ابراهيم اوحسين424 داليا الحديديفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الكاتبة داليا الحديدي، وحوار شامل وصريح أجراه معها الكاتب والأديب: ابراهيم أوحسين، فاهلا وسهلا بهما فيالمثقف.

الكاتبة داليا الحديدي: معنى النجاح في شرعتي يرادف القيمة بمعناها الحق لا الانتشار فحسب.

ابراهيم أوحسين: لم تجرفها سرعة الحداثة، ولم تؤد فروض الطاعة والولاء لمن سبقوها لحمل القلم وتسطير لواعجهم، ولم تحركها إغراءات الفضاءات الرقمية التي تقدس تكثيف الرأي واختصار الفكرة؛ إنما كتبت وتكتب بما تمليه وتفرضه صروف الحياة التي تأبى إلا أن تشيّد لكل فرد منا بيت أحزان. إنها الكاتبة المصرية المتألقة "داليا الحديدي"، المبدعة التي قبلت فتح قلبها لمنبر المثقف بكل أريحية؛ وكان هذا نص حوارنا معها كاملا :

س1: ابراهيم أوحسين: قال عباس العقاد: " للإنسان ثلاثة تعاريف: الإنسان كما خلقه الله، والإنسان كما يعرف نفسه، والإنسان كما يعرفه الناس"، فمن هي داليا الحديدي من بين هاته التعاريف؟

ج1: داليا الحديدي: بداية، أشكر مجلة المثقف لإتاحة الفرصة للتواصل مع قُرَّائها، وفيما يتعلق بالسؤال، فصدقًا لم أكن يومًا عبدة تعريفات، إذ لم تكن تعنيني من حيث هي، بقدر ما كنت أسعى سعي احتياج لمعرفة نفسي للبحث عن الجانب الماضوي فيها أو بالمصطلح الانجليزي: I was digging into myself

وللحق فقد أضطررت لمعرفة نفسي لغرض نفعي، نتيجة لمُلحة كانت تدفعني لمقاومة وطرد الفشل، أضف لذلك أن معرفة الإنسان لحاله هي أحد الخطوات في درب معرفته لربه. إذ كيف يعرف الإنسان ربه وهو يجهل نفسه أو لم يفكر فيها من الأساس، سيما أننا نعيش في مجتمع يصنف المفكر كمهنة. فقد اتفق الناس ووافقوا أن هناك من هو معنى بالتفكيربالنيابة عنهم، وعليهم الرضوخ وقبول ما فكر فيه كبار المفكرين!

وللتعريف عن نفسي فأنا من أسرة مصرية ولدت ونشأت في العاصمة رغم جذوري الصرف الريفية، وقد فوجئت أن أسرتي ككثر من الأسر في مجتمعاتنا العربية تتباين فيها المستويات الإجتماعية والمادية تباينًا فاقعًا، لكن المدهش أنهم يتقاربون ثقافيًا.

والدي كان طيارًا حربيًا، وقد لمست الصعوبات الحياتية اليومية التي عانتها أسرتي لإحداث توازن بين مستواها المادي المتوسط ونظيره الإجتماعي المرتفع نوعًا، ما فسر الطبيعة العملية الصرفة للبعض من أفرادعائلتي، فعلى سبيل المثال، فالليمون في بيتنا لم يكن يُعتصر، بل كان يُعض عليه بالنواجز، بالقواطع بل وبالأنياب. فأي قطرة تضيع منه هي بمثابة ضياع فرصة أو خسران مبين أو تفريط في مال يعتازه افراد العائلة لأن المصارف متنوعة، سواء لتلبية متطلبات العيش الكريم أو للتعليم والصحة بخلاف المجاملات والطوارئ والظهور بمظهر يتكافئ مع المكانة الإجتماعية التي تكافح العائلات لعدم التفريط فيها.

في ظل هكذا تحديات تواجهها أسرة مصرية، يكاد يتلاشى الوجود البارز لدور الثقافة او الكتاب أو الفنون، اللهم الا لمجارة المجتمع في محفل ما.

لكن بالمقابل، كانت عائلتي تولي عناية حقيقية بالتعليم النظامي لأنه في شرعتها مضمون، "إن تذاكر.. تنجح"، لكن يبدو أن الثقافة بالمعنى الدقيق كانت تُعامل كترف أو كماليات تعجز ميزانية الأسرة عن تكبد كُلفتها، فبيتنا على سبيل المثال كان يفتقرلمكتبة، بل مجرد "نيش" صغير تُصَف به بعض الكُتب التي تُعد على الأصابع من بينها كتب المكتبة الخضراء، فيما تضم أدراجه بعض الكراسات القديمة وبعض الهدايا والتذكارات بخلاف اللعب والكراكيب والصور، كما لم يكن هناك حرص على حضور المسارح أو الحفلات الموسيقية أو الندوات الفكرية إلا اليسير منها، فميزانية الأسرة لم تكن تسمح بهكذا ترف إلا في حدود ضيقة.

عادة ما قد تنبئ او يتوقع ثمار العلم من بيت تزرع فيه بذور الحكمة، إلا أنني لا استطيع الإدعاء اني سليلة بيت كان يُعنى بالثقافة والآداب والعلوم بشكل مُتأصل وإن كان يُقدرهم –كقيم- كل التقدير. لكن لم تكن بيئتي تمهد لميلاد كاتب أو أديب، رغم أن الأديب عبد العزيز سيد الأهل المستشار الثقافي السابق لمصر بلبنان والأستاذ بمعهد الدراسات الإسلامية ذو الثمانية والسبعين مؤلفًا، والحاصل على نيشان المعارف من الطبقة الأولى (لبنان 1959)، هذا الأديب الكبير كان من قرابة عائلة والدتي. لكن عدا عنه، كان كثر من أفراد عائلتنا يعملون بالتجارة.

 بالمقابل، أذكر أن أمي أنفقت من وقتها في تعليمي ثلاث لغات، ولن أنسى ما حييت يوم كنت أمية لا أضع سوادًا في بياض، وكانت تضع يدها فوق يدي وتنقش على الدفتر:

 A Majuscul

a miniscule

او يوم علمتني قاعدة نحوية فرنسية

Deux verbes qui se suivent, le deuxieme se met a l’infinitif.

أعود فاقول، إن القراءة لم تكن طقسًا يمارس في بيتنا، فوالدي كان مريض ضغط -ربما بسبب الطيران- وحينما وجدته يوما يقرأ رواية، أطريته، فاستوقفني قائلًا: للأسف يا داليا، أنا لا أعتبر نفسي قارئا جيد، فمتابعة كتاب تصيبني بالصداع الشديد وحتى قراءتي تكون على نحو ال Skipping ، أي القراءة السريعة، ولكم أكبرت فيه خصلة عدم الإدعاء الزائف ولكم استوقفني صدقه معي ومع نفسه. أما والدتي فلم يكن لديها من الأساس وقت للإطلاع رغم شغفها بالعلم، كما أخبرتني مرارًاأنها لطالما كانت تقرأ في الصغر .. هذه البيئة فسرت لي لماذا تهت طويلًا في الدرب.

- تعلمت في واحدة من أرقى مدارس مصر "المير دي ديو" وهي مدرسة فرنسية، وملء قلبي إمتنان لكل من علموني. لكن هل التعليم في مصر يساعد الطالب على معرفة نفسه أو يعينه على اكتشاف مواهبه؟

أحسب ان الإجابة معروفة سلفًا، لكن على أية حال، بالنسبة لي، ربما كانت مدرسة اللغة العربية "مدام سميرة" هي أول من نبهني لتميزي في الكتابة، حين منحتني تسعة ونصف من عشرة في مادة التعبير، سيما عندماأخبرتني أنها كانت على وشكمنحي العشرة كاملة اللهم إلا لخطأ املائي ..وفي العام ذاته، منحتني "مدام جورجت" مدرسة الفرنسي أعلى نمرة حازتها طالبة في التعبير الفرنسي، بل وقرأت ما كتبت على زملائي في الفصل، ولا انسى"مدام ليلى" وكانت تدرس لي الفرنسية في الصف الخامس الابتدائي.و أذكر أن فرط انسانيتها كان مثيلًا لما قرأت عنه في أشعار "جبران" فقد كانت بلسمًا على هيئةإنسان بكل ما تعنيه الكلمة.

لكم يؤثر فينا من علمونا.

قلبي عامر بالإمتنان لهؤلاء ولكل من نحت وجداني وأثقله بإهدائي من خيريته ولكل من صدق أن كل أخضر مهما كان غَرًا غريرًا سيثمر ذات يوم بالعناية والسُقيا والرفق.. لكنأحسب اني كنت بحاجة لجرس إنذار اقويلإرشادي للإستمرار في مسار الكتابة حيث كنت بطيئة البديهة وقليلة الثقة بقدراتي، لدرجة ان والدي سألني يومًا: ماذا تفعلين؟

فاجبته: لقد انتهيت للتو من قراءة "الأيام" لطه حسين

فقال: استحالة

المدهش أني صدقت "استحالة" أن أكون قرأت كتابا لعميد الأدب العربي وأنا دون الرابعة عشر.. فقد أعدمت التقدير من الأهل في وقت ما، ما جعلني أفتقر للثقة في أن مثلي يستطيع القراءة لكاتب كبير، ناهيك عن استيعاب مراده. إلي ان جاء يوم كانت أسرتي تجري تجهيزات استعدادًا لاستقبال ضيوف كبار، وكانت هناك سفرجي من "جروبي"يساعد والدتي، كما كنت أساعد بنفسي كون السفرجي يجهل أماكن الصحون.. وحين طلبت مني والدتي احضارغرضًا من غرفة الطعام، ذهبت لإسعفها لكني فتحت الدرج الخطأ، وإذ بي أجد زُهاء ثمانية كتب لأسماء كبار:"يوسف ادريس، إحسان عبد القدوس المنفلوطي، توفيق الحكيم وغيرهم...، " فوقع بصري على "الطعام لكل فم" للحكيم. لكن سرعان ماأغلقت الدرج وعدت أدراجي لمساعدة والدتي دون إخبارها بضالتي.. وبعدما انفض الجمع ومضى كل إلي غايته، عدت لغرفة الطعام وانتزعت الرواية من مخبأها والتهمتها في أيام، لكن لم أُطْلِع والدي على اطلاعي على هذا النص خشية التشكيك في قدراتي. لكن أمام نفسي، تيقنت من أهليتي وقدرتي على مطالعة الأدآب وأنه ليس بالصعوبة التي قد يُعتقَد أنه عليها.. وقد وصلني الحكيم للمنفلوطي ثم قادني الأخير لجبران وبدوره، سلمني جبران لأبي ماضي ومنه للعقاد ثم لغابريل غارسيا مكاركيز ومن ثم لبلزاك ولايزابيل الليندي وصولًا لجورج اورويل وهكذا دواليك، كاتب يرشدك لأخر وأديب يفتح لك أفاقًا لمعرفة المزيد من المعارفومن ثم معرفة نفسك، وشيئا فشيئا تكتشف أن ذهبك تحت طينك – فقط- إن أجدت التنقيب لاستخراجه من منجم الدرج بغرفة الطعام، لتكتشف في نفسك موهبة القراءة التي قد تساهم في أن تجعل منك كاتبًا أو أديبا.

لا أنكر صعوبة البدايات، لأن الخيارات تكون على مصراعيها أمامك وأنت وحدك عليك التنقيب في نفسك للتعرف على موهبتك، ثم كيف ستستخدم تلكالموهبة الخام لغزلها ونسجها وتكوين منتج رائج وقيّم منها، أقبل عليه الناس أم زهدوه، علمًا بأن كلمة موهبة بحد ذاتها كانت تحتاج لتفسير في الصغر. فلقد عشت زمن التلقين وقد أدخلوا علينا أن النجاح يعني الحصول على علامات نهائية للالتحاق بكليات قمة تسعفك للتعلق بوظيفة تؤمن لك بدورها راتبًا مقننا، وتحقق لك استقرارًا ماديًا يحول بينك وبين التسول .. وأزعم أن عملية الانسلاخ من تلك المفاهيم لم تكن هينة، أما التحقق نفسه فلم يكن مطروحًا أو مأمولًا أو مفهموًا من أساسه. بل لم يكن لدينا الجرأة على أن نحلم حلما مضفر بالرجاء ومعقوص بالطموح في جديلة سمراء متماسكة وطويلة .. لذا فمن الطبيعي أن أكون عشن ضمن الجوقة الذين ضلوا الطريق بكل ما تعنيه كلمة الضلال لفترة طويلة.. والمؤسف انك في صباح حياتك يتلبسك إعتقاد انك الوحيد الذيتعاني في معركة البحث عن الذات، ثم ما أن تشب لتدق أبواب صيف الحياة، وإذ بك تفاجأ بنيران شمس التجربة تلحفك، فتدرك أن الكائنات معك غرقى فيبحر تموج أمواجه بملوحة عرق الكادحين الذين ينقبون فيأنفسهم عن كنوز أودعها الله فيهم فيها صرة المواهب ..واحسب ان صدق الانسان مع حاله يجعله يناهض فكرة التميز المزيف باي شكل..فيرفض ان يستمر في وظيفة لا تحققه أو هواية لا تشبعه، وسرعان مايهجرها ليستوطن نفسه.

لذا، فلربما لا أخجل اليوم إن اعترفت أني كنت من هؤلاء الذين جربوا مهن شتى وهوايات مختلفة كمحاولة لمعرفة هل ستناسبني هذه المهنة، هل سأعلق مع تلكم الهواية، علمًا بأني لست سريعة الفهم، كما كان دراكي في الصغر بطيء نوعًا وكنت سهلة التشويش أوؤمن على معتقدات الكبار، وأعول على فكرة أن الأهل يعرفون مصلحتك أكثر منك.

 لكني بنهاية المطاف ترسخت لدي قناعة أن الله وحده هو من له قدرات ربانية تجعله يعرفك بشكل أكبر، لكن يظل التحدي الأكبر هو أنه بالرغم من قدراتك المحدودة، فعليك أنت نفسك وبنفسك معرفة حقيقة نفسك كونها ستقودك لمعرفة أحق مع ربك.

 وتبت ألسنة الناس وتب، وما أغناك عما يعتقدونه فيك.فهؤلاء لم يعيشوا حياتك ولم يختبروا ظرفك ولم ينتعلوا حذاءك، كما أنهم لن يتألموا لأوجاعك ناهيك عن كونهم لن يصرفوا مليمًا لعلاج تلكم الأوجاع. فكيف تعول على رأيهم فيك؟!

س2: ابراهيم أوحسين: أنتم من الكتاب والمدونين الحاضرين بقوة في الفضاء الرقمي، وتحظون بمتابعة هامة. في رأيكم، ما هي بعض أسباب النجاح عموما في تلكم الفضاءات الافتراضية؟

ج2: داليا الحديدي: بالنسبة لي الفضاء الرقمي كان فرصة لنشر كتاباتي قبل أي شيء، وقد يكون معيار النجاح لدى البعض هو الانتشار المحقق للشهرة. لكن بالنسبة لي فلكم استهدفت أن تُقرأ أعمالي على نطاق واسع. على أن معنى النجاح في شرعتي يرادف القيمة بمعناها الحق لا الإنتشار فحسب. ودائما ما يحضرني قول رب العالمين في سورة الرعد:

" فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ۚ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ" (17)

فالمعنى القيم الخالد والفكرة الصادقة النافعة والمؤثرة في الناس هي معيار النجاح، سواءلاقت قبولهم أم عانت صدهم. ففي النهاية، لن يصح إلا الصحيح. ولن يبقى سوى القيم الذي ينفع الناس، أما عدد اللايكات، التعليقات والمشاركات فليست معيار للقيمة ولا يجب أن تكون علامة نجاح، فالمواقع الإباحية واليوتيوبات الساخرة وأخبار الباباراتزي تجد إقبال يفوقعشرات المراتأي موقع علمي أو منشور أدبي.

لكن بلا شك، فإن الفضاء الالكتروني أتاح فرصة ظهور الأعمال الأدبية والفنية للشباب ويسر لهم عرض مواهبهم وتعريف الناس بأعمالهم. لكن يظل معيار النجاح مختلف عليه، ففي حين يقيسه الرويبضة بمقدار اقبال الناس، يؤمن أخرون أن الأصل أن يقاس بتعاظم المنفعة الحدية للمنتج الأدبي أي بمقدار احتياج الناس لأن يعيش العمل فترة طويلة وأن يظل قائما بينهم لذلك يطلقون عليه عمل "قيم"، أي يظل العمل مرجعًا قائمًا، يُستند إليه حتى لو لم يطلع الناس عليه، فقد يوصي أب ابنه بدراسةأدب "ميخائيل نعيمة، فولتير، باولو كويلو، جوتة وغيرهم" دون أن يكون الأب ذاته مطلعًا على سطر مما كتبه هؤلاء، لكنه على ثقة بقيمةالذهب وإن لم يقتنيه.

ولن انكر ان المادة المكتوبة على وسائل التواصل تنتشر اكثر سيما لو تم مراعاة الإختصار مع إضافة الصورة الجذابة وأحيانا المصاحبة للموسيقى، لكون المنتج الفكري يعتاز لعوامل جذبلضمان اقبال الناس عليه .. وبالنهاية، هناك من يستخدم صفحتة لنشر مادة قيمة، فيما أخر يرضيه مجرد التواجد والفضفضة أو نشر صور أقدامه في الجبس بخلاف قائمة مصائبه درءًا للحسد، أو ربما يعن للبعض اختلاق واقع على قياسات محيط خياله لترضى وجوده الإفتراضي.

س3: ابراهيم أوحسين:  تأثر فن المقالة بمجموعة من الأجناس الأدبية الأخرى، فاستطاعت المقالة أن تخط لها مسارا من التطور والتحديث.كيف ترون تأثيرهاوجدواها في ظل ما نعيشه من جنون السرعة؟

ج3: داليا الحديدي: المقال مذ يوم أول لم يُخلق ليُخَلَد، فهو أشبه بخبر مطول لكن مشوب برأي الكاتب أو كما قسمه بعض النقاد إلى مقال ذاتي وآخَر موضوعي، فهو كما يعرفه الدكتور "ربيعي عبد الخالق":"أشبه بنفثة نثريةيفضي بها الكاتب فتكون لسان حاله، ومعرِض تطلعاته"، تماما كمنشورات الفيس بوك التي تحمل الكثير من الفضفضة وأحيانا "فشة خلق" .

ودعني أصرح لك أن الفضائيات ووسائل التواصل شجعت كل من لديه "كي بورد، وواي فاي"، على الكتابة دونما التقيد بدراسة فن المقالة، ثم دعني أصدمك إن نبا لعلمك أن عددًا لا بأس به ممن يكتبون المقال لا دراية له بالأجناس الأدبية الأخرى، ولا خبرة لهم بخط مسار تطور المقال ناهيك عن تحديثه. فالبعض يجد نفسه بإزاء فرصة، فليقتنصها، لذا، فقلما تجد روح علمية في بيئة المقال الحديثة، فالغالبية تضفي الطابع الذاتي، ومع هذا فالغريب انها تخلو في ذات الوقت من اختلاف النظرات الفردية الخاصة حيث ينتشر أسلوب اقتباس مشاعر الأخرين، وإستعارة رؤى وأفكار الأخرين، ونقل منشوراتهم أو ابداعاتهم دون العنعنات أو الإشارة لإسم المرجع ودون إضافة أو تحليل. ما يعني أن هناك من ارتضى أن ينعق مع الناعقين، أن يكون حصان عربة وعبد لأسلوب سواه، عوضًا عنأن يكون سيدًالأسلوبه نفسه..هذا ولم أذكر بعد ما آلت إليه اللغة، فهي تغرغر وتنازع مع أنافسها الأخيرة، حيث جرت عملية الإغتيال في قنصلية اللغة وبيد أبناء وطنها.

و كما أن الاخبار يقتل بعضها بعضًا، الخبر الحديث يقتل سلفه القديم، فكذا، المقالات صارت تقضي على بعض، وقلما يعيش مقال اللهم إلا إذا قام الكاتب بجمع مقالاته ونشرها في كتاب. فقلما نجد مقالًا يُترقب كمقالات الأمس، تلك التي تؤرق مضاجع الذاكرة وتحفر الوجدان كمقالات مي زيادة، العقاد، هيكل، أحمد أمين ومصطفي وعلي أمين والزيات والرافعي.

 أضف الى ذلك أن في السابق، كان المتاح أمام القارئ يقتصر على المقالات المحلية لكتاب الوطن. فيما اليوم، فلم يعد للمقال دوره في ملئ الفراغ الأدبي لدى القراء، فالسوق أرحب والتنافس بين بضاعة الفكر على أشده في ظل إمكانية الوصول لأشهر كتاب المقالات في العالم بكبسة زر واحدة، والتحدي أمام الكاتب شبيه بالتحديات التي تواجه زوجة سلطان سليمان وهي تعلم أن عدد الجواري لديه لا حصر لها، وعليها كما على الكاتب، جذب القاري وانشاء علاقة نسب فكري معه مع الأخذ في الاعتبار أن قارئ اليوم، يصنف كمثقف ملول يحتاج لجرعة مركزة ومحلاه من المادة الأدبية ليلتهمها في أقل وقت ممكن كونه ينشد التنقل بين الفضائيات ومطالعة اليوتيوبات واعترف أن هذا يُعدأحدـصعب التحديات التي واجهتني سيما وأني لأعلم ـني مفرطة في التدقيق ما يستدعي تفصيلًا واسترسالًا يحتاج لوقت القارئ.

س4: ابراهيم أوحسين:  يقول عطاء كفافي في كتابه المقالة الأدبية ووظيفتها في العصر الحديث: من الصفات التي ينبغي أن تتوفر في كاتب المقالة الأدبية، صدق إيمانه بما يكتب، وحرارة عاطفته لموضوعه، وخفة روحه في عرضه. ما رأيكم في هذا القول؟

ج4: داليا الحديدي: وهل يتوقع من مخلوق الإدعاء أن من الصفات التي ينبغي توافرها في كاتب المقال هي الكذب أوالتكسب والتقوت بالكتابة أوالإغراض؟ أتتوقع هكذا اعتراف غر من أي كاتب؟

أحسب أن ادعاء المثالية وارد، والتنظير بنظريات ضخمة او الترويج لمثل فخمة، أهين على الانسان من التطبيق، على أنالكاتب في قرارة نفسه يعلم أن الصدق بشكل عام وحرارة العاطفة وما ذكرتموه أعلاه هي نعوت إيجابية لا مراء فيها، لكن المحك في الممارسة. وإن أردت أن تسمع مني، فدعني انبهك الى أن ما يجب أن يتوفر في المقالة الأدبية هو: كاتب على درجة من الصدق مع الذات، بالاضافةلقارئ على درجة أعلى من الوعي كافية لنقد الغث من السمين.

س5: ابراهيم أوحسين: كتابك الموسوم ب "حكايات لباقي العمر" حوى القصة والمقالة والخاطرة، أكانت هذه التوليفة تحت قصد، أم إن القلم جرى مجراه دون نية مبيّتة؟

ج5: داليا الحديدي: كتابي "حكايات لباقي العمر" هو الإصدار الأول لي، وهو عبارة عن مجموعة مقالات منتقاه نشرت لي في الصحف على مدار عامين بخلاف عدد من القصص القصيرة والتي في مجملها نستطيع ادراجها في إطار توليفة لأدب النوستالجيا.

س6: ابراهيم أوحسين: نحت حكاياتك منحى استدعاء الماضي والسير بين دروب النوستالجيا، وكأنكم تعيشون ماضيا يأبى على مغادرة الذاكرة.. لماذا أغلب كتابات الأدباء تنحو هذا المنحى في نظركم؟

ج6: داليا الحديدي: يجب أن أعترف بكوني بدأت من حيث انتهى سواي من كبار الكتاب، فعادة ما يشرع الكاتب بنشر قصص وروايات، قد يقر بنسبها لبنات افكاره او ينكر نسبها لواقعه ثم قبيل اسدال الستار على حياته يشرع في كتابة سيرته الذاتية، في حين اني ولكوني شخصية "نوستالجيك" لأقصى الحدود، أنا من تلكم النوعية من البشر التي تعطر وسادتها بأطايب الذكريات قبل الإلتحاف بأحلام يقظة مفصلة على قياسات فكرية تناسبني، ادسها عمدًابينى الرؤى، نعم، أعيش اللحظة بكل ما فيها من حياة، إلا أني لا ألبث في استدعاء الماضي لأعيد معايشة المشهد باجترار الذكريات السعيدة والإستفادة من تجربة الأيام الصعبة.

وإن كان الماضي يأبي المغادرة.. ففي شرعتي، أجد نفسي أنا أيضًا أرفض طلاقه أو خلعه. على أني أجد حرجاً إزاء لتحدث نيابة عن غالبية الكتاب لرصد تجربتهم او لشرح اسباب تبنيهم لهذا النحو من الكتابة، ولكن دعني اسألك: كيف تفسر أنت تجاهل كاتب لأحداث حياته وهي ذخيرة تجاربه وكنزه ومعينه وزاده الذي يتمعيش به وبصلته التي يحدد تبعا لها صوابياته من زلاته؟

في اعتقادي، فإن أي إنسان كاتبًا كان اوحتى لو كان لا يعبأ بالأخبار، لا ينسى مرارة خبراته ولايتغافل عن حلاها ولا يجب عليه، فهي محفورة في جداريات الوجدان ومدونة بمخازن العقل، وبها نزن ونروز تجاربنا ونقارن بينها وبين سواها، ونتعجب من ردود افعالنا، وكيف كررنا أخطؤنا، ثم نرصد متى كففنا عن تبني نمط معين لسلوكنا، كما نحدد توقيت لحظة الإنطلاقأو نقطة التحول في الحياة ونتذكر من اختصرناهم ومن أقصيناهم في حياتنا ولما ..

إن الكتابة الذاتية هي بوح مقنن نكتبه بالأحباركما ننكتب فيه بهلام الذكريات، لننقرأمام العالم وأمام أنفسنا.إنها لحظة نقود فيها عجلة الزمن للخلف في لقطة حرفية على الورق، أو في قصة تستجمع فيها كل مواردك الإعرابيةللغوص في بحور أشعار أو مشاعر لامست طفولتك أو داعبتك مراهقتك حين كنتغر غرير .. هي كتابة شديدة الذاتية لكن لا يعدم فيها الكاتب الموضوعية إن أراد.

س7: ابراهيم أوحسين: قلتم في حكاية سيلفي مع فيروز : "أما أنا فأقول لكم: اركضوا وراء أحلامكم وعينكم عليها ساهرة ! ".

هل تعتقدون أن الشعوب العربية تستطيع أنت تحلم؟

ج7: داليا الحديدي: لن أتحدث نيابة عن الشعوب العربية ـو حتى الشعب المصري ولا يحق لي أن أقطع برأي عن سائر الشعوب. لكن يقيني يقين أن التعليم المتميز وشحذ الإدراك وإيقاظ العقول قادر على توعية الإنسان بحقه في الحلم وفي واجبه ازاء تحديد أهدافه والسعى لها سعيها.. أما أن يعيش أي فرد ولو أجنبي في بيئة لا توفر سوى تعليم نمطي، فهذا كفيل بطمسه من غرة رأسه لأخمص قدميه، لا طمس أحلامه فحسب..

وحتى لو أقررنا بوجود حالات استطاعت التغلب على واقعها وبيئتها كعميد الأدب العربي، فان الإستئناء يثبت القاعدة ولا ينفيها.

 فالحلم بحاجة لشخصية جسورة تدرك أن من حقها أن تعشق التفكير في الأشياء التي لم تحدث، شخصية حبلى بالكثير من التحديات والعناد لتحويل ما لا يحدث لشيء قابل للحدوث. شخصية لا تخشى رفض الأخرين أو إقصاء الأقربين الذين يتشدقون أن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وأمام أول اختبار، يطردونك بإسم المقدس.

أه لو كانت أمسيات الطفولة محفوفة بالمخاطرة ولو في الأحلام، ليعربدون فيها للوصول لأمالهم الكبرى.

 اما لو فعلوها الصغار، لما سهر الكبارليعاقرون الليل في الحانات، فليل الحانات محفوف بالمتزوجين كما قالت الإعلامية هالة شحاتة.

اما أن يعيش اطفالنا مقيدين بسلسلة احكام ومحاذيرمن خلال مجتمع يتمتع بسطوة تكره الطفل على فعل يخالف ما يؤمن به، او من خلال أبائية تفرض سطوتها في فرض ارائها على الابناء بدءًا من إختيار الملبس حتى التدخل في انتقاء مسار الدراسة وقبول او رفض عروس الابن، ابائية توازي ديكتاتورية الزعماء العرب لكنها منتخبة باستعانة المقدس لحيازة الولاء ومن ثم يسهل عليها تعطيل استخدام العقل أواعاقته، أوعلى اقل تقدير تحجيمه، فمن يعلن ولاءه لأحد، فإنه ضمنيًا يوكله حق التفكير والإقتناع عنه. وهكذا يقيد انطلاق الأبن بحيث نقنن له صورة النجاح ونرسم له أُطر التفوق الذي لا يعدو ان يكون التخرج بمجموع يؤهله لدخول كليات القمة والالتحاق بالسلك الجامعي أو بوظيفة مرموقة كفيلة بإستدرار النقد الوفير لاستحلاب دخل الإبن، لإعانة أهله ماديًا لتجديد المطبخ والحمام وتزويج الأخوة والتكفل بالمصروفات.

