aesha momad- "إيفا" عاشت 6 سنوات بمصر مندوبة بجامعة الأزهر

- ناضلت طول حياتها كي تقدم للعالم الوجه الآخر للإسلام

- أحببت موهبتها وهدوءها وصبرها القرآني

"عايشة" هي الصديقة المقربة لـ إيفا دوفيتري ميروفيتش، عاشقة مولانا جلال الدين الرومي، ومن ثم عاشت تفاصيل حياتها اليومية حيث كانت تستضيفها لشهور متعددة، وترافقها من أجل إلقاء محاضراتها.

شهادة “عايشة” تعطي تفاصيل عن النضال الذي كانت تقوده إيفا من أجل التعريف بالوجه الآخر للإسلام.

ولدت “عايشة” في مستغانم بالجزائر، من أبوين فرنسيين كاثوليكيين.. درست بمدرسة الفنون الجميلة والتحقت بفرنسا بعد استقلال الجزائر، وكان ذلك في سنوات السبعينات. اقتربت أكثر فأكثر من الروحانية الإسلامية بفضل الاشتراك في مجموعة من اللقاءات حول الأديان. وخلال هذه الفترة كان لقاؤها بإيفا دوفيتري ميروفيتش.

 

حدثينا عن لقائك بإيفا

- كان ذلك بـ Fourmies بشمال فرنسا، حيث تم استدعاؤها لإلقاء محاضرة حول شعائر الإسلام. كانت إيفا سيدة عادية لا تحمل أية علامة خارجية مميزة، ما عدا حملها لمصحف صغير على شكل قلادة.

في البداية كنت أتساءل حول طريقة فهم الإسلام من طرف فرنسية كإيفا، لكن في الواقع كان عرضها مذهلا لا سيما عندما بدأت في سرد حكاية سفرها إلى مكة لأداء مناسك الحج. تخيلت نفسي هناك وتذكرت روايات جدي، عالم الآثار، حول الحجر الأسود، فقلت في نفسي: إذا كانت إيفا قد زارت ذلك المكان، فسأزوره أنا كذلك.

 

ماذا قدمتما لبعضكما البعض؟

- لقد قدمت لي وسائل الولوج إلى مصادر التصوف التي كانت مجهولة لدي. مكنتني من التعرف على أشعار فريد الدين العطار، الذي أعطى الرومي ـ وقد كان آنذاك طفلا ـ كتابه “أسرار نامه”. وقد قال الرومي عنه فيما بعد: “لقد جاب العطار مدن الحب السبع، وأنا لا زلت في منعطف زقاق واحد”. بفضلها قابلت شخصيات بارزة كابن العلامة محمد إقبال، أمادو أمباتي با، نجم الدين باماط الذي عمل كثيرا مع إيفا، وعبد السلام، صاحب جائزة نوبل للفيزياء، والذي أعطاني أول درس في “فن الخط” حول مائدة بأحد المطاعم.

من جانبي كنت أساعدها على اكتشاف عالم الفنون التشكيلية، وخاصة الرسم، ومن خلال إقامتها معي داخل أسرتي استعادت حميمية الحياة العائلية.

 

ما العلاقة التي كانت تربط إيفا بالرومي؟

- كان الرومي الشخصية المحورية بحياتها، كأنه أخذ بيدها ليجعلها تكتشف الإسلام، ذلك الإسلام الذي كان يبدو صعب البلوغ. كل شيء كان يعيدها إلى الرومي، أكان ذلك تحضيرا لسفر، لمحاضرة أو لقاء إذاعي، حتى أعمال الحياكة والطبخ كان يتخللهما حوارات شيقة بشأنه.

 

ما هي الجوانب التي أذهلتك في شخصية ايفا؟

- قبل كل شيء كان لديها تعطش قوي للحب، والمعرفة لم يكن ليتوقف إلا بالتعمق في دراسة التقليد الإسلامي. أحببت طريقة عيشها للإسلام في توافق وحرية مع احترامها اللامحدود لواجباته وقيمه. أحببت قدرتها على الإذهال وتلك الموهبة التي كانت لديها للتواصل عبر الكلام أو الكتابة. أعجبت بهدوئها الذي كان سائدا على كل شيء. صبر قرآني كان يسكنها: “إن الله مع الصابرين”. كانت تجمع بين الدبلوماسية وبين حزم لا يتزعزع، كانت تذهب في كل قراراتها إلى النهاية، لكنها كانت تقول: “لا يجب أن نحل في أي مكان عبر أسلوب الاعتراض”.

 

ماذا تعرفين عن تجاربها؟

- امتدادًا للدور الذي كانت تؤديه في التعريف بأعمال الرومي، أصبحت تركيا موطنها الثاني، وقد منحتها السلطات آنذاك المواطنة الشرفية. انبهرت كذلك بثقافة إيران ومساجدها، وبتلك الثقافة والفن الراقيين اللتين تستمدان جذورهما من “ليالي الأزل”، التقت هنالك بالرئيس السابق لجامعة تبريز “دجامشيد مورتزافي” والذي ألف عدة كتب في التصوف. عبر هذا اللقاء، نشأت بينهما علاقة وطيدة تكللت بترجمة أعمال الرومي، وأعمال أخرى عديدة من الفارسية إلى الفرنسية، ونشرها بفرنسا وبعض الدول الفرنكوفونية. زارت إيفا باكستان أيضا حيث قابلت ابن العلامة محمد إقبال، وسافرت إلى المغرب للقاء فوزي الصقلي صاحب كتاب “المسيح في التقليد الصوفي” بالاشتراك معها، كما عاشت ست سنوات بمصر حيث كانت مندوبة لـ CNRS بجامعة الأزهر من أجل تدريس الفلسفة.

 

بغض النظر عن الكتابة، ماهي الأعمال التي قامت بها إيفا والتي تبدو لك أنها مميزة؟

لقد ناضلت طول حياتها من أجل أن تقدم للعالم الوجه الآخر للإسلام. كانت التبادلات مع ممثلي التقاليد المسيحية واليهودية والبوذية شديدة الأهمية في مسارها. ركزت كثيرا على الاختلافات القائمة بين العادات الناتجة عن ثقافات ما قبل الإسلام من جهة وبين الدين الإسلامي من جهة أخرى، التي تقر للمرأة بمساواة في الحقوق مع الأخذ بعين الاعتبار الفرق بين الجنسين. أرادت أن تبين أن الإسلام لم يكن أبدا مصدرا لاضطهاد المرأة، لكنه عكس ما يتصوره الكثيرون، تشريع للدفع بوضعيتها نحو الأمام.

 

ما هي الذكرى التي احتفظت بها لإيفا؟

- كانت سيدة مثقفة ومتميزة، تركت إرثا كبيرا يزيد على 15 مؤلفا و25 ترجمة رئيسية. لقد تركت لنا بالأخص شهادة امرأة محبة لإسلام غير متصلب، ومتحرر من كل الآراء المسبقة.

 

ترجمة: عائشة موماد

………..

حوار أجري مع Ayesha صديقة إيفا دوفيتري ميروفيتش من طرفEva Caron وMarie-Hélène Galindo بتاريخ 04/02/2002.

http://www.soufisme.org/site/spip.php?article23

 

abdah haqi- صحافي ومدير نشر جريدة "الأحداث المغربية" وموقع "أحداث.أنفو"

تقديم: الأستاذ مختارلغزيوي من جيل الصحافيين الشباب التسعينيين .. إحتضنته جريدة الأحداث المغربية منذ ولادتها أواخرالتسعينات واحتضنها هوأيضا بالقلب وبالعقل وبالقلم المقاوم منذ ذلك التاريخ إلى أن تقلد مؤخرا مسؤولية الإدارة بها . وكما يعلم كل متتبعي الحقل الصحافي الورقي المغربي أن جريدة "الأحداث المغربية" كانت أول جريدة يومية مستقلة وقد إستطاعت بجرأتها النادرة أن تفجرالعديد من الأسئلة الشائكة حول بعض الطابوهات التي ظلت جل الجرائد التقليدية تخشى إثارتها بكل شجاعة مما جعل "الأحداث المغربية " جريدة تسبق زمنها بكثيرمن السنين .

في هذا الحوارمع مديرها الجديد الأستاذ مختارلغزيوي نكتشف رؤية جديدة ودينامية متحمسة لمواصلة التألق ومواكبة تطورالعصرالرقمي.

ـ الدراسات الجادة التي أجريت في المجال تؤشر إلى أن الورقي يخوض معركة شبه محسومة مع الرقمي لاعتبارات لوجيستيكية .

ـ ومن يريد الاغتناء المشروع عليه أن يقصد مجالا آخر غير الصحافة

- قارئ 1998 انقرض وأن حديث القلب إليه قد استوفى كل أغراضه لكنه لم ينته

ـ نحن نميز بين الإسلام العظيم، وبين من يوظفون الإسلام لأغراض سياسوية صغيرة.

ـ سنبقى شوكة في حلوقكم، تأكدوا من هذا الأمر جيدا

 

س: شكرا لكم على تلبية دعوتنا لإجراء هذا الحوارالهام الذي يأتي بعد شهورإ قليلة على تحملكم مسؤولية إدارة جريدة "الأحداث المغربية" اليومية وبداية لننطلق من آخرمقال نشرتموه في عمودكم اليومي حول الموقع الإلكتروني الجديد "الأحداث آنفو" وقد تبين من خلال المقال نوع من المهادنة والذهاب بالرأي أبعد إلى القبول بواقع الصحافة الإلكترونية عكس العديد من مواقفكم وتصريحاتكم السابقة خصوصا في إحدى مشاركاتكم في حلقة "ملف للنقاش" الذي تبثه قناة ميدي1 تيفي ، هل حان الوقت للقبول والإقراربوجود الغريم الحاسوبي؟

ج: الشكر لكم أولا على الدعوة الكريمة، للإجابة عن سؤالكم أٍقول إن الإقرار بوجود من أسميتموه الغريم الحاسوبي هو أمر يتجاوزني بكثير لأنه واقع لا يرتفع، بل هو اليوم المستقبل الأكيد والمضمون للصحافة إذ الورقي سائرإلى زوال، والوسيط الرقمي سيتولى المجال في نقل الأخبار والآراء لفترة من الزمن قبل أن تخترع البشرية وسيطا آخر يفوقه أداء. لكن الإقرار لايعني المهادنة مع النماذج المتواضعة من هاته الصحافة التي تسمي نفسها إلكترونية اليوم وتغتنم فرصة فراغ السوق لكي تقدم نفسها باعتبارها الأولى في المجال، مستغلة عديد العوامل، ومستغلة أساسا أن أساتذتنا ممن كانوا يشرفون على الصحف الورقية لم يفهموا أهمية الوسيط الرقمي، بل ربما استهتروا به قبل أن يجدوا أنفسهم متجاوزين من طرف الأحداث، ومضطرين للركوب متأخرين على الموجة. أتصور أن الفعل الأفضل اليوم هو تقديم بديل إلكتروني حقيقي عوض الاكتفاد بالانتقاد وضم اليدين. وأتصور أن الميدان مفتوح لكل المبادرات وعلى المرء أن يقدم فيه مايعرف فعله أو مايتصور أنه يعرف فعله

 

س: جميع الجرائد والصحف اليومية والأسبوعية المغربية أطلقت نسخها الإلكترونية مما سيخلق وضعا إعلاميا جديدا يفرض فيه النشرالإلكتروني نفسه كفاعل ضروري بموازاة مع صنوه الورقي ألايضايقكم وزملاؤكم بداية أفول رمزية وهيبة الصحافي الورقي التي تكرست منذ عقود ، ثم من جانب آخروكيف تنظرون إلى إغراق المشهد بالمئات من المواقع الإلكترونية وصعود جيل من الصحفيين الهواة أغلبهم من الشباب العاطلين عن العمل؟

ج: الإغراق في نهاية المطاف جيد، وبدونه لن نتمكن يوما من التمييز بين الطالح وبين الصالح. لابد من تحقيق تراكم كمي كبير ووسطه سنعثر على بعض الفلتات النوعية الجيدة. أيضا قضية أن يمارس الكل الصحافة أنا لست ضدها في الختام. جميل أن يتصور الكل بأن الصحافة مهنة سهلة وبدون قواعد ولا ضوابط وأن فعل الكتابة متاح للكل وأنه لافرق بين أحد وأحد إلا بالإقدام حد الصفاقة والوقاحة أحيانا على ميادين لابد من إتقان عديد الأمور قبل الخوض فيها. لماذا أقول جميل؟ لأنه من الصعب أن تقنع من يريد فعل ذلك بألا يفعله. لذلك أفضل أن أدعوه معي للنزول إلى الميدان، وأن يجرب معنى الكتابة يوميا ومعنى البحث عن الخبر يوميا ومعنى البحث عن الروبرتاج يوميا ومعنى مواجهة كل ماتفرضه الحرفة الحقيقية يوميا، وبعدها، وإذا مااستمر على نفس عناده وادعائه أنه هو الآخر قادر على أن يكون صحافيا فاعلم أنه صحافي بالفعل. إذا ألقى أسلحته في اليوم الثاني أو الثالث أو الشهر الثاني أو الثالث أو العام الثاني أو الثالث فاعلم أنه جرب معنى مهنة المتاعب وأعطاها "شبر ديال التيساع" بعد اقتناعه أنه لايصلح لها وهي لاتصلح له.

