استقصاء مبسَّط، في تاريخنا الصوفي سيؤكد القرابة الموجودة بين المقدَّس والشهواني

ها نحن نحطّ الرّحال ثانية ونرشّ بورود اقتفاء أثر الهامات على امتداد وترامي خارطة الإبداع العربي الرشيق والطاعن بنورانية متونه، ننبش في عوالم من الأسرار عسى نغنم ما يدغدغ الحنايا وينير لنا الدروب. لكن بنكهة مغايرة هذه المرّة، وحيث ينتهي بنا المطاف وتستقرّ بنا ساقُ الفضول المشروع.. ها نحن بمعية مبدع مطبوع جملة وتفصيلا، سندباد ما ينفكّ يغامر ويقامر أعزلَ إلاّ ممّا يزيّن ويحبّب له الصولة داخل حدود الورقة في صوفية مذاقاتها وعذريتها وبراءتها وتضوع عبيرها وغواية بياضاتها التوّاقة على الدوام إلى الخيانة والافتضاض غير الرّحيم.. لعلّه تجديف مضادّ مثلما تدشّنه روح باسلة تتشرّب حد الغيبوبة تعاليم (باتاي) على درجة عالية من العمق والوعي، دونما الاكتراث لفخاخ حواشي الورق.مبدع لا يستهويه اللوح الإلكتروني إلاّ فيما ندُر .يأبى إلاّ أن يتشبّع بثقافات الغيرية عبر الإفادة من امتياز الترجمة كخيار مواز للممارسة الشعرية، تبنّاه صاحبنا وراهن عليه لأجل صقل أدوات الكتابة لديه ومراكمة تجربة إبداعية باذخة افتتحت بمجموعة(من غير أن يمسسه الماء) فديوان (محرّك الدمى) مرورا بـ (تجربة الليل)، فالمنجز الحديث الذي هو قيد الطبع تحت وسوم (فراش ذبح). أخيرا وليس آخرا، الشاعر المغربي المتألق محمد العرابي.لي قصة ماتعة وأقرب ما تكون إلى الخرافي، مع هذا الاسم الوارف بقطوفه، تشكّلت خيوط بدايتها ونبتت مع الجذور الأولى لعشق وإدمان المطالعة لدي.. بحيث حدث أن قرأت أول ما قرأت للرجل، بالصدفة، منشورا تضمّنته مزقة لنسخة من جريدة الاتحاد الاشتراكي أنذاك، تحت عتبة" القناع" .. تلك النبوءة والتكهن ــ إذا شئنا ــ بديمومة لحظتنا في دياجير متلونة ومتقلبة في أقنعة لا حصر لها ولا انتهاء إلاّ بنزعها لارتداءات أخرى أكثر تناغما وتناسقا مع الموضة الجديدة الخادعة والمراوغة. بذلك أينع من يومها التجاور الروحي وفاحت رياضه، ليثمر انتهاء تلاق ميداني حميمي مضياف بصمته آخر زيارة أقوم بها لمدينة ميسور.. كمفارقة ذروة في الطرافة، على اعتبار مسقط رأس كلينا متاخم للآخر..المدينتين الصغيرتين أوطاط الحاج وميسور الموغلتين والثاويتين في دغل المغرب، المغازلتين لحلم طفولي كبير، المتهمتين بالانتماء إلى ما اصطلح عليه عدوانا وإجحافا"المغرب غير النافع" وإن على سبيل التوصيف والتقسيم الجغرافي في علائقه ولحمة التصاقه بالغنيمة المفاهيمية الاستعمارية.انتفض شاعرنا وأصرّ وكابر والتزم بمنحى نضالي تصاعديّ لحين تأتّى له قسط من المشتهى، فاستطاع بالتالي انتشال ذاته من مخالب العطالة وأوجاعها الخانقة.يمتهن التدريس حاليا.

هلاّ تضعنا في الصورة شاعرنا، فتسرد لنا في عجالة، لو تكرّمت، البعض من طقوس أحدث إضمامة شعرية لك، خاصة وأنك خارج للتو من مخاض لم تزل تتلمّظ معنى الإخلاص والوفاء للقصيدة حدّ السمو بها فوق الحياة بعينها..؟

- التحية لروحك العاشقة أبدا،

عذرا، إن بدأت هكذا: جئت إلى الكتابة من باب ملتبس، من باب الجناية والسطو والجريمة: سرقة الكتب... كان أصدقائي، في السوق، يسرقون فواكه وأثوابا، وكنت أسرق أخطر الفواكه وأكثرها فتكا، ولم أكن محصنا ضد الغواية، ولم أملك دفة للنجاة من لجج الخيال والفكر؟ ومنذ أن قرأت، بالعربية، أو لكتب(ي)المسروقة ولم أكن قد تجاوزت الثالثة عشرة من العمر، أيقنت بأني ضعت، وبأني دخلت ماراتون مضايقه مسحورة لن أعود منها أبدا. ومن السخرية أن أول كتاب بالفرنسية رمته السرقة في طريقي لم يكن إلا كتاب بلزاك: (الجلد الأحرش) أو الجلد المسحورla peau de chagrin، الجلد الذي يحقق لرفائيل كل رغباته، لكن ما إن يحقق له رغبة حتى يتقلص وينكمش ويقرِّبه من حتفه. منذ أن قرأته، أحسست أني ألقيت حجري في بركة أخرى لا قرار لها، ستزيد ضياعي أكثر، في لغة ثانية.آخر مرة حاولت أن أسرق كتابا كان في أواسط التسعينات، من أحد المعاهد الغربية بمدينة فاس. قمت بتسجيل استعارة خارجية للمجلد الأول من الأعمال الكاملة للشاعر بيار جان جوف، لكن عوض أن آخذ الكتاب الذي عليه القيد، أخرجت المجلد الثاني. كنت بارعا في التخطيط لسرقة الكتب، لكن المرور بالأجهزة الرقمية اللعينة كشفني، ومع ذلك قلصت نسبة الحرَج وأعطيت الانطباع بأن المحاولة كانت مجرد خطأ في التقدير.في النهاية، وبحكم الإقرار بالجرم والعود إليه récidive، أنا مجرد سارق كلمات، وسارق أفكار.

حدثتني عن أحد أقنعتي الذي وجدته في مزقة من جريدة. الديوان الأخير "فراش ذبح" وجه آخر من هذه الأقنعة المسروقة التي أختفي وراءها. قناع يسكن قناعا، قناع لا فكاك لنا منه، ببساطة لأنه عُقْدتنا الصغيرة المبرمة أبدا..

ذلك هو الأنثوي.من شرفته أحاول أن أطل على كون أسئلته الحارقة، من خلال أنثوية باذخة احتمت دائما بالالتباسات التي تلف العالم، بالوقوف عند نماذج لا تخطئها العين، مثلت تجليا ولحظة فارقة في بناء نموذجها الأسطوري المنشطر بين الرغبة ونقيضها، بين السمو الروحي والانكسار الشّهوي، أو العكس..

ماذا يقول لنا هذا الأنثوي خارج أطرنا الثقافية الذكورية؟ كيف يفكر ذاته؟ كيف يفكر آخره؟كيف لمّ تشظّيه وهو في قبضة الحمى الكونية، وكيف يحيا أزمته حين مواجهة غريمه؟ هل ينفتح؟ أم يظل بين أسوار مناعته؟باعتبار أن معناه، معنى كينونته، يحتاج دائما لعلاقة بأكثر من واحد مطلق في عزلته؟ يزعم جورج باتاي في كتابه " التجربة الداخلية" بأنه" لا وجود لمعنى بالنسبة لواحد ".

"il n’y a pas de sens pour un seul".

النماذج الكونية التي غرقت في عزلتها، كبطلة مالارميه: "إيرودياد"، ونرسيس في عشق صورته آلتا إلى المأساة وبؤس المصير.

بأي ثمن إذن يحقق الأنثوي معادلته المستحيلة: تخليص الجسد من تاريخ طويل من الاضطهاد والاستغلال والعبودية، من الحرمان والوصاية، وعدم الوقوع في نفس الآن، في فخ التعالي المطلق على الآخر الذي من شأنه أن يورد الأنثوي مورد الحِمام؟

بهذا القناع المسروق إذن، وضمن رؤية حاولت أن تفكر سرّ المرأة الذي " لا يعرفه إلا من عرف فيم وُجد العالم"، بتعبير الشيخ الأكبر، ( ولا أزعم أني أعرف فيم وجد العالم، لأني زائف بالنهاية) أحاول كحالم أن أنصت لهسيس الأنثوي الذي قهرناه بهذه الذاتية المتضخّمة حدّ التفسخ، بعد أن لم تعد تعرف غير الشرنقة الذاتية للأنا، وغير العصاب لمسرحة هواجسها.

 كيف يعيش محمد العرابي تجربة المزاوجة بين الممارسة الشعرية وفعل الترجمة؟

- الترجمة فعل قراءة بالأساس. وأنا أقرأ نصوصا شعرية كانت تمارس إغراء خاصا نهاية ثمانينات القرن الماضي، كنت أحاول أن يصل التذاذي بهذه النصوص مداه، فأنقلها لحسابي من لغتها الأصلية وأخضعها لعنف كلماتي (لنتذكر أن ولادة كلماتي حملت جينات واقعها القائم على السلب). معي الآن الكثير من الأشعار المترجمة والتي (أحتفظ بها لنفسي) تتسلل كلماتها أحيانا لما أكتب، أحتاج لجهد كبير لأن أقطع بدون رحمة، المسروق من لغة أخرى من شعرية أخرى. ما أحاول أن أقوله أننا مهما ادعينا الأصالة في الكتابة فإننا نكتب في أثر نصوص أخرى تدخل طوعا أو قسرا إلى كتابتنا باعتبارها لا وعي اللغة. كل ما هناك، أن أفضلنا ينجح في مسح أي أثر لنصوص سابقة، أو على الأقل لما يضرُّ كتابته من هذه العوالق. ومن هذا المنظور نستطيع أن نوسع مفهوم الترجمة ليشمل كل النصوص التي نقرأها في لغة الآخر، أكان عربيا أم أعجميا. ألسنا نترجم هذا المقروء (المسروق) حسب حاجاتنا، وحسب تجاربنا في الحياة، بكلماتنا الخاصة؟

إذا ما عرّجنا بالحوار قليلا، ميلا إلى طابو الجندرية بعدّها خطابا راح يفرض حضوره تدريجيا.. المشهد الإيروتيكي الذي بات يغزو ساحة التلقي وإن بأقنعة أشدّ تعصرنا، بين الأصوات المناهضة له، وضرورة التسلّح بمقاربات مستحدثة سانحة بمعالجات عبر زاويا مختلفة، أكثر تعقّلا وإنصافا، تمهيدا لفكّ ألغاز وطلاسم كهذه ظاهرة شائكة ومتشعّبة.. لا أخفيك أنه حدث ورشقت أقلاما عدة منتسبة في عمومها إلى نون النسوة، بوابل ووبال استنطاقات حول هذه الحساسية، يبدو أن ما حصدت عقبها لم يشف غليلي بعد.. النزعة الإيروتيكية السائدة والسارية حاليا، بسيف نون النسوة على نحو خاصّ، كضرب من بعث لما يمكن أن أسمّيه شخصيا "الذاكرة القبانية" تبرّكا بأمجاد الشاعر السوري العظيم نزار قباني. هل هي ضرورة إبداعية تلبّي حاجيات الموجة الشبابية المعروفة بانفتاحها الأعمى على كل شيء تقريبا وفي خضمّ مغامرة مجنونة غير محسوبة التبعات والعواقب، قلما تتيح لها معطيات إشباع الكبت وإرواء العطش الروحي..؟ أم أنها حالة مرضية باعثة على انحسار وشلل ثقافي إجمالا؟تقييمك للظاهرة؟

- الجسد أحد تجليات الإبداع. والإنسان كائن منعزل يواصل عرضه المأساوي بشكل فردي، يؤديه إلى النهاية إلى أن يسقط صريع الموت. ولجعل الجسد يزهر أثناء هذا العبور، على هذا الإنسان أن يكسر قوقعته وينفتح على الآخر. شكل هذا الانفتاح هو الذي يحدد في الأخير كيفية معالجتنا للظاهرة. هناك من تستهويه الغنائية المدغدغة للعواطف، آخرون يواجهون التحريم والمنع في التعامل مع الجسد بالدعوة إلى تحرير تام للغرائز. البديل عن هذا وذاك، يرفض أن يدلِّس ويقرُّ، ببساطة، أن اللذة والشعور بالذنب لم تنفصم عراهما يوما. وهو ما يعزز الشعور بأن الفعل الأيروتيكي يحتفظ بوشائج تقربه من المقدَّس. ولتحقيق تواصل فعال، يحقق المتعة واللذة في آن، يجب خرق العزلة التي تطبع مصير الذات بصبِّها في محيط الآخر غير المحدود في سبيل تواصلية مع الكون والكائن لا تتحقق إلا بالموت. ألا يُشكِل علينا الأمر حتى ليخيل إلينا أننا بصدد الحديث عن تجربة صوفية؟ ونحن كذلك بالفعل. استقصاء مبسَّط، في تاريخنا الصوفي سيؤكد القرابة الموجودة بين المقدَّس والشهواني.

مبدأ أو ميكانيزم الصياغة المغايرة في إنتاج الذات الإبداعية وفق أسلوبية تهب للنص ولادة ثانية إبان كل بزوغ وتبعا لتراكم التجربة، إلى أي حدّ وبأي وثيرة تراك اشتغلت عليها أنت واستثمرها باقتصاد في أجدد منجز لك؟

- في "فراش ذبح" وضعت هذه اللافتة في مستهل الديوان:"هَذِهِ قَصَائِدُ طَوِيلَةٌ مُكْتَنِزَةٌ "هِرْكُولَةٌ"، بتعبيرالأَعْشَى، كُتِبَتْ، بَادِئَ الأَمْر، بِمَلْحَمِيَّةٍ تَلِيقُ بِأُنْثَوِيةٍ بَاذِخَةٍ، ولاعْتِبَاراتٍ فَنِّيَّةٍ مَحْض، تَعرَّضَتْ لِتَعْريَةٍ شَدِيدَةٍ لَمْ تُبْقِ مِنْهَا سِوَى هَيْكَلِهَا العَظْمِيِّ الذِي لَوْلَاهُ لانْقَصَفَتْ وَخَبَتْ، حتَّى يَكادُ يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا قَوْلُ المُتَنَبِّي: "لَوْلَا مُخَاطَبَتِي إِيَّاكَ لَمْ تَرَنِي "؛مِنْ شِدَّةِ تَقَشُّفِهَا اقْتَرَبَتْ مِنَ العَفَاء".

انتبهت، بعد فوات الأوان، إلى مسألة غاية في الأهمية وهي مسألة البناء في الشعر. دواويني السابقة كُتبت بملحمية فادحة، حتى كانت القصيدة تمتد لاهثة مدى الديوان. كتابة من هذا القبيل تتيح لك اختبار كمٍّ هائلٍ من التقنيات والأفكار المنتمية عموما إلى الموسوعة. إلا أنها تحرمك بالأساس من أهم شيئين في الشعر، وهما الإيجاز والدقة في وضع اللبنات، إذ كيف يتسنى لك إحكام البناء والكلام يأخذ بعواهن بعضه بعضا؟ يعجبني تشبيه الروائي الفرنسي أندري جيد في روايته "مستنقعات"، Paludes، على لسان إحدى شخصياته بأن الكتاب الحق، مغلقٌ، وممتلئٌ، أملسُ مثل بيضة، لا تقبل أن نُدخل فيها ولا حتى رأس إبرة إلا بالقوة مما يتسبب فيكسر شكلها.شعراء كثُر يقضون سحابة عمرهم في إصدار عدد من الدواوين دون أن يعرفوا أبدا ما الذي يعنيه فعل البناء.

كلمة ختامية؟

- أسئلة كثيرة ما تزال معلقة. وأتساءل أنا بدوري، من أين تأتيك كل هذه الطاقة لتقبض على جمر الشعر على طول هذه الجغرافيا العربية المترامية الأطراف؟ وكيف استطعت أن تفلت من كل هذه البكائيات والندوب التي ترتفع هنا وهناك، وتتهم النقد عموما بتقصيره في متابعة الأعمال الإبداعية، وإن فعل، فلن تتأخر تهم تبادل المنفعة والشللية برشقه؟ وتقديري أنك عاشق كبير للجمال تولي وجهك شطره أنى وجد.

والتحية لروحك الشفافة الرقيقة شاعرنا المتألق محمد العرابي . النقد في جميع الأحوال متّهم، وهذه ضريبة كل مولع بالجمال.

 

احمد الشيخاوي/ شاعر وناقد مغربي

 

 

- المثقف يراهن على المستقبل بوجوده التنويري في الماضي والحاضر والمستقبل

الغربة تجربة وجودية ، وجعلت المهجر" منأى " وواحة أتنفس بها حريتي

- الشعر ليس خاضعاً لمزاج صناع الحروب، وليس الشاعر بكاتب مأجور، أما الإرهاب فهو مدان حيثما وجد

- إشتغالي في حقل الميديا عموما ينبوع يثري تجربتي الابداعية شعريا ونثريا

- أنا دائم الولادات ولدي أكثر من كتاب وهذه مسؤوليتي الابداعية والتاريخية عموما

 

كيف تجد الشعر العراقي اليوم في ظل الارهاب والفوضى التي يمر بها البلد، وهل استطاع ان يكون بمستوى الاحداث؟

- ليس مهمة الشاعر والشعر الدخول في مواجهة عسكرية او ميدانية مع الارهاب والفوضى، للشاعر دور خطير في تربية الحس الجمالي في المجتمع، واشاعة رسالة السلام والمحبة كي يتحصن الكائن البشري ضد الاكتواء بداء الارهاب والفوضى أولا، فالشعر هو مصل للوقاية من الوقوع في الداء، أما ما يشاع عن الدور التعبوي للشعر في المعركة فهذه تعتمد على مفهوم المعركة والارهاب والفوضى، كي يحدد الشاعر بوصلته لأداء دوره المفترض في هكذا ظروف، دون رضوخ لترهيب أو ترغيب ماكنة السياسة التي تدير أمر الحرب. لا بد للشاعر من مسافة للإنصات الى صوت الضمير والجمال معا.

هل استطاعت القصيدة العراقية تجسيد المعركة ضد الارهاب؟

- هذا السؤال على صله بسابقه، فالشعر ليس خاضعاً لمزاج صناع الحروب، وليس الشاعر بكاتب مأجور، أما الإرهاب فهو مدان حيثما وجد، ومن ايّة حاضنة إنبثق، والشاعر انسان وعضو في المجتمع وبامكانه أن يوصل رسالته بالطريقة التي يراها مناسبة لادانة ورفض الارهاب، سواء في نص شعري أو بيان او مقال أو رواية أو اي شكل تعبيري آخر، والقصيدة التي تعنيها بسؤالك هي المعنية بتأدية فرض خارج محيطها الإبداعي. وهذا نمط ورثناه من العقلية الدكتاتورية السابقة "وفق منطق كل شيء من أجل النصر".

 

كيف يستطيع الشاعر ان يعيش في الغربة مع هذا الحس المرهف الذي يتميز به.. كيف يواجه هذا الاغتراب.. صف لنا تجربتك في الغربة؟

 

- طبقنا لتجربتي فانا لا اعاني من مرض الغربة، ولا اعتبر وجودي في استراليا كمنفي او غريب، لقد جعلت المهجر واحة لأتنفس بها حريتي، لأشعر بها بكامل حريتي في العطاء، فأنا لا اتعامل مع وطني الأم العراق كمدونة للرثاء، ولا وطني استراليا كغريب، الغربة الجغرافية فقط هي التي تبعدني عن وطني العراق، وما عداها فأنا أكتب واتنفس بقلب ورئة عراقيتين، الغربة تجربة وجودية أتاحت لي النظر الى المشهد العراقي من الخارج، والنظر الى تجربتي في مناخ من التأمل جماليا وفكريا، الغربة انجاز أتاح لي الخلاص من أمراض الديكتاتورية وما افرزته من أمراض في حقل الفكر والابداع، إذ نجح النظام السابق في ايجاد شرخ هائل بين التجربة الابداعية العراقية، في الداخل والخارج، وهو من اشاع هذه المصطلح المضلل، أدب الداخل وأدب الخارج، لغرض تشظي الخطاب الجمالي والانساني للمبدع العراقي في داخل العراق وخارجه.

لقد انتجتُ في الغربة اضعافاً مما انتجته في وطني، من خلال تجربة جديدة ونضج متواصل لأدواتي ورؤيتي من خلال متسع كبير من القراءات والتجارب خارج الاملاءات الوطنية، لقد تحقق لي ما كنت أخطط له بحرية تامة.

لذا فأن الغربة وإن تعددت اسبابها فهي أيضا تفضي الى نتائج متعددة، ولكل حسب غرضه ونواياه ومشروعه الجمالي والانساني.

هل تعتقد بأن العمل في الصحافة او الاعلام قد يبعد الشاعر او القاص عن الكتابة الابداعية؟

 

اذا اتفقنا مع ما يشاع عن مقولة طه حسين بقوله "الصحافة مقبرة الأدب" فسوف نكذب عميد الأدب العربي بنتاجه أولاً، فهو الذي كان منتظما بكتابة عمود اسبوعي في جريدة الإهرام بعنوان "حديث الاربعاء"، والذي صار كتابا فيما بعد. أما ما يخص تجربتي في حقل الاعلام والميديا عموما فأنا اجد نفسي في حقل ابداعي آخر، وفي ينبوع يثري تجربتي الابداعية شعريا ونثريا، بصراحة تامة انا لا اعاني من عقدة نقص وندم في دخولي حقول القول، سواء شعرا ام نثرا ام ميديا ، فكلهم أولادي، ولكل منهم مكانة في تجربتي ككاتب، رغم أني افضل هويتي الشعرية على باقي الهويات.

كيف تجد موقف المثقف العراقي بشكل عام حيال الارهاب والتطرف؟

- هذا سؤال استفزاي حقا، فكيف يجتمع المثقف والارهاب والتطرف في خانة واحدة، ومن ثم نسأل عن دور أو موقف؟

لا شك أن المثقف بمفهومه الجمالي والانساني والبرهاني، لا بد أن يكون خطابه تبشيريا مضادا لنزعة العنف والاقصاء، لا بد له ان يكون مثقفا عضويا بحسب غرامشي، مثقفا متفاعلا، وليس متفرجاً.

استطاع السياسي خلال السنوات الماضية ان يسحب البساط من المثقف.. تسليط الضوء ودائرة التأثير لم تكن بالنسبة للثقافة في الوقت الحاضر كما هي في السابق.. كيف يمكن مواجهة ذلك؟

- ازمة المواجهة بين المثقف والسياسي ليست وليدة اللحظة أو صنيعة سنوات ماضية، بل هي هوة أكيدة تعمقت منذ مئات السنين في الثقافة البشرية، فنزوع السياسي للثبات يتناقض مع مشروع المثقف في التحول والتغيير. السياسي يرى في الحصول على الممكن هو مقياس نجاحه وسر وجوده بينما المثقف يراهن على المستقبل بوجوده التنويري في الحاضر والماضي، المثقف ناقد أبدي يمتلك مجسات حساسة في التعامل مع الواقع والحلم، وهو ليس ناقما بل مقوما للأداء السياسي العام، ويمتلك شفافية وأمانة وليس محابيا لأحد. ولكن المشكلة ان السياسي يريد صناعة مثقفين كجنود وابواق له، يباركون ويهللون لمشروعه السياسي والفكري.

الارهاب مشكلة عقائدية وفكرية.. لماذا غاب دور الشاعر والقاص والاديب في تجسيد معاني الحياة ونبذ التطرف.. هل ثمة حلول ممكنة لمواجهة التطرف الذي يغزو العالم؟

- نعم الارهاب جذوره وحاضناته فكرية أولا، وهو وليد تعاليم تعد مقدسة عند البعض وله عرابون يقومون بالتنظير الفكري والنظري لممارسة الارهاب تحت ظلال متنوعة من الافكار الدينية خصوصا لتبرير قدسيتها وصلتها بالله، وبالتالي فالإرهابي ُيغسل دماغه تماما ليتحول الى روبورت بشري لا يتوافر على قدرة فكرية مضادة اوقناعة مختلفة، وعندما نفهم هذه الآلية يكون للمثقف والمبدع دوره الواعي ومسؤوليته التاريخية في مجابهة الإرهاب، عبر وسائلة التعبيرية في القول والكتابة وكل حسب اختصاصه، وبهذه الطريقة يمكننا من مجابهة الارهاب بصورة جذرية فكرية مضادة وليس فقط تصفيات جسدية وعسكرية. والاهم هو تعريف الارهاب أولا وتجفيف منابعه فكريا وماديا.

كيف تجد.. مثقفين ساندوا داعش.. شعراء يتصدرون المشهد الشعري في العراق دون منجز حقيقي.. العلاقة مابين الشاعر والسلطة والارهاب.. الموقف الاخلاقي للاديب والمثقف العراقي من الارهاب؟

- الارهاب بإمكانياته المادية الكبيرة قادر على تجنيد الأسماء والأصوات المهمة وغيرها، لذا لا نتفاجأ من وجود أصوات صفراء مات ضميرها الإنساني وصارت كلمة مفخخة وفكرا ساما، وتؤدي دورا خطيرا جدا في افساد المجتمع، وتلعب دورا أخطر من دور الإرهابي نفسه.

هل ثمة موقف واضح للادباء والشعراء العراقيين في المهجر من الارهاب في العراق؟

- لا شك أن الارهاب بكافة أشكاله مرفوض ومدان من قبل أي مثقف أومبدع له ضمير انساني، وحاسة جمالية وحس مهني وأخلاقي، فالارهاب علّة عالمية فكرية وميدانية، واداة للقتل والتكفير بلا هوادة موجهة للشعوب والمجتمعات، ونحن في المهجر كنا متفاعلين تماما مع ما أصاب منطقتنا وبلادنا الحبيب العراق من ويلات داعش وتآمر القوى الظلامية من الداخل وتكالب القوى الأقليمية علينا لدعم الارهابيين ماديا وفكريا، لأن العراق تخلص من قبر الديكتاتورية وشكل بتجربته الجديدة أفقا جديدا يخشى منه، فكنا دائما مع شعبنا العراقي بكل ما امكننا عمله سواء في الانتاجات الابداعية الفردية أو من خلال منظمات ومنتديات ومؤسسات مجتمع مدني، وفي تجربتنا في الصالون الثقافي في منتدى الجامعيين نظمنا الكثير من الفعاليات والمهرجانات الثقافية والاجتماعية المناهضة لكل فكر ظلامي.

هل ثمة انجاز ادبي لشامخ خلال الفترة المقبلة قد تتعلق بالارهاب والعراق ومايحدث؟

- أنا دائم الولادات ولدي أكثر من كتاب صدر في الفترة الأخيرة، في حقل الشعر ديوان شعري "مصور شمسي" عن دار ميزوبوتاميا و "قل ولا تقل " عن اتحاد الادباء والكتاب العراقيين – البصرة وفي حقل النقد " نزهة في حدائق الوجوه.. دراسة نقدية لفكر الكاتب الكبير محمد خضير"، وفي حقل التحقيق كتاب "سجناء الفكر في العراق الحديث.. أوراق نوئيل رسام من خلف قضبان الحكم الملكي".

وكل هذه الأعمال تشكل رصيدا لي وجهدا أفتخر به كجزء من مسؤوليتي الابداعية والتاريخية عموما. وبالتأكيد فأن الكلمة المعبرة في مختلف الحقول تكون أداة جمالية وفكرية وانسانية ضد الفكر الظلامي ومن نتائجه داعش وأخواتها.

 

 

حوار - عدنان أبوزيد

- المرأة اليمنية الجنوبية في عيدها العالمي .

- جدلية الموائمة وتوأمة التشابك مع الرجل .

- البحث عن الانسان الضائع بين فصام العلاقة بين الجنسين .

مع مناسبة تجاوزت حدود مكان توهجها تجسدت معها ثورة الرفض داخل المرأة فقدى اقتداء عالمي على اختلاف الديانات والثقافات وما بينها من اعتقادات مذهبية وطائفية وعلى كثرة الماسي إلا أنها لم تمح هذه المناسبة وما أنطلت عليه من جموح ثوري نحو التحرر وتحطيم شرنقة الظلم .

بعد هذه السنون الطوال ونحن الأباء والازواج والأخوة والرفاق والزملاء يحق لنا أن نبعث تذكار إلى النساء في كل العالم بأهميتهن فـــي الحياة مجتمعات وفرادى، داخل دائرة الرجل أو خارجها، متفرقات ومترابطات

كما يحق لنا أن نطرح السؤال التالي ماهي نظرة المرأة للرجل ؟وإلى أين وصلت في علاقتها ؟بعيدا عن ما حققته في المجتمع

ما أبحث عنه هل كان ذلك بفعل القناعات التي توفرت لدى الجنسين أم أنه منح لها تمثيل كما في المجتمع الشرقي أم أنتزع أنتزاع .؟

سوف اوصل مبتغاي بأسلوب حواري  يخفف ثقل الأسئلة السابقة .

ينحاز الرجل أنحياز بيـن للمرأة يتأرجح من معترك إلى معترك ومن مجتمع إلى مجتمع .

إلا أنه يضل هو من يتعهدها ومن يخطب ودها وربما من تقع عليه ضغوط وأعباء الحياه وثورتها لتحقيق ذاتها التي يشاع أنها متصفة بالعنصرية المبالغ بها؟ واعود الى طرح السؤال هل هي صفة ملازمة للمرأة فــــي جنسها أي العنصرية .

لربما جهلت المرأة أحتياج الرجل إلى الاحساس بها ككيان شعوري وعدم اقتصار حاجته أليها للحياة الزوجية وألفـــت البيت وأنما تحسن نظرتها للرجل بغالب أكثر نفعا وأبلغ قيمة فكما تطالبه بحقها في العمل فحق عليها أقامة ديمومة العلاقة السوية القائمة على التبادل القيمي الشعوري .

ما نذهب إلى صياغته خارج حقوق الأسرة دور المرأة تجاه الرجل بل ومطالبة الرجل لها بحق الاهتمام  ومشاركته جميع همومه والمبادرات التي تقدمها لتقليص العبئ الاجتماعي والسياسي وكل ما يمكن من أشاعة الاهتمام الذي يحتاجه .

للمرأة الأثر البالغ في حياة الرجل واقتصار دورها على أن تكون زوجة وشقيقات رفضته الكثيرات مشمرات سواعدهن جنب إلى جنب ملهمات ومبدعات أكملنا نقص أدركه الرجل فعمدن إلى تغذيته وصدقت المقولة الشهيرة أن وراء كل رجل عظيم أمرأة .

في هذه العجالة وأنا أبحث عن سر العظمة هذه التي أكتملت بالمرأة اردت أن أرى نظرة المرأة للرجل وأطلب بذلك الحق للرجل الذي من الممكن أن توهبه المرة أياه لبلوغ مرام الكمال والنشوة الابداعية التي لا يمكن أكتمالها مالم تكملها أنثى فتحدث التوأمة البناءة التي تفضي إلى أكتشاف الإنسان .

كان لي لقاء في نادي السرد- عدن مع أمرأة استوقفتني عبارات التقدم والرفض والجموح وثورة الخطو فوق أشواك الواقع الاليم التي تكتبها المدربه مريم (الاخلاق مدرسة لا يعفى أي طالب منها أنثى كانت او ذكر ..فلأداعي لتبرئة النفس ..وفي محكمة مايجب عليك ستحال للتحقيق الادبي أيا كان نوعه) فحاورتها حوار الند للند بحثا عن الانسان الذي يخبئه الأثنان الرجل والمرأة واردت له أن يبعث من شبق الثورة الأبداعية ..

حواري مع الناشطة والمبدعة الاديبة مريم:

 س)  هل تشكل المرأة دافع لأبداع الرجل ...؟

ج) مريم ..ليست دافع أني أراها جل أبداعه ..

س) وهي كذلك !!إذاً ما الذي عملته لأجل ذلك ؟

ج) مريم ..أفصح عن مغزى سؤالك!

س) أرى عزيزتي أن المرأة تنظر فقط لجمالها  في مكان مغفرا ليس من الآه غيرها .؟

ج) مريم.. تضحك ..معذرة لضحكتي ...

لما تضعها موضع المحاكمة وجواب السؤال يتلوا السؤال ...

معذرة منك !!

المرأة الحقيقية أكبر مما قلت ..

ولما تطلب أعمى بالنظر ليست عامة فبعض الرجال رجال .

س) لا اقصد النظر الى الشكل بل إلى الجوهر ....

- كما تطالب المرأة بحقوق.. هل تبنت قضايا الرجل وساعدته إلى الإرتقاء بجوانب القصور لديه ؟

ج) مريم ..لما تطالب ليست تحتاج لذلك هي من ولدت الرجل وصنعت بنيته الأولى بيدها ...ومعذرة أيضا منك أخي من الرجل الذي كنت تقصده في كلماتك هاهنا؟؟لان الرجال منهم رجال ومنهم اشباهم ..ولأتنسى أن كلمة رجل محسوبة على بعضهم وهل من الضروري أن تكشف عمن تكون هي واصل جوهرها ؟

انت الان تتكلم على المرأة.. ام عن كيف تكون سند للرجل ؟.

س) -انا أدرك قيمتها لذلك أحاول أن أفتح ناظريها إلى ما أغمضت عنه عينيها

ج) مريم ..لا تخشى عليها ولأتقلق وقر عيناً أطمئنك ..المرأة التي أنجبت الرجل ترى مالا يراه الرجل وتقدر قيمتها من غير رجل .، ولم تغمض هي عيناها بل أغمضت عينا الرجل حين ظن أنها أغمضت عيناها .

س) الولاد. غريزة بهيميه المرأة اعظم شان أذا ادركت أهميتها للرجل والمجتمع ...لما لم تهتم بنظرة الرجل إليها وأعني بالرجل ذاك الذي يشعر بها كيان وليس كائن ...

لا تستطيع وحدها أن تفك شفرة وجودها مالم تشاطر الرجل مشاعر أحياء الانسان بداخلها ..

لاحظي أننا في عيد المرأة وليس في عيد الأم هناك فرق في عموم اللفظ

ج) مريم ..عزيزي واخي ابن فاضل قد قلت اجابة في لب احرفك،، الرجل الذي يشعر بها كيان وليس كائن،،

عذرا أن شعر بكيانها ما طالبها بأن توضح جوهرها وما الأم من المرأة او مستثناة ولسنا في صدد الاعياد ولكن في فحوا الكيان لو عرف الكيان أمه أختصر عناء الطريق وحاول أن يعرف حواء من أمه وأن أختلت الطباع فقالب الكيان واحد ..

س) أظنك اختي تظنين بالرجل ذاك الذي تامرة فيطيع وتطلبه فيأتي ...ولكن في جوانب نموه واكتمال نضجه سلامة قيمه وعيه واتزانه ....الخ له حق عليها ان تشعره بذلك الجوهر ناحيته ؟

ج) مريم ..عذرا أرتكز على نقطة واضحه ..أي جوهر تقصده أنت وتطالب المرأة بان تفصحه للرجل ..؟

س) أنا أنتقد من يتحدث عن تاريخ النساء فقط في جزئية طفيفة ..حبذا إذا استعرضت مسيرة المرأة الجنوبية من جانب اخر دفاعها عن وطنها وبناء مجتمعها واحقيتها في الدفاع عن الرجل وحمايته دينيا وسياسيا واجتماعيا واحقية الرجل في نسج علاقات ذات قيمة مهنية واجتماعيه ..الخ... الاهتمام خارج نطاق التربية الأسرية التي لا تتعدى سنوات التعليم المدرسي الاساس  والحياه الزوجية ؟

ج) مريم ..احسنت بطرحك قد تبينت روية طرحك !

