آنذاك وكان تربطنا قواسم مشتركة من ناحية حب الموسيقى والعزف والغناء، وقمنا بإدراج ألبوم غنائي معاً في فترة الخطوبة، لكنه وزِّعَ عن طريقنا إلى الأصدقاء والمعارف فقط .

تجربتي الشعرية البحتة بدأت بعد زواجي وبعد أن وقفت التقاليد في درب ميولي الغنائية والفنية، فأردتني في قوقعة الكآبة لبعض الوقت، وشوهت من مضمون العقلية العفنة لبعض البشر، وتمزيقهم للرغبات السامية، والتي حالت دون إكمالي لمسيرة الفن الغنائي .

لكني إلى الآن ألحن إذا طلب مني، وقد مَنحتُ أغانيَّ التي كانت بحوزتي إلى الفنان الكردي*أركان جميل* يقطن في ألمانيا الآن .

ومنذ ذاك الحين أي منذ سبع سنوات تقريباً، احتضنت الشعر بكل حواسي، وجعلت من روح مهدية سليم تتغلغل في كل حرفٍ أستمد من وحي الواقع في الكثير من نتاجاتها الشعرية، والآن تتوق جداً لإدراج نصوصها في ديوان شعري في الفترات القادمة

 

ما أثر الثقافتين الكردية والعربية وانعكاسهما على تبلور شخصيتك كشاعرة وموسيقية؟

- الثقافة الكردية كانت الثقافة الأولى التي انتهجتها في بادئ البدء منذ صغري، وذاك في سن العاشرة تقريباً بحيث تلقيت أسس التعليم فيها على يد رفيقة من كوادر حزب العمال الكردستاني وأصبحت رغم حداثة سني الصغيرة بارعة في الكتابة بها، في زمن قلما كنت تجد فيه من يتقن لغته الأم كتابياً، وُطلب مني بعدها أن أهتم بتلقين أطفال الكرد في حيينا وفي أحياء أخرى دروساً في الأحرف الكردية .

وطبعاً كانت للثقافة الكردية الأثر الأكبر في تدويني للعديد من الأشعار بالكردية، وتلحينها بعد إتقان العزف والاهتمام بالمجال الفني الغنائي، وإلى الآن لا زلت أكتب في كثير من الأحيان بلغتي الجميلة، اللغة الأم التي لا غنى للإنسان عنها.

أما الثقاقة العربية، فأعتقد أنني احتضنتها حد البلاغة، برغم عدم إكمالي لدراستي . لكنني كنت دوماً وبكل تواضع، الطالبة المجدة في اللغة العربية، من شتى النواحي، فبرعتُ فيها نحوياً وإملائياً . ولا سيما النصوص الشعرية فقد كنت أجيد شرح أبيات القصيدة كثيراً، وكانت معلمتي تقول لي مراتٍ عديدة أنا أستمتعُ بشرحك دائماً . لذا فالثقافتين الكردية والعربية لهما الفضل العظيم في تبلور شخصيتي في مجال الفن الغنائي على الصعيد الكردي، وفي إتقان موهبة الشعر وكتابة الخواطر الشعرية والأقوال وغيرها بإسلوب سلس قيل لي على لسان الكثيرين ممن اطلعوا على أشعاري . لأني فعلاً أعتمد السلاسة في التعبير وعدم التضليل والخلط، حتى يستطيع الشخص البعيد أيضاً عن قراءة الشعر والاهتمام به، أن ينجذب إلى ما أكتبه ويحبه ويهتم به .

 

لا شك أن المرأة لا تزال تعاني العديد من المعوقات التقليدية التي تقف بطريقها في كل مكان، هل يمكن للعوائق أن تخلق تحدياً أم انتكاسة؟

- للأسف الشديد تخلق انتكاسة وخيبتي في من هم لكَ قومٌ، يأخذونك على حين غرة، ويوقعونك في شباكِ، تجعلك تطلب موتاً في ضيقها ألف مرّة . أنا أيضاً من نلت الحظ الأوفر من هذه التقاليد العفنة المستبدة بعقول الكثيرين وإلى الآن .

وكان ذلك أثناء عشقي للفن الغنائي، وحالت تلك التقاليد إلى إبتعادي عن الفن، وتقوقعي على نفسي لفترةٍ من الزمن . لكنها أيضاً خلقت في داخلي شيئاً من وميضِ قوةٍ خفية، بدأت تتأجج نيراناً في حنايا التفكير والروح، وجعلتني أرسم لنفسي منحىً آخر، بأن أتطور إلى أبعد من ذلك، أن أخلق لنفسي مجالاً آخر يجعلني لا أبارح الطموح، ويجعلني متمسكة بناصية الأمل، إلى أن أرسم لي نجمة تسطع في عالم المعرفة، والإبقاء على القلم نابضاً بين الأنامل يرسم الجميل ويتفنن بالإبداع، رغم كل الخطوط الحمراء التي خلقت أمامه بيد من لم يقدر موهبة الفن الغنائي الكردي الأصيل، ليصبحوا رهناً بتقدير الشعر وتوابعه .

قائلةً: وهل كتابة الشعرِ أيضاً من اللاأخلاقيات، لا أظن، إذاً فلتصمتوا، فقد بدأت حربي مع تحقيق الغاية مجدداً، في ساحات القصيدة والخاطرة الروحية

 

ماسر توغل الحزن والكآبة الذاتية في لغتك الشعرية، هل يعود ذلك لطبيعة الحياة الذاتية، أم كون الشعر لا يخرج إلا بصفته نبع الحزن؟

- لم أحظى بالسعادة الحقيقية في حياتي بمجملها، وقد يبدو للبعض ما ذكرت من انتكاسات من ناحية الدراسة، والفن الغنائي، شيئاً لا يستوجب الحزن لأجله، والتقوقع في محراب اليأس، لكنهما كانا بمثابة رمحين في القلب والظهر، ولا سيما أن السبب الذي حال دون إكمالي لدراستي، كانت مجرد بطاقة تذكرك بأنك كائن في البلد الذي كنت تعيش فيه، وطبعاً لم يكن لدي حتى اسم في الدولة، حالي حال الكثيرين ممن أنفقوا العلم في دوائر مغلقة، وإلى اللحظة، وانتكاستي في الفن الغنائي الذي جاء بعد انتكاسة العلم، وفي التوقيت الذي أصبحت تلك الموهبة بمثابة تعويض للأزمة الداخلية المشتعلة بين جوانحي، قدمت لي كلمة (stop) في اللحظة الحرجة، فضاقت بي الدنيا، وتشوهت صورة الحب في ناظري، وأصبحتُ لا أطيق حتى النظر في ملامحه الجميلة، في الماضي البعيد القريب، البعيد لأنني أود لهُ الزوال، والقريب كوردةٍ مرشوشةٍ ببخاخ السموم، جذبتني شكلاً، وقتلتني مضموناً، لذا لا أرى لذةً في كتابة قصيدة، إن لم أضف إليها بعضاً من ملح الأحزان وحموضة الواقع الذي تسرب إلى مكنوناتي الروحية، فاستحكم بها ونال منها إلى أبعد الحدود.

 

لتحدثينا عن الرجل في شعر الشاعرة مهدية سليم، هل تجلى كمصدر ألم أم أمل لديها؟.

- الرجل الشرقي بالمعنى العام، يقصمُ ظهرَ الأنثى بنظراته الدونية لقدراتها، ولا سيما إن تفوقت عليه في الكثير من المجالات .

هذي حال الإناث في مجتمعاتنا الشرقية المتمسكة بعقلية تحرير الرجل وتقييد الأنثى، لذا صديقي المعرفي، فلا فضل لرجل عليّ، والرجل متى قدس الأنثى، نال القدر الكافي من مهدية سليم، من جزيل التحايا والتبجيل لمشاعره النبيلة .

 

هل نجحت في إدماج الشعر والموسيقا عن طريق الأغنية، أم أن كلا الفنين يختلفان في كيفية ولوجهما ذات المتلقي؟

- إلى حدٍ ما، نعم. فقد نالت أغاني أثناء مشاركتي في احتفالات نوروز وغيرها، الكثير من الثناء من الجمهور الكردي، وإلى الآن، فحتى في المجتمع اللبناني الذي أعيش فيه الآن، نالت أغاني التي كنت أرددها في بعض الأمسيات مع جيران الحي، التفاتةً جميلة منهم.

والفنان الذي أعطيته ما كان بحوزتي من أغاني، أحبّها كثيراً شعراً ولحناً، وهو الآن بصدد تسجيلها وإدراجها في ألبوم غنائي.

لكني لا أخفي بأن جمهوري في القصيدة أكبر، وطبعاً ذلك لأنه لم تسنح لهم فرصة سماع مهدية سليم، فلربما أصبح الحديث في تحديد الجمهور لكليهما، أمراً آخر .

 

ما سر قلة كتاباتك باللغة الأم الكردية، مقارنة بالعربية، وهل للغة واختلافها تأثير على مضمون الأدب؟

- صديقي العزيز .. السر حول قلة كتاباتي باللغة الكردية، يكمن في عدم اهتمام المحيط بها،، ومن كان يطلب منهم إيجاد معجم باللغة الكوردية، ولم يعيروا أيَّ إهتمام بها في ذاك الوقت، للغاية في أن تكون القصيدة الكردية أثقل كلمة وأعمق معنى، ولا سيما بعد أن تلقيت الأمر بترك المجال الفني، فذلك خلق لدي بعضاً من التمرد حيال الاستمرارية في كتابة الأشعار بلغتي الأم، لكني سأبقى أعشقها فهي جزء لا يتجزأ من شخصية مهدية سليم .

وأيضاً لا أخفي محبتي للأدب العربي وتعلقي به كثيراً، لأني أرى ذات مهدية سليم يتجلى في القصيدة باللغة العربية أكثر من الكردية، لأنني أشعر بأني أجيد رسم الأخيلة أكثر بالكلمة العربية، وجعل اللوحات التعبيرية أكثر تماسكاً وجمالاً .

 

الشاعرة المعرفية مهدية سليم سعدنا جداً بحوارنا معك ونرجو أن تمضي قدماً في مسيرة الإبداع والتألق، كلمة أخيرة تودين توجيهها للقراء والقارئات، ولتجمع الحب وجود والوجود معرفة؟

- أنا الأسعد جداً صديقي المعرفي، ريبر هبون المتألق في ربى المعرفة والكلمة الصادقة . بفتح هذا المجال القيِّم أمامي، لأختصر حياة مهدية سليم، الشاعرة التي سلكت دروب القصيدة، وجعلتها الروح المشتركة بين واقعها وخيالاتها، ولتشارك قُراءَها الكرام، كلمتها ونبضها، وتدرُّ بأحاسيسها على سفوح الصفحات، وتعانق القلوب المرهفة، لتصبوا إلى بعض غاياتها النبيلة، في السمو إلى منابر العلم، وتحدي المستحيل، بالسعي النبيل . ولتجمع الحب وجود والوجود معرفة أقول: دمتم ذخراً لأبناءكم، دمتم شمساً ساطعة، تتصدر وجه الصفحات، تملؤها دفئاً، وتبعثُ في ثنايا البائسين أملاً يتوج بالإنتصار في معارك الذات والحيلولة دون الوقوع في شرك اليأس، بفتح المجالات والحوارات القيمة، التي تناشد العزائم المتخاذلة إلى النهوض والاستمرارية في التقدم أكثر لنيل الغاية وتحقيق الرغبة، لكل معرفي ومعرفية . شكراً جزيلاً

 

أعد الحوار: ريبر هبون

21-6-2015م

fatima badriرغم تواضع حضور السينما السورية على الساحة العربية والعالمية يطل علينا المخرج الدمشقي الشاب محمد عبد العزيز بخطوات واثقة وبرؤية فنية متفردة جعلت اسمه يكتسح عالم السينما تدريجيا.تجربة قد تكون في محطاتها الأولى ولكنها تحمل بوادر ولادة مخرج سينجح في إخراج السينما السورية من خانة العروض الداخلية.وفي وهران حيث قدم للمشاركة بعرض فيلمه "الرابعة بتوقيت الفردوس" في فعاليات الدورة الثامنة لمهرجان وهران الدولي للسينما العربية كان لنا لقاء مع محمد عبد العزيز وتحدثنا مطولا عن عرضه الأخير وعن قناعاته وأفكاره ومشاريعه الكبيرة في عالم السينما فكان هذا الحوار.