 

س: العديد من الصحف والأسبوعيات العالمية الشهيرة علقت نسخها الورقية وتسيرالتوقعات إلى نهاية النسخة الورقية مع حلول سنة ألفين وثلاثين 2030 كيف تتلقون مثل هذه الأخبارنفسيا ومعنويا إنطلاقا من علاقتكم الحميمية مع "الأحداث المغربية " الورقية والتي تمتد إلى مايناهزخمسة عشرسنة؟

ج: أتلقى كل أخبار ميداننا ونتلقاها هنا في "الأحداث المغربية" وفي موقع "أحداث.أنفو" بعين تتوقع كثيرا مما يحدث فيه. لا يخفى عليكم أن مهنيي الصحافة اليوم لاتفاجئهم هاته الأخبار ولا تعد صادمة بالنسبة لهم لأنهم توقعوها منذ سنوات، ولأن كل الدراسات الجادة التي أجريت في المجال تؤشر إلى أن الورقي يخوض معركة شبه محسومة مع الرقمي لاعتبارات لوجيستيكية مرتبط بتكاليف الطبع والنشر والتوزيع أولا وقبل كل شيء، ولاعلاقة لها بجودة مايقدمه الورقي مقارنة مع الرقمي. لذلك أتصور أنه من الجيد عوض مواجهة الموجة العاتية المقبلة أن يبحث الإنسان عن طريقة ذكية لتلافي إصابته بأكبر قدر من الأضرار حين لقائها، ثم التفكير في طريقة معينة لجعل تلك الموجة العاتية القادمة إليه طريقة لإيصال مايقدمه من منتوج إلى جمهور آخر بطريقة أخرى، وأتخيل أن المجال مفتوح وهو يصرخ ملء قوته "فليتنافس المتنافسون"

 

س: العشرات من الصحفيين المغاربة الشباب من جيل التسعينات من هاجروا السند الورقي وأسسوا لهم مواقع إلكترونية في نظركم (كيفاش، كود، فبرايركم، أكورا ، أخبركم ..إ) إلى ما تؤشرهذه الهجرة إلى السند الإلكترون؟

ج: تؤشر إلى ضيق المجال الصحافي التقليدي في المغرب أولا، وتؤشر أساسا إلى أنه مجال لابد أن تكون قادرا على البقاء فيه، ومن أجل ذلك لابد من تضافر عوامل عديدة أهمها العامل الاقتصادي، ثانيها قوة المؤسسة التي تقف وراءك، ثالثها القدرة على التخطيط الاستراتيجي الذي يضمن لك البقاء في الساحة، وليس العبور أو فتح جريدة وإقفالها في ظرف أشهر ثم إطلاق عنوان آخر وقتله وهكذا دواليك. المسألة فعلا صعبة ومعقدة، وزملاؤنا سواء من ذكرت مواقعهم أو آخرين قدموا إضافات فعلية قد نتفق مع جزء منها وقد نختلف مع الجزء الآخر، لكنهم هم أيضا - بغض النظر عن كل شيء - أسسوا للبنات بناء هذه الصحافة المغربية التي لازالت تبحث عن نفسها، وتحبث عن التخلص من تبعات مراحل تأسيسها الأولى التي استندت على السياسة وهو مالم يتخلص منه العديدون إلى اليوم . أيضا لابد من التنويه بمسألة ظللت أقولها دوما: القادمون من التجارب المكتوبة في الصحافة انتقلوا بشكل أفضل إلى الإلكتروني من القادمين من المجهول. لكن هل الأمر مفاجئ حقا؟

 

س: في ظل هذا المشهد الملتبس يعيش الجسم الصحافي المغربي "المستقل" وضعا قاتما حيث فاحت مؤخرا روائح ملفات فساد صحفية فجرتها تصريحات مسؤولين وتسريبات كتب وقضايا إحتيال ونصب مزعومة ومساومات وتواطؤات صحفيين ..إلخ كلها تضرب في العمق المكون الأخلاقي والمهني لمهنة المتاعب في ظل هذا السواد ولعنة الفساد هاته كيف تنظرإلى عملية التطهيرحتى تتصالح الصحافة الورقية مع المواطن والمتلقي بشكل عام؟

ج : أنا مع التشدد الكامل في هذه المسألة. لايعقل أن تكون صحافيا وأن تمضي يومك بأكمله في مطالبة المجتمع بالابتعاد عن الفساد، ومطالبة الحكومة بأن تكون معصومة من الأخطاء وبمطالبة المسؤولين الآخرين بأن ينزهوا أنفسهم عن كل شيء وفي الوقت ذاته تجد أنه من العادي أن ترتكب الزلات تلو الزلات، وألا يقول لك أي شخص ولا أي جهة أي شيء. الأمر صعب فعلا وسيء، وإذا ماهربنا كل مرة وجهت إلى أحدنا تهم بفساد ما إلى الشعارات الكبرى الكاذبة عن استهداف الصحافة والصحافيين فسنكون جزءا من منظومة فساد ندعي يوميا أننا نحاربها. الأفضل هو أن نحترم عمل القضاء المغربي وأن ننتظر أحكامه، وأن نوجه إلى بعضنا البعض النصيحة بالابتعاد عن المتشابهات فالحلال بين والحرام بين، ومن يريد الاغتناء المشروع عليه أن يقصد مجالا آخر غير الصحافة لأنها ليست مجالا للمجال. من يريد أشياء أخرى فعليه أن يتحمل تبعات هذه الأشياء...

 

س : بعلاقة مع السؤال السابق هل تنزيل قانون الصحافة القادم قادرعلى الحد من هذه الكولسات والإنزلاقات الخطيرة؟

ج : البلد مليئ بالقوانين، يلزمنا ماهو أهم من القانون. تلزمنا القدرة والرغبة والإيمان بأن نطبق القانون. ثم يلزمنا أمر آخر هام وأساسي قلته باستمرار لوزير القطاع في كل اللقاءات التي جمعتنا: يلزمنا الاستماع لصوت المهنيين. لا أتخيل شكل هذا القانون الذي لاتصوغه كل هيئات تحرير المغرب، ولا أتخيل كيف سيكون و99 في المائة من الصحافيين المغاربة لايعلمون عنه إلا مايصلهم من نتف وشذرات من هنا ومن هناك إشراك العاملين والمهنيين في النقاش كله، وليس في بعضه فقط هو الكفيل بإخراج قانون قابل أولا للتطبيق وقادر على الاستجابة لكل مانريده لهذ القطاع من أشياء جيدة يستحقها من أجل أن يكون رافعة انتقال أكبر في المجتمع لا أداة نزول أكثر فأكثر إلى حضيض تعبنا منه جميعا، نحن منتسبو هذا الميدان قبل القراء وعموم المتتبعين

 

س: ماخطورة ومعنى أن تكون اليوم مديرجريدة مستقلة "الأحداث المغربية" في هذا المشهد الصحافي القاتم والملغم؟

ج: معناها أن يكون صراعك اليومي قائما على جعل الجريدة تعكس أحداث المغرب مثلما يقول إسمها، وأن يكون ارتباطها بمايشغل بال المغربية والمغربي، لا بما يشغل بال هذه الجهة أو تلك. أعترف أننا نحزن حين نرى انشغالات أخرى تحرك الناس في جرائد أخرى، ونفهم أن زر الوصل بهاته الجهة أو بتلك هو الذي اشتغل، لكننا وبقدر الحزن بقدر الفخر أننا نتحرك من تلقاء مصلحة بلادنا أولا وحبنا لهذا المغرب العظيم، ومن تلقاء هم المهنة وماتفرضه من احترام لأخلاقياتها وأبجدياتها واضعين نصب العين والإحساس والإدراك شعار الجريدة الجديد "الأحداث المغربية: من العقل إلى القلب" لاقتناع أساسي لدينا أن المغربية والمغربي اليوم يحتاجان لمن يقول لهما كلاما يدخل ذهنهما لا لمن يبيعهما الوهم والعناوين البراقة المليئة بالكثير من الفراغ.

 

س: الحق في الوصول إلى المعلومة هذا هوالسؤال الطويل والعريض الذي كان ومازال يؤرق الصحافي والإعلامي بشكل عام منذ عشرات السنين في نظركم أستاذ مختارلغزيوي هل تغيرالوضع نسبيا مع تنزيل دستورسنة 2011 ؟

ج: أعتقد أن معركة هذا الحق ستبقى مطروحة إلى أن يقتنع أصحاب القرار السياسي والاقتصادي أن المعلومة إذ تضحى متداولة بين الناس ومعروفة وسهلة الوصول إليها تعفينا من عوالم الإشاعات أولا، وتمكن من تدبر أمر جو نقي صاف من الشوائب، قادر على أن يقنع المغربي أنه يعيش في مجتمع غير خائف من تداول أي معلومة من معلوماته، وأتصور أن المعركة تستحق الصراع الذي يخاض من أجلها، وأننا سنقنع أنفسنا في الختام بأنه لا يصح إلا الصحيح، وأن المغربي يستحق فعلا أن يقرأ كل صفحات مجتمعه ككتاب مفتوح لامبرر إطلاقا لإخفاء أو تغطية أى صفحة من صفحاته

 

س: التواصل مع الفيسبوك عملية مد وجزر، أخذ وعطاء .. على المستوى المهني ماذا إستفادت جريدة "الأحداث المغربية" من تفاعل الفيسبوك والتويتر، مثلا هل إرتفع عدد قرائها الورقيين وزوارها الرقميين؟

ج : أنا أحرص بقوة على هذا التفاعل وإن كان يجلب في جزء منه بعض المتاعب الناجمة عن لجوء بعض الأسماء المستعارة أو بعض المتضايقين منا أو من الجريدة إلى أساليب سب غير مقبولة، لكننا مقتنعون أن الزمن هو زمن هذا التواصل الاجتماعي، وهو أمر أتاح لنا بالمقابل ولوجا حقيقيا لشريحة من القراء لاعلاقة لها بالشريحة التقليدية القارئة للأحداث المغربية، وهو أمر نسعى إلى تعزيزه أكثر وإلى جعله رافدا أساسيا من روافد علاقتنا بالمغربيات والمغاربة

 

س: التطورالتكنولوجي والرقمي أسهم كثيرا في تعدد الأسانيد مثل الحواسيب والألواح الذكية والسمارتفون ، ماذا أعدت مؤسسة الجريدة على مستوى التكوين وإعادة التكوين لفريق التحريرالذي مازال أغلب أعضائه يستعملون البيك والورق؟

ج: أكتفي هنا بالقول إن مفاجأة الموقع وطريقة وصوله إلى كل هاته الوسائط التي تحدثت عنها سيجيب عن السؤال. ترقبوا معنا "أحداث.أنفو" في الحواسيب العادية، وترقبوه في الهواتف الذكية وترقبوه في الألواح المشابهة، وسنطلب منكم رأيكم منذ اليوم الأول لإطلاق الموقع في نسخته الجديدة

 

س: من القلب إلى القلب وأخيرالشعارالجديد من "العقل إلى العقل" هل يعني هذا أن الجريدة دخلت سن الرشد والإبتعاد عن مواضيع الإثارة المجانية؟

ج : أتصور دونما مبالغة أن الجريدة الوحيدة التي انطلقت راشدة هي الأحداث المغربية إذ استجابت لحاجة كانت موجودة لدى القراء المغاربة سنة إطلاقها والدليل هو أنها الجريدة التي حققت نسبة ارتفاع واضطراد في أرقام مبيعاتها لم تبلغها أي جريدة مغربية إلى حد الآن مع احترام كل العناوين التي جاءت بعدنا والتي استوحت أساسا وأولا وآخرا تجربة "الأحداث المغربية". الذي وقع بكل صراحة هو أن قارئ 1998 الذي لم تكن علاقته بالأنترنيت مثلما هي عليه الآن وجد في الأحداث المغربية مالم توفره له جريدة أخرى حينها، وأتصور أيضا أن موضوع التربية الجنسية وإخراج مجتمعنا من كبته ومن علاقته الظاهرية الملتبسة بالجنس هو نقاش مجتمعي محترم لايكن أن نلغيه بمجرد الاستهزاء منه لأن عدم التعامل السوي معه أساس كثير من المشاكل والجرائم التي نسمع عنها كالتحرش أو اغتصاب الصغار. اليوم نتصور أن قارئ 1998 انقرض وأن حديث القلب إليه قد استوفى كل أغراضه لكنه لم ينته، وعوضه سنغلب حديث العقل بعد أن اكتشفنا في مشهدنا الصحافي أن العاطفة تغلب في اتجاه غير سليم كثيرا.