نفعل كل ما سبق دون أدنى شعور بكوننانأطر أبناؤنا في صورة نمطية ولا نسمح لهم بارتكاب أخطاء في دروب الحياة لاختيار جادة الحق أومسارات الضلال، كما لم نختارها نحن سلفًا.

 هكذا منتج انساني، قمينا يتجريد الطفل من جينات ابداعه، فأنّى يؤمل منه أن يحلم أو أن يحمل إبداعًا او إضافة للكون؟ّ!

 وأنا اشير بأصابعي العشر لإتهام الأهل لإصرارهم الكؤود لاستعمار شخصية صغارهم حتى حرموهم النضوج كبارًا، كما منعوهم الطيش في ميعة الصبا.

س8: ابراهيم أوحسين: حكاياتك حديث للذات عن الذات رغم ما تحمله من رسائل إلى المتلقي.هل كتابك الأول لبنة أولى من  مشروع كبير اسمه سيرة ذاتية؟

ج8: داليا الحديدي: لا أجد غضاضة في الإعتراف أني من هؤلاء الذي وصفهم أحدد الكتاب أن" قلوبهم مثقوبة برصاص الذكريات"، فالأخيرة حين تهب عليك، تفتك بك كعاصفة رملية عارمة، فتعشى عن الإبصار، لكن تظل بصيرتك نافذة لأهمية تدوين لحظة معينة أو مرحلة اوربما حقبة ما ساهمت بسهم حاد في إحياء حياتك.. وكثيرًا ما تكون تداعيات الذاكرة ضاغطة ككرة ثلج تنحدر وتتدحرج من أعلى نقطة في رأس الإنسان، حتى تسقط أسفل الورق بين ناظريه، فترمي لتحقق هدف في وجدان القارئ والكاتب معًا. لكن صدقاً، لم أشرع بعد في التفكير في سرد سيرتي الذاتية بشكل دقيق .. لكن يحدث أن تندفع للكتابة للتأريخ عن سنة قاسية، بعج أن يعيل صبرك أمام رغبتك في تدوين تجربة كنت فيها أسير تأثير جديد ينتزع منك كل ما عاهدت نفسك عليه أنِفَاً، فتنتبه لكونك عشت عقدًا كاملًا في سنة واحدة، تركزت خلالها الخبرات والأحداث كطالب وجب عليه دراسة منهج العام كله في ليلة واحدة.

وعلى الجانب الأخر، كثيرا ما عايشت أحداث أحسب أن القدر يرسلها لي كمستنطقات، بحيث اشعر أن لسان حال القدر يهمس لي:"هيا أيتها الغبية، لقد مررتها لك وما عليك الا تصويب الهدف، انقلي المشهد، قصًا ولصقأ او اضيفي من بهارات بديع بلاغتك أو أحذفي ما تشائين." فانا أفضل الكتابة عن الحدث مع حذف الأسماء تجنبًا لحرج أي طرف على قيد الحياة أو على قيد الذاكرة.

س9: ابراهيم أوحسين:  ما تقييمكم للتجربة الشبابية الأدبية في الفضاء الأزرق؟

ج9: داليا الحديدي: في اطار ما اطلعت عليه، أجد أن الشباب استغل الفضاء الأزرق نشدانًا للضوء، فالتجربة الشبابية الأدبية قد تَحَقْق لها التحرر في فضاء الفيسبوك، ما سمح لبقعة الضوء أن تنتشروتترابط مع العالم، كما تركت فرصة ل " لوتارية" الأمل في إمكانية حدوث انتشار للعمل الأدبي على نطاق واسعإن تمكن الكتاب الشباب من استخدام الفضاء الازرق بشكل واع ومدرك لفرص تبادل المعلومات والأراء، وواع كذلك لكون الخدمات المجانية خدعة وأن أرباح الفضاء الأزرق يتم تحصيلها من الإعلانات ونقل بيانات المستخدمين . عصارة القول، أن حتى الأدآب والفنون بحاجة لرجال أعمال على هيئة ناشرين أو معلنين.

س10: ابراهيم أوحسين:  تحديات نشر الكتاب الأول هي نفسها تتكرر أمام كل كاتب عربي. هل أنقذ النشر الإلكتروني في نظركم الكاتب من التأليف في الظل؟

ج10: داليا الحديدي: التأليف والكتابة قد يساهمان في إمكانية احداث تخليد أدبي للكاتب، فإن انتهي عمره لن ينتهي مداد كتبه. وعلى هذا، فتبنى المؤلف، عربي كان أو أجنبي لهذا الطرح يحرضه على اجادة منتجه الفكري بغض النظر عن دخول مبيعات كتبه في سباق "الأكثر مبيعًا". لكن قد يتمكن أحد المتفيقهين من إدارة حديثا أدبيًا يعلو فيه صوت حروفه الرخيمة بشكل يضفي صفة الحكمة على مفرداته، ما يعني أن النشر الالكتروني قد يساهم في تضليل القاري بعرض عدد غير متناهي من المواد المكتوبة والتي لا تنتقد من قبل المتخصصين او الناشرين، اضف لهذا ان التعويل على النشر الالكتروني غير مضمون فكما أن الفيديوهات ال  VHS لم تعد تستخدم، حتى بات هناك صعوبة لمن تزوج في تسعينات القرن الماضي من مشاهدة الفيديو المصور ليوم عرسه، فكذلك قد تحدث تطورات تجعل ما تم تجميعه في ملف ورد لا يمكن فتحه مطالعته بعد خمسين عامًا.لذا، يظل الورق ضمينا في عملية البقاء.

س11: ابراهيم أوحسين:  كلمة أخيرة لمنبر مجلة المثقف. 

ج11: داليا الحديدي: أخيرًا، أود التعبير عن سعادتي بإجراء هذا الحديث المطول مع مجلة المثقف .. كما أرجو ألا أكون أفصحت عما في ضميري في كثير من شطط الصراحة.

 

حاورها : إبراهيم أوحسين.

صحيفة المثقف – مدارات حوارية

27 – 10 – 2018م

 

274 نور الدين مبخوتيميلود لقاحفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الشاعر ميلود لُقاح وحوار شامل وصريح أجراه معه الشاعر الجزائري نور الدين مبخوتي ، فاهلا وسهلا بهما.

 

قال عنه الدكتور حبيب فياض: "هذا الشاعر الشاب من المغرب... عندما قرأت له تفاءلت بأن الشعر العربي مازال بخير. لا صورة له على صفحته وهو يرتدي ربطة عنق وبيده سيجار وعلى عينيه نظارة سوداء"، إنه الشاعر ميلود لقاح الذي يسعدنا أن نحاوره على صفحات المثقف.

ميلود لقــــاح

- من مواليد: 1971/09/16.

- شرع في نشر قصائده ومقالاته منذ 1988 في العديد من المنابر الوطنية (البيان الثقافي- بيان اليوم- العلم الثقافي - المنعطف الثقافي - حلول تربوية- الاختيار– مجلة كتابات – مجلة المشكاة- مجلة ضفاف-) والعربية: (مجلة الآداب: بيروت- مجلة الشعر وجريدة أخبار الأدب: مصر- مجلة الصدى و مجلة الرافــد: الأمارات – مجلة الفيصل وعبقر والمجلة العربية : السعودية- مجلة الكويت: الكويت- جريدة الزمان : لندن – مجلة كلمات: أستراليا ...........

- فاز بجائزة أحسن قصيدة سنة 1994 في المسابقة التي نظمتها جمعية منبر الثقافة المغربية .

- فاز ديوانه "أغنيات من حريق الحشا " الصادر سنة 2006 بالجائزة الأولى مناصفة مع الشاعر المصري عماد فؤاد في مسابقة طنجة الشاعرة (دورة بدر شاكر السياب ومحمد السرغيني) سنة 2006.

- ترجمت بعض أشعاره إلى الإنجليزية في مجلة كلمات بأستراليا، من قبل الأديب الراحل نويل عبد الأحد .

- يواصل نشر إنتاجاته الشعرية والنقدية في العديد من المنابر الورقية والإلكترونية .

- دُرست أشعاره من قبل نقاد أكاديميين منهم الشاعر والناقد الجزائري الدكتور يوسف وغليسي،والشاعر الجزائري الدكتور ناصر لوحيشي والدكتور جميل حمداوي من المغرب....

- شارك في ملتقيات شعرية وندوات في عدد من المدن المغربية.

- صدر له :

- "أغنيات من حريق الحشا" (شعر) – 2006

- عرس طرزته يد المجاز (شعر) 2010

- قراءات في التجربة الشعرية الجديدة بشرق المغرب – إعداد وتقديم – 2011

- أسلوب الالتفات في التراث البلاغي.

276 ميلود لقاح

نور الدين مبخوتي: خالفت بعض "التقاليد الأدبية" التي عرفت بها أسرة آل لقاح في المغرب، فاخترت في بداياتك، مطلع التسعينيات، نشر نصوصك باسم مستعار هو "ميلود الواعد" بإيحاء من الشاعر الراحل محمد الميموني كما أنك وضعت مجموعتك الشعرية الأولى: "أغنيات من حريق الحشا" بين يدي الشاعر والناقد الجزائري يوسف وغليسي كي يتولى شأن تقديمها إلى القارئ. هل يمكن اعتبار ذلك تمردا ورغبة في التميز وإثبات الذات بعيدا عن هيمنة الجماعة ؟

ميلود لُقاح: اختياري الاسمَ المستعار كان نابعا من قناعتي أن الأسرة لم تعد تتحمل شاعرا جديدا، وفي وقت كنت أبحث فيه عن اسم أنشر به نصوصي توصلت برسالة من الشاعر الرائد محمد الميموني- رحمه الله- سنة 1989 يصفني فيها بالشاعر الواعد قائلا: "إنك لواعد يا ميلود"، معبرا عن إعجابه بإحدى قصائدي المدورة وهي " القصيدة " التي تضمُّها مجموعتي الشعرية الأولى (أغنيات من حريق الحشا)، وكان عمري حينها تسعَ عشرة سنة. وما قمت به ليس جديدا على الساحة الأدبية والشعرية في المغرب؛ فهناك الشاعر الرائد أحمد المجاطي الذي عدل عن اسم العائلة (المعداوي) والذي احتفظ به شقيقه الشاعر مصطفى المعداوي، وهناك الأخوان العزيزان الشاعر محمد الميموني رحمه الله وشقيقه الشاعر أحمد بنميمون. وكنت، حين اخترت الاسم، أنوي ألا أكشف عن هويتي لأنني كنت أرغب في أن أكون بعيدا عن واقع الأدباء والشعراء لولا أنك اهتديت – أنتَ- إلى حقيقة الاسم الذي كان ينشر قصائده في صفحات الشباب إلى جانب نصوصك بسبب أخي الأكبر الشاعر عبد القادر لقاح الذي "باعني".

أما عن مقدمة ديواني التي دبجها بكل براعة الشاعر والناقد الجزائري يوسف وغليسي، فقد كنت أطمح إلى أن يكون كاتبها من غير المغرب، قبل أن أبعث المخطوط إليه، لأنني كنت أرغب في الانفتاح على التجارب العربية، وكنت منذ بداياتي أرفض التقوقع في أفق مغربي، وطمحت إلى أن أكون شاعرا عربيا، وهذا ما يفسر نشري جميع نصوصي تقريبا في منابر عربية في المشرق والخليج وأروربا وأستراليا (الآداب البيروتية والشعر المصرية والرافد الإماراتية الزمان اللندنية وكلمات الأسترالية......) في وقت كان النشر في المنابر المغربية يشكل تحديا كبيرا، خصوصا إذا كان الشاعر لا يستظل بحزب معين، ولا يُعرف توجُّهه الإيديولوجي. وكنت أطمح أيضا إلى أن أكسب أكبر عدد من القراء، وهذا ما تحقق بنسبة كبيرة ذلك أنني – بسبب تلك المقدمة التي لقيت استحسانا كبيرا ووصفها الشاعر محمد السرغيني بالمُحْكَمة، أقمت علاقات أدبية بعدد من الشعراء والمثقفين في الجزائر وغيرها. وهناك من كتب عن ديواني في الجزائر مثل الشاعر الدكتور ناصر لوحيشي ومن تناول مقدمة الديوان مثل الدكتورة روفيا بوغنوط في مقالها (الخطاب المقدماتي عند يوسف وغليسي) بالإضافة إلى رسائل جامعية.

 

نور الدين مبخوتي: توقف الناقد جميل حمداوي مطولا عند البنية الإيقاعية لديوانك "أغنيات من حريق الحشا" (الفائز بجائزة طنجة الشاعرة 2006 مناصفة مع الشاعر المصري "فؤاد عماد" عن ديوانه "بكدمة زرقا ء من عضة الندم")، واعتبرها سمة من سمات تميزه إلى حد أنها تذكرنا إيقاعيا بكتابات الشعراء الرواد ومن جاء بعدهم. لماذا هذا الاشتغال على الإيقاع العروضي وظاهرة التدوير بكثافة إلى حد أن ذلك شكل ظاهرة تستوقف كل من تناول هذا الديوان بالدرس والتحليل؟

ميلود لُقاح: الإيقاع يسكنني، ولا أتصور أنني سأكتب خارجه في يوم من الأيام. وفي بداياتي كان الإيقاع هو ما يشدني إلى نصوص الشعراء الذين كنت معجبا بهم بالرغم من أنني لم أكن أفهم كل ما أقرأه حينها، مثل أمل دنقل ومحمود درويش ونزار قباني وشعراء الجنوب اللبناني (محمد علي شمس الدين وشوقي بزيع وحسن عبد الله وجودت فخر الدين...) وكلهم يكتبون التفعيلي باحترافية عالية.... كنت مأخوذا أيضا بقصائد محمود درويش المدورة، ومن بعد اهتديت إلى شعراء آخرين يكتبون هذه القصيدة مثل الشاعرين المغربيين محمد بنيس وعبد الله راجع ومحمد بنطلحة في ديوانه الرائع نشيد البجع، والوالد محمد لقاح وغيرهم. لا أدري لمَ أُخذت بإيقاع التدوير ووجدتني أكتب أغلب قصائدي مدورة في وقت مبكر ومازلت. إنني مؤمن بقيمة الإيقاع العروضي في النص الشعري، وكل ما يقال عن الإيقاع الداخلي لا يقنعني.

 

275 ميلود لقاحنور الدين مبخوتي: الملاحظ عن ديوانك الأول "أغنيات من حريق الحشا" أنه ديوان قصائد بسبب تعدد تيماته (المرأة العائلة – المكان- الغزل........)؛ لكن الديوان الثاني "عرس طرزته يد المجاز" تحكمه بنية دلالية مشتركة، ورؤية موحدة فهو في مجمل نصوصه حديث عن الشعر/القصيدة/ الشعراء، فكل ما في الديوان يدور في هذا الفلك، بدءا من العنوان والعتبات النصية، بحيث أثبتَّ، في مستهل الديوان نصوصا شعرية لكل من الشاعرين محمد لقاح وأحمد بلحاح آيت وارهام تتمحور بدورها حول الهاجس المشار إليه آنفا. وفي السياق ذاته يصادف المتلقي في هذه المجموعة متنا شعريا يحتفي بأسماء شعرية مغربية كبيرة ويخصها بإهداءات مثل عبد الكريم الطبال ود مصطفى الشليح، بل في موضع آخر يتناص مع كتاباتها الشعرية على النحو الذي نجده في نص من ألواح عباس السجلماسي، بحيث يضع شاعرنا ميلود لقاح نصا آخر للشاعر حسن الأمراني نصب عينيه ليحاوره. ما هو السر الذي دفع شاعرنا ميلود لقاح إلى أن يحلق في دنيا الشعر والشعراء وهو الاتجاه الذي ألفناه عند شعراء الرومانسية العربية والغربية على حد سواء؟

ميلود لُقاح: هاجس فهم (العملية الشعرية) وتفسيرُها شعريا كان يستولي علي منذ قصائدي الأولى؛ فنتج عن ذلك إبداع قصائد تتناول علاقتي بالشعر ورؤيتي إليه، وتفاعلي معه ووصف عالمه كما أحس به. إنه عالم فريد وجميل جدا؛ لكن لا يستطيع أحد أن يعرِّفه تعريفا جامعا مانعا. وربما لذلك قال درويش: "لو كنت أعرف ما الشعر لكتبته كلَّه واسترحت". إن عالم الكلمات فاتن، وفي غاية الإغراء والصفاء فَتَنَني فخصَّصتُ له ديوانا كاملا هو " عرس طرزته يد المجاز" وما زال هذا الموضوع يأسرني، فقد كتبت أيضا قصيدتين " في حضرة إمارة العزلة " و" الحرف " تتناولان التيمة ذاتها.

 

نور الدين مبخوتي: ذيل الشاعر ميلود لقاح نصه "من ألواح عباس السجلماسي" بعبارة قصيرة جدا، أشار فيها أنه كتب هذا النص عام2003 مباشرة بعد قراءته لنص د حسن الأمراني. لوقمنا بموازنة أولية لتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين النصين. ما هو الثابث والمتحول في كلا هذين الخطابين الشعريين؟

ميلود لُقاح: قرأتُ قصيدةً لأستاذي الشاعر حسن الأمراني (أحد أعمدة الشعر المغربي المعاصر) في أحد الملاحق الثقافية، عنوانها "عباس السجلماسي ينشر ألواحه" طَبَعَها بطابع قومي بدا لي غريبا جدا عن جوهر النص، ورأيت أن موضوعها الحقيقي غزلي صرف، وأن رائحة القومية فيها لا تعدو كونها بهارا يخفي به الشاعر المخضرم حقيقةَ الموضوع. فكتبتُ على غرارها قصيدة غزلية اعتمدت فيها التوظيف ذاته الذي اعتمده الأمراني (عباس بن الأحنف وحبيبته فوز) والبحرَ ذاته، وذيلتها بالإشارة إلى قصيدته حتى لا أتهم بالتأثر به أو شيء من هذا القبيل. هذا كل ما في الأمر. تستطيع القول هي "شكل من أشكال المعارضة" لقصيدة شاعر أعتز بكتاباته.

 

277 ميلود لقاحنور الدين مبخوتي: المعروف عن الشاعر ميلود لقاح أنه يكتب قصيدة التفعيلة شأنه شأن باقي أفراد الأسرة وغالبا ما تأخذ قصيدة التفعيلة عندكم شكلا تدويريا. لكن إلى جانب ذلك تكتبُ نصوصا ذات نفس عمودي. وقد أثبتَّ في نهاية كل ديوان من دواوينه نموذجا يتيما من هذا النوع. صراحة أثارني هذا الترتيب فهو ليس بريئا بل ينم عن رسالة مشفرة على المتلقي أن يفك ألغازها. القراءة الأولى المحتملة تدل على أن شاعرنا يؤكد ضمنيا أنه يمتلك مقدرة لغوية أهلته كي يبدع قصيدة كلاسيكية ممتعة. القراءة الثانية لهذا الترتيب لقصائده فهو يخشى أن يتهم بالتخلف خاصة إذا علمنا إن الشعر المغربي الجديد ارتمى في أحضان الحداثة والتجريب وينظر إلى القصيدة العمودية نظرة ارتياب. أريد تعليقا صريحا على ماورد ذكره.

ميلود لُقاح: أنا شاعر مُقِل، وأحاسب نفسي كثيرا، ولا أنشر القصيدة إلا بعد رضاي التام عنها، وقصائدي العمودية التي أعتز بكتابتها كانت –آنذاك- أقل من التفعيلية، هذا هو سبب قلتها في ديوانَيَّ، وتواجد العمودي فيهما ينفي أن تكون لي فكرة سلبية عنه. أبدا القصيدة العمودية مازالت تحافظ على وهجها. وإنني بيني وبين نفسي أستصغر كل شاعر لم يمر عبرها كما مر الرواد ومنهم أدونيس (قطب الحداثة الشعرية العربية) ومحمود درويش ودنقل وغيرهم.

 

نور الدين مبخوتي: شخصيا لست من المتحمسين لترجمة أوقراءة نصوص شعرية مترجمة لأني ببساطة أفتقد تلك اللذة التي نجدها في النصوص الأصلية لكن ومع ذلك فأنا لا أغلق باب الاجتهاد؛ وفي هذا المجال أثمن مثلا ماقام به الأديب الفلسطيني الراحل نويل عبد الأحد حيث ترجم بعض أشعاركم إلى الانجليزية ونشرها في مجلة كلمات بأستراليا. ما هي هذه النصوص المترجمة وعلى أساس أي معيار تم انتقاؤها؟

ميلود لُقاح: كل ما في الأمر أنني بعثت قصائد إلى مجلة " كلمات" التي كان يديرها الكاتب والمترجم السوري رغيد النحاس في أستراليا فنشرت، وفي العدد الموالي نشرت ترجمة لتلك القصائد إلى الإنجليزية، قام بها الأديب الراحل نويل عبد الأحد. وقد علمت، بعد ذلك، أن القيِّمين على المجلة ينتقون ما استحسنوه من النصوص لترجمتها. أما القصائد المترجمة فهي: نادل وسؤال وطفلة.

 

نور الدين مبخوتي: لماذا وقع اختياركم على أسماء شعرية معينة، وغيبتم أصواتا أخرى في كتابكم "قراءات في التجربة الشعرية الجديدة بشرق المغرب"؟

ميلود لُقاح: الكتاب خصِّصَ للتجربة الشعرية التسعينية دون غيرها، اعتقادا مني أن النقد لم ينصفها، وهذا ما ذكرته في المقدمة المطوَّلة. وقد اخترت من الشعراء من أثق في شاعريتهم.

 

نور الدين مبخوتي: حدثنا عن دراستك التي أوردها الناقد المغربي رشيد بلمقدم في كتابه الجماعي الذي خصص لدراسة تجربة الشاعر علي العلوي: "تجاعيد الموت والبعث في أشعار علي علوي".

ميلود لُقاح: الشاعر علي العلوي من الشعراء القلائل الذين يعتنون بلغتهم وأساليبها عناية فائقة جدا. فهي لغة منتقاةٌ بشكلٍ ذكيّ وآسر ومفاجئ في غالب الأحيان. إنها لغة انزياحية تَلُفُّها جُرأة في استخدام العُدول أو الانزياح والتَّكرار والجناسِ والطّباقِ بشكل جديد ومتفرد، بالإضافة إلى تمكنه الرائع من العروض. وقد حاولت من خلال مقالي " سمات التميز في ديوان أول المنفى " الذي ضمَّه الكتاب، أن أتحدث عما يجعل من صوته متفردا بين جوقة الشعراء شكلا ومحتوى. هذا وسيصدر لي قريبا كتاب نقدي يتناول تجربة الصديق الشاعر علي العلوي بشكل واسع يحمل عنوان (جماليات القول الشعري في تجربة الشاعر علي العلوي).

 

نور الدين مبخوتي: أريد منك كلمة موجزة عن راهن الشعر المغربي:

ميلود لُقاح: باختصار أقول لك: بالرغم من هذه الفوضى التي تلف المشهد الشعري المغربي منذ سنوات، هناك مدارس شعرية لا تخفى عن المتتبع البصير بالحركة الشعرية في بلادنا، لكن للأسف أُريدَ لها أن تبقى في الظل، وهي بإصرارها تواصل الكتابة والإبداع وتبتعد عن الصراعات الفارغة والحروب الخاسرة. وتلك المدارس الشعرية هي التي استرعت انتباهي وقدرت مجهودها وثقافتها الواسعة. وإذا كان لا بد من التمثيل، فهناك الشعراء مصطفى الشليح وأحمد بلحاج آية وارهام وحسن الأمراني ومحمد علي الرباوي ومحمد لقاح وأحمد بنميمون وإدريس الملياني.. وما يثلج الصدر اليوم ظهور شعراء شباب أغلبهم عشرينيون يكتبون الشعر بشكل بهيّ ومتفرد، وجميعهم فازوا بجوائز وطنية وعربية مهمَّة، أعادوا الأمل إلى القصيدة المغربية: عبد الوهاب صدوقي، جواد وحمو، عمر صايم، خلود بناصر، ندى الحجاري، محمد عريج، أحمو الحسن الأحمدي، عبد الإله مهداد ... بهؤلاء نتفاءل ونستشرف مستقبلا رائعا للقصيدة المغربية وهي بالطبع قصيدة عربية.

 

 

حاوره: نور الدين مبخوتي

شاعر جزائري

 

 

ضحى الحدادرشا فاضلفي هذه الحلقة من مدارات حوارية، تستضيف المثقف الأديبة رشا فاضل والمخرج رضوان الابراهيمي، وحوار أجرته معهما الإعلامية ضحى الحداد، فأهلا وسهلا بهم في المثقف.

 

- الكاتبة رشا فاضل: لعنة الكتابة التي تطاردنا مع كل وافد جديد

- المخرج رضوان الابراهيمي: العراق والمغرب حكاية ابداع

 ضحى الحداد: على طاولة المسرح والرواية والقصة تجلس رشا فاضل الروائية العراقية، وعلى الجانب الاخر يجلس رضوان الابراهيمي المخرج والممثل المغربي وهو يحتسي حوارنا الشيق، وانا اتلهف لمعرفة هذا المزج الثقافي بين العراق والمغرب، والذي انتج مسرحية حصدت جوائز عديدة.

للتعريف بضيوفنا:

رشا فاضل: روائية وكاتبة واديبة شاملة

261 رشا فاضل• نتاجها الادبي:

- احلام كالفراشات

- مزامير السومري

- على شفا جسد

- فيروس سردي

• في مجال المسرح (اكثر من خمسة عشر نصا)

- سياط تحت وطأة الانخاب

- تالي الليل

***

- رضوان الابراهيمي: ممثل ومخرج مسرحي وتلفزيوني وسينمائي

262 رضوان الابراهيمي* رئيس جمعية الملتقى للثقافة والفنون بالقنيطرة

* رئيس محترف سبو لفنون الدراما بالقنيطرة

* كاتب عام جمعية المعمورة للتصوير الفتوغرافي

* كاتب عام منتدى محمد بن عبد الكريم الخطابي للفكر والحوار

* مستشار بغرفة الفرق المسرحية المحترفة للإتحاد المغربي لمهن الدراما المؤسس حديثا.

***

ضحى الحداد: في البدء وكما يقال (السيدات اولا) اتوجه الى الكاتبة رشا فاضل ونبدأ من عندها:

عزيزتي رشا بعد هذا النتاج الكبير وقلمك الماراثوني الذي لم يكد يترك جنسا ادبيا الا ولمسه، نود ان نعرف كيف اقتحمت عالم الكتابة المسرحية؟

رشا فاضل: كنت في مرحلة اكتشاف الهوية .. هوية الكتابة وهوية النص الذي سيمنحني اسمه، هكذا جرت العادة في الأدب، من يكتب قصة ينتمي لها فيكون قاصّا، وهكذا دواليك، فكانت القصة القصيرة محطتي الأولى، غير انها لم تحتويني بشكل كامل ولم اكتمل بها، كنت اكتب القصة واتطلع للمسرح بشغف من بعيد، وكان هذا الشغف مشوّبا بالرهبة، ربما لقلّة بل ندرة الكاتبات المسرحيات فيه، لكني تجرأت وكتبت نصّا مسرحيا وارسلته في حينها للمسرحي الراحل قاسم مطرود، فأبدى اعجابه وشجعني على المضي قدما في الكتابة المسرحية، وهو ماحدث في السنوات اللاحقة حيث تطورت رؤيتي للمسرح وللكتابة المسرحية التي كانت تقتضي الغوص في باطن النص والتخلص من البهرجة اللغوية التي تكون غالبا على حساب الحدث المسرحي، كانت الكتابة المسرحية ولاتزال تشكل تجربة تحدي واكتشاف لعوالم أخرى في الكتابة .

 

ضحى الحداد: التفت الى المخرج (رضوان الابراهيمي)

263 مسرحية تالي الليلالسيد رب العائلة الفنية بامتياز كيف نشأت فنيا وجذبت اليك المسرح تمثيلا واخراج؟

رضوان الابراهيمي: كنت شابا طموحا صقلت طاقتي ومواهبي الابداعية في مدينة القنيطرة بالمغرب،، بعدها انتقلت الى مرحلة زمنية مختلفة وهي خمس سنوات في ديار الغربة بمدينة مصراتة الليبية،واعزي لهذا الانتقال الزيادة في رصيدي الإبداعي بفن غير بعيد تماما مما يسكنني من هوس جنوني للمسرح وكل شعبه،.حيث تمكنت وخلال فترة وجيزة أن استضيف ضمن قائمة خبراتي واهتماماتي الميدانية كل مايتعلق بفن التصوير الفتوغرافي من مكساج ومونتاج وربورتاجات خارجية .

 

ضحى الحداد: انتقل الى رشا وهي تتامل حوارنا، لاسألها عن المسرح وعالمه وخصوصا مسرحية (تالي الليل) التي كان مخرجها رضوان الابراهيمي:

رشا فاضل: كتبت اكثر من خمسة عشر نصّا على ما اذكر .. ومع كل نص اشعر بالرغبة بإلغاء النص الذي قبله، انها لعنة الكتابة التي تطاردنا مع كل وافد جديد، ذلك الهوس بالبحث عن الكمال الذي يأتي ولا يأتي. تدور ثيمة المسرحيات حول الحرب .. حول الغياب الذي لايدركه النسيان او الحضور ..حول البياض الذي نأتي منه ونرحل صوبه دون ان يمنحنا الوقت لنتهجّا الحياة بين متنيه .