 765-ftima

1) "الرابعة بتوقيت الفردوس" عنوان يبعث على الكثير من التأويلات فما هي القراءة التي وضعتها أثناء اختيارك لعنوان الفيلم؟

- الحقيقة أن "الرابعة بتوقيت الفردوس" هو أكثر أفلامي التي بحثت فيها مطولا،فالنسخة الأولى التي كتبتها للعمل كانت تحت إسم "ذاكرة بيضاء"،والنسخة التي قدمناها لمؤسسة السينما كانت بعنوان "الملائكة خلف الباب السابع"،والنسخة التي اعتمدناها اثناء التصوير كان اسمها "ملائكة النهار"،لتستقر النسخة النهائية على "الرابعة بتوقيت الفردوس".والفيلم حقيقة انتقل عبر سلسلة من الاسماء وهذا دليل على أنني كنت بصدد البحث بشكل عميق وجدي عن عنوان يكون مدخلا لفلسفة الفيلم ويحمل عدة مستويات من الفهم والقراءات.فالرابعة بتوقيت الفردوس هو صفر الوقت الذي ينتهي فيه الفيلم،فعندما ينتهي الفيلم بتوقيت الرابعة في قلب دمشق مع ذكر وانثى في دائرة الرحم هنا يبدأ وقت الفيلم،أي أن الرابعة ليست النهاية بقدر ما هي عملية خلق لبداية جديدة.كما أن "الرابعة بتوقيت الفردوس" يحمل دلالتين الأولى الدلالة التوراتية عن الجنة التي نزعنا عنها القشرة الأسطورية التوراتية بالمشهد الأخير.والدلالة السياسية التي تعني دمشق الخراب ولكننا نقرؤها بشكل فني في صورة الفدردوس السوري حتى لو كان هناك خراب وحطام.

 

2) المتابع للفيلم يفهم للوهلة الأولى ان الفيلم يدخل في خانة الأعمال المعارضة،ألم تخشى أن توضع في خانة التصنيفات السياسية وتعامل كمخرج معارض؟

- لا لم اخف لانهم حاولوا كثيرا تصنيفي،فمثلا في فيلم "دمشق مع حبي" هناك الكثير من الأصدقاء المقربين قالوا لي أنت تنتحر فنيا لأنك تؤنسن يهود دمشق ونصحوني بعدم الاقدام على هذه التجربة،ولكنني مع ذلك قدمت الفيلم.وعموما لا اجد مبررا للخوف لأن المعارضة ترى أنني تخليت عن الجانب المعارض داخلي وأعمل لصالح النظام،فيما مازال النظام ينظر إلي بعين الريبة على اعتبار انني معارضا ومندسا،والمكون العربي يعتبرون أن لدي جذور كردية وأحاول الترويج لهذه الثقافة،و الأكراد يعتبرونني مستعرب لأنني أعمل بالسينما باللغة العربية.ولهذا فأنا أجد نفسي متناغما مع هذه الدوامة من القراءات التي تحيط بي لأنني اعتبر نفسي شخص معني بكل قضايا الإنسان بصرف النظر عن كونه سوري أو عربي أو كردي أو علوي أو سني او أي انتماء آخر. وعملي "الرابعة بتوقيت الفردوس" ينبع أساسا مواقفي السياسية والإنسانية ليست فقط بعد الثورة وإنما قبل ذلك أيضا،ولهذا لا يمكن أن أصنف كمخرج معارض، أنا فقط لي ملاحظات كبيرة جدا على شكل النظام السياسي في سوريا وهذا ليس معطى جديد باعتباري من المعارضين للنظام السياسي ولحزب البعث منذ فترة الإعدادي وهذا معلوم لدى كل الدوائر الأمنية في سوريا.وفي الوقت ذاته أنا أحمل نفس القدر من الملاحظات عن المعارضة السورية التي تديرها اليوم ثلاث مراكز استخبارات رئيسية في المنطقة وهي المخابرات العسكرية التركية والمخابرات القطرية والمخابرات السعودية وبالتالي فقدت شرعيتها للتغيير.ولكن هذه المواقف بقيت في دائرة الاعتدال والتمشي السلمي باعتبار أنني كنت من الداعين إلى تغيير السلطة بسوريا بشكل سلمي يمتد إلى عشرات السنوات من أجل حفظ السلم الأهلي.أمنت بهذا الشكل من التغيير لأن سوريا تضم بيئة اجتماعية متعددة الطيف وأي تغيير للبنى فيها بطريقة خاطئة كان سيحملنا إلى كارثة ونحن نعيش هذه الكارثة حاليا.

 

3) اعتمدت في مواقف مختلفة من الفيلم الرمزية كتقنية فهل كانت موظفة للهروب من الرقابة أو كانت في دائرة التقنيات السينمائية البحتة؟

- جزء من هذه المشاهد كان هروبا من الرقابة والحقيقة أنني لا أستطيع ذكر بالضبط أي من هذه المشاهد،ولكن الأكيد أنها استطاعت تشريح وتعرية جوانب معينة رميت إليها كصاحب نص ومخرج.وأما بالنسبة للجانب السينمائي فأنا حاولت الدمج بين نمطين سينمائيين مختلفين وغير متوائمين وأعني الواقعية والرمزية بدرجات محددة وقد وفقت في بعضها وكانت عبء في مواضع اخرى،ولكن الأكيد أن ليس هناك أي اغراق في الرمزية كما يقول البعض لان العمل أساسا واقعي.وعموما يبقى للنقاد والمتلقين المساحة الكبيرة لرؤية العمل وإعادة تركيبه من خلال مخزونهم البصري والمعرفي.

 765-ftima2

4) الفيلم صور وسط أجواء حرب في سوريا فما هي اللحظات أو الأجواء التي ظلت عالقة أكثر من غيرها لديك أو لدى الفريق عموما؟

- القذائف التي كانت تطلقها المعارضة الاسلامية بشكل وحشي على دمشق المدينة ونحن بصدد التصوير وكان البعض منها قريبا.ومن أشد المواقف التي ظلت عالقة هو يوم قصف المعهد العالي للفنون المسرحية لأنه كان يعنينا شخصيا لأننا جميعا خريجي هذا الصرح،وكان قد استشهد هناك عدد من الطلاب.

 

5) كيف تقبلت نتائج الدورة الثامنة من مهرجان وهران الدولي للسينما العربية بعد المديح الهائل لفيلمك يوم العرض وحتى بعد ذلك؟

- تقبلت النتائج بشكل عادي ...

 

6) بماذا تفسر توجه لجنة التحكيم في مهرجان وهران وفي أغلب المهرجانات العربية إلى الاحتفاء بالأسماء الكبيرة وإسناد جوائز غير مستحقة على حساب أسماء شابة أثبتت تألقها؟

- في السينما لا توجد أسماء كبيرة وصغيرة هناك دور وطريقة أداء ومدى الاشتغال البحثي الفني الرصين على هذا الدور.وميل لجنة التحكيم في وهران إلى منح تقديراتها إلى الجيل الكلاسيكي شخصيا لا أعرف أسبابه ولا يعنيني وليس بالضرورة أن تكون قرارات المنح صائبة أو خاطئة،الأمر يتعلق برؤية ما هو طليعي ومعاصر علينا ابرازه وتمكينه.هل نبرز سينما المقاولات بنمطها الجديد ام السينما التي تقتطع جزءا من الحياة وتضعه على الشاشة بلا رتوش أمام المتلقي ليرى واقعه العربي والإسلامي بعلقمه بلا عمليات وبلا مساحيق تجميل كما في الفيلم اليمني المنفرد مثلا.

 

7) ما هي مشاكل السينما العربية برأيك؟

- ربما المشكلة الأساسية للسينما العربية تكمن في مصادر التمويل،فإما مصادر حكومية تحاول تكريس سياساتها في جسد المادة الفنية وإما اموال خاصة هدفها الأولي ربحي وفي أغلبها عمليات تبييض أموال أو تمويلات صغيرة ليست لديها القوة الكافية لترسيخ وفرز رؤى متعددة لخلق مناخ سينمائي حقيقي يرتقي لمصاف ما ينتج في العالم.والمشكلة الأخرى هي ليست أقل كارثية بالدرجة الأولى أن الايديولوجيا والخطاب الانشائي الاخلاقي يغلب على معظم نتاجات الافلام في العالم العربي.وبدرجة ثانية تحكم جيل كلاسيكي تقليدي بأغلب مفاصل الصناعة السينمائية.

هناك لحظات متناقضة في سوريا أظنها ساحرة لأي سينما

 

8) وبعيدا عن هذه مشاكل السينما العربية نتجه إلى مسائل اخرى في فيلم "دمشق مع حبي" تحدثت عن الأقليات اليهودية والمسيحية فهل أردت القول وخاصة في مثل هذه الظروف أن الاضطهاد يمس فقط هذه الأطياف؟

- هناك حقيقة وهي أنه منذ 14 قرن ومع بداية الغزوات العربية وانتشارها في المنطقة عانت الاقليات الأصلية في كل العالم العربي والإسلامي من اضطهاد شديد،ولهذا فإن الاعتراف التاريخي والاعتذار من هذه الشعوب الآشورية والسريانية والكردية والارمنية وغيرها من المذاهب الأخرى بمسؤولية أعتقد أنه واجب انساني وثقافي. وأنا كسينمائي كنت معني بهذه المسألة لأن هذه الاقليات (بين قوسين على حد تعبيره) هم سكان أصليين ولم يأتوا في صحون طائرة من فضاء خارجي وتعرضوا إلى اضطهاد ممنهج،ولهذا كان اهتمامي نابع من الوعي بأهمية القضية ومحاولة خلق باب للحوار والنقاش حول تعايش هذه الفرق دون اضطهاد او ميز.كما أن عائلتي الشخصية خليط كردي وارمني وعربي وهذا سبب آخر لأسلط الضوء على مثل هذه القضايا.

 

9) وهل التوقيت مناسب لطرح مثل هذه القضايا وأنت تعيش على وقع حرب مستعرة ومن بين مشاكلها الطوائف؟

- الوقت دائما مناسب وأفضل مواقيت الإصلاح وفتح الملفات هي ظروف الحرب،كما أن الموقف من الحريات العامة لا يتجزأ.وانا أقولها أن عدم الاعتراف التاريخي بهذه الأقليات هو بالتأكيد بسبب العنصر العربي السني ويجب أن تقال هذه الحقيقة في أي زمن أو ظرف.

 765-ftima3

10) صورت في الفيلم جانب كبير من التسامح بين الطوائف أو الأديان في الفيلم "دمشق مع حبي" والحقيقة أن أسباب التطاحن اليوم سببه غياب عنصر التسامح فهل كنت تتحدث عن واقع مشوش أو تطرح تصور مستقبلي تريده كمخرج وإنسان؟

- جزء منه واقعي لأنني أومن كثيرا أن هناك حد كبير من الصراع الديني مفتعل،وأعتقد أن المنطقة والأفراد اليوم ليست بحاجة إلى الديانات السماوية بقدر ما هي بحاجة للمعرفة للمعاصرة وللعلم لا إلى عقل تغييبي قائم على الاساطير والخرافات.ولكن الجزء الأكبر هو تصوري ورؤيتي التي أرغب أن تكون عليها الديانات في الواقع رغم أن الحوادث حقيقية وجرت في سوريا.وربما في أعمالي كان لي تركيز أكبر على مسيحيي دمشق بل وكانوا دائما أبطال أعمالي لانني على قناعة ان هؤلاء كمكون ثقافي وليس كديانة كانت لهم أيادي بيضاء بعشرات القرون من بناء حياة مدنية في دمشق،إلى جانب دورهم في الجانب التنويري للمجتمع.

 

11) بالنسبة للسينما السورية بقيت خجولة من ناحية الكم ما هي الأسباب؟

- ليست هناك جهات تنتج أعمال سينمائية عدا المؤسسة العامة للسينما ومؤسسة خاصة أنتجت لي حتى الآن فيلمي "نيكوتين" و"دمشق مع حبي"، ولم تقدم أي جهة أخرى سورية على انتاج فيلم منذ 38 سنة لقناعة مفادها أن سوق السينما خاسر.كما أن معظم المنتجين السوريين تجار لا تعنيهم الثقافة والفن ولهذا انصب الثقل على المؤسسة العامة للسينما.

 

12) لكن هناك توجه نحو دعم الدراما؟

- لأن الدراما تخدم السلطات وحتى التي تمرر حد معين من نقد السلطة تأتي بتوجيهات أمنية،ولهذا فإنني اعتبر ان الدراما العربية واعني خاصة المصرية السورية والخليجية ساهمت في إفساد ذائقة المتلقي ولم يعملوا على عناصر جمالية او فنية حقيقية وبقيت مجرد تقاطع مصالح مع قنوات البث.