س) الجوهر الذي يغذي الحياه لا يهدمها وينمي الشعور لا ينقصه وذاك الذي يودي إلى الكمال لا إلى الرجعية المعطلة للبناء !!

ج) مريم ..إذاً نعول على أشياء كثيرة بذلك

س) أجل!

ج) مريم ..على عقل الرجل وعقل المرأة معا على كيانهما سويا

كيف يتم ذلك ؟

مريم ..على أليه لابد أن يشتغل بها كلاهما كل من منبره ..أنت ذكرت جزئيه واقعيه التي هي تنتقد من يتحدث عن تاريخهن بجزئية خفيفة طفيفة حسبما قلت .

جميل تعال نصنع أنا وأنت أستراتيجية جديده ننشرها في توعية الفرد في بعض المنابر من عدم حصر المرأة في زاوية بركن قابع ..

س) المرأة للأسف لا تنظر إلى ذلك معقده في دائرة الاستفهام ..ماذا يريد مني الرجل ؟..مكبلة بفكر أيدلوجية الطلب الغرائزي مهما كان وعيها وثقافتها

مريم ..هات مقترحاتك نبادر في نشرها .

لاحظي كيف؟ أن وضع المرأة وضع المتلقي ..ما يجود به الرجل حتى في مطالبتها بالفصح عن مشاعرها تجاهه ؟

مريم ..ما قلته في أخر كلامك به أساءة لمقامك ..

من يفكر بالمرأة أنها تفكر هكذا هو من يدور باستفهامه التعقيدي وما دمت مثقف نصيحتي تنحى عن أيدلوجية احرفك الأخيرة !!!

أظن أبن فاضل تائه بما يريد طرحه تارة يطالبها بان تفصح عن كيانها ولا ادري لما لأنها ليست بحاجه لذلك وتارة يعول بما آلت أليه نصف النظرة الشمولية بمن ينشرون من تاريخ المرأة مالا يتعلق بأعماق فحوى وجودها .

س) أي كلام عفوا لم أقصد شيء؟  ...ربما أنت تعيشين في مجتمع أكثر وعيا لكن بالمثل هذا الفكر والتخوف موجود بكثره في مجتمعنا ..وهناك من يشيعه .

ج) مريم ..عزيزي واخي لا أدري الاكبر أم الاصغر كيان المرأة للمــــرأة وليست ملزمة بان توضح من هي يكفيها من شخصيه عمليه واقعية تغير به عقولا للأفضل وتترك من الأثر الاحسن وتعرف من هي بالنسبة لنفسها وأنها الركن الذي ترتكز عليه ماهية الحياه .

س) أنا اتحدث عن المرأة التي أقنعت الرجل بأهمية دورها لا المرأة التي انتزعت حقها عنوة أو التي أوهبها حقها صدقة أو ديكور فقط .

ج) مريم ..مجتمعي هو مجتمعك شرقي كما قيل ...

لكن روية النفس للنفس تكون من أختيار الانسان لنفسه في بناء شخصيته وصناعة كيانه وكلامي عام للرجل والمرأة الانسان في مجمل تسمياته .

س) اعتذر للإطالة اولا ..وأقحامك في التساؤلات المتتالية ..من دون سابق معرفه واشكر سعة صدرك ..ولكنها تقاطعات أراها ما أستطعت السكوت عنها للفائدة وأنا أبحث عن الإنسان عزيزتي ..

ج) مريم ..وانا سعدت بحديثك تماما لم تقحمني بتساؤلات بل هي الانسان في داخلي من جعلتني أتناول معك جزئيات من طرح طرحته أنت لا تصدق الاعياد او المؤتمرات التي تنشد نشيد المرأة صباح مساء....

المرأة شقيقة الرجل في حكم الله ومجمل آياته واحاديثه نبيه وتلك الشعارات الدبلوماسية التي زاد رواجها وندر تمخضها ولادة واقعيه تبقى المرأة عالية الشأن مرفوعة بما جاء في اسلامنا لا بما تداولته اعياد صماء خاويه ..

س) أجل هي في مرتبة فوق النجوم الوضاءة ..والله رفع شانها وكرمها لكن هناك من يحور الشرع لتكبيل حريتها وفاعليتها ...اليس كذلك ؟

مريم ..بلى ..أخي

مرفوعة الشأن بالإسلام كرمها وكرم الانسان

س) الف شكر لك اختي الغالية كنت الصغير ام الكبير ..لكن اسمحي لي ان انشر هذا الحوار اذا استطعت اليه سبيلا اليوم او غدا اوفي المستقبل ؟

ج) مريم ..كنت الصغير أم الكبير التي رميت بها شارة إلى عمرك وليس تقليل من قيمتك والشك موصول  للناشر أن نشرت فلأتحذف ولا تنمق أي كلمه بل مثلما هو بعفويه الإجابة والطرح .

ج) ادرك ذلك لأعليك حتى أنني لا اعرفك سوى مريم  واول مرة أتعرف عليك هنا  واحب  نعتك إلي بلهجتنا وصفتنا الريفية أبن فاضل بسام ..لك ألف تحيه،،، وما جاملت او نمقت او حذفت يوما .

ج) مريم.. أن ناديتني فنادني بأختي المدربه مريم  .. ناد السرد هو ملتقى الفكر أيا كانت وجهة النظر أما عن طريقة مناداتي فلا اعلم انها صفة ريفية بحق الله لكني لا أحـــب القوالب المتعود عليها حديثاً لذا اصنع قوالب تخصني كمريمياتي تماما... تضحك لذلك يأبن فاضل انت احد اخوتي ..سعدت بمعرفتك

س) وأنت كذلك لي ثلاث وانت رابعتهم

احببت مناداتها ذكرتني بصفوا فطرتنا في ريفنا وسلامة أخلاقنا ونقاء طبيعتنا .....

ج) مريم ..تلاقي ما صبحت به الحضور،، خيرعلى خير،،

لم يكتمل الحديث مع مريم عن المرأة...

مصرا على الا تنظر مريم وغيرها للرجل نظرة ملئها منفعة مجردة وأن تسطره نهجاً  لكيانين منعزلين كما أمقت ذلك التوصيف القائل أن تشكل الانسان الولادة من الجنسين هو كمن يكتسي خده حمرة وعلته ورم بالرية علاقة متذبذبة بين المعتقد والعقيدة تحومها الشبهات والشكوك ان تمت ...

كان ذاك الحوار اعلاه في عامنا الماضي في 9مارس 2016م.

لنتم الحوار ونرى في البداية ما علقت به مريم عن تناولاتنا الطرحية والمساحة الحره التي تجمع الرجل والمرأة .

تقول المدربه مريم :نحن كبشر نمر بتعسر ولادة صعبة جدا على مستوى كافة المجتمعات، وجب علينا رص الكلمات في حواراتنا ونقاشاتنا وفق منهجية هدف سامي من كل نقاش وجدل وحوار تدلى فيه اراؤنا لنصنع شيئا لأوساطنا المجتمعية

س) ماهي نظرة الاديبه والمثقفه مريم خلال عام مضى من حديثنا السابق لماتحقق للمراة الجنوبيه ثم على مستوى الوطن العربي ..؟

ج) ما تؤول له أوضاع الأمة الانسانية جمعا قد لايمكنني من الأجابة الكافية الوافية لكنني أستطيع أن أقول لك أن كيان المرأة نشط حماسي باستمرار مستمر كعجلة الحياة تماما لايقف وأن تعثرت بعض الشيء، وحتى أكون منصفه لما أراه وكما هي عادتي لا أحب النفاق المجتمعي والمبالغة في تجميل طرف على حساب طرف آخر، ان ثمت معاناة فجميع الكائنات تعاني ولكن معاناة المرأة بتهميشها شيء يعوده بإنتكاسة عكسية على المجتمع بأكمله لأنه ببساطة المرأة هي فلتر الحياة، ليس لانني أمرأة أقول ذلك بل لأن المرأة هي أم وابنة وأخت وزوجة وبالتالي تحمل على عاتقها مسؤولية أمة بأسرها ..

سؤالك عما تحقق لها وجزؤه الآخر هل من تقدم وبما أنك شملته بواحة أوسع على نطاق أطار الوطن العربي فدعني أوجزها لك 

لاتزال المرأة تناضل ولن يذودها عن طموحها أي عقبة أو حاجز  لأن أمر المرأة يتجلى بقدرتها وقوة ذاتها "أن أرادت أستطاعت رغم المعوقات"، وعظمتها تكمن في ثقتها بنفسها مع كم اطر التقاليد والعادات المهتري بعضها، لا أدعوا المرأة الخروج عن عادات مجتمعها فأنا من أسرة محافظة جدا لكنني ادعوها أن تسخر قوتها في صناعة نفسها بتحدي الإنسان الذي يسكنها مع إنسان مجتمعها التي تنبثق أنواره من احساسها بمسؤوليتها تجاه الانسان على وجه الأرض.

كما أنني أوصيها بعدم الالتفات إلى من يغنون لها مواويل العيب المجتمعي  ب اختصارهم تثبيطها "انتي امرأة بالاول والاخير" وأن تتأخذ من هذه الجملة تنويرة حكيمة لانني أمرأة أولا وأخيرا لابد أن نكون كما يجب أن أكون عونا وسندا لمجتمعي بغض النظر عن الأراء التي تنعق كالغربان المعذرة على اللفظة لكنها الحقيقة لو أن كل أمرا التفت إلى حقيقة وجوده في الحياة لوجد أنه له رساله في  الوجود ولابد أن يتخذ من ذلك منهجا لتحقيق تلك الرسالة الإنسانية .

س) هل من تقدم او بالاحرى تطور نحو النماء في حياتها العامة والكيان المشترك مع الرجل ؟

ج) حياتها كلها عامة أو خاصة تحتاج منها إلى جلد وصبر وسعة صدر وهدف تسعى له كحقيقة وجود أما غير ذلك فهو تكميلي ربما تزيله السنون يوما، لذا عليها أن تبني نفسها وأن تكون جاهزة لكل شيء

وتعقيبا على شق من سؤال حول الكيان المشترك مع الرجل فأختصرها لك " من أكرمها فقد أكرم نفسه ومن أتخذ غير ذلك فقد عذب نفسه فرفقا بالقوارير لم يقلها الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه عبثا .

س) المراة فلترالحياة عبارة عظيمة ..

ارى ان الرجل يراى المراة فعلا الحياة بكلها ...

ربما انها لم تدرك تلك النظرة العالية الشان من قبل الرجل  فلم تمنحه سوى مايختص بكونها انثى ورغم عظمة هذه السمة الا ان المراة تتولد لديها الشعور بالنقص والحرمان فحجب عنها التمتع بجماليات الحياة واتمام جوانب نقص الرجل منها.؟ ماذا تقول المدربه مريم في هذا؟

ج) لا تستطيع أن تطلق حكما بالاجماع ككل .. فعبارتك أن الرجل يرى المرأة الحياة بكلها فهي حقيقة منتقصة ليس كل رجل يرى ذلك، وليس كل رجل يؤمن بالمرأة .. هناك من يساندها وللأسف يحسبون قلة في عداد الكثرة الذين يزرعون العوائق في طريق نجاحها خصوصا أن كانت هي متميزة وتمتلك مايفوق الكثير من الرجال .. ما أتمناه أن يتجرد كل من المرأة والرجل من كل ما أختزلته عقولهم آنفا وأن يبدأو من جديد كعنصريين تكامليين خلقتهم السجية هكذا كلاهما يحمل على عاتقه مسؤولية .

لا اعتقد أن المرأة تشعر بالنقص، أما عن نفسي فأنا أكثر البشر أيمانا بنفسي وذاتي وأن الله ماخلقني إلا لرسالة أنسانية وجودية لذا لم أشعر بالنقص على الاطلاق في أي لحظة مضت ولن ياتيني هذا الشعور بأي لحظة لاحقة لاني اؤمن بعظمة ذاتي التي منحني الله أياها.

س) كلمة اخيرة توجهيها في هذا اليوم العالمي للمرأة ..

عزيزتي المرأة انت غالية حينما ترين أنك غالية، واثقة الخطى حينما تثبتين قدمك بشموخ وارادة، قادرة حبنما تؤمنين بنفسك وبذاتك وان الله ماخلق شيئا عبثا، 

هذا العالم لايحيا بدونك ايتها المرأة لاتنسي ذلك .

 

اجراء الحوار..بسام فاضل 8مارس2017م

 

 

 

 

الحوار مع مبارك عمان هو حوار يجر إلى الكثير من الصدقية والمكاشفة الجريئة لا على مستوى طرحاته الفنية، أو أرائه الإشكالية في الساحة الفنية التشكيلية في المغرب، فهذا الفنان خريج المعهد العالي للفنون الجميلة والذي يوثر الاشتغال الحر بعيدا عن المدارس والمفاهيم التقنية، يبدو في مشواره ومشروعه الجمالي أشبه منه بالعصامي، عن الفنان صاحب التكوين الأكاديمي، مبارك عمان يبقى فنان إشكالي ومثير للجدل إلا أنه أحد الجادين والطموحين على مستوى الاشتغال وكثافته، وسعيه الحثيث إلى نشر رسالته الفنية، عبر معارضه ومدرسته الخاصة للفن أو حتى على صعيد اشتغاله الجمعوي مع الشباب

 

- كيف كانت بداياتك مع التشكيل؟

- لا أستطيع أن أتذكر، أو أن أحدد لك تاريخا محددا بدأت فيه الرسم، فمنذ نعومة أظافري أقول (تعجبني هذه العبارة يضحك) إلى اليوم، يصعب أن تضبطني في وقت أو مكان لا أخربش فيه على ورقة، الرسم هوايتي وحرفتي، طبعا بعد تخرجي من المعهد العالي للفنون الجميلة، دخلت الفن بشكل احترافي، وصرت أعطي لهذا اللعب اللذيذ بالألوان والأشكال جدية أكبر داخل حياتي، لهذا تجد أن المشروع الجمالي الذي أشتغل عليه، يمتح من متخيل الإنسان البدائي، الرسم على الكهوف تلك المحاولات الأولى للعنصر البشري في التعبير عن نفسه وأحاسيسه، الرسم لدي هو ذلك الإنصات الهادئ لصوت الأقاصي، حيث أتجاوز تعلماتي ومكتسباتي الأكاديمية، لأقول ما أمكن سؤال الإنسان العاري أمام الطبيعة والوجود، متخففا إلى الحد الأقصى من كل ما هو صناعي تفرضه العولمة على إنسان اليوم.

تستطيع القول أني أرسم الذات وسؤالها الوجودي الأول، ذلك السؤال الذي مازال علماء الفيزياء والطبيعيات يتكلمون عنه، كإحدى أهم الحلقات المفقودة داخل سلسلة العلوم الحديثة.. العلوم الحقة من رياضيات وكمياء لم تُجب إلى الآن عن سؤال واحد من أسئلة الإنسان الرئيسية، المتعلقة بماهيته ككينونة لهذا دعونا قليلا في ربوع الفن ومسروداته الجمالية، نوسع من هذه الأسئلة ونلتف عليها مثل ليمونة نقشرها من الحواف إلى أن نصل للب

 

- لماذا لديك هذا الإصرار على الاشتغال على “تيمة” الإنسان البدائي، وعوالم الحياة ما قبل الحضارة؟

- ما أحاول إبراءه في لوحتي هو سرد سيرة الإنسان، على مر العصور إنها أنطولوجيا تشكيلية تستدعي مشروعها لتحكي قصتنا جميعا، قصة هذا الكائن التائه في أزقة الحضارة الحديثة وحروبها المدمرة على الإنسان نفسه والبيئة.

 

- هل لك طقوس خاصة في الرسم؟

- عمليا لا يمكنني قول ذلك، فالفنان المحترف يمارس الرسم بشكل يومي.

أنا أحيا داخله وأمارسه بلذة وشغف وببعض الجنون، لا أستطيع القول إن لي طقوسا خاصة أثناء الرسم، لأنه مسيطر علي، فلست أنا الذي أذهب إليه، وأحضر نفسي له، بل هو شيء مسيطر علي يكفي أن أستيقظ حتى تجدني مع قهوة الصباح، أخربش (كروكيات) جديدة، الرسم هواي ومهواي، إنه خطتي لمواجهة العالم والحرب التي يقودها يوميا ضدنا جميعا.

 

- كيف ترى للفن اليوم؟ ما دوره؟

- الفن والثقافة ليسا ترفا زائدا، كما يروج لذلك بعض السياسيين اليوم والمتنطعين، بل الفراغ الحاصل في تأطير الأطفال والشباب بالفن والثقافة هو سبب هذه الآفات الاجتماعية.. الفن قادر على تحقيق الوعد الذي انفجر منه. شعب بلا فن أو قيم جمالية هو شعب ميت ومفلس في أرصدة التاريخ..

 

– مشروعك الجمالي يرتكز على أرضية فلسفية بينة وواضحة، وهو ما يثمر بصمتك الخاصة وتفرد أسلوبك، ماذا يعني لك هذا الحوار بين التشكيل والفلسفة؟

- الحوار بين التشكيل والفلسفة هو شيء لازم إنهما قطبا عملية يكملان بعضهما البعض، إن ما أعمل عليه هو رسم أسئلة تسيل فوق أرضية اللوحة ببعد جمالي، يجنب المتلقي ذلك المجهود الذهني المجرد، هنا أنتقل إلى تصوير بداوتنا وحميميتنا الخاصة والمفرطة. أقول ليس من الضرورة أن تكون خريج (كامبدرج) حتى تخامرك أسئلة الوجود والكينونة، إني أرسم تلك التساؤلات البسيطة والساذجة، التي تخامر أي إنسان في أي لغة وزمان، وأضفي عليها طابع الفتنة والسحر.. أجعلها محسوسة قريبة ناطقة عبر موسيقية اللون في تعبيرية حلمية شاسعة، داخل مربع اللوحة حيت أعمل على خلق فضاءات تشكيلية ثقافية يمكن لأي كان أن يجد فيها نفسه وأسئلته.

 

- كيف ترى لواقع الساحة التشكيلية المغربية؟

- لست ناقدا، ولا أعتبر من اختصاصي تقييم المشهد التشكيلي، عموما أنت أجدر مني علىفعل ذلك بكل حال.. أنا فنان مرسمي يبتلع ثلثي وقت يومي، إلا أني أستطيع الحديث عن بعض الظواهر غير الصحية التي تُخيم على الوضع أبرزها دخول كثير من المتنطعين للساحة الفنية، على أساس أنهم فنانين مستفيدين من عدم مواكبة قوية من النقاد للساحة وعدم وجود منابر إعلامية متخصصة، هناك فعلا فراغ مهول يسمح لهؤلاء المزيفين (فنانو يوم الأحد) بالتسيد بمرح على الصورة، مستغلين عدم تملك المتلقي العادي للمفاتيح الأساسية لقراءة اللوحة التشكيلية، تجدهم مختبئين وراء شعار النسبية، وعدم قدرة البعض التفرقة بين مدارس فنية كالسريالية والخزعبلات..

 

- هنا نطرح السؤال حول دور النقد ومدى مواكبته للمشهد التشكيلي؟

- لا أريد أن أدخل ذلك الطقس الحزين والمستهلك، بإعادة سرد كبوات النقد المغربي، حيت مازال يرزح تحت تأثير المجاملة والشللية .. النقاد الموضوعيين عددهم قليل، زيادة على استقدام البعض لجهاز مفاهيمي مترجم في نسخة رديئة، عن كتابات غربية حيت تفتقر للأصالة في مواكبة اللوحة المغربية، زيادة على هذا يصعب أن نمسك بيدين واضحتين مشروعا فكريا متناسقا لدى الناقد المغربي.. مقالات ومداخلات في جرائد وملتقيات تغلب عليها طابع الظرفية والمناسباتية، لقد تجاوز التشكيل المغربي مراحل بأكملها وقطع أشواطا كبيرة، حيت نجد اليوم أسماء صار لها هذا الانتشار البارز على الصعيد الدولي، إلا أنه للأسف النقد لم يصل بعد للمستوى المنشود في مواكبة الساحة التشكيلية. إلا أنه والشيء بالشيء يذكر الناقد المغربي أيضا يعاني من غياب مؤسسات فاعلة ومستقلة تدعمه، فمع قلة الجوائز الأدبية ورمزية قيمتها، إلى جانب عدم الاهتمام الواضح من الوزارة الوصية بهذه الفئة الدينامية داخل الحراك الثقافي المغربي. الناقد المغربي يشتغل بدافع ومقومات شخصية صرفة وهو ما يصعب معه توجيه اللوم والمسائلة له في ضل الوضع الهش الذي يعاني منه.

 

يرتبط الفن الفوتوغرافي عموماً بالمكان ارتباطاً عضوياً، ولا يستثني من ذلك حضور الإنسان وجوداً وارتباطاً، وليس بمقدور احد ان يحط من جدوى الصورة في أثارة الانتباه، فقد مارس الإنسان التصوير بشكل أو بآخر منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا، وقد احتاج إليها منذ ان اخذ المجتمع البشري يتشكل، ولعل أقدم النماذج التي وصلتنا والتي عثر عليها ما تركه لنا السومريون منذ منتصف القرن الرابع قبل الميلاد. فالصورة هي تلك التي عرفناها بوصفها العمل التوثيقي الرائع الذي امتلك سر بقائها أو ديمومتها على نطاق واسع بين الأفراد والتجمعات الإنسانية، واتسمت بخصائص متفردة تجاوزت الأزمنة وعلقت بذاكرة الأجيال اللاحقة، بل هي تلك الإضاءة التي مابرحت تلمع من نسيج تنتمي إليه جميع الفنون الإبداعية، وهي لابد ان تكون كذلك؛ فقد تعلقت بقدر كبير من الجمال الذي أبعدها  قليلاً عن الواقع وان كانت محاكاة له، ولعلها تجلت عبر مسيرة طويلة من المواقف والأحداث والذكريات والمسرات والأوجاع، كما رافقت كل الحروب والهزائم التي شارك فيها الإنسان وشهدها التاريخ الحديث، وهي في المحصلة الأخيرة اتسمت باتحاد العين والعدسة " الكاميرا " واستأثرت باهتمام بالغ من قبل الجميع، غير إننا نجد في تعالق العين والعدسة صلة توفيقية بالزمن التقليدي الذي ينعكس على حياة الإنسان وطبيعة المكان بصورة عامة، في أي زمان ومكان، ومن هذا المنطلق كانت لنا وقفة مع الفنان والمصمم محمد إسماعيل النواس الذي يعد واحداً من الفنانين المعبرين عن المدرسة الواقعية في العراق، نظراً لما تمتاز به أعماله من وضوح وتوازن ودقة تبلغ حد الصرامة في تجسيد كل التفاصيل الصغيرة، يعمل بجدّ وصمت بالرؤيا وفكرتها، وأراد ان يتجاوز خطاب الصورة بعيداً عن ممارسة المهنة، فقد وجد في فن التصوير بعض السلوى، ووجد فيه فرصة للوجود والبقاء واثبات الذات، وهذا ما عمل عليه. والنواس فنان له حضوره الدائم في المشهد الثقافي العراقي، وغالباً ما نجده يلتقط صور من زوايا خفية بطاقة غير محسوسة، إذ لايمكن البرهنة على وجود الضوء كطاقة، إلا عندما يصطدم بجسم ما من حيث إن الانعكاس هو الذي يبرهن على الصلة الأولى، والذاكرة عند الفنان ان لم تصتدم بجسم ما، فالرائي هو الذي يدرك إبعاد الحيز ومعناه من خلال معادلة الضوء والجسم، حيث أنها تشكل معادلة مكونة من ثلاثة أبعاد وهي في الاخير تمتلك معناه. وهذا ماجعلنا نلتقيه في حوار عابر ليحدثنا عن أهمية الصورة وإبعادها الإنسانية .

* ما أهمية الصورة الفوتوغرافية اليوم مع ما نشهده من تطور هائل أحرزته التكنولوجيا، وهل تعتبر الصورة لغة؟ 

- في العصر الحديث ازداد الاهتمام بالصورة، حتى إن البعض يطلق على عصرنا هذا " عصر الصورة " لأن وسائل الاتصال المعاصرة أتاحت من وسائل العرض ما جعل الصورة بديلا  للكلام، إن لم تكن بديلا للواقع نفسه، وأصبحت تشكل صناعة محكمة لتوجيه الرأي العام بحيث تجعله ينساق إلى تصديق أمور أو تكذيب أمور أخرى دون رؤية أو فكر، فيشتري سلعا بدون وعي، ويضيع من ثرواته وأوقاته بدون وعي، لقد أصبحت الصورة ساحرة العصر الحديث وذلك لأن الصورة لا تحمل المعاني فقط بل توحي بالمشاعر والعواطف أو تصنعها، فهناك صورة توحي بالفخامة والجلال، وأخرى توحي بالفقر وسوء الحال، هذا الإيحاء المنبعث من الصورة يمكن أن يسمى مجازا - لغة، مثلما نقول مثلا : لغة العيون، ولغة القلوب، والمقصود أن هذا التركيب البصري قد يؤدي الوظيفة التي تؤديها اللغة، وهي التوصيل والتواصل، بل إن الصورة قد تؤدي هذه الوظيفة بشكل أعمق وأجود وأجمل من كثير من التعبيرات اللغوية، كما أنها تقوم بنقل الواقع في أسرع وقت. وكما هو معروف عن الممثل شارلي شابلن كان يقدم الفلم الصامت بالأسود والأبيض ولكن كان يرسل رسالة يفهمها الجميع.

* ما التقنيات التي تعتمدها في معالجة الصورة؟

- هناك العديد من المعالجات للصورة، وغالباً ما أركز على العينين مع الوجه بتركيز بالغ من أجل اضهار عناصر أخرى اقل أهمية من غير أن أهمل التركيز على اليدين والقسم الأعلى من الجسم فهما مفتاح الشخصية، ومما تجدر الإشارة إليه هو ان العدسات التي أعمل عليها في التقاط الصور هي عدسات ذو كفاءة عالية وغالبا ما تمتاز بسرعتها العالية وقدرتها الفائقة على التقرب من الجسم. كما لاننسى فقد طور الفنان من أدواته بعد الاستعانة بتقنية نظام البرنامج المعالج " الفوتوشوب " في إضفاء مسحة جمالية على الصورة وبث الأفكار وتوزيعها بما يتناسب والرؤية الفنية التي تحمل رسالة ما والتي  يجهد الفنان من إيصالها للمتلقي، فضلاً عن اختيار الزوايا الفنية " للموديل " لنحسس معناها للمتلقي.

* يقال ان الصورة التي تنتج بواسطة الكامرا التقليدية أكثر ديمومة من الصورة التي تعالج بالديجيتال ما صحت ذلك؟

- كامرا الديجيتال أكثر مرونة من حيث قدرتها على الخزن والمعالجة، وميزتها أنها ذات بعد بؤري أكثر سعة من الكامرا التقليدية، بالرغم من ميزة الصورة التي  تؤخذ بالكامرا بالتقليدية، وكما يقال أنها تدوم لمدة ماتئي عام تقريباً بينما صور الديجيتال في أحسن الأحوال لا تصمد إمام الزمن أكثر من خمسة وعشرين عاما، علماً ان التعامل بها غالبا ما يشتت المشاعر وينثرها في جوانب أخرى، فضلاً عن ما يسبب بضعف الذاكرة وتبعثر الحواس الشعورية والبصرية، ولكن يبقى الديجيتال أكثر قدرة وحيوية  في انجاز العمل وهذا ما يعطيه أهمية ومساحة تتسم بالسرعة والابتكار. ونحن أبناء هذا العصر فلابد من مجارته بشكل او بآخر. 

* من أين يستقي الفنان قيمه الجمالية في تشكيل الصورة الفوتوغرافية؟

- فن التصوير مدرج تستقر علية أفكار وخيال الفنان بحرية ليقدم ما شاء للمتلقي مما هو غير مألوف ليشعر بالإعجاب والسعادة وهذا جزء من طبيعة عمل الفنان، من حيث ان الكاميرا تتعامل  مع الحيز " المكان" وما يشتبك فيه من حركة وتفاعل مع الطبيعة والناس الذي يتميزون بخصائص متفردة جلهم من النخب الفنية والأدبية والفكرية الذي يخطون مساحات واسعة في المشهد الثقافي والحراك العراقي بكافة تنوعاته. حيث تجدني دام الحضور والمشاركة في فعاليات " المركز الثقافي البغدادي " يوم الجمعة، محاولاً تسجيل ما أمكنني من ذلك بالإضافة إلى المشاركة في بقية الفعاليات والمهرجانات التي تقام هنا وهناك من كل أسبوع، ولم تكن مشاركاتي لمجرد الاحتفاء بالوجوه المبدعة بقدر ما كان التركيز والاهتمام ينصب على ألفات النظر إلى قيم وجماليات المكان وما يحيط به، ولم استثني من ذلك تصوير الأمكنة والوجوه المتعبة التي طواها الغبار وأهملها النسيان. 

 

 

 

يعتبر الشاعر العراقي قاسم سعوي، من شعراء الحساسية الجديدة في القصيدة العراقية المعاصرة، هذا الشاعر الذي ضمن لنفسه ومتنه، مند وقت مبكر إقامة خاصة في تصنيف التميز، فبتمسكه الشديد بالالتحاف بفضيلة الاختلاف، وتنويع الجماليات داخل عمود قصيدته، يكون حقق ما به استحق هذا الانتباه النقدي الكامل لأعماله ومجاميعه الشعرية.

قاسم سعودي الشاعر والكاتب المتخصص في أدب الطفل، نرافقه هنا من خلال هذا الحوار، ليفتح لنا أبواب إفصاحه عن مضامين أساسية ورؤى كاملة في مشروعه الجمالي، ومواقفه من واقع الحال بالساحة الشعرية اليوم.

 

كبداية لهذا الحوا، ما فاتحة النص الذي ورطك في عالم الكتابة؟ خبرنا قليلا عن البدايات؟

- نعم، هي ورطة كبيرة، ورطة محببة وقاسية وهائلة، لكنها أجمل ما حصل في حياتي، ربما نص الحياة بمعنى أن تنظر إلى النجوم من ثقب في قميص شهيد، البدايات في الاكتشاف والتوق الأعمى إلى فتنة الشعر ثم فجأة تصطدم بجدار الرعب تدفع عربة الحلوى بعد أن تعود إلى المدرسة وتحلم أن تكتب نصاً شعرياً ينقذك من سخونة البلاد، لكنها كانت طفولة للتنقيب عن الرزق ومواصلة العيش وتسجيل بعض المقاطع اليتيمة التي كانت بالنسبة لي كيس هواء كبير في غرفة ميتة..

 

لديك رغبة عارمة في الكتابة، ما يوضحه غزارة إنتاجك؟ ماذا عن طقوسك الكتابية ؟

- لا أميل كثيرا إلى مصطلح “طقوس الكتابة” نحن لسنا كائنات ميكانيكية نكتب بصحبة الشموع والقهوة او نقترح جنوناً نمارسه لحظة الكتابة، أنا أكتب في العراء لا طقوس لدي سوى النظر إلى وجه النظر إلى وجوه الضحايا وهذا العالم الذي يدهسنا مثل قطار مجنون.

 

تقول “أنا أميل إلى الشعر كثيراً وأتمنى أن يميل عليّ” في منظورك ما وظيفة الشاعر اليوم؟

- حقاً هذا كل ما أتمناه أن يميل الشعر قليلاً عليَّ، وأظن أن وظيفة الشعر جمالية إنسانية هدفها الدفاع عن إنسانية الإنسان بعيداً الأغراض الشعرية المعرفة، قريباً من التنوير وملامسة ثنائية الأمل والألم بمشرط جراح ماهر لا يراه المريض .

 

 تكتب قصيدة مشبعة بروح الإنسان وبحركة الناس والأشياء والحب والحرب والموت والصوت الداخلي للضحايا الذي يتحول إلى قصيدة أمل ووجع خاص. أما زال الشاعر صوت شعبه، في وقت يتجه فيه شعراء قصيدة النثر لتفاصيل اليومي والاهتمام بالذات، بدل قضايا المجتمع وهموم الناس السياسية ؟

- الشاعر الحقيقي هو الذي  يصل بقصيدته إلى روح الشعر، عندها تكون قد وصلت إلى حنجرة الناس، تلك الحنجرة التي تضيء دواخلنا وتعمل جاهدة على ترميم الخراب والدفاع عن إنسانية الإنسان بمعنى أن تنظر من الخاص الذاتي إلى العام وتتفاعل معه. لا يمكن للشعر أن يغير شيئاً، لكنه يلامس ذلك الشيء، ولعله يجعلنا أجمل وأشجع في سؤال المحنة والمعنى والخلاص، وأظن أن المهم في الشعر هو وظيفته الجمالية التي تكمن في الدفاع عن الجمال والبراءة والحلم، ولا بأس أن يكذب الشاعر من أجل حياة أقل توتراً ورعباً ..

 

أنت شاعر وقاص دون مفاضلة، في أي الجنسين تجد نفسك أكثر؟

- لا أعرف حقاً صديقي، رغم فتنة الشعر التي تتلبسني والتي أحب والتي تجعلني أجمل، لكن من أكثر اللحظات دهشة وشغف، هي تلك اللحظات التي تكتب فيها نصاً للطفل، شعور عجائبي وسحري فاتن، لا تضاهيه رئة قصيدة مضيئة هنا أو هناك، على صعيد الشعور الداخلي طبعاً، رغم الإقرار بصعوبة الكتابة الجيدة والخاطفة لذهن الطفل ومزاجه وثقافته المكتسبة وذائقته العنيدة بعض الشيء.

 

أنت من المهتمين بأدب الطفل لك إصدار في الباب-  فاز بجائزة مرموقة عربيا – كيف تنظر لواقع هذا الأدب اليوم؟

- قلة الملتقيات النقدية الخاصة بأدب الطفل والورش والأمسيات الخاصة بالأطفال، الذي يكتبون القصة أو الشعر، قد يكون ملمحاً واضحاً في المشهد الثقافي العربي رغم الجهود المبذولة بهذا الشأن، الجهود التي أرى أن توجه بوصلتها نحو ضرورات تفاعلية أكثر وأعمق، وأقصد هنا إعطاء مسافة أكبر لحلقات نقاش عملية يشارك بها الأطفال أنفسهم، أطفال يكتبون، أطفال يناقشون، أطفال ينقدون، ثلاثية جمالية ستعمل بلا شك على خلق المناخ الإبداعي الكفيل بتطوير أدائهم القصصي والإنساني والمجتمعي، لذلك كان مشروعي التطوعي “تعال نكتب في بغداد ” لتعليم طلاب المدارس الابتدائية كتابة القصة القصيرة للطفل.

 

ماذا أضافت جائزة أثير الشعرية لقاسم سعودي؟

- جائزة أثير الشعرية أضافت لي الكثير، الرهان على قصيدة النثر ورائحة العاصمة العمانية مسقط تلك الرائحة التي تجعلك أجمل، رائحة الناس والأماكن والقلوب النبيلة، وأجمل ما حصل لي في الجائزة أن أمي الراحلة قد فرحت بها كثيرا، أمي التي لا تعرف القراءة والكتابة لكنها أشعر منا جميعاً .