 

س: بعد أيام قليلة سيحل شهر رمضان الأبرك وسوف تشتعل من جديد الأسئلة القديمة الجديدة السطحية والشائكة حول قضايا الإسلام الراهن عن التسامح والتطرف عن الجنة والناروالملائكة والشياطين أولا مادلالة إطلاق النسخة الإلكترونية مع فاتح هذا الشهر، ثانيا ماهي الإضافة النوعية التي ستأتي بها وثالثا ماهي الرسالة التي تود توجيهها بهذه المناسبة الكريمة خصوصا أنكم تتلقون بين الحين والآخر بعض المناوشات والمضايقات الإرهابية بسبب توجه منبركم الحداثي المتفتح؟

ج : إطلاق الموقع في فاتح رمضان قاعدة مغربية أخذناها من تربيتنا في مجتمع يتبرك بأيامه المفترجة والمباركة. نحن أبناء هذا البلد وأبناء هذا الدين، تربينا في دروب وأزقة مغربنا القديمة، دلفنا إلى مساجدنا العتيقة، وحفظنا ماتيسر من قرآن كريم ومن سنة نبوية ومن كل ماله علاقة بدين الرحمة المهدى إلى العالمين، لذلك لا مشكلة لدينا في قولها بكل قوة وبكل صراخ: نحن نميز بين الإسلام العظيم، وبين من يوظفون الإسلام لأغراض سياسوية صغيرة. ديننا فوق الرأس والعين، وهو تاج على هاماتنا وندافع عن انتسابنا إليه بكل قوة، ولا نقبل أي دروس من أي كان في هذا الموضوع خصوصا وأننا معتزون ومفتخرون بإمارة المؤمنين في المغرب التي تتوج هذا الارتباط المغربي المعتدل والمتسامح والوسطي بالإسلام. بالمقابل لدينا مشكل حقيقي مع من يريدون تشويه صورة ديننا وبث المشهد المؤسف والدامي عنه الذي نراه اليوم في سوريا أو العراق أو غيرها. هؤلاء معركتنا معهم فخر لنا ونحتسبها أجرا عن الله سبحانه وتعالى لأننا نحفظ الآية الكريمة "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، ونعرف أن المغالين والمتشددين يطبقون عكس هذه الآية تماما، ونقولها لهم بالصوت العالي المرتفع : سنبقى شوكة في حلوقكم، تأكدوا من هذا الأمر جيدا

 

س: رأيكم في الأسماء التالية:

ـ محمد لبريني .. أستاذ لنا قدم الكثير وهو يرتاح اليوم راحة مستحقة.  

ـ المهدي المنجرة رحمه الله .. تعرض لكثير من الاستغلال الصغير لإسمه، وأهم شيء يقال عنه أنه كان عاشقا كبيرا للمغرب ولتمغربيت

ـ مصطفى الخلفي .. وزيرنا في القطاع، زميلنا سابقا الذي يجب عليه أن يتذكر أنه كان إبن هذا القطاع قبل أن يصبح وزيره

ـ عبدالله البقالي .. نقيب الصحافيين المغاربة، نتمنى له التوفيق في مهمة غير سهلة على الإطلاق شكرا على سعة صدركم أخوكم عبده حقي أتمنى ألا أكون قد أكثرت عليكم .

 

yousif abolfawzيوسف ابو الفوز، كاتب وأعلامي، اسمه الصريح "يوسف علي هدّاد"، سيرته الذاتية تقول انه من مواليد مدينة السماوة 1956، ومقيم ويعمل في فنلندا منذ عام 1995. سيرته بوصفة كاتباً وناشطاً سياسياً، تنوعت فيها المحطات والتجارب فشكلت شخصيته الانسانية والادبية بتميز وتفرد، وتعددت اصداراته إذ بلغت احد عشر كتاباً بين الرواية والقصة والمذكرات، وترجمت قصصه الى اللغة الفنلندية والكردية، ولدى مغادرته العراق أختار اسم "يوسف أبو الفوز" لحماية عائلته واقاربه داخل الوطن من عواقب ردود فعل الاجهزة الامنية الصدامية، ليلتصق به هذا الاسم ويصبح كنية أدبية واسما في التعامل اليومي، رافقه في كل المحطات المشرقة في حياته، ومواقفه التي نتمنى ان تبقى واثقة وناجحة دائما:

 

الحديث عن البدايات فيه الكثير من التفاصيل، كيف تختصر لنا ذلك؟

ــ عدة عوامل تداخلت مع بعض اثرت بشكل ما على تكوين شخصيتي وبداياتي الادبية. اهمها اجواء العائلة، فقد ولدت لعائلة عمالية فقيرة، مرتبطة بنضال يسار الحركة الوطنية، في مدينة السماوة التي عرفت باجواءها الثقافية وحراكها السياسي، وفتحت عينيّ على المجلات والكتب والاحاديث في موضوعات كبيرة كالحرية والعدالة الاجتماعية وهموم فقراء الناس وفي اجواء تقدمية ومتسامحة، وكنت محظوظا بوجود بمجموعة رائعة من المعلمين والمدرسين الذين انتبهوا الى علاقتي المبكرة بالكتاب والكتابة وتعاملوا بمسؤولية كبيرة لاجل رعايتي وتوجيهي بالشكل الصحيح . ثم تلا ذلك الارتباط المبكر بالنضال السياسي الذي ساهم في تطوير قدراتي المعرفية والحياتية مما ترك اثره على توجهاتي الادبية والفكرية .

 

وعن اول القراءات، ما طبيعتها؟

ــ كنت في الصف الرابع الابتدائي حين عثر عليّ اخي الاكبر اقرأ في كتاب "العبرات" للمنفلوطي، وحاول توجيهي لقراءة المجلات والكتب التي تناسب عمري، سوبرمان وسمير وتهتة، وغيرها، لكني كنت اصر على سرقة الكتب من صندوقه، وفي المدرسة وبتوجيه من اساتذتي الرائعين ومثقفين من ابناء المدينة، تعرفت في سنوات مبكرة من حياتي الى كتب التراث العربي، فقرأت مجلدات "العقد الفريد" لابن عبد ربه و"الاغاني" لابي فرج الاصفهاني، وسلسلة روايات جرجي زيدان وكتب المنفلوطي وجبران ونجيب محفوط وغيرها، وايضا كتب الادب الروسي والعالمي الكلاسيكية . كان لأمي مشكلة كوني اقرأ في كل مكان ووقت، وبالتالي كتبي متناثرة في كل زوايا البيت، هذه المشكلة انتقلت حاليا لـ " شادمان " شريكة حياتي.

 

حدثنا عن أول قصة كتبتها، وما موضوعتها وظروف كتابتها؟

ــ كتبت اول نص يمكن عده قصة وانا في عمر الثالثة عشر، اذا كتب استاذ اللغة العربية في درس " الانشاء " جملة " احمد رجل طيب ..." وطلب من طلاب الصف تخيل مشكلة لاحمد والبحث عن حل لها، وان نكتب ما نريد وبالشكل الذي نريد بصفحة او صفحتين، بعد اسبوع قادني استاذي ودار بي بين صفوف المدرسة معلنا عن ولادة كاتب عراقي، كوني كتبت قصة قصيرة . كنت اخترت لاحمد مشكلة تتعلق بموقفه المتخلف من زيارة زوجته لطبيب رجل وكشفه عليها، وكتبت نصا بتأثير كتابات جبران خليل جبران ومي زيادة . هذه القصة الميلودرامية الساذجة سرقت مني طفولتي ورمتني دفعة واحدة بين هموم وانشغالات كبيرة . وتجدر الاشارة انه في عام 2004 وخلال زيارتي مدينتي السماوة بعد غياب 27 عاما، قدم لي أهلي، وبوصفها أجمل هدية، الدفتر المدرسي، الذي احتفظوا به طوال سنين غيابي، حيث قرأت من جديد " قصتي" الاولى .

 

كونك نشطاً ثقافيا وسياسيا، بل وغزير الانتاج : مجاميع قصصية، روايات، كتب مذكرات، كتب ادبية مشتركة، افلام وثائقية (سيناريو واخراج)، واعمدة صحفية دورية في الصحافة العراقية، ومئات وربما الالاف من المقالات في السينما والادب والسياسة، كيف يمكنك تحقيق كل هذا؟

ــ الحياة علمتني، بأن اشياء كثيرة يمكن تعويضها واستعادتها الا الوقت . فكل دقيقة تمر لا تعود، ومن هنا ادركت بأن يومي 30 ساعة، اذ تعلمت وبشكل مبكر في حياتي تنظيم وقتي والاستفادة منه. تعلمت ان لا اضيع وقتا بأشياء غير ضرورية، ابذل جهدي، واجتهد، لتشخيص ما هو ثانوي وما هو رئيسي في عملي وللتميز بين الاهم والمهم في حياتي . حياتي في اوربا صقلت هذا الامر اكثر. يمكن القول ان شريكة حياتي " شادمان " ربما هي من النساء السعيدات في العالم لانها تعرف اين تجدني في اي لحظة، كونها تعرف مسبقا برنامجي ولايام طويلة . ان جدول عملي دقيق، وفيه اكون صارما مع نفسي، واسعى دوما لوجود مساحة ضرورية لعائلتي ولاصدقائي.

 

كيف كانت حياتك قبل هجرتك من العراق وما اسباب مغادرة البلاد؟

ـ في البدء، اود التصحيح، أميل دائما لاستخدام كلمة "المنفى" بدل "الهجرة"، فأنا لم اهاجر مختارا، بل وشأن الالاف من مثقفي وسياسي بلادي، غادرت وطني صيف 1979 مضطرا، برحلة مغامرة مع المهربين وعبر الصحراء السعودية وصولا الى الكويت، بعد سلسلة مضايقات متواصلة ومداهمات لبيت اهلي وتهديدات وثم محاولة اعتقال من قبل سلطات البعث الحاكم لاجباري للانتماء قسرا الى حزبهم الفاشي، وبدأت في اذار 1978، ضمن ما سمي ايامها بالحملة ضد قوى اليسار والديمقراطية، فأضطررت للاختفاء لاكثر من سنة، وكنت مطاردا ومطلوبا، وتنقلت تحت اسماء وهويات مستعارة، ودفع اهلي، خصوصا امي، ثمن اختفائي غاليا، فأضطررت لترك كل شيء لاجل الحفاط على حياتي وكرامتي. بعد أن قضيت فترة في الكويت واليمن اليمقراطي قررت في ربيع 1982 العودة الى الوطن، الى مناطق كردستان للمساهمة في حركة الكفاح المسلح لمقاومة نظام صدام حسين ضمن فصائل مقاتلي الحزب الشيوعي العراقي، وبعد حملات الانفال في صيف 1988غادرنا كردستان وبدأت رحلة المنفى الثانية التي وللاسف لم تتوقف حتى من بعد سقوط نظام المجرم صدام حسين .

 

وما تأثير "المنفى" على حياتك وخصوصا اختيار المواضيع وطريقة تناولها؟

ـ المنفى اعطاني فضاءا واسعا من الحرية، وجعلني اكتب ما اريد دون قيود وتابوات، ومنحني افقا اوسع للاجتهاد وفقا لمعايير الفن والتجربة المكتسبة. ان الاحتكاك بالاخر، ثقافة وحياة وقوانين، يجعل الانسان يكتشف نفسه . والمنفى صار مرآة واسعة جعلتني كأنسان ارى بعضا من حواشي الرخوة كما يقال، فكريا واجتماعيا، فاجتهدت لتشذيبها من حياتي وعملي ككاتب وانسان . مع الاستقرار في فنلندا توفرت لي الفرصة لانجاز اعمال روائية الى جانب مجاميع قصصية وكتب ادبية اخرى، وصدر لي عدة اعمال قصصية وادبية، ومنها رواية "تحت سماء القطب" 2010 و"كوابيس هلسنكي" 2011 . وبحكم سنوات المنفى وتجربتي في فنلندا، حاولت تسليط الضوء على حياة العراقيين في المنفى واختيار موضوعات لها علاقة بحياتهم الجديدة وارتباطهم بهموم وطنهم، فرواية "كوابيس هلسنكي "، رغم ان العنوان يقود لعاصمة فنلندا الا انها رواية عراقية تتحدث عن الهم العراقي والقمع البوليس لنظام صدام حسين بحق كل معارضيه، وعن نشاط الجماعات التكفيرية في اوربا ودورهم في تغذية نشاط الارهابيين في العراق خلال وبعد سنوات الاحتلال الامريكي .