 

13) مع تنامي الأحداث في سوريا هل تعتقد ان هذه الظروف ستكون بوابة لانتشار السينما السورية كما حصل مع السينما الفلسطينية؟

- اعتقد أنه لو اتيحت للمخرجين والفنانين السوريين فرص تمويلية أكبر ودخلت إلى سوق الانتاج شركات أكثر فإننا سنشهد ثورة سينمائية سورية حقيقية،والسبب الاساسي هو فعلا التفجر الشعبي متعدد المستويات الذي ذهب في عدة اتجاهات عنيفة وخلق مناخ غني جدا لأي سينما يمكن أن تنهل منه.

 

14) أمام غياب التمويل وجهات الانتاج والوضع الأمني في البلاد هاجر العديد من الفنانين والمخرجين السوريين لماذا اخترت البقاء؟

- هناك اسباب اهمها انني في بداية الثورة كنت من المساهمين وإلى الآن أومن ان معركة التحول الديمقراطي تأتي بانتهاج مسار سلمي يخاض من الداخل، لهذا كنت ضد فكرة خروج القوى العلمانية والمدنية من دمشق والتعامل مع المخابرات القطرية والتركية السعودية بشكل مشين وفاضح. وأنا وجدانيا مرتبط جدا بدمشق حتى أنني لا أتوقع أنني قد أؤسس علاقة وجدانية اخرى مع مدينة أوروبية وأبدأ من جديد رغم أن امكانية السفر قائمة.وربما بقائي غريزي أكثر لان غريزة الحياة عندي إلى الآن لا أعدها مهددة رغم القذائف والقصف والانتشار العسكري،وأنا دائما أقول لنفسي لن أموت بقذيفة هاون ولا برصاصة.ولولا المعارضة الاسلامية التي تحيط بدمشق فإن الحياة في دمشق لم تتغير وهذا لا يدخل في إطار الترويج للنظام ولا لاي طرف ولكن هذا ما اعيشه.وهناك شيء آخر مغري للبقاء في سوريا قد يكون مؤلم جدا ولكنه مهم وهو أن تكون شاهد على الانهيار التام للبنية المجتمعية،هناك لحظات متناقضة أظنها ساحرة لأي سينما لحظة انهيار احياء واختفاء احياء سكنية بكاملها،وهناك أحياء أخرى يتم زرع الورود فيها والاعتناء بها.

 

15) ماهو مشروعك الكبير كسينمائي؟

إلى اليوم لم أصل إلى إنجاز الفيلم الذي أطمح إلى إخراجه لعالم السينما،وكل ما أنجزته هو ما يتوافق قليلا مع الجهة الممولة.ومشروعي الأساسي هو "الكائنات التي أحرقت الجنة" وهو عمل تدور أحداثه في مكان صعب وأعني المنطقة الكردية وتحديدا في المثلث الحدودي وهو ما يجعل إمكانية تمويله صعبة جدا،بالإضافة إلى أن لا احد يحب الأقليات ويتاجرون بها.فهذا النوع من السينما روحيا يعنيني كثيرا واجد فيه درجة عالية من الصدق وسيبقى دائما طموح مطروح.ولكن حاليا لدي فيلم بعنوان "الحرائق" انتهيت من مونتاجه الأولي وأظنه من أنضج الاعمال التي قدمتها وسيعرض السنة القادمة.  

 

حاورته: فاطمة بدري

صحيفة المثقف

 

akeel alabodمدخل: القصيدة بالنسبة اليه حياة، تلد وتتحرك، ثم تنمو كما يلد الجنين، فهي تنشأ بطبع وطباع، تتنفس، وتشعر؛ لها لغة تتصف بها، ولها سلوك كما للجنين أيضاً، وتلك محاكاة وردت على لسان شاعر ومترجم ومتخصص في علم الصيدلة والكيمياء، وباحث وأكاديمي في علم الجينات وعلم الأمراض (باثولوجي) وخصوصاً في مرض السكر حيث ألف كتاباً فيه (مرض السكر والتعايش معه – دار الشروق - عمّان 2002) وجينوم السرطان حيث كتب مقالات عديدة في سرطان البروستات (منشور قسم منها في موقع المثقف ومواقع عدّة أخرى) ولكن تخصّصه الرسمي هو في الكيمياء الحيوية وفي الحوامض النووية على الأخصّ ، فالّف كتاب (عالَم الجينات – دار الشروق- عمّان 1999).

 غادر الوطن في سبعينيات الزمن الفائت، ليكتوي بنار الغربة ولوعة الشوق الى الأحبة والأهل والأصدقاء.

هنالك حيث فراق الأمكنة التي يبتعد الزمان فيها، ويلتهب المهاجر شوقا اليها، الحنين يصل الى الذروة، ليشده مرة اخرى صوب أروقة من السنين مضت.

في عمره الثمانين، تراه مازال تلميذا، يتعامل مع الوقت بطريقة حاذقة، يبحث تارة، يترجم تارة، ويكتب موضوعا أوقصيدة تارة اخرى.

 

 اشتغل في الصيدلة لأكثر من ثلاثين عاماً، لكنه لم يكن مجرد صيدلاني يتعاطى مع المهنة كمتخصص فحسب، بل أراد ان يصنف المهنة، يستقريء مفرداتها، ليمنحها نفوذا وامتيازا جديدا لعله يقدر ان يمنح الإبداع أوسمة وقلائد شرف إجلالا وتكريما، لذلك اضافة الى انشغاله بأمور الحياة ورغم المصاعب, ابتكر مهمة اخرى شائقة بجانب مهنته الأصلية، فانصرف الى باب الطب والعلوم المتفرعةكالكروموسومات مثلاً.

  في كتابه علم الجينات، يناقش في معنى التركيبة الحسية؛ طباع الانسان، الحركة النفسية لتلك الطباع، المشاعر، وتطور تلك المشاعر.

 عن موضوع الطبع والتطبع، وردا على  الأشعرية الذين يؤمنون بان الانسان مخير وليس مسيراً، ابتدأ بمناقشة السلوك الجيني للكائن الحي وارتباطه بتركيب ال DNA، حيث صيرورة الجنين وحالته التكوينية بما فيها هوية الفرد(1).

كان انشغاله بعلم الجينات والطب، يحلقان به صوب فضاءات يسكنها الشعر والشعراء، ما يساهم في خلق مناخات تخفف عن أوجاعه هموم الغربة ورتابة المهنة.

 لذلك بطريقة فنان يعشق فلسفة الألوان، تراه يسترجع ذاكرة الشعر المحفوظ ايام زمان بحثا عن الضوء وغروب الشمس، هنالك حيث يمكث شعاع الحقيقة.

 الظلمة بالنسبة اليه محطة عاشت في أعماق روحه، ليتجول فيها متناغما معها عبر هذه الأبيات (كم من الأرواح هامت تتناجى في الظلام مذ بدا البدر كئيبا شاحبا خلف الغمام)،وتلك سماها خطرات من وحي نيتشه، ما يوحي الى ان هنالك مجهوداً فلسفيا يتماشى مع الشعر لكي يمنح قانون النسبة في باب الحكمة تكاملها المعياري، حيث يقترن الطب بالحكمة، باعتبار ان الحكيم  فيلسوفوالفيلسوف حكيم كما هو معروف مع ملاحظة ان مهنة الحكيم تقترن مع مهنة الطبيب.

مع ذكرياته دائماً تجد ان هنالك غربة ووطنا وضياعا خلفه الحكام، لذلك لم يترك فراغا في باب الا وتناوله بشعر يتناغم مع صفاء روحه المسافرة. حيث في باب السياسة، وفي ثورة الشعب العراقي إبان الخمسينات أنشد قائلا (يا ثورة الشعب صبي وابل الغضب وحطمي كل فكر شارد جدب وقوضي كل ما يبنون من عرش فقد ابو ان يسير الركب بالأرب)(2).

 ترجم عشرات القصائد والكتابات الى اكثر من لغة  ما يشير الى ان هنالك إبداعا يكاد يفوق لغة النص، اذ لا تخلو أعماله من ترجمة الكثير من النصوص المبدعة العربية منها والأجنبية. 

في كتابه ستون قصيدة ألمانية اختار الشاعر نصوصاً فلسفية كتبها عظماء الشعر في ألمانيا أمثال غوته، تتبعها موضوعات فيالأساطير  القديمة ما يوحي الى ان هنالك اهتماما خاصا لدى الشاعر بدراسة ثقافات الشعب الألماني ليستقريء من أعماقها محاورات لها علاقة بالتاريخ والحضارة (3).

ان فكرة اشتغاله مع النصوص الأجنبية وعشقه للبحث الأكاديمي جعلته يختزل المسافات.

فهو هكذا تراه حريصا لا يريد ان يفوت فرصة يتقدم فيها العلم عليه ، دون ان يقدم هو إبداعا جديدا، فالعلم  بالنسبة اليه طقوس لها قدسية تعلو ولا يعلى عليها، لهذا تراه متواضعا منشغلا مع الوقت في طريق البحث الذي لا ينضب.   

مع نصوصه يتألق الشعر وكأنك تقرا للرصافي او جميل صدق الزهاوي او الجواهري ، فهو يتعامل مع فن العروض ويجيد أبجديات التعامل مع النصوص الأجنبية، لينسج من قوافيها لغة ترتقي، تبحث عن سياقات ومدلولات جديدة لتتلبس بمنطق جديد.

  فوق أكتافه يحمل مهمتين؛ الاولى حواره مع منطق النص الذي يحمل اللغة الاخرى وفقا الى مكوناته اللغوية، والثانية حواره مع خزينه الذاتي والمعرفي اي علاقته المعرفية مع اللغة الام.

 في كتابه مختارات من الشعر العالمي بلغة مزدوجة، ترجم الأديب تحفا ادبية كتبها شعراء كبار، أمثال لورد بايرون، مارغريته بويتلر، وليم بليك وغيرهم(4).

 هنا ليس بناء على هندسة الإتقان الفني لنصوصه الأدبية ومشاركاته المتميزة في كثير من المواقع كموقع الناس والحوار المتمدن والمثقف وغيرها،بل بناء على إمكانياته  في باب الحوار وإتقان مدارات الحديث، تجده مواكبا مبحرا متطلعا صوب أشياء اخرى.

 في حواره مع الأستاذة ميادة ابو شنب، مجلة المثقف، تجد ان هنالك تنوعا يختزل بين ثناياه صوراً تتفرع الى موضوعات وتجارب لا يمكن الاستغناء عنها في باب التأليف والبحث والترجمة (5).

 وبقدر ذلك تراه مؤرخا عاصر تجارب العراق بشخصياته المختلفة منذ منتصف الأربعينات حتى الان، ففي مجموعته زنابق السنين، تجد ان ذات الشاعر وتاريخه الطويل كان قد كتب بطريقة متفرقة على غرار مهاجر يبحث عن ماض لم يزل ماثلا امام عينيه.

 

..........

هوامش البحث:

(1) بهجت عباس، الجينات والعنف والأمراض، فيشون ميديا السويد2007، (15،43)

 (2) بهجت عباس، زنابق السنين، 2009، فيشون ميديا السويد(6-9).

(3) بهجت عباس ستون قصيدة ألمانية – المؤسسة العربية للنشر والتوزيع، 2006

(4) مختارات من الشعر العالمي بلغة مزدوجة 2009 – المؤسسة العربية للنشر والتوزيع- بيروت لبنان.

(5) مجلة المثقف حوار ميادة ابو شنب مع بهجت عباس 3/3/2015.

tara ibrahimتوظيف الدين في الصراعات العربية ودور المرأة في نشر ثقافة التسامح وقيم العيش المشترك

 

* كيف تنظرين الى العدد الكبير من الأطفال المشردين والنساء الهاربات من بطش التنظيمات المسلحة خاصة بالعراق وسوريا؟ ومن المسؤول في اعتقادك عن تلك الأوضاع، النصوص الدينية أم الفهم البشري لها ؟.

- الامر مؤثر جدا وغير قابل للتصديق، العدد الهائل من المهجرين تجاوز مئات الالاف في بضعة اشهر، في سوريا إثر بطش تنظيم الدولة الاسلامية وغيره من التنظيمات الارهابية التي بدأت تنمو كالاشواك .. وكذا الحال في العراق بعد القتل والتهجير للمسيحيين والايزيديين وحتى المسلمين انفسهم، أمر غريب لا يتصوره العقل. هذه الجماعات أو التنظيمات تمنح الحق لنفسها ان تطال النساء والاطفال والشيوخ دون تفرقة، تحت غطاء تطبيق الشريعة أوحجة الجهاد في سبيل الله.

اما من المسؤول عن هذه الاوضاع ؟ فلا نستطيع ان ننسب المسؤولية الى النصوص الدينية او الفهم البشري لها فقط بل الى العديد من الامورالتي تتعلق بسايكولوجية الاشخاص الذين ينتمون الى هذا التنظيم وغيره من التنظيمات الاخرى     والى خلفياتهم أيضا التي ليس بالضرورة ان تكون دينية بحتة او بما معناه ان هؤلاء الاشخاص لم يتربوا على مفاهيم الديانة الاسلامية منذ نعومة اظفارهم ولا يعرفون عن الاسلام بجميع تفاصيله من سوروآيات قرآنية وأسباب نزولها ..  