اما (تالي الليل) فقد لخص سيرة حياة المرأة العراقية، ولعلي لن أجانب الصواب اذا قلت المرأة العربية، المرأة المقيمة في قلب الغياب، المتشظية في الذاكرة بألف صورة غير مكتملة، بفرح مفقوء، وحلم مبتور، امرأة الانتظار .. حيث لايجيد هذا الفن سواها .. فهي الوحيدة القادرة على ان تدفع سنوات حياتها له وهي واثقة تماما انها ستكون بانتظار (غودو) .

 

ضحى الحداد: يستدرك المخرج (رضوان الابراهيمي) الحوار ويضيف:

260 مسرحية تالي الليلرضوان الابراهيمي: اتذكر عندما اضناني البحث حول إيجاد نص مسرحي جاد وهادف يرقى لمستوى تطلعاتنا .يختلف شكلا ومضمونا عن ماإعتدنا عليه من قبل من تجارب سابقة .وخصوصا حين إتخدت قرار الخوض في تجربة الاخراج المسرحي (المونودراما)، عندها وقعت عيني على نص أدبي راقي يحمل عنوان (تالي الليل)...وهو أسهرني الليالي الطوال ..كنت عند كل ليلة من لياليه أستنشق رائحة الطين يتسربل منها حزن وألم وحسرة بين ثنايا حواراته الصائبة والضاربة معانيها في عمق الحكاية بإقاعات ادرامية متوهجة داخل زمان ومكان مفتوحين جعلوا من خيالي أن يشكل الحكاية على ركح المسرح ويضع لها كل التصورات الأولية والنهائية المثلى لمكونات العرض المسرحي المتكامل .الحامل لتصورات مبدعته وبصرخة قوية اخترقت سكون الليل وآخره..(.تالي الليل)هو نص ذو مساحات بوح حقيقية لنص عربي مهم عند قرائتي المتعددة له اكتشفت بانه حان موعد انطلاق رحلة تفقدية عبر محطات الجسم العربي تاريخيا وجغرافيا لأقف في محطة الاتصال المباشر بصاحبة هدا الوجع الظلامي الذي اخترق دواخلي وبعثر أفكاري هنا وهناك بين شمس النهار وتالي الليل ...ساعتها تم التنسيق مع السيدة رشا

264 رشا فاضل

ضحى الحداد: تبتسم رشا فاضل وتضيف مخاطبة المخرج رضوان الابراهيمي...

رشا فاضل: كان تعاملي مع الفنانين المغاربة استثنائيا، كانوا فريقا دؤوبا على تقديم الأفضل، فهم يعشقون النص ويعيشونه بكل وجعه، لقد تعاملت قبل سنوات مع محترف بريخت للفنون المسرحية حيث عرض عملي (سياط تحت وطأة الأنخاب) لثلاث سنوات متواصلة وشارك في حينها في مهرجان الدمّأم المسرحي وغيره، وحصد العديد من الجوائز، فيما عرضت بعد ذلك مسرحيتي (تالي الليل) في محترف سبو للفنون المسرحية وكانت الفنانة المبدعة المسرحية والتلفزيونية ايمان الادريسي بطلة النص والتي عاشت وتعايشت مع تجربة فن المونودراما لأول مرة وكسبت الرهان بعد أن تمكنت من تحقيق نتائج جد مرضية وتتويج مستحق في كل المهرجانات التي شاركت،فضلا عن دور والمخرج المبدع رضوان الابراهيمي الذي كان في كل عرض يضيف رؤية اخراجية جديدة مما اضاف للنص الكثير.

 

ضحى الحداد: وعليه ياسيد رضوان حصل هذا العمل العربي المشترك على اهتمام النقاد وبالتالي جوائز عديدة .منها احسن تشخيص احسن اخراج واحسن سينوغرافيا والجائزة الكبرى لاكثر من مهرجان. لم برايكم سلطت الاضواء عليه؟

رضوان الابراهيمي: بداية التميز تكمن في قوة النص الذي ناقش قضية المرأة ومخلفات الحروب المتعلقة بالإغتيال بالإستشهاد بالأسطورة بالضريح بالوعي الجمعي والفردي بهموم المجتمع العربي..نص له حمولته الدرامية وخطابه القوي وتجسيده لمعاناة وصراع ثنائيات الخير والشر الظلمة والضوء الحرية والقمع و بالكثير من القضايا التي لايمكن ان تتجمع إلا في النصوص الكبيرة..يصعب أداؤها من قبل ممثلة واحدة إلا ادا تقمصت الدور واستعملت الكثير من تعدد الأصوات لكي تستطيع النجاح في تبليغ كل هذه الآمال والآلام المتراكمة في الوعي والجسم العربي .

ولزوجتي الفنانة ايمان الادريسي الدور الرئيس في جلب اهتمام الجمهور عبر تجسيدها الرائع لعدة ثنائيات بحثا عن الانعتاق من تلك الضغوط التي تنطرح عليها ومن ثم الشحنة الانسانية تجعل من هدا العمل بعدا دراميا قويا .وفرجة متكاملة أضافت بصمة أخرى في فضاء العمل المسرحي والعربي بشكل عام

 

ضحى الحداد: تستكمل رشا فاضل الحديث:

رشا فاضل: بالاضافة الى ذلك لعلي الخّص تجربتي مع الفنانين المغاربة بالقول أنها كانت تجربة ثرية على المستويين الإبداعي والإنساني، ويمكنني ان اضيف بثقة ايضا ان الفن المسرحي ينشط بشكل كبير في المغرب الذي يشكّل بيئة حاظنة للكثير من الأسماء المسرحية المهمة سواء كانت على مستوى التمثيل او الإخراج او النقد المسرحي وبكل الاحوال كانت تجربة كتابة السيناريو تجربة فيها من التحديات

 

ضحى الحداد: اذن هل نستطيع القول بان رشا فاضل جازفت بطرق باب الكتابة المسرحية خصوصا وانك جربتي الكتابة بلهجات غير العراقية

رشا فاضل: بالتأكيد كانت مجازفة لسببين: الاول انني لا امتلك تجربة سابقة في الكتابة الدرامية فكان من الصعب المجازفة بعمل كان يفترض ان اكمله في زمن قياسي والسبب الآخر هو انني اكتب لأول مرة باللّهجة اللّبنانية والسورية والمصرية، والحمد لله تم انجاز السيناريو

ويمكن القول ان هذه التجربة كانت محطة مهمة في تجسيد الحياة بطريقة مغايرة لما نفعله في الأدب، فتجسيد الحياة على اأرض الواقع وان كان واقعا مستوحى من التجارب الانسانية يستدعي تقنيات جديدة في الكتابة تراعي وجود الصورة واختلاف ظرفي المكان والزمان وامور أخرى تنفرد فيها الكتابة الدرامية .

 

ضحى الحداد: سيد رضوان الابراهيمي، كيف تنظرالى هذا التعاون العربي المغربي العراقي..

رضوان الابراهيمي: أعنونه بالمغرب والعراق .....حكاية ابداع

فلا قيود ولا حدود في الفن وكما ترون من خلال هذه التوليفة الابداعية الجميلة في هذين البلدين الشقيقين في لوحة رائعة.

فالعراق والمغرب نبضان لقلب واحد يخفق بالعراقة منذ أول التاريخ وحتى آخره.

 

ضحى الحداد: تؤكد "رشا فاضل" راي السيد رضوان الابراهيمي وتقول:

رشا فاضل: اشجع الاعمال العربية المشتركة وبالنسبة لي لم تشكل الجغرافيا الضيقة حدّأ لطموحي ذات يوم، كلما اجتزت خطوة ومرحلة ظهر امامي افق أوسع، فكرة الانتماء الجغرافي في الكتابة والابداع عموما لا اؤمن بها، لطاملا كنت ولازلت مؤمنة ومتيقنة ان للنص الحقيقي اجنحة وكلما كان حقيقيا واصيلا اوصلته اجنحته الى مدايات ابعد، وهو ما اطمح اليه دوما، انا انتمي للإنسان وكل تجربة إنسانية اتناولها تجد صداها عند الاخر الذي تفصلني عنه ايديولوجيات مختلفة، فتبقى التجربة الانسانية مدّأ شاسعا اكبر من ان يحدّها حاجز

 

أدارت حلقة الحوار الإعلامية والشاعرة:

ضحى الحداد – صحيفة المثقف

12 - 8 - 2018م

 

 

doha alhadad1559 shatgalnomanفي هذه الحلقة من مدارات حوارية، تستضيف المثقف الفنانة د. شذى فرج عبو النعمان وحوار أجرته معها الشاعرة ضحى الحداد، فأهلا وسهلا بهما في المثقف.

• فهم لوحاتي يتطلب تمعن.

• الشعوب لا يمكن ان تتطور الا بعد ان يتمتع افرادها بذائقة فنية عالية

• لا أعلم كيف ينجز بعض الفنانين لوحاتهم التكوينية او التجريدية خلال ساعات

 

شذى فرج

1559 shatgalnoman2- ولدت الدكتورة شذى فرج عبو النعمان في بغداد وهي ابنة الفنان الرائد العراقي الراحل فرج عبو.

- تخرجت من كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد في عام 1984.

- حصلت على برائتي اختراع في مجال الاضاءة مسجلة من قبل وزارة التخطيط والسيطرة النوعية في العراق.

- خرجت اجيالا من جامعة بغداد بعد تدريسها لهم على مدى 14 عاما.

- لديها كتاب مؤلف عن اسس التصميم الصناعي يدرس في جامعة بغداد الان.

- اقامت العديد من المعارض في العراق وقطر وانكلترا، وفازت بالعديد من الجوائز .

 

س1: ضحى حداد: اتمنى من د. شذى النعمان أن تحدثنا عن بداياتها، أين كانت؟ وكيف تعلقت بالفنون التشكيلية؟

ج1: د. شذى النعمان: من الصعب ان اعرف متى كانت بداياتي لانه ومذ فتحت عيني وانا ارى اللوحات والتماثيل والقطع الفنية تزين بيتنا، ترعرعت مع الالوان والفرشاة سوية كنت اقضي معظم وقتي في مرسم والدي، حتى غمرني الفن من كل جوانب حياتي لدرجة تصورت معها بان كل الناس رسامون وفنانون، لذا فقد احسست منذ طفولتي بان الفن امتداد طبيعي وانه ولد بالفطرة معي بدمي، ولم تكن هناك طفره به في حياتي وهكذا التحقت بكلية الفنون الجميلة لأعزز موهبتي بالدراسة الاكاديمية .

 

س2: ضحى حداد: من أين تستلهمين فكرة اللوحة؟ هل هناك عوامل خارجية، أم مجرد إحساس داخلي؟.

ج2: د. شذى النعمان: تنتابني احاسيس معينة عند رؤيتي لبعض الاشياء، ربما كنت امشي في احد الطرقات، او اشاهد حدثا على التلفاز، فتستفزني مناظر بعينها دون غيرها، عندها، لا شعوريا ابدء بترجمة هذا الموضوع الى دوائر،، والتقط له صورة كي ابدء بالعمل عليها،واقسم اللوحة كالتالي، الجسم يُسرد بالنسبة لي مجردا دون دوائر، اما الخلفية والاشكال والظلال يتم ترجمتها الى اشكال الدوائر" وهذه معادلة عملتها بنفسي وبعدها ابدء ببناء اللوحة جزءا جزءا لذلك فان فهم لوحاتي يتطلب تمعنا كبيرا.

154 shatgalnoman1

س3: ضحى حداد: هل اللوحة بالنسبة لك مجرد شيء ام لها روح ولغة بنظرك؟

ج3: د. شذى النعمان: كان يقول والدي المرحوم فرج عبو كل لوحة ( بنت عروسة تستعد للزواج)، بالنسبة لي اللوحة طفل مولود تبدأ علاقتي بها عند وضع اساس الموضوع وتتطور مع وضع الخلفية المناسبة،بعدها تظهر الشخوص وكافة التدرجات، وكأنني ولدت للتو صغيرا وانا ارعاه الان ليكبر، تستغرق مني كل لوحة شهر تقريبا لاحتواءها على كثير من التفاصيل فضلا عن الجهد الذ تتطلبه لتخرج بصورة متكاملة بنظري، لذلك لا اعلم كيف ينجز بعض الفنانين لوحاتهم التكوينية او التجريدية خلال ساعات فقط.

 

س4: ضحى حداد: ما مدى مرونة توظيف خامات المعدن والخشب والبلاستيك في اعمالك؟

ج4: د. شذى النعمان: استخدم الملتيميديا، لدي لوحات زيت خشب مع بلاستيك، او معدن مع خشب، اكريليك على الكانفاس، احاول استكشاف كل الخامات ولكوني مصممة صناعية فلدي قدرة على توظيف الخامات ولدي اعمال عديدة تجريدية مصنوعة من الخشب والبلاستيك . إعمل ايضا على إيجاد جدل يجمع بين الرؤية النظرية التي ترى في فسلجة العين مدخل لإدراك جزئيات الأشياء، وبين تلك التي ترى فيها تعبيرا عن كلياتها. مثلما عبرت في أعمالي عن اهتمامي بفكرة العلاقة الإنشائية بين السالب والموجب في توزيع عناصر العمل الفني.

 

س5: ضحى حداد: في لوحاتك نلاحظ تاثرا واضحا بطريقة والدك الفنان الرائد فرج عبو النعمان، من خلال معالجة الرموز وتوظيفها تشكيليا .. الى اي مدى اثر بك الوالد والثقافة الارمينية؟

ج5: د. شذى النعمان: لا انكر باني تاثرت جدا باسلوبه بالذات المدرسة العراقية المعاصرة التي تعمد على اخذ رمز عراقي وادخاله بعدها على خلفية حديثة، اشعر بان هذا الاسلوب يلبي احتياجاتي وميولي، واحاول ايضا ان احيي ذكراه ليس من خلال رسوماته فحسب بل انشأت موقعا الكترونيا يعرض كل اعماله، بالاضافة الى ذلك، كان لوالدتي والثقافة الارمنية دور في التاثير علي، لذلك فان اعمالي مزيج بين الثقافة العراقية والارمنية ربما يجدها المتلقي عراقية بحتة، لكن وبعد قليل من التدقيق بالالوان والرموز يلاحظ بان بعض الالوان خاصة المبهرجة تشبه ارمينيا .

154 shatgalnoman2

س6: ضحى حداد: العراق، والموروث البغدادي واضح جدا في اعمالك، كيف توظفين بلدك في لوحاتك وانت بعيدة عن الوطن؟

ج6: د. شذى النعمان: تحدثت لوحاتي عن تفاصيل وبلدان كثيرة لكن، عندما يكون موضوع اللوحة متورط بالعراق يكون للمتعة وجه اخر، بل انني كلما حاولت الانتقال لمواضيع اخرى تسحبني الذاكرة من يدي لتجعلني ارسم عن بلدي وموروثه، لطالما يحثني حنيني لبلدي الى مزيد من الابداع والالهام، وطني في قلبي دائما، حتى ان اقرب اللوحات الى قلبي هي عن بيتنا القديم في بغداد وديك والدتي والتي رفضت بيعها لما تمثله من قيمة معنوية بالغة

 

س: ضحى الحداد: إلى اية مدرسة من مدارس الفنون التشكلية تنتمي شذى النعمان في أعمالها الفنية؟

ج7: د. شذى النعمان: لا انكر ان المدرسة الكلاسيكية هي المدرسة الام لكن الفن العراقي المعاصر الذي اوجدوه الخمسة العراقيين الرواد، اسماعيل الشيخلي فرج عبو، حافظ الدروبي، فايق حسن وجواد سليم. بالنسبة لي هو افضل اسلوب ودائما استقي منه واعود له بطريقة ما . وهي مابنيت علية لوحاتي التي تقارب المئتي لوحة .

 

154 shatgalnoman3س8: ضحى حداد: الى ماذا ترمز الدوائر والمنحنيات في اعمالك، وهل هناك فكرة محددة في ذهنك قبل أن تباشرين عملك؟

ج8: د. شذى النعمان: الدائرة هي رمز ازلي موجود منذ بدء التاريخ، كل شيء في الحياة يرجع الى الدائرة، فالكرة الارضية بيضوية، الاجرام السماوية دائرية، والفلاسفة اليونانيين يعتبرون الدائرة الشكل المثالي، لانه خالي من الزوايا، بالنسبة لي اعتبر الدائرة هي دورة الحياة وافضل شكل استطعت تقسيمه وتجزيئه الى الظلال والمنظور في تجسيد الاجسام، اما المدرسة التكعيبية فاستخدمت المكعب والمستطيل ولكني ارتحت للدائرة اكثر، في بداياتي كنت اتخبط بالاساليب الى ان استقريت على اسلوب واحد اسميته (الشذري) يتكون من شذى ودائري مثل اسمي.

 

س9: ضحى حداد: يقولون أن الفن رسالة، فماهي رسائلك التي تحاولين ايصالها من خلال صوت فرشاتك؟

ج9: د. شذى النعمان: احاول ان اقول بان الفن هو اسلوب حياة وهو تعبير عن النفس وعن الهوية، والشعوب لا يمكن ان تتطور الا بعد ان يتمتع افرادها بذائقة فنية عالية، بالنسبة لي اقيس الانسان على خلفيتة الثقافية والفنية خصوصا اذا كان يتمتع بذائقة فنية موسيقية او مسرحية هذا يعبر عن الكثير من شخصية الانسان، نحتاج الى زرع الفن وتدريسه والاهتمام به بمدارسنا، وتغذية خيال اطفالنا والاهتمام بجانبهم الابداعي اكثر من غيره فالأطفال يحبون الفن بشكل طبيعي؛ الرسم، التلوين، الموسيقى، والمسرح. ولكن للأسف حين تخفف المدارس ميزانيتها تقوم بإلغاء الفنون أولاً متجاهلين أهمية الفن في بناء دماغ الطفل.

 

ضحى الحداد – شاعرة وإعلامية

المثقف – مدارات حوارية

6 – 2 – 2018م

 

 

 

khoulod alhsnawi1459 alfaridsamaanفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف المناضل ورجل القانون الفريد سمعان وحوار شامل وصريح أجرته معه الاستاذة الأديبة خلود الحسناوي، فاهلا وسهلا بهما.

 

- انا لم اكن بيوم ما اشعر بحرية تامة لأني ابن هذا المجتمع والمجتمعات التي عشت بها فيها الكثير من الضغوط والإرهاب والعذاب .

- المناهج الدراسية لها تأثير كبير جدا على وضع البلد، بدون عِلم بدون مَعرفة لا يمكن ان يتقدم أيٌّ بلد من البلدان .

- أصبحتُ على أبواب الـ 90 ومن حق الشباب ان يأخذوا دورهم في تطوير المعرفة وفي مواصلة المسيرة وكل انسان له حدود يقف عندها .

- (اني كفرتُ بدين الله في وطني .. حرصاً عليه وبعض الكفر ايمانُ).. ابيات لرئيف الخوري من قصيدة ضمن احتفالية في سينما شهرزاد .

- لا توجد قصيدة مكتملة، توجد قصائد إبداعية، يوجد مبدعون .

 

بابتسامة شفيفة على ثغره يُريكَ جمال المستقبل،عندما تجلس بحضرته تشعر انك امام تاريخ بلد بأكمله لعدة عقود، وعندما تحدثه تشعر بأن الإجابة تأتيك سلسة ملؤها الحب والرغبة في السلام هكذا هو الحديث معه، كان ومازال،مناضلاً،قانونياً، شاعراً،اديباً مربيا رياضيا صحفيا روائيا .. من أوائل الذين ساندوا كتابة التفعيلة موقفاً واقعياً، فخرٌ لكل من يعرفه،تجربة ثرٌّةٌ بكل أنواع المعرفة والابداع، تراه كطير في فضاء حرّ،طفلٌ شحذ مواهبهُ كتاب المطالعة المنهجي اذ استسقى منه ليروي ظمأ الفكر حتى صار (اديباً) ومناضلا قضيته الأساسية هو الانسان وحريته،دائم الدفاع عنه،كتب للمرأة للوطن للحب للطير للشجر تَغنى بكل رموز الحياة،رجل على عتبات الــ90 لكنك ترى ان الحياة منه منبعها،خاطب المرأة وقال لها حلوة فقد جمَّلت حياته وخاطب الطيور قائلا:

ايتها الطيور

احملي انفاسنا الى بيادر الحب

الى خمائل اللذات

والجنائن المعلقة

وضمدي الجراح والآهات

بباقات الامل .

 لحديثه اثر عميق في نفس من يجالسه يتعلم منه كيف يحب الحياة وكيف يكون انسانا مبدعا دون شعور، يُحيي بداخله ومضات من قبس النور، انه الفريد سمعان الكاتب والمناضل والأب الروحي لكثير من محبيه، وفي جلسة الاحتفاء به من قبل اتحاد الادباء بمناسبة ميلاده التسعين دخلنا معه في حوار خَص بصحيفة المثقف .

1459 khoulod1

س1: خلود الحسناوي: الفريد سمعان في كل ميلاد يوقد شمعة دون ان تنطفئ الشمعة التي سبقتها كونه مبدعا ومنتجا .. ماهي الحصيلة الإبداعية خلال مسيرتك الطويلة؟

ج1: الفريد سمعان: في الحقيقة المسيرة الإبداعية بدأت منذ اكثر من 50 عاما اكثر من نصف قرن بالضبط أتذكر عام 46انا بدأت انشر بشكل مقتضب في مجلة الصباح المصرية وفي بعض الصحف العراقية وكان المحتوى متنوع ما بين الغزل والاشياء التي تتعلق بالوطن حب الوطن الطموح تطويره وتشجيع الناس وتحشيدهم من اجل البناء والمعرفة من الحب والكرامة من اجل كل الأشياء التي من حق الانسان ان يحصل عليها فكانت هذه بدايات المسيرة وقد لاقت ارتياحا من استاذي رزوق فرج أستاذ اللغة العربية في ثانوية البصرة وكذلك الأستاذ جلال وانا اذكرهم وباعتزاز من خلال ما حصل وما قدموه لي من جهد وتوجيهات وضعتني على سلم الطريق بعدها اشتركت ضمن المعترك السياسي الذي كان سائدا بالعراق قبل الحرب العالمية الثانية والتوجهات التحررية التي كان يعيشها العالم وكنت حريصا على ان ارافق المسيرة من خلالها أيضا اكتبت قصائد وطنية استقبلت من قبل الناس بشكل جيد ولكن ليس بما يؤدي الى ابداع شعري على مستوى رشيق هذه هي البدايات وتلاها ما تلاها .

 

س2: خلود الحسناوي: في حياة كل مبدع هناك منجز سواء كان فنيا او ادبيا هو الأقرب الى روحه .. أي منجز لديك تعتز به كثيرا ولماذا؟

ج2: الفريد سمعان: اعتقد ان كل مبدع يعتز بإنتاجه ولكن بالتأكيد هنالك بعض الأمور التي تضع هذه الفقرة او هذه المادة او القصيدة في مكان اخر يختلف عن سواه .. طبعا ابتدأنا كما هم معظم الشعراء الشباب يبدؤون بالغزل بعد ذلك انتقلنا الى اغراض الشعر الأخرى وانا اعتز بكل عطائي الشعري بغض النظر عن ضعفه وعدم مجاراته للأبداع الذي كان سائدا في ضل شاعر مثل السياب الذي عرفته وتعلمت منه أيضا وكذلك الجواهري وكذلك القراءات القديمة للبحتري وأبو تمام شعراء العرب الكبار الذين تعلمنا على يديهم ..مضمون القصيدة وبناء القصيدة ومتانة هذا البناء وكذلك تأثرت بشكل خاص بـ د. طه حسين كان عميد الادب العربي وأعطى إنجازات مهمة لأنه فتح الباب امام قوى التقدم امام الكلمة النظيفة التقدمية وحارب الكثير من السفاسف والاحتياجات الأخرى التي كانت تدور هنا وهناك وادعاءات أخرى كان المتمسكون بالماضي بغض النظر كونه تليدا ام غير تليد لكنه اعطى الأشياء حقها مثلا تجاهل موضوع الشعر الجاهلي وانتقده واكد على ان هذا لشعر وتجمعه وقصائد المعلقات يعتبرها مفتعلة البعض منها ان لم تكن كلها او عدد كبير منها وفيه تحيز غير واقعي وفيه أيضا الكثير من التدخلات او المسائل التي لا تخص هذه القصائد لم تكن بهذه الصيغة ولم تنقل بدقة وما كان على الذين كتبوها ان يعترفوا بذلك او الذين نقلوها فقد نقلت بشكل خاطئ وبشكل يؤذي المسيرة الأدبية للأدب العربي من العصور القديمة رغم اننا مازلنا نتمسك بالتقسيم المعروف بالشعر الجاهلي وما بعد الجاهلي والعصر الإسلامي وسواها ولكن لعدم دقة النقل وعدم وجود مطبعة وعدم وجود كتابات واقعية ومكتبات تحمي وتحفظ هذا التراث صار عليه الكثير من التداخلات وقد اعترض على ذلك وحلله كبار النقاد الموجودين وبشكل خاص في مصر .

 

س3: خلود الحسناوي: ممكن ان يكون هذا الاعتراض او هذا النقد لهذه القصائد كونها غير دقيقة وغير صحيحة ممكن ان يعود السبب الى عملية نقلها كون النقل كان شفاها او كتابة باليد وممكن ان تكون رصينة وتحتوي على كافة خصاص القصيدة الجيدة؟

ج3: الفريد سمعان: لا لأنني اتحدث عن التوثيق توثيق القصائد والكلمات والادب العربي والنثر العربي كان يحتاج له وسائل تؤدي الى ان يكون صحيحا ومنظمنا ودقيقا وهذا ما حصل لان لم تكن هنالك مطبعة كانوا يكتبون على جلد الغزال وبوسائل بدائية ويعتمدون على الحفظ ولهذا كانوا يقولوا ان هذا شاعر يستطيع ان يلقي قصيدة دون ان يكتبها ارتجالا، نعم كان هناك شعرا ارتجاليا لكن في حدود معينة وضيقة ومختصرة أيضا في نفس الوقت وليس هناك شاعرا ارتجاليا على مستوى رفيع في الادب العربي مما يسجل له هذه الظاهرة التي تعتبر ربما غير مسجلة في الأداب العلمية الأخرى وثقت من خلال وسائل طباعية استطاعوا ان يحموا بها انتاجهم وهذا مالم يحصل بشكل خاص باللغة العربية وضيع الكثير من المعالم والملامح للقصيدة او الكتابات عن القصائد والنثر في نفس الوقت ولكن هذا لا ينفي ان الكثير من القصائد او التعليقات او التعقيبات او سواها موجودة وقائمة لها اسائها ووضعها الخاص بها .

 

س4: خلود الحسناوي: ماهي سمات القصيدة الصحيحة التي نقول عنها انها قصيدة مكتملة الشروط كيف نحكم عليها بذلك؟

ج4: الفريد سمعان: لا توجد قصيدة مكتملة، توجد قصائد إبداعية يوجد مبدعون .

 

س5: خلود الحسناوي: ما هي سمات الابداع بالنص الادبي؟

ج5: الفريد سمعان:  سمات الابداع هو القدرة على التعبير والقدرة على التفسير والمتابعة والقدرة على تدقيق النص الادبي وما يحتويه من قيم ومعان وكلمات واهواء ورغبات هذه كلها موجودة ضمن القصيدة الجيدة ويمكن شارك بيها الكثيرين فكان هنالك المدح والرثاء من ابرز العناصر في هذا الشأن وكان الشعراء يتبارون لان هذه فرصتهم إضافة للأسواق الأدبية التي كانت موجودة التي كانت تقرا فيها القصائد فلم تكن هناك وسائل اعلام ممكن ان يمارس الناس فيها نشاطهم او يتغذون من خلالها على الفكر الجيد او يحتفظوا به او يطوروه ولكن كان الاعتماد بشكل خاص على بعض المخطوطات وبعض ماكان يرسخ في الاذهان وما كان يُثَبت بشكل او باخر بحسب قدرة ونجاح المنتج اذا كان هذا نستطيع ان نسمي الشاعر منتجا او شيء من هذا القبيل لذلك تبقى القصيدة محط اهتمام وفي نفس الوقت رؤيا معينة يهتم بها الشاعر وكل المؤرخين أيضا وهي مسؤوليتهم .

 

س6: خلود الحسناوي: هل تجد ان القصيدة الان في هذا الوضع وهذه الظروف ذات قيمة واهمية؟

ج6: الفريد سمعان:  يضل الشعر مرافقا للإنسان لأننا لو راجعنا ابسط المسائل لوجدنا انه الام تلولي لوليدها وتغني له بشكل او باخر (يالحبيب ييمة ياعزيزي يا كذا) اعتزازا بولدها وكذلك الاب يعتز بإنتاجه اذا كان هذا النتاج يعطي ويهتم وأيضا كان هناك القبيلة والتي مع الأسف مازالت جذورها ممتدة الى الان القبيلة كانت تحاول ان تعتز بشاعرها وان يكون لها أماكن باسمها وكان لعدم وجود موسيقى كانت القصيدة هي الموسيقى وهي تعبر عن مشاعر الانسان بشكل او باخر فلذلك ان القصيدة لا يمكن ان تنتهي وتضل ترافق الشعوب لان ابسط مثل لهذا الغناء فهو لا ينتهي وهو يعتمد القصيدة وان لم نجد القصيدة فماذا يغني المغني؟ بماذا يُطرب؟

ثم هي تعبير عن الأوضاع الخاصة بمجتمع ما بوضع ما وبإنسانية ما وهنا تختلف الآراء والنوايا والمشاعر والاغراض التي يقصدها الشاعر هناك من كانت كل قصائده عاطفية وشاعر لا قصائده متوازنة ويحاول ان تكون قصائد كونية ان صح التعبير يعالج فيها بعض المسائل الاجتماعية او الكون،وهناك القصيدة التي لا لون ولا طعم لها ولكنها مؤثرة ويمكن ان تستعذب من قبل الاخرين وتستساغ ويمكن ان يحفظوها ويستمتعوا بها وتُغنى وتُطرب الناس وتفيد هم وتعزز مشاعرهم وتعطي الكثير للإنسان من الحيوية الفكرية والذهنية والعاطفية في نفس الوقت .