 

في نصوصك ثمة دعوة جديدة لإعادة النظر في الكتابة الشعرية المضادة للحرب.. هذا هو قدر الجيل الشعري الراهن ،هل تجد أن الشعر العراقي يقرأ كشعر خالص متخلص من إقحامه في خندق أدب المقاومة أو الشعر السياسي؟

- أظنها ليست دعوة جديدة تختبيء في معطف أدب المقاومة أو غيره، بمقدار ما هي محاولة من أجل فتح الباب الخلفي للحرب، باب الضحايا الذين تركهم جثمان الشهيد، باب الندوب الكبرى والمصائب الكبرى والتفاصيل الصغيرة الكبرى في العائلة والمدينة والوطن، ربما نفشل في فتح هذا الباب أو ننجح، ليس هذا مهماً، نحن قراصنة نصطاد الدموع ونساعد الأيتام ونشعل نارا صغيرة قرب برد الوطن.

 

في مجموعتك الشعرية ” حين رأيتكِ أخطأتُ في النحو” نلاحظ اشتغالك على القصيدة الشعرية فلسفيا دون السقوط في لبس الغموض، ترى ما هو سبب اختيارك لهذا الاتجاه؟ وعلى ماذا تراهن؟

- لا أراهن على شيء، وربما المجموعة كانت مغامرة، والشعر مع المغامرة، إما بالنسبة للنافذة الفلسفية في مكنونات النصوص فقد خرجت هكذا مثل صرخة من فم طفل رضيع عفوية وصادقة ولا تتحمل الكثير من الغوص في الرؤى والاستبصارات المعرفية والجمالية بمقدار ما هي صرخة بسيطة أو لون بسيط في لوحة الخراب التي يطارده الأمل من أجل بعض الضوء.

 

 

 

 

يعتبر ستار نعمة أحد الفنانين العراقيين المغتربين، الذين وسعوا من أفق مشروعهم الجمالي، دون الارتهان للجاهز، أو التماهي مع المفردات الشكلية لمقولات الحداثة، فخريج أكاديمية "سانت جوست" ببروكسيل اختار مند وقت مبكر، الانزياح عن الخط العام للمفاهيم الفنية المدرسية، ليؤسس مسارا خاصا دالا عليه ومتفرد، ما جمل أكاديمية "سانت جوست" تتوجه بجائزتها إضافة لميدالية "فان كوتسيم" لأفضل عمل فني لعام 2013 .

في هذا الحوار نفتح كوة صغيرة مع تكبير الزوايا، للاقتراب أكثر من هذا الفنان، نساءل مساره ونتطرق لمحطات تظل لازمة في منجزه.

 

كيف تستطيع أن تخبرنا عن بداياتك الأولى مع التشكيل؟

- البداية كانت حين انتبهت إلى أن البصر حاسة خاصة تبتعد كثيرا عن باقي حواسنا، حاسة تشبه النافذة التي نطل من خلالها على الوجود، انتبهت إلى روعة الأشكال والألوان، روعة أن تشارك بعملية التشكيل تلك.

كيف تتعامل مع النقد؟خاصة أن كتابات كثيرة تراكمت حول منجزك؟

النقد مأطر للنتاج الإبداعي سواء كان تحليلا أو تأويلا، لا يمكن للمبدع أن يدير له ظهره، أتابع دائما ما يكتب عني وأشعر بالارتياح حين يتحدث الناقد عن جوانب لم اكتشفها في أعمالي، جوانب فنية أو فكرية، تدفع بي إلى التركيز و التأمل و والمعرفة .

في أعمالك ميلٌ واضح نحو التجريد،والنثر الحر للون، ما الفلسفة الكامنة وراء ذلك؟

- مرات كثيرة أشعر بأن الفن ساحة صوفية عظيمة للرقص والتحليق، التجريد يترك الحرية للروح أن تقول وأن تحمل الشكل واللون رموزا فلسفية بليغة، أرواحنا مجردة و وحيدة وغامضة، لذا فالتجريد يتيح لها هذه الفرصة بأن تطرح ثقل الغموض خارجا وتنثره ليتنفس .

اشتركت مع الشاعر المغربي طه عدنان في تجربة فوتوغرافية شعرية، كيف تستطيع الحديث لنا عن هذه التجربة؟ وعن حوار الشعر بالتشكيل؟

- تجربة المزاوجة بين أجناس الفن والأدب ليست جديدة وتجربتنا كانت امتداد لتلك التجارب، كانت تجربة جميلة، و طه عدنان شاعر شفاف و وجميل، التجربة منحت الشعر فرصة أن يلتقط صورا،والصورة كذلك،حفزت المخيلة الشعرية، إنها لذة المصاحبة،وقد شعر كل بها من حضر تلك التجربة التي أتمنى أن تتكرر.

لوحاتك محتشدة بالكثير من استعارات اللغة التعبيرية عبر وجوه الشخصيات الغائمة، وعبر ما توحي به أجسادهم المتشظية والغامرة، هناك وجود طافح للاغتراب ومستوى الإحساس به في لوحتك، كيف ترى لهذا الحضور في أعمالك؟

- لا أعلم إذا كان الاغتراب يغلف أعمالي، ولم أكن اقصد ذلك، لكن يبدو أن لا مفر من الشعور بخسارة الجغرافيا التي نبتت بها أقدامي، ذاك المكان الذي صنعني بمدنه و ناسه وتفاصيل تاريخه وتنوع الأشكال فيه، يا الهي كم أحب دوائره ومربعاته وخطوطه التي شكلتني، وعلى ما يبدو بأننا نمتلك ذاكرة خفية لا يمكنها مغادرة الجغرافيا الأولى، ذاكرة نشيطة تنضح منَا دائما، وبخصوص التعبيرية، فقد منحت ذاك الدفق شكله، دون أن أحاول اعادة تشكيل الحيرة لتنتج حيرة جديدة، أحاول تشظية الأجساد لكي أتأكد من صفة التشظي الذي هو جزء من كينونتها كما اعتقد، أنه استنطاق للشكل بعجنه أو بصفعه.

تحاول تعرية مرجعيات العنف الفلسفية والأيدلوجية والأخلاقية، وأعمالك هي رسائل في مواجهة الاستبداد والانغلاق الظلامي، هل تجد أن الفن اليوم قادر فعلا على النهوض بهذه الرسالة، بدل الارتهان إلى هشاشته الجمالية ومجاليته التعبيرية المتعلقة بالفرجة لا أكثر؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن الفن لا يمتلك مقومات التصدي باعتباره مخمليا وحالما، لكن لو حاولنا مثلا أن نهتم بتدريس الفن في المدارس والميديا مثلما نهتم بتدريس الديانات، أن نرصد للفن مؤسسات وميزانيات مثل التي تمتلكها المؤسسات الدينية والسياسة أو على الأقل بأن نعطي الفرصة للفن أن ينضج بيننا بدل القمع ولنرى النتيجة بعد ذلك .

ثم إني لا أعتقد أن الفرجة فعل هش وهامشي ؟ وأن المتفرج حين يمر من أمام عمل فني ينتهي منه بعد عبوره وكفى، شركات الإعلان فهمت اللعبة وهي تحشو أبصارنا بكل دقيقة لكي نستسلم بعدها ونلهث وراء السلع بلا شعور وبلا حاجة حقيقية لتلك السلع، طبعا أنا لا أريد للفن البصري مثل هذا الدور الخبيث والمخادع ولكن هنالك مفاتيح بأيدينا لا يجب إغفالها من أجل التصدي للعنف والرجعية والظلام.

تقول: أنه لا يمكن فصل الفن عن الفلسفة , الفن هو مزيج بين فكرة وجودية وفيض وجداني، ألا تخشى بهذا من تحوير فكرة الفن أو اختزاله في إرسالية أو تبليغية معينة لا أكثر؟

- (لايمكن فصل الفن عن الفلسفة) بمعنى أن الفلسفة من أهم مغذيات الفكر والفن، كما أن ربط الفلسفة بالفن لا يمكن أن ينزع عن الفن وجدانيته بل يدعمه، رحابة الفلسفة بخيالها ومنطقها هي الدعم الحقيقي للفن، ذاك النتاج المتمرد على الأشكال والأفكار والتقنيات، يحصل ذلك بمحرضات كثيرة، الفلسفة أهمها .

درست الفن والتصميم الطباعي ببغداد في الثمانينات، وأكملت دراسة الفنون التشكيلية في بلجيكا، كيف تستطيع الحديث لنا عن أجواء الجامعة العراقية في تلك الفترة؟

- الجميع يتذكر تلك الأيام بالكثير من الحسرة إنها مرتبطة أيضا بالشباب والحيوية وفورة الطموح رغم قسوة الواقع حينها، فالحرب لا تبعد سوى 100 كيلو متر عن بغداد، (أتحدث عن الثمانينات والحرب العراقية الإيرانية)، كنا نحاول اللحاق بأساتذتنا ونرسم صور مستقبلنا من خلالهم، نرسم ونتصنع السلوكيات العبثية باعتبارها شكل نمطي للفنان والمبدع في ذاك الزمان، نعشق وكانت لنا أحلاما كبيرة، وكنا نحاول أن نفتح نوافذ على المستقبل بأصابعنا وعيوننا وقلوبنا المليئة بالفن .

 

حاوره: عبد الواحد مفتاح

 

 

متحدثا عن تجربته مع ثور هايردال المخرج ناصر حسن: رافقت جميع مراحل بناء قارب دجلة في سلسلة من التقارير الاسبوعية للتلفزيون العراقي

اعتزازا بمرور اربعة عقود على تجربة قارب "دجلة" الذي صنعه الرحالة النرويجي "ثور هايردال" عام 1977 في مدينة القرنة وانطلق من هناك على متنه ليعبر المحيط الهندي ذهابا وايابا، جاء هذا الحوار مع المخرج "ناصر حسن" الذي رافق مراحل صنع القارب في مدينة القرنة عبر سلسلة من التقارير المصورة الذي كان يعدها للتلفزيون العراقي كما تابع القارب ايضا حينما وصل الى البحرين وتوقف هناك لعدة ايام، تحدث ناصر حسن عن تجربته مع هايردال وذكريات تلك المرحلة عبر الحوار التالي:

 

* انت ممن رافق توثيق بناء تلك التجربة عن قرب تحدث لنا عما تتذكره في تلك الايام؟

- قبل وصول البروفيسور ثور هيردال للعراق كنت صدفة استمعت له في لقاء براديو مونت كارلو وبقى الموضوع عالقا في ذهني، في عام 1977 ابلغني مدير تلفزيون بغداد الاخ جبار يوسف بان الوزارة تريد تغطية شاملة ومستمرة لعملية بناء القارب "دجلة" من قبل تور هيردال ومساعديه من موقع بناء القارب الواقع في مدينة القرنة، قرب دار الاستراحة عند شجرة آدم، على مقربة من ملتقى دجلة والفرات.

قمت بتشكيل فريق التصوير المكوّن من المصور المبدع الراحل جبار غريب ومساعده ستار جبار ومساعدي علي ناجي وصودف انه لم نحصل على سيارة من التلفزيون لذا ذهبنا للقرنة بسيارتي الشخصية فوكس واكن. 

 

* ماذا اعددتم عن تلك التجربة؟

- قمنا باعداد تقارير اسبوعية تبث كل جمعة تحت عنوان (القارب البردي)، وانجزنا فلما يصل لحوالي 50 دقيقة يوثق تلك التجربة. انذاك كان التصوير الخارجي بالتلفزيون سينمائيا ملونا قياس 16 ملم وحققنا ذلك اسبوعيا ولمدة 6 اشهر مما عرفنا المشاهد العراقي على تفاصيل مشروع ثور هيردال عن الفكره والهدف ومراحل بناء القارب. كنا نعمل المستحيل من اجل انجاز العمل، انذاك لم يكن هناك ستلايت واتصالات متطورة، كنا نصور الشريط السينمائي ونرسله بالطائرة الى بغداد ويتم تحميضه وطبعه وبثه.

 

* انت وفريقك هل رافقتم هايردال على متن القارب؟

- رافقنا هايردال في بداية انطلاق القارب من القرنة وتركنا القارب بعد وصوله للمياه الاقليمية، ثم حينما توقف القارب في البحرين ذهبنا الى هناك من اجل تغطية القارب وبقينا عدة ايام نرصد القارب من خلال التقارير، وكان يفترض ان نرصد وصول القارب الى مصر ولكن هايردال احرقه قرب جيبوتي احتجاجا على منعه من عبور تلك المنطقة الا برفقة قطعات عسكرية. اعتزازا بما نقوم به من تغطية اعلامية اهداني هايردال نموذجا مصغرا من القارب فقدته للاسف حينما غادرت العراق لاحقا.

 

* هل ذلك الارشيف المصور الذي قمتم بانجازه عن القارب والذي استمر لعدة اشهر لازال موجودا؟

- للاسف الشديد لا امتلك شيئا من ذلك الارشيف، على الاغلب انه مفقود، اتمنى على كل من يعرف شيئا عن تلك المواد الفلمية او يعثر عليها ان يقدمها للجهات المعنية.

 

* كيف شاهدت القارب؟

- القارب بني من القصب والبردي، يبلغ طوله 18 مترا، وعرضه 6 امتار، صنع له هيكل من الخشب الصندل ليكون اشبه ببيت داخل القارب، تم تحشيته بباقات من البردي، كان يرأس الفريق العراقي الذي يساهم بصناعة القارب من عرب الاهوار الحاج كاطع من اهالي القرنة. كان برفقة هايردال في صناعة القارب اربع من سكان امريكا اللاتينية، وكانوا من الفلاحين الذين يعيشون باجواء مشابهة لاجواء الاهوار وتعاملوا مع البردي وكانوا ذوو خبرة جيده واتذكر انهم من بوليفيا وكانوا بعيدين عن الحضارة قياسيا باهل الاهوار. كان شراع القارب يحمل صورة لزقورة اور والشمس، هايردال كان يردد بان الشمس تعني الشرق.

 

* كيف كان تفاعل العراقيين الذين يشاهدون هايردال وهو يبني القارب ويبحر فيه؟

- كان الناس يشاهدون بشغف مراحل بناء القارب عن قرب، كانوا يزورون موقع بناء السفينة باستمرار، من البصرة ايضا قدمت بعض المجموعات لمشاهدة ما يحصل وبينهم صحفيون وكتاب. حينما انطلق القارب ايضا من القرنة استقبل من قبل جماهير البصرة في شط العرب باحتفالية كبيرة، الكل مبتهجون ويطلقون منبهات السيارات والقوارب.

 

يذكر ان الفنان ناصر حسن متخرج من كلية الفنون الجميلة في بغداد قسم المسرح عام 1971. عمل مبكرا في الاذاعة والتلفزيون مخرجا للعديد من الاعمال المسرحية، البرامج، المسلسلات والافلام. شارك في عشرات المهرجانات الفنية في داخل وخارج العراق.

حوار - جمال الخرسان

 

 

الشاعر والمترجم العراقي المقيم بالدانمارك قحطان جاسم ولد عام 1952 في العراق. نشر أولى نصوصه في طريق الشعب عام 1977.

ساهم بأصدار مجلة ثقافية (الموقف الثقافي) صدرت في سوريا عام 1985. نشر العديد من القصائد والمقالات في الصحف والمجلات العراقية والعربية. نشر العديد من الترجمات عن الموسيقى، الفن، السينما والشعر.

صدر له كتاب (نظرة في تأريخ العراق السياسي الحديث) 1992. له ديوان (رؤى في مملكة الغياب) صدر عام 1992. وديوان (تجليات العزلة). وآن الذهول، شظايا الوقت.

يكتب في الصحافة الدانماركية، وحاصل على شهادتي ماجستير واحدة في علوم الدولة والعلاقات الدولية 1998 والثانية في العولمة والاندماج 2005.

أنهى أطروحة الدكتوراه في تحليل (خطاب الاسلاميين والديمقراطية في العراق ومصر) 2010.

 

 

1- ما فاتحة النص الذي ورّطك في عالم الكتابة؟

- أن الاجابة عن سؤال كهذا يتطلب استعادة حياة كاملة...حيث عشت طفولة مرتبكة متوزعة بين مدن تتغير رافقتها عاطفة ساذجة تبحث عن حنان مغّيب ..وحنين دائم عن أمان مفقود ..أسئلة غير مكتملة أو واضحة المعالم عن عذابات لا دخل لي فيها أو كنت مرغما أن اعطي رأيي في وقت مبكر عنها ...الخوف من أنهيار العائلة ..موت مبكر لاخت لم تبلغ الأربعة اشهر ..أب متبرم يتهكم من كل شيء حتى من طفولتنا .. ودوره في توريطي بالكتابة ...كان أبي يكتب الشعر الشعبي "الابوذية "-  نوع من الرباعيات الشعرية تكتب باللهجة العاميّة في العراق -  وكانت له مكاتبات مع شعراء من مدن أخرى، وكان كثيرا ما يلقي على مسامعنا ونحن صغارا بعض تلك الابيات وهي تصف محنته وأحزانه ومسيرة حياته ..كان يجمع تلك الاشعار في دفتر خاص وقد تسنى لي أن اتلصص على ذلك الدفتر وأقرأ بعض اشعاره ..لم تدم تلك المتعة اذ اكتشفها ذات يوم فقام بتمزيق الدفتر بكاملة وكان في حالة من الغضب لا انساها ابدا ...ربما لانني أكتشفت بعض اسراره ورأى في ذلك أنهيارا لكبرياءه االبطرياركي..ولا ننس تلك الدموع المكتومة لأم كانت ترى في أنصياعها الى الله الحل الامثل لكل المحن......أذن يمكن القول أن كتاب الحياة هو الذي ورطني كما غيري في محنة الكتابة .

 

2- كيف كانت بدايتك الأولى في النشر؟

- البدايات دائما مغلقة وعصية ..لا اعرف اين قرأت ذلك ..ولكنها حقيقة .المرأة هذا المخلوق السامي والاجمل من بين كل المخلوقات هو الذي فجر في داخلي ينبوع الكلمة ..اذا لم أقل الشعر..كنت في الثالثة عشر عندما استعرتُ كتاب الانكليزية المدرسي للصف السادس الابتدائي من أمرأة شقراء كانت تكبرني بعشر سنين،لقد سحرت بجمالها فكتبت لها قصيدة ووضعتها بين دفتي الكتاب ..ومنذ ذلك اليوم لم أتحدث الى تلك المرأة وتحاشيت تماما اللقاء بها .ونسيت القصيدة التي كتبتها لها . بقيت صورتها في مخيلتي لسنوات وكنت ارتعش كشجرة كلما مر طيفها بذاكرتي ..لا يمكن تسمية تلك المحاولة كبداية عقلانية أو اختيار ذاتي لكتابة الشعر بل شعور أنساني عفوي .. تكررت المحاولة بعد سنوات عندما اقيم مهرجان شعر عام 1969 وكنت حينها طالبا في المرحلة الاعدادية ..كان المهرجان تحت أشراف "الاتحاد الطلابي" التابع للسلطة . قدمت للجنة المهرجان قصيدة حب ولانني لم أكن عضوا في الاتحاد فقد رفضت قصيدتي ولكن عبرعلاقات صداقة تم قبولها، لكنني قرأت قصيدة سياسية بدلا عنها ..وقد تعرضت بعدها للمساءلة ..كانت مغامرة غير ذكية ....في السبعينات عندما كان الشاعر سعدي يوسف مشرفا على برنامج للشعر في الأذاعة العراقية غامرت بارسال قصيدة الى البرنامج،التي اعتبرها التجربة الحقيقية الشعرية الاولى في حياتي وتم قراءتها من الاذاعة ..كنت أترقب البرنامج كطفل يترقب ايام العيد ..لا يمكنني وصف حال الفرح الذي تملكني آنذاك... ثم مرت بضعة سنوات حتى نشرت اولى قصائدي وكانت في الطليعة الكويتية وطريق الشعب العراقية..

 

3- ماذا عن تفاصيل طقوس كتاباتك؟

-  الكتابة عميلة معقدة ..قد انهض قبل االثلث الخير من اللليل وفي رأسي فكرة او مقطع شعري فأسجلها..واحيانا أعدّ نفسي لكتابة قصيدة في وضح النهارعن موضوع أختاره مسبقا..الكتابة معاناة شأنها شأن اي عمل أبداعي لانها توحد تام مع الذات ..لا أحد يشاركك الفكرة عندما تكتب ..أنها الفرصة الوحيدة التي يختلي فيها الانسان تماما مع نفسه..أنا بطيء في الكتابة اذا لم أقل كسولا ...بالنسبة لي القصيدة لا تكتب مرة واحدة ولهذا فانني كثيرا ما أعيد كتابة قصائدي وأغيّر فيها وربما يوضح هذا الأمر أبتعادي عن النشر أو ندرته .. يمكنني أن أنقطع فترة طويلة متوحدا مع الكتابة والقراءة اذا ما قررت أن أنجز عملا ما، منفصلا تماما عن كل ما يجر ي في العالم ...أميل الى الألمام الممكن بالموضوع الذي أود الكتابة عنه او الانشغال به وهذه واحدة من نواقصي أذ انني لا اكتفي بقراءة الموضوعات منقولة عن آخرين ولدي رغبة دائمة بان اذهب الى المصدر الاصلي ..مما يجعلني أضيع في تفاصيل لم تكن في الحسبان ..ولهذا أحسد احيانا بعض الكتّاب الذين لديهم القدرة على النشر بمجرد انهم اطّلعوا على بعض الكتب او الدراسات ..

 

4- كيف تنظر إلى الشعر العربي؟ ماذا عن حاضره ومستقبله؟

- لم يعد الشعر ديوان العرب لكي يصف حالهم وأحوالهم ...فقد حلت سبل وطرق جديدة للتعبير عن ذلك....رغم أن التصاق العرب بالشعر أمر تاريخي ..ولكن لأننا موصوفين بأعتبارنا أمة صوت فلا يمكن لنا أن نتوقف عن كتابة الشعر..لكن ابداع الشعر موضوع آخر ..فتمكنك من كتابة قصيدة لا يعني أنك ابدعت قصيدة .. الشعر العربي في حالة أزدهار مضطرب ..ما أعنيه هنا ..هناك نشر واسع ..كثرة تكتب الشعر وتنشر بدون تحفظ وبصورة لم يسبق لها مثيل ..لكن القليل ممّا ينشر يمكن تسميته شعرا .ثمة مشكلة ..لقد غابت أسماء كبيرة وهذا الغياب خلق أرباكا وحالة فراغ ...هذا لا يعني عدم ظهور أسماء جديدة تمكنت من أن تتبوأ مكانتها الشعرية الراقية بل يعني  أنحسار القلق الوجودي والمعرفة الشعرية لدى العديد من كتّاب الشعر ...على الرغم من ذلك فأن الشعر العربي سيواصل طريقه ويفتح أفاقا جديدة بفعل الخزين الهائل الذي تمتلكه الشعوب العربية من تراث أدبي وشعري ومعاناة حسيّة ومعايشتها لهزّات معرفية هائلة .

 

5- في ظل الجدل الدائر حول قصيدة النثر ودورها في المشهد الثقافي العربي ومستقبلها، هل تعتقد أن هذه القصيدة مؤهلة للبقاء وكيف ترى حظوظها؟

- ألاشكال الادبية والفنية شأنها شأن نماذج الحياة ذاتها في حالة تطور وتجدد. تموت وتحيا بفعل عوامل كثيرة ..قصيدة النثر في سياق تطورها وأزدهارها اللاحق لم تمثل أستثناء من قانون الموت والحياة هذا....يمرّ العرب بمخاضات فكرية وحضارية وأجتماعية كبيرة.. العالم أصبح أكثر من أي وقت آخر في متناول اليد ..وقد رافق هذا الأنفتاح سيل كبير من المعارف والتجارب الانسانية، حيث البحث الدائم عن الحرية والابداع والتجديد..قصيدة النثر جاءت لتبقى..أنها وليدة مخاضات وتحولات ثقافية وادبية لم تعد الاشكال الشعرية السابقة قادرة على احتواءها أو ربما قصورها في تمثل هذه التحولات..قصيدة النثر هي قصيدة النزوع الكلي نحو الحرية ..بيد أن هذا النزوع نحو الحرية تم أساءة أستخدامه ..فبدون توفر شروط هذه الحرية تغدو ممارستها شكلية في الواقع العملي أو الكتابة وأدعاء سطحيا لا يلمس معنى الحرية. ..لذلك نرى بعض الشعراء عندنا، الذين حاولوا التشبه بسلوكيات شعراء وأدباء أوروبيين كانوا قد مارسوا حياتهم بحرية قصوى، قد فشلوا في نقل تجربتهم وسلوكهم وأفكارهم لسبب بسيط هو غياب الحرية عندنا في شكلها الاجتماعي أو السياسي .. يمكن القول أن هناك أستثناء ..أذ يمكن الاشارة الى ثلاثة مبدعين عرب مارسوا الحرية حياة وكتابة وهم محمد شكري من المغرب، عبدالأمير الحصيري وجان دمو من العراق ..ولذلك جاءت تجاربهم الحياتية والدبية صادقة واصيلة .. تجربة جان دمو الشعرية تحتل مكانة خاصة في قصيدة النثر لانه مارس الحرية في الكتابة والحياة كما أحسهما وعاشهما تماما مدعومة بمعرفة عميقة بحرفيات الادب.. أود تكرار ما قلته في مكان آخر: الشعر معرفة كما هو موهبة وأحساس متقد وذهنية متأملة .. ما نقرأه من شعر اليوم يمر بمخاضات عديدة وصعبة ..كانت القصيدة العمودية وقصيدة الشعر الحر تفترض قيودا لغوية وعروضية، ولذلك كانت الكتابة صعبة وتتطلب مرانا وتجربة ومعرفة .. استسهل البعض كتابة قصيدة "النثر" بسبب تحررها من قيود العروض، واعتقدوا أن قصيدة النثر ستتيح لهم بفعل تحررها من الاشكال والقيود أن يصبحوا شعراء بحيث أن كلّ شيء متاح لهم..من حق الناس أن تكتب ما تشاء فلا وجود لقضاةٍ على الشعر ..الا ان كتابة الشعر عملية معقدة..معظم ما يكتب اليوم هو نصوص .وليس شعرا ..محاولات تجريبية تقوم على تلفيق لغوي ساذج خالي من اي معنى وتجربة..وأقل ما يمكن ان نطلق عليه، أنه شعر الحِكم...والسرد ..شعر وصفٍ لا يمس تعقيدات الظواهر الوجودية والانسانية بل يبقى معلقا عند غلافها الخارجي السهل.. وهو أمر معيب ويحط من قيمة الشعر ..

 

 6- لك إطلاع كبير بالأدب الدنماركي،راكمت العديد من الترجمات من هذا الأدب للعربية؟ ما الذي جذبك لهذا الأدب؟ وهل هناك نقاط تقاطع أو تشابه بين بنية النص العربي والدنماركي؟

- لا أدعي أن اطلاعي شاملا على الادب الدانماركي ولكن يمكن القول أنني سعيت أن اتواصل معه عبر علاقات مع بعض الادباء أنفسهم أو قراءة الاصدارات الادبية والثقافية في الدانمارك .. ان ترجماتي لا تزال متواضعة رغم أنني نشرت العديد من الترجمات لشعراء وأدباء دانماركيين ولي ترجمة جاهزة للنشر لمختارات شعرية دانماركية..ما يجذبني للادب الدانماركي هو عمقه ..انه يتعامل مع المعنى ويتناول قضايا الانسان الخالدة ..الحرية، الموت، الحب والخديعة، الانتحار وغيرها. لا يمكن المقارنة بين بنية النصوص لمجتمعات مختلفة ..فطريقة الكتابة واللغة التي تكتب بها النصوص تلعب دورا كبيرا في بنية النص..لكن يمكن العثور على هذه التقاطعات في القضايا التي يتناولها النص العربي والدانماركي ..الأثنان منشغلان بقضية الوجود والانسان والطبيعة والكون والله..يمكننا العثور على بعض المساعي في االادب الدانماركي لنقل تجارب من النص العربي وثيماته وهذا ما نراه واضحا في بعض كتابات سورن كيرككورد حيث يستخدم فن الحكاية المعروف لدينا في التراث العربي وخصوصا في ألف ليلة وليلة، والمعروف أن كيرككورد كان يقتني كتاب الف ليلة وليلة في مكتبته..كما أن هناك تقاطع بين رؤية كيرككورد الى االله والحب وافكار المتصوفة العرب وكتاباتهم ..كما نرى التأثر الواضح بألف ليلة وليلة ايضا في كتابات ه.س. أندرسن..أما من الادباء المعاصرين فيمكن أعتبار الشاعر أريك ستينوس الذي كتب قصيدته الشهيرة عن بغداد واحدا من الذين تأثروا بالنص العربي..وحسب علمي لا توجد دراسات مقارنة حول هذا الموضوع ..وللعلم فأن النص العربي غير غائب عن المكتبة الدانماركية ..فنصوص كملحمة جلجامش، المعلقات السبعة، الف ليلة وليلة، نصوص من الشعراء المتصوفة والكثير غيرها مترجمة الى اللغة الدانماركية ..

 

 7-  ما مدى تواصلك مع الوسط الشعري العراقي وأنت بعيد.. وما مدى تواصلك مع الثقافة الدنماركية؟

- قراءتي للشعر العراقي والعربي عموما لم تنقطع كما أنني اعرف الخريطة الشعرية العراقية بصورة جيدة كما أتابع الدراسات النقدية الشحيحة التي تصدر هنا وهناك ..ولي صداقات واسعة مع أقراني من الشعراء ..كنت أستغل فرص سفراتي السياحية الى المغرب ومصر وتونس لكي اقتني من الكتب التي تساعدني على الاطلاع على ما ينشر في العراق..في السنوات الاخيرة تفضل العديد من الاصدقاء الشعراء من ارسال بعض دوواينهم وكتاباتهم لي ..واليوم تتوفر فرصة اكبر لقراءة ما يكتب بفعل الانترنت وادوات الاتصال الأخرى. أعتبر وعيي نتاج ثقافات متعددة ..لكن تواصلي مع جذور ثقافتي بقي متواصلا رغم انني توقفت عن الكتابة لفترة طويلة باللغة العربية واكتفيت الكتابة بالدانماركية ..أجدني اكثر تحررا عندما اكتب بلغتي الام ..ولهذا كتب الروائي والشاعر الجزائري مالك حداد الى أمه : أني ارطن يا أمي" تعبيرا عن معاناته حين يكتب باللغة الفرنسية.متابعتي للثقافة الدانماركية جيدة ومتنوعة ..لأن فيها الكثير..في الدانمارك اكثر من الف دار طبع ونشر.. والترجمة من كل انحاء العالم جارية على قدم وساق ,ويتم ترجمة الكتب التي تصدر في العالم وبلغات عديدة الى الدانماركية وهذا ما يتيح لي أن اطلع على الكثير من المعارف المنقولة اليها اضافة الى ما تتيحه لي قراءاتي بالسويدية والنرويجية والانكليزية .

 

 9- كمترجم كيف تعيش مغامرة نقل متن من لغة إلى أخرى؟ خاصة من الدنماركية التي طالما اعتبرت لغة بعيدة وملغزة وغير مقروءة لدى القارئ العربي ؟

- اللغة الدانماركية واللغة الاوربية عموما هي لغة رياضيات ..لكن هناك مرونة فيما يخص الكتابة الادبية ويمكنك أن تقرأ خروجا على قواعد اللغة في العديد من النصوص دون أن يقابله ذلك أستهجانا .. اذ يبحث النقاد والمختصون في دواعي هذا الخروج ويسعون لتأويله وتفسيره باعتباره جزء من العملية الادبية ..وهذا غير ممكن بالنسبة لنا في العربية لأرتباط الللغة العربية بالمقدس، أي هناك العديد من التابوات التي تمنع من أي محاولة تجديد أو خروج على ما تم صياغته قبل 14 قرنا. هذه ليست دعوة للفوضى كما قد يخيل للبعض ولكن دعوة للنظر في التحولات الجارية في علم اللغة الأتصال واشكال الكتابة ..الترجمة نشاط ابداعي ومعرفي ..وهو نشاط صعب ويتطلب صبرا كبيرا .. من مميزات اللغة العربية وجود غنى المترادفات اللغوية لكن هذا قد يخلق مشكلة في الترجمة ..فالترجمة ليست تعويض كلمة بمفردة أخرى شبيهة لها بل تتطلب معرفة كاملة بالنص وحيثيات كتابته..وأود أن اعطي مثلا ملموسا على ذلك هو صدور أنطلوجيا عن الشعر الدنماركي كانت مليئة بالأخطاء كما أن ترجمة سورن كيرككورد عن لغات أخرى غير الدانماركية أعتبره عملا بلا فائدة ..فمثلا يميز سورن كيرككورد بين كلمة angst وfrygt اللتين يتم ترجمتهما عربيا الى "الخوف " وهي كارثة ..لأن كل فلسفة كيرككورد تميز بين هذين المفهمومين ..وعدم ترجمتهما بصورةى صحيحة يعني الاضرار بكل فلسفته. كما ان هناك مفردات لا تتوفر سوى في اللغة الدانماركية لما لها من مرونة كمثال على ذلك مفردة menneskelige

 والتي تعني" أنساني" الا أن سورن كيرككورد يقسمها الى نصفين وهو يتحدث عن قضية الحب فيقول menneske-  lige

بمعنى أن البشر متساوون وهذا الامر يصعب ترجمته دون معرفة باللغة الدانماركية.

 

10- إن الاغتراب لَيحْضُر، بكثافةٍ، في الأدب والفن، ويدخل في نسْج خيوط بنية الأدباء والفنانين على اختلاف مستوياتهم العلمية، هل تشكل الغربة تيمة في كتاباتك؟

- الاديب والشاعر هو أنسان قبل أن يكون أي شيء أخر..وتدخل القضايا التي تشكل تحديا لوجوده في نصوصه..والاغتراب يمكن ان يتحقق وانت تعيش في وطنك أو بين اقرب احبائك..أما الغربة، اي النزول في ارض أخرى وبين بشر لا تشاركهم ثقافتهم او لغتهم فانا لم اشغل نفسي بهذا الموضوع مباشرة ..ولكن عدم الانشغال لا يعني غياب الاحساس بالغربة ومعاناتها ..ولهذا يمكن القول انني تناولت الأغتراب أكثر مما تناولت الغربة ..الغربة حققت لي حرية أكبر في الكتابة ومنحتني خبرة ووسعت من آفاقي الشعرية والفكرية والانسانية ..