المسؤولية تقع على خليط معقد من الاسباب التي تدفع الاشخاص الى القيام باعمال وحشية..اولا : النصوص الدينية التي     يفهمها هؤلاء ، هي نصوص تاريخها يعود الى أكثر من الف عام ، نصوص يمكن ان تتلاءم مع ذلك العصرالذي كان فيه القتال والصراع بين الاضداد المعتقداتية امرا ضروريا من اجل البقاء والهيمنة والتوسع، وكسب الناس للدخول الى الاسلام مع اعطاء فرص سلمية لتبني الدين الجديد من قبل الاخرين دون اراقة الدماء.. والمسؤولية الثانية : هي مسؤولية تقع على الفهم البشري للنصوص الدينية التي يمكن ألا تتناسب مع سياق الحاضر الذي نعيشه، هؤلاء أشخاص يقرؤون القرآن ويفسرونه بما تشتهي انفسهم .. والمسؤولية الثالثة : هي عدم الوعي والجهل والهروب من الواقع الذي يمكن ان يكون مريرا، او ربما وسيلة للانتقام يستخدم فيه الدين كذريعة على الرغم من ان الدين في إعتقادي برىء من الجرائم التي يقترفونها.

قبل عدة اسابيع كتبت مقالا بعنوان " خلافة التائهين" أحلل فيها نفسية الاشخاص الذين يقومون باعمال العنف ضمن هذا التنظيم، فهؤلاء الاشخاص هم تائهون نفسيا ولايستطيعون ان يعقدوا السلم لا مع انفسهم ولا مع المجتمع الذي يعيشون فيه. هؤلاء يودون الترفيه عن انفسهم بالقتل والعنف وبما يشبع نفسياتهم التائهة سايكولجيا لاثبات " الأنا ".. وأود ان اسرد لكم واقعة حقيقية رواها احد الاخوة المسيحيين..فعندما تمت السيطرة على سهل نينوى في العراق من قبل تنظيم داعش ولدى هروب الجميع الى اقليم كوردستان، بقيت عوائل عالقة واحداها حاولت الهرب لدى وصول التنظيم، لذا فر الرجل مع عائلته بسيارته وفي منتصف الطريق أعترضه أحد المسلحين وطرح عليه سؤالا - هل انت مسلم ؟ فقال الرجل خوفا على حياته وحياة اولاده نعم.- فأردف - إذن أتل لي سورة من القرآن ؟ فردد الرجل - بسم الله الرحمن الرحيم، ومن ثم تلا     بعضا مما جاء في الانجيل..فاومأ إليه المسلح برأسه وقال- شكرا تفضل يمكنكم الذهاب.أمر قد لايصدق ولكنها حقيقة، هنالك من لايعرفون شيئا عن القرآن، ولكنهم يتخذونه كوسيلة لفعل ما يريدون .

 

* هل النموذج الغربي في تعامله مع التراث الديني يمكن تطبيقه في الوطن العربي، أم لابد من تنقيح فكري وترتيب سياسي معين ؟.

- في الحقيقة، العالم العربي يعيش حاليا في فترة يمكن ان نقارنها بالقرون الوسطى التي عاشتها اوربا، وعلى الرغم من ان المجتمع العربي يختلف تماما عن المجتمع الغربي فكل مجتمع له خصائصه وامور قد لاتقارن، ولكننا في النهاية نستنتج اننا لسنا بحاجة الى الوقت فقط لنتجاوز هذا الزمن العصيب بل الى التفكير والتخطيط السياسي وحتى الديني، فعلى سبيل المثال هنالك العديد من رجال الدين الذين يدعون الى الاصلاحات في الدين الاسلامي لكي لايتم تفسيره كدين عنيف يدعو الى القتل والسلب.. الجرأة السياسية والدينية هما ما نحتاجه في هذه الايام، امر معقد كوننا نعيش في مجتمعات لاتجرؤعلى طرح اسئلة متعلقة بالدين وهو ما يزال يعتبر   طابوها أو محرما، مجتمعات لاتستطيع أن تناقش القانون الذي ينص على ان للذكر مثل حظ الانثيين في زمن تعمل فيه المرأة جنبا الى جنب مع الرجل وقد تعيله، وسواها من الامورالتي يجب ان تدرس وتتغيير بناء على ما يقتضيه عصرنا اليوم وليس وفق مقتضيات عصرلايمت الى عصرنا بصلة..الاصلاح ثم الاصلاح...هذا ما يجب علينا القيام به ..

 

*هل يمكن بناء فلسفة دينية تنويرية تمكن من تربية النشء على حرية التعبير والتفكير وثقافة الاختلاف من أجل بناء مواطن قادر على المساهمة في بناء البلدان العربية وإنجاح قضاياه التنموية ؟.

- نعم، يمكن اعتماد فلسفة دينية تنويرية ولكن الصعوبة تكمن في كيفية تعريفها وتطوير منهجها ، فاعتمادنا على الدين فقط كما هو الحال اليوم في مجال التربية والتعليم أمرغير منطقي لأننا سوف نعاود ونكرر نفس الاخطاء التي نقع فيها الآن ، وفي الوقت نفسه ايماني بالعلمانية التي يتبناها بعض الاحزاب القومية في الدول العربية بدأ يخفت شيئا فشيئا كون العراق وسوريا كان فيهما نظامان يدعيان أنهما من الدول العلمانية ، أنظر ما حالهما اليوم. الفلسفة التي اؤمن بها هي تربية النشء على اساس مدني حضاري وعلى قيم انسانية وعلى المساواة في الحقوق والواجبات والمساواة بين الجنسين، وان اقتضى الامر دراسة الدين من قبل المعنيين بهذا الشأن ووزارات التعليم، التفكير باصلاح وتغيير المناهج الدينية وغربلتها مما يسيء الى الدين من خلال البحث عن الإجتهادات الشخصية للمعتقد التي وضعت في الماضي واصبحت من المقدسات في الحاضر، تستغلها الجماعات الارهابية والمشككون بالدين لمآربهم   على حد سواء، وكذلك تهيئة معلمي الدين بشكل أفضل، وتدريس الاسلام على انه دين سلام وتسامح وليس دين إقصائي يدعو الى الكراهية والعنف .  

 

*القوة الاقتراحية للمرأة غائبة أومغيبة عندما يتعلق الأمر بتوظيف أحاديث المستقبليات والفتن التي تموج بالعالم العربي، مع العلم أنها حاضرة في الصراع الميداني سواء كأسيرة وجارية أم لاجئة جريحة. ما هي في نظرك العوامل الذاتية والموضوعية لانسحابها القهري في هكذا مواضيع حاسمة ؟ .

- المرأة استخدمت كغنيمة حرب من قبل الارهابيين، على الرغم من أن الاسلام يدعو الى التعامل مع النساء كقوارير ولكن مع الاسف الشديد نقول ان المرأة كانت الضحية الاكثر ظلما وبربرية وهمجية عبر التأريخ. اما اليوم ، الامريعود الى عوامل كثيرة وفي مقدمتها قلة احترام المجتمع لها واعتبارها ناقصة عقل ودين، وهذا طبعا من مخلفات التفسير الخاطئ للدين لذا فتربيتها على هذا الاساس تزعزع من ثقتها في نفسها وفي انجازاتها، اضافة الى ان المرأة قلما تتدخل في السياسة في مجتمعاتنا كون هذا المجال قاس ولاتتحمله في ظل مجتمع رجولي وتقاليد راسخة لاتستطيع المرأة معها ان تفرض نفسها ككيان وشخصية مستقلة للتعبيرعن رأيها ..

ولكن لاننسى ايضا امثلة عن نساء رائعات يستحقن كل الاعجاب والثناء وفي مقدمتهم النائبة البرلمانية في العراق فيان دخيل التي هزت ضميرالعالم باسره لمناشدتها المجتمع الدولي في المساعدة على اطلاق سراح الالاف من الايزيديات المختطفات من قبل تنظيم داعش والتي تصدرت قائمة النساء الأكثر تأثيرا عام ٢٠١٤ بحسب تقرير وكالة الاخبار العالمية CNN وكذلك المقاتلات الكورديات في غرب كوردستان " سوريا" اللواتي فضلن الموت والاستشهاد في جبهات القتال . ولكن تبقى الامثلة قليلة من محاولات نسائية فردية او جماعية في هذا المضمار.

 

*أقيمت من قبل مؤتمرات للتقريب بين المذاهب خاصة بين السنة والشيعة.كيف تقيمين دور المرأة في تقريب وجهات النظرة وتجاوز ظلال التاريخ العنيف ؟ وهل تم التفكير بالفعل في عقد مؤتمرات نسائية من جميع المذاهب لتجاوز حدة الخلافات وتحديد أولويات الألفية الثالثة بما يضمن تحقيق التعايش المشترك واستدماج قيم التسامح والحوار وقبول الاختلاف ؟.

- اعتقد ان المرأة تستطيع أن تلعب دورا كبيرا في هكذا مواقف وخصوصا في التقليل من حدة الخلاف الى حد ما، لان المرأة هي اكثر من نصف المجتمع في عصرنا الحالي، وان وجود نساء مميزات واعيات قياديات واثقات من انفسهن ومن خطاهن، هو امر مهم جدا في كسب ثقة هذا النصف المهمش. نساء يؤمن بالسلام ويدعون اليه ويشجعن على التقارب وليس التباعد اعتمادا على دين أو مذهب ما.. بحد علمي لم اسمع عن مبادرات عن تنظيم مثل هكذا نوع من المؤتمرات، بل انها فكرة رائعة تستطيع عبرها النساء من جميع المذاهب ان يوحدن أصواتهن ضد الممارسات الارهابية تجاه النساء في العالم العربي والاسلامي، ويحاولنا ومن خلال اختلاف اديانهن ان يدعون الى السلام والتشجيع على التسامح عبرشعارات تدعو الى انسانية أكثر في عصر فقدت الانسانية فيه قيمها وقيمتها في أوطاننا .

 

*من خلال تجربتك، كيف يمكن للمرأة العربية أن تسهم بشكل فعال في توجيه المسار الفكري للعقلية الإقصائية المتوسلة بالنصوص الدينية وما هي المداخل الإصلاحية لخفض مستويات الاعتماد على النبوءات الدينية في تصفية الحسابات السياسية وإبادة الأقليات في بؤر الصراع ؟.

- المرأة هي مربية اجيال ويقع على عاتقها عبء حمل التربية والتعليم لاجيال المستقبل، باعتقادي ان الاحزاب والحركات السياسية العلمانية ومؤسسات المجتمع المدني الحقيقية هي المسؤولة والمؤهلة عن تحريك واقع المرأة الحالي ودفعه نحو الافضل ، فنحن نعتقد دائما أن المرأة هى ضحية تفسيرالنصوص الدينية ولكن في الحقيقة قضية المرأة هي قضية اجتماعية أيضا يجب التعامل معها على اسس علم الاجتماع ومنظوره الخاص بالمرأة لانها ضحية تخلف المجتمع وبعض من التقاليد البالية .أما عن تصفية وإبادة الاقليات فإنها تنطلق من داء التعصب القومي الممنهج الحاكم في بعض البلدان العربية والاسلامية والتطرف الديني المنفلت التي تسيء الى كليهما في النهاية هي نتاج عقدة الشعوربالتفوق والنظرة الخاطئة بدونية افكار ومعتقدات الاخرين وبالتالي الوقوع في حبائل الجهل وممارسة العيش في نعيم الشقاء ، ونحتاج فيهما الى حديث مسهب يطول ويتشعب ..

moamar habarالسؤال الأول: من هو مالك بن نبي؟

- بداية، اللهم صل وسلم على سيّدنا محمد وعلى آله وصحبه. أبدأ بمداخلة أرجو أن لا تفاجئك. دائما أعاتب الذين يتطرقون لفكر مالك بن نبي، أنهم يعرضون كتبه وفكره في 31 أكتوبر، وهو تاريخ وفاته.، ودراسة بن نبي من خلال وفاته إهانة له. فأنت لاتتطرق لوفاة شخص إلا إذا كان عدوا لك. وبما أن هذا الحوار يتم خارج مناسبة وفاة بن نبي، فيمكن إعتباره حسنة تحسب للأستاذ مصطفى العمري.