 

س7: خلود الحسناوي: ضمن نتاجك الادبي هناك مجموعة اسمها الطيور وكلنا نعرف ان الطير يبحث عن الحرية،هل نجد ان الفريد سمعان احد هذه الطيور التي تبحث عن الحرية؟ وهل وجدها ام لا؟

ج7: الفريد سمعان: هذا سؤال جميل، انا فعلا احب الطيور واحب ان تضل حرة تطارد الانسام وتطاردها تخفق الاجنحة لتصطنع شيئا وتختفي وتظهر وتناور فالطيور فيها معنى خاص ومسائل خاصة بها تختلف عن باقي الحيوانات والطير يحلق في الأجواء ويخفق بأجنحته يخلق لنفسه وسيلة للتحليق ويقف على المآذن والسطوح والاشياء العالية وانه يشعر بالحرية والكرامة، ولكن الانسان لا يرحم يعتدي عليها ولذلك انطلاقا من رغبتي وحبي وتعلقي بالحرية التي اتمناها للجميع أيضا احسد الطيور عليها وأهنئهم عليها تعطي الكثير من الإنسانية والشعور بالانطلاق والتحرر والتخلص من كل ما يؤذي الانسان ويعذبه ويدعه في موقف غير صحيح وحرج امام كل المسائل الأخرى والطيور مسألة أخرى احبها انا بالذات واحب هذه الاجنحة التي تخفق وهذه الزقزقة صباحا مع بزوغ الفجر او اثناء الراحة التي تتمتع بها او الافراح التي تمارسها في البساتين او الحدائق العامة .

 

س8: خلود الحسناوي: السؤال الان .. الطير الفريد سمعان قضى وقتا من الزمن يبحث عن الحرية هل انت حر الان؟

ج8: الفريد سمعان:  لا .

* لمـــاذا؟

* انا لم اكن بيوم ما اشعر بالحرية التامة،لأني ابن هذا المجتمع والمجتمعات التي عشناها فيها الكثير من الضغوط والإرهاب والعذاب وانا احد اللذين مُرس بهم وبشخصياتهم العذاب تعرضتُ للسجن والاعتقال والتعذيب والابتعاد عن الاهل والأولاد والأصدقاء والحرية والكرامة والإنسانية المطلوبة والتي يحن أي انسان اليها فالحرية لا ثمن لها ولا قيمة يمكن ان تعوضها حقيقة وان أي ثمن للحرية غير موجود ومن حق الانسان ان يستمتع بحياته وحريته وكرامته ومن حقه ان يبني وبنشأ ويقترح ويفيد مجتمعه وبيته واطفاله ومن حقه ان يحب ويتخذ موقف من شيء معين موقف من الاعتداء على الشعوب والناس بشكل عام وان يستمع بحريته وكرامته .

 

س9: خلود الحسناوي: المرأة، نجد ان المرأة لها مساحة في كتاباتك اخبرتها بانها جميلة واخبرتها بانها حلوة، لمن تقول حلوة؟

ج9: الفريد سمعان: بالطبع المرأة عنصر أساسي في المجتمع وهي حياة المجتمع بالذات وهي تقوم بخدمات كبيرة وجبارة اجتماعيا وسياسيا واخلاقيا وهي مثل من امثلة الجمال والنعومة والمحبة والتي تستدعي المشاعر والوجه الاخر للإنسان وهو الرجل ويمكن ان تقدم الكثير لاسيما بعض النساء الموهوبات أولا هناك موهبة شكلية بجمالها تستطيع ان تغير الحياة وتلون الحياة وتعطيها طعم اخر ومن ناحية ذهنية وفكرية اذا ابدعت مكن ان تكون شيء جديد وعظيم وهي كما نعرف هي التي تنتج الانسان والمرأة هي التي تخلق المجتمع بدونها لا يوجد مجتمع فالمرأة حنون وعاطفية ولديها إمكانيات تتفوق هي عليها وتفوق طاقتها أحيانا لكنها تعمل من اجل المحبة ومن اجل صيانة بيتها وعائلتها من اجل صيانة حبها وكرامتها المهدورة بشكل عام بالبلاد العربية بالذات لكنها في نفس الوقت أصبحت الان على مستوى علمي رفيع وأصبحت رائدة فضاء وكاتبة وعالمة شغلت مختبرات اذا هي بالحقيقة نبض المجتمع وهي العروس التي ممكن ان تخلق الهلاهل في كل البيوت وتخلق الفرح لأولادها وزوجها واحبائها وللمجتمع بشكل عام .. والمرأة لها دور هام جدا في المجتمع وهو الدور الأول انا باعتقادي وهناك من يتمتعن بالبساطة ولم تتح لهنَّ فرص التعلم لكن يبقون حنونات وتبقى المرأة عنصر حنون وطيب وجميل ويخلق الروعة والإنسانية في قلوب المجتمع .

1459 samaan

س10: خلود الحسناوي: ما هو شعورك وانت مَحَط اهتمام لافت للنظر خلال احتفاء الاتحاد بحضرتك لمناسبة ايقادك شمعتك التسعين؟

ج10: الفريد سمعان: باختصار شديد انا اشكر كل الذين احتفوا بيٍ واعتقد ان هذا الاعتزاز يدعو أي شخص مبدع ان يحيي هذه الجهود وانا اشكر شكرا شديد ٍلكل الذين احتفوا بي وقيموني واعطوني الكثير من عواطفهم الجياشة الجميلة الرائعة وانا مقتنع بان هذا الذي جرى لم يكن عبثا لابد ان يكون له بعض الجذور وانا فخور بان أكون احد الماسكين بها من اجل تقدم الانسان والإنسانية ومن اجل المحبة والخير والإنسانية ومن اجل المحبة والخير والسعادة للبشر والطفولة من اجل الحياة الاجتماعية الرغيدة لكل أبناء المجتمع وانا سعيد ان التقيت هذه الوجوه الطيبة التي عرفت الفريد سمعان انسانا يحب الناس والمجتمع والمستقبل ويسعى اليه وما قَدمتُ ليس هو الا قطرة بسيطة جدا في بحر من الحب عميق يتمتع به الانسانيون .

 

س11: خلود الحسناوي: هل مازال الكاتب والشاعر الفريد سمعان على قيد الابداع والكتابة وما هو منجزك القادم؟

ج11: الفريد سمعان: لا يوجد انتاج مستقبلي ..ولا ادري هل سيكون هناك انتاج مستقبلي ام لا انا في وضع صحي لا يساعدني على المتابعة والتفكير بشكل اسعى به الى اضافات جديدة ربما وربما تكون هناك إضافات جديدة ولكن لا علم لي بها الى الان لأنها قد تأتي بشكل مفاجئ وقد يساعد الوضع على ذلك او لا يساعد لان وضعي الصحي بالذات والاجتماعي بالانتقال من العراق الى الأردن، لا ادري فالظرف يختلف عما كنت عليه في العراق من كل الوجوه .

 

س12: خلود الحسناوي: عناوين مجموعاتك ممَّ تستوحيها؟

ج12: الفريد سمعان: هذه يحددها الموقف في تلك الساعة لاختيار العنوان،مثلا في طريق الحياة اول ديوان طبعته هذا كان بالحقيقة انا اعتبر ان طريق الحرية هو نفسه طريق الحياة والنضال من اجل البشرية هو ضمن هذا الطريق والسعي الى تحقيق مكتسبات للإنسان في العالم كله هو طرق الحياة لذلك جاء العنوان سياسيا في وقت كان النضال محتدماً بين القوى الاستعمارية والقوى التقدمية بين الاستعمار وبين الاستقلال والرغبات العراقية في الاستقلال والحفاظ على الوطن وعلى كل امكانياته والتطلع الى الأشياء الجيدة فيما يخصه، فهذا الوضع حقيقة هو الذي يضع العنوان (قَسَم) أيضا جاءَت امتدادا لوضع معين ونضال سياسي محتدم وهذه القصيدة بالذات أُلقَيَت في اجتماع جماهيري والتي تقول: (أقسَمتُ بالنور المشعشع كابتسامات الوليد) وعلى القصيدة مشيت على هذا المنوال ولكن هذا لا يمنع ان كان هنالك فترات عاطفية فقد كتبنا للمرأة وللحياة الجميلة والتمنيات والرغبات التي يضمها قلب الانسان وخياله، كتبنا الكثير من الأشياء فالعناوين ابنة ساعتها وابنة يومها اوبنة اسبوعها لا اعرف كيف يأتي العنوان ففي ظرف معين انت تستسيغ عنوانا ما والكتاب على وشك ان يطبع ليس بالضرورة ان يكون هنالك نقاش وتقليب وكذا ربما فجأة يأتي عنوانا معينا وتضعيه لنا أتذكر مثلا بعد( قَسَم) ظهر ديوان اخر كان لي لا اتذكره الان ديوان عن فلسطين وبعدها الطيور وقبلها عدة دواوين حقيقة وكتب عنها لا تسعفني ذاكرتي لكل العناوين لكن تأتي في حينيها وفي الجو الذي يعيشه الانسان كما في تجربة (الطيور) مثلا جاءت بعد تجربة وتكلمت عنها فهي تجربة طويلة حببتني في هذا الكائن وجعلتني اختاره واختار حتى الصورة التي رسمت بعد ذلك فاخترت الفكرة والرسام عمل عليها فهي عبارة عن سرب من الطيور ينزل بشكل معين رسمت على هذا الديوان ثم الديوان الأخير الذي عنوانه (لائحة اتهام) هذه أيضا منطلقة من الواقع الاجتماعي والسياسي الذي عشته انا وهذا الاتهام بالطبع هو اتهام بالمشاعر الجميلة التي املكها ليس لاحد الحق باتهامي بهذه المشاعر .. فكل شيء في وقته جميل .

 

س13: خلود الحسناوي: من خلال كل هذه التجربة اود معرفة كيف اكتشفت نفسك شاعرا واديبا؟ ماهي البذرة الأولى التي وجهتك بهذا الاتجاه؟

ج13: الفريد سمعان:  البذرة الأولى انا كنت احب ارتياد دور السينما وانا مراهق بعمر 11 او 12 عام كنت اذهب لمشاهدة الأفلام العربية آنذاك فالسينما حفزتني وكنت احب الغناء وبعض المغنين والمغنيات ومنهم محمد عبد الوهاب ليلى مراد وصوتي كان لابأس به كنت ادندن بأغاني فريد الأطرش وبنفس الوقت كنت اتابع كلمات الأغاني معروف ان كلمات الأغاني شعر.. فهذا الشعر حفزني ان احفظ إضافة الى مطالعاتي كنت مولع جدا بالمطالعة وبالشعر بالذات وبتشجيع من الأساتذة الذين تفضلوا عليَّ بالتعليم وبالفائدة من خبرتهم وكيانهم ومن تجربتهم الحياتية والأدبية والفكرية فهذه بالحقيقة كلها بالحقيقة تتلاءم وتتوافق مع بعضها على ان تخلق عنوان المناسب لفترة معينة ولهدف معين وكانت الأغراض متعددة جائز يكون شيء عاطفي والرغبة في التقرب الى انسة معينة او حب جديد او مشاركة بمظاهرة او اجتماع سياسي او بوضع اجتماعي او عائلي معين والانتقال من مكان لأخر لأني صراحة دارت بنا الأيام في مختلف انحاء العراق وانا مولود الموصل لكن عشت بالبصرة وفي بغداد وعشت في خانقين وبالرمادي مع وظيفة والدي كنا ننتقل الى كل الأماكن تعرفنا على اخلاق كل هذه المجتمعات وتعرفنا على الأشياء التي يحبوها والاشياء التي لا يستطيعون ان يعبروا عنها او الأشياء التي تجد رضى في انفسهم او التي يكرهون ان يذكر شيء عنها هي تقاليد وعادات ومسائل مختلفة تخلق طبخة اجتماعية معينة عند الانسان وتخلق لديه ذاكرة معينة يسترجعها عندما يتذكر مثل هذه الأشياء عندما تأتي بظرف معين .

 

س14: خلود الحسناوي: اذا البيئة تخلق اديب؟

ج14: الفريد سمعان: طبعا البيئة لها تأثير كبير في خلق الاديب والعلاقات، انتِ تعيشين مع رياضيين بالضرورة اذا عندك مواهب ستصبحين رياضية اذا تعيشين مع شعراء وكتاب واهتمامات أدبية وفكرية تتأثرين بها اذا كان لديك هذا الإحساس وهذه الجمالية الموجودة بالإنسان فالظروف هي التي تحكم ومع الأسف طبعا لدينا رغم وجود مكتبات فالمتابعة موجود تشجيع عليها في ازمنة سابقة قبل خمسين سنة كان هناك تشجيع كبير على القراءة والمواصلة ..

 

س15: خلود الحسناوي: برغم الظروف السياسية والمعيشية المتدهورة؟

ج15: الفريد سمعان: لا لا كانت القراءة متاحة ولم تقتصر على فئة معينة وليس على احد .

 

س16: خلود الحسناوي: من خلال حبك للمطالعة بماذا تأثرت في بداياتك بأي كتاب او باي كاتب حسب ما ذكرت انك تأثرت (بـ طه حسين) لكن طفولتك بماذا تأثرت من تلك القراءات؟

ج16: الفريد سمعان: كانت بداياتي بالحقيقة بالمدرسة كان كتاب المطالعة فيه عدة مقالات لمختلف الكتاب المنفلوطي العقاد سواها مختلف الكتاب فهذه بدانا بها فكان هناك تشجيع من أساتذة اللغة العربية ومنهم أستاذ جواد أستاذ رزوق فرج رزوق وكنا نذهب للمكتبة يوم الجمعة نختار كتاب معين ونتناقش مع بعضنا على الكتب الموجودة على قدر امكانياتنا العقلية آنذاك وتطلعنا للنقاش والحوار وسواها من هذا القبيل .

 

س17: خلود الحسناوي: اجابتك تقودني الى سؤال اخر وهو يجب من خلال هذه الملاحظة ان نهتم بالمناهج الدراسية لأنها خلقت لنا الفريد سمعان؟

ج17: الفريد سمعان:  بالتأكيد المناهج الدراسية لها تأثيرا كبيرا جدا على وضع البلد بالذات كل وطن من خلال برنامجه الدراسي بدءً من الروضة وانتهاءً بالكليات الكبيرة والعظيمة يجب ان يكون هنالك اهتمام بالوضع العلمي الذي يعيشه البلد لأننا بدون علم بدون معرفة لا يمكن ان يتقدم أي بلد من البلدان .

 

س18: خلود الحسناوي: اذا هي التي تضع اساسيات شخصية الطفل مستقبلا وتحدد خطواته؟

ج18: الفريد سمعان: المدارس الاوربية الموجودة وقسم منها فتحت في العراق والموجودة في بيروت وسواها وهناك يبدؤون بتعليم اللغة الفرنسية من صف الأول عدى اللغة العربية اللغة الانكليزية والفرنسية من الصف الأول ابتدائي .. طبعا هذا يختلف عن هذا مشرد يلبسوه الدشداشة ويقولون له اذهب والعب في الطريق .. التعلم والمعرفة لا تأتي عبثا لكن من خلال منهاج وبرامج مبنية من قبل الدولة ومحدد ضمن تطور مجتمع نحن الان بالعلوم متخلفين عن الشعوب الأخرى الان نتلقى كل شيء من الخارج لا نصنع شيئا تقريبا،لكن العلوم المتطورة والتي تهم البشرية بالذات أصبحت في تطور رهيب انتِ تقرئين الكرة الأرضية من خلال الأقمار الاصطناعية من خلال نبضات معينة وامور نجهلها نحن ولكن نجد اثارها الان الولايا المتحدة او روسيا او المانيا تجدين علماء يحتلون الكرة الأرضية بعلمهم وليس بالعنتريات فبعلمهم وإمكانياتهم،فهناك رجال فضاء يعيشون هناك سنوات او اشهر معينة وبينهم نساء فالعلم اليوم ليس له حدود ولا مكان ومن لا يتابعه يضل متخلفا ويضل يمد يده يحتاج لقمة العيش في الدول المتقدمة .

 

 س19: خلود الحسناوي: هل هناك أسباب جعلتك تعتزل العمل في اتحاد الأدباء؟

ج19: الفريد سمعان: انا رجل أصبحت على أبواب الـ 90 ومن حق الشباب ان يأخذوا حقهم ودورهم في تطوير المعرفة وفي مواصلة المسيرة وكل انسان له حدود يقف عندها ويجب ان يحترمها ويحترم الجيل القادم الذي يستلم هذه المهمة، ويمكن يبدع ويمكن ان يقدم الأفضل او مالم نستطع نحن تقديمه وهذا ليس تواضعا انما هو واقع حال كل جيل يأتي بعده جيل امامه فرص افضل للعمل والنشاط الثقافي وفي كل المسائل الأخرى ولذلك انا لا احسد أحدا ولكني اطالب الجيل الجديد في الاتحاد ان يواصل المسيرة وان يبدع وما قدمناه هو جزء ضئيل مما يمكن ان يقدمه هو ويمكن ان يستفيد من تجربتنا وهذا شيء يسرنا لأننا لسنا انانيون لانا نحب وطننا وشعبنا ونحب ان تتطور وان نكون على عتبة الخير والمحبة .

 

س20: خلود الحسناوي: كيف تقيم جلسة التصويت والترشيح لاختيار القيادة الجديدة للاتحاد بعد الانتخابات الأخيرة؟

ج20: الفريد سمعان: القيادة الجديدة للاتحاد جاءت بالانتخاب ووفق قناعات معينة وهم عناصر شابة وتستحق ان تستلم المسؤولية وان تحقق ما تريد لمصلحة الاتحاد والادب والفكر العراقي وان تتحمل المسؤولية بشكل رائع وان تطور الأمور كما يساعد الظرف والواقع الحالي وهي فعلا تطورات لمسناها من خلال الفكر الجديد الذي جاء والطموح الكبير لان كل فرد يختلف عن الاخر وانا سعيد باني استطعت ان اخلق جو مالي ومادي للاتحاد اذ يستفد من هذا الجهد المالي الموجود في ان يبني ويعمر وانا اعتز بهذا الجهد والكل يشهد باني انا الذي حافظت على مالية الاتحاد ووضعه الاقتصادي واستطعت فعلا ان اوفر إمكانيات مادية جيدة جدا الان يستفد منها وسوف يضيف لها ويطورها كما اعتقد لان العناصر التي استلمت لديها حرص ورغبة في الإنجاز وفي التقديم والابداع .

 

س21: خلود الحسناوي: اذا الفضل هنا الى خبرتك القانونية كونك رجل قانون استطعت ان تستحصل على حقوق الاتحاد؟

ج21: الفريد سمعان: مجموعة تجارب انا رجل قانوني وعملت بالمحاسبة والسياسة والصحافة وكتبت الشعر ومارست اعمال تجارية انا فتحت اكثر من محل وكان من الممكن ان أكون مليونيرا لو كنت مستمرا في العمل التجاري فتحت محل أدوات كهربائية واخر للقهوة واخر للنجارة كان ممكن لو وضعت نفسي في هذه القوالب كان ممكن ان اصبح مليونيرا لكن غلب عليَّ الاتجاه الفكري واهمال هذه النواحي لكن الحمد لله وضعي المادي لابأس به مستقر وما قدمته بحياتي ممكن يكون نتاج جيد ويستحق الاهتمام .

 

س22: خلود الحسناوي: ما قصدته من سؤالي في الجانب القانوني كون حضرتك لديك خبرة بالقانون وبفروعه كونك تستطيع ان تستحصل الحقوق من الاخرين؟

ج22: الفريد سمعان: نعم فعلا لما كانت تمر مسائل قانونية كنت اقدر على معالجتها واحرص على متابعتها إضافة اني استفد من زملائي الاخرين الذين هم اكثر تجربة مني في هذا الميدان وهذا موقع اعتزاز كل انسان يؤمن بالواقع لا يوجد انسان يتفوق في كل شيء انا اتفوق في مجال ولكن احتاج انسان او الى جهد اخر من الاخرين الذين يمتلكون خبرة اكثر مني في ذلك الميدان ولذلك انا لست انانيا وحريص على ان استفد من الاخرين واحب عملهم وامَجِّده .

 

س23: خلود الحسناوي:

اني كفرت بدين الله في وطني .. حرصا عليه وبعض الكفر ايمانُ

لمن هذا البيت وماذا تعني لك؟

ج23: الفريد سمعان: هذه قصة قديمة كيف تذكرتيها؟ هذه الابيات للشاعر رئيف الخوري قالها في الانتخابات عام 1947م في دمشق وكنت حاضرا في المسرح وسينما شهرزاد في دمشق والذي لايزال الى الان وكانت حينها انتخابات والمرشح خالد بكداش سكرتير الحزب الشيوعي السوري وانتُخِب فعلا نائبا عن دمشق بعد هذه الانتخابات فجاء رئيف الخوري فقرا هذه القصيدة ضمن الاحتفالية في سينما شهرزاد ومن جملتها هذا البيت وقد أُثِيرَت حوله الكثير من المسائل فاعتبر نوع من التحدي للدين وكما سمعت انه حوله فيما بعد واستفاد منه وحاول ان يُفهِم الاخرين بانه ليس استخفافا بالدين ولكن حرصا على الوطن والدين الذي يجب ان يخدم الوطن والناس لان الناس المتعلقة بدينها يجب ان تخدم وطنها وشعبها وتعمل على تطويره وتزويده بكل ما يمكن وان الدين ليس عائقا للتطور الدين على عكس ذلك يستحق المحبة والمعرفة وان يستفيد الانسان منه وان يمجده وان يعطيه أهمية خاصة لخير المجتمع وليس لأغراض شخصية او انتخابية او ابتزاز او شيء من هذا القبيل الدين هو معرفة الله معرفة الخلق والمبادئ السليمة التي جاء بها لكن يجب ان لا تتعارض مع المسيرة الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع .. الدين يُحترَم ويوضع على الرؤوس ولكن البلد يحتاج الى خطوات أخرى في مجالات الاقتصاد والمعرفة والعلم والسياسة كلها تقود البلد وهي أيضا دعم للدين .

 

س24: خلود الحسناوي: في ختام هذا الحوار كلمة أخيرة لك وما الذي في بالك لم تقله لحد الان؟

ج24: الفريد سمعان: اريد ان أقول ان الانسان يبدا مسيرة حياته بشكل او باخر في المدرسة كنا يدخل ملايين الطلاب في كل سنة من هذه الملايين أناس ينجزون واناس لا ينجزون هذه المسيرة تخلق علماء وتخلق ناس بسطاء ولابد من المعرفة ان تشمل الجميع ولابد ان نهتم بالإنسان لأنه قد يكون هذا الانسان ذكيا جدا ولكن لا تُتح له الفرصة فيجب ان نمنح الفرصة لكل انسان ذكي ومتمكن من اختصاصه ويسعى الى ان يُحقق حلمه في الابداع والعمل والانسان بالحقيقة يحتاج الى كل هذه المسائل وانا ادعو لفسح المجال اما العقول البشرية الذكية لكي تصنع المستقبل .

 

خلود الحسناوي: في ختام حوارنا نتمنى لك الصحة والعافية ان شاء الله

الفريد سمعان: اشكرك جدا على هذا الحوار وجهدك فيه .

 

حاورته: خلود الحسناوي .

 

doha alhadadaseelsami2في هذه الحلقة من مدارات حوارية، تستضيف المثقف الأعلامية أسيل سامي وحوار أجرته معها الشاعرة ضحى الحداد، فأهلا وسهلا بهما في المثقف.

- بعض الاعلاميات العراقيات يفتقرن الى المعايير المهنية.

- كنا نخضع لمقاييس صارمة فيما يتعلق بمن يظهر على الشاشة.

 - للسناب شات وقع السحر على حياتي.

 

- إعلامية عراقية من مستوى رفيع عرفها الجمهور من تلفزيون العراق عام 1991 وبعدها الانتقالة عربيا، حيث اشتهرت بتقديم برنامج (هذه الدنيا) انها اسيل سامي ابنة الفنان سامي عبد الحميد والفنانة فوزية عارف، عدنا معها الى زمن الاعلام الهادف مرورا بالوقت الحاضر وكان لنا هذا الحوار الشيق..

س1: ضحى الحداد: اسيل سامي الاعلامية العراقية المخضرمة التي التحقت بالركب الاول لمبدعي العراق في اوائل التسعينيات، من اين انطلقت شرارة الاعلام فيك؟ وكيف تم اكتشاف الموهبة؟

ج1: أسيل سامي: منذ صغري وانا مولعة باللغات حتى أجدت اللغة العربية والانكليزية اجادة تامة، وكان لدي حس الظهور والتميز بين اقراني فتارة تجديني القي الكلمات امام الجموع، وتارة اخرى الشعر، الى ان اصبح شغفا لم استطع الا ان اطوره، لكن لم يكن التصور مكتملا لدي الى حين تخرجي من الجامعة، عندها شعرت ان هذا مكاني الحقيقي: ان اكون مذيعة واجري الحوارات واللقاءات ومن هنا انطلقت.

 

س2: ضحى الحداد:رغم ابتعادك عن ارض الوطن لسنوات عديدة،، مازالت اسيل تتمتع بقاعدة جماهيرية ومتابعين في السوشال ميديا خصوصا السناب جات، كيف قربك هذا التطبيق من الناس.؟

ج2: أسيل سامي: فعلا تطبيق السناب شات كان له وقع السحر بيني وبين الناس الذين لا يزالون يتذكرونني حتى الان رغم ابتعادي عن ارض الوطن لسنوات فاصبح السناب شات هو حلقة الوصل من خلاله يبثعون لي برسائلهم الجميلة التي تشعرني بمحبتهم وتقديرهم لي، واجزم بان المتلقي يمتلك الذوق الرفيع والقدرة على التمييز بين الاعلاميين المتميزين الذين تعبوا كثيرا من اجل بناء مسيرة مهنية محترمة وبين اخرين قد لايكون لهم بصمه في واقع الاعلام، لذلك فان لمواقع التواصل الاجتماعي الفضل الكبير في التواصل بيني وبين المتابعين الذين لطالما يذكروني بأيام ظهوري على شاشة تلفزيون العراق والبعض الاخر اكتشفني للتو وهذا يزيدني شرفا وسعادة .

 

س3: ضحى الحداد:في خضم الانفتاح وانتشار مئات القنوات العراقية، ما هو رأيك بالاعلاميات العراقيات من داخل العراق؟

ج3: أسيل سامي: ان اجبتك على هذا السؤال ربما اثير انزعاج البعض سأحاول ان اكون دبلوماسية " في البدء زيادة عدد النساء العراقيات اللواتي انضممن الى ركب الاعلام هو شئ صحي للغاية، ومن الايجابيات فتح قنوات عديدة مع هامش من الحرية في الاعلام العراقي وتدفق وجوه جديدة البعض اثبت حضوره القوي ودخل مجالات مختلفه،

 ولكن، لكن لكن "مع التشديد" ماتزال هناك ثغرات للاعلاميات العراقيات حيث ان البعض منهن يفتقر الى ابسط المعايير المهنية مثل اللغة، الاعتماد على المظهر واهمال الجوهر، قلة الثقافة وانا اعتقد ان هذا ليس ذنبهن لان المؤسسات التي توظف هؤلاء لا تعمل على تدريبهن بما فيه الكفاية فمثلا عندما تتقدم السيدة للمجال والادارة تجد فيها القدرة على الظهور والوقوف امام الكاميرا يتم توظيفها مباشرة دون النظر الى المعاييرالمهنية، واذا سلمنا بان هذا ممكنا فيجب العمل على صقل دورها المهني، وتطوير امكانياتها، وادخالها دورات في اللغة، ودورات تتعلق بالمظهر والجلوس وكيفية اداره الحوارات، المشكله ان المؤسسات الاعلامية الجديدة لا تبذل جهدا كافيا في تطوير مهارات المذيعات لذلك البعض تنقصه الكثير من المعايير بالاضافة الى ان عددا لابأس به من ذوي الخبره خارج العراق.

 

س4: ضحى الحداد: يعني بما ان الواقع يحتاج دعما وتغييرا من اصحاب الخبرة هل ستقومين بعمل دورات للاعلاميات العراقيات لو طلب منك ذلك؟

ج4: أسيل سامي: بالتاكيد، يسعدني ويشرفني جدا ان اصب سنوات الخبرة الطويلة في دورق من ذهب واقدمه بكل حب الى اعلاميات العراق الشابات وان افيد بلدي، اذا ما تم استقطابي ودعوتي فبكل سرور سألبي الدعوة.