 

أنت كاتب عراقي، لكنك ولاكثر من دورة تم انتخابك عضوا في الهيئة الادارية لمنظمة الكتاب والفنانين الفنلنديين، كيف تتم الموازنة بين هويتك العراقية والتزاماتك الفنلندية؟

ــ في عام 2006 تم انتخابي لاول مرة لعضوية الهيئة الادارية لمنظمة الكتاب والفنانين الفنلنديين، وهذه العضوية وايضا عضوية نادي القلم الفنلندي تأتي بسبب حاجتي في فنلندا لاطار ثقافي انشط من خلاله، خصوصا مع غياب أي اطار ثقافي عربي او عراقي في هذا البلد. انا كاتب عراقي قبل كل شيء، وبهذه الصفة يشير لي الاعلام الفنلندي، والعراق هو همي الدائم، احاول قدر المستطاع ان اضع قضايا العراق دائما تحت الضوء ضمن مجالات عملي . نشاطي هذا وفر لي فرصة الاحتكاك بالاخر ومحاولة الاستفادة من تجربته ووفر لي شبكة علاقات طيبة مع الوسط الثقافي الفنلندي، وسعيت وبذلت جهدي المتواضع للتعريف بالثقافة العراقية وهموم المثقفين العراقيين، وهذه بالطبع مهمة عسيرة تحتاج الى جهود مؤسسات، لكني اجتهد في تقديم ما يتلائم مع سياسات هذه المنظمات الثقافية، ففي اجتماعاتها ونشاطاتها غالبا ما يكون وجود لقضايا تهم المثقف العربي والعراقي، فمن فنلندا صدر في اذار2004 اول برقية تضامن اوربية مع المثقفين العراقيين ضد اعمال الارهاب ومن اجل حرية الراي والتعبير، وفي عام 2009 نظم "اسبوع الثقافة الفنلندية في كردستان" بمشاركة عشرة من الفنانين والكتاب الفنلنديين، وكانت هذه النشاطات باقتراح مباشر مني . اكتب للصحافة العراقية والعربية والفنلندية عن شؤون بلادي، وفي غالبية كتاباتي عن التجربة الاوربية وفنلندا على وجه الخصوص، اسعى لنقل تجربة البلدان المتحضرة لابناء بلدي، وعندي الان مشروع كتاب جديد قيد الاعداد عن التجربة الفنلندية . يا سيدتي المنفى يمكن ان يكون وطنا ثانيا، وطنا جميلا، مسالما، يوفر فرصة لحياة هادئة بعيدا عن فوضى الموت في بلدانا، ولكن لا يمكن ان يكون وطنا ثابتا . لان جذور الانسان الاولى هي المهمة والاساسية، هي من تحدد هويته الثابتة. بالامكان ان تنمو لك جذورا جديدة، لكنها لا تستطيع محو جذورك الاولى.

 

كيف لك نقل تجارب البلدان المتحضرة الى العراق، وهل تعتقد يمكن استيعاب تجارب البلدان ألاخرى؟

ــ لي مقال دوري، بعنوان "عالم أخر" ينشر في جريدة الصباح البغدادية، واخترت هذه الجريدة بالذات لانها توزع بشكل واسع في دوائر الدولة، في هذا المقال سعيت واجتهدت لطرح التجربة الفنلندية في بناء دولة حضارية متقدمة. فنلندا في تاريخها القريب، مجتمع زراعي، لا يملكون ثروات كثيرة مثل النفط، لديهم البحيرات والغابات، وتعرضت فنلندا تقريبا لما تعرض له العراق، احتلالات، حروب ونزاعات اهلية، ومجاعات، وعقوبات اقتصادية وعسكرية، لكنها ومن بعد الحرب العالمية الثانية، نهضت لتكون بالشكل الذي جعلها دائما تحتل المراكزالاولى في مؤشرات النزاهة والديمقراطية والشفافية والتقدم والسلام وغيرها. كيف نجحوا في بناء بلدهم؟ في هذه المقالات حاولت ان اتحدث عن البرامج التعليمية والصحية والثقافية والحياة الاجتماعية والتجربة البرلمانية والعلاقات مع الجيران وغيرها، وفي بالي اضافة لاطلاع القراء، اقول لعل مسؤولا تثيره تلك التجارب ويقرر البحث والاستفادة منها. هل يمكن استعياب تجارب الاخرين؟ نعم، وهذا ممكن، ففنلندا ذاتها لم تبن تجربتها لو لا الاستفادة من تجارب الاخرين، ومنها تجربة الاتحاد السوفياتي الاشتراكية وفقا لظروف بلدها الخاصة . التجارب لا تستنسخ، العقول النيرة المخلصة لوطنها، يمكنها ان تتعلم بسهولة وان تبني ان امتلكت الاراداة الحقيقية والمخلصة بالاستفادة من تجارب الشعوب الاخرى . ساعمل على ضم هذه المقالات الى كتاب اعمل لانجازه حاليا، ليعكس التجربة الفنلندية، وليكون بمتناول من يرغب بالاستفادة من تجارب الاخرين .

 

هل لك مساهمات في مهرجانات او زيارات دولية رسمية؟

ـ اسهاماتي بهذا الجانب تتداخل بها نشاطاتي ككاتب وكناشط سياسي او ناشط في منظمات المجتمع المدني . ككاتب ساهمت في زيارة العديد من الدول الاوربية بدعوات من النوادي الثقافية للجاليات العراقية في السويد والولايات المتحدة وكندا وهولندا، للحديث عن تجربتي الادبية وواقع الحياة الثقافية في العراق. اما كناشط في منظمات المجتمع المدني فانا و للفترة 1998 ـ 2005 كنت عضوا منتخبا في سكرتارية منظمة اتحاد الشبيبة اليمقراطي العراقي، ومسؤول مكتب العلاقات الخارجية فيها، ومهماتي تتطلب المساهمة وتمثيل المنظمة في مهرجانات وندوات في العديد من دول العالم . هذه النشاطات تنعكس بشكل كبير على خبرتي ككاتب اذ توفر لي الفرصة للاحتكاك بنماذج بشرية مختلفة وايضا الاجتهاد في عكس الواقع الاجتماعي العراقي ونضالات الشعب العراقي .

 

كيف تنظر الى مستقبل العراق؟

ــ كنا نتأمل بعد سقوط النظام الديكتاتوري البعثي وخروج قوات الاحتلال ان يتم بناء عراق ديمقراطي اتحادي، يعامل به الانسان على اساس المواطنة في دولة المؤسسات والقانون، ولكن للأسف ما موجود حاليا امر محزن، حيث توالت حكومات المحاصصة الطائفية والاثنية، التي تواصل خداع الشعب وتجهيله، ويبدو ان الامر سيأخذ وقتا ويحتاج الكثير من العمل، واساسا من وجهة نظري يحتاج الى اجيال جديدة تكنس كل ما موجود من افكار بالية وظلامية للتمكن من بناء عراق متطور حلمنا به وعملنا لأجله، وقدمنا له كل جهدنا وحياتنا، هذا العراق كدولة حضارية سوف لن نعيش لنراه ولكنه قادم مستقبلا، هكذا تعلمنا تجارب الشعوب .

 

من تراه سيُسهم بكنس الافكار البالية والظلامية التي تتحدث عنها وهل سيكون للمثقفين دورا في هذه العملية؟

ـ الاجيال الجديدة، شباب البلد المتنور، هي القوى الكفيلة بأنجاز هذه المهمة. ان سياسات نظام البعث الديكتاتوري عادت بالعراق الى عهد ما قبل الصناعة، وجاء الاحتلال الامريكي وحكومات المحاصصة، فزادت الخراب خرابا. ان النهوض بالعراق يحتاج الى الكثير من العمل والجهد، ولا يمكن النهوض بالبلاد اذا لم يتم اقرار دستور علماني يفصل الدين عن الدولة ويكون عاملا في بناء دولة المؤسسات والقانون، كل حديث عن دولة قانون وموسسات في ظل حكومات محاصصة وطائفية واثنية هم مجرد كلام، وهذا يحتاج لقوى جديدة مؤهلة لانجاز هذه المهمة . اما المثقفون فيفترض ان يكون لهم الدور الابرز، فالبنى التحية والهياكل التي تبني المرافق الخدمية والاقتصادية فيمكن للراسمال المحلي والاجنبي ان يقوم ببنائها واعمارها، لكن المثقف له دور اساس في اعمار الانسان العراقي ليكون منتجا وايجابيا وعاملا في بناء عراق جديد . من هنا تكون مهمة المثقف كبيرة واساسية ليس في العراق وحده بل وفي كل مكان .

  

اجرت اللقاء: احلام يوسف طاهر

 

mohamad albaghoriمصطفى لغتيري رمز ثقافي غاية في الحركية والنشاط، لا يأخذ منه الكسل والاسترخاء لا من قريب ولا من بعيد.يواصل مسيرته الابداعية والثقافية بشغف واصرار عاليين، ذلك ما نستشفه من مجموع النصوص الروائية والقصصية والنقدية التي تزدان بها رفوف المكتبات المغربية والعربية، إبداعات أراد صاحبها أن تنصت للعديد من الظواهر التي يرزح تحت نيرها واقعنا المغربي والعربي على حد سواء.مصطفى لغتيري صاحب نفس طويل في الكتابة، وتجربته الابداعية نابعة من صدق الاحساس والحياة.شق طريقه ولا يزال بأريحية وتفان بارعين، لا يلتفت لكل ما من شأنه ان يعطل مسيرته.طرقنا بابه لنختلس منه هذا الحوار الجميل والفذ، نترك للقارئ العزيز متعة الاسثكشاف والاطلاع...

 

1- إذا طلبنا من المبدع النشيط "مصطفى لغتيري" أن يعود بنا لبعض الصور من طفولته،  فما عساه أن يختاره ويستحضره منها؟

هي بالتأكيد طفولة أتشابه فيها مع الأغلبية الساحقة من المغاربة، أنتمي لأسرة بروليتارية تكدح للحصول على شظف العيش،  وقلب مليء بالأحلام والحسرات،  وسعي حثيث نحو التعلم،  رغم ضبابية هذا الشيء المسمى معرفة،  وانخراط في أجواء اللعب والفرح البريء رغم الظروف الصعبة،  أتذكر أنني اللعب كان يأخذني ساعات دون أن أفطن  أو أمل،  وأذكر أنني كنت أنعزل عن أقراني في أوقات معينة وأهيم في خيالاتي،  التي لا ضفاف لها،  كما تحضرني السعات الطوال التي كنت أستمتع فيها بقراءة القصص،  كانت لحظات أنفصل فيها عن العالم وأحيا في كنف عالمي الخاص،  فأتماهى مع الشخصيات وأتقمص أدوارها،  كان  لظهور التلفزيون كذلك وغزوه للبيوت قيمة مضافة في حياتي،  إذ كنت ألتهم الحصة المخصصة للأطفال التهاما،  خاصة  ما يتعلق بالرسوم المتحركة،  التي استهوتني إلى درجة كبيرة،  دون أن أنسى الحكايات المغربية التي حكتها لي باضطراد أمي وجدتي خاصة في الليالي الباردة والمطيرة.

 

2- هل في مكنة الروائي "مصطفى لغتيري" تذكر بدايته الأولى مع جنس الرواية؟ وكيف تم ذلك؟

دوما استهوتني الرواية،  ودوما كنت أبيت النية لكتابتها،  فلقد قرأت في حياتي عددا كبيرا من الروايات،  ومازلت مواظبا إلى اليوم على قراءتها،  لذا ليس غريبا أن أخوض غمار الكتابة الروائية،  وقد كتبت نصوصا روائية عدة قبل أن أنشر أول رواية لي،  إذ أن أول رواية فازت بشرف النشر وهي رواية " رجال وكلاب" الصادرة عن أفريقيا الشرق عام 2007 ليست هي أول رواية كتبتها،  فيما تعد " أحلام النوارس" التي ضمها كتاب واحد مع رواية "عائشة القديسة " وحمل الكتاب اسم هذه الأخيرة،  هي أول رواية كتبتها بشكل أدعي أنه ناضج نسبيا،  وقد كنت نشرتها منجمة في إحدى الجرائد الوطنية.

 

3- بالنسبة لمصطفى لغتيري قد جرب الكتابة في جنسي الرواية والقصة،  فما الجنس الذي يجده  لغتيري أقرب إلى نفسه؟ وهل من توضيح لذلك؟

أقول دائما بأن الرواية والقصة تنتميان إلى شجرة السرد الكبرى،  وبالتالي فالكتابة فيهما معا لا يشكل لي أي إشكال،  بل أشعر بأنه ييسر على الكاتب أمر الكتابة،  فهناك فكرة ما تحتاج ان تكتب كرواية،  وأخرى تختار أن تندرج في كتابتها ضمن القصة القصيرة،  وما علي سوى أن أستجيب إلى ذلك،  وأظن أن كتابة القصة القصيرة يغلب عليه تكنيك الكتابة الذي يكون أكثر دقة وتكثيفا وصعوبة كذلك،  فيما صدر الرواية رحب ويتسع للكثير من الأمور التي لا يمكن للقصة أن ترحب بها،  فقط تحاج الرواية إلى نوع من الخطة الاستراتيجية في تحديد الهدف والسعي إليه بشكل غير مباشر، كما تتطلب الكثير من الصبر على الإنجاز،  فيما يتعين على كاتب القصة أن يتوجه إلى هدفه رأسيا ودون كلام إضافي أو لغو،  فعيوب الكتابة تظهر أكثر في القصة القصيرة.