 

11- أطروحتك للدكتوراه كانت عن (خطاب الإسلاميين والديمقراطية في العراق ومصر (كيف تنظر لهذه الموجة من التيارات الإسلامية التي اجتاحت العالم العربي مباشرة بعد ما سمي بربيعه؟ ألا تخاف على منجز القصيدة العربية من هذا الخريف الذي يهدد بالرجوع إلى فترات ما قبل الأسئلة التي أنتجت بنية القصيدة ؟

- لقد أُطلقت على أنتفاضات الربيع العربي خطأ أسم "الثورة" ..ولهذا من الضروري أولا ان نتفق على تعريف للثورة..الثورة تعني تحولات بنيوية جذرية في المجتمع والثقافة. ولهذا فأن الربيع العربي ليس ثورة بل خاتمة ممكنة للأزمات المستعصية التي مرت وتمر بها الحكومات العربية ..وهي أزمات لا تزال سارية ..وتنخر في جسد المجتمعات العربية بعمق.. لم يكن مستبعدا صعود التيارات الاسلامية ..فهي لم تغب عن الساحة ولم تواجه مستوى القمع الذي واجهته القوى السياسية الاخرى خلال العقود الاخيرة . هذا لا يعني أن بعض وجوهها السياسية لم تتعرض للملاحقة بل يعني أن الحركات الاسلامية كانت تتمتع بديناميكية أكبر للحركة والتوسع بين الجماهير وبعلم الدولة ذاتها. لقد ساهمت الحكومات العربية، التي غالبا ما يوجه لها الاسلاميون النقد االحاد بأعتبارها حكومات علمانية، بنشر الدين والحفاظ على البنية الثقافية الدينية عبر أنتهازية غبية للموازنة بين القوى السياسية ولتقويض نشاط القوى الديمقراطية والعلمانية، التي تعتبرها هذه الحكومات الخطر الحقيقي على وجودها..الحكومات العربية التي قامت بعد الاستقلال هي دول تنمية وتحديث وليست حداثة ..فالحداثة تتطلب تحقيق الحرية الشخصية للمواطن وفصل الدين عن الدولة.. ألا أن ما قامت به حكومات ما بعد الاستقلال هو قمع الحريات وتوسيع القاعدة الثقافية والاجتماعية الدينية عبر تعزيز دور المؤسسات الدينية الرسمية ـ التي تمثل بحد ذاتها مصدرا حقيقيا للقوى الاسلامية. ومثال على ذلك يمكن الاشارة الى الدور الذي لعبه الأزهر في مصر،منذ جمال عبدالناصر وحتى مبارك،في الحد من انتشار الفكر النقدي للدين..كما انه ساهم عبر أقامة مئات من المدارس الدينية بتخريج الآلاف من الطلبة والائمة، الذين ساهموا بنشر الفكر الديني..وقد لمسنا نفس الامر في دول عربية أخرى حيث لعبت المؤسسات الاسلامية بدور نشط في الحفاظ على البنية الثاقفية الدينية وهذا يعني أن الافكار الاسلامية لم تغب لحظة واحدة عن دورها الفاعل في المجتمع العربي وبقيت تمارس دورها بأعتبارها الحاضن الاساسي للبنية الثقافية التقليدية في المجتمع العربي،حتى حين تعرض التيار الاسلامي في سنوات معينة الى الملاحقة من قبل السلطات، بينما لم تتوفر نفس الفرصة للقوى السياسية العلمانية الاخرى التي كانت تتبنى افكارا ومفاهيم حداثية يمكن القول عنها أنها تمتاز ببعض غرابتها عن المحيط الثقافي العربي وتحتاج الى وعي ومعرفة اكبرلهضمها من قبل الجمهور..أضافة الى ذلك فأن القوى الاسلامية وجدت لها دعما اقتصاديا كبيرا من قبل دول أخرى لها مصالح مشتركة بنشر الفكر الديني المحافظ لم يتحقق لقوى أخرى. لكن صعود الحركات الاسلامية لا يعني أختفاء الازمات في الوطن العربي، بل بالعكس يعني تعمقها واشتداد حدتها ..لانه لا يمكن اقناع المواطن العادي عبر شعارات تحشيدية بلاغية ودينية ..المواطن يريد حلا ملموسا لمشكلاته المستعصية في قضايا السكن والعيش والدراسة والحريات السياسية وغيرها ..وهنا فان الاسلاميين سيقعون في ورطة اما الاكتفاء بأتباع أيديولجيتهم الدينية وشعاراتهم التهييجية وبالتالي الفشل في تقديم حلول عاجلة للازمة، او الانصياع الى الامر الواقع والاقرار بعلمانية القرارات السياسية التي تتطلب مشاركة اوسع تقوم على مفهوم المواطنة وفصل الدين عن الدولة وفي كلا الحالتين فانهم الخاسرون مستقبلا...لانهم سيقعون في تناقض مع أنفسهم والجمهور ..بالمقابل يتطلب من القوى العلمانية والديمقراطية ضم القوى الاسلامية وعدم عزلها باعتبارها قوى تمثل جزء من الواقع القائم..وبالتالي عدم تغريبها وجعلها في حالة حوف دائم من المستقبل .

 أنني ارى في هذه التحولات رغم كسوفها وارتدادها حاليا جانبا ايجابيا ..لقد فتحت عين المواطن العادي على اهمية الحرية ..وفي مجتمعات يشكل فيه الشباب اكثر من60% من مجموع السكان فأن شعار الحرية سيكون هو الشعار الاكثر اهمية لها مستقبلا، وهذا بحد ذاته يخدم الابداع عموما والقصيدة العربية خصوصا لانه سيوفر مناخا اكبر، اي مناخ الحرية التي لا يمكن بدونها أن يتحقق ابداع حقيقي..

 

 12- في كلمات:

 محمود درويش: شاعر تمكن من استعادة وطن لم يكن ممكنا استعادته على أرض الواقع..كما انه اسس لقصيدة الحشد .. القصيدة التي لا يمكن التمتع كليا بها الا مع الجمهور.

 حميد العقابي

 شاعر وروائي يسعى عبر كتاباته أن يتحرر من آهوال الخوف التي تركها القمع في بلده العراق على روحه وايضا التحرر من التابو والثقافة التي ترفد ذلك القمع .

 الدنمارك

بلد الحرية والمعرفة وبلدي الثاني الذي منحني ما عجز ان يمنحني أيّاه بلدي الاول العراق ..

Lis Lindebæk Jasim

زوجتي وحبيبتي التي علمتني أن اصغي الى انسانيتي وأن احب الآخر بدون أن يتضمن هذا الحب مشاريع الربح والخسارة.. ساعدتني أن ارى ومضة الامل المشتعلة في الحياة رغم كل ما يحيطها من موت وخراب وكراهية .

القصيدة

وجعٌ كلي ّ وتبصر دائم في الكون والأنسان والوجود

 العراق

 الوهم الذي لا يغادرني ..

 

حاوره عبد الواحد مفتاح

 

 

الهوية الملتبسة من الظواهر التي تقود نشاط الإنسان في المجتمع المعاصر، فإذا كان المكان هو الذي يساعد على بلورة الشخصيات والمجتمع سابقا بسبب ضعف الحركة وبطئها واستغراق وقت طويل للتنقل، فإننا اليوم نعبر القارات بلمح البصر، ونعيش في مكان ونفكر بغيره. ويبدو أن الهوية الملتبسة واضحة في معاناة الإنسان العربي، لاسييما أن العرب أمة موزعة على دويلات. وهذا يختلف عن الأوروبيين. فهم شعوب توزعوا على دول مستقرة، وأول دليل على ذلك هو الاختلاف في اللغات. وما يترتب عليه من إشكالات في التواصل، لا أنكر أن اللغة الألمانية عابرة للحدود، وكذلك الفرنسية. لكن اللسان الإنكليزي محصن بالمياه التي تحيط به من كل جانب. ولو نظرت إلى العراق لا تزال هناك مناطق مختلف عليها مع بلدان الجوار. كالأحواز والكويت وإقليم كردستان. وربما أشهر كاتب يحمل أعباء التباس الهوية هو عبد الرحمن منيف.

توجهت بسؤال حول هذه المسألة للدكتور قصي الشيخ عسكر باعتبار أنه روائي يعيش في المنفى من أكثر من ثلاثة عقود. ويحمل جنسيتين، عربية عراقية ودانماركية. ويتكلم بثلاث لغات. بالإضافة لما سبق الإنكليزية لأنه يقيم في إنكلترا من حوالي ربع قرن. الدكتور الشيخ عسكر مرشح لتمثيل مشاكل التباس الهوية. وهو خير من يعيش هذا الهم النفسي والوجودي.

 

* عبد الرحمن منيف

سألته هل  برأيك أن الروائي ذائع الصيت عبدالرحمن منيف  سعودي الجنسية ويعكس هموم وحساسيات العراق في الفن والاقتصاد السياسي والسياسة؟..

رد يقول:  عبد الرحمن منيف كاتب سعودي، ومشروعه (مدن الملح) يؤكد ذلك. ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد ما يتعلمه من العراق والرواية العراقية.

 

س- ألا تعتقد معي أن (مدن الملح) عمل موسوعي ويغطي منطقة البادية الممتدة بين شبه جزيرة العرب وبلاد الشام ووادي الرافدين.

ج- طبعا، هو عمل كبير الحجم ويعكس الطبيعة الأنانية لمنيف، فخماسيته تقفز من فوق الواقع ولا تعرف كيف تتعامل مع الإنسان الطبيعي البسيط.

 

س- لكن منيف قدم لليسار العربي خدمات جليلة وأصبح رمزا من رموزهم. وأعتقد أنه اشترك مع المرحوم سعد الله ونوس في نشر كتاب غير دوري صدر في دمشق بعنوان (شهادات) استقطب أهم الأقلام العربية.

ج- يا عزيزي دار نقاش عن وجود الشيطان وذكائه وقدرته على الغواية، هذا اعتراف أنه موجود لكن لا يعني إطلاقا أنه يقدم للإنسانية خدمات باهرة أو إنجازا رائعا.

 

س- ألست معي أن لمنيف إلماعات وهفوات مثل أي كاتب، من ينسى عمله الهام (حين تركنا الجسر) و(شرق المتوسط) وكلاهما فاتحة لموسم نقد السلطات سواء من ناحية سوء إدارة أزمة المجتمع العربي أو سوء إدارة الأرض وخسارتها في حرب ال 67. ومن لا يتذكر (قصة حب مجوسية) التي ترقى لفصل من فصول (آنا كارنينا)، والإشارة للحفل الراقص الذي يقيمه الكونت لتقريب زوجته الشابة من حياة النبلاء.

ج- هذا ليس دليلا على شيء، أريد أن أقول إن منيف مصاب بالنرجسية، والكاتب اليساري يجب أن يتسم بالتواضع. لا يوجد كاتب إنساني ومؤثر لكنه مريض بالعنجهية وبداء التكبر والانحياز لمصالحه.

 

س- نعم، لكن موضوعنا هوية الكاتب كما تعكسها أعماله، منيف كاتب شمولي، فهو عربي ولا يمكن حصره بتصنيفات خانقة وحشره في هوية لبلد ناشئ سياسيا، فهو يكتب عن البوادي وهي ظاهرة مشتركة، إنما تكلم كثيرا عن سياسة واقتصاد النفط، وكلا العراق والسعودية يعتمدان على هذه الثروة.

ج- مع ذلك فقد كان ميالا للواقع السعودي، يوجد في ضميره جيب أسود يشده إلى السعودية، وكل ما عدا ذلك جزء من العموميات.

 

* شفيق الكمالي

س- سمعت منك أن شفيق الكمالي من البو كمال وهي مدينة في سوريا. ومع ذلك شغل منصب رئيس اتحاد الكتاب في العراق ووزارة من وزارات الدولة في عهد البعث. ألا يوجد هنا التباس نظامي معاكس لغموض المعارضة التي يمثلها منيف؟.

ج- الكمالي إنسان نظيف، ولو أنه بعثي فهو طاهر السريرة، وشعره مجدد. ويعكس هذه الإرادة الروحية في  النظافة والوضوح.

 

س- ولكن ألم يلتزم بفلسفة العصا والجزرة التي تغشنا بها حكوماتنا.. نأكل مما نصنع و نتلقى الضربات لنهضم ما أكلنا؟.

ج- هذا لا علاقة له بشعرية شفيق الكمالي. حتى أنه دفع حياته ثمنا لعدم رضاه على سياسة صدام، وإذا أشيع أنه مرض وتوفي فهناك أيضا أقوال تؤكد أنه مات مسموما أو في ظروف غامضة. كان رحمه الله قلقا ونفد صبره في أواخر حياته من سياسة صدام الأهوج واختفى ليس من المنصة ولكن من الحياة كلها، وتشير أصابع الاتهام لمخابرات صدام.

 

س- هل يمكن أن تصفي المخابرات شخصية أدبية لامعة مثل الكمالي؟.

ج- بالطبع، كان صدام حاقدا عليه ووضع اسمه في قائمة التصفيات. واعتقل لثلاثة شهور في 1983 ثم خرج من المعتقل يئن من الأمراض والأوجاع واكتشف الأطباء أنه مصاب بسرطان الدم، ولم تكن لديه فرصة للعلاج.

 

س- وهذا الموت المحقق وراءه مكيدة سياسية؟.

ج- على الأغلب فقد أخبر زوجته بعد الإفراج عنه أن الأطباء حقنوه بمصل ضد ارتفاع ضغط الدم ولكن هو يشك أنه حقنة قاتلة.

 

س- ولماذا صمت وهو يعلم أنه ميت لا محالة؟.

ج- لتنجو زوجته و أولاده.

 

س- وأين هذه المعاناة في شعره؟.

ج- شفيق الكمالي مولود في سوريا عام 1929 وانتسب في الأربعينات للبعث، وشارك صدام منفاه في القاهرة، لذلك هو يعرف عنه أشياء كثيرة ويجد من الحكمة التكتم عليها. وعلى الغالب إن تكتمه هو سبب اهتمامه بالشعر الوطني وليس السياسي. وكان هو مؤلف النشيد الوطني العراقي، وحين يردده الطلبة  في المدارس كان هو يقبع في أقبية الأمن تحت التعذيب. ومن كلمات هذا النشيد قوله:

وارتدى مجد الحضارات وشاحا

بوركت أرض الفراتين وطن

عبقري المجد عزما وسماحة

هذه الأرض لهيب وسنا

وشموخ لا تدانيه سماء

جبل يسمو على هام الدنى

وسهول جسدت فينا الإباء

بابل فينا وآشور لنا

وبنا التاريخ يخضل ضياء

نحن في الناس جمعنا وحدنا

غضبة السيف وحلم الأنبياء

حين أوقدنا رمال العرب ثورة

وحملنا راية التحرير فكرة.

 

س- واضح أن الرموز لوادي الرافدين ولا توجد إشارة لبلاد الشام أو بني أمية..

ج- هو شاعر عراقي، وأساسا في العشرينات كانت الحدود غير مرتسمة بين سوريا والعراق فالاستقلال أنجز الحدود السياسية الحالية. ثم كان ولاؤه لبغداد واضحا كما في قوله:

بغدادُ ما سطّرت للعزّ ملحمة

إلاّ وأنت لها العنوان والصّورُ

وقوله:

بغدادُ يا جنّــة الدّنيـا وزهوتهـا

ويا حقيقـة ما قالوا وما سطّروا

بغدادُ كنتِ لكلّ العــربِ مفخرةٌ

واليـومَ أنت لكـلّ العربِ مفتخر

 

س- إذا الملحمة السياسية التي حرضت شفيق الكمالي هي البعث والعراق؟.

ج- بالضبط. فقد خدم بغداد في اتحاد الطلبة ووزارة الشباب والإعلام وكان سفيرا في مدريد. واختتم حياته بإدارة مجلة (آفاق عربية). وكانت النهاية الاعتكاف في البيت بعد أن سحب الأمن منه سيارة هي هدية من صدام.

 

س- هذا يدل على التباس سياسي أيضا، فهو يعاني من أعراض الشخصيات الإيديولوجية القلقة بتعبير عبد الرحمن بدوي لو اعتبرنا الإسلام منظومة أفكار أو إيديولوجيا. ولكن لماذا انقلب عليه صدام؟..

ج- لأنه عرف أكثر مما ينبغي، كان معه عضوا في مجلس قيادة الثورة وفي انتخابات الطلبة في مصر، وحاز على غالبية الأصوات لتمثيل طلاب العراق في المنفى بينما حاز صدام على 2-3 أصوات، ولربما حقد عليه من ذلك اليوم.

 

*جبرا إبراهيم جبرا

س-  أنت تذكرني بسليمان العيسى، هو أيضا من البعث ولكن لم يستلم أي منصب، وكان يعيش بعيدا عن الأضواء في اليمن كمعلم مدرسة. أيضا غوركي اعتكف في إيطاليا بحجة الاستشفاء من مرض السل ومات بعيدا عن اتحاد الكتاب الذي أسسه، ناهيك عن تروتسكي الذي قضى في البرازيل، وكان حكم الإعدام مسلطا على رقبته طوال الوقت لأنه لا ينصاع لأوامر ستالين. المناشفة والبلاشفة يكررون أنفسهم في البعث، يوجد بعث ليبرالي وبعث سلفي، ندفع ثمن أخلاقه الرجعية والضيقة حاليا، فهم زمرة من المؤمنين بأنفسهم وبالتسلط، حتى أن فكرة السلطة لا يفهمونها، وينظرون للبلاد على أنها مائدة مفتوحة وجاهزة للسرقة والنهب والاستغلال. كان العيسى أيضا حاملا لهوية ملتبسة، فهو من مواليد اللواء، المنطقة التي ترزح تحت حكم الأتراك والتي قدمتها فرنسا لقمة سائغة للجمهورية كرشوة مقابل الإجهاز على بقايا العثمانيين. هذه السياسة تضعنا على المشرحة في ضوء النهار. نحن جثة جاهزة للسلخ. وإذا كنت لا أدعو لعودة اسكندرون إلى سوريا، فأنا أفكر متى تبتلع تركيا حلب أو مدينة أصغر محاذية للحدود. المهزلة أو الكوميديا السياسية مستمرة، ولا مجال للتردد في الاعتقاد أننا في غرفة العناية المركزة. ولكن لا ضرورة لمناقشة هذه المواجع، ولننتقل إلى حالة جبرا الشاعر والروائي المعروف. فقد لمع اسمه كروائي عراقي مختص بالقضية الفلسطينية، ونحن نعلم من مذكراته أنه من نازحي 1948، واستقر في بغداد وتزوج من لميعة العسكري المسلمة. وقد أضاف ذلك عدة التباسات على شخصيته، بالإضافة إلى أنه مسيحي، كما أن أول رواياته (صيادون في شارع ضيق) مكتوبة بالإنكليزية وتفسر الواقع المتردي لبغداد، كيف تنظر لشخصيته؟. وما دورها في ميوله الفنية؟.

ج- جبرا مثل الكمالي، هما ألصق بالهوية العراقية من ناحية البناء النفسي والفني، ويقترن اسم جبرا بغائب طعمة فرمان، لا يمكن أن تذكر (السفينة) لجبرا دون أن تذكر  (خمس أصوات) لفرمان. كلاهما لديه محبة لجو العراق. وكل صفحة من أعماله تنبض بهذه العاطفة.  وهذا الكاتب المبدع من بيت لحم كما أظن، إنه مثل الكمالي المولود في البوكمال السورية. لا يمكن أن تعزل أي واحد منهما عن المشهد الأدبي في العراق، بخلاف منيف، فهو أقرب للبداوة ولجو السعودية المتصحر.

 

 س- لماذا تشن حملة على عبد الرحمن منيف وهو  ليبرالي وله تأثير واضح على شريحة واسعة من المثقفين العرب لا يدانيها أحد غير إدوارد سعيد.

ج- اليساري إنسان متواضع، يستوعب من معه ويحاول امتصاص من عليه، ولكن منيف ليس كذلك وهو غير محبوب في العراق، إنه يتعالى على نفسه يا رجل.

 

س- تعتقد أن عبد الرحمن منيف منفصل عن مشهد الأدب في العراق، ويحمل صفة سياسية عامة تستهوي اليساريين بشكل عام. لست ضد الجزء الأخير من الجواب، فرواياته تهتم بالظلم السياسي دون تحديد جهة أو مكان، (شرق المتوسط) يمكن أن تكون سوريا أو العراق أو الاردن. و(سباق المسافات الطويلة) هي عن حكومة مصدق في إيران، بينما روايته (حين تركنا الجسر) تكيل الهجاء للسياسيين دون أية إشارة محددة تدل عليهم، هل هم سياسيو مصر أم الأردن أم سوريا، فالفكرة الأساسية تشبه توبيخ الذات على هزيمة نكراء. منيف كاتب شمولي. لا يحدد الأمكنة التي يتكلم عنها، ولذلك هجائياته تنصب على مرحلة وشخصيات نموذجية، يعني هو ناقد لعصره وليس لبلد معين. باستثناء (عروة الزمن الباهي) فهي مديح غريب الشكل لصعلوك مثلما فعل الطيب صالح في روايته الوثائقية (منسي إنسان نادر على طريقته). وباستثناء (سيرة مدينة) التي يمتدح فيها عمان.

ج- ربما لا أريد أن أدخل معك في هذه التفاصيل، وكنت أنوه بالقطيعة التي تحملها حالة منيف، فهو كاتب لا ينتمي لا للعراق ولا لأدبنا العراقي الحديث.

 

س- ولكن توجد حالات كثيرة تعكس مواقف غير منتمية والإسقاطات عامة بسبب تشابه الظروف في الشرق الأوسط.

ج- هذا إجحاف بحق كثير من الأدباء الذين لديهم أزمة لغة وأزمة عرقية، ولكنهم عاشوا في العراق و أحبوه وحملوه في جوانحهم  وأصبحوا سفراء لهذا البلد أينما حلوا. نستطيع أن نذكر من هؤلاء بلند الحيدري أحد رواد الأدب الحديث وهو يشكل خطا من خطوط المربع الذهبي، نازك والسياب والبياتي. بلند كردي القومية ولا يكتب باللغة الكردية، جده كان يحمل رتبة شيخ الإسلام زمن الدولة العثمانية، أخوه صفاء الحيدري شاعر شعره بالعربية، وهناك أيضا الشاعرة المبدعة لميعة عباس عمارة، هي مندائية لغتها الأصلية الآرامية، وهي ابنة خال الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد الذي هو مندائي، لميعة كتبت بحوثا جميلة عن الكلمات المندائية في لغتنا العربية، وكلاهما لميعة وَعَبَد الرزاق يكتب الشعر باللغة العربية، ولدينا الشاعرة ناجية المراني المندائية التي تكتب بالعربية. أذكر كذلك الأديب العراقي أنور شاؤل رائد القصة العراقية ١٩٠٤-١٩٨٤ الذي يكتب بالعربية مع أن لغته الأم العبرية، أنور  لم يهاجر إلى إسرائيل بل مات في بريطانيا، ومثله الأديب مير بصري حتى أنه حين هاجر إلى لندن أوصى أولاده أن يتحدثوا في الشارع الإنكليزية أما في البيت فقد ألزمهم أن يتكلموا العربية مع أن لسانه الأصلي عبري. ولا بد من الإشارة لجعفر الخليلي، كان أبوه يعمل في وزارة الخارجية الإيرانية والابن في العراق، وهو من رواد القصة العراقية مع أنور شاؤل، وهذا التداخل بين أصول فارسية ولسان أو هم عراقي يحمل أكثر من دلالة. تاريخيا يشير لسياسة التتريك وحركات مقاومتها. فالعراقيون كانوا يهربون من خدمة الجيش العثماني بتسجيل أنفسهم في التبعية الإيرانية، ولكنهم ماتوا عراقيين، إنه أسلوب للتملص والمناورة، وللأسف استغله صدام حسين أسوأ استغلال واستفاد منه في استبعاد المعارضة، وتسفيرهم إلى إيران. لو دققت النظر في أعمال الخليلي لن تجد أمامك غير قصة عربية تحمل الصفات الهجينة لكتابات الرواد. لكن الواقع المحلي واضح، إنه الهم العراقي المحلي  بطبيعته المتميزة.  لقد فكرت في يوم من الأيام أن أضع معجما للشعراء غير العرب المعاصرين  الذين لم يكتبوا بلغتهم الأصلية بل بالعربية  عنوانه "شعراء مستعربون" لكني أعرضت عن الموضوع لأسباب خاصة.

 

س- يا دكتور هؤلاء يكتبون بلغة الضاد فهم من مجال اختصاص الأدب العربي و ليس العراقي؟.

ج- ما الفرق، العراق جزء من مشروع العقل العربي، مع ذلك كنت أقصد أنهم انغمسوا بحياة الداخل العراقي وكانوا يعايشون الهموم العراقية، وأسماء الشوارع والمدن في أعمالهم عراقية. كانت هويتهم ملتبسة لكن شخصيتهم الفنية واضحة ولا تعاني من الخلل، إنهم جزء من العراق ومن تاريخه، وكتاباتهم وثيقة عن تطور المجتمع والإنسان في العراق الحديث طبعا ضمن إطار الثقافة العربية. فهذا  واقع مستمر منذ سقوط العثمانيين وحتى الوقت الحالي، ولم ينجح أحد في إلغاء هذه الشخصية المتميزة وامتدادها.

 

س- كيف تعامل الكتاب الغربيون مع هوياتهم الملتبسة، فالحائز على نوبل غونتر غراس بولوني من غدانسك وكتب ثلاثية غدانسك بعنوان (طبل الصفيح). لكنه ينشر باللغة الألمانية وبعد سقوط هتلر أقام في برلين، وكان ضابطا في جيش هتلر برتبة ضابط إشارة. هل لديك فكرة كيف كانت تبدو أعمال غراس بهذا الخصوص، هل تعامل مع واقعه الغامض بطريقة ملتوية انعكست على رواياته؟؟!.

ج- لكنه ليس أجنبيا على ألمانيا، هو ألماني ويكتب بالألمانية وأعماله مترجمة إلى لغات مختلفة بخاصة بعد حصوله على نوبل عام١٩٨٨ وفق ظني، وقد مات في løbek شمال ألمانيا فهو لم يعش في بلد آخر ويكتب لغة البلد الآخر.

 

س- فاتتك هنا حقيقة أن غدانسك هي مقر نقابة التضامن التي وضعت حدا للنظام الشيوعي في بولونيا. لقد ولد غراس فيها، وحملها معه في قلبه، وكتب عنها أولى وأضخم رواياته (الطبل الصفيح) وأتبعها بـ (قط وفأر) ثم (سنوات الكلاب)، وكلها عن غدانسك وطفولته وتشرده على سواحلها. وفي عمله المتأخر (مئويتي) مونولوجات في مديح غدانسك.

ج- عفوا كنت أظنه ألمانيا لأن المقاطعة التي ولد فيها يتكلم معظم أهلها الألمانية مثل الألزاس واللورين التي ضمت إلى فرنسا ومثل جنوب الدنمارك الذي تم ضمه سنة ١٨٨٨ بالقوة في ألمانيا حين خسرت الدنمارك الحرب.

 

س-  توجد التباسات شديدة الإرباك في بولونيا. فالكهول في غليفتسة،  وهي من مقاطعة سيليزيان، يتكلمون الألمانية لكن الشباب واليافعين يتقنون الروسية المفروضة عليهم بالقوة. هذا التردد في الهوية اللغوية له عواطف متناقضة، كبار السن يحبون لغتهم الأم وهي الألمانية، والصغار يكرهون لغة التعليم السياسي وهي الروسية. ولذلك يوجد تمزق في المجتمع، وله انعكاسات على الوضع التربوي والعقلي. فهل يوجد خلل في كتابات غراس، هل فيها شقوق تنم عن هوية مكسورة وحائرة؟.

ج- برأيي إنه على شاكلة أمين معلوف، لبناني ولد في القاهرة عام ١٩٤٩ وعمل في الصحافة العربية في لبنان ثم هاجر بعد اندلاع الحرب إلى فرنسا. ورواياته التاريخية تنظر بعيون الفرنسيين لماضينا الإسلامي أو العربي المعاصر. وتحمل شكلا من أشكال المقاربة للماضي. وهي مختلفة عن أعمال جرجي زيدان المكتوبة للتسلية. إن إسقاط لغة غريبة على جزء هام من الذات كالماضي التاريخي يدل على التزام بالجذور. كما هو حال غراس، بولوني ويكتب بالألمانية عن بولونيا.

 

س- مفهوم، لكن ماذا عن تجربتك الشخصية. فأنت بجواز سفر دانماركي ومقيم في إنكلترا، ومتعلق بالمشكل السياسي العراقي. (قصة عائلة) عن انقلابات ما بعد الاستقلال. و(الرباط) عن متاعب الهجرة والغربة. و(المقصف الملكي) عن الحب في أزمنة الفتن والحروب الداخلية. لماذا لم تندمج في البلد الحاضن وتركت مسافة بينك وبينه، وركزت على الماضي الذي انسلخت عن آلامه وعذابه. ونفس السؤال أكرره عن كثير من الأدباء الذين يعيشون في منفاهم، مثل فاضل العزاوي فهو لم يكتب إلا عن العراق ومن خارجه.

ج- العزاوي من القومية الكردية، ويكتب بلسان عربي. أما نحن بشكل عام نكتب عن مشاكل العراق بلغة الرقابة، ليس التسلط ولكن الحساب والنقد والتوضيح دون اهتمام بالممنوعات والمحظور سياسيا أو دينيا. مهمتنا نقد العيوب وأسبابها. ووجودنا في المنفى وحملنا لجنسية غريبة تفرض علينا منطقا مختلفا، فنحن من موقعنا الجديد ننظر للحاضر والماضي ونخاطبه بتراكيب وصيغ لا يعرفها من يعيش في جحيم الداخل، وهذا لا يعني أننا بلا معاناة، العكس هو الصحيح، فمعاناتنا لا حدود لها ولا يمكنك تقدير حجمها. وأنا شخصيا لا أعرف معنى الراحة من أربعين عاما هي فترة اغترابي. وإذا كانت هناك ملاحظات يوجهها إلينا الأساتذة الأفاضل المتخصصون باللغة العربية، ولا سيما بخصوص التراكيب والنحو الذي نميل إليه، فهذا لأنهم يكيلون بمكيال قديم وجامد. اللغة كائن حي. وهدف الكاتب توظيف لغة يفهمها القارئ المعاصر ويستوعبها المغترب الذي يقرأ ولكن لا يكتب، فنحن شريحة وأعدادنا بالملايين وربما تنوف على عدد من يعيش داخل حدود العراق. من واجبنا أن ننبه إلى هذه الشخصية المركبة وطريقة تفكيرها والهم الذي تحمله، فنحن لدينا عين على الداخل وعين على واقع المنفى، و أعتقد أن هذا يحتاج لأدب بعينين وليس لكتابة مسطحة وذات بعد وحيد.

 

س-  ولكن الهوية الملتبسة شكلت بعض التحدي للكتاب في المنفى، فلا هم عرب عاربة ولا هم أوروبيون أو من العالم الجديد. الشعر واضح، خذ حالة يحيى السماوي، فهو في أستراليا ولكن إصداراته تأتي من دمشق أو بغداد وتحمل شخصية مضعضعة تبكي وتذرف الدموع على واقع المأساة وحال النكبة الذي يعيش فيه العرب. كل كلمة وكل صوت لديه مغموس بدماء عربية ومعجون بتراب وحجارة عربية. لكن لو ابتعدت قليلا باتحاه كاتب مثل نيبول، تلاحظ أنه يتكلم عن الغربة والتشرد بلا أي ارتباط بالأرض، فهو يفكر بالحياة ولا يعيشها. ويكتب عن المأساة دون أن يحاول تخفيف آثار العاطفة المأساوية. ومعظم رواياته عائمة. تدور أحداثها بين الهند ومصر وأنغولا والكاريبي، والقائمة لا نهاية لها. كاتب ضائع وشريد. كيف تفسر عدم التزام اللغة بالوطن اللغوي أو الوعاء الحاضن، حتى الإنكليزية مقسومة إلى لسان إنكليزي وآخر أمريكي؟.

ج- الأدب العالمي متداخل في الأشكال ولغة التعبير. فالإنكليز هم غير البريطانيين. والفارق يعود لمشكلة الأصل العرقي وليس لمشكلة اللغة أو اللسان. الأصل يبدل أسلوب التعبير حتى لو أن اللغة من عائلة واحدة، ولكن في اسكندنافيا يختلف الوضع حسب الجيل. كبار السن من المهاجرين يعانون من اللغة بينما أبناؤهم ينصهرون بها. هناك حوار في رواية علاء الدين وهي مخطوط لي لم يطبع بعد يقول فيه وضاح لبطل الرواية: أقول لك حكمة اسمع مني وضعها حلقة في إذنك. نحن الذين لم نولد هنا نعيش حياتين. هناك نتحدث مع الدنماركيين وهناك فراغ. بيننا وبينهم شيء غامض لندركه. أما الجيل الذي يولد هنا فليست هناك من عقدة عنده ولداي الآن ينتميان لهذا المجتمع وكذلك ستكون ذريتك فلا تيأس.

عندما كنت في الدانمارك قرأت عن الأدب الدانماركي في بداية القرن العشرين وما قبل. كان الدانماركيون يسمون أمريكا بلد الذهب والحليب. وكانت الرحلة تستغرق شهرا بالباخرة. وعندما يصلون هناك يصدمهم الواقع فلا حليب ولا ذهب.على الأغلب الإنسان يتمسك بلسانه. فهو أقدر لكشف ما لديه من كنوز فكرية. لكن في الأجيال التالية تضعف العلاقة. خذ اليهود على سبيل المثال إنهم يتكلمون في بيوتهم بلغة موطنهم ولكن يكتبون بلغة البلد الذي ينتسبون إليه. اليهودي العراقي يكتب أدبا عراقيا واليهودي البريطاني يكتب أدبا إنكليزيا والأمريكي أدبا أمريكيا.. مع ذلك أقول الدم يحن. حينما كنت أستاذ مدرسة في الدانمارك التقيت بطفلة هي حفيدة غسان كنفاني. جلست في حضني عدة مرات. وروت لي أن أباها ألف قاموسا دانماركيا عربيا. وكان يتحدث العربية بلهجة فلسطينية و له علاقة مشروعة مع امرأة يونانية الأصل.

 

س- آسف ضعت في هذه التفاصيل. سؤال واضح من خبرتك الشخصية.. لماذا يكتب الكاتب العربي المهاجر عن إشكاليات وطنه ولا يذوب في المجتمع المضيف ودائما يلجأ لأساليب  تنسف تراث الحكايات العربية من جذورها؟.

ج- لأن الكاتب يتجاوز حدود بلاده ويميل نتيجة ظروف الغربة لمخاطبة موطنه الجديد.

 

س- عفوا هنا نقطة نظام. أهداف سويف في (خارطة الحب) اختارت موضوعا فلسطينيا وتكلمت عنه بلغة إنكليزية مع أنها من مصر. ومقيمة في بريطانيا.

ج- هذا وارد أيضا. فالأدباء العرب في المهجر من ثلاثة أشكال: إما أنهم يفضلون تجاوز حدود الهم الخاص لينسوا المعاناة من فراق الماضي والذي يتجسد أحيانا بصفة ذاكرة وتاريخ. أو أنهم يكتبون عن خبراتهم الماضية بسبب العزلة التي يعيشون فيها في المنفى ولكن بأساليب تفرضها شروط الحياة الجديدة. والغلبة في الرواية والقصة للغرب بلا منازع. فأساليبه مباشرة وبسيطة لو قارنتها مع البلاغة العربية المعقدة والتي تموت حتى في بلداننا وتفسح الطريق لقطار التقنيات الغربية. ويوجد اتجاه تاريخي مثل حالة أمين معلوف. يستمد كل شيء من لا شيء. بلغة أخرى إنه يبقى في الماضي.. الأحداث عربية ومن التاريخ الإسلامي والأسلوب غربي لكن من أيام بلزاك والذي أصبح تراثا أوروبيا. فرواياته لا تحفل بالتجريب ولا يضرب رأسه بجدار التقنيات المتسارعة للتبدل والانقلاب على الأصول.