 

س5: ضحى الحداد: بما ان هناك جدلا كبيرا حول موضوع الجمال في التلفزيون،، الى اي مدى يمكن ان تعتمد عليه المذيعة في مجال عملها؟ وهل ساعدك الشكل الجميل في فتح افاق اكبر؟

ج5: أسيل سامي: بالنسبة لي لا اعتبر نفسي جميلة على الاطلاق ما يميزني حسب ما تصلني من ردود هو حضوري وقدرتي في الاداء والتلوين، اما الجمال فهو مسالة نسبية،واعتقد بانه يجب ان لا يعتمد الاعلامي والاعلامية على الجمال من اجل اثبات النفس لسبب ان الساحة الاعلامية الان كبيرة هناك مئات وربما الالاف من المذيعين والمذيعات الصحفيين والصحفيات منهم خارقوا الجمال ومنهم اشكالهم متواضعة، الى من تميل الكفة؟ اكيد ليس الى الشكل الجميل، لذلك فالجمال ليس مقياسا للنجاح وانما المعايير الثقافية واللغوية وغيرها من اساسيات العمل الصحفي،ولكن اذا ماتحدثنا عن معيار الشكل فلابد ان يكون هنالك مظهر يوحد شكل الاعلامي بمعنى ان المذيعة يجب ان تعتمد على ستايل يميزها بعيدا عن التغييرات الهائلة والمصطنعة من مساحيق التجميل وتسريحات الشعر المبالغ بها، لابد ان يكون المظهر مهنيا واحترافيا فضلا عن الحضور والالقاء والظهور بشخصية متفردة فهذا برأيي هو الجمال.

 

س6: ضحى الحداد:كيف تقضي اسيل سامي وقت فراغها ؟ وهل تتواصلين مع مذيعات التسعينييات؟

ج6: أسيل سامي: حقيقة ليس لدي وقت فراغ على الاطلاق فانا منهمكة ما بين عملي ومابين اسرتي واولادي واهتمامي بهم بالاضافة الى ان لدي حياة اجتماعية صاخبة، احب تثقيف نفسي من خلال القراءة والسفر .فهو يضيف لي كثيرا من التجارب. بالتأكيد اتواصل خصوصا مع المذيعة العزيزة على قلبي امل حسين والقريبة مني اقبال حامد.

 

س7: ضحى الحداد:خلال مسيرتك الطويلة والحافلة بالانجازات والخبرة، ماهي نصيحتك للاعلاميين الجدد؟

ج7: أسيل سامي: نصيحتي ان يهتموا بالمضمون اولا مثل تطوير الثقافة في كافة المجالات،ثانيا تطوير اللغة فقد لاحظت استسهال هذا الجانب فتخرج على مسامعنا مفردات تنطق بشكل خاطئ او تشكيل غير صحيح وهذا مايجعل اللغة العربية تتدهور للأسف ونحن نعلم تماما بان الاعلام وسيله حيوية وحاسمه في تطوير ثقافه الاجيال، والمتلقي لذلك لابد ان يكون الاعلامي حريصا على اللغة، وانصح بالحرص على بناء الشخصية وعدم السقوط في فخ الغرور،اذ يجب ان يعرف الصحفي انه مهما وصل فهو مازال يتعلم ويستفيد من خبرات الاخرين .

 

س8: ضحى الحداد:نشاهد ونسمع عنك من المتابعين بانك من (جيل الطيبين) لم برأيك يتم تصنيفك من هذا الجيل؟

ج8: أسيل سامي: تضحك، اينما ذهبت ينادونني بجيل الطيبين طبعا انا اعتز بهذا اللقب ولماذا صنفت هكذا،، لاننا كنا جيلا متفردا من حيث المقاييس حيث كانت مختلفه تماما حتى اعدادنا كانت محدودة وكنا نخضع لقوانين صارمة جدا فيما يتعلق باختيار من يظهر على شاشة التلفزيون لذلك تجدين كل مذيعة واعلامية في جيلنا تختلف عن اخرى وفي نفس الوقت تنافسها قوة وحضورا ومظهرا وهذا الكلام ينطبق على الاعلاميين من الرجال ايضا لكن وبقدر اعتزازي بلقب جيل الطيبين لا اريد ان اصنف بطريقة وكانني انتمي الى جيل ليس متواصلا مع الوقت الحاضر وفعلا هناك من وقع في عزلة ولم يتمكن من التواصل مع هذا الجيل، انا على العكس اعتبر نفسي من الذين ينتمون الى جيل سابق لكنهم متواصلون ويمدون جسورا مع الجيل الحالي من خلال اطلاعي وتواصلي مع الشباب وكثيرا ما تصلني رسائل من الاعلاميين الشباب يطلبون نصيحتي واتواصل معهم لذلك انا من جيل الطيبين ومتواصله ومتفاعلة مع الجيل الحالي .

 

حوار ضحى الحداد

 

ibrahim ohseenabdulrahmanaltomaraفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الناقد  د. عبد الرحمن التمارة، وحوار شامل وصريح أجراه معها الكاتب والأديب: ابراهيم أوحسن، فاهلا وسهلا بهما في المثقف.

 

د. عبد الرحمن التمارة

- عضو اتحاد كتاب المغرب.

صدر له:

- جمالية النص القصصي المغربي الراهن 2010

- السرد والدلالة: دراسة في تأويل النص الروائي 2012

- مرجعيات بناء النص الروائي 2013

- سوسيولوجية الرواية: البنية واللغة 2015

- نقد النقد: بين التصور المنهجي والإنتاج النصي 2017

.......................

 

شقَّ في فعل القراءة مسارات أخرى غير الطقوسية الطبيعية العابرة للمتون، فتجده تارة متطلعا لبلوغ المعنى، و تارة متطلعا لتجاوز المعنى إلى معنى المعنى؛ فلم يلبث أن وجد في نفسه ذاك " الناقد " المنشغل بالنص الأدبي قراءة وتحليلا، إذ ما جدوى قراءة النصوص إن لم تكن تفكيكية تساؤلية؟ وما جدوى الناقد أصلا إن لم يستطع حمل إزميل الأركيولوجي، مستنطقا لغة النصوص، كاشفا أسرارها الدفينة، وفق ما يقتضيه النقد من منطلقات منهجية دقيقة و شروط إبستيمولوجية محددة. بهذا، استطاع على مدى سنوات مراكمة منجز نقدي مهم مكّنه من نحت اسمه بارزا إلى جانب النقاد المعروفين في الساحة الأدبية النقدية على المستويين الوطني والعربي على السواء.

خطوات ثابتة في درب النقد والسؤال النقدي، ارتبط بها اسم الناقد المغربي الدكتور "عبد الرحمن التمارة"، أستاذ السرديات والنقد الأدبي الحديث بالكلية المتعددة التخصصات التابعة لجامعة مولاي إسماعيل بالرشيدية، اسم أغنى المجال النقدي بالعديد من المؤلفات والأبحاث الرصينة والنوعية في اختياراتها وقيمتها المضافة. كان لنا معه هذا الحوار الماتع والهادف...

حاوره  لصحيفة المثقف: إبراهيم أوحسين

...................

 

س1: ابراهيم أوحسن: بداية لا بد أن نسألك عن "عبد الرحمن التمارة"، فما قولكم فيه؟

ج1: د. عبد الرحمن التمارة: إذا كنت تسأل عن الماهية فأنا منشغل بمعرفة ذاتي في كل حين، وبمختلف الوسائل والأدوات التي تجعلني أكتشف الجوانب الغامضة فيها. أما إذا كنت تسأل عن الكينونة فأنا إنسان يعيش الحياة في امتداداتها المختلفة عبر العناية بأسرتي الصغيرة، وأستاذ باحث منشغل بالتربية والتدريس في التعليم الجامعي وما يقتضيه ذلك من التفكير في قضايا معرفية وبيداغوجية، وباحث منشغل بالنقد الأدبي الحديث؛ من نقد السرد الروائي والقصصي إلى نقد النقد الأدبي، راكمت لحدود الآن، من داخل هذا الانشغال، خمسة كتب نقدية في نقد القصة والرواية والنقد.

س2: ابراهيم أوحسن: عندما نحتكم للألقاب الأكاديمية، وتبعا لمجال اشتغالكم واهتمامكم الأدبي، فإنكم تحملون حتما لقب أو صفة "ناقد"؛ ومن الطبيعي ألاّ تكون هذه الصفة لائقة إلا بمن تستلزمهم شروط معينة، وإلا جاز أن يكون كل حامل قلم ناقدا. ما هي في نظركم؟

ج2: د. عبد الرحمن التمارة: يجب أن نميّز بين اللقب الأكاديمي باعتباره لقباً مقترناً بمؤسسة تلزم الباحث بشروط علمية يقتضيها الفعل الأكاديمي في كينونته النّوعية، وبين الهوية الذي يكتسبها المنخرط في الفعل الأدبي من مدخل النقد والدراسة. لهذا، فلقب ناقد متّصل بحجم الإنجاز المعرفي الذي ينتجه دارس الأجناس الأدبية المختلفة، برؤية نظرية أو بتحليل نصي خاضع لشروط إبستمولوجية محدّدة ومضبوطة. من هنا، فالناقد هو الذي يدرس ويحلل ويسائل الظواهر والقضايا والنصوص الأدبية بتصور نقدي غايته بناء المعرفة، وتشييد الأفكار، وإظهار المواقف والرؤى الإنسانية. لهذا، فالناقد الحقيقي يبذل جهداً معرفياً كبيراً ليبني الأفكار، ويؤسس لمطارحة القضايا الأدبية بمنهجية علمية، فيكون خطابه مؤسساً على مفاهيم مضبوطة، تقترن بمرجعية دالة ومحدّدة، وترتبط بنظرية واضحة المعالم والحدود. من هنا، فالناقد يمتثل لآليات التدبير المعرفي والمنهجي الصارم، للظواهر الأدبية المختلفة، أملاً في بناء الدلالات والمعاني، وكشف الأبعاد. لهذا، ليس مهماً أن يحمل الناقد قلماً، أو حاسوباً يدبج فيه مقالاته النقدية، لكن الأهم أنْ ينتج خطاباً نقدياً متسماً بالفعالية العلمية، وهادفاً تحقيق إنتاجية معرفية بأفق تنويري. من هنا، فمسؤولية الناقد كبيرة، من الناحية الإبستمولوجية، يجب أن تفضي لإدراك حدود النقد، لأن ذلك يؤدي لإدراك غاية وجود الناقد.   

س3: ابراهيم أوحسن:  بعض النقاد يمارسون دور "الوصاية" أو "الرقيب" على العمل الأدبي، فتجدهم يحددون خارطة طريق أمام هذا العمل أو ذاك بما يجب أن يكون وبما لا يجب كونُه. فهل من حق الناقد أن يستخدم هذا الحجم كله من "السلطة " الأدبية إن جاز التعبير؟

ج3: د. عبد الرحمن التمارة: أفهم من هذا السؤال أن العلاقة بين الأديب والناقد مبنية على الصراع، والحقيقة عكس ذلك. يجب أن نتفق على وظيفة الناقد أولاً، لنتبيّن آليات الفعل النقدي وطبيعته التي تجعله كينونة معرفية خاصة ثانياً. من هنا، إذا كان الناقد مطالباً بالحكم والتقويم المؤطر بالأدلة الموضوعية، الذي لا يعني الوصاية والرقابة، فلأن ذلك من صميم العمل النقدي. بهذا المعنى، فاشتغال الناقد ضمن الإطار المعرفي الضابط للممارسة النقدية، يجعل تعامله مع "الإبداع الرديء" حاسماً؛ سواء على مستوى الاقتراح النظري الذي يفيد ضرورة تجاوزه، أم على المستوى التحليلي الذي يبيّن عيوبه ومظاهر الرداءة فيه. هذه ليست سلطة مدمّرة، بل هي ممارسة تنويرية كاشفة. للأسف كثير من النقاد لا يمارسونها، وكثير من الأدباء يتضايقون منها إذا مارسها النقاد. المهم النقد دائماً في منطقة اللوم؛ سواء تحدث النقد والنقاد، أم صمتوا على بعض  الأعمال الإبداعية.   

س4: ابراهيم أوحسن: هل يمكن أن يتحول النقد إلى "انتقاد"؟ أم أن للنقد حدودا لا ينبغي تجاوزها؟

 ج4: د. عبد الرحمن التمارة: النقد مجال معرفي، والانتقاد حكم مرتبط بموقف مبني وِفق رؤية صاحبه. لهذا، لا يمكن أن يصير مجالاً مضبوطاً بمنطلقات منهجية، وبجهاز مفاهيمي، وبرؤية إبستمولوجية، حكماً تقويمياً. كثير من الناس يحصل لهم خلط فظيع بين النقد باعتباره مجالاً معرفياً، يقوم في أحد مراحله على إصدار حكم تقويمي، وبين الانتقاد باعتباره تقويماً كاشفاً لاختلال معيّن في الممارسة الأدبية والنقدية على السواء؛ وقد تؤطره رؤية إيديولوجية منافية للغايات العلمية المراد تحقيقها من الفعل النقدي. وبالتالي، فلا معنى للحديث عن الشق الثاني من السؤال، إذا كان الهدف منه التأكيد على عدم إصدار حكم، علماً أن النقد من ثوابته إصدار الحكم الموضوعي والناضج. بهذا المعنى، فالنقد مهم من جهة التّصور النظري الذي يقترح الأفكار النظرية حول الفعل الإبداعي، ومن جهة الإنجاز العملي الذي يحلل النصوص الأدبية ويدرسها برؤى معرفية وتصورات منهجية.   

س5: ابراهيم أوحسن:  النقاد - في نظري- صنفان: صنف يدعو الأديب إلى انتهاج البساطة في عمله مبنىً ومعنىً، وصنف يدعو إلى التكلف وإحكام "الصنعة" ليرتقي العمل الأدبي إلى مستوى يمكن به أن يوصف برواية أو بشعر..إلخ. فإذا صح هذا التصنيف، فأي الصنفين أحق بالاتباع؟ أم أن الأديب، وهو يكتب، لا داعي لأن يستحضر ناقدا محتملا أمامه؟

ج5: د. عبد الرحمن التمارة: سأبدأ بالشّق المتعلق بتصورك للنقد. إنّ تصنيفك يستند على جهاز مفاهيمي مقترن بالنقد التراثي. لكن خارج منطق الصراع بين الفهم الحديث والقديم للنقد، يمكننا القول إن النقد، ببساطة، ممارسة معرفية يجب أن تتسم بالوضوح في لغتها ومفاهيمها واستراتيجيتها المنهجية، وتقارب النّص الأدبي، بمختلف انتماءاته الأجناسية، برؤية علمية دقيقة تشرّح محمولاته الدلالية والفكرية وأدواته الفنية والجمالية، وتربطها بالسياق التاريخي والحضاري والثقافي، أي كل ما له صلة بصميم الفكر والوجود الإنساني، بلغة إدوارد سعيد. بهذا المعنى، فالنقد البناء هو الذي يتوخى تشييد معرفة منفتحة وتعمّق تراكم الوعي بالوجود والفكر والإنسان والثقافة، برؤية منهجية دقيقة وواضحة، وبلغة معبّرة عن الخطاب النقدي وكاشفة هويته وماهيته. من هنا، يعيد بناء النص الأدبي بما يوافق منطلقاته المنهجية، وخلفيته الثقافية والمنهجية؛ وفي بنائه ذلك يكشف ماهيته الثقافية المعبّرة عن زمنيته وعصره وهويته، والكاشفة تورط الخطاب المدروس في صراع المواقع والسلطة، وانخراطه ثقافيا في الحياة. لهذا، فالعملية النقدية تقوم على الفعل الخلاّق، لأنها تهتم بالخطاب الأدبي والفني، فتكشف مضمراته وتحليل محمولاته وأدواته، مثلما الأديب يعتني بأدبه، لحظة البناء والتشييد، ويترك الباقي للناقد أو القارئ المحتمل.   

س6: ابراهيم أوحسن:  قد نجازف ونقول: "إننا في زمن الرواية"، ولا شك أنكم ممن يهتمون بهذا الصنف الأدبي قراءة ونقدا. بماذا تفسرون رجحان الكفة لصالح الرواية على حساب الأصناف الأدبية الأخرى، على مستويي القراءة والإنتاج؟

ج6: د. عبد الرحمن التمارة: لا نتوفر على معطيات إحصائية دقيقة لنتأكد من ذلك. من هنا، في تقديري تكتسي "هيمنة" قراءة، وهو أمر مأمول، وإنتاج الرواية رمزية مزدوجة؛ الرمزية الأولى قوامها الاستجابة لسلطة السرد السحرية التي تسيطر على القارئ، فتلزمه بمعرفة أحداث كثيرة تشتغل كتمثيل لحياة بشرية يمكنها أن تكون قريبة منه أو دالة عليه. والرمزية الثانية أساسها التداول الكبير، المدعوم بحوافز مغرية، للإبداع الروائي في الحقل الثقافي؛ وهو تداول لا يخلو من الرغبة في تثبيت "قدم" العبقرية الإبداعية في حقل صعب، ويعتقد الكثيرون أنه سهل وبسيط، وتكفي "حكاية" معينة لتشييد رواية نوعية، إن لم تحظ بجائزة معينة، فقد تجد لها قارئا ينتشلها من وحدتها في رفوف المكتبات. 

س7: ابراهيم أوحسن:  امتلأت الفضاءات الرقمية بنقاد "رقميين"، يكتبون عن أعمال أدبية بكل ما تحمله كلمة حرية من معنى. هل هذه المساحات الشاسعة المتاحة من طرف الوسائط تلك تخدم الحركة النقدية بشكل عام  أم تسيء إليها؟

ج7: د. عبد الرحمن التمارة: النقد له شروطه، والفضاء الرقمي له غاياته. هذه الوسائط تخدم النقد على مستوى الإخبار، وأحيانا على مستوى النشر والتداول. أما غير ذلك، فالنقد نقد، مهما كان حامله (ورقيا أم إلكترونيا). وأعتقد أن غياب الوعي بفضاء بلورة خطاب نقدي يعد في حد ذاته إساءة للنقد والإبداع. بهذا المعنى، أريد أن أقول: الكثير يمارس نقده الخاص في وسائط الاتصال الجماهيري، فينال رضى المشتركين في الوسيط الإلكتروني، ولكنه يخسر هويته كناقد مطالب منه إنتاج معرفة أولاً، ثم العمل على تعميمها بما يفيد الآخرين من جهة ثانية. من هنا، فالوسيط الإلكتروني مفيد في التعريف بالفعل النقدي، وكذلك بالإنتاج داخله، لكن ليس بسرعة وتسرع، وبشكل يومي يدفع للتساؤل عن جدوائية هذا الفعل وفائدته المعرفية.

س8: ابراهيم أوحسن: يقول المفكر البلغاري «تيزفيتان تودوروف»: " النقد ليس ملحقا سطحيا للأدب، وإنما قرينه الضروري، إذ لا يمكن للنص أن يقول حقيقته الكاملة". على هذا الأساس، هل يحتاج كل منتج أدبي إلى نقد (نص ثان) يخرجه من عتماته؟

ج8: د. عبد الرحمن التمارة: لا ليس ملزما بذلك. وهذا يؤكد على حقيقة مفادها أن النقد الأدبي يمكنه أن يندرج في خطابات مختلفة ليست بالضرورة مقترنة بالنقد التحليلي للنصوص. بمعنى أن الحديث عن النقد الأدبي لا يجب أن يكون من منظور تفاضلي مع الأدب، أو من زاوية التبعية. يمكن الحديث عن التلازم التفاعلي، بحيث قد يكون النقد سابقا على الإبداع في حالة النقد التنظيري، وقد يكون النص الأدبي موجوداً ولكنه لا يعدّ أرضية لاشتغال النقد، لأنه يكون ضمن متابعة لحركيته وديناميته في سياق النقد التاريخي. كما يمكن أن يكون نقداً بمعايير محددة سلفا لأنماط مختلفة من النصوص الأدبية، ما دامت الغاية هي كشف الطبيعة المميزة لهذه النصوص؛ سواء على مستوى المضامين، أم على مستوى البناء، أم على مستوى ضبط تفكيكها وتحليلها وفق منهجية إجرائية غايتها تقريب النص الأدبي من المتلقي في سياق خاص كما هو الشأن مكع النقد المتبلور في الخطاب التربوي.

س9: ابراهيم أوحسن: لما سُئل الروائي البيروفي «ماريو فارغاس يوسا» عن معمار الرواية، أجاب بأنها تشكُّل ومزج بين الأسلوب (البناء اللغوي للسرد)، والنسق (خلق انسجام بين الراوي وبين المكان والزمان القصصي)، والإقناع (قدرة الروائي على إقناع القارئ). فإن كان الأمر كما قال الخبير «يوسا»، ألا يجعل الإنتاج الروائي الضخم الذي شهدته الساحة الأدبية اليوم الأدبَ الروائي في خطر؟

ج9: د. عبد الرحمن التمارة: تبدو رؤية يوسا جزئية، لأنها تعبّر عن تجربته وتصوره للرواية، وليس ما هي عليه الرواية في تكونها وتحولاتها المصاحبة لها منذ مدة طويلة. لهذا، فالأدب الروائي في خطر حينما لا يكون كاتبه على وعي نظري بالرواية أولاً، وعلى اطلاع جيد على النصوص الروائية ثانيا، وعلى معرفة بمجمل القضايا التي يمكن أن يتضمنها إنتاجه الروائي ثالثاً. أما الحديث عن "الإنتاج الروائي الضخم" فيبدو، في تقديري، دليل انتعاش ثقافي. وكم نحن في حاجة إلى هذا الإنتاج، كي نؤسس حوافز متنوعة للقراءة. بهذا المعنى، في ظل هيمنة وسائط الاتصال الجماهيري، وشبكة الاتصال العالمية، نحن في حاجة إلى "إنتاج ضخم" ينتشلنا من الارتباط المرضي بتلك الوسائط، التي صارت أساسية في حياتنا، ويدفعنا للقراءة والتثقيف. لهذا، فالخطر الحقيقي هو أن تتراجع القراءة، أكثر من وضعها الحالي، إلى حدودها الدنيا، بدعوى أن المبدع يجب أن يكتب وهو "كامل". لم يولد "يوسا"، الذي استشهدت به روائيا دفعة واحدة، بل خضع لمنطق التدرج في امتلاك الصناعة الإبداعية الروائية. 

س10: ابراهيم أوحسن: في كتابكم "سوسيولوجية الرواية، البنية واللغة" قلتم (ص 34): "النص الروائي لا يعيش في عزلة ولا ينطلق من فراغ"، نفس المعنى الذي ذهب إليه الناقد الكندي «نورثروب فراي»، في كتابه "تشريح النقد"، قائلا: "لا يمكن إنتاج الشعر إلا انطلاقا من قصائد أخرى، ولا إنتاج رواية إلا انطلاقا من رواية أخرى". في رأيكم، ألا يفتح هذا المعنى "المتساهل" الطريق أمام "فوضى" التناص والاقتباس في مقابل الأصالة والسبق الأدبيين؟

ج10: د. عبد الرحمن التمارة: أنا لا أتحدث عن التناص، وإن كان ملازما لكل كتابة وكاتب، ويتعذر الانفصال عنه، وإن بطريقة لا واعية. ما أقصده هو علاقة الرواية بعالم الإنسان في تحققه السوسيولوجي، بما هو وجود نوعي، وبما هو نظام من العلاقات المتعددة والمتنوعة. لهذا، فمهما أوغل الروائي في الغرابة، وهنا أستحضر تجربة سليم بركات، في بناء أحداث روايته فإنها تظل، في بعدها الرمزي مقترنة بالإنسان في تحققه الوجودي والاجتماعي. كما أن رسم تلك الأحداث لا يخلو من تمثل الروائي للعالم الذي يعيش فيه. لهذا، فأقول دائما إن النص الروائي لا يرسم الواقع، ولكنه يعبر عنه، انطلاقا من وسائط جمالية وخطابية ولغوية، مما يصيّر العمل الروائي نتيجة طبيعية لرؤية الكاتب للواقع، في إطار من النسبية والرمزية التي تحجب، بالضرورة، الواقع الفعلي، وترمز إليه. من هنا، فالرواية الحقّة هي التي تبني أصالتها الأدبية انطلاقا من الفهم أولاً، ثم تشييد النّص ثانياً. أما من لا علم له بما يقع في مسار الرواية من تراكم وتحوّل فلن يفلح في الإنتاج الجيّد، وإن حقق "السبق"؛ لأن السبق لا يعني الجودة والجدة.

س11: ابراهيم أوحسن: عن دار كنوز المعرفة الأردنية صدر لكم -في طبعة أنيقة- مؤلفكم الأخير "نقد النقد"، وهو محاولة جادة لتعريف القارئ بمسار الانتقال من مرحلة البحث عن "المعنى" إلى مستوى البحث عن "معنى المعنى". هل يمكن الحديث عن "تلاشي" و"ضياع" المعنى عند الانتقال من عتبة النص الأصلي (النص الأول) إلى عتبة نقد النقد (النص الثالث)؟ وهل تفكيك النص الثالث يستلزم بالضرورة خوض غمار النص الأول والنص الثاني قبل كل شيء؟

ج11: د. عبد الرحمن التمارة: كتاب "نقد النقد: بين التصور المنهجي والإنجاز النّصي" يحكمه تصور معرفي بيداغوجي، يمكن بسطه في السؤال الآتي: كيف نحلل وندرس كتابا نقديا يحقق انتماءه للنقد الأدبي؟ أما معطيات توزيع النص إلى مراتب (الأول والثاني والثالث) فجاء للبرهنة على تميز كل نص عن الآخر، وليس أفضلية هذا النص على ذاك. وبالتالي حاولت أن أبيّن أن القراءة النقدية للكتاب النقدي الأدبي (النص الثاني) لها إطارها المنهجي الخاص بها، إذا كنا نراهن على الإنتاج المعرفي. بهذا المعنى، فما يهم المنشغل بنقد النقد هو إنتاج خطاب منسجم منهجيا، ومحكوم بجهاز مفاهيمي خاص، ومراحل تساهم في كشف جوانب متعددة من الكتاب النقدي، وخلق حوار مع أفكار الناقد ومواقفه، وعدم الاكتفاء بالمقاربة الوصفية التي تركز على مضامين الكتاب النقدي، وتجاوز "المحاكمة" و"العتاب" المجاني للناقد حين يبلور خطابه النقدي. من هنا، فالمنهجية التي أقترحها، والدراسات التطبيقية التي أنجزتها، تصبّ في تأكيد أن نقد النقد خطاب إبستمولوجي منتج. لهذا، فإنتاج نقد النقد يلزمه تمهيد ملائم ووصف لمعمار الكتاب النقدي، وإبراز لرهاناته، وكشف لمضامينه، وتحديد لجهازه المفاهيمي، ومناقشه المتن الذي اشتغل عليه، وتوضيح الآليات النقدية المعتمدة في الدراسة النقدية. 

س12: ابراهيم أوحسن: قبل أيام حصل الروائي السعودي الشاب «محمد حسن علوان» على جائزة البوكر عن روايته "موت صغير"، مما يؤكد قدرة الإبداع الشبابي على المنافسة على المستويين المحلي والدولي. كيف ترون الإبداع الشبابي في الساحة الثقافية اليوم أمام تحديات "الجودة"، وأمام التوجه "الرأسمالي" لدور النشر؟

ج12: د. عبد الرحمن التمارة: يفضي الجواب إلى الحديث عن ثلاث أفكار كبرى، يؤسسها التكامل والتداخل؛ أوّلها: إن تاريخ الإبداع والنقد الأدبي، خارج مقتضيات الزمن والمكان، يقوم على مسار خطي تساهم فيه أجيال مختلفة. هذا يعني أن الأجيال المبدعة تتفاعل بينها على قاعدة التراكم البناء، فيستفيد كل جيل جديد من جيل سابق، ثم يبلور تصوره الخاص في الكتابة الذي لا يعني، بالضرورة، أنه أفضل من سابقه، وسيتميز عن لاحقه. وثانيها، إن الموجة الجديدة من الكتاب الشباب، في شتى المجالات الإبداعية والفكرية والنقدية، تحاول الإجابة عن الأسئلة الإشكالات التي تعترض وجودها الخاص والعام. وبالتالي، فهي "موجة" طبيعية، تحقّق الشرط الذاتي في الكتابة، وتنخرط في سؤال التراكم الذي يؤسس لتوالي الأجيال، ويخدمها ثقافيا ومعرفيا. وثالثها، إن قضية الإجادة والإتقان هي العنصر الفاعل في الكتابة، مهما كان نوعها. لهذا، فالشباب لا يجب النظر إليهم من زاوية الانتصار الانبهار، أو من موقع الرفض والحصار، بحكم سّنهم الصغير؛ ولكن يجب النظر إلى منجزهم ومدى احترامه لشروط الفعل الإبداعي، وقدرته على الإضافة والتجديد. بهذا المعنى، فكتاب الرواية والشعر والمسرح والقصة والنقد..، من منظور جيلي، بعضهم يبدع بتميز نوعي، وبعضهم ينتج مؤلفات ويراكم إنتاجات تؤطرها البساطة، وإن كان أصحابها يشعرون بتميزها الخاص عن "القدماء". لهذا، أقول كل وضع أو كائن جديد سيصير قديما ومتجاوزا، لكن كل كتابة متميزة ستظل كذلك على الدوام. بمعنى أن الإبداعية الخلاّق هي مقياس تميّز كل كاتب انتمى إلى جيل قديم، أو هو ابن الموجة الجديدة. أما قضية النّشر فلكل واحد مداخله الخاصة.         