 

4- ماذا عن التيمات والموضوعات التي تحلو لمصطفى لغتيري أن يطرقها ويتناولها في إبداعاته؟

في كتاباتي الروائية والقصصية  انشغلت بتيمات عدة: نفسية واجتماعية وثقافية وأنتربولوجية وغيرها،  ففي رواية "رجال وكلاب"مثلا انشغلت بالبعد النفسي من خلال تتبع مسار شخصية مغربية مصابة بمرض "الوسواس القهري" واستثمار تقنية التداعيات الحرة المعروفة في التحليل النفسي،  وفي رواية " عائشة القديسة" وظفت أسطورة عايشة قنديشة،  للكشف عن أبعاد الذهنية الخرافية المغربية،  أما في رواية " ليلة إفريقية" فحاولت فيها أن أتوقف عند البعد الإفريقي للهوية المغربية،  كما ناقشت مسألة صراع الأجيال في الأدب،  وفي رواية "رقصة العنكبوت" ناقشت مشكل البطالة من وجهة نظر أدبية فنية،  وتناولت في رواية "على ضفاف البحيرة" جمال طبيعة منطقة الأطلس في ارتباط مع معاناة الإنسان من الإقصاء الاقتصادي،  وهكذا دواليك.

 

5- الأستاذ مصطفى لغتيري راكمتم العديد من النصوص الروائية،  فهل أنت نادم على نص تبين لكم-  في إطار المراجعة النقدية وإعادة القراءة-  أنكم لم توفوه حقه من شروط التأمل والكتابة؟

إذا تعامل الكاتب مع نصوصه بهذا المنطق فلن ينتهي أبدا،  فلا وجود للنص الكامل أبدا،  فالكاتب يتطور ومن الطبيعي جدا أن يلمس عيوبا أو قصورا من نوع ما في نصوصه السابقة،  لكنني أتعامل مع الموضوع بشكل مختلف،  إذ أومن بأن لكل نص ظروفه وحيثيات إنتاجه،  ولا يمكن أن يكتب إلا بالشكل الذي كتبته به، لأنه مشروط بزمان ومكان معينين،  وأي قصورفيه  يفيدني في تلمس ورصد تطور الكتابة لدي،  فلا يمكن بطبيعة الحال مقارنة نص كتبته في بداياتي مع آخر نص كتبته،  لكنني أبدا لا أندم على أي شيء،  حتى على ما يمكن أن نعتبره أخطاء في الحياة،  لأنني أعتبرها تجارب،  ولولا ها لما تطورت إلى الأفضل إن كنت حقا أتطور.

 

6- هل نتجرأ ونتحدث عن موضوع مدينة الدار البيضاء كفضاءات وأمكنة حظيت بالتفاتة الكاتب والمبدع المغربي؟

لا يمكن للمدينة التي عاش أو يعيش فيها الكاتب إلا أن تجد الطريق سالكا نحو كتاباته،  وبالفعل فالدار البيضاء حاضرة في كثير من رواياتي،  بأشكال مختلفة،  وقد يكون حضورا رمزيا وهامشيا أحيانا،  لكن تبقى رواية " رقصة العنكبوت" أكثر رواياتي استحواذا على فضاءات الدار البيضاء،  حتى أنني كثيرا ما أردد أنها رواية بيضاوية بامتياز،  لأن السارد تجول في كثير من شوارع الدارالبيضاء الهامشية والمركزية كما أنه زار متحفا أو معرضا للوحات الفنية وسينما ومقاه وسوق درب غلف الشهير ومنطقة عين الذئاب وبعض الحدائق المعروفة كحديقة الجامعة العربية وغيرها من الأماكن التي يتعرف عليها البيضاويون بسرعة.

 

7- موضوع القصة القصيرة من الكتابات التي عرفت تراكما كميا لافتا للنظر،  فماذا عن التراكم الكيفي والنوعي في المنجز المغربي؟

لقد عرفت القصة القصيرة المغربية اهتماما كبيرا من طرف المبدعين وتأسست نوادي وجمعيات متخصصة في هذا الجنس الأدبي،  كما ظهرت مجلة خاصة به هي مجلة " قاف صاد" التي تشرف عليها مجموعة البحث في القصة القصيرة في المغرب،  وبالفعل أثارت هذه الحركية انتباه المتتبعين وتناسلت الإصدارات واللقاءات المحتفية بالقصة القصيرة جدا،  وتحقق تراكم غير مسبوق على مستوى إنتاج النصوص، لكن يبقى سؤالك مشروعا،  هل تحقق بالفعل تراكم نوعي،  طبعا لا يمكنني الإجابة على ذلك لأن النقد هو المخول بإطلاق هذا النوع من الأحكام،  لكن في رأيي هناك مؤشران دالان في هذا الاتجاه يمكن أن يكونا في صالح الحكم على هذا الحراك القصصي،  أولهما ظهور القصة التجريبية في المغرب وثانيهما ظهور القصة القصيرة جدا،  التي لا يجادل أحد في أن نصوصها الجيدة أثارت انتباه المتتبعين في المغرب والمشرق على حد سواء.

 

8- إن النقد وسؤاله لم يعد غالبية الكتاب يهتمون بهما،  إذ يرون أنهما ينزعان إلى التضييق ومصادرة حرية الكتابة،  هذه الأخيرة التي جنحت صوب أشكال جديدة. فما قراءة مصطفى لغتيري لهذه القضية؟ وهل من تفسير يقدمه بخصوص هذا الزعم؟

اعتبرت دائما أن النقد يراهن على التراكم،  وعلى المبدع أن لا ينشغل به كثيرا،  فقط عليه أن يستمر في مراكمة نصوصه الإبداعية،  وطال الزمن أو قصر سيضطر النقد إلى الانتباه إلى هذه النصوص والاشتغال عليه،  وأعتبر كذلك ان داخل كل مبدع هناك ناقد يراقب ويوجه المبدع بصوت صامت وفاعل،  وعلى الكاتب أن يراهن على هذا الناقد المتواري في الأعماق ليطور تجربته،  ولا ينتظر النقد الذي قد يأتي وقد لا يأتي،  لذا أنا شخصيا لا أنشغل كثيرا بمسألة النقد رغم أن نصوصي القصصية والروائية نالت حظها من الاهتمام النقدي،  لكنني في العمق أراهن على حاستي النقدية،  التي تسعفني كثيرا في تتبع تجربتي الإبداعية وتنقيحها وتطويرها.

 

9- ما نظرتك لسؤال الحرية في الإبداع المغربي والعربي؟

سؤال الحرية في عمقسؤال الإبداع،  ولا يمكن لهذا الإبداع أن يتطور ويراكم تجارب قوية  فعالة دون أن ينعم بقدر كبير من الحرية،  وبالنسبة للمغرب فألاحظ أن الدولة لا تتدخل في أمور الإبداع الأدبي إلا نادرا جدا،  لكنها بالمقابل تتدخل في حرية الصحافة بشكل مباشر وبطرق مخجلة قد تصل إلى حدود السجن وإغلاق الجرائد أحيانا.. في الإبداع الأدبي هنا الرقابة المجتمعية التي تبدو لي أكثر شراسة،  خاصة من قبل القوى المحافظة التي لاتكون منظمة بالضرورة،  فكم مرة ووجهت بأراء غير نقدية،  تحاكم كتاباتي بمنطق خارج عن منطق الأدب والإبداع،  لكن على العموم يبقى الوضع أفضل من أغلب الدول العربية في هذا المجال تحديدا.

 

10- ما نسجله على المشهد الإبداعي والثقافي المغربي،  أنه دائما يركز على الأسماء الكبرى (المشاركات-  التكريمات-  الجوائز...) ألا ترى في هذا التحيز تهميشا إن لم نقل قتلا للمبدع والكاتب الذي ما يزال يبحث عن موقع قدم له؟

من الصعب أن نخرج هكذا بحكم قيمة عن المشهد الثقافي المغربي،  طبعا هناك بعض السلوكات غير الصحية والتي لا يخلو منها مشهد ثقافي في العالم من قبيل الإخوانيات والشللية .. في فترة من تاريخ المغرب كان الفعل الثقافي تابعا للفعل الحزبي،  فكان الأديب لا يأخذ فرصته إلا إذا انضوى تحت يافطة حزب من الأحزاب المهيمنة،  لكن الوضع الآن تغير نسبيا،  ونأمل أن يكون المستقبل أفضل خدمة للأدب والأدباء في بلادنا.

 

11- بعض المدن بالمغرب رجعت إلى تقليد ثقافي ومعرفي جميل وغاية في الإمتاع والإثراء الفكري والوجداني،  أقصد النوادي والصالونات الأدبية والثقافية،  فما آثار هذه المبادرات الشامخة على عقل مصطفى لغتيري الأديب والمثقف؟

بالفعل لقد تم إحياء تقاليد ثقافية ضاربة بعمقها في الذاكرة الثقافية العربية والعالمية من قبيل الصالونات الأدبية في كثير من المدن المغربية،  وقد كان لي الشرف للمساهمة في تأسيس وترؤس الصالون الأدبي المغربي في الدارالبيضاء الذي استطاع في ظرف وجيز أن يحقق الكثير من الإنجازات على  مستوى الندوات والقراءات الشعرية والقصصية والنشر والجوائز التي تستهدف الشباب والأطفال ومنها جائزة أحمد بوكماخ للتلاميذ المبدعين، وجائزة الصالون الادبي للقصة القصيرة جدا للشباب،  وقد استطاع الصالون الأدبي كذلك تنظيم مهرجانات كبيرة للقصة القصيرة جدا في بلادنا الأول بشراكة مع جمعية التواصل بمدينة الفقيه ابن صالح والثاني بشراكة مع جمعية درب غلف للتنمية بالدار البيضاء،  كما استضاف الصالون الأدبي أغلب الأدباء المغاربة وكثير من الأدباء العرب.

 

12- ما حظ مقروئية مصطفى لغتيري من الثقافة الفلسفية والصوفية؟

منذ وقت مبكر تعودت على أن تكوني قراءاتي متعددة وهي في الغالب الأعم في العلوم الانسانية والاجتماعية،  فلسفة وتاريخ ودين وعلم النفس، وطبعا ينال الأدب إبداعا ونقدا  نصيب الأسد،  وأزعم أنني كائن قارئ،  ولقد ساعدني ذلك في تجديد كتاباتي وإعطائها في كل تجربة كتابية نفسا جديدا،  وقد لاحظ النقاد ذلك،  اقصد تنوع التيمات وتكنيك الكتابة كذلك.

 

13- من الظواهر الطريفة والفاتنة تلك التي لها ارتباط بالمكتبة والكتب،  إنه موضوع فرض نفسه على ما لا يعد من الكتاب والمثقفين،  من أبرزهم الكاتب البرازيلي ألبرتو مانغويل الذي ننظر إليه كمتخصص في الموضوع. بالنسبة لمصطفى لغتيري كيف ينظر للمكتبة والكتاب(الشخصيين)؟

طبعا للكاتب علاقة خاصة بالمكتبة  الشخصية، حتى أنها تعتبر مكانا مقدسا بالنسبة للكثير من الكتاب ويدخلون في طقوس خاصة عند التعامل معها،  وهي تشكل ذاكرة قرائية من نوع ما،  بل تنتسج علاقة قوية وغريبة بينها وبين الكاتب،  فيكفي أن يلقي بنظره نحوها ليسمع همهمات كثيرة تصدر عنها،  ففي مكان ما همنغواي يوشوش له بحكاية العجوز والبحر وفي مكان آخر غابرييل غارسيا ماركيز يهمهم بسنوات مائة عام من العزلة وهكذا دواليك .. إنها علاقة معقدة ومن الصعب الإحاطة بها بشكل كلي ومقنع.

 

14- ما هي أحلى وأجمل ذكرى لا زالت عالقة بذاكرة المبدع مصطفى لغتيري؟

تتعدد الذكريات وتتنوع،  تختلف نكهتها باختلاف السنوات ولكل مرحلة من العمر ذكرياتها اللامعة والجميلة التي تؤثث دواخلنا إلى الأبد وتقدم لنا الدعم النفسي في الحالات الحرجة التي قد نحياها،  في الطفولة أتذكر فضاءات البادية الشاسعة التي كنت أقضي فيها العطلة الصيفية،  كما لا أنسى علاقتي بالبحر التي انتسجت منذ نعومة أظافري فقد كنت أقطن على مرمى بصر منه،  من أجمل الذكريات كذلك علاقاتي الوطيدة مع الأصدقاء من الجنسين،  فقد كانت بحق علاقات باذخة ورائعة،  كما ما زالت تحضر في ذهني قوية رحلات الاستجمام رفقة أصدقائي في المرحلة الثانوية والجامعية،  أما عن ذكريات الحب فحدث ولا حرج.