 

حاوره: صالح الرزوق

 

 

يشكل فن القصّ احد وجوه الأدب، لما له من أهمية تذكر في التعبير عن طموحات الإنسان وقضيته الأساسية في امتلاك الحرية والاستقرار والعيش الرغيد. ولهذا نجد القاص هنا لايتواني من استلهام التجارب والحيوات الإنسانية، إذ يتمثلها بأسلوب فني ولغة متينة معبرة عن رؤية للواقع المفترض بشكل يعزز من عمق التجربة، ومن هولاء الكتاب عادل المعموري الذي سبق وان أعطى رؤية شاملة لعمله الفني عبر مجموعتيه القصصيتين " العزف على وتر الفجيعة " عام 2015 و" خطوات ثقيلة " عام 2016 بالإضافة إلى مشاركته في المجموعة القصصية " 33 أيقونة عراقية " عام 2016 والتي ساهم فيها 10 كُتّاب عراقيين. وفي أحدا نصوصه من مجموعته الأولى والتي تحمل ذات الاسم نفسه يرسم لنا تجربة حية تعد واحدة من أكثر إشكاليات الزمن المتشظي فقد انطلقت بحزمة من المشاعر الجياشة للعراقيين وللعالم برمته، حيث كانت آثارها  قد بدت تطغى على أسبابها ويلف الغموض الأسباب الموجبة التي قامت من أجلها الجريمة النكراء وتكون بعيدة عن مسببات إعلانها حيث يصور لنا ذلك المشهد المأساوي الذي احتضن الجريمة :" مدينة مترامية الأطراف لايعرفون عنها شيئا، جنود جلبوهم من مدن الجنوب للتدريب في هذا المعسكر الكبير، وقعوا في كماشة أهالي المدينة والعدو القادم من خلف الحدود، سكان تلك المدينة التي تضم المعسكر الكبير، تعاطفوا مع الغزاة لتشريد وقتل الجنود التابعين للجيش الوطني، من التزام الحياد، فلم يرحب بالغازي الذي قدم المدينة وكذلك لم يرحبوا بجنود الجيش النظامي، لا فائدة من طرق الأبواب، لامأوى لأحد، وقع الجنود بين نارين، نار العدو القادم من خلف الحدود، ونار أهالي تلك المدن، أين المفر".

وقد قدر لنا ان نلتقي الكاتب والقاص عادل المعموري في حوار عن تجربته السردية.

 

* ما أهمية القصة في الأدب العربي، وهل لها من أثر على تشكيل الوعي الجمعي؟

- لاشك أن واقع التخلف نتيجة للصراعات السياسية في العراق كان لابد من وجود طبقة مثقفة تأخذ على عاتقها القيام بإصلاح المجتمع ونبذ مظاهر التخلف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وتزرع الرغبة الجادة في المفكرين والمثقفين لأداء دورهم الريادي في تصوير الواقع وتقديم الحلول الناجعة للنهوض بالواقع، وهذا ديدن القصة العراقية منذ أوائل تأسيسها على يد الرواد محمود أحمد السيد وأنور شاؤول وذنون أيوب، ولاننسى تجربة غائب طعمه فرمان التي شكلت نقلة نوعية في تطور ماهية السرد، وانعطافة فؤاد التكرلي التي أمدت الأدب القصصي بنسغ جديد، سواءً في الشكل أو في البناء الفني، وإلى عصرنا هذا تنطلق أهمية القصة في كشفها وتعريتها للواقع. وقد مرت القصة بعدة مراحل منذ أوائل الثلاثينات من القرن الفائت حتى اليوم، كما عبرت في تلك العقود عن مسايرتها للواقع وتشخيص سلبياته والإشارة إلى ايجابياته عبر مرتكزات السرد والتكنيك الفني، مع تطور تجارب القصاصين عبر تلك المراحل واستقاءها من المدارس الفنية ومواكبتها لتقديم نتاجات تساير الأدب العالمي.

 

* القارئ لبعض نصوصك يلمس بوضوح حجم المعانات والآلام التي رافقت شخصيات نصوصك، إلى أي مدى تكون لديك ذلك الإحساس؟

- الكاتب يعبر عن واقعه وما يعتمل في داخله، إذ أنه لايحمل هم نفسه فقط كما يتصور البعض، ولأن واقعنا مازال يرزح تحت مطرقة الألم والحزن واضطراب الواقع السياسي والطبقي حتما يؤثر ذلك كله وينعكس بالنتيجة على معاناتنا في قصصنا من حيث ندري أو لا ندري، إن لم نسكبها على الورق، فستسقط رغما عنا مع سيل الدمع .

* في " العزف على وتر الفجيعة " كثيراً ما نجدك تقترب من سيول الدم الأرجواني كمن عايش الحدث، كيف تهيأ لك بناء الأحداث والشخصيات بهذا الشكل؟

- تلك مجموعتي الأولى التي كتبتها تزامنا مع واقعة سبايكر فكان عليّ أن اجعل أحدى قصص المجموعة تؤرخ وتؤرشف لجريمة العصر التي يندى لها جبين الإنسانية، فمهما كتبنا لن نستطيع ان نفي حقها في تصوير ما حدث من مجاز بحق الإنسانية.. وما كتب عن سبايكر من قبل القاصين والروائين قليل جداً، سبايكر جريمة إبادة جماعية ينبغي ان لاتفارق أقلام الكُتّاب وبخاصة الذين عايشوها عن قرب، تلك مسؤولية تاريخية تقع على عاتق الكاتب  حتما .

 

* أين تجد موقعك من القارئ والناقد كقاص؟

- من مفروض السؤال ..أجد أن لي جمهورا واسعا يقرأ نتاجاتي القصصية عبر الصحف والمجلات الورقية والالكترونية ومنجزاتي المطبوعة، والأهم من هذا عبر الفيس بوك، لا أكتمك سرا، أن القراء العرب بمن فيهم من كان داخل الوطن العربي أو ممن يعيش في المهاجر ويتوزع في الشتات الأجنبية يقرؤون ليّ أكثر ممن كان في الداخل " العراق "، والدليل على ذلك ما لمسته من خلال الردود والإجابات وإشادة الكثير من النقاد العرب الذين تناولي أعمالي القصصية بالقراءة والنقد من مصر وتونس والمغرب وبلدان أخرى، قياسا إلى ما كتب عن تجربتي الناقد العراقي، أما لماذا؟ فهو سؤال يطول الجواب عنه .

 

* مزج الواقع بالأسطورة، في القصة القصيرة هل يعتبر تقنية لتوصيل موقف معين إلى المتلقي، أم أنه يعبر عن رؤية إبداعية في الكتابة السردية؟

- الحقيقة أنها رؤية إبداعية في الكتابة السردية لمواكبة النتاج العالمي، مزج الواقع بالأسطورة ليس جديدا على  السرد وبخاصة بعد الحداثة ومابعد الحداثة، تطورت الأساليب التكنيكية والفنية، القصة لم تعد سردا كلاسيكيا وواقعيا انتقاديا، القصة أصبحت خلقا جديدا لها عناصرها المستقاة من كل المدارس، لم يعد القاص يكتب وفق منهج مدرسة معينة، إنه يطلق العنان لقلمه لكسر كل " التابوات " التي كانت مفروضة، الإبداع لا يقيده شيء مطلقا .

 

* كيف تمت معالجة موضوعة المرأة في نصوصك السردية، ومن أي جانب تنظر إليها؟

- أنا مُتهم بانحيازي للمرأة، واقعا أنا لست منحازا لسلبياتها، ولكني منحاز لآلامها ومعاناتها، المرأة أكثر كائن حي تعرض للظلم من قبل الرجل وقيود المجتمع الذكوري، تضحيات المرأة لا حدود لها، ولكن لم أجد من ينصفها، نحن الشرقيون تحكمنا القيود الدينية والعشائرية والمجتمعية، فنحمل تلك القيود لنضعها قلادة في جيد المرأة لتنوء بأحمالها الى يوم يبعثون .

 

عبد الرضا غالي الخياط

 

 

 

قال إن الشعر لا يحتمل السيلكون ولا ترميم التجاعيد ولا شدّ البشرة.. أخاف على طائفية الشعر ومذهبيته وانتمائه إلى الأحزاب المتناحرة

نهيد درجاني: لم أولد مهيأ لهذا الداء .. لا أحد من سلالتي أُصيب بجذريّ الشعر

هو مبدع حقيقي قلّ نظيره في زمن الغوغاء ومشهد مرتبك شانه مثْلبُ التجنّي المبالغ فيه، على الشعر خصوصا، بحيث تفاقمت حمّى استسهال عوالم التعاطي مع هذا الأخير حدّ إفساد الذوق وتفشّي موجبات هجرته إلى بدائل تعبيرية كالرواية.

حدّ خلط الخاطرة بديوان العرب.

بذلك طفت أعراض جانبية تنمّ عن حالة مرضية وشيكة متربّصة بجيل مهزوز الرؤية ومتخبّط بين هواجس أعباء الذاكرة ومغريات الانفتاح على الآخر وغير عابئ بسلّم الأولويات في بناء الذات والهوية والمحيط.

جيل تسرقه الأحلام من واقعه، فيتوهمّ الشرعية والمبرّر لحرق المراحل" إبداعيا" وكأنه عن قصد أو غيره، خلف تخوم اجترار الأدب المهجّن والدخيل، دونما استساغة أو غربلة، يسعى إلى حتفه وطمس ملامح هويته الثقافية، مثلما تزيّن ذلك وتريده له مرايا مضللة ما تنفكّ تحرّضه على القطيعة مع الموروث والتحرّر من عقدة الأب.

فلنرحب جميعا بالشاعر اللبناني البديع نهيد درجاني، عبر هذا الحوار الأثيري يشفع لنا فضولنا المعرفي والجمالي، خطوات الولوج العاشق وماتع الغوص في خلفيات ألوان النص المفتوح إذ يدشّن رمزيا وتجريبيا حجر التقعيد لكتابة حقبة ما بعد قصيدة النثر .

 

*بداية شاعرنا، هلاّ تتكرّم بتقريب المتلقي من معالم حياة وشخصية وتجربة نهيد الإنسان والمبدع كلاهما؟

 - لا أخفيك بأنني أشعرُ بقرصة بردٍ جرّاء كلمة: شاعر . كما أشعرُ بارتفاع مفاجئ في حرارة جسدي جرّاء كلمة: مبدع . اسمح لي أنْ أصوّب بوصلة ذاتي أولا: في أحد نصوصي أقول: لم أولد مهيئا لهذا الداء لا أحد من سلالتي أُصيبَ بجدريّ الشّعر .. نعم . الشّعر داءٌ، عضالٌ . لا شفاء منه .لم ولن أحشر نفسي في خانة الشّعراء، ليس تواضعاً ولا دعةً ولا هروباً من المقاييس، بل توصيفا جوّانياً لحقيقة ذاتي، فأنا بحمد ربي، أعيش بجوار مرآةٍ صقلتها جيداً كي لا أفترسَ ظلّي مع انحدار قوس الشمس . أنا كاتبُ نصٍ، نصٍ هجين، لا هو نثري بالتمام ولا شعري بالكمال . أكتبه كي أقتلَ الضجرَ، أكتبه كيلا يقتلني الضجرُ، أكتبه كيلا تنسى رئتاي أن تقوما بعملهما . بدأت محاولة الكتابة بسنٍ مبكّرة، حاولت كتابة القصيدة المحكية لسنوات، لكن المرادفة والمفردة العامّية كانت تضيق وتضيق كلما توغّلت في الكتابة . ثم هربت إلى محاولة كتابة بعض القصائد العامودية، فرأيتني مجددا أختنق في كل قصيدة، لأتوقّف عن المحاولة لفترة طويلة، قرأت خلالها جماً من الشعر، إلى آن وجدت نفسي كاتبا فيسبوكيا يوميا من العام ٢٠١١ .

 

*ثمة من يعتقد باختزال عمر الشاعر في قصيدة وحيدة يتيمة، قد تجيء كباكورة للمنجز على ترامي ظلاله، وقد تتوسطه أو تذيله.. القصيدة ذات مطلع" إذا الشعب..." لأبي القاسم الشابي، مثلا.. إلى أيّ حد يمكن تزكية هذا الطرح أو تفنيده؟

- أعتقد جازما بأن هناك ظُلامة مريرة باختصار أبي القاسم الشابي بقصيدة . نتحدث هنا عن شاعر عاش ٢٥ سنة فقط، حتى اختصار الشابي بقصائده المغناة من كبار المغنين العرب لهو من الظلامة بمكان . الشاعر هو مسيرة، خلاصات، عصارات، توتّرٌ إيقاعي (بالضرورة أن يكون تصاعدياً)، والحكم على المنجز الشعري خارج هذه المقاييس هو ظلم بحق الشاعر . بل أذهب إلى أبعد من ذلك: ليس من العدالة بمكان تجزئة التجربة الشعرية لشاعر ما، فهي أشبه بفرط عقد بديع من اللؤلؤ حبّة حبّة، فلا يبقى من بداعته شيء .

 

*هل القصيدة بخير حاليا؟

 - وهل يجب أن تكون القصيدة بخير؟ القصيدة تجدّد خلاياها، تُقشّر جلدها، تغربلُ زؤانها . القصيدة التي لا تعاني من الفطريّات هي مومياء لا رطوبة فيها ولا حياة .

 

*أتاح فضاء النّت إمكانية النشر الحر، بعيدا، سواء عن مبدأ اللاغائية والعبثية التي تنتهجها منابر إعلامية كثيرة، تعوزها الخبرة والدراية في تقييم وفرز الصالح من الطالح فهي تشرع الباب على مصراعيه لمن هب ودب في مجال الإبداع عموما، تحشو كل ما يعرض عليها، يهمها تأثيث صفحاتها فقط، وأخرى وإن متخصصة تقع فريسة لخيوط سمّ الاصطفافية والاكتفاء بأسماء القيدومين وإقصاء الأصوات المبتدئة مهما بدت جودتها وجديتها وحدة زوايا معالجتها للراهن.. هل للنص الرقمي معايير يجدر بالواعدين مراعاتها؟

- أستاذي الغالي، فتحت بي جرحاً عميقاً بسؤالك هذا، هذا السؤال الذي يحتاج لصفحات ونقاشات طويلة . سأوجز: أمام ما يجري اليوم، أشعر كمصاب بذي القطبين . تعتريني سعادة كبيرة حين أرى الشعر وقد أضحى طاعون العصر وموضته، وكآبة عظمى من هول التعظيم والإكبار على التفاهات والاجترار والقص واللصق .... أشعر بالاعتزاز والفرح لنمو المنتديات الشعرية، وبالكآبة لكيفية إدارتها . قلتُ وأقول: الشّعر لا يحتمل السيلكون، ولا ترميم التجاعيد ولا شدّ البشرة . الشّعر لا يحتمل عقود البيع والشراء في دور النشر . الشعر لا يحتمل (جحا وأهل بيته) أخاف على الشعر من قطاع الطرق، من تجّار الرقيق، من مهربي القصائد كحشيشة الكيف .... أخاف على طائفية الشعر على مذهبية الشّعر على انتسابه إلى الأحزاب المتناحرة ....

 

*هل تحمل الجوائز والأوسمة والمهرجانات دلالة ما قد تجذب إليها مبدع دون سواه؟

- مهما تأنّق الشاعر وتسامى، لا بدّ أن يسيل لعابه لجائزة أو وسام أو مهرجان مفتوح كليمونة حامض على مصراعيها . إنما، المبدع هو من أبدع في حسم الصراع بين نقاء روحه ومغريات الأيام، فاختار ما يليق بقامته إذا أتاه من غير طلب أو استجداء .

 

*هل من حلول مُسعفة لانتشال القصيدة من أزمتها؟

- فلندع القصيدة بعيدة عن أهوائنا وميولنا وغرائزنا . القصيدة لا تحتاج لأكثر من ذلك .

 

 *يسرّنا أن تقتطف لنا بعض الذي يدغدغ جوارحنا، ويسلّمنا طائعين لرعشة الإصغاء لزقزقة آخر ما جادت به أناملك.. تفضل:

- "لا أحمل هويتي في جيبي الخلفي،

كي أرحلَ كالغرباء .

فأنا وُلدتْ من أبٍ غريبٍ وأمٍ غريبة، في غرفة غريبة من بيت غريب.

وكبرتُ في شارع غريب من بلدةٍ غريبة في وطن غريب .

ولا أحملُ جواز سفري بيدي،

كي أرحلَ كسنونوة ضجرتْ من النوم في حقلٍ ضجرَ من تكرار حشيشِ جسده .

ولا أحملُ حقيبة، أخاف أن أضعَ في بطانتها امرأة وفي سحّابتها قصيدة .

ولا أحملُ حالي،

سأتركه لكم،

وأرحل كالغرباء ."

 

*كلمة الختام:

- شكراً لتفانيك في الإضاءات الدائمة على مشاريع (شعراء) وبشكل غير مسبوق . شكرا لأسلوبك في النقد، هذا الأسلوب الحد اثوي، البعيد عن حشو الكلمات التقنيّة التي اعتادها النقّاد، فيأتي نقدهم موجها لنقاد آخرين، كتبارٍ زجليّ في قاعة مقفلة . شكرا لوقوفك إلى جانبي في أكثر من محطة، خصوصا بأني كاتب فيسبوكي لا أكثر، لا أملك ديوانا مطبوعا ولا مقالا في جريدة ولا نصا في صفحة ثقافية . وأولا وأخيرا شكرا لك من شين الشكر إلى رائه . احمد الشيخاوي كما ولدتك أمك من غير لقب: دمت رسولا من رسل القصيدة .

نشكرك شاعرنا أن أتحفتنا بهذه الباقة من الإدلاءات التي قربتنا أشواطا من جبّ أسرارك وكنوز عندياتك، فأهديتنا بقلب مفتوح غيبوبة الاغتراف من بعض بوحك العميق والجميل المتسربل بنزعته الفلسفية والوجودية، وأغدقت علينا بمعسول أنهارك الأخرى مثلما عهدنا بك، تجري دافقة رقراقة وراقصة على إيقاعات النبض الهامس لصفحاتك عبر الفيسبوك كمتاهة زرقاء ليس عمومها طلاسم وهذيان وعتمة.

 

احمد الشيخاوي - شاعر وناقد مغربي

 

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: ضيفنا اليوم هو شخصية لها نكهة خاصة، قليل الكلام، هادئ، يشتغل في صمت، يجمع ما بين الأدب واللغات واللسانيات والمعجم وعلم مقارنة الأديان. في أغلب الحوارات التي أجريتها اعتدت أن أعرف بضيوفي، لكن هذه المرة، ونظرا لكثرة تخصصات ضيفنا تركت له الكلمة لكي يعرفنا بنفسه، ويضعنا في المجال الذي يفضل الحديث عنه. أستاذي الفاضل من هو الدكتور سعيد كفايتي؟

الدكتور سعيد كفايتي: ينتمي سعيد كفايتي إلى جيل الستينيات، وهو من مواليد مدينة تطوان بشمال المغرب حيث قضى فيها طفولته الأولى . وعلى الرغم من قصر هذه المدة التي لم تتجاوز الثلاث أو الأربع سنوات، إلا أنها كانت كافية لتبقى هذه المدينة بكل خصوصياتها الحضارية موشومة في وجدانه حتى الآن. استقر بعد ذلك في مدينة وجدة، المدينة الحدودية المحاذية للجزائر، تتلمذ على يد مدرسين أكفاء حيث لا يزال يذكر، وهو في المرحلة الإبتدائية، أن واحدا منهم لقنه أجزاء من ألفية بن مالك. وفي المرحلة الإعدادية فتح عيناه لأول مرة على الإبداع لاسيما وأن الأقدار جمعته بأستاذ مبدع هو محمد لقاح الذي يُعد من أهم شعراء المنطقة الشرقية، وواحد من شعراء المغرب المتميزين. في هذه الفترة كان يشارك دوما في المسابقات التي كانت تُبث على أمواج الإذاعة، ولا يزال يستحضر حينما بلغت الإعدادية التي كان يدرس بها إلى النهائيات، ويتذكر الكتب الكثيرة التي فاز بها.  ولا يمكن أن أنه كان يطلع مدرسه الشاعر على إبداعاته. هذه العلاقة استمرت بعد انتقاله إلى الثانوية، بل توطدت خاصة حينما بدأ ينشر قصصا قصيرة في جريدة "البيان" التي كان يسهر على صفحتها الثقافية الشاعر العملاق إدريس الملياني الذي لم يتردد في مراسلة القاص الشاب متأسفا عن التأخر في نشر إحدى القصص بسبب رداءة الخط. ...لما ولج الكلية لم يكن نكرة لأن اسمه صار معروفا لأن الجرائد الوطنية آنذاك كان عددها محدودا. وبالإضافة إلى القصة القصيرة والمقالات النقدية اهتم بالمسرح وألف عدة مسرحيات وسهر رفقة صديقه عبد الله زروال على عرضها في المسارح والمشاركة في الملتقيات الوطنية. من حسن حظ هذا القاص الشاب أنه تتلمذ في الكلية على يد نخبة من الشعراء والمسرحيين المرموقين أمثال الدكتور محمد علي الرباوي، والدكتور عبد الرحمن بوعلي، والدكتور مصطفى الرمضاني...غير أن حبه للإبداع لم يحل دون عشقه للبحث الأكاديمي الرصين، واللسانيات على وجه الخصوص، التي كانت تعيش أزهى مراحلها في أوروبا، وبتأثير قوي من أستاذه محمد المدلاوي، وهو باحث عالمي مرموق، شد الرحال إلى فرنسا، بعد استفادته من منحة للدراسة بالخارج، حيث قضى هناك بضعة سنوات للتخصص في اللغة العبرية والدراسات اليهودية على يد الباحث المغربي اليهودي الملة حاييم زعفراني والباحث اليهودي الفرنسي إفراييم ريفلين . عاد باحثنا إلى المغرب بعد حصوله على الدكتوراه في اللغة العبرية، وساهم معية بعض أصدقائه القدامى والجدد في تأليف كتاب مهم حول المكان المسرحي، ونشر العديد من المقالات في جرائد ومجلات وطنية ودولية. إلى جانب نشره بين الفينة والأخرى قصصا في منابر ثقافية مختلفة. واحدة من هذه القصص أُدرجت ضمن ملف خاص بالقصة القصيرة في المغرب، ونُشرت بجريدة "أخبار الأدب" التي كان يشرف عليها الروائي العربي الكبير جمال الغيطاني. التحق بعد ذلك للتدريس في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، سايس، فاس حيث تنوعت اهتماماته لتشمل حقولا معرفية متنوعة (اللسانيات، المسرح، المعجم..) لعل أهمها علم مقارنة الأديان والدراسات اليهودية خاصة بعد حصوله على دكتوراه دولة في المعجم العبري.

نشر العشرات من الأبحاث بالعربية والفرنسية، وطُبعت له عدة كتب. ومن المرتقب أن ينشر قريبا كتابين أحدهما بعنوان دراسات يهودية والآخر بعنوان الفكر الديني اليهودي. إلى جانب تدريسه في كليته الأصلية يدرس بسلك الماستر بجامعة الأخوين الدولية بإيفران.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: سأبدأ من حيث انتهيتم أستاذي وهو اهتمامكم بعلم مقارنة الأديان.

أنتم تشتغلون منذ عقد من الزمن على الأقل في علم مقارنة الأديان. ولا شك أن الكثيرين لا يعرفون ما هي المحطات التي مر بها هذا العلم قبل أن يستوي عوده على الشكل الذي هو عليه. هل نطمع في لمحة عن تاريخ هذا العلم؟

الدكتور سعيد كفايتي: على الرغم من قدم "الدين"، وتوغله في غابر الأزمان، كما تكشف عن ذلك الحفريات والأنثروبولوجيا وعلم الأساطير ، إلا أن "الدين" بمفهومه العام، وبصرف النظر عن كونه منزلا أم لا، لم يصبح ظاهرة قابلة للدراسة والتحليل، في نظر الكثيرين ممن أرخوا للفكر الديني القديم إلا في أوقات معلومة من تاريخ البشرية.

أولى المحطات تمثلت فيما وصل إلينا من أخبار متفرقة عن الأديان التي كانت سائدة في العالم القديم، والتي اعتنى برصدها، ووصفها، وتحليلها أحيانا، مؤرخون وفلاسفة ورجال دين.

هيمنت على المرحلة الثانية المتزامنة مع العصر المسيحي بزوغ فكرة الديانة الحقيقية. وهي الفكرة التي استعيرت من العصر الروماني، وذلك بعد أن ارتدت لبوسا جديدا متمثلة في المسيحية أو في إحدى مذاهبها. وقد طغى على البحث في الأديان، ردحا من الزمن، الطابع الجدلي المحض أو الدفاعي بحيث أن تصوير وفحص العقائد المختلفة، كما هي، توارى كثيرا إلى الخلف ليحل محله نزوع مقصود لدى علماء الأديان للبحث المُضني والتنقيب الجاد عن مواطن الضعف في عقيدة الخصم لإبطالها، وإبراز ناحية من نواحي القوة في عقيدته لنصرها ونشرها. ونجم عن هذا التصور اللاهوتي الإعلان أن جميع الديانات، باستثناء المسيحية، ذات أصل شيطاني، أي أنها عقائد زائفة وكاذبة وباطلة. ويمكن أن نتلمس جذور هذه النزعة في جدلها المبكر ضد اليهودية.

وغير بعيد عن أوروبا، وفي المرحلة نفسها، خاصة مع مستهل القرن الثامن الميلادي، بدأ البحث في الأديان يخطو، في ظل الحضارة العربية الإسلامية، خطوات حثيثة سرعان ما ستُفضي إلى نشأة علم الأديان. هذا العلم الذي يُعتبر في واقع الأمر نتاجا طبيعيا للبيئة الفكرية الإسلامية، ونتيجة لتداخل عوامل شتى من قبيل الدور الذي أداه القرآن الكريم في تنبيه العلماء المسلمين إلى أهمية الدراسة التحليلية النقدية للأديان، ثم الاحتكاك بأهل الأديان الأخرى والتعايش معهم، وكذلك واجبات الدعوة، والتصدي لشبهات الآخرين، والدفاع عن حظيرة التوحيد، ومبادئ الإسلام.لم يتخلص علم الأديان على يد العلماء المسلمين من اللهجة الدفاعية، ومن انخراطه في الجدل، ومن تفنيد ودحض الديانات الأخرى. وهو أمر كان مقبولا في سياق تاريخي معين. وسيكون من الخطأ أن نقرأه أو نحاكمه في ضوء التطورات التي شهدها هذا العلم في العصر الحديث. ما يعنينا بالدرجة الأولى هو أن العلماء المسلمين كانت لديهم معرفة بالأديان الأخرى، بما في ذلك ما نصطلح على تسميتها بالديانات الوضعية أو الآسيوية.

تمثلت المحطة الثالثة في أوروبا وقد كانت الولادة عسيرة حيث استغرقت بضعة قرون من الزمن، تجاذبتها أفكار متباينة، ورؤى مختلفة. ومن المؤكد أن هذا العلم لم ير النور إلا في أواخر القرن الثامن عشر، وشهد قفزة كبيرة في القرن التاسع عشر تزامنا مع نشأة وتطور العلوم الإنسانية.

غير أن تعدد الاتجاهات والمدارس، وتنوع المناهج التي استخدمت لتحليل، وفهم الدين في تجلياته المختلفة ما كان لها أن تنمو وتتطور أو تظهر للوجود لو لم تجد مؤسسات أكاديمية ترعاها، وتسهر على إثرائها بمعارف قديمة وحديثة. وهو ما سيتحقق تدريجيا في عواصم أوروبية مشهود لها عالميا بالريادة والسبق.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: أشكركم على هذه التوطئة التاريخية المهمة. لكن ماذا عن علم مقارنة الأديان في الجامعات العربية؟

الدكتور سعيد كفايتي: يمكن أن نزعم أن بداية هذا العلم كانت على يد العالم المصري الأزهري أمين الخولي الذي بادر منذ 1935 إلى تدريس مادة تاريخ الملل والنحل في كلية أصول الدين بالأزهر الشريف، وكان سباقا إلى إصدار كتابه الهام: تاريخ الملل والنحل، كما ألف كتابا آخر بعنوان صلة الإسلام بإصلاح المسيحية. وتعكس هذه الكتابات المبكرة الجمع بين ثقافته العربية الإسلامية التي نلمسها في مؤلفاته الأخرى والثقافة الغربية التي كان شديد الاهتمام بها، ومتابعا لها بسبب إتقانه للغات الأوروبية. وفي سنة 1949 أُحدثت بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول مادة تاريخ الأديان، وعُهد إلى محمد عبد الله دراز بتدريسها لفائدة طلبة قسم الدراسات الفلسفية. وشهدت مصر وبعض الدول العربية الأخرى طبع ونشر العشرات من الكتب أو الترجمات من لغات أوروبية مختلفة إلى اللغة العربية. ومن المؤسف أن هذه الحركية في التأليف والنشر التي كانت تواكب ما يصدر في الغرب من دراسات حول علم مقارنة الأديان ، وتحاول أن تجد له مكانا في فضاء الثقافة العربية الإسلامية سرعان ما سيخفت وهجها أمام تصاعد لهجة الفكر الإقصائي، والفكر الواحد، والإسلام السياسي المتشدد. وأصبحنا أمام نكوص تمثل في وقوع البحث في الأديان أسيرا لخطابين اثنين هما: خطاب إيديولوجي وخطاب دعوي.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: ما المقصود بهذين الخطابين؟

الدكتور سعيد كفايتي: الخطاب الإيديولوجي يخلط علم مقارنة الأديان بالسياسة، وتحديدا بما يحدث في الشرق من اعتداء سافر على حقوق الفلسطينيين في أرضهم المسلوبة. ويعمد دعاة هذا الخطاب إلى تشويه صورة اليهودية، وإلى البحث لها عن مثالب حقيقية ومتخيلة وكأن الأمر بالنسبة إليهم أشبه بتصفية حساب. وفي المحصلة تكون النتيجة بضعة كتب ضحلة لا قيمة لها على الإطلاق، وينسون في غمرة الحماسة الزائدة أن تقويض أي فكر لا يتحقق بالجهل، وإنما بالعلم. ولنا في الاستشراق الغربي عبر لمن لا يعتبر. فالمستشرقون، بما في ذلك أولئك الذين لهم نوايا سيئة اتجاه الإسلام، يصرفون سنوات طوال من عمرهم في تعلم العربية، وفي الاطلاع على التراث العربي الإسلامي.

أما الخطاب الدعوي فهو بدوره خطاب إيديولوجي، غير أنه يمتطي صهوة الدين كما يفهمه بعض دعاة العصر الحديث ليبلغ موقفه من الأديان الأخرى. وتزامن بزوغ هذا الخطاب مع  الصحوة الإسلامية التي شرعت في التنظير لعلم مقارنة الأديان وفق نظرة معيارية انتهى أجل صلاحيتها.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: ألا يجرنا هذا الموضوع للحديث عن علاقة علم مقارنة الأديان بالإيمان لاسيما أن الكثيرين يتخوفون من الخوض في قضايا هذا العلم الجديد؟

الدكتور سعيد كفايتي: تجربتي في تدريس هذه المادة منذ 2007 حتى الآن تجعلني أستحضر التخوفات التي صاحبت آنذاك افتتاح ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان، وتدفعني إلى استعادة الدور الذي قمت به رفقه هيئة التدريس (سيدي محمد زهير، ادريس الشرقي، محمد المدلاوي، عبد العزيز انميرات، حنان السقاط، سناء الراشدي،محمد حاتمي، محمد رضوان العزيفي، حسن الغرايب، لخضر زحوط، محمد بنعيادي...) من أجل تصحيح صورة علم مقارنة الأديان لدى الطلبة، خاصة أن الغالبية العظمى كانوا من خريجي شعبة الدراسات الإسلامية أو من خريجي كليات الشريعة. كنت أقوم بدور الواعظ، وأنا أردد على مسامعهم أن دراسة الواحد منا للمسيحية لن تجعله مسيحيا، مركزا بالدرجة الأولى على أهمية معرفة الأديان الأخرى المقترنة بتعلم اللغة العبرية، والتعرف على تاريخ الحضارات الشرقية، والتمكن من اللغات الأوربية خاصة الإنجليزية والفرنسية. كما كنت أنبههم بضرورة الفصل بين انتماءاتهم السياسية والإيديولوجية، وتخصصهم في هذا العلم مستشهدا بأسماء باحثين غربيين لم يمنعهم ارتباطهم بالكنيسة من أن يكونوا باحثين متميزين في علم مقارنة الأديان أو في نقد الكتاب المقدس. ويبدو أن الرسالة، وصلت وتم استيعابها. والدليل على ذلك أننا نشهد أو سنشهد قريبا ولادة مدرسة مغربية في علم مقارنة الأديان تتكون نواتها من خريجي هذا الماستر الذين واصلوا مشوارهم العلمي في الدكتوراه، وناقشوا أطاريحهم أو هم بصدد إعدادها. طبعا مع تثمين الجهود الكبرى في هذا العلم التي بُذلت على أيدي باحثين أكفاء في كليات مغربية أخرى، والتي ساهمت في تأطير الطلبة.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: ألا تعتقد أن التركيز على دور ماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان في استنبات هذا العلم في المغرب فيه هضم لمبادرات سابقة قام بها باحثون آخرون؟

الدكتور سعيد كفايتي: يمكن أن نقول بأنه كان تتويجا لمبادرات سابقة. ومن المهم الإشارة إلى إسهام الدكتور أحمد شحلان في استنبات هذا العلم في الجامعة المغربية من خلال تدريسه للغة العبرية، وتطعيم الدرس بمقارنات لغوية وحضارية وتاريخية وأدبية. وما لبث أن أفضى هذا الاهتمام باللغات الشرقية إلى اقتراحه وحدة دكتوراه تهتم مكوناتها العلمية بالآداب واللغات الشرقية: الإبداع واللغات. هذا بالإضافة إلى إسهامه المتميز في إطار وحدة المناظرات الإسلامية بدرس معمق في علوم التوراة والتلمود والفكر اليهودي. وفي تسعينيات القرن الماضي رأت النور الجمعية المغربية للدراسات الشرقية، والتف حولها باحثون متخصصون في اللغات الشرقية وأنا واحد منهم، كان الجمع يلتئم على الأقل مرة واحدة في السنة بمراكش ضمن موائد مستديرة، وتمخضت عنها العشرات من المنشورات التي أغنت المكتبة المغربية والعربية بمواضيع تتسم بالكثير من الجدة والعمق.  وليس صدفة أن يكون أعضاء الجمعية، ولاسيما المتخصصين في اللغة العبرية، هم الأكثر انخراطا في علم مقارنة الأديان أمثال الدكتور عبد العزيز شهبار والدكتور ادريس اعبيزة والدكتور عبد الكريم بوفرة والدكتور عبد الرحيم حماد والدكتورة سعدية منتصر والدكتور مولاي المامون لمريني وغيرهم. فاللغة العبرية هي إحدى المداخل الأساسية نحو هذا العلم. كما وجد علم مقارنة الأديان طريقه إلى الجامعة المغربية على يد نخبة من الباحثين الوافدين إليه من الدراسات الإسلامية، والذين كان لهم الفضل في التعريف به عن طريق المناظرات الدينية أو الحوار أو ما شابه ذلك.  تقتضي الموضوعية أن نشير إلى الدكتور محمد أمين السماعيلي والدكتور مصطفى بوهندي والدكتور سعيد شبار. هؤلاء جميعا، وبصرف النظر عن مواقفهم الفكرية المتباينة، كان لهم دور مهم في تأسيس هذا العلم، وفي تطويره، ولا يزالون يكونون أجيالا من الطلبة.