يمكنك التطرق لمالك بن نبي من عدة نقاط، وهي.. بن نبي الكاتب. بن نبي المولود في الجزائر. بن نبي المستفيد من فرنسا والعالم الغربي، والذي يتصفح كتبه يلاحظ ذلك. بن نبي المقهور. بن نبي المطارد من الصراع الفكري كما يسميه. بن نبي المطارد من طرف جمعية العلماء، والمطارد من طرف الساسة والاستدمار. المطارد داخل أرضه وبين شعبه وتلامذته وفي الخارج. وبن نبي عاش فترة حقد وحسد، كما إتّهمه عبد الصبور شاهين بالجنون.

 

السؤال الثاني: من هم الهيئات والأشخاص، الذين حاولوا الإطاحة ببن نبي؟

- من خصائص كتب مالك بن نبي، القديمة التي نشرها الأستاذ كمال مسقاوي، وهو مشكور على مابذله من جهد، والكتب الأخيرة التي لم تنشر إلا مؤخرا، تجد ملاحظة ملفتة للنظر، كقارئ ومتتبع..

بن نبي، لم يتطرق لبعض الأشخاص، لم يتطرق لبعض الأمكنة، لبعض الأزمنة، بدليل أنه تعمّد عدم نشر بعض الكتب في حياته، كما هو جاري مع كتبه "في الحضارة والإيديولوجيا". و"Témoignage sur la révolution algérienne ". و "le Livre et le livre sociale ". و"العفن".

 

السؤال الثالث: من وقف ضد بن نبي؟

- لو تقرأ كتابه "العفن"، وهي من الكتب التي لم تنشر، ومن الكتب الخطيرة جدا، تجده ..

أولا: يتهم جمعية العلماء، لأنها أساءت الفهم، وأؤكد على أساءت الفهم، بدليل منعته من استلام المنحة، ، وإذا شئت سنفرد حصة لعلاقة بن نبي بجمعية العلماء. بن نبي لايتهم جمعية العلماء، بالعكس يحترمها، يوقر شيوخها. لكنه يقول أن..

إدارة الصراع الفكري ، خاصة في عهد الاستدمار ، لاتتم بهذه الطريقة. هو يعتبرها طريقة ساذجة، لاتناسب الصراع الفكري، ولذلك أفكاره لم تعجب الجمعية، وكان بينهما صراع.

ثانيا: يتحدث عن الصراع الفكري المجسد في الاستدمار، كيف منع كتبه. كيف حاصره في بيته، ومع زوجه وأولاده.

ثالثا: بعد إسترجاع السيادة الوطنية، السلطة القائمة في الجزائر أهانته، منعت عنه السيارة، أقالته من المنصب حين كان مكلفا بالتعليم العالي، وهو مايمثل الآن وزير التعليم العالي. منعته من أداء العمرة، حتى أن الأستاذ عمار طالبي، يقول بأنه تدخل شخصيا لاسترجاع جواز السفر.

رابعا: السياسيين الجزائريين ، وكيف إنغمسوا كلية في الاستدمار.

خامسا: عاش بن نبي بين فكين، المتدين يعتبره رجعي وعلماني. والعلماني يعتبره صوفي وساذج. وبقي بن نبي في هذا الصراع.

سادسا: سأشير إلى نقطة في غاية الأهمية: حين تقرأ كتاب "العفن"، وهو كتاب رائع، ومستعد أن نخصص له حصة، ستلاحظ..

بن نبي ينتقد كل السياسيين، وكل المفكرين، وكل علماء الدين، وعندما أقول ينتقد فأنا أختار ألطف العبارات، إلا واحدا فقط، وهو حمودة بن ساعي. وحمودة بن ساعي من فلاسفة الجزائر، عاش الهوان ومات في الهوان.

وعليك أن تتخيل الان، عبر كتاب بأكمله، يمدح واحدا فقط، وهو حمودة بن ساعي. والأستاذ حمودة بن ساعي، يحتاج بدوره أن يفرد له دراسة خاصة به، لأنه الطريق الذي نفهم به مالك بن نبي.

ومن ميزة هذا كتاب "العفن"، أنه يذكر بالاسم والحالة، لأنه ليست من عاداته في كتبه الأخرى أن يذكر الأشخاص بالاسم، لكن في هذا كتاب، ذكرهم بالاسم وبما فيهم السياسيين وجمعية العلماء.

وبن نبي ، حين يتعلق الأمر بالصراع الفكري، لايفرق بين سياسي وعالم دين. بل يرى أن علماء الدين أساؤوا بسوء فهمهم للدين، وأن طرقهم في مواجهة الاستدمار، لم تكن في مستوى الصراع الفكري، الذي من وراءه الاستدمار.

سابعا: وكذلك بن نبي في كتبه الأخيرة التي طالعتها، وجدت بن نبي السياسي، وعلاقته بالساسة. وفي الجانب السياسي أحسن وأساء، منها علاقته بعبد الناصر، علاقته بماو، علاقته بالساسة الجزائريين. إذن الجانب السياسي لبن نبي يحتاج لموضوع على إنفراد.

ثامنا: بن نبي الحالم، كان يحلم بالوحدة الإفريقية، كان يحلم بالوحدة الأسيوية، بالوحدة العربية.

تاسعا: بن نبي المصدوم، صدم في أفكاره، صدم في عبد الناصر، في بومدين، في بن بلة.

 

السؤال الرابع: بن نبي سافر إلى فرنسا، هل إستفاد من فرنسا؟

- نحن لانقول سافر إلى فرنسا، بل بن نبي عاش في فرنسا. وهذه ملاحظة مهمة جدا.

لم يكن بن نبي يبحث عن الدراسات الهندسية. هو لم يذهب إلى فرنسا للحصول على شهادة مهندس في الكهرباء. هو ذهب لفرنسا للزيادة والتمكن في الدراسات الشرقية.

وإنطلاقا من الصراع الفكري الذي يعتمد عليه الاستدمار، رفضت فرنسا أن يدرس بن نبي في معهد الدراسات الشرقي، لماذا؟. لأن علم الدراسات الشرقية، حكرا على المستدمر وأبناءه فقط.

القارىء لكتب مالك بن نبي، يلاحظ أن إحتكاك بن نبي بالفرنسيين، جعله يفرق بين أمرين..

الفرنسي المستدمر في الجزائر. والفرنسي المثقف في فرنسا. ويقولها في بعض كتبه، إنتاج المثقف الفرنسي في فرنسا، يفوق عشرات المرات، ماينتجه الفرنسي المستدمر في الجزائر، لأن العنف والقتل الذي يعيشه الفرنسي في الجزائر أعماه. إذن هو يفرق بين إثنين، الفرنسي المستدمر في الجزائر، والفرنسي الذي عاش في فرنسا.

 

السؤال الخامس: هل تستطيع أن توضح كيف إستفاد بن نبي من الفرنسي المثقف المقيم في فرنسا

- هو إستطاع أن يفرق، ولا يمكن بحال الاستفادة من فرنسي عاش بالجزائر. ولكنه يمكنك أن تستفيد من فرنسي عاش بفرنسا، لأن الفرنسي الذي عاش بالجزائر، لايعترف بالجزائر. لأن الجزائر في العهد الاستدمار غير موجودة، ولا تاريخ لها، لا دين لها، لا لغة لها. يعاملك دوما على أنه السيد وأنت العبد التابع له، وأنك من الأهالي بالتعبير الاستدماري في تلك الفترة.

 

السؤال السادس: الاستدمار لاخير فيه، وبن نبي عاش في بيئة فرنسية. هل استفاد بن نبي من فرنسا؟

- يقول بن نبي، طيلة تواجدي في فرنسا، لم ألحظ علما إنما لاحظت البحث عن العلم، وما يسميه هو بالفكر الديكارتي. أي ينظر إلى المشكلة نظرة تحليلية.

تقديم الواجب على الحق. لذلك كان يطالب بآداء نصف ساعة واجب يوميا. بينما في الدول المتخلفة، هناك تقديم الحق على الواجب.

إحترام الوقت، لأن الوقت في الغرب مقدس. رابعا: إحترام المؤسسات، وكيف تحترم. كيف يحترم المفكر، كيف يحترم العالم. خامسا: الحضارة ليست في الجامعات فقط، ولا في المؤسسات التعليمية فقط، لأن الحضارة تجدها في البيت في الشارع في الدكان.

في الغرب لايوجد فكرة ميتافيزقية، بل واقع يسير بإحصاءات وأرقام.

وهناك نقطة أشار إليها بن نبي في بعض كتبه، أن الغربي حين يكون مع أخيه الغربي، يكون في مستوى حضاري جدا. بينما حين ينتقل للجزائر وشعوب أخرى، يتحول ذلك العقلاني ذلك المثقف، ذلك الديكارتي إلى وحشي إلى همجي إلى مغتصب . وهذه الملاحظة في غاية الأهمية.

هذا هو الجو الذي استفاد منه بن نبي، ولم يجده في وطنه الجزائر، لأن الجزائر يومها كانت تحت الاستدمار مقهورا.

 

السؤال السابع: كيف نستفيد من بن نبي ونحن في الغرب، وبن نبي يقول أن الاستدمار وجد انحطاطا فكريا للامة، حين غزاها.

- صراحة لم أقف على هذه العبارة، لكن يمكن القول أن الاستدمار ساهم في الانحطاط الفكري. أنت لو تقرأ لشيخ المؤرخين أبو القاسم سعد الله، رحمة الله عليه، يرى أنه في بداية الاستدمار الفرنسي، الحثالة الأوربية، أفسدوا قنوات صرف المياه، ولم يحسنوا التعامل معها، ماجعل الجزائريين يشكون أمرهم للحاكم العام الفرنسي بالجزائر يومها.

 

السؤال الثامن: الذين سألتهم اساتذة عراقيين وغير عراقيين، أجابوا كلهم بأن بن نبي مميز ومفكر إسلامي معتدل. في نظرك ماهي أهم الأفكار التي طرحها بن نبي؟

- بن نبي يربط الحضارة بالفاعلية، بمعنى كل أمر ليس فاعلا لايسمى حضارة.

والثقافة عنده، ليست مايقدم للتلميذ في المدارس، الثقافة عنده تتعدى المدرج لتشمل الحياة. والثقافة عنده تبدأ، والمرء قي بطن أمه، كتلقين الأم، وطريقة غذاءها.

بن نبي أشار إلى نقطة في كتابه "إنتاج المستشرقين"، أن المستشرق المادح هو الأخطر على تراثنا ومجتمعنا من المستشرق الذي يذم. ولا أعتقد، أن أحدا من المفكرين ذكر هذه النقطة، لأنه من عاداتنا نذم الذي يذمنا، ونمدح الذي يمدحنا، لكن بن نبي يذم المستشرقين الذين يمحوننا ويحذّر منهم. لأن فيه قابلية للاستدمار، فيه ركون وكسل، وهذا الركون والكسل، يهيئ لاستقبال سلبيات المستشرقين المادحين.

 

السؤال التاسع: بن نبي له كتاب "شروط النهضة"، ماهي في نظرك شروط النهضة عند بن نبي؟

- بالمناسبة، كتب مالك بن نبي، تنقسم إلى قسمين.. القسم الفكري الإبداعي، والقسم المعاد، و"شروط النهضة" كان في بدايات مالك بن نبي سنة1948، حيث أبدع فيه.

في "شروط النهضة"، يتطرق لدور العنصر الجمالي في الحضاري، أي لاتكفي المادة بل لابد من العنصر الجمالي. وكذلك الذوق الجمالي في المأكل في المشرب، وهو الذي يميز الحضارة.

يتحدث عن المرأة، تخيل المجتمع الجزائري والاسلامي في سنة 1948، وحالة الرجل قبل المرأة، كيف كانت، ورغم ذلك يتحدث بن نبي عن المرأة، ويطالب في ذلك الوقت بإقامة مؤتمر دولي للنساء.

بالنسبة للحضارة، يرى أنه لاتكفي المادة، فيضيف لها عنصر التآلف. لايكفي أنك تملك، إنسان+ تراب+ وقت. هذه عناصر منفصلة، ولا بد أن تعطيها الحياة، وذلك بالتآلف فيما بين عناصرها.

ولا يكتفي بن نبي بالتآلف، فيضيف للحضارة عنصر الفاعلية. ثم يضيف لها العنصر الأخلاقي. وبن نبي يتعامل مع الحضارة من ناحيتها الانسانية.

ويعطي مثالا عن أندونسيا، حين يتطرق للعالم الألماني شخت، الذي إستطاع أن يجعل من ألمانيا المتقدمة المحطمة المنهارة إلى دولة قوية، بينما لم يستطع أن ينجح في أندونسا، رغم أن ظروفها المادية كانت أفضل من ألمانيا، ونفس العالم ونفس المادة. والسبب في ذلك أن ألمانيا تملك الفاعلية، وتملك كذلك القدرة على أن تولف بين عناصر الحضارة المذكورة.