 

15- لمصطفى لغتيري علاقة عميقة تشده بالأدب اليمني،  فهلا أبرزتم لنا الدواعي التي كانت سببا في هذه العلاقة القوية؟ وما الأسماء التي كانت لها الأيادي البيضاء في ذلك؟

منذ أن تورطت ورطتي الجميلة في الأدب كنت مطالبا أن أقوي معرفتي بالأدب المغربي أعلامه ونصوصه،  وقد تحقق لي ذلك بكثير من الرضا،  فكان لا بد أن أنفتح على محيطي العربي،  فسعيت لتكوين فكرة واضحة نسبيا عن الأدب في البلدان العربية في الفترة الحالية،  فكان اليمن من الدول الشقيقة التي تيسر لي الاطلاع على أدبه وربط علاقات صداقة مع أدبائه،  ودون ذكر الأسماء أظن أن عملا جيدا تم بسبب هذه العلاقة،  فلقد توفقنا أنا وبعض الأصدقاء اليمنيين من تشكيل نواة لمكتبة مغربية في اليمن ليطلع الأدباء اليمنيون على إبداعات المغاربة.

 

16- يشهد المغرب تظاهرة ثقافية كبرى،  تتمثل في تنظيم واحتضان معرض الكتاب بالدار البيضاء،  باعتباركم من الكتاب الذين تحضرون هذه التظاهرة،  نود أن تحدثونا عن المغرب؟ وعن الإسهامات التي يسهم بها في مجال إنتاج الكتاب؟

للأسف كان من الممكن أن تكون في المغرب صناعة حقيقية للكتاب،  كما هو متوفر في كثير من البلدان،  لكن الكثير من التردد يطبع علاقة المغاربة مع الكتاب سواء تعلق الأمر بوزارة الثقافة أو دور النشر أو اتحاد كتاب المغرب،  فما زال إلى يومنا هذا أغلب الكتاب ينشرون كتبهم على نفقاتهم الخاصة،  وهذا مؤشر قوي على وضعية الكتاب في بلادنا،  كما أن الكتاب المغربي بلغته عدوى الهجرة " الحريك"،  فأصبحنا نرى الكثير من الإصدارات المغربية في دور نشر عربية سورية ومصرية ولبنانية كان اولى أن تحتضنها التربة المغربية التي أنتجتها.

 

17- لقد حصلتم على العديد من الجوائز (النعمان الأدبية - ثقافة بلا حدود –تكريم الجمعية الدولية للمترجمين واللغويين..)،  فما الجديد الذي تضيفه هذه الجوائز إلى مصطفى لغتيري؟

قلت في حوار سابق "الجوائز لا تصنع الأديب" هي بالطبع تشكل نوعا من رد الاعتبار للأديب وقد تشجعه للمضي قدما نحو المزيد من العطاء،  لكنها أبدا لن تكون الغاية،  لذا على الأديب أن لا ينشغل كثيرا بموضوع الجوائز،  فجائزة الأدب الكبرى كامنة فيه،  فذلك الرضا الذي نحسه بعد كتابة نص ما هو أجمل جائزة نحصل عليها.

 

18- هل من قراءة يقدمها مصطفى لغتيري بخصوص الجوائز العربية كالبوكر،  والعويس،  والشيخ زايد،  والملك فيصل..إلخ؟

لا ينكر أحد مدى الأهمية التي تكتسيها هذه الجوائز في المشهد الثقافي العربي،  لقد ساهمت بالفعل في تحفيز الكثير من الأدباء على العطاء المتواصل،  وقد كان لجائزة البوكر العربية الفضل الكبير على الرواية العربية،  لأن معيار الترجمة التي تتخذه الجائزة لاختيار النصوص الفائزة،  دفع الرواية العربية للتصالح مع المعطى الحكائي الذي خاصمته بعض الأقلام العربية بتأثير من الرواية الفرنسية الجديدة وما يدعى بتداخل الأجناس،  إذ طغت شعرنة اللغة وتشظي الحدث والاحتفاء بالزمن النفسي،  فأضحت الرواية معقدة فخاصمت جمهورها.

 

19- ماذا عن مشاريعكم المقبلة؟

لدي مجموعة من الأفكار التي أشتغل عليها،  لكن ما يستحق الذكراللحظة،  لأنه أنجز هو رواية تستثمر شخصية أبي يعزى إلنور أو ما يطلق عليه العامة مولاي بوعزة،  كما كتبت رواية عبارة عن سيرة تخييلية لأمي،  بالإضافة إلى كتاب حول  بعض المفاهيم الأدبية كما اتصورها.

 

انجز الحوار محمد البغوري

 

 yousif mohsenيحيي محمد: كتب مقدمة كتابي الاول الشهيد محمد باقر الصدر، المدرسة الاولى مكتبة جامع التميمي في الكسرة

قال يحيى محمد: شدّني في ذلك الوقت كتاب (فلسفتنا) للشهيد محمد باقر الصدر، اذ قمت بتلخيصه، وكانت لي حوله بعض الملاحظات وصادف ان عرضتها على الشهيد محمد محمد صادق الصدر عند مراجعاتي له بين مدة واخرى، فكان يجيبني عن بعضها، فيما ينقل لي في البعض الاخر بأن السيد محمد باقر الصدر قد غيّر رأيه فيها. وعموماً بدأت أقرأ الكثير من الكتب لموضوعات مختلفة فلسفية وعقائدية وفقهية واجتماعية وعلمية وما اليها.. فكنت اذهب لاستعير الكتب من مكتبة جامع التميمي في الكسرة، ثم تحولت بعدها لاستعارة الكتب من مكتبة الكاظمية العامة.. وبقيت على هذه الشاكلة حتى هجرتي من العراق سنة 1980. وكنت آنذاك مهتماً في الغالب بكتب الفلسفة وعلم الاجتماع، فضلاً عن العقائد، لا سيما الامامة. وفي الجامعة التحقت بفرع علوم الحياة (البايولوجيا)، وكنت كثيراً ما اناقش الاساتذة حول نظرية دارون، فأبدي معارضتي لها مدعماً ذلك ببعض الادلة طبقاً لمطالعاتي وميولي الدينية.. وقد دفعني هذا الامر الى تأليف أول كتاب حولها اسميته (الدراوينية عرض وتحليل)، وهو ما نشرته دار التعارف ببيروت سنة 1979، وفيه مقدمة مطولة للشهيد محمد الصدر، اذ راجع الكتاب مرتين وافادني بملاحظات كثيرة وقيمة، ومن ثم كتب رسالة الى دار التعارف بوصية من الصدر الاول لطبع الكتاب .

 

ملاحظات على مشاريع فكرية

من هو يحيى محمد؟ ما هي ارتباطاته السياسية؟متى خرج من العراق؟ لماذا؟حدثنا عن حياتك الشخصية؟ ثم حياتك الفكرية؟

- منظّر في الفكر الاسلامي والفلسفة، ولدت سنة 1959، ونشأت ضمن عائلة فقيرة ترعاها أمّ عظيمة تكفلت برعايتنا ومعيشتنا، وحتى تعليمنا رغم أنها سيدة أمية، مع غياب الوالد. ومنذ ان وعيت وحتى هجرتي من العراق كنّا نسكن في منطقة شعبية في بغداد قرب الاعظمية (الكسرة). لم أكن وانا صغير احب المدرسة والواجبات البيتية، لا سيما في الصفين الاول والثاني الابتدائيين، لكني تكيفت مع ظروف الدراسة والواجبات فيما بعد.. كان لي اخ اكبر يهوى المطالعة وانا صغير، وكانت له جلسات حوارية حول المسائل الالهية مع بعض الاقرباء، فكنت استمع اليهما بلهفة، وافكر فيما يعرضانه من افكار وتيهان احياناً. كانت المسألة الالهية تهمني للغاية في ذلك الوقت، وفي احد الايام وقعت بالصدفة على كتاب شكّل لي منعطفاً عظيماً في حياتي، وهو كتاب (الله يتجلى في عصر العلم)، فقرأته بلهف مع تلخيصه. ومن ذلك الوقت التزمت بالتعاليم الدينية وأخذت أهوى القراءة والمطالعة. وقد شدّني آنذاك كتاب (فلسفتنا) للشهيد محمد باقر الصدر، اذ قمت بتلخيصه هو الاخر، وكانت لي حوله بعض الملاحظات وصادف ان عرضتها على الشهيد محمد محمد صادق الصدر عند مراجعاتي له بين مدة واخرى، فكان يجيبني عن بعضها، فيما ينقل لي في البعض الاخر بأن السيد محمد باقر الصدر قد غيّر رأيه فيها. وعموماً بدأت أقرأ الكثير من الكتب لموضوعات مختلفة فلسفية وعقائدية وفقهية واجتماعية وعلمية وما اليها.. فكنت اذهب لاستعير الكتب من مكتبة جامع التميمي في الكسرة، ثم تحولت بعدها لاستعارة الكتب من مكتبة الكاظمية العامة.. وبقيت على هذه الشاكلة حتى هجرتي من العراق سنة 1980. وكنت آنذاك مهتماً في الغالب بكتب الفلسفة وعلم الاجتماع، فضلاً عن العقائد، لا سيما الامامة. وفي الجامعة التحقت بفرع علوم الحياة (البايولوجيا)، وكنت كثيراً ما اناقش الاساتذة حول نظرية دارون، فأبدي معارضتي لها مدعماً ذلك ببعض الادلة طبقاً لمطالعاتي وميولي الدينية.. وقد دفعني هذا الامر الى تأليف أول كتاب حولها اسميته (الدراوينية عرض وتحليل)، وهو ما نشرته دار التعارف ببيروت سنة 1979، وفيه مقدمة مطولة للشهيد محمد الصدر، اذ راجع الكتاب مرتين وافادني بملاحظات كثيرة وقيمة، ومن ثم كتب رسالة الى دار التعارف بوصية من الصدر الاول لطبع الكتاب. ويحمل الكتاب اسم مؤلفه يحيى محمد، وهو اسم مستعار، وان كان الاسم الاول يمثلني بالفعل، لكن الاسم الاخير مستعار، تحسباً من ملاحقة اعوان النظام البائد. لم انتمِ الى اي حزب سياسي في حياتي قط، وربما يعود ذلك الى طبيعتي الشخصية ذات الاهتمام الابستمولوجي والتي لا تألف الطروحات الآيديولوجية التي تتغذى منها الاحزاب السياسية. تركت العراق بعد مضايقة النظام السابق ومحاولة اعتقالي لأكثر من مرة، وذهبت الى لبنان وبقيت فيها سنتين ثم بعدها رحلت الى ايران واقمت فيها ثمان سنوات، وبعدها استقر بي المقام في بريطانيا منذ 1990 وحتى اليوم.

ان اول عمل مارسته في المهجر هو تلخيص كتاب (الاسس المنطقية للاستقراء) للشهيد الصدر الاول، وكنت اطالعه وانا في العراق واحاول اتقان مضامينه، وقد توفرت لي هذه الفرصة في لبنان، وتبين لي خلالها ان الشهيد الصدر قد غيّر العديد من افكاره التي طرحها في فلسفتنا، كما اكتشفت بأن الامر لم يتوقف عند هذا الحد، بل بدا لي انه غيّر جوهر اطروحته النظرية التي قدّمها في الاسس المنطقية للاستقراء، وذلك بعد مطالعتي لكراس له بعنوان (بحث حول المهدي). وعلى العموم كان لي اهتمام جدي بالاسس المنطقية للاستقراء، وهو ما سبّب لي بعض العوائق من رجالات الحوزة الدينية، فضلاً عن الاهتمام بعلم الاجتماع. وخلال السنتين اللتين قضيتهما في لبنان صدر لي كتاب (التصوير الاسلامي للمجتمع) مع ثلاث مقالات نُشرت في مجلة الغدير عام 1981، وكانت عناوينها كالتالي:

1ـ القضاء والتطبع، العدد (5).

2ـ حياة المفكر محمد باقر الصدر، العدد (6).

3ـ ظاهرة الاغتراب واسبابها الاجتماعية، العدد (7).

يضاف الى مقالة رابعة فُقدت من المجلة المذكورة دون نشرها، وهي بعنوان: عزلة الباحث الاسلامي والاغتراب. كما كتبت آنذاك دراسة حول مجمل افكار الصدر الفلسفية، وتتضمن عددأ من تغيرات فكره، وكان من المفترض ان تنشر في احدى المجلات اللبنانية، وقد سلمتها لبعض المعنيين بالنشر، لكني لم اعرف عنها شيئاً بعد الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982، ومن ثم نشرتها بعد ذلك في مجلة دراسات وبحوث التي كانت تصدر في طهران سنة 1983، وهي بعنوان: نظرات فلسفية في فكر الامام الصدر. وفي ايران اقمت اربع سنوات في قم قبل مغادرتي منها الى مشهد، وخلالها مارست التدريس في الحوزة مع كتابة بعض البرامج الثقافية للقسم العربي من اذاعة طهران، وكان من بينها برنامج اسبوعي بعنوان عالم الدراسات الانسانية. وظهر لي خلال هذه الفترة كتابان احدهما بعنوان دور اللاشعور في الحياة، والاخر بعنوان الاسس المنطقية للاستقراء بحث وتعليق، وهو الكتاب الذي سبب لي ازمة مع بعض الاطراف مما اضطرني الى ترك قم والذهاب الى مشهد سنة 1986، حيث اقترحت على المشرف العلمي العام لمؤسسة التحقيقات الاسلامية، وهو الشيخ المعروف محمد واعظ زاده الخراساني، بكتابة مصنف حول مناهج الفكر الاسلامي ومن ضمنها اقتراح منهج جديد يختلف عن مناهج التراث السائدة، ويتعلق بالواقع، فرحّب بالفكرة وبدأ عملي لمدة سنتين فكتبت دراسة نقدية حول مناهج التراث، لكن مدير المؤسسة لم يرقه النقد المتعلق بالتراث الشيعي، في حين كان الشيخ واعظ زادة موافقاً على ممارستي لهذه المهمة، وكان اخر ما قاله لي: انني اوافقك تماماً لكنهم لا يريدون استمرارك!