في السنوات الأخيرة تأكد هذا الاتجاه نحو الأديان بشكل واضح في ثلاث مؤسسات جامعية مختلفة: كلية أصول الدين بتطوان ودار الحديث الحسنية التي تم فيها إحداث بضعة وحدات لتدريس علم مقارنة الأديان واللغة العبرية وماستر الدراسات الإسلامية بجامعة الأخوين.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: أنتم الآن تشغلون مدير ماستر اللغات والحضارات الشرقية ومقارنة الأديان ، هل له علاقة بماستر الدراسات السامية ومقارنة الأديان؟  

الدكتور سعيد كفايتي: بعد أن أسهمنا بمعية مجموعة من الأساتذة في تخرج سبعة أفواج كاملة، وبعد إصلاح 2014 كان من الضروري التفكير في إنشاء ماستر جديد يمد مركز دراسات الدكتوراه بباحثين جدد، ويكون بالنسبة إلينا مناسبة لاستكمال المسيرة التي بدأنا أولى خطواتها منذ 2007 لاسيما وأن الماستر الجديد تأسس في سياق دستور 2011 . فهذا الماستر يستلهم قلبا وقالبا روح الدستور الجديد للمملكة المغربية الذي ركز في ديباجته على التنوع الذي يطبع الثقافة المغربية بمكوناتها المختلفة، وروافدها المتعددة. كما أن اختيار هذه التكوينات بعينها كان من أجل خدمة هدف واحد ألا وهو الإسهام في تأسيس علم مقارنة الأديان (أو تاريخ الأديان أو علم الأديان). هذا العلم الذي يتميز بحاجته إلى حقول معرفية مختلفة من تاريخ (خاصة تاريخ الحضارات الشرقية) وفلسفة للدين وحوار للثقافات والأديان ونقد للكتاب المقدس وفيلولوجيا ولغة عبرية...

فأنا أومن أن الطريق نحو التعايش بين الأديان يمر عبر معرفة هذه الأديان نفسها. وأي حديث عن الحوار أو ما شابه ذلك لا يستحضر هذا المعطى فهو مجرد كلام فارغ. والمؤسف أن هذا الجهل غير المقصود الناتج عن عدم وجود تكوينات علمية في هذا المجال هو الذي يجعل حديثنا عن الأديان في الكتب المدرسية وغيرها مغلفا بكثير من المغالطات.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: لنعد إلى ما سميته في عدة مناسبات بوجود مدرسة مغربية في علم مقارنة الأديان هي الآن في طور التشكل. هل يمكن أن تفصل الحديث قليلا حول هذا الموضوع؟

الدكتور سعيد كفايتي: ليس في نيتي التقليل من الجهود التي تُبذل في جامعات مغربية مختلفة بإشراف أساتذة أكفاء، فنحن جميعا نتعاون من أجل تطوير علم مقارنة الأديان في المغرب. غير أني أسمح لنفسي أن أنوه ضمن فريق البحث في علم مقارنة الأديان التابع لمختبر الخطاب والإبداع والمجتمع بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بأعضاء الفريق والمتعاونين معه. فقد تم تحقيق عدة إنجازات في وقت قياسي وبإمكانيات تكاد أن تكون منعدمة. على مستوى النشر صدرت عدة مؤلفات: الرؤية الميثولوجية لعقيدة التثليث المسيحية للباحث منير تمودن، وصورة المرأة اليهودية بين الشريعة والواقع للباحث جمال صوالحين، نقد التوراة: رؤية من الداخل للدكتورة كريمة نور عيساوي، ومناهج نقد العهد القديم عند الغرب للباحثة أسماء وردي، و"قصة يوسف بين التوراة والقرآن الكريم: "الخصائص الفنية" للباحثة كريمة كطيبي، وأثر الفكر الإسلامي على فرقة القرائين اليهودية للباحث كمال الدوش، و"قصة الطوفان بين الأسطورة والدين"، دراسة وصفية تحليلية للباحث هشام مباركي. وأفردت مجلة مقاربات التي يُشرف عليها الدكتور جمال بوطيب في شهر يوليوز من السنة الماضية عددا خاصا بعلم مقارنة الأديان تضمن بإشرافي عددا من المداخلات القيمة لأعضاء فريق البحث في علم مقارنة الأديان. وقد أصدرنا كتابين عن "المركز الأكاديمي للأبحاث" ضمن سلسلة أديان مقارنة بتورنتو بكندا: كتاب دراسات في النص الديني المقارن وكتاب البحث عن عزرا كاتب التوراة. ونحن بصدد إعداد مجموعة من الكتب التي ستصدر تباعا في غضون هذه السنة. أما بخصوص الندوات فالفريق نظم الكثير من الندوات الوطنية والدولية والأيام الدراسية. وكان له الفضل في تنظيم أول مؤتمر للطلبة الباحثين في علم مقارنة الأديان. وأصبح بعد ذلك تقليدا سنعمل على تطويره مستقبلا. والفريق الآن منكب على تحضير المؤتمر الدولي الثالث للطلبة الباحثين في علم مقارنة الأديان، ويتطلع كثيرا إلى أن يجد الدعم المادي الكافي لإنجاحه.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: بعد إطلاقكم لسلسلة أديان مقارنة ما هي مشاريعكم العلمية المستقبلية؟

الدكتور سعيد كفايتي: سنُعلن لأول مرة عن العمل الضخم الذي نحن بصدد الإعداد له ضمن فريق البحث والمتعاونين معه المتمثل في إصدار الجزء الأول من موسوعة متخصصة ومفصلة في الأديان، ستُستهل بالديانة اليهودية لاعتبارات تاريخية محضة، وسيتضمن هذا الجزء أكثر من ثلاث مائة مدخل باللغة العربية ومقابلاته بكل من الفرنسية والإنجليزية والعبرية. وهذا العمل هو في حقيقة الأمر تطوير لتجربة سابقة أشرفت عليها وأصدرتها الكلية التي أنتمي إليها منذ 2011 بعنوان موسوعة الديانات السماوية: الكلمات المفاتيح (اليهودية).

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: لكن ألا ترى بأن هناك مفارقة لافتة للانتباه تتمثل في تخرج العشرات من الباحثين في هذا التخصص. هذا في الوقت الذي لا تبدو في الأفق أية استراتيجية لاستيعابهم على مستوى التشغيل. أما القلة التي تفلح في انتزاع منصب شغل فالغالب أنه لا يناسب تخصصها في علم مقارنة الأديان؟

الدكتور سعيد كفايتي: نشعر أحيانا بالإحباط ونحن نرى خيرة طلبتنا يُدرسون مواد لا علاقة لها بتخصصهم في علم مقارنة الأديان أو في اللغة العبرية. حينما أسسنا الماستر في صيغته الأولى وفي صيغته الثانية كنا نأمل أن يجد طلبتنا مكانهم في الجامعة، وفي الإعلام، وفي بعض الوزارات (وزارة الخارجية، وزارة الداخلية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الوزارة المكلفة بالجالية المغربية بالخارج..) التي تحتاج إلى خبرات في هذا التخصص أسوة بالكثير من دول العالم. نأمل أن يتحقق هذا الأمر في المستقبل. غير أننا نراهن على فتح كليات لعلم مقارنة الأديان أو معاهد للدراسات الشرقية تليقُ بمكانة المغرب باعتباره مدافعا شرسا في المنتديات الدولية عن التعايش بين الأديان وتحالف الحضارات والحوار بين الثقافات والوسطية وغيرها. وليس صدفة أن يرعى المغرب منذ المغفور له الحسن الثاني رحمه الله وحتى الآن مثل هذه القيم. وليس صدفة أن تحتضن مراكش في السنة الماضية،وتحديدا من 25 إلى 27 يناير 2016 الملتقى الدولي حول “الأقليات الدينية في الديار الإسلامية: "الإطار الشرعي والدعوة إلى المبادرة”. إن إحداث كليات لمقارنة الأديان أصبح أمرا مستعجلا سيُلبي، إذا ما تحقق، الحاجة المتزايدة إلى معرفة الأديان الأخرى، وتوظيف هذه المعرفة في مقاومة كل أشكال التطرف، وفي تدبير العلاقات الدولية، وفي إعطاء جدوى لمثل هذه التخصصات.

 

الدكتورة كريمة نور عيساوي: أشكركم أستاذي الفاضل على رحابة صدركم، وأترككم لتقدموا كلمة أخيرة لمتتبعيكم.

الدكتور سعيد كفايتي: في البداية أشكرك على هذا الحوار الذي كان فرصة للتعبير عن بعض هواجسنا العلمية. ما أحلم به هو أن تعمد وزارة التعليم العالي بالمغرب إلى إحداث كليات متخصصة في علم مقارنة الأديان تستوعب خريجي علم مقارنة الأديان، وتفتح الباب على مصراعيه لدراسة الأديان سواء السماوية منها أو الوضعية على غرار بعض الدول العربية والغربية. وما هذا بعزيز على مغرب التحديات الكبرى.

 

 

 

في خلفية أنوثة وهشاشة الذات المتصالحة مع مراياها، فضلا عن باقي مكوّنات الطبيعة وهواجس نفض غبار السّرية المضروبة على الكامن عند الآخر بغية فكّ رموزه واقتحام خفيّ عوالم الغواية بشتّى صنوف نبوءاتها، يمكننا قراءة المبدعة الليبية الواعدة ريما المبروك..

وعلى هذا الأساس المغرق في كتابة تخومية مشرعة على احتمالات مغامرة التّموقع في المابين والتدرّج في نقاطه إلى قمم سطوع الفعل الإبداعي عبر جسور اصطدام الواقعي بالمتخيل والوعي بالحلم والممكن بالمستحيل.

تجربة خارج الزمان تُصقل طبقا لمنسوب الاستنساخ غير المكرور للذات، تقترح لدى كل ولادة طقوس احتفالية مغايرة مُؤنسِنة للوجدانيات،  وقد تفوق ذلك إلى مراتب  ودرجات أرقى أحيانا، كي تضعنا في الصورة الميتافيزيقية المشدودة إلى نبض الصحو .

تلك ببساطة أناشيد الحياة في ظلالها المتراقصة لتدفق وانسيابية وتساوق كرنفالين اثنين: شعرية عفوية لا يشوبها تكلّف أو ماكياجات مسوّقة للوهم، ونثرية تربط أنامل جسدنة الخطاب بغيمة طقوس الروح لتؤتي في أدنى حالات العري اللساني المحتشم،  رذاذ الزاد الصوفي ماتحا من كريستالية المنبت وأخلاقية الجذر وحسن الطوية.

ثمّة بضع تجلّيات للبراءة والبساطة المفخّخة بالدّال الدّفين، وهو ما اهتدينا إليه من خلال محاورتنا لهذه القامة الغضّة العاشقة لدروب التغزّل ثرثرة بجاذبية البياض وداء الكتابة ملء فردانية الوجع والهمّ ما تلبث تتوسع وتتمدد وتتعدد لتبتلع الآخر والعالم قفزا على أنقاض تنويم الأنوية كنواة داخلة في تشكيل الملامح الأولية للموقف بصرف النظر عمّا إذا حصلت بلورته لصالح أو ضدّ تيار بحدّ ذاته، كونها تراوح بين الرؤية الأيروتيكية والنشاز المهادن لأنصار التحفّظ على الطابوهات بما هي قمع لسؤال الجرأة كمفتاح لثقافة تحرير الجسد كضرب من تمكين له ومنحة المظلة التي تُشرعن لغات تمجيد تفاصيله دونما وازع للخجل أو الامتناع، دونما تدنيس لمنظومة القيم والأخلاق،  وعلى متن يتيح له، بالتالي، الحيّز الكافي لتفجير ما يتكتّم عليه من إمكانات ومخزون طاقي هائل قادر على صناعة التاريخ والبشر.

أكتفي بهذه التوطئة لأترك لكم مجال الإصغاء إلى صوت أقل ما يمكنني نعته به أنه مخاتل ومرمريّ وطفولي ومتصاد مع ألوان الحياة وجنون البوح:

كإجابة مقتضبة عن باقة أسئلة كنت توجهت به إلى شاعرتنا،  بعيد الإغداق علي بكلمة شكر وامتنان وعرفان بنظير تلك الالتفاتة والاهتمام،  وهي قناعة ووعد قطعته على نفسي،  يتمثل في تكريس العمر لرحلة طويلة سرمدية لاستكشاف معادن الإبداع، على امتداد الخارطة العربية بل وخارجها أيضا، متكبدا مزيج المتعة والإرهاق تبعا لسلوك سندبادي في مباشرة الحفريات المخولة لي اغتنام لآلئ البوح بلغة الضاد، وطنيا وقطريا وعالميا،  آملا التوفّيق والسداد في مسعاي النبيل ومرامي الإنساني الصدوق هذا.

قالت المبدعة الليبية المتألقة ريما المبروك: 

تخونني الذاكرة كلما حاولت القبض على خيوط نظم لعبتي الكلامية الأولى، لحظتي البكر مع أول سطر شعري قفزت أحرفه من حلقي العاشق،  متواجدة باستمرار وهي قابعة في محطّة ماضوية ما، تعزب عليّ العودة إليها وتبيّن ملامحه.. وحتى الآن لا تستهويني التصنيفات ولستُ أميّز إذا ما كان ثمة لما أكتب شجرة عائلة أو انتماء معين.. ذاتي ترتع على الحدود بين أجناس تعبيرية عدة، من غير تصور قبلي و لا تقيد بتصميم مضنك ولا تصنّع ، فقط أترجم أحاسيسي إلى لوحات وفسيفساء من بوح أتطلع لأن تلامس وتهزّ شغاف قلوب معشر القراء، وتلفي صداها الطيب والمقبول لدى النقاد والدارسين..تاريخ ميلاد نصي الأول منسي تماما.

أما فيما يتعلق بجديدي، لحد الآن لست أمتلك مشروعا شعريا جليّ المعالم، وأكتفي بفعل التشذير و الممارسة الومضية التي أطلع بها بين الفينة والأخرى على صفحة "الفيسبوك" خاصتي.

ذلك وأعتبر التجريبية والتجريدية كجناحيْ طائر،  متلازمتان لا غنى عنهما في أيّ من الأنشطة الأدبية والفنية، وعلى بساط المخملية الهامسة أبسط نصوصي المترنّمة بأوجاعي وآمالي وزوايا رؤيتي لذاتي وللغير..أتعرض أحيانا للتعنيف والتجريح مع مطلق تفهّمي لأسبابه،  ولستُ أخفيك أني لفرط رقّتي وحساسيتي الزائدة، أستشعر في ذلك لهجة للقمع وإطلاق الأحكام الجائرة دونما أدنى تبصّر، حتى أنها لتمرّ عليّ جراء اتهامات على ذياك الطراز،  أسابيع أنقطع خلالها عن الكتابة، وأوثر الإنصات إلى أعماقي عسى أحضى بورقة بين قشّ وفير، أحتوي بها المشهد المحرج، وأتزود بها وقود استئناف المسار والعودة إلى أحضان كلمة جديدة وجريئة قد تضيء مكامن الخلل و العتمة في الإنسان والكون.

أنا مؤمنة ولله الحمد،  أعمل جاهدة لإرضاء خالقي،  يدفعني فورا إلى الإشارة والتنويه بهذا المعطى الجوهري،   سؤالك الوجيه حول النزعة الأيروتيكية السائدة .. حقا،  لم يحدث أن انشغلت ولو لمرّة بإملاءات المعيارية وتقييم انتسابي الشذري.. كأي أنثى اختارت فلسفة النأي بالذات عمّا من شأوه زرع الغواية والإغراء بلواء التطاول على الثوابت والمقدس.. 

أصلّي بعشق من يضع فوق آدميته رقابة إلهية مدبرة للمصائر، عادلة ورحيمة وقاهرة في نفس الوقت.. ذلكم الذوبان الروحي هو ما يمدّ جسدي بالحياة .

لا أنتمي إلى " النزارية العظيمة"،  ولا نزوة عابرة بين كلماتي .. نعم،  أنا مريضة وجائعة دائما في سعيي الحثيث لإشباع روحي حباً وامتلاء،  سلطة الروح علي ّ جبّارة تقترح على فسحة بضفتين : اللذاذة والتأمل،  ربما  لجذور التصوّف الضاربة عميقا في السلالة التي أنحدر منها .. ربما تنشئتي الصوفية هي المحرّك الأساس لهذه الأحاسيس اليقظة .

وإذا ما رمنا خيار تبسيط الشعر واختزاله إلى مفهوم ما يغزو الأذهان على نحو سريع، هو  والكتابة والآداب والفنون على اختلافها،  وجدناه يأبى ويكابر ويترفّع عن أن يغتدي مجردّ مادة جامدة صمّاء وصلبة لا روح فيها .

الفنون بأنواعها هي تجربة قلبية وجدانيه عاطفية وأخلاقية كذلك،  مثلما هي طريّة ليّنة متجددة متحولة وتقسيم المحطات الشعرية،  إنما هو عملٌ تقني بدرجة أولى .. لا شيء يبدأ بفلان وينتهي عند فلان .. التجديد عبر فعل الكتابة هو عمل يومي،  فرديّ .

والحقيقة الثابتة تكمن في كون أي كاتب أو شاعر، قد يغيّب ويعطل فيه عامل التجدّد وتطوير الميكانيزمات وكذلك رؤى محاصرة العالم بشتى عناصره وموضوعاته،  آيل للإفلاس الإبداعي بكل ما يحمله التوصيف من معان قدحية للانتحار الرمزي للروح.

من الطبيعي أن يرتكز النص إلى خلفية ثقافية أو معرفية أو أيديولوجية ما . حتى الكتابة العبثيّة  المجّانية  إذا شئنا،  لها  قوالب وجذور في أعماق النفس .

 

احمد الشيخاوي/شاعر وناقد مغربي

 

 

حين تبرق النجوم بريقا ملفتا يكون حرفه قد سطع..  يلبسه من زهر اللغة اثواب المجاز والبيان والسحر...يغمسه في ينابيع الدهشة ليرفعه حبات من لؤلؤ على سحاب الابجدية..

تقرأ وراء سطوره الوجدان والعبر فيهبط الفجر ساجدا لمروج آفاقه..

 كريم عبد الله مزق كل اشرعة القوالب الجامدة ..امتطى صهوة الرمزية فروضها...امتشق سيف الغموض فعربد الحرف نشوان بين انامله.

 استاذ كريم ..حضرة الشاعر المتألق شكرا لك .

 

س: يتهم الغرب بانه صدر الى ادبنا موجة الغموض.. هذا والجدل قديم العهد حول الغموض والصراحة.. استاذ كريم هل اضاف الغموض الى ادبنا ام اضعفه؟

 ج: في البدأ علينا ان نعرّف الغموض،فلقد أشارت المعاجم العربية القديمة إلى الغموض من خلال استخداماته اللغوية المختلفة، فيقول صاحب لسان العرب: «ومُغْمِضاتُ الليلِ دَياجِير ظُلَمِه وغَمُضَ يَغْمُضُ غُمُوضاً وفيه غُمُوض... والغامِضُ من الكلام خلافُ الواضح... والغامِضُ من الرجال الفاتِرُ عن الحَمْلة... ويقال للرجل الجيِّدِ الرأْي قد أَغْمَضَ النظر ابن سيده وأَغْمَضَ النظر إِذا أَحْسَنَ النظر أو جاء برأْي جيِّد وأَغْمَضَ في الرأْي أَصابَ ومسأَلة غامِضةٌ فيها نَظر ودِقّةٌ ودارٌ غامِضةٌ إِذا لم تكن على شارع... وحَسَبٌ غامِض غير مشهور ومعنىً غامِضٌ لطِيف»، فالغموض فيه لطف والمسألة الغامضة هي التي تحمل في طياتها النظر والدقة . واستنادا لما ذُكر فإن الغموض في الادب أصبح مطلوبا ومحببا لما له من تأثير في المتلقي ويشحذ ذاكرته ويطلق العنان له في التأويل والتفكير والمشاركة في النصّ . بعد الانفتاح على العالم وتلاقح الحضارات والثقافات والادب دخل الغموض في الادب الى ادبنا علما بان الغموض ليس غريبا ودخيلا على ادبنا العربي، فقد استخدمه بعض الشعراء العرب القدماء في قصائدهم ولكن ليس بهذا الكمّ الموجود الان .إنّ الامم القوية لا تخشى مما يدخل اليها سواء في الثقافات والاداب والفنون، فنحن اليوم نرى الهايكو الياباني دخل الى أغلب الاداب العالمية ونتج عن ذلك هايكو يختصّ بثقافة امة معينة رغم احتفاظه بشكله الياباني، فهذا ليس قصورا في ثقافة واداب هذه الامم . بالتاكيد الغموض اضاف الشيء الكثير الى ادبنا من الناحية الجمالية والفكرية والفنية وحتى هندسة النصّ الحديث وشكل القصيدة . فاصحبت القصيدة اليوم تحمل نَفَساً فلسفيّا وفكريّا تختلف عمّا كانت عليه سابقا وهذا يحسب لها .

 

س: قال الاستاذ جبرا ابراهيم جبرا عن الاتجاه السريالي في بعض دواوين ادونيس :" نزعة الى خلق الصور بحرية تلقائية تقارب السيريالية في اغلب الاحيان هي حرية الموقف الصوفي الذي يتخطى العقل ليمنحنا ما هو ربما اعمق واروع.. هل تتعمد في نصوصك هذا الاسلوب؟

 ج: قبل ان اكتب النصّ على الورق أكتبه في مخيلتي ومن ثمّ ارسمه على الورق، نعم اغلب نصوصي اعتمد فيها هذا الاسلوب وأجد نفسي من خلاله وكذلك أجد المتعة الكبيرة وانا ارسم النصّ القادم من اعماق الحلم الجميل . احاول في نصوصي أن تحمل مسحة من الحلم المتدفق بشفافية عذبة تجعل المتلقي يقف امامها مصدوما ويحاول تفككيها والنفاذ الى اعماقها، فبمجرد وقوف المتلقي عند نصوصي اعتبر هذا مكسبا كبيرا ومنفعة تحسب له وللنصّ، لانه سيكون مشاركا معي في النصّ .

 

س: في ظل متغيرات المحرض الجمالي للقصيدة المعاصرة . ما اهم ملامح النص الحديث وخاصة قصيدة النثر في رأيك؟ وماذا نعني بقصيدة الرؤيا حينما نصف قصيدة النثر؟

 ج: اصبحت اليوم قصيدة النثر تعتمد اعتمادا كليا على اللغة الغريبة المستفزّة والراكزة والمدهشة، لغة بلا ترهّل او زيادة . فهي تتخلى عن الوزن والقافية وكذلك التركيز والايجاز والتوهّج، فهي تعتمد على الايقاع الداخلي للنص وحركة المفردات فيه، لغة تأتي مما وراء الحلم . اليوم احاول ان اكتب ومجموعة من الشعراء القصيدة السردية التعبيرية والتي تعتمد على نقل الاحساس العميق والشعور المتدفق وتكتب بالطريقة الافقية،وهي تجربة جديدة ورائعة وتستحق الالتفات اليها بعد ان وجدت لها صدى عالميا وعربيا من خلال شعراء بدأوا يكتبون بصورة مدهشة ورائعة جدا، مما جعل الاخرين من خارج الوطن العربي يهتمون لهذه التجربة ويتابعونها عن كثب، بعد ان تمكن البعض من هؤلاء الشعراء بنشر قصائدهم (السردية التعبيرية) باللغة الانكليزية وفي مواقع عالميا معروفة . كذلك احاول ان ابعث في نصوصي ايقاعا صوريا متحركا وحسّياً متدفقا .

 أما قصيدة الرؤيا: فإنّ معنى الرؤيا تعني تغيير في نظام الاشياء، وفي طريقة النظر اليها، انه الكشف عن عالم يظلّ محتاجا الى الكشف . الشاعر يكون قلقا متمردا وشعره مركز استقطاب مشكلات كيانية يعانيها في نفسه وحضارته، وهذا سؤال ذكي ومهم ويحتاج الى حديث طويل .

 

س: تختلف الرؤى حول اهمية الشكل والمضمون . فهل هناك علاقة بين الشكل والمضمون او بين المعنى والمبنى؟ وما تحديدا المقصود بالمعنى الفني؟

 الشكل يعني الصورة الخارجية للعمل الفني، اما المضمون فهو الموضوع المعبر عنه . لهذا اختلف النقاد وعلماء الجمال حول هذا الموضوع وكثرة النزاعات فيما بينهم، ورغم مرارة الصراع القديم (الشكل / المضمون) أو (المبنى / المعنى)، إلاَ أنه يبدو أنَ " الظاهرةالثابتة الوحيدة هي التثمين العالي للشكل، والحط ولو نسبياً من الأهمية الفنية للموضوع . الموضوع ايضا متشعب ويحتاج الى حوارات كثيرة بعدما كثر الجدل حوله .

 

س: قال الشاعر اللبناني الياس بو شبكة عن الرمزية في الشعر بانها انتزعت الحس من القلب ووضعته في الدماغ والعين فأصبح مركز الشعر التصوير والتصور لا الشعور والاحساس.. بم يرد استاذنا على هذا القول؟

ج: يبقى الشعر العظيم والحقيقي ما يحقق للمتلقي المتعة والانبهار والدهشة سواءا كان يحمل نزعة حسّية تعتمل في القلب او في الدماغ، صحيح اصبح الشعر الرمزي شعرا يدغدغ فكر المتلقي ويثير لديه الكثير من التساؤلات ويضع الكثير من علامات الاستفهام كلما يتقدم في قراءة النصّ المرمّز، اعتقد ستكون هناك متعة كبيرة عند المتلقي المبدع الذي يكون مشاركا  للشاعر في نصوصه ويغوص فيها يستلهم آيات الجمال

 

حاورته الاستاذة: مهى شاغوري - لبنان

 

الحوار مع عزيز أزغاي، هو اقتناص نادر للحديث العميق والسخي، فهذا الشاعر هائل الكرم، على مستوى كتابته الشعرية وأعماله التشكيلية، قليل الظهور في الملتقيات و الموائد الثقافية، ينأى بنفسه عن الزعيق العام، للاشتغال الهادئ والمتواصل داخل مرسمه، بعيدا عن الأضواء ومتحالف بقوة مع متنه وفنه، الذي خط لنفسه انتباها كاملا داخل الساحة الثقافية المغربية.

عزيز أزغاي هنا ينير لنا تفاصيل صغيرة وهامة عن مشروعه الجمالي، ويفتح لنا زاوية قرب مع تكبير أجزائها، لنكون بمحاذاة تلك المتعالقات الصغيرة والحميمة، التي هي سريرة المنجز الذي خطه بأناة واجتهاد، بعيدا عن الجاهز والمتواضع عليه.  

-  في منظورك ما وظيفة الشاعر اليوم؟

- ربما لا تختلف كثيرا، وفي العمق، عن وظائف كل الفاعلين داخل أي مجتمع وفي أي زمن من الأزمان، شريطة الإيمان المطلق بضرورة الاتقان والميل أكثر إلى مزيد الوضوح.  وأنا أضع كلمة "وضوح" هنا كنقيض لكملة "غموض" بما تعنيه من سلوكات وممارسات وقناعات تحيل على الالتباس والمكر والانتهازية والافتراء.

فيكفي الشاعر أن يقول كلمته وينسحب إلى قضاه شؤونه اليومية الصغيرة. وللكلمة هنا مرادفات ومعان كثيرة. منها الانحياز إلى الجمال في مواجهة القبح، والنبل والكرامة وعزة النفس ضدا على كل أشكال الانبطاح وتسويغ المسخ والأباطيل، ومنها أخيرا وليس آخرا حفر الشاعر عميقا، وبروح فلاح بسيط، في أراضي قصائده، عوض زرعها ببذور الآخرين. بمعنى آخر، يكفي الشاعر أن يكتب عن الأشياء اليومية البسيطة، عن الهامشي والهش وعن المهدد بالزوال، عوض الارتماء في القضايا الكبرى التي فخخها السياسيون الأميون الجشعون بألغامهم الفتاكة القذرة.

يكفيني الاحتفاء بوردة في بستان أو ببحيرة في حديقة أو بسلوك إنساني راق، كي أحبب كل ذلك لأطفالي ولأطفال العالم، إذا ما ترجم نصي إلى لغات العالم الأخرى. ولا يعني ذلك استقالتي من الإدلاء برأيي في الشأن العام. فكم من قضية صغيرة، بسيطة وهامشية كانت سببا في سقوط نظام وقيام آخر على أنقاضه.

أعود لأقول، مرة أخرى، إن وظيفة الشاعر اليوم، كما كانت في الماضي وستكون في المستقبل (إذا كان لهذا العالم من مستقبل)، هي الانتصار لروح الإنسان ولجدواه في بناء عالم تسوده المحبة والتآزر والتآخي والتكامل، عوض الانخراط الحماسي في موجة الهيمنة السياسية والاقتصادية والثقافية واسترقاق الشعوب والتطرف والإرهاب، التي باتت لغة عالم هذه الألفية الثالثة. 

-  تزاوج بين الإبداع الشعري والتشكيلي، طال ما وجدتك ترسم داخل القصيدة وتكتب الشعر بالألوان، أيهما يمكن أن نقبض على عزيز أزغاي كاملا فيه، الشعر أم التشكيل؟

- في أكثر من حوار لي كنت - ولا أزال - أصور نفسي مثل شخص ينام فوق سرير يتسع لوسادتين، بحيث يتيح لي هذا الوضع المريح التمدد فوق هذا السرير، بوسادتيه الوتيرتين الناعمتين، بما لا يسبب لي تشنجا في الرقبة أو المكوث على نفس الوضعية المحكومة بالضيق، أثناء النوم وفي الأحلام أيضا. بحيث أستطيع أن أنتقل من وسادة الشعر إلى وسادة التشكيل، وأنا فوق نفس سرير الإبداع بمعناه الواسع. هذا على سبيل المجاز فقط.

والحقيقة أنني بدأت رساما وتشكيليا، بالمعنى الذي تحيل عليه كلمة تشكيل من إعادة تشكيل الأشياء، في حالتي، بطريقة تجريدية جديدة – حسب ما أدعي أو يتهيأ لي على الأقل – قبل أن أجد نفسي، بسبب ضيق ذات اليد، ميالا إلى كتابة الشعر.

لذلك، لا يمكنني أن أفاضل بين هاتين الممارستين الجماليتين. فعلى الرغم من أن لكل منهما لغتها وفلسفتها وروحها وأدواتها التقنية والفنية والجمالية الخاصة بها إلا أنهما، في العمق، تتكاملان، تعضد إحداهما الأخرى، تدعمها وتغني " حكمتها "، بغض النظر - بطبيعة الحال - عن ثنائية " اللغة واللون " الشائعة والبسيطة بل والساذجة أحيانا. كما أن لكل منهما مكانة أثيرة داخل منطقة وعيي الشقي، وهذا هو الأهم في تقديري الخاص.

لذلك، أزعم بأنني أكتب وأرسم، بوعي منظم ومتآزر وبروح " جشعة " وغير قانعة، كما أنني أحاول ألا أضع حدا فاصلا بين هاتين الفعاليتين، حتى حينما يتعلق الأمر بوعيي النظري باشتراطاتهما ومظانهما التاريخية والمعرفية والجمالية والتقنية. أحاول ما أمكن أن أمنح لنفسي حرية محاولة ( أقول مجرد المحاولة ) التجريب في جغرافيتيهما الشاسعتين. وفي نهاية المطاف، لا زلت أعتبر نفسي تلميذا كسولا يطمح جاهدا إلى تجريب حظه في إضافة جملة بسيطة أو لمسة مندهشة إلى كتاب ولوحة آبائنا المؤسسين لروح الجمال في  تاريخ الإنسان. ربما كان حلما رومانسيا.. أوليس بالأحلام نحيا؟!! مجرد سؤال أبيض يجري تحته كثير من الماء. 

 - كيف تتعامل مع النقد؟خاصة أن كتابات كثيرة تراكمت حول منجزك؟

- مثلما تحدثت، قبل قليل، عن وظيفة الشاعر، وعن وظائف باقي مكونات أي شعب أو حضارة أو مجتمع، فللناقد كذلك دوره، الذي لا يقل عن سواه أهمية، في التأسيس لهذا الطموح الذي يحذو الإنسان من أجل التغلب على أعطابه وهواجسه وقلقه الدائم، لكن من زاوية أخرى مختلفة بعض الشيء.

فالناقد، هكذا ببساطة التعريف، سلطة معرفية يسعى من يملكها إلى تقويم الأشياء والحكم عليها وتصويب مقترحها وطموحها، سواء كان أدبيا أو غير أدبي، وهو ما يعني نوعا من الكاريزما، التي قد تضع نفسها، في بعض الأحيان، في مرتبة أعلى، أي في مكانة ذلك الخبير بعلم الأرصاد، الذي يرقب الإرهاصات الجوية القادمة ومحاولة التنبيه إليها، بما يساعد الناس على التحضير لها وتجنب أخطارها. وكما قد يخطئ خبير المناخ أو تكون آراؤه موجهة وتخدم " أجندات " الداعين إلى صلاة الاستسقاء مثلا، قد يخطئ الناقد عن حسن نية وتقدير وقد يصيب، كما قد يكون، وهذا هو الأسوأ، مرتش وقليل المروءة، أو ضعيف النفس ومنعدم الضمير والذوق أو جاهل هش المعرفة.

من هنا وجب الحديث عن أنواع من النقاد وليس ناقدا واحدا. وحتى لا ننعت بالانحياز أو الطهرانية الكاذبة، فإن هذا الأمر ينطبق، بكل تأكيد، عن المشتغلين والناشطين ب وداخل كافة الحقول المعرفية والإبداعية والجمالية بل وفي الحياة العامة أيضا، لا يختلف في ذلك العالم المتقدم عن المتخلف أو الذي ينعت بالسائر في طريق النمو.من هنا وجب التنصيص على هذا التفاوت في الكتابة النقدية، وهو أمر يعكسطبيعة الكائن البشري ويترجم تركيبته الهشة.

أما بخصوص تجربتي المتواضعة البسيطة، فيما يتصل بالنقد، أصدقك القول بأنني، بقدر ما أسعد كثيرا بالتفات أحد النقاد لما أكتب أو أرسم، بقدر ما لا أحزن كثيرا حينما يتم تجاهلي كلية. وأحسب الأمر، من هذه الزاوية، مجرد اختيارات ذاتية تستند على أذواق خاصة وميولات فردية، لا أقل ولا أكثر. من هنا دربت نفسي، بل روضتها،على الاقتناع بهذه الفكرة، مخافة أن أقع فريسة ذلك الإحساس بالإقصاء والتآمر أوالشللية والشيطنة، وكلها أحاسيس مدمرة، بمجرد ما يستسلم لها المرء يجد نفسه خارج نطاقات الثقافة والأدب والإبداع... بمعانيها الإنسانية النبيلة والراقية.

لي قناعة راسخة بأن التاريخ ينصف التجارب الحقيقية والجادة، أو – على الأقل - تزعم الرهان على هذا الأفق، بروح مثابرة، نقية وشفافة، وإن مرت في زمنها مرور " الكيران ".وقد لا أحتاج إلى الاستشهاد ببعض النماذج التي تدعم هذه الحقيقة التاريخية، وهي كثيرة وقاسية للأسف الشديد. 