وتعتبر الثقافة من شروط الحضارة. والثقافة عند بن نبي لاتعني إطلاقا العلم، لأنها أوسع من العلم. ويعطي مثالا حول الإنجليزي والعربي، معتمدا على الراعي والطبيب، فيقول..

نشترك مع الانجليز في أمور عامة. لكن تميّزنا الأمور الخاصة، والتي يجب أن نحافظ عليها. والغرب نستفيد منه في الجانب العام والانساني، لكن بالمحافظة على خصوصيتنا المتمثلة في الجانب الأخلاقي، الذي يميّزك ويرفعك ويحدد حضارتك .

بن نبي في سنة 1948، يتحدث عن التصحر، وهذا يعني أنه سبق عصره بكثير

 

السؤال العاشر: هل تحقق حلم مالك بن نبي؟

- أصيب بن نبي بصدمة عنيفة جدا، وكما قلت في بعض مقالاتي، أن القوة والشدة التي امتاز بها بن نبي، مردها إلى الصدمات التي تلقاها. لنحاول أن نعدد الصدمات، منها..

تلقى صدمة من عبد الناصر، لأنه أفرط في ميله لعبد الناصر، ثم خيّب ظنه.

تلقى صدمة من الساسة الأسيويين، خاصة فيما تعلق بكتابه "الإفريقية الأسيوية"، وأنفق في سبيله جهدا ووقتا ومالا.

أصيب بصدمة من السياسيين الجزائريين، إبان إسترجاع السيادة الوطنية، وأخص بالذكر بن بلة ، وبومدين.

أصيب بصدمة مع العلماء، لم يكن يتصور أن العلماء بهذه الطريقة. ضف لها الساسة والاستدمار الفرنسي.

وفيما يخص حلم بن نبي، هل تحقق؟. مازلت أحتفظ بحوار أجرته بنت مالك بن نبي مع يومية جزائرية، تقول ابنته رحمة فيما تنقله عن أبيها.. أنه سيعود بعد 30 سنة.

وفعلا بعد 30 سنة، فكر مالك بن نبي، انتشر، وكتبه إنتشرت، لكن الفكرة التي كان يسعى إليها، هل تحققت؟. شخصيا لا أظن ذلك.

وكذلك فكرته الافريقية الاسيوية، لم تتحقق.

 

السؤال الحادي عشر: ألا تعتقد أن بن نبي مشهورا فكرا وإسما، لكن فكره مغيب، لمن تعزو أسباب تغييب فكر مالك بن نبي، كواقع وممارسة.

- السبب في ذلك، أنه لم توجد لحد الآن مؤسسة فكرية سياسية باسم الدولة، تجسد أفكاره.

في كتاب له، يقارن بينه وبين ماركس. يقول أن الظروف التي أحاطت بفكر ماركس وكتابه "رأس المال" وشخصه، ساهمت في نشره وساعدته في التعريف به. بينما الظروف التي أحاطت بفكري وكتبي لم تساهم في النشر، ولا بالتعريف بأفكاري وكتبي، رغم أن ماكتبته كان الأفضل.

إذن مشكلة بن نبي، ليست في أفكاره، ولا كتبه، إنما في غياب المؤسسة الرسمية التي لم تتبنى أفكاره في الاقتصاد والسياسة والاجتماع ، وغيرها.

ضف أنه أصبح من الموضة أن تتحدث عن بن نبي. كأن يأتي سياسي ويفتخر بكونه درس عند بن نبي، ويكفي أني في كتاب لبن نبي، لم أتطرق عمدا إلى مقدمة السياسي الجزائري حول الكتاب، رغم أني قدمت مقدمة المقدمة، حول مقدمة ابنته للكتاب. والسبب في ذلك أن هذا السياسي الجزائري، أراد أن يستغل بن نبي للترويج لاسمه وسياسته. كل يريد أن يستحوذ على مالك بن نبي. بينما مالك بن نبي فاعلية. فحيث تجد الفاعلية، فذاك بن نبي.

إذن تلامذته لم يعطوه حقه من الفاعلية. وكذلك الدولة لم تجسّد أفكاره، عبر مشاريع اقتصادية وثقافية واجتماعية وغيرها.

السؤال الثاني عشر: كيف لمجتمعاتنا أن تستفيد من مالك بن نبي؟

بن نبي يعاتب الذين يتعاملون مع الحضارة على أنها مادة، فيقول بأن الحضارة هي التي تنتج منتجاتها، أي نتعامل مع المنتوج على أنه وسيلة وليس حضارة.

لابد من تقديم الواجب على الحق.

الثقافة ليست طابعا مدرسيا، لابد من نزع الطابع المدرسي من الثقافة لأن الثقافة حياة، هواء، نعيشها في مأكلنا في مشربنا في ملبسنا.

كيفية التعامل مع الغرب، الغرب لايمكن أن تتعامل معه إلا بعقلية ديكارتية، حسب مصطلح بن نبي.

التعامل مع الحضارة على أنها حياة، من بطن أمه إلى الممات، فالحضارة ليست زينة، ليست ترف.

لابد أن نتعلم كيف نستفيد من الذي يذمنا، والذي يمدحنا.

الصراع الفكري أدواته خفية، لابد أن نحسن فهم أدواته، وحسن تسييرها لصالح الأمة ونسيطر عليها، والأمة الآن ضحية الصراع الفكري المدار من طرف الغرب.

لابد أن تختار مرآة لنفسك، لأن الذي يتحكم في المرآة، كما يقول في كتابه "الصراع الفكري"، يوجهك الوجهك التي يريد.

ودراسة التاريخ والتراث، بعيوبه ومساوئه وحسناته ونقده.

دعني أشكرك، وأشكر الجزائر التي خرج منها مفكرون كبار، كمالك بن نبي، وشكرا لك لما قدمته من حركة وقول نهضوي لصالح الامة. شكرا لحضورك وهذه الدرر التي تفضلت بها علينا.

أرجو أني انصفت الرجل، وقدمت معلومات جديدة، وأعتذر إذا أخطأت في حق الرجل.

 

...............

طلب مني الأستاذ العراقي مصطفى العمري ، أن يجري معي حوارا عبر فضائية "الماس"،

https://www.youtube.com/watch?v=vyuSuoh558Q،

التي تبث بالولايات المتحدة الأمريكية، فوافقت دون تردد، وإختار موضوع مالك بن نبي، عبر حصة "قراءات معاصرة 10". وأشهد أنه لم يتصرف في الحوار، وكان أمينا صادقا، فشكرا جزيلا لما قام به.

معمر حبار

khoulod alhsnawi- اقــرب القصائـــد الى روحــي قصيـــدة (ترنيمة الروح).

- العـــــراق الجريــــح ننزفــــه وينزفنـــــا.

كم هو رائع ان تقرأ قصيدة او تستمتع بمعانيها .. فلابد لنا من ان نجمع من شتات حياتنا بودقة نحتفظ بها بكل ما تهوى النفس، لنتخلص بعض الشيء من أعباء الحياة ومشاغلها .. لكن ليس كل من تحمل المسؤولية قادر على ذلك الاّ ما ندر .. وها نحن مع شخص قد نسج من خيوط الحزن السوداء ترنيمة امل للأجيال القادمة، وأحبَ الصوفية وتأثـــر بهم، إضافة الى انه قاضٍ وجدناه اديباً يتذوق الشعر ويسبر غماره .. فبالرغم من مشاغله ومسؤولياته المتعددة إلاّ ان النائب القاضي قاسم العبودي وبين الحين والاخر يسجل ولادة قصيدة جديدة تلتحق بركب قصائده التي سبقتها، إضافة الى انه كاتبٌ من الطراز الممتاز، وقد صدرت له عدة مؤلفات منها (الثابت والمتحول) و(النظم الانتخابية وتأثيرها في النظام السياسي) الذي ذاع صيته لأهميته الكبيرة ونحن حديثي العهد بالممارسة الديمقراطية ..

ولكي نتعرف اكثر على هذا الجانب، اي الجانب الادبي في حياته اجرينا معه هذا الحوار ..

724-koulod 

كيف تقيمون الواقع الابداعي بكافة اشكاله الادبية والفنية والثقافية في هذه المرحلة القلقة والحرجة؟

- في البداية لابد من الاشارة الى مسألة مهمة وهي ان هذا الواقع في الوقت الحاضر او على الاصح بعد سقوط النظام السابق شهد انتقالة جذرية تامة بعد ان ان كانت هذه المجالات متخندقة طوعا اوجبرا في خندق قائد الضرورة وحزبه الواحد ..

الحالة الصحية موجودة وايضاً الحالة المرضية موجودة

فهناك من يسيء للادب وللثقافة وللفن وهناك الكم الكبير الذي يعمل جاهدا لترميم هذا الواقع المهم جداً

كوننا تعرفنا على حضارات عمرها الاف السنين من خلال المبدع وليس سواه ولكن الظاهرة الصحية هي التي تتسيد المشهد في هذه المرحلة والشواهد كثيرة من خلال استقلالية ومهنية الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق ونقابة الصحفيين ونقابة الفنانين -- وعدد اخر من المؤسسات الغير حكومية التي تدفع بالاتجاه الصحيح .

 

- متى تجد الفرصة في كتابة القصيدة والتأليف في مجال تخصصك القضائي؟

ـ القصيدة هي من تمنحني فرصة كتابتها سواء كنت في حالة حزن اوفرح العراق الجريح ننزفه وينزفنا، فلولاه ما كنا ولن نكون ولولانا لكان موطن غزاة اغراب، لذا لابد لنا ان نعبر عن ما يجول في خوالجنا وذواتنا عن هذا الوطن الغالي

اما القصيدة هي من تمنحني فرصة كتابتها سواء كنت في حالة

حزن اوفرح العراق الجريح ننزفه وينزفنا كي لا نجعلهم يعيشون ويحلمون باليأس، وهكذا هي القصيدة التي نحتاجها الان وفي هذه المرحلة تحديدا والنتيجة نشهدها اليوم على ارض الواقع، شباب بعمر الزهور يتسابقون مضحين بأنفسهم كي يبقى العراق وللأسف الشديد ليس هناك اسناد ادبي واعلامي كافي لكي يشد من عزيمتهم .

 

صدرت لك عدد من المؤلفات المهنية القانونية -- هل هناك نية اصدار مجموعة شعرية؟

- نعم هناك مجموعه شعرية مشتركة بيني وبين اخي الاكبر الشاعر والاعلامي محمد يوسف علي عنوانها (قصائد من رحم واحد) وفي الوقت الحاضر اخي وشريكي منشغل في الترتيبات من حيث التقديم والتخطيط وصورة الغلاف ومن يكتب المقدمة وعلى ما اعتقد ان الاديب الفريد سمعان امين عام اتحاد الادباء هو من سيكتب المقدمة

 

اقرب قصيدة للشاعر قاسم العبودي ولماذا؟

- (ترنيمة الروح ) هذه القصيدة هي الأقرب، وانا احب الصوفية واسمع الصوفية، فترات طويلة من القراءة والتأثير وتأثرت بهم، لا نتكلم بالجانب التقليدي الذي يقولوه البعض لكن الصوفية باطار عام بعيد عن التفاصيل والأشخاص هي عابرة للاديان والمذهبية هي ممثلة مجسدة بشكل حقيقي لمفهوم الإنسانية المفهوم الإنساني بذاته، ان تعرف نفسك تعرف الله، هذا يعني .. تعرف الخير، هذه مسألة مهمة جدا لذلك هؤلاء كان لهم فضل كبير في نقل الحضارة الإسلامية والفكر الإسلامي وبعد ذلك الادب والفكر العربي الى العالم، تُرجمت كتبهم الى عشرات بل مئات اللغات يعني عندما تقرأي للحلاج تجديه بكل اللغات لما تتكلم عن جلال الدين الرومي تقول ان كل العالم يقرأ الرومي والكل يعرفه .. والأستاذ نيكلسون قضى من عمره 36 سنة وهو يترجم بالمثنوي لجلال الرومي، ابن الفارض، غيره لذلك هذه القصيدة تجسيدا لهذا الجانب وبها انتقالات من التفعيلة للشعر العمودي لقصيدة النثر وكل الاشكال هذه موجودة فعــلا بهــذه القصيـدة ..

وهذه بعض ابيات من القصيدة ..

كفـــا ألماً تغـــض الــراح عنــي

فكـــأس الصبــر منكســـرا براحــي

اذا انا مانتشيـــت فلســت صاحـــي

هاقد صحوت فلا كأسٌ سُقيتُ به

من راحتيها ولا تختالك الخمرُ

ياهائما بهوى العشرين رق له

جار الغمامِ اذا ما زادك العمرُ

ساستفرغ الزمان

والمكان

وأعدو

لا أرى الجدران

فالله غادرها !