وحينها تركت العمل في المؤسسة وتحولت الى التدريس في الجامعة والحوزة لمدة سنتين حتى تهيئت لي فرصة الرحيل الى بريطانيا بعد تكرر المضايقات، وكنت مصمماً على اتمام المشروع الذي راودني منذ كنت في قم، وقبل بداية عملي في مشهد، اذ لاحظت ان الحوزة لا تولي الواقع اي اهتمام في التفكير والنقد الديني.

 

المصادر المعرفية

الإعمال الفكرية ل يحيى محمد لا تنتمي إلى الثقافة العراقية بحقلها الإسلامي التقليدي؟ ما هي مصادركم المعرفية؟

- ربما من الصعب حصر مصادري المعرفية الا على نحو الاجمال. فكثيراً ما اعول على المصادر المنطقية الكاشفة عن المعرفة كاستخدام الدليل الاستقرائي حتى في فهمي للنص الديني، كذلك الواقع باعتباره يمت الى العقل البعدي وهو شبه مهمل ومغيب لدى الفكر الديني، وكذا الوجدان والعقل الفطري، والمقاصد الدينية، والمجملات النصية، والاعتبارات الفلسفية والعلمية وفن الهرمنوطيقا، واركز في هذا الصدد على فلسفة العلم واستثمارها في الفهم الديني، كما يهمني ما توصل اليه الفيلسوف الالماني (عمانوئيل كانت) حول المسافة التي تفصل الشيء لذاتنا عن الشيء في ذاته، وهو الاساس الذي ارتكز اليه، ليس في تصوري للواقع الموضوعي فحسب، بل وفهمي للنص الديني، ومن ثم طريقة معالجتي لما اطلقت عليه علم الطريقة. وعموماً كثيراً ما اميز بين المصادر المعرفية المشتركة والمصادر الخاصة، وأُولي الاعتبار للاولى وارجحها على الثانية، لكونها اقرب للاقناع والتأثير.

 

اليات علم الطريقة

يحيى محمد ابتكر علما اسماه (علم الطريقة) ما هو هذا العلم؟ما هي آلياته؟كيفية اشتغاله في حقل الثقافة الدينية؟

- علم الطريقة هو علم يبحث في مناهج الفهم الديني بالدرس والتحليل. فهو لا يمارس الفهم ذاته، بل ان هذه الوظيفة هي ما تعنى به المناهج، لكنه يمارس تحليل هذه المناهج بالذات، وبالتالي فتعامله مع الفهم هو تعامل غير مباشر، وهو في هذه الحالة يمارس ما اسميه (فهم الفهم). فهو يحدد مناهج الفهم كتلك التي تمّ تداولها خلال التراث، ليكشف عن ادواتها وآلياتها ومفاهيمها ومصادرها والاسس المعرفية التي تتقوم بها. وهو في هذا التحليل يعتمد على الربط القائم بين الذات القارئة والنص، فيدرس هذه العلاقة المحتمة في انتاجها للفهم، تعويلاً على التفرقة بين الفهم والنص، فالفهم نتاج مشترك للنص والذات القارئة. فالالية التي يعتمدها هذا العلم هي آلية الربط بين فعل الذات وتأثير النص لانتاج الفهم. فكل منهج لا يمكنه تجاوز هذه الممارسة وهذا الدور، سواء في حقل الثقافة الدينية او غيرها. وكل فكر لا يخلو من هذه العلاقة اللزومية للارتباط الثنائي بين الذات الكاشفة والموضوع المنكشف لها. ولا شك ان مهمة علم الطريقة هي الكشف عن طبيعة هذا الارتباط بين الذات والنص، اذ تختلف طبيعة هذا الارتباط بين منهج واخر، وهي المهمة التي تقع على عاتق دراسة علم الطريقة.

 

مقولات ومفاهيم

ما هي الأدوات المنهاجية لهذا العلم، المقولات، المفاهيم؟

 

- لعلم الطريقة العديد من الادوات المنهاجية التي يستخدمها في تحليله لمناهج الفهم بما تتضمن من مقولات ومفاهيم. ومن ذلك فكرة الجهاز المعرفي كنسق قائم على خمسة اركان مترابطة، وهي كل من المصدر المعرفي، والاداة المنهجية، والمولدات والموجهات القبلية، والفهم، واخيراً الانتاج والتوليد المعرفي. ويركز فيما يتعلق بالمولدات والموجهات القبلية على ما اسميه الاصول المولدة، باعتبارها اهم ما في القبليات المتحكمة في الفهم العلمي المنضبط. فالسنخية مثلاً هي اصل مولد للتفكير الفلسفي والعرفاني لدى الحضارة الاسلامية وما قبلها. وفي علم الطريقة تجري التفرقة بين علاقة القبليات بالفهم، وعلاقة النص بالفهم، ولكل منهما ادواته المنهاجية. فحول العلاقة الاخيرة يتبين ان هناك عنصراً جديداً يضاف الى عنصري النص، وهما اللفظ والسياق كما متعارف عليه. فالعنصر الجديد هو ما اسميه (المجال). ولهذا المفهوم اهمية كبيرة على الصعيد الادواتي. فطبقاً له تصبح آليات الفهم او القراءة للنص عبارة عن ثلاثة لا اثنتين يعبر عنهما عادة بالتفسير والتأويل، فيضاف الى ذلك آلية جديدة هي الاستبطان او الترميز. واطلق على هذه الاصناف الثلاثة للفهم او القراءة كلاً من: الإستظهار والتأويل والإستبطان او الترميز. والذي يعين طبيعة هذه الآليات هو المجال والظهور اللفظي، وهناك علاقات رياضية تحدد هذه الاليات كالذي فصلت الحديث عنها في (منطق فهم النص). وتتبين اهمية هذا التصنيف الثلاثي عند لحاظ ان التقسيمات التقليدية تخلط ما بين ممارسات تأويل النص الديني كما عند الكلاميين مثلاً، وبين جملة من ممارسات الباطنية والعرفاء في قراءاتهم للنص، فكلا المجموعتين من القراءات ينظر اليها بأنها تأويل، مع ان المجموعة الثانية لا تعود الى التأويل بل الى الاستبطان او الترميز. والذي يحدد هذا التصنيف هو مفهوم المجال ذاته كاداة منهاجية.كذلك من ضمن الادوات المنهاجية استخدامي للنص على ثلاثة مراتب متمايزة، هي النص المجهول ونص النص ونص نص النص، فالاخير قائم على الثاني بنحو التفسير، والثاني قائم على الاول بنحو الاشارة.

هذا فيما يتعلق بالادوات المنهاجية للنص، اما ما يتعلق بالادوات المنهاجية للقبليات فقد تم تصنيفها وتبيان اهميتها في التأثير على الفهم ضمن البحث الطرائقي. ومن ذلك التمييز بين القبليات التصورية والقبليات التصديقية، وكذا بين القبليات المشتركة والخاصة، وايضاً بين القبليات المنضبطة وغير المنضبطة. كما تم التمييز بين ما يتأثر به الفهم وما ينتج عنه ضمن اربعة اقسام لها مفاهيم ومقولات مختلفة، هي سنن الفهم وقوانينه وقواعده ومستنبطاته... الخ. يضاف الى ما سبق الادوات المنهاجية المتعلقة بمعايير الترجيح بين انساق الفهم ونظرياته. اذ يُستخدم في هذا المجال عدد من الادوات المعتمدة كأداة المنطق، لا سيما المنطق الاستقرائي، والبحث المنطقي غير المباشر، واداة الواقع والوجدان العقلي العام... الخ.

 

مناهج الفهم الديني

كيف تم إيجاد هذا العلم؟

- كانت البداية هي الحديث عن مناهج الفهم الديني وليس العلم الخاص بهذه المناهج. ويمكن تأريخها ابتداءاً من عام 1986، فقد اجريت تقسيماً رباعياً لمناهج التراث الاسلامي لتتاح الفرصة لوضع بديل منهجي. لكن تبين لي فيما بعد ان هناك حاجة الى علم يتكفل بدراسة هذه المناهج ضمن ضوابط معقولة. ويمكن تحديد هذا العمل عند كتابتي لـ (مدخل الى فهم الاسلام) بداية التسعينات، اذ كان القسم الاول منه يدور حول علم الطريقة، لكن الحال تطور فيما بعد وظهرت تفاصيل كثيرة حوله، كالذي يبدو في الطبعة الثالثة للمدخل، وكما جاء ايضاً في (منطق فهم النص). وفي المدخل تجد اشارة الى كون العلوم تنشأ من الناحية التاريخية قبل ولادة المنطق والمنهج المتعلق بها. وينطبق هذا الحال عما فعلته حول علم الطريقة. ففي البدء درست المناهج التراثية، لكني شعرت فيما بعد بضرورة البحث حول العلم الذي يقوم بدراسة هذه المناهج وفق معايير مناسبة، وهو ما سميته علم الطريقة.

 

مشروع فكري

  من خلال هذا العلم ( علم الطريقة ) إلى أين وصل مشروعكم الفكري؟

- يعد علم الطريقة مشروع يهدف الى تحديد معالم مشروع اخر متمم له، فهو علم منطقي اشبه باصول الفقه في علاقتها بالفقه. اذ يُعنى بتحليل مناهج الفهم، والغرض منه تأسيس منهج مناسب ينسجم مع المعايير التي يعتمدها. وهو في هذه المهمة يتجاوز الطرح المذهبي الايديولوجي، لكونه يتعامل مع مناهج قابلة للتطبيق على المذاهب دون تمايز. لذلك تم اخضاع مختلف المناهج التراثية للتحليل والنقد، وقد شغلت هذه المادة ما يقارب ثلاثة كتب من المشروع، وهي: الفلسفة والعرفان والاشكاليات الدينية، والعقل والبيان والاشكاليات الدينية، فضلاً عما جاء في اغلب مضامين مدخل الى فهم الاسلام. هذا بالاضافة الى وضع البديل المنهجي المتمثل بما اطلق عليه النظام الواقعي، وهو يشغل كتابين متكاملين هما: جدلية الخطاب والواقع، وفهم الدين والواقع.

 

hamed-fadilتحلق مرويات القاص حامد فاضل في فضاءات الصحراء الممتزجة بالواقعي والمتخيل، متخذة منطقها الخاص، المستمد من واقع عاشه وخبره، وأعاد تركيبه لينحو به إلى ما هو حلمي وغرائبي، من صمت الصحراء ومفازاتها الزاخرة بالقصص، استقى القاص مادته لابتكار حكاياته الجديدة، بسياقات عبقت بالسحر والخرافة .. من هنا اكتسبت قصص حامد فاضل بصماتها الخاصة وحرارتها وصدقها الفني، بوصفه ابن مدينة الصحراء (السماوة) .. أصدر القاص مجموعته الأولى (حكايات بيدبا) عام 1994، تلتها مجموعته (ما ترويه الشمس ما يرويه القمر) 2004، ثم مجموعته الثالثة (المعفاة) 2010، وله مخطوطة كتاب بعنوان (مرائي الصحراء المسفوحة)، التقته جريدة البيان للتعرف على جوانب من تجربته السردية ..

 

• كانت لكم نشاطات في المسرح، ومارستم النقد، وكتبتم الشعر، ولكم محاولات في الترجمة، ولكنكم حللتم في بيت القصة ووسمتم بوسمها، فلماذا القصة؟

ــ لأنها تترع كأس حياتي، فأثمل بها، ولها، صدقني سأذوي مثل كغصن خريفي إذا لم أكتب القصص أو أقرأها .

 

• والبداية .. متى كانت بداية اهتمامكم بالقصة؟

- ولدت في قبيلة الرواة، رضعت ثدي المروية، ترعرعت في حضن الحكاية، كانت ليالينا، ولما تزل متخمة (بالسوالف) ليالي الشتاء اللائذة بدفء المواقد، ليالي الصيف المكشوفة لعيون السماء، كل ليلة ينفض راو وقور جراب حكاياته في ذاكرتي، فأنا يا صديقي سليل الرواة، أنى مضيت تلاحقني خيول الحكاية وتدهم أحلامي إذا ما أويت إلى الفراش .. وهكذا صيرتني الليالي زير قصص .