س13: ابراهيم أوحسن: هل ثمة عمل نقدي آت بعد عملكم الأخير "نقد النقد"؟

ج13: د. عبد الرحمن التمارة: حقيقة هي أعمال متراكمة، أرجو أن تسعفني الظروف، الذاتية والموضوعية، لتتمة الإنجاز. وهي أعمال نقدية لها علاقة وطيدة بمشروعي النقدي المنصب على نقد السرد الحديث (رواية وقصة)، ونقد النقد الأدبي.

س14: ابراهيم أوحسن: كلمة أخيرة.

ج14: د. عبد الرحمن التمارة: شكرا جزيلا على هذه الفرصة للتداول في أمور تخص الأدب والنقد.  

 

 

في هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف أمين عام اتحاد الادباء الشاعر: إبراهيم الخياط وحوار شامل وصريح أجرته معه الاستاذة خلود الحسناوي، فاهلا وسهلا بهما في المثقف.

 - نحن في اتحاد الادباء لا نتعامل مع الاحداث اليومية السياسية نحن نتعامل مع العموميات .

- الاعتراض هو ما سيؤدي الى تغيير المجتمع حين ينقل معاناته .

ــ كما توجد في البلد مرجعية دينية وكما توجد مرجعية سياسية نحن نُعد اتحاد الادباء مرجعية ثقافية .

خلود الحسناوي: شبابيُّ الابداع ومتجددٌ دوماً - ولم ترتسم على وجهه ملامح احزان وطنه الصغير- وانما كل همه كان وطنه الكبير.. جمهورية البرتقال مجموعته الشعرية التي اتسمت بالمركزية، اذ يظهر عليها واضحا الشعور بالحزن المرير الخانق، على حياةٍ هي جمعٌ من الخسارات الكبيرة على المستويات كافة ..

وتظهر احدى الخسارات عندما اغتالت  خفافيش الظلام غدرا ايقونة عمره (ام حيدر).. حينها، كبر أكبر وتسامى أكثر ..

عاشقاً للشعر، تمنى ان يكون شاعراً، ومازال يحلم ان يكون شاعراً، وطموحه للمستقبل ان يكون شاعراً.

صفة الايثار تَلبَسته .. وهو من كان الأَوْلى بقيادة الاتحاد .. منذ اكثر من دورتين انه الانسان والشاعر امين عام اتحاد الادباء والكتاب في العراق .. الشاعر (إبراهيم الخياط)

الشاعر في سطور

- ابراهيم الخياط

- تولد ١٩٥٩

- شاعر ثمانيني كتابة ونشرا.

- طُورِد وأعتُقِل عدة مرات بزمن النظام السابق لانتمائه لخطوط المعارضة اليسارية.

- صدر ديوانه الوحيد (جمهورية البرتقال) عام ٢٠٠٧ بنشر مشترك بين وزارة الثقافة واتحاد الأدباء.

- مدير إعلام وزارة الثقافة من ٢٠٠٣ الى ٢٠٠٥ فقدم استقالته علنا احتجاجا على تولي ضابط شرطة لحقيبة الوزارة.

- عضو المكتب التنفيذي والناطق الاعلامي لاتحاد أدباء العراق من ٢٠٠٤ حتى ٢٠١٦ والآن أمين عام الاتحاد.

- نال أعلى الأصوات في ثلاث دورات انتخابية.

- طالب دكتوراه صحافة في كلية الإعلام بجامعة بغداد.

- نال الامتياز عام ٢٠١٦ عن رسالته في الماجستير والتي كان عنوانها (مجلة "الثقافة الجديدة" ودورها الثقافي في العراق/ دراسة تحليلية في مضامين فنونها الصحفية في مرحلة العهد الملكي).

- يكتب عمودا صحفيا بعنوان (تغريدة الأربعاء)، وتنشر هذه التغريدة صباح كل أربعاء في أربع جرائد بغدادية معا وهي: (طريق الشعب، الزمان، البينة الجديدة، الحقيقة).

- متزوج وله: (حيدر، حيّان، حباري، يسود، حواري)

في حوار معه  ..  تعرفنا عليه اكثر ووصلنا الى مكنونات ذاته .. وامال وطموحات هذه الذات الابية .

فبدأنا معه بالسؤال الاتي :

س1: خلود الحسناوي: ماهو جديد الاتحاد في دورته الجديدة من حيث النشاط الثقافي؟

ج1: ابراهيم الخياط: أولا: ليس فقط مضمونا وانما شكلا من حيث  زيادة عدد الجلسات.

ثانيا: تحويل الجلسات من اصبوحات الى اماسي كي تتواءم مع الاماني بعودة ليل بغداد هناك مسألة مهمة هي ان البرنامج الثقافي هو في تصاعد بسبب منتديات جديدة تم استحداثها مثلا تم اطلاق منبر العقل في الدورة الجديدة هذا المنبر يعنى بالجانب الفكري وهذا ما يعنينا باعتبارنا جهة تنويرية في المجتمع العراقي وعقدنا اول مؤتمر يوم 15 ـ10ـ2016 في يوم الاحتفال بإزاحة الستار عن تمثال الجواهري في واجهة مبنى اتحاد الادباء، المؤتمر كان تحت عنوان العراق بعد داعش يعني هنالك تطور نوعي في النشاطات الثقافية طبعا هذا لا يعني اننا نتخلى عن الدور الاساسي للاتحاد في الاهتمام بالأدب بشكل رئيسي ولكن مع الادب لدينا المنتديات الاخرى مع تواصل نشاط المنتديات الاخرى كنادي الشعر ايام السبت ونادي السرد ظهيرة كل سبت وملتقى الثلاثاء الاذاعي والتلفزيوني والملتقى الابداعي ونادي السينما في ايام الجمع والعروض مستمرة في هذا النـادي .

س2: خلود الحسناوي: ماهي نشاطات فروع الاتحاد في المحافظات؟

ج2: ابراهيم الخياط: الفروع تعاني ماتعاني .. المعاناة الاولى في لب التعامل الرسمي او الحكومي تصوري ان مجالس المحافظات لا توجد فيها لجان للثقافة وان وجدت فهي تُدمج مع التربية والتعليم بينما التربية والتعليم حقل والثقافة حقل آخر يتم التعامل مع الثقافة كما تتعامل ادارات المدارس الابتدائية مع دروس الرياضة والفنية طبعا هذه سياسة الدولة الرئيسية .. في سنة من السنوات تم منح وزارة الثقافة الى احدى الكتل المتنفذين في هذه الكتلة قال: لو لم تكن وزارة الثقافة تافهة لما مُنحت الينا وهذه كلمة " تافهــــة " اضعها بين قويسات  ..

هكذا ينظر تاجر السياسة او الحكومي التاجر او الرسمي التاجر الى الثقافة، المشكلة اننا لانمتلك الاطر ان اغلب المحافظات الان تقام نشاطات الاتحاد باماكن لاتعود ملكيتها لاتحاد الادباء وذلك لاننا ليست لدينا مباني وقسم من البنايات تم (حوسمتها) منذ 2003 .

س3: خلود الحسناوي: من يُتفِه الثقافة مثل هذا المسؤول السياسي كيف تردون عليه الرد المناسب كونكم النخبة المثقفة بالبلد؟

ج3: ابراهيم الخياط:  نعم فقد تم الرد عليه بشكل جيد من قبل المؤسسات الثقافية وعلى رأسها اتحاد الادباء ومن قبل المثقفين والحادثة هذه في عام 2005 ولكن انا انوه بها لانها تعتبر نموذجا لتعامل تاجر السياسة مع الثقافة .

س4: خلود الحسناوي: ماهي اصدارات الاتحاد في دورته الجديدة؟

ج4: ابراهيم الخياط:  هي ليست اصدارات بالمعنى المتعارف عليه،مع مستهل السنة الجديدة 2017 اطلقنا سلسة نشر جديدة ..

اولا :ان لايشترك فيها اعضاء المجلس المركزي ورؤساء الهيئات الادارية في المحافظات لتكون هذه السلسلة خالصة للهيئة العامة .

ثانيا : يتم طبع الكتاب او المنجز الادبي بشراكة بين الاتحاد وبين الاديب كي يشعر انه لم تأتي اليه هذه المنشورات بشكل اي يتعامل معها بحرص نصف مبلغ التكلفة ستحمله اتحاد الادباء ونصف يتحمله الاديب نحن نضمن الطبع الجيد ووضع اسم الاتحاد ولوكو الاتحاد واقامة حفل توقيع وبيع الكتاب وتوزيعه في المحافظات والمشاركة في المسابقات العربية والعالمية .. مقابل نصف الكمية تعطى للأديب كي يتصرف بها .

س5: خلود الحسناوي: ماهو موقف الاتحاد من مجريات الاحداث ومدى مساهمته بالمواقف الوطنية؟

ج5: ابراهيم الخياط:  نحن في اتحاد الادباء لا نتعامل مع الاحداث اليومية السياسية نحن نتعامل مع العموميات مثلا نحن مع العملية السياسية الديمقراطية منذ انتهاء النظام الدكتاتوري البائد ولكن حين تحدث اصطفافات سياسية لا نقف مع هذا التيار ضد التيار الاخر نحن نشعر باننا كما توجد في البلد مرجعية دينية وكما توجد مرجعية سياسية نحن نعد اتحاد الادباء مرجعية ثقافية فلذلك نحن موقف وطني واضح مثلا نحن مع الدستور نحن عقدنا ندوات لمناقشة الدستور ايام كتابة الدستور وقبل التصويت عليه نحن مع الانتخابات وتشجيع الناس الى خوض الانتخابات والمشاركة فيها نحن مع هذه الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت نهاية 2010 و2011 و2015 في اسمى ما تكون هذه ايام مباركة في حياة الشعب العراقي تذكر بالأيام المجيدة ايام 48 وايام 52 و56 ايام اضراب 68 لعمال الزيوت ايام مشرقة وكذلك الانتفاضة .. انتفاضة اذار 91 سلسلة تعبر عن الاعتزاز برأي الشعب فيما يقول سوى اقالها في وثبة انتفاضة ام في اضراب او تظاهرات ولكن نحن بالتأكيد مع التظاهرات السلمية التي كفلها الدستور .

س6: خلود الحسناوي: ما الاسماء العراقية التي قدمت المنجز الإبداعي الذي يحاكي ويوثق الحدث ادبيا في الوقت الحاضر؟

ج6: ابراهيم الخياط:  الان وفي كل سنة ان لم اقل في كل شهر  يفوز اكثر من اديب عراقي بالجوائز الأدبية المرموقة عربيا وعالميا هؤلاء هم بالتأكيد هم موثقون ونحن نعرف بان الادب وجسده الاديب العراقي بانه هو صوت لا الام وآمال شعبه .

س7: خلود الحسناوي: هل هناك أسماء معينة وثَّقَــتْ حدثاً معيناً؟

ج7: ابراهيم الخياط: لا يمكن حصرها باسم واحد، هناك الكثير من الأسماء التي لايمكن حصرها .

س8: خلود الحسناوي: هل القصيدة والرواية ممكن ان تكون أداة تحريضية ضد القمع السياسي والاجتماعي والروحي ضد كل ما يشوه تكامل الإنسانية؟

ج8: ابراهيم الخياط:  ليس هل يمكن .. بل هي أداة تحريضية، أساسا الكتابة الأدبية سواء الشعر ام القصة هي انطلقت لذلك،  وأتذكر كلمة للأديب الكبير مكسر بوركي يقول : " جئتُ لاعترض " فحين يكون هنالك الاعتراض اذا هو سيؤدي الى تغيير المجتمع حين ينقل معاناة المجتمع ويجسدها ويضخمها ويكبرها فلكي يُشعر الناس بانهم باي وضع يعيشون .

 س9: خلود الحسناوي: استقالتك الشهيرة في أيام حكومة الجعفري ماهي أسبابها؟

ج9: ابراهيم الخياط: أسبابها توزير ضابط شرطة لوزارة الثقافة، فقد طالب المثقفون بان تخرج الوزارة من المحاصصة واذا بنهج المحاصصة والمتنفذين لا يخرجون الوزارة من المحاصصة بل يمعنون بإهانة الثقافة والمثقفين في بلد الثقافة ويعينون شرطيا وزيرا للثقافة في حين ان بعد 14 تموز وهي ثورة واعتز بها والاتحاد يعتز بها ولكن انطلاقتها او شكل التغيير كان بصيغة انقلاب والذين استلموا مجلس السيادة ورئاسة الوزراء هم ضباط، ويستطيعون ان يولوا الوزارات لمن يشاؤون هم فمن الممكن ان يتم تنصيب احد الضباط وزيرا(للإرشاد) وهذا الاسم الرسمي لوزارة الثقافة آنذاك ولكنها الثورة المجيدة والشخصيات التي كانت تحكم ومن ضمنها  الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم كانوا يحترمون العراق وتاريخ العراق وثقافة العراق أتوا بشخصية كبيرة اسم مرموق (فيصل  السامر) وتم تعينه وزيرا للإرشاد يعني لم يتجرأ عليه ضباط قاموا بانقلاب لم يتجرأ على ما قامت به سلطة المتنفذين بعد 2003 وهي سلطة اقرب ما تكون للديمقراطية وابعد ما تكون عن الممارسات الفردية .

س10: خلود الحسناوي: قصيدة (واحدة لاتكفي) ماذا تعني بهذا العنوان؟

ج10: ابراهيم الخياط:  هي صرخة .. صرخة ضد الموت،صرخة ضد الحرب،صرخة ضد القبح،لان الخلاصة او بيت القصيد كما يقول العرب ان واحدة لاتكفي فكم نجف تحتاجين بلادي في زحامات الحروب؟

س11: خلود الحسناوي: ممَ يولد الابداع لديك؟ هل من شخصيات حقيقية ام من دافع ما ام خيال ومن هي قدوتك التي تاثرت بها؟

ج11: ابراهيم الخياط:  بالنسبة للقدوة أي النشئة الأولى كانت لي بايام المتوسطة ماذا أقول؟مع انتباهتي بان لدي نوهبة واذا اجد مدرس اللغة الإنكليزية هو شاعر وشاعر معروف آنذاك في أوائل السبعينات وهو الشاعر خليل المعاضيدي الذي اعدمه النظامبعام 84 المدرس بمتوسطة بعقوبة للبنين واذا بمدرس اللغة العربية المسرحي والكاتب المسرحي والقاص والروائي محي الدين زنكنة فحينما تمتلك  حتى لو كانت موهبة يتيمة وتكون برعاية هذه الأسماء ومعهم طبعا أسماء أخرى انا اعرفها مثلا مسؤول المكتبة الأستاذ سعدي عبد الرزاق الدفتر كان الهادي لي لانه كان يدلني على الكتب التي تنفعني التي استفيد منها وانا بعمر صغير لايمكنني ان اقرا كل المكتبة كي اتبين الغث من السمين ولكن حين يرشدني احد من الأساتذة اكن على بينه،وهو كان من الشعراء ومن الكتاب ومن المحققين المعروفين فلذلك حين تكون موهبة في هذا الوسط وفي هذه الرعاية  فالفضل  أولا وأخيرا يعود لهذه الأسماء الكبيرة،  ثم انتقلت الى الإعدادية واذا بالذي يكون مدرسا للغة العربية في الثانوية الجعفرية في العبة خانة الناقد المعروف خريج السوربون الدكتور عبد المطلب صالح .

س12: خلود الحسناوي: نستطيع القول انك اقتديت بهؤلاء جميعا لم تقتدِ بشخصية محددة؟

ج12: ابراهيم الخياط:  لا .. هؤلاء هم المؤثرون ضمن الارشاد والتنشئة لكن الأسماء التي تأثرت بها طبعا هناك أسماء كثيرة .

س13: خلود الحسناوي: من هو القدوة تحديدا؟

ج13: ابراهيم الخياط:  الأسماء كثيرة طبعا، ولكن لايمكن ان استبعد الاخطل وأبو نؤاس وبالتأكيد انا هنا اجعل المتنبي والجواهري رمزين كبيرين لايمكن ان احشرهم مع كل هذه الأسماء اذ لايمكن لاحد ان يدعي انه قريب على الشعر دون يتأثر بهما او ان ينحاز اليهما ولكن الاخطل وابا نؤاس والحبوبي والسياب وسعدي يوسف ورشدي العامل هذه الأسماء كانت مؤثرة جدا  ولكن كان المؤثر الأول اتاني عن طريق خليل المعاضيدي الذي كان متأثرا بدوره بسعدي يوسف وكان يتناول بيده دواوين سعدي ويقرأ القصائد واستمع اليه فكان يؤثر علي بالمعنى والشكل، واقصد بالمعنى انه يوصل القصيدة اليَّ وبشكل ان يجعل اذني قد تمرنت على القراءة الصحيحة وعلى عدم اللحن بالعربية .

س14: خلود الحسناوي: نعود الى الشق الأول من السؤال وهو ممَ يولد الابداع لديك،هل من شخصيات حقيقية او دافع ما او خيال؟

ج14: ابراهيم الخياط:  الابداع هنا يجعلني استذكر قول الحاج زاير " هزني الهوة بكل حيلة ولن شاعر مسويني " فاذا ... هو يقصد أولا كل كليات الاداب في العالم لاتستطيع ان تصنع شاعرا،تصقل الشعراء ولكنها لاتصنع الشاعر موهبة يأتي والموهبة معه ولكن عندما تكون لديه الموهبة ويعيش قصة حب جميلة سيكتب الجميل والرومانسي الجميل وحين ينتكس يكتب الخيبات والاحباطات وحين يتبنى فكرا معينا ويضطهد هذا الفكر سيكون ثورة تضاهي الثورات الكبرى وهو شاعر وحيد .

س15: خلود الحسناوي: برأيك كيف يطور الكاتب من نفسه وادواته وهل ان الموهبة كافية ان يكون الكاتب او الشاعر او الفنان مبدعا؟

ج15: ابراهيم الخياط:  ماقصدته هم الشعراء انما الكُتاب لا، لان الصحفي مهنة أي ممكن ان أي احد ان يتعلمها هنالك دورات لذلك .. فهل سمعتِ بان هناك دورة أقيمت للشعر او لكتابة القصة؟ ولكن هنالك دورة لكتابة التحقيق لكتابة الخبر ولكن بقي الأسلوب كيف يتميز عمود فلان عن عمود فلان اذا هنا بقيت موهبة وماهي الموهبة التي يمتلكها الفرد .

س16: خلود الحسناوي: اذا كيف يطورها الكاتب ويطور من نفسه وادواته؟

ج16: ابراهيم الخياط:  بالقراءة .. القراءة، القراءة، القراءة لان يكون الصدأ في الدماغ او في العقل او في الفكر حينما نتوقف عن القراءة .

س17: خلود الحسناوي: ماذا يقدم إبراهيم الخياط للادب وماهي رسالته وماهو اقرب نتاج الى نفسك وروحك؟

ج17: ابراهيم الخياط:  ماذا اقدم ممكن ان يوجه السؤال الى ناقد كي يقيم ..

س18: خلود الحسناوي: اقصد كونك اديب هل لديك رسالة معينة؟

ج18: ابراهيم الخياط:  بالتأكيد نعم انا رسالتي هي رسالة الحياة وهي إشاعة الحب او نضن باننا نحب فنحن شعراء وسعداء .

س19: خلود الحسناوي: المنجز الأقرب الى روحك؟

ج19: ابراهيم الخياط:  جمهورية البرتقال ..

س20: خلود الحسناوي: ما الرسالة التي تريد ان تبعثها من خلال هذه الجمهورية او هذا النص؟

ج20: ابراهيم الخياط:  لو تقرأي الديوان ستجدين ان هذا  الديوان به نص جمهورية البرتقال .. ولكن النص والديوان بمجمله ليست جمهورية ولا توجد فيه حتى برتقالات انه قحط في قحط ولكن من باب التفاؤل .. التفاؤل بناسنا تفاؤل بمدينتي بعقوبة تفاؤل بالأدب وضعت هذا العنوان ومحبة بالناس .

س21: خلود الحسناوي: اذا من خلال قولك هذا استطيع ان افسر بأنك تبعث رسالة من خلال هذا الديوان وهذا العنوان تحديدا  انك متفائل بالخير عبر تمجيدك لمدينتك بعقوبة رغم الآلام والاحزان فنحن لابد ان نبعث برسالة تفاؤل  رغم كل مآسينا .

ج21: ابراهيم الخياط:  نعم جدا صحيح .. وهو بالضبط عكس رسالة الإرهاب رسالة داعش رسالة المتطرفين، هم يريدون إشاعة الموت وإشاعة القبح وإشاعة الكراهية يعني مثلا في معارك الموصل حين تحسم المعركة على يد ابطالنا ولكننا سننتصر على الإرهابيين اما الإرهاب فإننا ننتصر عليه بالميدان الفكري ننتصر عليه بالشعر ننتصر عليه بالحياة.

س22: خلود الحسناوي: ماذا كان طموحك أيام الصبا وهل حققت ذلك الطموح ام لديك طموحات أخرى لم تحققها بعد؟

ج22: ابراهيم الخياط:  المشكلة هي انني لم أتمنى الاّ ان أكون شاعرا ومازلت احلم ان أكون شاعرا وطموحي للمستقبل ان أكون شاعرا .

س23: خلود الحسناوي: كلمة اخيرة لابراهيم الخياط؟

ج23: ابراهيم الخياط:  لا اقول الاّ شكرا لكم على هذا الجهد من اجل الثقافة والابداع  . . تحياتي وتمنياتي لكم بالتوفيق .

 

حاورته:  خلود الحسناوي

 

 

 

ibrahim ohseenradailimansorفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الروائية رندلي منصور، وحوار شامل وصريح أجراه معها الكاتب والاديب: ابراهيم أوحسن، فاهلا وسهلا بهما في المثقف.

 

على هدى "إبراهيم اليازجي" قائلا: "تنبّهوا واستفيقوا أيها العربُ!" آثرت الشاعرة اللبنانية "رندلى منصور" أن ترسم خطوط روايتها الأولى "حرية وراء القضبان"،  كاشفة النقاب عما ينتظرنا من تحديات مستقبلية كأمة عربية لازالت

 متعثرة في تهجئة حروف هويتها التائهة بين جذور الأصالة وبين حبائل الحداثة وإغراءات العولمة..ويسرّ صحيفة المثقف نشر الحوار الذي تفضلت به الأديبة، متحدثة عن باكورتها الروائية، ومسلطة الضوء على مختلف القضايا ذات الهمّين الأدبي والعربي.

 

س1: ابراهيم أو حسن: لو أردنا افتتاح حوارنا بتعريف قراء المثقف بك، فماذا تقول رندلى منصور لهم؟

ج1: رندلى منصور: رندلى منصور، إنسانة بدأت الكتابة في التاسعة من عمرها، قرأت لمن حولها، أبكتهم حينًا وآمنوا بها أحيانًا، لكن تعلّمت بعد 30 سنة، بأن الكتابة فعلُ حياة وإيمان، وإن لم يكن كذلك، فلا داعي لممارسة طقوسها، لأننّا بذلك نعيدها إلى مساحتها الأرضية.

 

س2: ابراهيم أو حسن: أنت تكتبين بلغة عربية رصينة في زمن قلّ فيه من يعير لغة الضاد أهمية كبرى، في ظل اللغات الحية الأخرى التي اكتسحت مجتمعاتنا العربية.. أولا ما علاقتك باللغة العربية؟ ثانيا هل يمكن المراهنة عليها حاليا وأهلها في انحطاط مستمر؟

ج2: رندلى منصور:  أولًا، أشكرك على رأيك الكريم، أما عن لغة الضاد، فنحن المسؤول الأول والأخير عن تدهورها، ففي ظلّ تدهور قيمنا وثقافتنا العربية، ماذا بقي لنا؟

في ظلّ إكتساح لغة الإنترنت العالم، وفرض شروط تعجيزية على البضائع التجارية، ألغت العولمة كلّ الحدود أمام الثقافات، وبحجة أننا نعيش في قرية صغيرة، لم يستطع العرب، إزاء ذلك، إلا المقايضة بلغتهم، ظنًا منهم، أنهم بذلك يستبيحون حدود الغرب ويحصدون ثمار التطور.

لكنّهم بذلك، لم يجنوا سوى مزيد من الجهل مع طمس التاريخ، كي نساهم وبمجهودنا في دفن كل إنجازات الماضي، التي كانت للأمس القريب، مصدر قلق للآخرين.

أما عن علاقتي بهذه اللّغة، فهي علاقة الجسد بالروح، تموت حروفي إن لم تكن مسكونة بروعة لغة، عجزت عن إعجازها أغلب اللّغات الحيّة، كي لا أكون متطرّفة، إن جاز التعبير.

أما سرّ بقائها فرهن بعاملين، الإقتناع أولًا، بأن بقاءها هو بقاء لحضارة، لم تستطع كل الحروب الدموية والثقافية النيل منها. ثانيًا، الإعتراف بمسؤوليتنا تجاهها، كأهل، وحثّ أبنائنا على المحافظة عليها، وكتربويين، إيلاءها الأهمية التي نعطيها للّغات الأخرى في التعليم، بل أكثر، أن نحترمها، كما يفعل كلّ من الفرنسي، والألماني، والتركي... عندما يرفضون الحديث بغير لغتهم الأم.

 

س3: ابراهيم أو حسن: في روايتك شاعرية نابضة وطافحة، ألم تكوني تخشين أن تغلب الشاعرة على الروائية وأنت تسطرين فصول روايتك هذه، فتغدو الرواية قصيدة طويلة؟

ج3: رندلى منصور: كما الفصول الأربعة المتعاقبة على مرّ السنين، لكلّ رونقه وجماليته، كذا من يحمل ريشة يلوّن بها مساحات الفرح حينًا، أو يغيّر ألوان الحزن ليعطينا حياة، أقلّ قبحًا من الحقيقة؛ جاءت المقاطع الشعرية لتعطي للحقيقة المرّة التي نعيشها، لونًا اسمه الحياة، بعدها ما عدت أدري، إن أنا استغللتُ الشعر لأجمّل الحقيقة، أم استغلّني الشعر لأمسي شاعرة، فأصدر ديواني قبل إصدار الرواية.

 

س4: ابراهيم أو حسن: يقولون إن هناك انفجارا وفائضا في التأليف الروائي .. فإلى ماذا يعزى ذلك إن كان ما قيل صحيحا؟

ج4: رندلى منصور:  في عالمنا العربي فراغ كبير من الضوابط على كل الأصعدة، وبعد التفلّت الأخلاقي على أكثر من صعيد، أمسى عالم الرواية مباحًا، في ظل إمكانية النشر، وكما ذكرتُ في مقابلة سابقة، إن العرب لا يقرأون إلا الرواية، هذا إن قرأوا.

هنا، كثيرون هم من يتحمّلون المسؤولية، بداية، من دور النشر وصولًا إلى وزارة الثقافة. فبدل الرقابة على الفكر، مخافة الوعي، كنت أتمنّى أن تكون مراقبة على الجودة والنوعية أولًا، فالنشر مسؤولية كبرى، ودخول الكاتب مكتبات القرّاء، بيوتهم والمكوث بين أيديهم لساعات واختراق وجدانهم، ليس بالعمل السهل، ولا بالعمل البريء. على الجميع تحمّل المسؤولية.

 

س5: ابراهيم أو حسن: الرواية العربية تأثرت بشكل كبير بالأدب الحديث معتمدة على ما وصلت إليه الرواية الغربية ،فهل هنالك روايات عربية استطاعت الانفلات من التقاليد الأوربية في الكتابة؟

ج5: رندلى منصور: للرواية العربية وضع خاص، أولًا، إنه فن مستحدث في الأدب العربي، عبر التاريخ عرف العرب الشعر وكان من أبرز فنونه، فلا عجب أن نجد تراثًا ضخمًا من المنقول الشعري، فالبداوة ساعدت في ذلك، وسهلّت التجارة نقله، كما برزت الحكاية على لسان الراوي، الذي حمل في طياته بعض بذور الرواية، لكنّه كان على تماس معها ولم يزاوجها.

أما الرواية، فهي حديثة العهد، رغم بروز روائيين عرب، من مصر والمغرب العربي ولبنان وسوريا وغيرهم، إلا أن نشوء فن الرواية في عالمنا العربي إرتبط بحركة الترجمة أولا، ووجود الإستعمار. أما ثانيًا، كان سببه سفر وهجرة العرب إلى أوروبا، إما طلبًا للعلم، أو طلبًا للإستقرار. لذلك لا يمكن إنكار تأثرها بالرواية الغربية، إلا أن الظروف السياسية، تاريخيًا، أثرت كثيرًا من حيث الموضوعات والتعابير اللغوية. كما أثرت البيئة والطبيعة تأثيرًا بارزًا على بروز روايات من نوع مختلف. أما الحروب والوضع المتدهور حاليًا في محيطنا، خلق إطارًا جديدًا لم يكن موجودًا من قبل، فالإحتياجات الجديدة ومتطلبات الجيل الجديد وطموحاته سيسطر تاريخًا جديدًا للرواية العربية.

موضوع الحريات، الأديان، التطرف وغيرها، طرح تساؤلات جديدة وبالتالي هواجس جديدة، فإن لم نشعر بهذا التغيير بعد، مردّ ذلك ثقافتنا التي تخاف التغيير، لا نملك جرأة قراءة كتّاب جدد، ولا يلاقون الدعم الكافي من الإعلام للأسف، لأنهم لا يدرّون عليهم الأموال، فلا دور النشر تتبناهم، ولا الإعلام.

لكن ذلك لن يطول، فكما يلعب الانترنت دورًا سلبيًا في عدم الرقابة، فلا حسيب ولا رقيب؛ إلا أن ذلك قد يكون مفيدًا في الانتشار أحيانًا، فيصل بعض المغمورين إلى النور، إن كانت أعمالهم تستحق ذلك.