 - وما هو جديدك الفني؟

- أعود، مرة أخرى، لأذكرك بما قلته قبل قليل. " أكتب وأرسم، بوعي منظم ومتآزر وبروح" جشعة "وغير قانعة ". ولحسن الحظ أن إنتاجنا، نحن معشر الأدباء والفنانين، لا يفسد بسبب التقادم، بل على العكس من ذلك، قد تصبح له، مع مرور السنين، قيمة مضافة تثير فضول " جامعي التحف " والباحثين عن الأشياء النادرة، تماما مثل أي خمرة معتقة.

ولست في حاجة لتذكيرك وتذكير قارئ هذه الدردشة بتلك المفارقة المؤلمة المرتبطة بفن التصوير الصباغي والفن التشكيلي عامة. إذ جرت العادة أن يرتفع سعر الأعمال الفنية بشكل صاروخي بمجرد وفاة أصحابها!!! وقس على ذلك عدد طبعات الأعمال الأدبية أوالأعمال الكاملة التي تنزل إلى الأسواق بمجرد وفاة مؤلفيها. إنه عالم كافكاوي بامتياز. لقد مات السياب وهو يستجدي ثمن الدواء.. وقبله مات فان غوغ وهو يسعى إلى إقناع الناس، بمن فيهم النقاد، بجدية وجدة فنه. وفي  مغربنا مات الفنان عباس صلادي وقيل إنه كان يبيع بعض رسوماته بساحة جامع الفنا، إلى جانب حلقات مروضي الثعابين والقردة وشاربي الماء الساخن والمطربين الشعبيين وقارئات الكف، وبائعي النقانق والحلزون!!!

لهذه الأسباب وغيرها، كرست جزءا كبيرا من حياتي السابقة لأحوز وظيفا يوفر لأسرتي خبزها اليومي ويصون لي كرامتي ويضمن لي متنفسا أمارس فيه حريتي في الكلام والنقد وإبداء الرأي، بعيدا عن ركوب مغامرة الفن والأدب كمصدر وحيد للعيش، وهي مغامرة تسببت لبعض الطاقات الأدبية والفنية الجبارة في خسران أرواحها النبيلة وضياع طاقاتها الإبداعية الخلاقة، في حين حولت البعض الآخر إلى مجرد كائنات زاحفة على بطونها أمام أعتاب مخلوقات سخيفة، راكمت ثرواتها بالغش والتدليس والسرقات، طمعا في أعطياتها المسمومة راضية بصدقاتها المهينة.

هذه، فقط، بعض الخلفيات التي تؤطر نشاطي الإبداعي، إن في الشعر أو في التشكيل. بمعنى آخر، أكتب وأصبغ بوتيرة عادية ومقبولة ودون إحساس بالخوف من المستقبل. خوفي يكبر، فقط، أمام بياض الورق والقماش. ولا ألهث كثيرا وراء نشر قصيدة أو طبع ديوان أو إقامة معرض. نظرة واحدة في عيون زوجتي أطفالي الفرحين والمطمئنين تحولني إلى كائن بأجنحة. وعلى الرغم من ذلك ما زلت أقنع بالقليل القليل من متاع الدنيا، ولا أكره الكثير الكثير الذي يفيض عن احتياجاتي الخاصة. فما أنا، في النهاية، سوى إنسان بسيط، لي هفواتي الخاصة وأخطائي الصغيرة ونقاط ضعفي الهشة، ولي أيضا كذباتي البيضاء والزرقاء والصفراء والموف حتى. وقد قدر لي أن أعيش حياة متقلبة لكنها كانت منتجة، غنية ومفيدة، كما خبرت تجارب قاسية ومريرة، خرجت منها مثل أي جني صغير بسبعة أرواح وبصحة جيدة.

لأجل كل ذلك، وبسببه، أحب الحياة، وأجتهد، ما أمكن، في أن أجعلها تستحق أن تعاش، بالقدر الذي تسمح به محددات " الطول " و" العرض "، ودون تطاول على حريات الآخرين ولا على حقوقهم أو متاعهم الخاص.

 

 

 

 

هنالك ارتباط وثيق الصلة بين التجربة والفن، بل هي حقيقة لايمكن تجاوزها أو نسيانها بالمرة. فالعالم الذي ندركه نحن كبشر ونستكشفه، ذلك ان الفن يكتشف الحياة بمسراتها وأوجاعها وفق تجليها عبر الحواس والانتباه والتجربة المعاشه. ولعل من ابرز وظائف الأدب توظيف حيوات الإنسان وتجاربه. فكثيراً ما نجد الفن في حالة تماس مع واقع التجربة وتجلياتها عبر النزوع الى السرد الذي يتجلى حالة إبداع في أبهى صوره الفنية عند القاص والروائي والناقد الفني محمد علوان جبر، الذي كثيراً ما يقف في سردياته عند محطات الحرب وتداعياتها المجنونة، التي أحرقت ثلاثة أجيال بالكامل. فثيمة الحرب باتت عصب الحياة والبقاء للحاكم بأمر الله في وطن أكلته الذئاب. إذ مازالت موضوعة الحرب وثيمتها الصادمة سمة بارزة على لغة " السرد "، ومنها القصة تحديداً. وبما ان الحاضر هو امتداد حي وطبيعي يستمد نسغه من الماضي المتشظي بأبعاده الإنسانية والمكانية، ومن هذا المنطلق يدخل محمد علوان جبر بوابة " القص " عبر مجموعته الأخيرة " تراتيل العكاز الأخير "، مستلهماً تجربة الهامش في سنوات الحرب العراقية - الإيرانية. هذا الهامش الذي يحجز المثقف عن متن الحياة والواقع والتاريخ، الذي أكدته الحرب على الوعي الخائب. وحكي حكاية الانتماء المأزوم. وفي عمله الأخير يطفئ  نار الأمل الذي افتقده على الإطلاق ليعلن انطواء زمن البطولة. وتبدو الحرب ضجيج انفجارات تفضي الى زمن اليأس، وليس إلى مستقبل منشود، لهذا يشحن القاص والروائي البطولة والرجولة بمعنى الصمود والامتلاك الذاتي والنفسي والمعيشي. مضى يرتسم في ذهن من يعي أنه ضحية نظام هش وحرب مجنونة لا تتطلب أكثر من القدرة على تجاوزها.

يسرنا ان نلتقيه في حوار عن المشغل السردي وقضايا الحراك الثقافي في المشهد العراقي، مع التقدير له ولكل المبدعين الذين ينتجون الجمال لهذا البلد العظيم.

* ماذا أضافت لك " تراتيل العكاز الأخير" وقد أثارت جدلاً واسعاً وما زالت؟

 - " تراتيل العكاز الأخير" مجموعتي القصصية الأخيرة..هي خلاصة لعنوان  ويافطة كبيرة اسمها " مابعد الحرب " الحرب التي عشت ايامها يوما يوما بل ساعة ساعة.. اجل عزيزي حاولت في هذا الكتاب " وعسى إن أكون قد وفقت  الإجابة على السؤال الكبير والأزلي " مالذي فعلته الحرب بنا؟." كشباب خرجنا توا من تجربة انهيار ماكان يسمى" الجبهة الوطنية " شباب كنا نحمل طموحاتنا الكبيرة ومشاريعنا الفكرية والفنية..اصطدمنا بجدران رعب ودخان حرب لم تترك لنا فرصة لالتقاط الأنفاس.. فكانت القصص تشترك أو تطمح إن تجيب على السؤال الكبير..عن أثار الحرب ، فأنت ترى الحرب موجودة وغير موجودة  في اغلب القصص كخلفية ويافطة كبيرة تجري حولها الاحداث..الاحداث ابطالها المكبلين برعبها وأثارها..فكانت اشبه برواية تطمح الى إن تكون قصصا قصيرة أو قصصا قصيرة تطمح الى إن تكون رواية..ابطالها يعيشون لوثة مابعد الحرب عدا القصة الأولى " حفارو الخنادق " كانت اشبه بالتمهيد للحرب لانها كانت تتحدث عبر حوارية بين الجنود والضباط عن حرب قادمة وسط استغراب مجموعة من الجنود الذين يسخرون ممن يقول إن الحرب ستأتي..أما القصة التي حملت عنوان المجموعة " تراتيل العكاز الاخير" كانت تتحدث عن مجموعة من معاقي حرب فقدوا فيها إطرافهم واستخدموا العكاز أو" الإطراف الصناعية " وكذلك هي قصة " صهيل العربة " تتحدث عن جندي يشم رائحة الماضي حينما كان يسافر في القطار الى الجبهة وكذلك " ضوء ازرق أسفل الوادي" التي تتحدث عن مذكرات جندي إيراني يعثر عليها جندي عراقي بعد انجلاء غبار المعركة ، فيحتفظ به لنفهم فيما بعد وعن طريق المترجم الذي يترجم له مامكتوب في الدفتر .. نفهم من المذكرات إن الانسان هو الانسان أينما وجد والشعوب تتشابه تماما في خوفها ورعبها ورفضها للحرب. المهم إنا اعتز كثيرا بهذا الكتاب القصصي لان اغلب قصصه عشتها وترجمتها على هذه الشاكلة التي نالت استحسان النقاد والقراء. 

* كثيراً ما نجد صورة الحرب تتجلى في أعمالك القصصية والروائية، هل يأتي ذلك عن موقف سياسي، أم لأسطرة الواقع؟

- نعم... الحرب بالنسبة للعراقي واخص هنا " جيلنا " جيل المحنة.. جيل الصراعات السياسية التي كانت مهيمنة تماما على الساحة العراقية.. فكانت الستينات والسبعينات متخمة بالكثير من الحراك السياسي الذي انتهى بهيمنة الدكتاتورية التي أشعلت الحروب.. حربا تلي أخرى ، ولم يدفع الثمن غيرنا.. فقد تم حشر جيلنا في تلك الحروب حرب قاسية ممتلئة بالكثير من المعاناة الإنسانية التي تحفر وتبقى تحفر وتغوص عميقا وهي ترسم أثارها واضحة وسيبقى تأثيرها على أجيالنا.

 * كيف ترى مستقبل القصة القصيرة، وسط طوفان الرواية، وتصدرها المشهد الثقافي؟

- القصة القصيرة فن سردي يقوم على منظومة جمالية خاصة.. لها شروطها الفنية الصعبة جداً..لالشيء إلا لأنها تعمل في المنطقة الهلامية الشفافة التي تفصل الشعر عن النثر.. فأي تمادي في الشعر أو النثر يمكن إن يؤدي بالعمل الى السقوط في دائرة من هاتين الدائرتين " الشعر أو النثر " لكن القاص المتمكن من أدواته يمكنه إن يقيم توازن جمالي والبقاء في حدود تلك المنطقة الهلامية التي تفصل الشعر عن النثر حتى يستطيع إن يقدم لنا وجبة سردية تمتلك مواصفاتها الجمالية والتي تدعى " القصة القصيرة " إذن لأخوف على مستقبل القصة القصيرة رغم هيمنة الرواية كونها تعد وبأمتياز " سيدة الفنون الجمالية ".

 * كيف ترى ازدياد كتاب الرواية في الفترة الأخيرة بصورة لم نشهدها من قبل؟

- كما اسلفنا حينما سمينا الرواية بأنها سيدة الفنون الادبية.. كونها تقوم على تفاصيل الفنون الجمالية بدءا من الشعر والنثر والمسرح والتشكيل والموسيقى والنحت والعلوم.. منظومة تستطيع ان تستوعب كل هذه الحيوات الجمالية، ولقد مر الوطن بأقسى المراحل، مراحل الكبت الثقافي والرقيب المخابراتي الذي يتغلغل في أدق تفاصيل الكاتب بدءا من تأويل مايكتب ومراقبة مايكتب ويصرح سواء في المقهى او على صفحات الجرائد الورقية المحدودة.. هذا الكبت فضلا عن الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الصعبة التي مر بها مجتمعنا بدءا من الحروب وإنتهاءا بالحروب ، مرورا بفترات الحصار الصعبة ، كل هذا تحول الى مادة خصبة للكتابة ، خاصة بعد الانهيار الكبير للدكتاتورية وانفتاح هائل لم يشهده إي بلد في العالم ,, فلا رقيب سياسي او فني يقف حائلا إمام الكتابة الروائية التي استسهلها البعض.. متمثلة بسهولة النشر.. فيمكن ان يكتب أي شخص..أي شيء حتى إذا كان هراءا ويقدمه الى الناشر الذي لايكلف نفسه عناء قراءة المادة المقدمة اليه.. فدور النشر او " دكاكين النشر " إذا صحت التسمية تنشر أي شيء مادامت تقبض من الكاتب ثمن الكتاب.. لكني اثق كثيرا في اغلب الروائيين العراقيين او على الأصح " بعضهم " في تقديم نصوص روائية ترقى الى مصاف الرواية العالمية..اذن هذه الكثرة يمكن ان نعدها ظاهرة صحية يمكن ان تنعكس ايجابيا على مسيرة السرد العراقي  وماحدث في العام الماضي حينما نالت رواية " سعداوي " جائزة البوكر ووصول ثلاثة او ربع من كتاب الرواية القوائم القصيرة والطويلة من الجائزة ، كل هذا هو حراك يؤدي الى تحقيق الكثير على صعيد الانتشار. 

- إلى أين تتجه الرواية العراقية اليوم؟

- نحو العالمية..فالرواية العراقية تشق الطريق بقوة نحو التتويج والرواج العربي والعالمي، وهناك أمثلة كثيرة، فاغلب كتاب المهجر استطاعوا إن يحققوا الكثير للرواية العراقية كنجم والي وعلي بدر وحميد العقابي وصموئيل شمعون وحسين الموزاني وعبد الله صخي ولؤي عبد الإله وسلام إبراهيم.. من جانب فضلا عن كتاب الداخل  وما حدث كما اشرنا الى وصول رواية " سعداوي " الى الجائزة الأولى في مسابقة البوكر ومحاولات كثيرة أنتجت لنا روايات مهمة استطاعت إن تشكل علامة مميزة في مسيرة السردية العراقية ولااريد هنا إن اذكر أسماء لأنهم كثر وأخاف إن أنسى أحدا ولكن هناك انجازات مهمة تحققت على يد روائيين عراقيين حفروا اسمهم في صخر السردية كخضير فليح الزيدي في رائعته " فندق كويستيان " وحميد الربيعي واسعد اللامي وسعد محمد رحيم وغيرهم الكثير.

* هل هناك قنوات تواصل بينك وبين أدباء العراق في الخارج؟

 - بالتأكيد... عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الالكترونية، فانا على اتصال مع الكثير من الأصدقاء ، اتصال شبه يومي بالشاعروالمترجم والناقد حسين عجه  ولؤي عبد الإله وحسين الموزاني ومؤيد الراوي وصموئيل شمعون والقامة القصصية الكبيرة معلمي جمعة اللامي وهناك الكثير الكثير اعتذر إذا نسيت بعضهم.

* ماذا عن الجوائز التي تمنح، وهل تعتبر مؤشرا حقيقيا إلى وجود حركة أبداعية؟

- هناك الكثير من اللغط الذي يثار دائما حول الجوائز. عن حياديتها..عن موضوعيتها..عن دقتها في اختيار الكتب التي تفوز وهذا ينسحب على اغلب الفنون لكن أهمها هي الجوائز التي تمنح للرواية والقصة القصيرة.. تبقى مسألة المعايير التي تعتمد في تأشير رواية ما من بين عشرات الروايات لتعد هي الفائزة بالجائزة الأولى، مع يقين اللجان أحيانا في أحقية روايات أخرى لكنها تهمل لهنات بسيطة لكنها تعد كبيرة  في نظر لجان التحكيم  وتتلخص هذه " الهنات " الاقتراب من بعيد أو قريب من التابوات الثلاث " الدين والجنس والسياسة " كأن يرد مشهد فاضح هناك ضرورة له لأنه يكمل مايريد إن يوصله الكاتب..أو موقف من الدين أو السياسة لتوضيح شأن مهم يراه الكاتب مكملا ضروريا.. تبقى اغلب اللجان إن لم اقل كلها محكومة بهذه المعايير..حتى" جائزة نوبل " التي تمنح سنويا لمجمل إعمال كاتب ما.. فإنها تأخذ بنظر الاعتبار موقف الكاتب من قضية ما أو انحيازه لهذا الحدث أو ذاك.. وكذلك بالنسبة لجوائز " الغونكور " و" البوكر " العربية. فالجوائز رغم مالها وماعليها فإنها تعد مصدرا مهما من مصادر الترويج لكاتب ما.

* تكتب الرواية والقصة القصيرة، أيهما أقرب أليك؟

- اجد ان القصة القصيرة تمثل بيتي وحبيبتي التي لااستطيع منها فكاكا، رغم تلذذي الكبير في كتابة الرواية، الرواية تمنحني الكثير من الحرية والتوسع واستخدام الأساليب التي أراها تتناسب مع مااريد إن أقوله.. لكني اجد إن القصة القصيرة تشبه مقطع حياتي بكل مافيه.. فإذا اعتبرنا القصة القصيرة مقطع نهري يحتوي موجودات الحياة حول النهر،ضفتيه.. الجرف والزوارق... هذا هو المقطع للنهر يمثل القصة القصيرة إما الرواية فهي متابعة النهر من المنبع الى المصب.. ولك ان تقارن الفارق مابين القصة القصيرة والرواية.. فلكل منهما سحرها وجمالها شروطها اعيدها عليك..أحب القصة القصيرة كثيرا لكني أتلذذ في كتابة الرواية رغم الصعوبة التي يواجهها من يكتب الرواية.

* للمرأة دوراً حيوياً في حياة الكاتب، فماذا عن المرأة في حياتك؟

- تمتلك المرأة أهمية كبيرة في حياة المجتمعات الإنسانية. فهي الحياة والجمال والروح التي تنبض.. مكملا أول للحياة.. حارسة حقول المعرفة واللون والحب   فلا يمكن للحياة إن تستقيم دون وجودها.. عمقها فهي الحل للكثير من أسئلة الوجود.. وفي الكتابة الابداعية نجد إن النصوص التي لايعطي فيها الكاتب أهمية للمرأة تبقى نصوصا قاصرة ولا تمتلك مقومات.. فهي حياة بقطب واحد يمكن إن تتحول ثيمتها الى دوران في مسالك متداخلة يحس القارئ النقص فيها سريعا.. واعتقد إن الكاتب مهما حاول إن يغفل دور المرأة في القصة أو الرواية سيجد نفسه منساقا الى محرابها وحضورها المفروض عليه.. فهي كامنة في المعنى واللامعنى في وعينا ولاوعينا..لاتكتمل دورة الحياة دونها.. قطب العالم الأخر دونه لاتكتمل ثيمات قصصنا ورواياتنا وقصائدنا. هكذا هي دورة الحياة الطبيعية.. صعود اقطاب الحياة ومكملاتها الرجل والمرأة. كذلك يعد الأمر قاصرا في إعمال الكتابة النسائية أو مايسمى الأدب النسوي إذا لم يتم طرح الرجل أو عدة رجال في الثيمة القصصية أو الروائية.. ونحن ككتاب ندين للمرأة منحها السعة والعمق فيما نكتب.  

 

حاوره: عبدالرضا غالي الخياط

 

 

حينما نشرع في الحديث عن تجربة القصة العراقية المعاصرة، ينبغي علينا أولاً ان نقف بإجلال إمام تجارب الشباب الذين مارسوا فن القص بعد العام 2003، ومهاراتهم المتميزة بالإبداع، سواءً في العطاء أو في البناء الفني، أو حتى في التجارب والحيوات الإنسانية التي قدموها في مجمل أعمالهم التي اقتربت من روح الواقع وهامش الحياة، فقد اكتسبت حالة من الفرادة والتنوع المغايرعما شهدته القصة العراقية من تجارب سابقة، حيث ان لكل واحد منهم أسلوبه المقترن بأسمه. وفي مجموعته القصصية " إشارات لزمن ضائع " نجد " كامل التميمي" منشغل بهموم إنسانية واسعة حاول جهد إمكانه تقديمها بلغة متينة وحوار ثري مختزل، وبمستوى فني عالٍ، يرتقي إلى الوعي النقدي، ويمد تجربته في التجريب والمغامرة القصصية، ليقدم لنا مجموعته الأولى " الخطيئة المتشظية " عام 2004، والثانية " إشارته الضائعة " عام 2015، بشكل متوالي وبنفس الحدة والأسلوب مع التركيز والاهتمام بموضوعة الفكرة من دون التخلي عن جماليات المتعة، بالإضافة إلى مشاركته في المجموعة القصصية المشتركة " هزيز الفجر " والتي جمعت بين دفتيها تجارب لأثنين وعشرين كاتباً وكاتبة. ففي نصوصه نلتمس افقأ يضيء جوانب خفية عن حيوات إنسانية سحقتها طاحونة الحروب التي ما انفكت عن التوقف من الدوران بعد ما أحرقت الأخضر واليابس، فضلاً عن سنوات الحصار وتداعياتها وما أفرزت لاحقاً من واقع مرير تكلل بالاحتلال الأمريكي الذي اخل بالبنية التحتية ونسيج المجتمع بشكل مدمر مما جعل المرء في حيرة من أمره انعكس ذلك كله على طبيعة سلوكه العام. حيث نجد الأدب ومنه فن السرد يعكس ذلك في مرآته بشكل جليّ.

وفي هذا الحوار لنا وقفه مع الكاتب والقاص كامل التميمي حول مسارات تجربته السردية .          

* ما الذي يميز جيل ما بعد العام 2003، عن الأجيال السابقة، وما الجديد الذي أضافته الأجيال الشابة للسردية العراقية ؟

- إما الشق الأول من سؤالك، فلا أعتقد هناك حدود فاصلة بمعنى النقلة أو الطفرة التي تخلق انعطافه تاريخية في السرد العراقي بما يجعله يجتاز محيطه المحلّي والإقليمي لينطلق نحو العالمية بقوة الارتكاز على البنية التي ينطلق منها مؤسسا هوية خاصة به، إنما هناك بعض السمات السياقية النصية التي كانت مسلمة وقوالبا جاهزة تابعة للتابوهات السياسية التي يرزح تحت نمطيتها الكاتب التي تجعله فردا متوحدا مع عالمه الذاتي، هذا التسلسل النمطي ما عاد الآن صالحا ما بعد2003  لقد تجاوز السرد الذاتية منطلقا نحو خلق ديناميكا فاعلا مع حيز وجوده الموضوعي جاعلا من الحيّوية السردية آلة لتصوير الواقع، في الوقت الذي تعكسه لا تظهره غير صورة كاشفة عن مفارقاته وتناقضاته ومحددات نظامه. وفيما يخص الشق الثاني من السؤال أعتقد هناك صعوبة في التميز بشكل جلي إذ مازال رواد السرد العراقي متداخلين في ما يظهر من نتاجات سردية في الساحة سواء كانوا شبابا أو روادا الجميع يظهر براعته في أغناء السرد. وما يحسب للسرد العراقي ما بعد العام 2003 فهذا يتضمن  المزيج دون الفصل .

*على ما يبدو لنا انك تخوض في غمار الزمن، محاولاً الخروج منه والقبض عليه؛ هل قيض لك القبض على الزمن من خلال " إشارات لزمن ضائع " وخاصة في قصة " بسمة " التي وردت في المجموعة ؟

- مجموعة إشارات لزمن ضائع التي صدرت أخيرا جاءت محاولة لأرشفة حقب تاريخيّة عبر دلالتها وإشارتها الظاهرية والخفيّة، فكانت لكل قصة أو أكثر تعني مرحلة تاريخية بدأت من الثمانينات مرورا بالحصار حتى مرحلة ما بعد  2003والتي ضمت قصصا  اجتماعية تحاكي طبيعة العلاقات الأسرية وأخرى رمزية أما قصة " بسمة " التي أظهرت معانات الإنسان الذي كان محبا للحياة ورحلة هذا الإنسان العراقي خلال الحرب العراقية - الإيرانية وما رافق هذه الرغبة من تضاد قاهر ومضاد لكل جمال ورغبة  انطوت عليها روحه. يبقى الزمن الذي عاشته شخصية قصة "بسمة ". هو زمن مراوغ عصّيٌّ على الترويض والقبض إذ الشخصية في القصة التي فضلت الخروج من الزمن لم تكن نهاية مساوية بقدر ما إشارة إلى إشكالية الحلم وصعوبة القبض عليه وسط الدمار الشامل والتخريب الإنساني الممنهج إزاء الفرد العراقي.

* كيف تم انتقاء شخصيات مجموعتك الثانية، وكيف كانت ردود الفعل من قبل النقاد والقراء ؟

- ما يخص انتقاء الشخصيات التي وردت في مجموعة " إشارات لزمن ضائع  "متنوعة بين المرأة ومعاناتها، المراهقة وضياع الفرد وسط التفكك الأسري، الشخصيات المأزومة من ضغط  ذاكرة الحروب / الشخصية ذات الدلالة الفكرية في سلوكياتها / وهكذا كان لكل قصة شخصية التي تنسجم مع طبيعة المخطط الخاص والعام للمجموعة. تناول المجموعة كل من الناقد السوري عوض الأحمدي وبشير حاجم وداود سلمان وخضرعواد الخزاعي ويوسف عبود. جاءت معظم القراءات بشكل عام دون التفصيل بمعنى. فقد ركزت على التجربة أكثر من أي تفصيلات تخص الشخصية والجوانب الفنية الأخرى.

* ما التقنيات التي اعتمدها في معالجة شخصيات نصوصك المتخمة بالآلام والأوجاع ؟

- حاولت ما استطعت إليه سبيلاً أن أحقق تساوقا وانسجاما بين عناصر القصة وأصل إلى الهدف المرجو من الكتابة السردية في المتعة والفائدة معاً، وإنْ كنت منحازا للفكرة قليلاً. حيث اقتربت كثيرا من الذين تمردت حيرتهم على ذاتهم وتسيّد شكهم على يقينهم، ليبقى زمنهم متسيدا على عرش ذاكرة مقعدة بالأوجاع. وذلك من خلال رسم الحدث وتداعياته على الشخصيات بشكل مكثف يقترب من الاختزال وروح الفكرة . 

* ما هي ابرز ملامح القصة القصيرة العراقية اليوم ؟

- القصة القصيرة هي من الفنون الرشيقة والذكية التي تستطيع مجارات الواقع وتحولاته الدراماتيكية بكل فطنة وخفة معبرة عن أزمة الإنسان المعاصر بكل أبعادها الاجتماعية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والنفسية، بعد الثورة المعلوماتية المتمثلة بشبكة الإنترنت والانفتاح على العالم الخارجي والداخلي والاحتكاك مع مختلف البلدان إتاحة هذه الفرصة للقصة القصيرة والكاتب العراقي من التفاعل والتلاقح لتبرز ملامح القصة العراقية بشكلها ومضمونها الفني وبنائها   وخصائصها ظاهرة محدد لجنسها إذا استبعدنا بعض المحاولات الطامحة للتجريب والتخريب والدخول في التداخل وإضاعة الحدود وبتالي اختلاط الظواهر وصعوبة دراستها.

* كيف تنظر إلى واقع القصة القصيرة؛ كجنس أدبي في راهن التحولات الدراماتيكية وما المستقبل الذي ينتظرها ؟

- القصة القصيرة تبقى هي الأداة الأقوى والأجدر لمقاومة أي تحولات وانتقالات في دراماتيكية الواقع ولا عجيب أن قلت إن المستقبل بتحولاته السريعة  في كل شيء حتى تكاد أن يومك لايسمح لك أن تتلاعب فيه كيفما تشاء بل يفرض عليك الكثير من القيود فيما يخص شحة الوقت ومن بين هذا المشهد أتوقع أنها لها الغلبة كما للقصة القصيرة جدا كجنس أدبي سطوة هي الأخرى . 

* صدرت للرابطة " هزيز الفجر " مجموعة قصص قصيرة جداً في كتاب واحد؛ جمع اثنين وعشرين كاتبا وكاتبة، ما القاسم المشترك الذي يجمعكم، وما الذي يميزها عن التجارب السابقة ؟

- هناك جانب سميائي مشترك بين أغلب الكتاب المشتركين على مستوى المقربات السماتية  كما ذكرها المنظر الناقد إسماعيل إبراهيم في دراسته للنصوص الواردة في منجز الرابطة العربية للآداب والثقافة / فرع بغداد الموسوم " هزيز الفجر " واقصد هنا الجانب الفني أما الجانب القيمي فتضمن تمحور حول استحضار شخصية المثقف المغيبة والشخصية التي تشير إلى المجتمع المقهور والوضع السياسي والاجتماعي وهذا ينسحب على حقول كثيرة في ميادين حياة المجتمع العراقي، ما يميز هذا العمل برأيي هو قدرة مخيلة الذين شاركوا في مواكبة الحدث واستطاعت نقله إلى مستويات الوعي الإدراكي في مرحلة من مراحل الجدل التاريخي الذي رافق التطور الحياتي للمجتمع العراقي.

* بصفتك رئيس " الرابطة العربية للثقافة والآداب " ما الهدف من وجودها في فضاء المشهد الثقافي العراقي - العربي، وما المعاير التي تشترطها الرابطة للانضمام إليها ؟

- انا مسؤول الرابطة العربية للآداب والثقافة / فرع بغداد والأستاذ محمد الحافظ هو رئيس الرابطة العربية للآداب والثقافة التي مقرها في محافظة ذي قار ولها فروع داخل العراق وخارجه لاسيما مصر وفلسطين وتونس والجزائر والمغرب. الرابطة العربية للآداب والثقافة جاءت كرافد وليس بديلا عن أي مؤسسة أدبية وثقافية وهذا يعني أن الواقع وتحولاته وما شهدته الساحة العراقية والعربية هي من فرضت علينا أن نكون إحدى الروافد لاستيعاب هكذا حركة ونشاط إبداعي. فيما يخص الشروط فهي بسيطة جدا تتضمن الآتي : سيرة ذاتية للمتقدم / ثلاثة أعمال حسب اختصاصه تكون منشورة في جريدة أو مجلة / صورة شخصية ترسل عبر الماسنجر التابع لحساب محمد الحافظ أو كامل التميمي .

 

حاوره: عبد الرضا غالي الخياط

 

 

هو شاعر مغربي خط لقصيدته مسارا فريدا ومتميزا، وسط جغرافيا قصيدة النثر، التي عمل على تطويع جماليات جديدة داخلها، والرقي بدرجة لمعانها، ما جعله أحد المحسوبين على المساهمين الأساسيين في الحساسية الجديدة في القصيدة المعاصرة. حسن بولهويشات شاعر غير مهادن، يكسر الأنساق، ويهدم البنى التحتية المتواضع عليها، ليستثمر حطام الهامش في صياغة مقولته الشعرية، التي لاقت إقبالا وانتباها نقديا محمودا وغير مشوش عليه، في ظرف وجيز رغم عودته إلى الساحة الثقافية بعد انقطاع يربو عن عقد من الزمن، إلى أنها عودة لم يفقد معها حماس البدايات ولا تألقه السابق.

في هذا الحوار يحدثنا عن وظيفة الشاعر وسط عالم لا شعر فيه، عن رؤيته للساحة الثقافية، ويطلعنا عن جانب أساسي من اشتغاله الذي خلف ويخلف منجز شعري زاخر ينتظر أكثر من دراسة.

 

كبداية لهذا الحوار، ما فاتحة النص الذي ورّطك في عالم الكتابة؟ خبرنا قليلا عن البدايات؟

- الحياة وليس غيرها هي النص الحقيقي للولوج إلى الكتابة، إن كان ثمّة باب ومدخل للكتابة. حياتي السابقة لم تكن سعيدة بالمرة. وطفولتي لم تكن بالشكل والمسار الجميل الذي أتمناه لأي طفلٍ في العالم. كبرتُ بلا هدايا وبلا أعياد ميلاد في حيّ هامشي مكتظ بالجريمة. وتحت سقف بيتٍ بلا كهرباء ولا ماء وبلا قنوات الصرف حتّى. أنام في مطبخ البيت مثل قطّ لاجئ وأفكّر أنّ الحياة جميلة في مكان ما. قضيتُ الأصياف متنقلاً بين أكثر من ورشة بناء وبين أكثر من قسوة. أحمل أكياس الاسمنت والرمل على ظهري الطرية وأحصي شرور الانسان في عالمٍ شبيه بلعبة قمار يديرها أحدهم بأصابع خبيثة. ولا دخلَ لله في هذه المسألة، لكن هناك دوماً من يرفع أنفه إلى السماء مثل خنزير ويشتم الله بلا حسابٍ .

تفوّقت في دراستي وفي توفير مصروف الجيب، بالتوازي مع تفوقي، بميزة مشرفة جداً، في مراكمة ما يكفي من الألم وخدوشٍ في الأصابع لكتابة الشعر في سنّ مبكّرة. هل أنقذتني كتابات جبران الحالمة وقصائد الشّابي الرومانسية من التلاشي وفتحتْ مسارب الضوء في حياتي لدرجة كان ينتابني احساسٌ أنّ هناك من ينتظرني خلف الباب بعلبة الشوكولاته في اليد؟ وهل أفادتني روحانيات ابن الفارض و”لزوميات” المعري، ونضجتُ على نارٍ سريعة بدل نارٍ هادئة كما يقول كثيرون؟ وهل تلألأت دمعات مطرٍ خفيفة في محاجري وداخت الأرض تحت أقدامي، وأنا أصغي لموّال الجدات المتساقط من أعلى الهضبة وجنب الوادي حدّ أن الغنائية توّفرت بسخاءٍ في قصائدي الأولى؟ لا أعرف الاجابة. فهناك أكثر من نصّ مقروء ومسموع. وتبقى الحياة بتلاوينها وتجاربها هي النص الحقيقي والمتن الذي لا يعلو فوقه متنٌ الذي ورّطني في الشعر.

 

ماذا عن طقوسك الكتابية ؟

- ليست لديّ طقوس محدّدة ونهائية بخصوص الكتابة. أكتب في ساعةٍ متأخرة من الليل كما أفعل الآن، مثلما أكتب في المقهى وسط الضجيج ويسرّني أن أشبّه نفسي بالشاعر محمد خير الدين في هذه النقطة. فضلاً على أنّني أحبّ ليالي الشتاء الطويلة وأجدها مناسبة لتركيبتي النفسية وللدخول في نزالٍ مفتوح مع القصيدة. وبالمقابل أتضايق من فصل الصيف ومن الحرارة ومن رائحة الآباط في الأماكن العمومية المغلقة، فأشعر أنّ الهواء يصل إلى صدري على متن جرّار ثقيل، وينتابني احساسٌ عارم بالظلم والتيه ولا أفعل أيّ شيء.

والكتابة عموماً مرضٌ عضال أتعايش معه حسب تقلب المناخ والمزاج. مرّة أستلقي على ظهري ومرّة على جانبي الأيسر. المهم أن يصل الهواء إلى صدري وتخرج القصيدة خفيفة بلا مغصّ في المخيلة.

 

في منظورك ما وظيفة الشاعر اليوم؟

- تتغير وتتباين هذه الوظيفة من شاعرٍ لآخر، كلٌ حسب منظوره الشخصي للشعر ورؤيته للحياة والعالم والأشياء. ونكاد نتّفق جميعاً أنّ وظيفة الشاعر تتمثّل في الانتصار للجمال وللقيّم النبيلة وتقديم حلول وجدانية كما هو الحال مع العلوم الحقة التي تقدّم حلولا تجريبية. لكن هذا لا يكفي، لابدّ للشاعر أن ينحاز لهموم الشعب ولقضايا الانسان الكبرى خصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد فيها المنطقة العربية، شمال افريقيا والشرق الأوسط بالتحديد، منعطفا ايجابياً وارتفاعا في سومة الاحتجاجات الشعبية من أجل الحرية والكرامة.وغير مقبول من الشاعر أن يتقوقع على نفسه وفي قصيدته، ويكتب عن العطر الفوّاح ويشحذ لغته في وصف تضاريس صاحبة العطر بمبرّر الفن من أجل الفن.