وحل

ترنيمة على شفتيك

وبين عينيك سؤال

 

خاص بالمثقف

 

حاورته خلــود الحسنـــاوي

.......................

النائب والاديب القاضي قاسم العبودي في سطور ..

القاضي قاسم حسن العبودي؛ قاضي، خبير قانوني، باحث في الفكر السياسي والقانوني.

عضو المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق.

تخرج من كلية القانون - جامعة بغداد، عام 1991/1992.

عمل في المحاماة منذ سنة التخرج

عين نائبا لمدير مركز العراق للأبحاث ومن ثم مديراً للمركز ورئيسا لتحرير مجلة معاً العلمية الصادرة عنه .

ثم تولى منصب قاضي ومدير الشؤون القانونية والاعلامية في مجلس القضاء الاعلى وناطقا باسم المجلس .

ورئيس لجنة المفصولين السياسيين في مجلس القضاء الاعلى.

وعضوا في لجنة شؤون القضاة ولجنة الاختبار والتقييم.

ورئيسا للجنة التحليل الخاصة بلجنة الاتصال والحوار الجماهيري والمرتبطة بلجنة صياغة الدستور.

عين مفوضا في مفوضية الانتخابات في 29/7/2007 ومن ثم رئيسا للادارة الانتخابية فيها.

عضو الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق.

عضو الاتحاد الصحفيين العرب.

عضو نقابة الصحفيين العرقيين.

عضو اتحاد الصحفيين الدولي.

له مجموعة من الكتب والبحوث والدراسات ومقالات منشورة في الصحف المحلية والدولية منها ..

ـ كتاب الثابت والمتحول في النظام الفيدرالي.

ـ بحث حول (المظهر الحسي للعبادة) .

ـ دراسة حول تغيير المناهج.

ـ قراءة في قانون الانتخابات رقم 96 لسنة 2004.

ـ الاطار القانوني للانتخاب وأثره على الارادة الشعبية.

وسلسلة مقالات حول الدستور العراقي الدائم .

ـ الجوانب المالية والاقتصادية في النظام الفيدرالي.

التعددية الحزبية في العراق.

ـ له مجموعة شعرية تحت الطبع، تم نشر جزء منها في الصحف العراقية.

ـ بحث حول ضمانات حرية التعبير في التشريعات العراقية.

salmajobran- أنا إنسانة أمارس صراع البقاء منذ ولادتي

- بدأت كتابة الشعر في جيل 12 عاماً، ولكني لم احتفظ بما كتبت، وفقط الآن أفهم حكمة القدر في جرياني الدائم وعدم احتفاظي بـ "تحف أثرية" لا مكان لها في آني

- الكتابة هي لسان الذات أو لغة النفس

- ليس بمقدوري تقييم أية حركة ثقافية، ولكنني مدينة لكل من وما ساعدني على الحفاظ على جذوري والبقاء على قيد الوعي وعلى قيد الحرية وعلى قيد الحياة

- الحب هو حالة للمشاعر لا تعرف العدم، وفيها ينمو الأطيب في الذات والأطيب في الآخر

 

سلمى جبران شاعرة فلسطينية تقيم وتعيش في عروس الكرمل حيفا، أكدت حضورها في ساحتنا الثقافية والأدبية بجدارة وتميُّز، من خلال قصائدها التي نشرت لها في صحفنا ومجلاتنا الأدبية، وفي مجموعتها الشعرية الأولى " لاجئة في وطن الحداد " التي صدرت لها قبل فترة وجيزة، وجاءت في أربعة كتب، وهي :" دائرة الفقدان، الحلم خارج الدائرة، متاهة الحب، حوار مع الذات" . لا تبحث عن الشهرة، ولا تلهث وراء النقاد، إنها تكتب لتعبر عن خلجات قلبها ونبضها وجرحها ووجعها الداخلي، وتعنى بإنضاج الفكرة، وتجمع بين حروف كلماتها قطوفاً من الرومانسية والرقّة والحلم والدفء الإنساني والمشاعر الصادقة، ونلمس في نصوصها الخيال الخصب الواسع المتجسد في الدلالات والإشارات والمعاني العميقة. ولتسليط الضوء على تجربتها الشعرية كان لي معها هذا الحوار :

 

- من هي سلمى جبران؟

- السؤال عام جدًّا، ولكنّي أقول: أنا إنسانة أمارس صراع البقاء منذ ولادتي وأصبح ذلك جزءًا من مبناي الدّاخلي الذاتي نفسيًّا وشعوريًّا وفكريًّا، وأرى أنّ هذه الحالة تنعكس عليّ حتى جسديًّا. نجحت في كل مراحل حياتي أن أتصاحب مع الألم والحزن ومع كلّ صعوبات الحياة التي واجهتها والتي أحيانًا اخترتها وأحيانًا أخرى اختارتني. كَوني أُمًّا عصف بحياتي عصفًا غير اعتيادي بسبب ظروف استثنائيّة عشتها ولا أريد أن أكتب عنها، أو أن أُحلِّلَها لأنّني أرى أنني إن فعلتُ ذلك فأنا أستحضرُها ولستُ أُجيد استحضار الأرواح!

أُحبُّ في نفسي بساطتي التي مكّنتني في غالب الأحيان أن أرى الأمور على بساطتها وبدائيّتها ممّا جعلني أصل إلى عمقها وأبقى هناك طويلًا حتّى أتعب أو حتّى أصل إلى سراب! أقدِّس الإنسان روحًا ونفسًا ويطول تأمُّلي في سبُل ممارسته الحياة حتّى أملّ!

بالنسبة لتحصيلي الدّراسي والمهني فهو يشبهني تمامًا: طمحت بالوصول إلى لقب ومهنة ثمّ لقب ثانٍ ومهنة أخرى وعندما وصلت شعرت أنّني أعود إلى نفسي وقرّرتُ أن "أربح نفسي ... دون أن أربح العالم"!

 

- حدثينا عن بداياتك الشعرية، وما هي المؤثرات في تكوين تجربتك الإبداعية؟

- بدأت كتابة الشِّعر في جيل 12 عامًا ولكنّني لم أحتفظ بما كتبت، وفقط الآن أفهم حكمة القدر في جرياني الدّائم وعدم احتفاظي بـ "تحف أثريّة" لا مكان لها في آني. تربّيت على أصوات الزّجل والمناجزات الشّعريّة والتغنّي بالمتنبي وأبو فراس الحمداني والجواهري وسليمان العيسى وأبو سلمى. وأكثر من أثّر بي وجعلني أحلّق في أجواء سماواته هو جبران خليل جبران حيث انتشيتُ هناك بالحب والرّوحانيات والآلام المقدّسة. بعد هذه المرحلة لم أكتب شعرًا لفترة غير قليلة ولكنني عشت شعرًا كتبه لي الحب المعمّد بالألم وهذا الشِّعر الذي سكن كل خلاياي كنتُ أسمعه في داخلي وكَتبتُ بعضًا منه في المرحلة التّالية.

 

- الكتابة ماذا تعني لك، وهل لك أي طقوس خاصة؟

- الكتابة هي لسان الذّات أو لغة النفس. الكتابة في كل مراحل حياتي هي علامة وجودي وتواصلي مع نفسي ومع واقع حياتي. لكل حالة كتابة طقوسها الخاصّة وكل الطقوس تنبع من حالة هدوء وتوحُّد تتجلّى في حوار مع الذّات يهدف إلى حوار مع الوجود ومع الدُّنيا.

 

- لمن تقرأ سلمى جبران، وماذا تقرأ، ومن يعجبك من الشعراء العرب المعاصرين؟

- حاليًّا أقرأ روايات تكشف عن أعماق ذاتية إنسانية مثل: "العطر" لزوسكيند– "ذاكرة غانياتي الحزينات" لجابريئيل ماركيز – "الغريبة" لمليكة أوفقير – "صمت الفراشات" لليلى عثمان – "إنانة والنّهر" لحليم بركات– "سيّدة المقام" و"طوق الياسمين" لواسيني الأعرج وطبعًا "باب الشمس" لإلياس خوري، قرأتها مرّتين على الأقلّ، والكثير من الرّوايات الأخرى التي تكشف خبايا النفس البشريّة. أقرأ أيضًا الأدبيات المهنية العلاجيّة، مثلًا إرفين يالوم، فرجينيا ساتير ووين داير.

وعن الشعراء العرب المعاصرين، فأنا عشت شعر محمود درويش وأعتبره السّماء التي تغطي الشّعر العربي الحديث وتنقله إلى كونيّة خاصّة متكاملة خالدة لا تعترف بالعدَم. وكذلك يعجبني شعر راشد حسين وحنا إبراهيم وسميح صبّاغ وحسين مهنّا وتوفيق زياد وسالم جبران. ولكنّني شربت قبلهم من نبع جبران ونزار قبّاني وعبد الكريم الكرمي وسليمان العيسى ومعروف الرصافي وإيليا أبو ماضي والجواهري وغيرهم.

 

- الحركة الثقافية في الداخل الفلسطيني كيف تقيمينها، وهل هي قادرة على استيعاب كل التجارب الإبداعية؟

- بما أنّني أومن بالفردية وخصوصيّات الفرد، فأنا أُتابع أفرادًا أثروا بي وبالآخرين وأثاروا حب استطلاعنا لاكتشاف قدراتنا الذّاتية وقدرات الآخرين وسكبوا نورًا على مواطن الجمال والحرية في العالم. لذلك ليس بمقدوري تقييم أية حركة ثقافية ولكنني مدينة لكلّ من وما ساعدني على الحفاظ على جذوري والبقاء على قيد الوعي وعلى قيد الحريّة وعلى قيد الحياة. التجارب الإبداعيّة لا تأذن أحدًا بالدخول إلى الوعي الثقافي العام وهي "تملك نفسها ولا تريد أن أحد يملكها" مثل المحبة الجبرانيّة، ولذلك فالقدرة على استيعابها، في أي مكان أو زمان، هي قدرة لانهائيّة.

 

- حركة النقد في بلادنا، ما رأيك فيها؟ وهل للعلاقات الشخصية أثر في الكتابة النقدية؟

- لم أقصد أن أقرأ نقدًا أو أن أتابع "الحركة النّقديّة" ولكن من خلال اطلاعي على مجموعة كبيرة من المقالات النّقديّة أدركت خصوصيّة النّقد في بلادنا وخضوعه إلى عدّة معايير أحدها "القرب من الصّحْن". ولكن طبعا هناك من النقاد المحليين، أمثال شاكر فريد حسن، مَن أعطى حقًّا وأوجد مساحةً ل"البعيدين عن الصّحْن". لم أقرأ أدبيات نقد أكاديميّة وأنا على ثقة أنّ هناك نقدًا ذا مصداقية في هذه الأدبيّات، رغم أنّ العلاقات الشخصيّة في مجتمعنا تطوّرت و"تعصرنت" من علاقات قبليّة حمائليّة إلى علاقات حزبيّة عقائديّة أعجز عن تحليلها وأظن أنّها تؤثِّر بشكل أو بآخر على الكتابة النّقديّة.

 

- هل لدينا شعر مقاومة فلسطيني اليوم، أم أنه انحسر وتلاشى؟

- أعتقد أن من أبرز قصائد المقاومة كانت قصيدة: "سجِّل أنا عربي" وأذكر أنها كانت في حينه إثبات وجود وحق، ولكن تنكُّر محمود درويش التام لها كان صارخًا و"لاعب النّرد" تجاوزتها بقرون وأبعدتها. أي حقّ أرجعه شعر المقاومة؟!! الشعر تعبير عن المشاعر وعما يدور في كياننا ووجودنا- ولذلك مجرّد التعبير هو مقاومة للعدم وللموت. محمود درويش قاوم العبودية الذاتية وحرر نفسه وارتفع إلى الكونية الإنسانية مهملًا كل قيد نضعه حول أنفسنا أو يضعه حولنا المضطهِد. بعضهم امتلك "لقب" المقاومة مقترضًا إياه من المضطهِد نفسِه ومدينًا له به ... وسألتني سابقًا عن ظاهرة "صناعة النجوم الأدبية"؟!! وأجيب: هل كان "شعر المقاومة" ظاهرة أم حالة منشودة أم موجودة!!؟

 

- ما هي الموضوعات التي تطرقت إليها في مجاميعك الشعرية؟

- الحزن- الفقدان- الحب – القبليّة – التقاليد الاجتماعيّة والعائليّة – العقليّة الأبويّة الذّكوريّة – الأمومة – التعامل مع الظلم والاضطهاد – التناقضات في التعامل مع المرأة – ظواهر النرجسيّة الذكوريّة ضد المرأة – الوحدة – الغربة – المحبّة – التمرُّد – الحلم – الصدق مع الذّات ومع الآخر – الوعي – اللاوعي – الروح – الحرّية – المعاناة – الحنين- الموت – الصمت – الحوار مع الذّات – الجنون – اللغة والحروف – الضعف – البدائيّة - الوطن كحلم ذاتي.