 

س6: ابراهيم أو حسن: التحولات التي تشهدها المنطقة العربية كان لها و بلا شك الأثر البارز على السرد بشكل عام، خصوصا ما وسَمَ الكتابات الشبابية الحديثة؟ و روايتك أشارت على الأرجح إلى ما تكبده لبنان من حروب طاحنة، هل ترين أن الرواية حاليا قادرة على الإجابة على مختلف الأسئلة المطروحة في الساحة العربية؟

ج6: رندلى منصور: الرواية، كما كل الفنون، مساحة تعبير، إلا أنّها برأيي المتواضع، أكثرها تأثيرًا وتأثرًا. فقدرة الشخصية على التطور والنضوج تعطي للكاتب مساحة خصبة لرسم الإطار الذي يريده كي يتمكن من خلاله إظهار أفكاره وإيضاح رغباته، هواجسه، وخوفه.

ولأنها رواية، فهي تعيش مع القارئ وتتعايش معه، تمامًا كما تحتضنها أحشاء الكاتب، تحملها وتعتني بها يدا القارئ ووجدانه.

هي تكبر وتنمو في فكر الروائي، تترعرع بفعل الإحتكاك اليومي، تسقيها المخيلة ويشذبها الواقع. مخاض الولادة، يقسو كلما اقتربت من النهاية، تولد الرواية تحملها مرّة واحدة بين يديك لتتأكد من سلامتها وتزرعها بعد ذلك في أرض تجهلها، فإما أن تزهر برعمًا في وجدان من يقرأها، وإلا...

وبما أن الروائي أشبه بكاميرا متخصصة، أو بعين باحث، فهو يضع الأشياء تحت المجهر، فيتناول الموضوعات ويصيغها بأدواته حيث يمرّ الآخرون مرور كريم، فلا تتّضح له الفكرة، إلا بعد إنهاء القراءة، وأحيانًا بعد إعادة النظر بالأشياء، وإعادة صياغتها.

 1096-randali

س7: ابراهيم أو حسن: قلت في روايتك : الوطن لم يبق فيه غير اسمه !! فهل أصبحت الأوطان العربية بالذات خدعة نصدقها صغارا ونتبرم منها كبارا؟

ج7: رندلى منصور: إن الأوطان تسكننا ولا نسكنها، لذلك حين تهتزّ دعائمه، تصبح دواخلنا هشّة. لكنّنا اليوم قد قطعنا أشواطًا أبعد من كونها اهتزّت أو حتى إضمحلّت، أوطاننا ما عادت تسكننا، ولم يبق لها مساحة في الذاكرة، ولم تعد مرسومة في خواطرنا الطفولية، نحن نكاد وبالكاد نتعرّف على خارطة حروفها، ومع التدمير الممنهج لأمل المواطنة، لست متأكّدة، إن كنّا سنذكر حتّى مرور الزمان بمحاذاة أسمائها.

 

س8: ابراهيم أو حسن: حمّل الروائي الجزائري واسيني الأعرج الإعلام العربي مسؤولية فشل الرواية العربية في الوصول إلى العالمية، واتهمه بالتقصير في أداء مهامه، هل هذا الادعاء في محله في نظرك؟

ج8: رندلى منصور: في الحقيقة، واسيني الأعرج، من الروائيين الذين استطاعوا شقّ طريقهم وتعبيده لمن خلفه، وكونه من الأدباء المخضرمين، الذين مارسوا الهجرة طقسًا، من الوطن حينًا ومن النفس أحيانًا، فهو قد خَبِر طعم الهجرة داخل الوطن ومنه. عاش خارج شرنقته ليحافظ على صورتها. عاش وكتب خارج حدود الجزائر، ليُقرأ فيها، كما فعل جبران خليل جبران وغيرهم. أما البعض الآخر، فاختار أن يكتب بحروف بلد الّلجوء لغة الوطن الغائب، وإلا كيف نفسّر كتابة رواية، لكاتب عربي، بلغة أجنبية، تنال جائزة عالمية، تترجم إلى لغته الأم، لتدرّس بعدها في بلاده؟

 

س9: ابراهيم أو حسن: من يتحمّل كل هذا التقصير؟! الكاتب، القارئ، البيئة، أم الإعلام؟ لماذا لا تترجم كتبُنا العربية، الى لغات أجنبية، لنُقرأ بالشكل الذي نستحق؟

ج: رندلى منصور: بلادنا أنجبت أدباء، لكنّها لم تستطع إنجاب قرّاء يرفعون من مستوى الثقافة إلى حدود العالمية، على عكس ما حصل في الغرب!!

أتراها أزمة ثقة؟!

 

س10: ابراهيم أو حسن: مواقع التواصل الإجتماعي تخدم المثقف وتجعل مجال تواصله أكبر، كيف تنظرين لدور هذه الوسائط الالكترونية في دعم الإبداع والترويج له سلبا أو إيجابا؟

ج10: رندلى منصور: مواقع التواصل الإجتماعي، طاقة، وليس هناك طاقة سلبية أو إيجابية مئة بالمئة، بشكل مطلق. لذا فإن طريقة إستخدامها هي التي تحدّد إن كانت تساعد الكاتب أو العكس.

وهنا أود أن أتطرّق إلى تجربتي الشخصيّة مع مواقع التواصل الإجتماعي، لقد بدأت على موقع فايسبوك منذ زمن، بنشر بعض الخواطر على صفحتي الشخصية التي كانت مخصّصة للعائلة، الأقارب والأصدقاء، وهذا قبل أي إصدار لي، بعدها، بدأت الدخول إلى بعض المجموعات الأدبية لنشر بعض ما أكتب، وبدأت تردني طلبات صداقة من مختلف الدول العربية، وبدأوا متابعة كتاباتي، فأصدرت ديواني "بلا عنوان" وفوجئت خلال التوقيع بوجوه لم أكن أعرفها إلا من خلال التعليقات على صفحتي أو في المجموعات.

لا يمكن أن أنكر دور الفايسبوك الإيجابي في مسيرتي الأدبية، فقد كان سببًا لتعرف الناس على كاتبة مبتدئة، وبفعل تواجدهم ودعمهم المستمر، زادت نسبة المتابعة ومساحة الانتشار. ولا أظن أنّنا بحاجة إلى الفترة الزمنية التي احتاجها الأدباء السابقون للوصول إلى الجمهور.

لكن لا يمكن أيضًا إغفال خطورته في ظهور الكثير من المكتوب الذي لا يستحق النشر، من حيث المضمون، واللّغة...

فرغم كونه عاملًا مساعدًا، إلا أنه لا يمكن أن يكون أساسًا في التقييم، رغم وجود عدد كبير من النقاد والصحافة، إلا أن العمل المحترف لا يمكن أن يصاغ على صفحاته، بل يجب أن يُنسج في مُحترف يليق بمكانة الأدب وآدابه.

 

س11: ابراهيم أو حسن: شهد العالم العربي ميلاد جيل جديد من الروائيين، فهل يمكن اعتبارهم امتدادا لروائيي الجيل السابق من حيث الاستلهام وطرائق السرد؟

ج11: رندلى منصور: الحياة لا يمكن إلا أن تكون حلقة متّصلة بأُخَر، والكتابة فعل نضوج وحصيلة تجارب. والكاتب إبن بيئة ما وأحداث ما وتجارب ما، قد تمرّ من خلال المعاش الحقيقي أو التحوّلات الإجتماعية الكبرى، أو الرصيد الفكري الذي أودعه السابقون في الوجدان، فخرج من طيات الواقع الحديث موروثًا جديدًا لمن سيظهر في المستقبل.

 

س12: ابراهيم أو حسن: ختمت روايتك بوعد قطعته "يارا " البطلة على نفسها، مفاده العودة بالانتصار. هل باعتقادك أن الأمة العربية قادرة على كسب رهان الانتصار تحت مظلة جراحها المتراكمة وهزائمها التي أثقلت كاهلها؟

ج12: رندلى منصور: التغيير لا يولد إلا من رحم المعاناة، الطبيعة البشرية. نحن نتعلّم من الأخطاء، بقدر ما يكون الألم، بقدر ما يصبح الوعي، إلا أن الواقع العربي يخضع لشروط مختلفة، بقدر قوّة الهزيمة، بقدر ما تكون المأساة، نفقد البصر والبصيرة، وهذا فعلًا ملفت!

عصور خلت، والهوّة تكبُر وتتّسع، والفجوة سببها الكم الهائل من المثقفين والمفكرين الذين إعتزلوا فنّ الحياة واكتفوا بالتواجد.

قرّرت مع "يارا" بطلة الرواية، الخروج من طيّات المأساة، فالوقوف على الأطلال لم يعُد مُجديا، "يارا" خلال الرواية، قامت بمراجعة للذات، جلدت نفسها حينًا، وحمّلت الآخرين مسؤولية فشلها أحيانًا، لكنّها قرّرت في النهاية خوض التجربة، لم يعُد يعنيها الخطأ بقدر ما أرادت تصحيحه.

"يارا"، قد تكون المرأة التي كانت سبب مأساتها، فهي من ربّى رجلًا لا يعرف كيف يحترمها، وقد تكون الإنسان العربي، الذي سمح بإنتهاك حقوقه، ظنًا منه أنّه يصنع حرّيته، وقد تكون الإنسان الثائر على التقاليد والقوانين من دون البحث

عن بدائل، وقد وقد وقد ...

لكن في النهاية، لا يمكن أن تستسلم مهما كلّف ذلك، هي تريد أن تحيا، فلا وجود من دون حياة وبالتالي قرار الانتصار، فطرة.

نحن مفطورون على الأمل، وإلا لماذا نفكّر ونختلف، الإختلاف سرّ التقدم والنجاح، مشكلتنا، نحن العرب، أن اختلافاتنا لا توصلنا إلا إلى الخلاف.

لتكن "يارا" الإختلاف الذي يزيل القضبان لتصنع من الحرية حياة!

 

س13: ابراهيم أو حسن: أين موقع الرواية العربية في الأدب العالمي من وجهة نظرك، ولماذا لم ينل روائي عربي حظه من العالمية منذ جائزة نوبل التي فاز بها المصري نجيب محفوظ؟

ج13: رندلى منصور: للأسف، لقد ذكرت أن العالم العربي لم يستطع خلق قارئ يوصل الرواية العربية إلى العالمية. لكن الأسباب واضحة، أولًا، العرب لا يقرأون بالشكل الكافي، ثانيًا، قراءاتهم موجّهة كما كل خياراتهم، للإعلام الدور الأبرز.

كلّنا يعلم كيف يتم إختيار الأفراد للجوائز العالمية، السياسة لها الدور الأبرز، والمصالح والإيرادات.

كي نعرف سبب عدم نيل أي عربي بعد، نجيب محفوظ، جائزة نوبل، علينا التفكير مليًا بمتى نال محفوظ الجائزة؟ الظروف التي كانت سائدة، الواقع السياسي العربي والمصري بالذات؟

هذا لا يعني أبدًا بأنّه لم يستحقها وبجدارة، لكن كثيرون من العرب وفي مجالات مختلفة، غير الأدب والرواية، إستحقوا هذه الجائزة وغيرها، لكن لا حياة لمن تنادي!

يقول ماريو بارغاس يوسا في رسائله الى روائي ناشئ:

"كل رواية هي كذب يصطنع الحقيقة، خلق تكمن قوة الإقناع فيه تحديدًا في الاستعمال الفعال من لدن الروائي لتقنيات إيهامية وشعوذية شبيهة بصنيع الحوار في السرك أو المسرح"

 ما رأيك؟

إن التعبير يحتمل الكثير من التأويل والتفصيل. إن كان الكذب، هو الصناعة الأدبية، بكلّ ما تحمل من خلق للأطر الفنية والإبداعية، فهذا صحيح. فالكاتب، في شتّى مجالات التأليف، يستخدم مخيّلته، وقدراته الإبداعية، ليجذب القارئ، ويبقيه متلهفًا، حائرًا، وكلّما إستطاع إطالة مدّة التشويق، كلّما كان ناجحًا.

 

س14: ابراهيم أو حسن: لكن هنا السؤال يطرح نفسه، الفن للفن، هل هذه هي غاية الكاتب أو الروائي بالذات؟

ج14: رندلى منصور: قناعتي تقول، ما من شيء في هذه المعمورة، وُجد من غير غاية، فالفن بهدف الجمال، لا يتعدّى كونه صناعة، يريد بها الكاتب المبارزة. أما من يكتب لإيصال فكرة، لتشريح حالة، لنكئ جرح أو تعرية حقيقة وبقالب فنّي متماسك، يرقى إلى حدود الإبداع.

وهنا يصبح مشعوذًا بمرتبة محترف.

 

س15: ابراهيم أو حسن: هل تظنين أن روايتك هذه كانت كما قال بارغاس، أم اتخذت لها مسارا آخر خاصا بها؟

ج15: رندلى منصور:  بصراحة، يصعب تقييم الذات، ومن باب المهنية، أترك الحكم، لأهل الإحتراف.

بخصوص النشر، هل ثمة من مكابدات حقيقية في سبيل وصول عملك الروائي إلى القرّاء؟ وهل تجاوزت روايتك حدود لبنان؟

النشر، دائمًا محفوف بالمتاعب، الجزء المادي، أقصد التكاليف، والجزء التقني، بمعنى الطباعة والتوزيع، هو هاجس الكاتب بشكل عام .

 

س16: ابراهيم أو حسن: كل مؤلّف يطمح بالإنتشار، وإلا لما يتكبّد عناء الكتابة؟!

ج16: رندلى منصور: لكي يصل الكاتب إلى القرّاء يحتاج إلى مجموعة من العوامل والظروف، وهي في كثير من الأحيان صعبة التوفر.

أولًا، إقناع دار النشر بما كُتِب، وبعدها تأمين المبلغ المطلوب، فدار النشر تبتغي الربح، وإن كنت كاتبًا بلا تاريخ، فمن يتجرأ؟

بعدها يأتي عناء التوزيع، في عصر الإنترنت، ماذا حلّ بالكتاب؟ بالإضافة إلى ذلك يأتي العامل الأصعب، في بيئة ألغت القراءة من قاموسها الحياتي، لمن سيصل ما تكتب؟!

أما عن وضع رواية "حرية وراء القضبان"، فقد إستطاعت خرق القضبان ووصلت إلى بعض الدول العربية، فمن خلال توزيعها في العالم العربي، ومشاركة الدار في معارض الكتاب العربية، قد وصلت إلى القرّاء. ومن خلال متابعتي للأصداء، قد قرئت في عدد من الدول العربية منها الجزائر ومصر وتونس والأردن وسوريا وطبعًا لبنان.

هذا يسعدني بالتأكيد، لكنني متفائلة ولا حدود لطموحاتي، فكما وعدت "يارا"، بطلة الرواية، بالإنتصار، ستتحدّى الرواية الواقع المرير، وأعدكم بالإنتشار!

 

س17: ابراهيم أو حسن: هل هناك مشروع أدبي في الطريق؟

ج17: رندلى منصور: إستكمالًا للسؤال السابق، طُرح عليّ مشروع تحويل الرواية إلى فيلم سينمائي، وهذا متوقف على إيجاد سيناريو، يضيف للرواية قيمة معنوية، وهناك بعض المشاريع التي تدرس.

أما بخصوص المشاريع الأدبية، ديواني الجديد، في طريقه إلى المطبعة قريبًا، كنت أنوي إصداره ليكون جاهزًا خلال معرض الكتاب في الجزائر، وتكون إطلالتي الأولى في الجزائر الحبيبة من خلاله، لكن لم يحالفني الوقت، قد تأخرتُ. كما أنني لن أستطيع أيضًا توقيعه في معرض بيروت لهذا العام للأسف، لكنه سيكون حاضرًا في فعاليات ثقافية أخرى خلال 2017 إن شاء الله .

لكنّني حاليًا في صدد كتابة رواية إجتماعية، ستكون مفاجأة لمجتمعنا العربي، في جرأة الطرح، في بيئة تؤمن بالتابوهات، وتخاف ذكرها؛ لكنّها ما زالت تحتاج إلى بعض الوقت كي تصبح جاهزة لشقّ طريقها إلى النور. 

 

حاورها: إبراهيم أوحسين – صحيفة المثقف

 

yasamyna hasybisamar mahfod1تحاول جاهدة ومن خلال الكتابة التصالح مع خيبات الحاضر وأحلامه أيضا.

في هذه الحلقة من مدارات حوارية، تستضيف المثقف الشاعرة والناقدة سمر محفوض وحوار شامل وصريح أجرته معها الشاعرة ياسمينة حسيبي، فأهلا وسهلا بهما في المثقف.

 

اكتشاف دواخل الشاعر رحلة محفوفة بالخطر وبالمتعة في آن واحد.

فهو الكائن الذي يتعرف على ذاته حين يخرج منها، يرى الحياة دهشة قابلة للتمدد، يمسك باللحظة الشعورية كي يستخرج منها الضوء ويكثفها لتتجاوزه مستوعبة كل الفضاء.

والشاعرة سمر محفوض متورطة في الكتابة كهاجس ذاتي يستهلك نبضها وكينونتها، وكمرآة كاشفة تعكس ملامح روحها الابداعية في تجليات عدّة.

صوتها محتدم بالأسئلة لكن قلمها أكبر من كل الانتكاسات والهزائم، يختزل حركية الوجدان عبر الشعر الذي يتنسم الحرية وينتمي للنص الحر الذي يعتصر اللحظة الشعورية ليصنع منها القصيدة.

 

السيرة الذاتية

- شاعرة وناقدة

تعمل في الصحافة حاليا

- عملت في التعليم العالي جامعة البعث سابقا

- شاركت بالعديد من الندوات الشعرية والنقدية اضافة الى المهرجانات الادبية، على مستوى سورية وخارجها، منها:

- عام 2010: مهرجان قصيدة النثر بنادي الصحفيين بمصر، وملتقى قصيدة النثر في اتحاد الكتاب وزارة الثقافة بمصر.

- عام 2014: مهرجان بابل للفنون العالمية بالعراق مدينة بابل.

- عام 2016: مؤتمر قصيدة النثر في الاهواز – إيران، مشاركة في الشعر والنقد.

صدر لها

• زرقاء خصبة كمخيط

• نحو نسيان ممكن...

• مزاج...

• بناء على ماتهدم

- لديها مجموعة شعرية تحت الطباعة بعنوان في قبضة مكان...

- كتاب نقدي حول الهوية الشعرية وثقافة النص

- سينوغرافيا اللفظ عنوان قابل للتصديق

 

س1: ياسمينة حسيبي: بعض الكتابة قيد، وبعضها حرية وما بينهما مسافة بعُمر الشِّعر. كيف تمشي سمر محفوض تلك المسافة ما بين الهروب من قيد اللحظة الشعورية في واقع مأزوم/ محتقن وبين حرية شعرية ذاتية تفصّلها على مقاس الحقيقة مهما كلّف الأمر؟

ج1: سمر محفوض: الكتابة فعل وجود مؤسس على وعي معرفي يسعى إلى امتلاك الخصوصية الفردية ويواجه الأسئلة الملحة فكريا وفنيا. وهذا يعني الرقص على حواف الهامش الحر للعلامات الإبداعية، أي التقاط اللحظة ذات الدلالات المتوالدة باستمرار. اما بعد ذلك ليس مهما كيف  يمضي الامر فنحن حين نكتب لذاتنا أولا ثم للأخر الجمعي الموجود من خلال هذه الذات يكتب الكائن استجابة لخطاب الروح داخلة وميراث القلق... زمنينا لا أعرف بالتحديد  لكن هي كل العناصر التي مرت من عبث وشغب الطفولة والمخيلة والحب والبحر غنائية البهجة وحيوية الكلام  المتبقي في ذاكرة  منسية  غير ملوثة  انه القلق الوجودي الإنساني  تحديداً  وتعميماً، منذ الوعي الأول والمبتدئ نعيش حنيناً لوليمة كلام يتجهز في الحنجرة ،عموما تربيت ببيت كان المتنبي وابن الفارض والحلاج وابن عربي ومحمود درويش وغسان كنفاني والرحابنة، جزء من تكوينه منذ وعيت القراءة المفردة الأولى حركت وجداني. ربما بدأت الكتابة لدي نتيجة لإحساس عميق بالحرية المهدورة والبحث عن عالم جميل وعادل. لا يمكن لي أن أحدد بالمطلق لكنه سؤال مهم لصياغة الهوية الذاتية.

 

س2: ياسمينة حسيبي: تقولين في قصيدتك "زرقاء خصبة .. كمحيط"

أجنّ .. نعم أجنُّ،

أو أدافع غالبا عن الجنون

أخلع حشودي، وأخترع جموعا

هل هي " لحظة اللقاء الخاطف بين الجنون والكلام، بين جنون يتكلّم وكلام يُجنّ، لحظة التعبير، أو لحظة الشِّعر بامتياز" كما قال ادونيس؟

ج2: سمر محفوض: اعتقد جازمة أن  الحب خارقتنا البشرية الأحلى  والجنون اختراعنا الأنضج من كل الاختراعات من الهراوة إلى أدوات الموت الذكية والعشوائية انما عن تلك اللحظة العاقلة جدا والغير مشروحة على مستوى الوعي والتفكير الممنهج او ما نطلق عليه منطق فالكتابة هي خروج من منطق الأشياء إلى فتنتها والى صيرورتها بالضرورة عزيزتي وكما قال الشاعر المفكر أدونيس  نعم هو الجنون العبقري ولحظة التجلي الذي يخرج الكائن من مألوف ومحدودية التراكيب إلى فضاء التشكيل والتخليق  لابد من طفولة الجنون لرفد أحلامنا بثروات طائلة من الأمل والخيال المجنح الحقيقة الجنون نبع دائم العذوبة نرتقي إليه كلما اقتربنا من الروح بكل هذا الهاجس من الاغتراف من التلامس البكر مع الأشياء.

 

س3: ياسمينة حسيبي: وفي قصيدتك " أعتذر .. لم أستطع الموت مرتين " تقولين:

وروحي التي رقشت الغيم المنسول من رابعة

اشرب صيحتك ولا تلمس رملا انتمى لحريقك

اشرب ضوع الملح

واخلع روحك في انسدال الشعر

كوكبان نحن في حالة اصطدام

فنستشعر روحانية كبيرة ومحاولات جميلة لالتقاط الحقيقة من منظور صوفي طمعًا في تحقيق اللحظة النادرة.

أهو هروب مستتر بالشعر من واقع فج ومرير أم هو تأثير الشعر الصوفي على النص الشعري الحديث بشكل عام؟

ج3: سمر محفوض: وأقول أيضا بذات النص:

لفيني بثوبِك المبلولِ

رديني إلي، منتهكةٌ ذاكرَتي،

وثقيلةٌ هي الذكرياتُ

جمّعي بأصابعِك نزقي ففرطي حزني

ورشيني للحمامِ مع الخبزِ بشرفتِك

نقي عني النعناعَ والأمنياتِ

التي غدرَت بي، وقولي للحبِ

الذي متأخرا جاء

تألقْ وحيدا في العينين

كالدمعِ الوحيدِ

وهنا اريد القول: لا اعتقد أني مارست هروبا متعمدا أو غير متعمد من مواجهة في كل حياتي أما عن التقاط اللحظة النادرة كلنا نحلم بها وأما لو كنت تسالين عن لحظة محدد عن إجادة الالتقاط أتمنى أن أصل يوما إلى قريب من وهج اشتغالاتها تلك اللحظة قد يحدث وقد لا.

والشق الثاني عن وظيفة الشعر كجسر للهرب من الواقع الفج فاعتقد أن الشعر وليس وحدة بل باقي الفنون هو المنوط به وربما بشكل اعزل ووحيد مواجهة البشاعات جميعها وتأصيل الحقيقي والنقي والبياض والشق الأخير من سؤالك العذب الذي يختص بالإسناد على النبع الصوفي  فاعتقد أيضا إننا كمهتمين بهاجس الشعر ومعنيين بمهمته الصعبة والمستحيلة كلنا بطريقة ما نتهادى بشكل أو أخر ضمن مدارات الآهلة الصوفية من منا لم يتأثر بمحمد عبد الجبار النفري و نسيمي والحلاج وجلال الدين الرومي وشمس التبريزي أو ابن عربي وآخرون يضيق الحيز عن غدق مناهلهم، لكن للأمانة لا أجدني أمارس أي نوع من هرب حقيقي او مبتكر ضمن ما اكتب  إنما أحاول جاهدة ربما التأكيد على التصالح مع  خيبات الحاضر وأحلامه أيضا.

 

س4: ياسمينة حسيبي: الإبداع في سوريا اليوم يعيش وضعا استثنائيا، وهذا يفرض تغييرا في العلاقة بين المبدع والمؤسسة من جهة وبين المبدع والمكان من جهة اخرى.

كيف تعيش سمر محفوض هذه الحالة الاستثنائية في كتاباتها وتسجل حضورها في المشهد الثقافي السوري الراهن بكل انعكاساته؟

ج4: سمر محفوض: المشهد السوري اليوم على علاته ومفرزات الوضع الأمني  والإنساني المعقد والصعب بسبب ظروف الحرب وما يلحق بها من خرابات على مستوى الروح والبنية هو بالرغم من ذلك لا يختلف كثيرا عن المشهد الثقافي العربي عموما ،والذي يعاني تشوهات وإرهاصات متراتبة ، خاصة على مستوى علاقة المبدع بالمؤسسة وإشراف المؤسسات والشللية وما إليه من إمراض العمل المؤسساتي العربي والثقافة لا تخرج عن النمط وللأمانة بالرغم من كل الوضع الصعب بسورية  وخروج عدد كبير من المبدعين   إلى خارج حدود الوطن ما تزال الحركة الثقافية تجتهد من اجل الاستمرار ولم تنقطع يوما  عن نشاطها تأكيدا على الحياة وانتصارا لمقوماتها ولو بالحد الأدنى ،بالرغم من تخافت نشاطها او تعافيه  بين تصاعد الخطر الأمني وهدوء مفترض في وقت تالي وأنا كما كل الشعراء السورين أشارك ضمن المتاح بالنشاط المحلي والعربي والإقليمي  الممكن ضمن الظروف.

 

س5: ياسمينة حسيبي: صلة المرأة العربية بالنقد الادبي وثيقة منذ القدم واقتناع الرجل بملَكتها في تذوق الشعر كان واضحا من خلال انتدابها قاضيا في لقاءات الشعراء التنافسية ومجالسهم الادبية والتاريخ حافل بأسماء عديدة منذ أم جندب وسكينة بنت الحسين مرورا بليلى الاخيلية حتى عائشة الباعونية إلا ان التاريخ الادبي لم ينصف المرأة العربية الناقدة.

هل نستطيع، في يومنا الحاضر، القول بأن نشاط المرأة النقدي ومستواها في هذا الميدان بات يفرض وجوده؟

ج5: سمر محفوض: عزيزتي ياسمينة دعيني أخبرك شيء عني وهو جزء من الإجابة على سؤالك ورثت عن جدتي شكلها الغجري ودمها الخافق بألف شراع، ومخيلة شاسعة عن براري ورحلات ونيران لا تنطفئ وشوق لا يخبو للسهر ولرحالات طويلة على دروب مشرعة بين الروح والروح.

جدتي والحكاية الأولى وذاكرة الشمس والملح. كانت جدتي مدرستي الأولى للمعرفة والشعر والصورة والحنين والتمرد والرفض والتبادلية الندية بين معادلة رجل وامرأة  ،هو الكائن الممكن وهي بذرة الحب بالجسد ، غواية  الضوء الرفيعة ، وهو المكتمل بالحب ، هو العشق وهي الخصب، هو الألفة وهي الحنان الإنساني، كما يليق لها أن تكون هكذا كان الدرس الأول  ومن هنا بدأت علاقتي مع الأخر أدبيا وإنسانيا وبعيدا عن التصنيفات النسوية والذكورية التي لا أجدني طرفا بها  إلا من خلال أن هناك رجال مبدعون يكتبون نقدا جيدا، وهناك نساء مبدعات يكتبن نقدا جيدا وعليه يجب أن نؤسس لتجربة نقدية منصفة، فانا اليوم لا اجد الأنثوية بحاجة إلى مساواة بل إلى توازي بمعنى أخر، وخروجا عن صراع ذكور مبني على التمكن من أدواته وصراع أنثوي يريد استرجاع ملكيته التي خسرها بانحسار الزمن الامومي الأول.  علينا ربما بناءً على أهمية التحاور وخروجا من ثنائية القطب الجنسوي أن نشكل دفاعاتنا عن حرية الكتابة بتعدد أشكالها كأدب فعال مشارك لا متفرج، ومعزول لان باختلافنا وتنوعنا تكمن أهميتنا. كل أشكال الكتابة لها دورها في تكوين الذائقة العامة نقد شعر رسم ..الخ، وبالمحصلة حسب مرحلة إنتاجها هي مؤثرة بزمنها المباشرة تنتمي لزمنها بمرحلة ما كان اغلب ما يكتب الرائع محمود درويش يندرج ضمن الخطاب المباشر لكن أيضا الرفيع والحساس والمحرض كثورة على الاحتلال والاستلاب وتغييب الهوية والوطن

مهم جدا أن نتحاور، نختلف ونتفق. المهم الحوار بحد ذاته، أمام تحديات نغلق عليها أعيننا منذ دهور ما تبقى سيفرزه صاحب القلم الأصدق والأقرب إلى روح تجربته ومصداقية التعاطي الجدي العميق معها.