 

• لكنكم لم تنشروا خلال عمركم القصصي الطويل نسبياً غير ثلاث مجموعات؟

- لا تسألني كم نشرت، اسألني ماذا أبدعت .. لدي رواية عنوانها (العلبة) ما تزال ومنذ أكثر من أربع سنوات مطمورة تحت غبار الزمن .. كان هناك اتفاق بين الدكتور جابر عصفور والمرحوم فوأد التكرلي على طبع ثمان روايات لثمانية كتاب عراقيين في مصر، اختارني المبدع أحمد خلف إلى جانب حميد المختار وشوقي كريم وآخرين، لكن ذلك المشروع لم ير النور، فتلفعت الرواية بشال العنوسة، ولي في أحدى دور النشر مجموعة من أدب الصحراء ما تزال تقبع في الانتظار . وقد أنجزت في ثقافة الأمكنة كتاب (مرائي الصحراء المسفوحة)، وهي نصوص في الأمكنة الصحراوية، إلى جانب ما ألفته أو أعددته من مسرحيات لم تطبع برغم أن بعضها حازت على جوائز، ولي محاولات في الشعر فضلت لها الانزواء في أدراج المكتب .. أعكف الآن على كتابة مجموعة صحراوية جديدة .

 

* في مجموعتكم الأولى، (حكايات بيدبا) بدت هموم الناس البسطاء وكأنها الثيمة الأثيرة لديكم . ثم سرعان ما انتقلتم إلى البحث عن موضوعات مغايرة لقصصكم، وصولاً إلى ما أنتم عليه اليوم من الاشتغال في حفريات النص؟

ــ كتبت معظم قصص، (حكايات بيدبا) في منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكانت الذاكرة مترعة بالقصص المعتقة في القبو الخمسيني والستيني، والقصة هي ابنة الواقع، تولد من رحمه، وتتربى في أحضان بيئته، فكانت (حكايات بيدبا) مرايا الواقع السبعيني التي تمرأت في نصاعتها أحداثه، باستثناء قصة (النافورة) التي كتبتها في مطلع التسعينات .

 

• أعتقد أن قصة النافورة هي الحجر الذي ألقيتموه في بئر النقد فتردد صداه وانداحت عنه الدوائر؟

- اعتقاد صحيح، قصة النافورة هي التي أثارت انتباه البعض من كتابنا الكبار كعبد الرحمن مجيد الربيعي وعبد الستار ناصر وخضير عبد الأمير وآخرين .. كل الروائح تبخرت من الذاكرة، إلا رائحة ما كتبه المبدع الراحل اسماعيل عيسى الذي قال : كنت أقرأ النافورة وكأنني أقرأ قصة عالمية لكاتب أجنبي، كما وصلتني عبارات جميلة بحق مجموعتي الأولى من المبدع الكبير محمد خضير، وكانت له كلمات جميلة أخرى بحق مجموعتي الثانية .

 

• سادت ثيمة الصحراء قصص مجموعتكم الثانية (ما ترويه الشمس ما يرويه القمر) ثم تجلت مقدرتكم في أدب الصحراء في (مرائي الصحراء المسفوحة) التي دأبتم على نشرها في جريدة الأديب، هل اتخذتم الصحراء كخط خاص لتجربتكم السردية؟

- يمكن القول أن أدب الصحراء صار سمة خاصة بتجربتي السردية التي ما أزال أسعى إلى تطويرها، وتهذيبها لأخلع عليها ــ مع كل نص جديد ــ حلة جديدة تخرج بها على القارئ من محراب الصحراء، فمن الاشتغال على المروية الشفاهية لتحويلها إلى قصة فنية في مجموعة ما ترويه الشمس . إلى الحفر في الخلفية الميثولوجية الصحراوية واستغلال المكان الصحراوي كسداة لنسج غزل حكايات الصحراء في كتاب المرائي الذي هو بوتقة تنصهر في متون قصصه الميثولوجيا والتأريخ والسحر والحداء والقصيد البدوي لتنتج أحداثاً من عالم رملي لا يُرى سحره الباطن إلا من خلال عين المخيال .. هناك في المرائي مشاركة في صنع الأثر الكلي بين الحكاء والقارئ .

 

• يتسلل الإحساس بالشعر إلى قارئكم وكأنه يقرأ قصصاً في قصائد أو قصائد في قصص، فلم هذه القصدية في الكتابة الشعرية؟

- عشقت الشعر وتزوجت القصة .. لا أتقصد الكتابة باللغة الشعرية، ولكنه الحنين إلى الشعر، يطفح من بئر العقل الباطن، ويفيض فيغرق حقول النص .

 

• في أدب الصحراء هناك من النقاد من يقارن بينكم وبين إبراهيم الكوني. ما هو رأيكم بأدب الصحراء الذي يكتبه إبراهيم الكوني؟

- هناك سمات مشتركة في تأثيث أدب الصحراء، في حفريات النص الميثولوجي الصحراوي / الأمكنة / الأزمنة / الكائنات / المينوغرافيا / الأساطير / المرويات / السحر / الجن / الحداء / القصيد / .. إبراهيم الكوني مبدع كبير خرج من بطن الصحراء ليكتب عن الكائنات التي تؤثث الصحراء، أنه العراف الذي يخترع التنبؤات التي تحققها الصحراء .. وخرجت من ضجيج المدن لأكتب عن صمت الصحراء المكتنز بالحكايات فأنا المرواتي الذي يلبس المروية الصحراوية ثوباً جديداً بدلاً من ثوبها الخلق .

 

* النقد يسلط الأضواء أحياناً على بعض الأسماء دون استحقاق، وبمعايير لا علاقة لها بألابداع، ما تعليقكم؟

ــ لا تخلو ساحة الإبداع العراقي شأنه شأن الإبداع العربي وربما العالمي من أنصاف المبدعين الموهومين الذين يسفحون الحبر على مرايا القرطاس وينشرونه على حسابهم الخاص . فيباركه موهومون آخرون من النقاد الخدج ، ولكنه الزبد الذي يذهب جفاء .

 

• القصة محددة بزمن قصير لا يتعدى اللحظات والدقائق، كيف يكون بمقدور الكاتب رسم واقع زاخر بالأحداث والوقائع كواقعنا؟

ــ وهنا تكمن جمالية القصة وقوة تأثيرها، فتقنيات القصة الكلاسية أو الحديثة هي العصا السحرية التي ما أن يضرب بها القاص أرضية الحدث المتخيل أو الواقعي حتى تتفجر منها الحبكة وتتشضى في الفضاء الزمكاني ثم تتشكل كما يتشكل الغيث وتهمي في وعاء اللغة وتلتم عند نقطة السطوع لتنير الأثر الكلي للقصة، فلولا الاسترجاع والتداعي والاسقاط والافتراض لما استطاعت القصة الكلاسية أن تنصب خيمتها على أعمدة الزمن الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، فهي برغم تعايشها مع لحظات أو دقائق الماضي، تنفذ إلى الحاضر من كوة الاسترجاع في الذاكرة، وتعبر جسر الأماني نحو المستقبل من خلال استشراف الحاضر بكل دقائقه وأحداثه، وكذلك حال نول المخيال في القصة الحديثة والذي يعمل القاص النساج عليه لنسج الأحداث بعد التجريد الذي يطال اللغة أحياناً وإلغاء الحواجز المفترضة مابين الواقعي والمتخيل لصنع قصة غرائبية تطوع أشكال الأدب والفن كافة .. فلا عجب أن يشترك المؤلف والقارئ معاً في تأليف القصة، فما أن ينتهي المبدع منها، حتى يبدأ المتلقي بتأليفها .. قرأت قصة لا تتجاوز الفقرتين، تنقل لنا صورتين متناقضتين خارجية وداخلية لوجهين يتطلعان ببعضهما من خلال زجاج واجهة مقهى، ثم يختفي الوجهان ويبقى فنجان القهوة لوحده على الطاولة، هذه قصة مكثفة بتركيز عال ولكنها ما أن تنتهي حتى تبدأ بالاستطالة من خلال التحفيز والتأويل والاستنتاج وهنا تكمن قوة استيعاب زمن القصة وانفتاحه على الواقع الزاخر بالأحداث والشخوص في كل مكان من العالم .

 

• في ظل المتغيرات، هل يمكن أن نؤسس مفهوماً جديداً للمثقف العراقي لممارسة دوره ومسؤوليته في هذه المرحلة؟

- الإحساس بالمتغيرات الظرفية الزمكانية المؤثرة والموجهة للسلوك الإنساني واحد بالنسبة إلى مثقفي العالم السفلي كافة، ولكن البيادر لا تكتمل بالعجالة نفسها التي زرعت بها الحقول .. أن ما احتاجه المثقف العراقي بعد التغير الدراماتيكي الذي طال الأصعدة كافة، هو ترميم الذات أولاً، ثم استيعاب ما استجد من مؤثرات، فهضم التأثير وتمثيله فالتعبير عنه بعد ترشيح المستجدات لبيان موقفه من مجريات وحراك الواقع الجديد، وتلك هي بشارة المثقف التي تنقلها رسالته إلى المجتمع باعتباره العين التي تجوب الأفق الحضاري، فهو المؤشر على الواقع، المبشر بالأهداف، المرشد إليها، ولذا فان من الملزم والضروري أن يصار إلى ردم شروخ الماضي وإدارة الدفة نحو شاطئ المصالحة الثقافية لترميم سفينة الثقافة العراقية التي أبحرت منذ أكثر من ستة آلاف عام وما تزال تجوب بحار الثقافة .. إن تأسيس مفهوم جديد للمثقف مطلب مشروع في هذه المرحلة وفي المراحل اللاحقة مادامت الحياة ساربة في نهار الزمن، سارية في ليله، مستبدلة العوالم الزائلة بأخرى جديدة .

 

*هل لديكم ميل لأشكال التجريب والتقنيات الحديثة، وهل ترى فيها تعبيراً عن الرفض والتمرد للسائد والمألوف في الكتابة؟

- هو ليس رفضاً ولا تمرداً، إنما هو اجتراح طرائق جديدة لم تكن سائدة في القصص المتوارث منذ موباسان أول من خلع على جسد القصة ثوباً فنياً بعد ما تخلصت من ثوب السذاجة، لتنتقل إلى عالم أزياء الكتابة الحديثة المتجددة الباحثة عن أحداث مغايرة، وأمكنة حديثة، وأزمنة مفتوحة، متخلصة من وسم / السببية / المصادفة / المفاجأة / لتكتنز بالسرد الفني الذي يعنى بحسب مفهوم تودوروف بالكشف عن مكنون القصة ويحدد بناءها .. ويخطئ من يظن أن القصة الحديثة هي سرد متقن، ولغة تجريدية، أو هي كوكتيل من فنون الأدب مجرد من الحكاية، أن هذا النوع من الأدب هو نص لا يمت إلى القصة بصلة .. ومن هنا كان بورخيس الذي أثار اهتمام فوكو يعتبر أن قصصه حكايات .. أميل في محاولاتي القصصية إلى اعتماد الحكاية القديمة لإنتاج حكاية جديدة من خلال التزامن، ساعياً إلى مزج الخيالي بالواقعي وتهشيم الحاجز الوهمي الفاصل بين الواقعي والفنتازي، وأسطرة الأحداث المستلة من الحكايات، لينفتح السرد فيشمل الحلمي / الرؤيوي / العجائبي / الغرائبي / أتخفى وراء تعدد الأصوات متخلصاً من قيود السرد النمطي، معتمدا اللغة الشعرية، قاصداً النهايات المفتوحة، متيحاً للقارئ فرصة إظهار الإخفاء للمشاركة في إنتاج القصة .

 

• على مستوى القصة العراقية، ما الذي تطمحون إليه؟

- أطمح أن أكون اسماً لا رقماُ في القصة العراقية . 

 

 

 حاوره: كاظم حسوني

 

faisel abdulhusanحينما تحاور فيصل عبد الحسن ـ الأديب العراقي الكبير ـ تلمس مدى تأثر العراقي الأصيل

iesa alyasiri- بلدي أغدق علّي بالامراض والمُغترَب منحني الكرامة

نamal_awadaجوى شمعون باحثة في العمل الاجتماعيّ من خلال التخصّص في الخدمة الاجتماعيّة كيف تصفين الحالة الاجتماعيّة في غزة على أثر القصف المتكرّر مِن قبل الاحتلال الإسرائيليّ من جهة،

mutham_aljanabi- هل يمكننا أن نعتبر كتابات وأعمال هادي العلوي مشروعا فكريا متكاملا؟

- إن كلمة المشروع من الناحية اللغوية تشير الى ما جرى ويجري التخطيط لتنفيذه.

s3س15- الغرابة تكمن في مثقف ضد السلطة وآخر مع السلطة، كي نجد ميزان الوطن قد تأرجح طوال قرون عربية ولكن كان شديد الوضوح في القرن العشرين،

nahed_tamymi2- تذيبني رؤية طفل بائس او دمعة ارملة او استجداء شيخ وانكسار عراقي

ثمة صوت يخرج من اعماقها ...يشدنا اليها ويسحبنا معها لفضاءات من البوح بركانية حارقة تارة و دافقة بالحب