 

- ماذا يعني لك الحب، الوطن، الغربة، وكيف تتجلى هذه المفردات في قصائدك؟

- الحب هو حالة للمشاعر لا تعرف العدم، وفيها ينمو الأطيَب في الذّات والأطيَب في الآخر.

الوطن هو الوجود الآمن للنفس في المكان والزمان المتاحين وفي المساحة الذّاتية الخاصّة. والغربة هي الوجود في مكان وزمن غير آمنين وعيش صراع البقاء بشكل دائم. فالغربة والوطن بالنسبة لي حالتان متزامنتان وغير متناقضتين في البعد الذّاتي الفردي. أما الوطن بالمفهوم السياسي القومي الاجتماعي فهو مفردة جنّنتني على مدى عقود ولم أفهم منها غير لغتي التي أعشقها.

تتجلّى هذه المفردات في القصائد التالية:

متزامنتان وغير متناقضتين في البعد الذّاتي الفردي. أما الوطن بالمفهوم السياسي القومي الاجتماعي فهو مفردة جنّنتني على مدى عقود ولم أفهم منها غير لغتي التي أعشقها.

تتجلّى هذه المفردات في القصائد التالية:

 

- وطني يسكنني

 

وطني يسكُنُني ويهاجِرُ بي

يودِعُني سِرًّا

أرَّقَ مضجَعَهُ

لا يفقهُ إن كانَ

بكاءًا أم شدوًا

أو كانَ نعيمًا أم نارًا واقِعُهُ

يتوطَّأُ أرضًا،

يعتنقُ الحُلْمَ فيصحو

لا يجِدُ مكانًا في دنيا

باتت تتزاحمُ فيها أضدادٌ

ما فيها أحدٌ مَعَهُ

فارتادَ بقاعَ الدُّنيا

ينشُدُ وطنًا

في الرّيحِ مواقِعُهُ

وتهاوى الحُلْمُ،

تحوَّلَ وطني روحًا

في كلِّ حواسي مَوْقِعُهُ !

(جديدة وأُلقيت في حفل توقيع رباعية "لاجئة في وطن الحداد" (التي صدرت في شهر 12- 2014) في النادي الثقافي الأرثوذكسي في حيفا. وهذه قصيدة من ديوان لم يرَ النّور بعد)ونشرت في منتدى الدكتور محمد البوجي. للأدب والنقد والفكر.

 

- الحـبُّ يموتُ ليحيا

 

الموتُ يحدِّقُ في عينَـيَّ

وينساني

يتركُني أحيا بينَ

أزقَّـةِ دربي، يرعاني

ويناجي فيَّ هوايَ

ويُطْلِقُـني، فـأُعاني

وأَحـنُّ إلى قيدٍ حرَّرَني

من عِـبءٍ أضْـناني

فأروحُ أُفتِّشُ في

مـاضيَّ وفي أحزاني

عن لـحظةِ حـبٍّ

كَفَرَتْ بقيودِ زماني

وأتاحتْ لي أن أحيا

لحظةَ عشقٍ أحمرَ قاني

أن أنسى فيها

كلَّ عذابٍ يتحدَّاني

أَنْ أَنسى نفسي فيها

فيذوبُ كياني

تتحـلَّلُ فيها كلُّ حياتي

فتصيرُ دقائقَ وثواني

أحياها بينَ الكأْسِ

وبينَ الأُخرى

فتزيدُ حرارةَ شِرياني

يتوطَّنُ في بدَني خمرٌ

قد أَحرَقَ فيَّ جنوني،..صحَّـاني

لم يسرقْ من عمري

لحظةَ غفوٍ بل أرَّقَ أجفاني

لـكنِّي لم أُدرِكْ عتمةَ دربي،

لم أُدرِكْ سرَّ مكاني

وقطعتُ الدَّرْبَ أُفتِّشُ فيهِ

عن كلِّ فصولِ الأرضِ

لألقى نَـيْسـاني

لم ينبضْ فيَّ فؤادٌ

لم تولدْ بسمةُ حبِّي

في أيِّ ربيعٍ ثاني

أدركْتُ بأنَّ الحبَّ

يموتُ ليحيا

ويبدِّلُ قيدي بقيودٍ أَرقى

ويحدِّدُ عنواني...

 

- حُبُّكَ صارَ جَوْهَرْ

لم يكن حُبُّكَ يا روحي

بريقاً عابرًا

يزهو ويظهَرْ

لا ولا كان حِليًّا،

لؤلؤًا أو حجرًا أخضرْ

لم يكن عقدًا يحيط

عنقي، لم يكن جوهرةً

لم يكن خاتمَ مَرْمرْ

لم يكن لونًا يُحيلُ لونَ

وجنتيْ أحمرَ أحمرْ!

لا ولا كان كلامًا

ولقاءً ووعودًا... كانَ أكبرْ !...

كلُّ ما فيهِ حياةٌ

وأحاسيسُ فؤادٍ

واعِدٍ يزهرُ .. يكبُرْ ..

بل كانَ شمعةً تُضيئُني

أُضيئُها فتبقى شُعلةً

فلا تذوبُ، لا تُصْهَرْ

لكنَّ شمعَها أَحالَهُ

الحُبُّ رُخامًا لَيِّنًا

لا يتكـسَّرْ

فصارَ قلبُنا وصارَ حُبُّنا

أُحجِيَةً يصعُبُ أن تُفسَّـرْ

لم يعد فيها بريقٌ أو

عطورٌ أو قشورٌ

صارَ جَوْهَرْ ! ...

 

- أسـرارُ المحبَّــة

تزهو وتشرقُ في دمي

أسرارُها ويعيدُني

تعريفُها للبدءِ

يغمرُني بنورِ حقيقةٍ

ترقى وتكبرُ بينَ أعطافي

فيصغُرُ أن ينافِسَها خيالُ

في عالمي تخبو تعاريفُ المحبَّةِ،

جُلُّها فكرٌ وآراءٌ وإحساسٌ وأقوالُ ..

وأخوضُ فيها رحلتي بحثًا

عنِ القيَمِ الجميلَةِ

كلِّها، فيصُدُّها في خاطري

شكٌّ وتهجُرُها خِصالُ

هل تنتهي فينا المحبَّةُ

حينَ تحجبُها شروطٌ

أو يُحاوِرُها كمالُ؟

 

- غـريبــة

غريبةٌ أنا وحيدةٌ

أحسُّ متعتي بغربتي

تخطفُني الحروفُ، تستغِلُّ

أحزاني ويُتْمَ وحدتي

تأخُذُني إلى برّيّةٍ بريئةٍ

يظلُّ فيها النّورُ ساطعًا

وهازِئًا بأحزاني وظُلْمَتي ..

تستيقِظُ الأَحلامُ في زوايا

قلبِيَ المهجورِ ترتقي

وتستَثيرُ بي محبَّتي

تختلطُ الرُّؤى بعالمي

أحسُّها تغيَّرَتْ تبدَّلَتْ

هل تستَفِزُّ بي موتي

بنورِها أمْ أَنَّهُ يشِعُّ

شاهِدًا ولادتي!

 

 

- ما هي القصيدة التي تعتزين فيها وتودين تقديمها للقراء؟

- أنا أحب كل قصيدة كتبتها، ولكن توجد عندي قصائد تشبهني كثيرًا وتعبّر عنّي وأحبُّها بشكل خاص. من هذه القصائد: "وطني يسكنني" (من ديوان لم يرَ النّور بعد)– "صورة البنت الخجولة" –"قالت ليَ الآهات" – "آتي لخابيتي" وغيرها.

ولكنني أختار قصيدة:

 

إغـــــلاق دائـــــــــــــــرة

 

صلَّيْتُ وجُلْتُ وحُمْتُ

ودارتْ روحي

في كلِّ فضاءاتِ الكَونْ

وحملتُ جروحي

كي تأكُلَ في نفسي

كلَّ طحالبِ ماضيَّ الغائبِ

كي تجلوَ عنّي عِللًا

تُمْعِنُ في زَرْعي في

ذاتِ البَيْنِ لكي أحيا البَيْنْ

حلَّقْتُ وغاصتْ نفسي في نفسي

فتبيَّنَ في عُمقي خدْشٌ

يتعافى منْ وطَنٍ يتأرْجَحُ

فوقَ عروشٍ تتعَفَّنُ

يتعافى من عُقْمِ نفوسٍ

قَلَبَتْ قِيَمًا وتمادتْ

تنشُرُها وتبثُّ الهَوْنْ

لكنّي أزمعْتُ بأن تترجَّلَ روحي

كي تكشِفَ في مَيدانِ الدُّنيا

عن أصلِ الَّلوْنْ!!

(من ديوان لم يرَ النّور بعد)

 

- هل لديك مشروع ثقافي مُعيَّن تسعين لتحقيقه؟ ما هو؟

- لا أعرف بالضبط ماذا يعني مشروع ثقافي. لدي مشروع ثقافي علاجي ولم ينفَّذ بعد، ولكنه في البال دائمًا وهو عبارة عن منتدى لقاءات شهريّة لمجموعة صغيرة، وفي اللقاءات ندخل الموسيقى والقراءة والفكر والهواجس الذّاتية لنجد مفهومًا جديدًا لحياة كلٍّ منّا. أما عن المجموعات الشّعرية فإنني قررت بعد رباعية "لاجئة في وطن الحداد" أن أنشر ما كتبت بعدها وما سأكتب.

 

- كيف ترين دور المثقف في أيامنا هذه؟ هل تغير هذا الدور؟ وكيف ترين علاقة المثقف بالسلطة؟

- مفهوم المثقف مفهوم عام وضبابي إلى حدٍّ بعيد. ولكن سلامة موسى وصف المثقف بالعارف والملمّ، و"المعرفة قوة" حسب الفيلسوف فرنسيس بيكون (عام 1620). لذلك دور المثقف كان كبيرًا ومؤثِّرًا في السابق دون ربط الثقافة بالألقاب الأكاديميّة. مفهوم المعرفة اليوم تغيَّر إلى حدٍّ كبير. إذا كان المثقف مبدعًا، فإنني أرى أن للمبدع دورًا وجوديًّا كبيرًا حيثُ لا يبقى من الإنسان بعد فنائه الجسدي إلا ما أبدع. والإبداع هو تعبير عن شعور وحالة ذاتية خاصّة وفريدة من نوعها أو إلقاء ضوء على تجربة ذاتية، ولذلك يسمّى إبداعًا لأنه إنتاج جديد وممكن أن يكون فنيًّا أو أدبيًّا أو فكريًّا. وبناءً على ذلك للمبدع دور وإسهام في بناء التراث الإنساني. لا أظن أن الإبداع والسّلطة يتفقان لأن المبدع، بالتعريف، حُرّ.

 

- مفهومك للحرية، وهل المرأة الفلسطينية نجحت في انتزاعها؟

- الحرّيّة بمفهومها العام هي مساحة ذاتيّة فرديّة تضمن البقاء والنّمو وهي حق مطلق للفرد. إذا أدرك الفرد ما لا حقَّ له به فعندها حقّه وحرّيته يتكاملان. لا أظن أن المرأة الفلسطينية أو العربيّة بشكل عام تمارس حريتها بشكل طبيعي. تقاليدنا وعاداتنا وحضارتنا مليئة بالتناقضات فيما يتعلق بالمرأة. ولذلك انتزاع الحرّية لا يمكن أن يكون سهلًا أو ثوريًّا ولكنه سيرورة فردية واجتماعيّة حتميّة.

 

- ما رأيك بالتجارب الشعرية الشبابية، وفي ظاهرة "صناعة النجوم الأدبية"؟

- لست ملمّة بكل ولا بمعظم هذه التجارب، ولكن القليل الذي أعرفه منها أرى أن وجوده مبارك وإيجابي. أما عن ظاهرة "صناعة النجوم الأدبية" كما أسميتَها فإنّ منطق القلب والعقل يجهضها مع الزّمن.

 

- ماذا مع مشاريعك الأدبية المستقبلية؟

- أقرأ وأقرأ وأشعر دائمًا بالتقصير في هذا المجال وأكتب ما أشعر وما أحس أنه يكتبني. لا أفصل بين القراءة والكتابة والحياة. لذلك أي انجاز أو إصدار شعري لي لا أخطط له إنّما يولد خلال عمليّة التجدّد الدّائم الذي أعيشه. عندي مجموعة شعريّة جاهزة أفكر بنشرها بعد سنتين.

 

أجرى الحوار: شاكر فريد حسن