أكيدٌ، أنّ وظيفة الشاعر ليست رسمية. ولا بدّ له أن يأخذ مسافة محترمة من السلطة، وأن ينأى بنفسه عن التدجين. أعرف الكثير من الأسماء جاءت إلى القصيدة بأضلاعٍ مكتملة وبلا عثرات البداية، وكسبت احترامَ وإعجاب قرّاء الشعر، غير أنها تورّطت في الشأن العام، حيث هناك من استوزر لفترة طويلة. وهناك من تقلّد مناصب مهمة أو دخل ديوان الوزارة ومكثَ فيه مثل قطّ البيت ولم يخرج. نترفّع هنا عن ذكر الأسماء، لكنه كرمٌ كثير أن نسمّي ما يكتبه هؤلاء الآن شعراً. برسيماً وشعيراً ممكن. أقصد عندما تتغير القناعات وتتلّون المبادئ تخبو جمرة الشعر وتتكلّس اللغة، ولا أحد سيقرأ لك عزيزي الشاعر.

 

انقطعت لفترة طويلة عن النشر، لكنك رجعت بقوة وأرسيت لتجربتك أفقا لاقى انتباها نقديا كاملا، أيمكن أن نتساءل عن أسباب هذا الانقطاع الذي يشاركك فيه كتاب مغاربة كثر؟

- العالم قاسٍ يا صديقي. ويصعب تحمّله طوال مراحل العمر بنفس المزاج وبنفس الأعصاب. أنا شخص مزاجي ومتقلب بمقياس الزاوية المستقيمة. وحياتي كانت دوماً، وما تزال، مثل إبرة الميزان، مرّة على اليمين ومرّة على اليسار. وفي تشبيه آخر مثل عكّاز أعمى، مرّة في النجاسة ومرة في الطهر. لكنّني نظيفٌ وأنفاسي عطرة وبإمكانك أن تقترب مني وتعانقني من دون أن تتأفف. أعني قناعاتي الشخصية ومبادئي التي أحرص عليها أكثر من أيّ شيء آخر. ولايهم أن يتلاعب شيطانٌ خبيث بحياتي. ويسرّني أن يكون شيطان الشعر هو من يتحكم في هذا المركب السكران.

 نعم، عدد الذين تسرّب اليهم يأس فظيع وتوقفوا عن الكتابة الشعرية من جيل التسعينات بالمغرب على سبيل المثال، وهو الجيل الأكثر ديناميكية في الشعر المغربي المعاصر، أكثر من الذين قاوموا واستمروا. شخصياً كنتُ براغماتياً وانتهازياً مع نفسي، حيث توقفت عن الكتابة حين ساءت أموري الشخصية وعدتُ حين توّفر لدي الشرط الأدنى للكتابة. لا أريد أن أتكلّم عن هذه المسألة أكثر مما تستحق لأنّ اسمي بالكاد كان معروفاً في تلك الفترة. ومازلت أتعلم من الكبار وأستفيد من تجاربهم. وأرعى احساساً عارماً بأنّني سأكتب أشياء جميلة مع مرور الوقت.

 

هل تجد أن قصيدة النثر التي تكتبها بإخلاص كامل قد حققت وعدها، الذي انطلقت منه؟ أم أنها بحاجة لمراجعة جملتها النظرية بالكامل؟

- لقد راكمت قصيدة النثر من التوهّج والإيجاز ما أهّلها لانتزاع اعترافٍ نقدي مهم، وذلك بعد سجالٍ طويلٍ بين سدنة الماضي وأنصار هذا الشكل الشعري الجديد. والمطلوب في هذه المرحلة هو التمييز بين قصيدة النثر وبين القطع النثرية المرصوصة كلماتها على شكل أدراج العمارات والتي يكتبها رجال السياسة وسيّدات البيوت فوق الفوتيه قبل النوم من باب التسلية والتطاول على حقوق الآخرين. وبمستطاع النقاد المتخصّصين أن يتدخّلوا على الخط ويضيفوا أشياء أخرى نيابةُ عنّي.

 

كيف ترى للتجارب الشابة اليوم، التي تكتب هذه القصيدة وتربط نشرها بالأنترنت؟ وهل هذا الفضاء أضاف الكثير للأدب، أم كان وبالا عليه؟

- بديهي، أنّ المجلات الثقافية باكراهاتها الماديّة وظهورها واختفائها حسب ميزان حرارة الأوطان لا تكفي بالمرّة لتطوير الشّعر. وهذا ما كشفت عنه التجربة طوال عقود من الزمن قبل الثورة المعلوماتية. الآن وبفضل وجود مجلّات ومواقع الكترونية تعنى بالشعر، اختفى نهائيا الشاعر الذي طالما سمعناه يشتكي من جمارك الثقافة ومن صعوبة إيصال صوته إلى عموم القرّاء بسبب وجود منابر تحتكم لمزاج الصداقة والزبونية أكثر مما تنتصر لجودة النصوص وفرادتها حتّى تسرّب يأس فظيع إلى كثيرين وتوقفوا عن الكتابة بالمرّة، كما أسلفتُ القول..ومن باب ردّ الجميل، وجبَ أن نصفق لمجهود هذه المجلات الإلكترونية. ونشكر “الفايسبوك” على ديمقراطيته العالية منوّهين برئيس تحرير متفهّم اسمه مارك.

في حالة المغرب ظهر جيل جديد من “شعراء الفايسبوك”، وهي التسمية التي ظهروا بها في عدة ملفات ثقافية. وتمّ الاحتفاء بهم كأصوات شعرية جادّة ومختلفة وجدتْ ضالتها في مواقع التواصل الاجتماعي،بعدما عاشت تجربة النشر الورقي لسنوات عدّة. وأغلب هؤلاء الشّعراء بلا ديوان شعري منشور لكن يصعب، بقوّة قصائدهم، تجاهلهم في انطلولوجيا الشعر المغربي المعاصر. وتسمية “شعراء الفايسبوك” تُميّزهم وتمنح لهم العلامة الممتازة، ولا تشمت فيهم كما قد يعتقد البعض.

 

كيف ترى واقع المشهد الثقافي المغربي والشّعري بالخصوص؟

- الذين يتعاطون الثقافة بمختلف أجناسها في المغرب أكثر من الذين يتعاطون الحشيش ويتاجرون في العقار. وعدد شعراء وشاعرات المغرب يضاهي عدد عسكر الملك. كما نسجّل باعتزازٍ ارتفاع عدد الاصدارات الشعرية في السنوات الأخيرة وحضور القصيدة المغربية في جرائد ومجلات أكثر مقروئية وتداولاً. غير أنّ المشكلة تبدأ من المؤسسات الثقافية ذات البنية الفولاذية. والتي تحتاج إلى من ينسفها بالديناميت حتّى تنتبه. ولديّ يقين قاطع أن القيّمين على هذه المؤسسات يشتغلون بسوء نيّة وبصفاقة مبالغ فيها. فيما أرقام حصيلة الأنشطة والمشاريع الثقافية التي تقدّمها سنوياً هذه المؤسسات مغشوشة ومنفوخ في أردافها بالسيليكون. ومن الحماقة وعمى البصيرة أن تستمر مافيا الثقافة في الحديث عن بداية الموسم الثقافي ونهايته وتعدّ ملفات بهذا الخصوص كما لو أنّ الثقافة قصعة كسكسٍ ساخنة نتذكّرها بأصابعنا الطويلة وبالملاعق يوم جمعة ونهجرها طوال الأسبوع.

واقع مؤسساتي مأزوم وأسود من جبين الموت، يتكبد تبعاته المشتغلون بالثقافة من شعراء وكتّاب وتشكيليين. وأستغرب أن يحافظ بعض هؤلاء على هدوئهم (ورزانتهم؟) حين يستدعي الأمر الحديث عن هذه الأمور. لا أريد أن أشبّههم بأولئك المواطنين البؤساء الذين يموتون بالتقسيط في أعالي الجبال وعلى أطراف المداشر وفي غياب تام لشروط الحياة، وحتى اذا زارتهم الصحافة أو وجدوا من يضع الميكروفون أمامهم ويمنحهم فرصة العمر للتعبير عن مشاكلهم، تحوّلوا بقدرة قادرٍ إلى مدّاحين للسلطة ولرموز الفساد المحلي والوطني. وربما تفوّقوا في أساليب المديح على كلّ ماجادت به قريحة محمد الحلوي وادريس الجاي في حضرة الملك الراحل الحسن الثاني. أتجنّب أن أقف طويلا عند هذه الصورة،ولكنني وجدت أطراف التشبيه قريبة جداً حدّ التناطح.

وهل ضروري أن نهرّب كتبنا ونصوصنا خارج الوطن ونحصد جوائز البلدان البعيدة كي ينتبه لنا أهل الدار؟ وهل قدر الشاعر في هذه البقعة الأرضية أن تُصادر حريته وكرامته. وحتّى اذا تقدّم به العمر وتكالبت عليه الأمراض من كلّ عضوٍ ومفصل وتعذر عليه أن يجد تكاليف العلاج وثمن الدواء، وجد من يلتقط له صورة ويعمّمها على وسائل الاعلام. وماذا بعد؟ يموت الشاعر وحيداً في مستشفى حكومي ردئ أو في بيت العائلة في أحسن الحالات. ويصدر الاتحاد الفلاني أو البيت الثقافي الفلاني نعياً في أربعة أسطر.النعي الذي تقرأه مذيعة التلفزيون الرسمي بأسارير طلقة وخدود حمراء مثل الطماطم. شخصيا لستُ من هواة المسرحيات السخيفة. ولا أتمنّى لنفسي ولغيري هذه النهاية الحزينة.

 

ما جديدك على مستوى الكتابة والنشر؟

- أتفادى أن أنفخ صدري وأتحوّل إلى بائع أوهام مثلما يفعل المنتخبون هذه الأيام. نعم سمعت أحدهم البارحة يقول في جمعٍ غفير أنّه سيأتي بالبحر وبأمواجه العاتيات إلى القرية الفلانية، وبقطار” تي جي في” إلى البلدة الفلانية. وأنه سيجد شغلا للمعطلين وأزواجاً على فرسان بيضٍ لغير المتزوجات. انّهم السماسرة الذين يؤلمون البهيمة بقضيبٍ دقيق كي تقفز ويسيل لعاب الزبون. فبدلاً من أن أقول لك أنني سأصدر ديوانا شعريا في شهر كذا وراوية ضخمة في شهر كذا، أفضل أن أترك الأمور إلى حينها.

حاليا، أنا متفرّغ للكتابة ولستُ متزوجاً وليس لديّ أولاد. لست متحزّباً ولا مسجّلا في لوائح الانتخابات حتّى. لستُ مسؤولا في أية مؤسسة ثقافية ولا مشاركاً في أية مهزلة جماعية. أنا عضو مهم داخل نفسي ورئيس شرفي لبيت العائلة. وهذه شروط إضافية لأكتب قصائدي ومقالاتي بكلّ حرية وأدسّ في تجاويفها مقادير الحرارة والسخرية التي أريد من دون أجد من يرفع سمّاعة الهاتف ليعاتبني أو يأخذ كلمة في الجمع العام الفلاني ليجلد ظهري. عندما تتوفر لديك الحرية ويسعفك الوقت، بإمكانك أن تكتب وتنجز مشاريع كثيرة في ظرف وجيزٍ.

 

في كلمات:

القصيدة: يُقلقني أنّها تتصرف أحيانا مثل بعض الموظفين،عليك أن تدسّ له رشوة في الجيب كي يقدّم لك خدمة.

عبد الله زريقة: مكانته في الشعر العربي المعاصر، حقيقة لا تُناقش. وأتخيّل كيف كان سيكون الوضع الاعتباري للرجل لو كان فرنسياً أو أمريكياً.

محمد بنميلود: من الأصوات الشعرية الجميلة في المغرب. ونموذج الاصرار والاختلاف في الكتابة السردية.

حسن بولهويشات: أحيّيه من هذا المنبر، لأنه مازال حيّا يُرزق.

السياسة: رغيفنا اليومي والدم المتكبر الذي يسري في عروقنا.

 

حاوره عبد الواحد مفتاح

 

 

 

 

 

 

ابراهيم كابان: اتب وناقد كوردستاني معرفي من مواليد كوباني 1980، تعرض للاعتقال في السجون القمعية للسلطة السورية الديكتاتورية بين عامي 2007-2013م

-يكتب في عدة جرائد ورقية ومواقع الكترونية كوردية وعربية.

لديه ديوانين نثر تم طبعها ونشرها :

- قوافل الجروح- / نثر – 2005 عن دار –الخنساء- بدمشق .

- (صرخاتٌ .. صرخات .. وقوافل من فَمِنا تستمر)/ نثر - 2009 -دار الكيوان- بدمشق.

وأعمال لم ترى النور بعد:

-(سخريات الليلة) – نصوص نثرية 2007

-(محاولات) – قصص قصيرة 2008

-(فتن كقطع الليل) – دراسات مقارنة دينية علمية ..

-(إرهاصات ثورية في الشرق الأوسط )/ كتاب تحليلي

-(على الرصيف) / نصوص نثرية

 

وبتاريخ 1 شباط-2017م، تم إجراء هذا الحوار:

- يسعدنا التحاور معك الكاتب الكردستاني ابراهيم كابان، والذي نود في خضمه، تسليط الضوء على جملة تساؤلات تؤرق متلقي اليوم، ونبدأ من هنا:

- أهلا بكم أعزائي وأتمنى أن أتوفق في الرد على جميع أسألتكم بشكل علمي وموضوعي ..

1- هل يحتاج تصحيح الواقع الكردستاني(الحزبوي) إلى سلسلة من إنشائيات مضمونها التقريع والتهجم المتأتي من انفعال محق، والذي سيتفرع عنه جهتين مخالفة أو مؤيدة، ويعود التهاتر مجدداً إلى دائرته الأولى، أم أننا يجب أن نعود لآليات النقد وأساليب الخطاب مع الجماهير لفك الارتباط مع من يتاجر بقضاياها؟!، مالذي يحتاجه الكردستاني في الوطن والمهجر من أدوات لينهض بها؟!

- الواقع السياسي الكردي وليد لتراكمات ثقافية واجتماعية بدائية، وممارسات حزبوية رديئة، ناجمة عن المنظومة الكردية المفككة بحكم الظروف التي شهدتها كردستان، لاسيما خلال العقود الأخيرة بعد تقسيم كردستان إلى أربعة دول، بنت كياناتها بعد الحرب الأولى على أسس قوموية أدخلت الإنسان الكردي في دائرة ضيقة، وحالة اجتماعية سيكولوجية أنتجت في المحصلة مفرزات تنوعت معطياتها السلبية المتعددة على كاهل الإنسان الكوردي ووجود قضيته واستمرارية المظالم، فحالة الحرمان والتعرض للمشاريع العنصرية والتصفية العرقية خلال قرن كامل دفع بالشارع الكردي إلى تكريس حالات أتسمت بالسلبية الفكرية والمعرفية، نتيجة للتقليد السياسي في الشرق الأوسط، والدوائر المغلقة حول الحركات التحررية التي تأثر بشكل مباشر في التقلبات العالمية الناجمة عن الحرب العالمية الثانية ونتائجها والحرب الباردة وصراع القطبين وموالاة الحركات التحررية لليسار والاشتراكية السوفيتية التي انهارت، بعد أن خلَّفت أنظمة استبدادية تفرعنت جميعها بالشكل الذي وصل إليه الشيوعيين أيام ستالين،  وثبتت الأنظمة الحاكمة في الدول التي احتلت بلاد الكرد، وجودها وقوتها وهيمنتها، في الوقت الذي فصَّلت الأحزاب التحررية وجودها وتحركاتها وفق هذه المنظومة بعضها كرست علاقتها مع أنظمة أخرى تحتل جزء من كوردستان ظناً منها أنها ستلقي الدعم لاستمرارية المقاومة ضد النظام الآخر، الذي بدوره يتفق مع النظام الآخر عسكريا ًومخابراتيًاً ضد الوجود الكوردي، وهو ما أدخل الحراك الحزبي في معمعة، وفي المقابل أوجد نوع من المثقفين تكون مع كتابتهم رداءة ثقافية ومعرفية بحكم الظروف الأمنية الممارسة على كاهل المجتمع الكردي ككل، مما أختلط السياسي بالكاتب، والمثقف بالمناضل، حيث تكونت لوحة ونموذج خاص بالإنسان الكردي، قد يكون مفيداً في بعض المفاصل إلا أن السلبيات التي تكرست تحتاج إلى إزالتها بأدوات واليات متطورة تعتمد في مضمونها وشكلها على المعرفة والعلم والفكر الذي تخطى بطبيعته ما بعد حداثة الحداثة.، وباعتبار إن التشخيص الحالة الكردية بشكل صحيح يبدأ من هذه المعضلة والنقاط فإنه يمكن أن نستشرف الأدوات المطلوبة من التجربة النضالية الكوردية ونستدرك تبعاتها في مسألة الارتقاء بمستوى الخطاب وتجاوز المستنقعات التي زرعتها الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط.

 

2- نتفاجأ بهذا الكم الهائل من الشتائم واللعنات التي تنهال من هذا وذاك على بعض قنوات التواصل الاجتماعي، والأخص الفيس بوك، ألى يدفعنا ذلك للتساؤل، أننا كقيادات أو نخبة أو لنقل مثقفين، لم نستطع إيجاد رؤية موضوعية، واندفعنا لسباق الارتهان كل إلى فريق وبالتالي أدى ذلك لتفسخ ذهنية الجماهير وازدياد بلطجيتها، وشذاذها؟!

- عملياً أعتقد إن الشريحة الكوردية التي تتابع "شبكات التواصل الاجتماعي – الفيسبوك" وتتفاعل معها هي نموذج صغير للمجتمع الكردي، حيث إن الحالة التي عليها جماهير الفيسبوك ليس ببعيد عن الحالة المعاشة في الشارع الكردي، وبناءً على ذلك أعتقد إن الحالة التي عليها شارعنا الكوردي من تفكك في البنية الفكرية وغياب المعرفة وثقافة التسامح والرأي الآخر وسيطرة كيانات حزبية قسمت الشارع فيما بينها، ولم يكن المثقف ببعيد عن هذه العملية، إذ إن السواد الأعظم من الكتاب والمثقفين دخلوا في دوامة الاصطفاف الحزبي، ولعل من يتبع لكيانات حزبية دكتاتورية لا يمكن أن يساهم في تحرير المجتمع من المنظومة الكلاسيكية البالية، ولن يستطيع من صناعة الآليات المعرفية المطلوبة في عملية الارتقاء بالمجتمع.

إن الحقيقة بشكل كامل لا يمكن أن تكون موجودة عند طرف حزبي واحد، وهذه من البديهيات المعرفية والتنظيمية، إلا أن وجود ظروف استثنائية – وروج آفا نموذجاً - تفرض على الجميع التفاعل معه، ودعمه في ظل الظروف التي تعصف بالشرق الأوسط، إن من مهام النخبة أو المثقف والكاتب والإعلامي أن يكون صوت وقلم ونداء وصرخة شعبه في حالات الثورة الاضطرارية، وإن وجدت بعض السلبيات والأخطاء إلا أن ذلك لا يجب أن يقف عائقاً أمام مناصرة الشيء المحقق، فلكل ثورة سلبياتها وإيجابياتها، ولكن المهم هو ما يتم تحقيقه، وعادة تكون في الحالات الانتقالية هناك أخطاء وسلبيات إلا أن الإسراع في تحقيق الاستقرار وحده يضمن تطور الحالة وتحصينه ودمقرطته.

 

3- تتسابق الأحزاب الكردية السورية إلى تبني مطلب توحيد الخطاب الكوردستاني، في حين نجد أن التوجهات العملية تتنافى مع هذا المزعم، برأيك ما هي أهم الأسباب في تشظي طاقات الشباب وانغماسهم في مستنقعات التهاتر الفئوي، وخروج البعض منهم ليغدو قعيد الجدران دون أي عمل يعمله، وما الحلول المتأخر طرحها، في ظل الوقوف حول التوحد أو الاتحاد بمنهجية وعمل، لتجاوز كونه شعار برّاق؟

- الصراعات والحروب بطبيعتها تخلق ظروف وكيانات وأطراف لم تكن موجودة من قبل، كما إن التجمعات والأحزاب السياسية السابقة إن لم تتكيف مع التغيرات ستكون في حالة صراع وفوضى دائمة فيما بينها ومع محيطها، ولن ترتقي إلى مستوى تجاوز الخطاب الكلاسيكي والتحرك الفردي والشمولي المقيت. ولعل أهم عوامل التغيير في الظروف الاستثنائية التي تمر بها الحالة الكوردستانية هو تطوير حركتها التحررية سواء خطابها السياسي أو طبيعة هرمها التنظيمي بحيث يتفاعل مع الأحداث أكثرة وبجدية بعيداً عن تأثير الدول التي تتقاسم كوردستان، وهو بطبيعة الحال يحتاج إلى ظروف وعوامل سياسية وعسكرية وتنظيمية.

فالحروب البينية والاقتتال الأخوي الكوردي خلال التسعينيات أثر بشكل مباشر في إدخال يد الدول المحتلة في خلق حدود وصراعات كوردية – كوردية، في الوقت الذي تطلَبَ وحدة الصف الكوردي وتوجيه بنقديته وطاقته وإمكانياته لمقارعة الأنظمة الاستبدادية، بينما الدولة المحتلة لكردستان متفقة إستخباراتياً لضرب الأطراف الكردستانية ببعضها، في الوقت الذي يظهرون وجود خلافات في السطح وبالمقابل اتفاق من تحت الطاولة على قمع التحركات التحررية الكوردية، بعكس الأحزاب الكوردية التي تختلف في العلن والسر.

لعل المطلوب أمام هذا الواقع المؤلم هو وحدة الصف الكوردي في العمق، وإظهار الخلاف السياسي السطحي في العلن، وبناء علاقات إستراتيجية عميقة في السر. وهذا يتطلب صدق تحرك الأحزاب الكوردية.

 

4- ماهي الخطوط الرفيعة التي ينبغي على السياسي الناجح شدها ما بين النقد والتهجم، فالنقد معيار يستقيم مع العقل على عكس التهجم الذي يزيد من تشنجات الطرف النقيض، في ظل التستر على العقلية الأبوية الزعاماتية ببهرجات لغوية أشد تشدقاً بمزعمي الديمقراطية أو الكردياتية؟!

- من يخون شعبه لا يمكن أن تستخدم معه معايير النقد الطبيعي، فالنقد أداة يستخدمها الكاتب في الكشف عن السلبيات التي تدفع بالجهة المنتقدة لإصلاحها، بينما استخدام النقد الطبيعي مع الخيانة لا يمكن أن يأتي بالنفع، المسألة لا تحتاج إلى الخيار الرمادي والذبذبة، لأننا في زمن الثورة والتحولات الكبيرة، فالناقد السياسي يجب أن يكون جريئاً في نقده إلى ما بعد اللاذع، وأن يضع النقاط على الحروف دون خوف، لأن قول الحقيقة مسؤولية على عاتقه طالما أن نقده يدخل في خدمة الشعب والقضية.

لا يمكن لمن يسرق قوت الناس وأموالهم ويستخدمها في شراء القصور الفخمة حول العالم وفي المقابل هناك طبقة تختنق من الجوع أن نخفي ذلك بحجة إنه يملك السلطة والسلاح والمال، سأورد مثال آخر أكثر توضيحاً: قضية نقد حكومة لارتكابه أخطاء في مسألة ما أو مؤسسة أو شخصيات عامة من أجل دفعه إلى الإصلاح، هو أمر صحي وطبيعي، ولكن في الحالة الكوردية هناك مشكلة كبيرة حيث أطراف وشخصيات تخدم الأنظمة المحتلة لكوردستان ويتم استخدامهم ضد تحرك ثوري كوردي، فهنا تكمن المصيبة العظمة. فهل الخيانة تعالج بالنقد مثلاً، أعتقد لا ؟؟؟

 

5- مالذي يبقي على المنظومة الأبوية المتفشية بفظاظة في عموم الشرق الأوسط والعالم العربي، ألا يعود ذلك للأديان عموماً، في كونها حافظت على هذا الأرث من تكريس طاعة ولي الأمر والامتثال الأعمى له؟!، لينتقل هذا العرف لذهنية المنظومة الشمولية التي بدورها رعت ذلك وعلى نحو راديكالي (ثوري، اشتراكي) .؟

- تكوين المنظومة الدكتاتورية بطبيعتها ناجمة عن ظروف وبيئة تساعدان على ترعرعها، فالتخلف الاجتماعي المتسلسل من عادات وتقاليد كلاسيكية كرست بدورها مجتمع يعاني من طبقات متفاوتة، يتحكم فيها المقتدر سواء كان مالكي المال أو السلاح، يمكن شرح صورة مصغرة للحالة، حيث القبيلة التي تتبع لشخصية تحكم فيها هي الصورة النمطية لرئيس وحاشيته يتحكمان بالشعب ومقدرات البلد، واستغلال الطغمة المقتدرة لشعور الشرائح المجتمع سواءً كانت قوموية أو دينية وحتى اجتماعية.

وأيضاً مراحل تطور المجتمع يحتاج إلى بيئة وظروف تساعدان على تطويره، فالمسألة ليست بجرة قلم أو مقال تراجيدي.

مثال: المجتمع الغربي في القرون الوسطى كان يعاني نفس الحالة التي تعانيها البلدان الإسلامية، حيث سيطرة شريحة استغلت حاكمية الكنيسة، وطبقت قوانين وأفكار تمتاز بالمنظومة المشابهة للأنظمة الشوفينية في بلداننا، ولكن كيف تحررت وكيف تطورت الدول والشعوب الغربية؟، هنا تكمن القضية، وما هي الوسائل والأدوات؟، وهل القوى الدولية تساعد على ذلك؟.

أعتقد إن نصف مشاكلنا في عدم تجاوز المراحل البدائية في تنظيم الحياة السياسية والثقافية هو عدم وجود ظروف الملائمة. مثال: الثورات التي تقام في بلداننا تفشل في إجراء التغيير وتطوير المجتمع والأنظمة، لأن هذه الثورات ليست لها برامج ومشاريع حقيقية كما الأنظمة التي تستمر في وضع قبضة يدها حول التمسك بالحكم. وهو ما يتطلب فوضى وحروب أهلية حتى يتم إجراء التغيير، والحالة اليمنية والسورية والليبية والعراقية من قبل والتركية فيما بعد نماذج حية.

 

6- قطبا الزعامة(الأوجلانية، البارزانية) في ذروة تنافسهما، وتصارعهما الإعلامي، إلى أين تتجه البوصلة تحديداً في غربي كردستان، في ظل التوازن الأمريكي في مراعاة الأحلاف الاستراتيجيين والجدد، هل الكرد برأيك من الممكن أن يتوحدوا في ظل هذه التناقضات التي تعم المنطقة برمتها، رغم الخلافات الحزبية المتمثلة باختلاف تلك السياستين؟. ماهي قراءتك لما يحدث؟!

- ذكرت في محفل الرد على سؤال السابق حول هذه النقطة الهامة، ويمكن التوسع أكثر.

العامل الإقليمي له التأثير المباشر في منع توحيد القوى الكردستانية، إلى درجة خلق هوة عميقة بين القوى، لدرجة طرف يرفض أن يتكرر النموذج الدولة القوموية القبلية، ويعتقد إن قيام دولة كوردية بالشكل الذي أقام فيها العرب والأتراك والفرس دولهم هو تكرار للتجارب الفاشلة ومصيرها الخراب والدمار.

وفي المقابل يجد الطرف الآخر إن الحل يكمن في دولة قوموية، ويكون هذا الطرف –الحزب- هو الحاكم فيها، على شكل الأنظمة الاستبدادية التي حكمت وتحكم بلدان الشرق الأوسط، وتقتل شعوبها من اجل البقاء في السلطة كما هو الحال في سوريا وتركيا وإيران وقبله العراق، ومعظم دول العالم الثالث.

أمام هذين المشروعين ودون وجود خطوط عريضة متمثلة بمؤتمر وطني كوردستاني، واتفاقيات بين الأطراف الكوردية من شأنها تضمن قوات دفاع مشتركة، لن تجد الحلول طريقها لتوحيد الصف، والحل الثاني يكمن في ضغط القوى الكبرى على الأطراف الكوردستانية، وإجبارها على الاتفاق، وتجربة إجبار الديمقراطي الكوردستاني والإتحاد الوطني الكوردستاني في إقليم جنوب كوردستان واتفاقهما على توزيع الثروة والمناطق وتشكيل منطقتين ضمن إقليم واحد بعد حرب دامت لسنوات راح ضحيتها آلاف الشهداء من العسكريين والمدنيين، حيث ثبت فشله هذا الحل الذي لم يجد حلولاً جذرية لوضع الإقليم خلال 25 سنة.

 

7- ما سبب غياب شخصية ابراهيم كابان كأديب، لصالح بروز كابان السياسي، هل من مؤشرات للعودة لقضية الإنسان وبلون أكثر رحابة، بعيداً عن جبهات الوجع السياسي المتخم بالخيبة؟!

- لعل الحاجة للتوجه نحو تغيير أسلوب وأدوات النضال الثقافي في سبيل القضية هو الذي شدني بطبيعته إلى توجيه دفة القلم من النتاج الأدبي إلى السياسي، ويعود الأسباب إلى الحالة الكردية الثقافية التي لم تتجاوز محنة التبعية للدوائر السياسية الحزبية الكردية.

في البداية كنت أكتب القصيدة الحرة بأسلوب رمزي لما كنا نتعرض له من تهديدات وضغوط أمنية شديدة في ظل النظام البعثي الشوفيني، ثم استطعتُ تكوين أسلوب أكثر تطوراُ يميل للثورية، إلى درجة تيقنت ضرورة تطوير نتاج القلم من الشعر إلى كتابة المقالات، ومن ثم الاختصاص في النقد والتحليل كما هو الحالة التي أكتب بها الآن، التحليل الإستراتيجي والقراءة السياسية التي لاقت رواجاً جيداً من خلال الصحافة المصرية والكوردية.

ولكن تلك الروح كأديب لم تفارقني وظلت تكبر في قلبي ومشاعري وأحاسيسي، ولعل إحدى نتاجاته بعض القصائد التي سترى النور تحت مسمى (على الرصيف) محاكاة ثورية عن روج آفا.

وأعتقد إن التمازج بين الكتابة السياسية والأدبية ضرورية لكاتب ثوري جعل من قلمه صرخة يعبر ثورة شعب.

 

8- بالعودة لنمط الالتزام بقضايا الإنسان ومعاناته، أين يقف الأدب اليوم، هل استطاع الخروج من ربقة الخطاب الإيديولوجي الثابت، هل بالإمكان بروز اتجاهات فنية جديدة إن على صعيد الأدب أو الفن في الواقع الكردي، في ظل الهيمنة الإيديولوجية بطرق كلاسيكية على الجماهير برمتها، أين يجب على الأديب الكردي أن يقف؟!

- شعبنا يقود ثورة، وهناك مقاتلين شجعان يفدون بأرواحهم في سبيل شعبنا، وإن اختلفنا مع خلفياتهم الإيديولوجية إلا أن تلك الروح الفدائية التحررية هو إلهام الذي ينبغي الالتزام بمناصرته في الوقت الحالي.

كما إن الصراعات الحزبية الكوردية خلقت أجواء سلبية مقيتة في الساحة وخاصة مع تطور الإعلام وتحويله إلى مؤسسات لجذب الأقلام، وبما إن تلك المؤسسات تابعة ضمنياً لمحاور سياسية فإن مسألة جذب الكاتب والمثقف إلى تلك الدائرة يجرد منه قيمته ككاتب مستقل، لأن المال السياسي والإعلامي سيكون هو الموجه والحكم.

نحتاج إلى إعلام مستقل يفسح المجال أمام الكتاب والمثقفين في الإبداع، والتنوير والاستفادة من تجارب الفكر والثقافة العالمية، والشعوب التي سبقتنا في تطوير مناهجها المعرفية.

الاهتمام بالكتاب والجرائد الثقافية من خلال فتح دور للفعاليات الثقافية والفكرية المتعددة، والتواصل مع الدول المتقدمة سيكون دفعاً قوياً باتجاه إيجاد سبل واليات علمية وموضوعية في تطوير الفكر والثقافة والمعرفة والعلم.

الفن والفلكلور الكوردي غني بالتراث، ولدينا ميراث كبير في هذا المضمار رغم طمس هويتنا من قبل الأنظمة المحتلة.

 

9- ماسبب ابتعادك عن الكتابة باللغة الأم الكردية، في ظل التطور الذي تشهده الثقافة الكردية في واقع غربي كردستان، وهل من عودة للكتابة بها والتعبير عن آلام الإنسان الكردستاني عبرها؟

- مبدئيا نحن في خضم ثورة مهمة للغاية تحتاج منا ككتاب ومثقفين إلى استخدام الأدوات السلسة في التواصل والتفاعل وإيصال المعلومة بأسرع سبل ممكنة إلى المتلقي، ولعل الشريحة العظمة من الكورد في سوريا يتقنون اللغة العربية قراءة وكتابة، بسبب منع اللغة الكردية خلال السنوات الماضية قبل انطلاقة ثورة روجآفا، وتشكيل الإدارة الذاتية الديمقراطية وتكريسها تعليم اللغة والثقافة الكوردية في روجآفا وشمال سوريا. كما إن طبيعة التفاعل المتلقي له دور كبير في لغة كتابتنا، أنا مثلاً أتقن الكتابة والقراءة بالكوردية كما هو الحال في العربية، وأكتب أحياناً باللغة الكوردية، في ظل الإقبال ضعيف جداً على قراءته في شبكات التواصل الإجتماعية، ولعل المراحل القادمة من التطورات سيتطلب الكتابة بالكوردية أيضاً وسنكون قد طورنا أنفسنا أكثر في هذا المجال.، ولا ضير في استخدام أية لغة عملياً في هذه المرحلة المهم أن تصل المعلومة والأفكار بسرعة وبشكل واسع.

 

10- أخيراً لا يسعنا سوى شكرك على جهودك، والتي نتمنى لها دوام التطوير والترقي، كلمة أخيرة تود أن توجهها؟

- طريق الحرية يحتاج إلى تضحية، قد نعتقل ونجوع ونقتل إلا إنني مؤمن بانتصار الحقيقة في المحصلة، كوردستان لن تتحرر إن لم نصارح أنفسنا ونصلحها بالحقيقة، وننشد الحرية، ونبلغ التخلف الفكري والاجتماعي والمربعات السياسية المغلقة، علينا أن نجعل الأحزاب وسيلة لتحقيق أهداف شعبنا، وللحرية باب حمراء سندفع ثمنه من دمائنا وصرخاتنا..

 

وفي الختام أشكر جهدكم وأتمنى لكم الموفقية في نضالكم الثقافي الذي سيكون هو الرصيد والكنز الكافي في نهاية المطاف.

 

 

أعد الحوار: ريبر هبون