 

س6: ياسمينة حسيبي: ما الذي جعل الشاعرة سمر محفوض تتجه الى النقد رغم حالة الفوضى وانعدام أو نُدرة أساسيات الشفافية والحيادية التي استوطنت المشهد النقدي العربي الحديث والثقافي عامة؟

ج6: سمر محفوض: نحن لانختار غالبا نمط المنتج الذي يشعل شغفنا، عزيزتي هو من يختارنا وربما أيضا هي الحاجة العميقة للغوص ببنية الجملة والتركيب علني أصل يوما إلى جذر اللفظة كموصل سينوغرافي ما يزال يشغلني البحث في أطياف أشعته.

 

س7: ياسمينة حسيبي: يعتمد النقد العربي الحديث منجزات النقد الغربي على مستوى التنظير والتحليل مما يجعل من الصعوبة التقاط ملامح أصالة حقيقية لهذا النقد.

هل في اعتقادك، يكمن مأزق النقد العربي الحديث في تحول المرجع لديه من فرصة لممارسة نقدية منتجة وفاعلة إلى مصدر للتشويش وللاضطراب؟

ج7: سمر محفوض: ينبغي أن نتحدث هنا عن النقد واللانقد..عزيزتي النقد العربي بشقيه الأكاديمي والصحفي يعاني فترة حرجة، من مراهقة ثقافية تتسم بالتعجل والانفجار ضمن التباس البنية النقدية للعقل العربي. النقد في عالمنا هو استهلاك للمصطلحات بعيداً عن منهجيات النقد وأحياناً رغبة بتدمير النص أو تأديب الكاتب مازال النص أسير المعيارية وعلى يدي النقاد الطارئين تُنسى روح النص ..ويحتاج المتابع لحركة النقد الى امتلاك ثقافة خاصة منفتحة فينتج الحياة ضمن نقده.. إن أهمية النقد تنبع من خدمة قراءة النص للمجتمع الذي هو فضاء إنتاجه كي يتدرج المعطى النقدي العربي ولو نظرتي فأن أول ما يميزه هو المزاجية وتأويل النص حسب الناقد المتصدي للمشروع الإبداعي لكن: النقد من أجل خلق مناخ نقدي تنظري وأيضا حيوي نحتاج إلى إزالة القيود الفكرية بأوسع معانيها لأن النقد يعني أن تحيد باللغة عن طرقها العادية، في التعبير والدلالة، وتضيف إلى طاقتها خصائص التحليل والتفكيك والدهشة والتكوين الموسيقي أيضا. أي معنى اللغة بالذات ليس استجابة للإيقاعات العادية بل لتجاربنا الجديدة أيضا كذلك، بوصف النقد  حركة الشخوص الفاعلة بالعملية الأدبية لتصير شخصية مستنطقة أو مؤنسة على خلفية ما احتواه النص من بورنوغرافيا ، بديهي أن الحرية تنفي الجمود والتشنج المضاد للحياة كخيار وفعل هادف وبالتالي تنتقل أزمة الخارج إلى الداخل بشكلٍ أو بآخر وهذه الفكرة جزء من مشروع النقد باعتبارها الإطار الفاعل الذي يتم فيه التعامل مع الأدوات والتكنيك الشعري، إن مفهوم المأزق هنا تحديداً غير دقيق لأن الحديث النقدي هو عن التطور الجدلي في بنية منظومة النقد ليس من جانب امتلاك الأدوات والمنهجية الخاصة بل بتحديد معالمها أيضا ،وما تتركه مفكرتنا الثقافية المعرفية النقدية مهملا ومسكوتاً عنه يشكل حيزاً هاماً من جملتنا الناقصة، وبالتالي لم نتمكن من مقاربة المنظومة النقدية العالمية ،كخصائص لمعالجة فعالة وإنتقال نوعي من الهامشي إلى الرئيسي، ومن ثم نحو المسكوت عنه في دواخلنا، لترقى مفاتيح الالتقاط بين الكلمة وإنزياحاتها، في معنى المتكون النصي وتلقيه، كمعمم ثقافي يتخطى مفهوم المثاقفة، بهوية ثقافية مبدعة وشخصية متميزة.

ربما علينا إعادة النظر في اللغة. طالما هي مقتبل الفواتح في أي عمل فني وهي أيضا الحامل الرمزي لإشكالات النص متجاهلين متنها النحوي الراكد، هو تحطيم لكل الجاهزيات، كمحاولة للاقتراب من ملامح نص مغاير ونقده، لغة تبتكر قدرتها على التأثير عند كل تماس حيوي، حتى لا يمسخ فيه النقد الى شكل للسيطرة أو الإلغاء. بمعنى كيف للناقد أن يقدم عملا يستحق القيمة في أي حقل معرفي كتحصيل أو إنتاج لها (للكلمة) وتقدير لمسؤوليتها أو كمعيار للنقاد ونقاد نقديون أيضا بجوهر للعمل الأدبي لدور تفاعلي حي مع الواقع الإبداعي الصعب الذي يسعى إلى تلمس الجوهر عبر المظهر والمستتر والمكشوف أو ما يدعى بجماليات التلقي ، حيث تمثل الفهم العربي لنوعية العلاقة بين القارئ  الناقد والنص تكوين تحليل كلي للشعر أو خط الأدب بمنظور إجرائي نتيجة لتطور علوم اللغة وتحليل الخطاب بوصف القراءة عملية تفكيك وتكوين موضوع لفك وتتبع الغامض والملتبس بين الموضوع وبنائه. ببساطة هي العلاقة تتعقد أحيانا بين القارئ والناقد والنص الشاعر وتتداخل إحالاتها ومرجعياتها نتيجة لجماليات الفكرة بوصفها مسارا تناصيا يجمع سياقات إنتاجه داخليا كأدبية الأدب، وخارجيا كتأثير ثقافي وأيديولوجي مع ظرف التلقي والقراءة، وبالتالي التحليل أي النقد .والعصر الحالي عموما هو عصر تعدد المنهجيات وأجد أني لا أميل إلى مصطلح منهج في وصف وتحليل نص ما بل هو التجربة التحليلية كعلاقة مادية وفكرية ولغوية متعددة المعنى تتجاوز أحادية الدلالة التي يضبطها المنهج ،وهذا يضفي التنوع كما يضفي الخصوصية والإختلاف أيضا إنما أنا يعنيني الصيرورة الدلالية للنص المعني من حيث إنتاج الدلالات المتوازية فالقراءة النقدية الخلاقة تتجاوز المنصوص علية والمنطوق به في عملية الاتصال وتأويل النص فهو يتجاوز رؤيته كوحدة فكرية ولايمكن مطابقته أو مماهاته مع التفسيرات والتأويلات لنقاده ومتلقيه على الأقل. أجد أنه هكذا قرأ ابن عربي النص المقدس وتعامل معه وهكذا تلمس ميشال فوكو ديكارت على رأي الناقد (علي حرب) بالنهاية القراءة فعل جمالي لأفراد تربطهم علاقات تلقي ثقافي وإبداعي مشروط بظروفه الغير منعزلة عن مرحلتها تندرج في نسق قيمي ومعياري لمرحلة ما كونها تلبي الحاجة الروحية المتضمنة جوهرها-

وهنا الذهنية الثقافية العربية ليست بمعزل عن الإبداع الإنساني بل في خضمه كتواصل حساس وحامل لمشروع المغايرة والتقارب المعاصر.

 

س8: ياسمينة حسيبي: ألا تمس آلية التعريب للمصطلحات النقدية الغربية بهويتنا اللغوية وتسمح لمصطلحات أعجمية دخيلة بتوجيه النص الشعري ذو البيئة العربية؟

ج8: سمر محفوض: تكمن أزمة المصطلح على انه قام بتصفية القوى الداخلية فيه ضمن الفورة المنهجية والنظرية. في الوقت الذي أعاد فيها منطق تعميق فرديته مع ما قد يتكون من اختلاف المنظومات  الثقافية التي تختلف عنه باختلاف الهوية  وفي غياب  المواكبة  المجمعية اللغوية الموحدة والمقنعة ، للثقافة التي تم النقلإليها . مما دفع للتعويل على الجهود الفردية للنقل والترجمة، وعلى الفهم الشخصي للدال  الأصلي. لترجمة المفردة وقد أوقعت النقول الفردية الاصطلاح في اخلالات إشكالية كان من نتائجها  فقدان المعرفة  المنقولة.  وقد أفضى التشتت المصطلحي .. إلى فوضى ترجميه . مردها قصور في تدقيق معنى المفردة المنقولة وعدم السعي  إلى إيجاد المرادف لها في اللغة والثقافة  حيث المصطلح نتاج بيئة ثقافية  وسياق حضاري  لايمكن التعامل معه  . بسطحية جراء الانبهار  وتعجل النقل انطلاقاً من  أن أي خراب  في المصطلح لايعود بأصله إلى إثبات الفكرة بل إلى سقوطها  ولا ينجم عن استلاب وحدة المفهوم  بل يولد قالباً ووعياً جديداً  ،عبر التردد والتموج  بوظيفة المصطلح، الذي قد يفقد قيمته الإجرائية  ويؤثر سلباً على دوره التواصلي، كناقل للمعرفة  كما أن اشكاليته الأخرى تكمن   في المدلول  الذي يعطي تعاريف عديدة ومختلفة لنفس الدال .... مما  يفقد المصطلح حمولته  الدلالية الموضوعية  إنما أخطر مظاهر الاضطراب في المصطلح، هي في إعطاء مداليل مختلفة للمصطلح أو المسمى  في الثقافة المنقول إليها تتعارض مع مفهومه باللغة الأم بل تعاكسه  أحياناً  وتسهم  في أن يصبح  فسحة عائمة بلا استقرار  ولا معالم..... كشعوراً صرفاً  متكيفاً مع تسريع  التعابير التراكمية  اللفظية  والتي تسعى إلى تقليص الغيرية والارتباط مع الذات محل الارتباط مع الأخر.  ونهاية توافق الذات مع الذات  المنطوية على إعادة إنتاج مجتمع  ،  بلا ظل  كحالة  ثقافية  سلبية  بوصفه  عرضا مرضياً  من أعراض الأزمة المعممة  التي يعجز عن مواجهتها بغير اليأس  والحقيقة  أن أزمة المصطلح لاتخصنا  فقط بل تشمل حتى منتجيها  الذي يناشدون مثقفيهم بتوحيد المصطلح  كي لا يبقى متاحاً فقط لتطبيقات منتجيه عصياً على الأخر.... لتبدو القضية كأنها  ليست أزمة مصطلح بل أزمة واقعين ثقافيين وحضاريين وأزمة فكر بدرجة ممتازة من المفيد والضروري الاهتمام بالقراءة التطبيقية لآدابنا لخلق رؤى عربية لا رؤية واحدة وصولا لرؤية مفصلية متطورة كما التي للجرجاني في النظم مثلا والتي تصلح للآداب الأخرى كما تصلح للأدب العربي وهي أكثر إتساعا وشمولاً حيث أن الشعرية أو الشعر الحالي وإن كان يحتفي بالخاص والفردي  والجواني فإنه وبشكل دال يعكس بعدا للوجود الإنساني يتجلى بواسطة الرمز ومصير الفرد ضمن تلك النصوص الأدبية. هي معادلة صعبة لدى الطرفين غربا وشرقا، هي بالغرب تختصر الإنفصام الكلي بين الخاص والعام إلى ظواهر ذاتية بينما تدفع التناقضات لدينا إلى الذاتية والفردي ضمن نسيج الصورة الشعرية التي لايمكن الفصل فيها بين الفردي والجمعي وضمن ذلك التشابك لا يمكن تحديد الفردي إلا من خلال دينامكية علاقته مع الجمعي ولايمكن مقاربة الذات كتعبير إلا من خلال تموضعها الاجتماعي وهنا الإبداع بالضرورة يتطلب اشتباكا بالواقع وتعبيرا عنه كل لحظة كإعادة إنتاج وتوزيع للعمل الفكري ... اليوم الغرب عامة يتطلع إلي معرفة العرب والعالم العربي وهنا الأدب قد يوفر وصفاً أكثر دقة وعمقا من كتب التاريخ والسياسة ولهذا السبب فأنت تجدين أن نسبة الكتب الصادرة عن العرب والإسلام تحديدا منتشرة حاليا في الغرب ونحن نلاحظ مؤخرا  ازدياد نسبة ترجمة الأعمال الروائية الكثيرة ، لكن المشكلة تكمن في تحييد البعد الإبداعي العربي الخلاق والذي يساهم بشكل حقيقي في الأعمال التي أنتجتها البشرية.

 

س9: ياسمينة حسيبي: كما هو معروف، عالم الشاعر مزدحم بالأسئلة وبالقلق والشك وقراءته مهمة صعبة تستوجب ناقدا ملماّ بالتحليل وبالتأويل والتقييم لكن معظم الدراسات النقدية تظل تدور حول النص وليس فيه.      

كيف يكون برأيك فتح مغاليق النص الشعري اعتمادا على الشك في تقصي اليقين؟

ج9: سمر محفوض: لم تعد نظريات التلقي كافية لرؤية حداثية من مبدع- متلقي- نص\، بل هي تتغير جذرياً لصالح المفردة الدلالة. هو تجاور المتناقضات، والذي هو نتيجة للمعنى الذي يشتكي دائماً حضوره المغّيب.

إلا في المفرد على حد تعبير الإمام عبد القاهر الجرجاني في مقولته الشهيرة (ليس أدل على المعنى من مفرده). والاسلوبيه كعلم لغوي تعتمد تحليلاتها بالظاهرة الأسلوبية، أي النمط من ناحية بنائية ووظيفية، أي عملية إيصال الفكرة للأخر مصحوبة بالمتعة.واليوم يتجه الأدب عموماً نحو التحليل والتصنيف. ليضمن الموضوعية، أو ليفند مشاكل الإبداع وتقنياته استناداً على النصوص ذاتها.فالمعنى لايستقر في صيغته النهائية إلا بالنظر إلى كافة التحولات النصية ودينامية تجربتها وديمومة تشكلها ولا تشكلها. بعد خروج النص من وظيفة الرسالة التي هيمنت عليه تفعيليا بالفترة السابقة من أوائل السبعينيات حتى مشارف التسعينيات من القرن المنصرم، ثمة صراع داخلي يُزاحُ جانبًا لصالح المنتج الإبداعي، عليه أن يكون واعياً لحركة أفكاره، يرى ويكتشف أن هذا الانقسام بين المُـفـكّـر والفِـكـر، بين الراصد والمرصود، بين المختبر والخبرة،ما هو إلا وهم، المتلقي لم يعد يمثل زمنا أو حدثا أو حالة، فالمتلقي ضمنياً والي اعتمده المبدع كجزء من بنية النص، غُيّـبَ تلقائياً لأن النص اعتمد المفردة /اللفظ دوراً للقيام نيابه عنه، مما منح النص حياةً بلا شيخوخة، أكثر انفتاحاً على الوسائل الجوهرية للإبداع المعاصر، بدلاً من همجية التطرف الذي لا يمت إلى اتجاهات الفكر الحديث عموما لكن لنحدد أولا مفهوم التفاعل أو ما يدعى بجماليات التلقي، ولعل الاختلاف الحاصل بين النظرية العربية وجمالية التلقي المعاصرة يكمن أصلا في مايدعى قصدية الفعل، وظيفة التبليغ، حيث تتداخل الكثير من العوامل في سيرورة التوصيل منها ما يتعلق بالشرط الزمان /المكان ومنها ما يختص بالمتلقي وتكوينه الثقافي والمعرفي بحيث تكون عملية الإبداع الأدبي هي بحث واكتشاف ذاتي ومن هنا ليس بالضرورة أن تكون رسالة التبليغ أو التلقي مرهونة بمعرفة المرسل بالتأكيد كنوع من الاتصالية مع الأنواع الأدبية ضمن سياقها النصي وهذا جزء من البنية الكلية للشاعر أو الشاعرة يحدد سماته بما ينسجم مع السياق وليس كعنصر يساهم في تجسيد دور الكاتب ..إن شاعرا كصقر عليشي أو سعدي يوسف أو اسعد الجبوري مثلا يخلق مجازات مختلفة للغته  فيغامر بالتخلي عن العناصر التي شكلت جوهر شعرية الحداثة وهو شكل من أشكال توكيد القصيدة الحديثة لتوكيد حداثيتها..ليس كحالة خالصة  وحسب، لكن أيضا كدلالة لسعي طويل لتلا قح الثقافات الإنسانية التي تتباين بمدلولاتها ومكوناتها وهذا بالذات إشكالية تسمية المصطلح شكل من خطاب كوني ثقافي حضاري يجعلنا نؤثر ونتأثر من خلال التفاعل والتكامل لتأصيل المفهوم حيث الاختلاف هو تمييز الفارق وإن الأسلوبية كعلم لغوي تعتمد تحليلاتها بالظاهرة الأسلوبية أي النمط من ناحية بنائية ووظيفية أي عملية إيصال وهنا النتيجة ليست رهينة الاختلاف بل هي فاعلية الاختلاف داخل طقس المتعة /القراءة/ وضمن شرط التصادم والتجاذب بوصفه  المشروع المعّبر عنه ضمنياً في الآخر أي من يتلقى أو من نتوجه له بالكتابة حيث لكل رمز إبداعي دلالة سواء كان تشكيليا أولغويا أو بصريا تعبيريا مسرح فتوغراف ...الخ بالطبع له آلية تحريضي لدى المتلقي يتم ذلك على مستويين الأول فكري إذ يخاطب المنتج الإبداعي فكر  ومخيلة المتلقي وجملة قناعاته ومعارفه، والثاني انفعالي والتفاعل بين المستويين هو الذي يخلق التوافق الاتصالي ويحدد التقييم والفئة أما فيما بعد لمن سيتوجه هذا المنتج تلك مسألة أخرى المتلقي هو من يحدد والمنتج قد يحقق ذلك أو لا يحقق

بالنهاية القراءة فعل جمالي لأفراد تربطهم علاقات تلقي ثقافي وإبداعي مشروط بظروفه الغير منعزلة عن مرحلتها.

 

 

س10: ياسمينة حسيبي: ظاهرة "ثقافة الأنترنيت" رغم انتشارها بشكل هوسي تبقى هشة وغير مؤطرة، يقابلها تدنّي رهيب في معدلات القراءة بالوطن العربي (ربع صفحة للفرد سنويا).

كيف ترين مستقبل الكتاب العربي في ظل شيوع مجانية النشر الكيفي والكمي واختلاط الحابل بالنابل؟ 

ج10: سمر محفوض: مما لاشك فيه إننا نعيش زمن الصورة بكل تقنياتها  وطاقاتها التسجيلية  والتخزينية  وهذا أحدث تعديلا مهما في ذائقة التلقي  وذهنية تلقي  الإبداع الفني البصري عبر شاشة الشبكات العنكبوتية  متيحا لأنواع جديدة الفرصة للولادة والتشكيل  بوصفها إضافة ، لا بديل عنها ربما تكون مفردة التحول هي الأدق هنا فقد أدت ثورة الاتصالات إلى تغيرات عميقة في آليات الإنتاج الثقافي والاستهلاك كأنماط وأشكال تضمر الرؤية الافتراضية للواقع ثم  تنتج صورا له تختلف نوعيا عن التعبيرات التي ينتجها الأدب المألوف أو المطبوع الذي اعتدناه لزمن مديد إن التراث الثوري الأدبي والفكري والنقدي وحتى السياسي  الذي يشهد الان تحولات غريبة عن طبيعته التي تكرست عبر قرون بحيث يمكن القول أنه مهدد بالتلاشي وتتزامن هذه التحولات مع تحولات كونية كبرى في الثقافة والانتهاج الفكري. وعلاقة الأدب بالواقع كانت دائما من القضايا الجوهرية التي شغلت النقاد من خلال إبداعات عدد من كبار الروائيين والشعراء والمسرحيين أيضا أثرت بشكل حاسم على آليات وجماليات تلقي الفن والإبداع بهذا المعنى نعم أنا أتابع بجدية شديدة التجارب المتنوعة وأعجب بالكثير منها لأني مؤمنة أصلا أن أي استبعاد أو غياب سيشكل اهتزازا في جزء من التكوين الكلي للمشهد والتذوق الشعري العام..... -  من هنا يمكن أن أقول لك بأن الأدب العربي ليس أقل إبداعاً منه في الوقت الحاضر من النصف الأول من القرن العشرين ورغم كثرة المقالات والدراسات والتحليلات التي تناولت الأزمة التي يمر بها الأدب العربي شعراً ورواية ونقداً أدبياً يتناقض مع ما يصدر من مجموعات شعرية وروايات وكتب نقدية وفكرية والذي يشير إلي أن الأدب العربي لم يتوقف عن الإنجاز والتطور والمغايرة ومن ثم يمكن القول إنني متفائلة بمستقبل هذا الأدب رغم الانهيارات السياسية والاجتماعية والشروخ العميقة التي أصابته. ببساطة يمكن أن نقول إن الموقع الذي طوروا العرب أنفسهم فيه للحاق بالحداثة وما بعد الحداثة هو الحيز المعني بالآداب والفنون التي نجد فيها ملامح حاثية وما بعد حداثية وأما عن القراءة الورقية أو الكتاب المطبوع فهذا شكل من التحول الكوني بنمط التعاطي مع القراءة، وتناول المعلومة واعتقد أننا لسنا بمعزل عن هذا المتغير العالمي.

 

س11: ياسمينة حسيبي: "لم أكتب بعد القصيدة التي أريدها" قالها الشاعر التركي الشهير ناظم حكمت.

ماذا عن سمر محفوض وقصيدتها/الحلم؟

 ج11: سمر محفوض: ناظم حكمت ذاكرة جيل وذائقة تاريخ لاشك.. أولا أتمنى لأفكارنا أن تتحرر ضمن كل الدمار الذي يحيط بنا وخيبات الأمل التي تلاحقنا أتمنى أن لا نخاف الكلمة التي نقولها أو التي تقال ضدنا بعيداً عن الهراوات الثقافية ومخالبها علينا أن نجعل الخراب يتوقف بالجهة المقابلة مضطراً، ليكون النص محورا أساسيا وساحة الخصب  ويبقى أن اتمنى كتابة النص الأكثر جنونا ..وحبا ، وطيبة. وقلقاً . وصبراً ،وغياباً عن خارطة التكريس المنخورة بأسماء فضفاضة.. هوالبحث عن النص الذي يفكك القارئ ويعيد تشكيله وفقا لما يقدمه مبدع خاص دون مجاملة أو محاباة المتلقي نحو نص يثير الأسئلة ويقلق. نص ليس مسكوناً بتابو الوثنية الفكرية والثوابت.النص غير المدبر ..النص الذي يفكك ذاته..النص الذي لايحاول أن يكتمل في وقت المحنطات والتماثيل المسبقة الصنع .الشكر للشاعرة ياسمينة حسيبي ولمؤسسة المثقف وللسيد الأديب والمفكر والروائي ماجد الغرباوي مدير الموقع. 

تحياتي وشكري لك الشاعرة سمر محفوض على هذا الحوار القيم وعلى روحك الشاعرية. ونختم بقصيدتك الموسومة _ويحدث أن .._

ويحدث...أن

يضيق..

الوطن

ليصبح بحجم رغيف خبز

بطول ساعات تقنين

بسعة خز ان فارغ

ويحدث أنّ نظلّ نعشقه

يحدث...أن

في اللوحة المعلقة على جدار

غرفتي

صورة جماعية لشخص واحد .

ويحدث ..

أني بعد قليل سأقضم ما تبقى

من أصابعي

كي لا أعاود العد العكسي

لانتظارك

يحدث بعد قليل أن انثر

هدوئي لينهض بكامل غرائزه

إلى أغصان جوعك الغاوي

يحدث ..

أن يكون فنجان قهوتي الوحيد ،

معبد شاغر

يعلقني على أهوائه ...

كعطش لا يرويه شيء .

ويحدث ..

أن كل ماتبق من الحديقة

المقابلة لمنزلي .. الحديقة

الجرداء من كل شيء .. الحديقة

التي تحولت إلى مكب قمامة ..

كل ما تبق لافتة كتب عليها ..

ممنوع قطف الأزهار .

يحدث..

انه موعدك اليومي.. مشوارك

اليومي ..

قبلتك اليومية..غيابك اليومي ..

وبدقة أكثر هو نسيانك اليومي

..

واعني اليومي الدائم .

ويحدث

أن تشير للبحر فيغسل موجه

بك،

أن تشير للتاريخ يغادر دائرة

الطباشير..

أن تشير للضجر يتصوف شارعا

بكامله .....

ويحدث ..يحدث

أن القرصان

مازال يتابع المشهد

بشرود مفتعل

يحدث ..

أن أصغر الأشياء تترك إيقاعها

بفيء المكان ..

وأنك حقيقتي الأكثر انهماكا بعد

أوقاتها المهدورة في اللهاث .

وأنك زخة قصائد ...

تنشب برابعة القلب ..

بعد عمر طويل من الفناء ..

يحدث ..

أني اصدق الخرافة وجدتي

والله والنسيان ..

نسيان غائب لن يأتي

.. نسيان غائب أنتظر عودته

كغفران أخير لتوبة العاشق

.يحدث ...أن

 

ياسمينة حسيبي -  مدارات حوارية

صحيفة المثقف

 

saleh alrazukqusay askarفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الروائي والشاعر د. قصي الشيخ عسكر، وحوار شامل وصريح أجراه معه الأديب الناقد د. صالح الرزوق، فاهلا وسهلا بهما في المثقف.

 

لا يجوز الكلام عن الأدب العربي كمؤسسة دون التطرق لظاهرة أدب المهجر، ويبدو أن هذه الأمة ابتليت بهذا الداء ، وهو تبديل الأوطان، مثلما نغير ثيابنا وملابسنا، كل يوم وطن جديد ، وهذا يعني هجرة وخروج من المكان وصدام مستمر مع العادات والتقاليد وأنظمة المعرفة.

وإذا كانت أسماء جبران ونعيمة وعريضة هي التي أسست لهذا النوع الأدبي، فقد أعقب ذلك هجرات متنوعة. في المقدمة نزوح الفلسطينيين مرتين بعد النكبة والنكسة. ثم نزوح العراقيين بعد ثلاثة حروب مدمرة، والآن الظاهرة تتوسع لتشمل آفاقا جديدة لم تكن بالحسبان.

لقد أنتجت الهجرة، والمنفى السياسي، وأدب الرحلات، وهو نوع يختاره الكاتب بلا قسر، كمامن الأعمال، وهي بالطبيعة والضرورة، تتراوح بين المعقول والمتميز. ولكن في نفس الوقت توجد استجابة متواضعة سنتجاوز الإشارة إليها منعا للتحسس. فالأدب فن ذاتي وتختلف أساليب اساقباله وهضمه.

من هذه الأسماء التي عملت بدأب وصمت، مع أنها في الرعيل الأول من هذا الجيل، الدكتور قصي الشيخ عسكر (الأسدي). من مواليد البصرة. يقيم حاليا في نوتنغهام في إنكلترا – منطقة ميدوز. غادر العراق في وقت مبكر هربا من الطغيان. وتقلب بين عدة دول وعدة مهن. وأنتج خلالها أعمالا ذات طيف واسع: في الشعر، ثم في الخيال العلمي، وأخيرا القصة والرواية باتجاه يحب أن يقول عنه: الواقعية المستنيرة.

حازت تجربة الدكتور الشيخ عسكر على اهتمام محدود لا يرقى لما قدمه من مجهود وعطاء. وفي هذه الأسئلة والإجابات محاولة متواضعة لاستكمال الصورة.

 

س1: د. صالح الرزوق: ما هو مفهوم أدب المهجر، متى بدأ عند العرب وكيف تطور؟.

ج1: د. قصي الشيخ عسكر: تطلق الدراسات العربية التي صدرت في القرن العشرين، وكذلك المناهج التدريسية كلمة أدب المهجر على الأدب الذي أنشأه  عرب مهاجرون من بلاد الشام منتصف القرن التاسععشر إلى قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية حيث كونت تلك الجالية المهاجرة صحفا ومجلات تهتم بهم وبأدبهم.

أما الشعر الذي أنتجه هؤلاء المهاجرون فله خصائص من حيث الشكل والمضمون كما تتحدث عنها المناهج المدرسية التي قرأناها في مرحلتي الثانوية والمتوسطة منها النزعة الروحية والحنين والتجديد في الموضوعات ، والتساهل في اللغة إلخ... ولا مجال هنا لتكرار ماذكره المهتمون  بتاريخ الأدب لأن الفكرة الأساس التي دارت حول الموضوع هي علاقة الشاعر بالمكان. المهجر والهجرة.. نلاحظ أن الشاعر في عصر ماقبل الإسلام كان يهاجر من المكان إلى مكان آخرفيقف ويستوقف ويبكي. إنه يقرأ فعل الزمن بالمكان، أماالشاعر المهجري فقد رحل إلى مكان آخر بعيد فكان يهدف إلى تحقيق ذاته بطريقة أخرى عبر الحنين والنزعة الإنسانية العامة وفلسفة الروح  وربما نجد مثل هذا عند الأمم الأخرى أظنني قرأت في تاريخ الدنمارك عن المهاجرين الدنماركين إلى قارة أمريكا الشماية خلال القرن التاسع عشر وكانت الرحلة تستغرق وقتها أكثر من شهر بالباخرة إلى أرض سموها أرض الحليب والذهب ، وقد أسس المهاجرون الأوائل صحفا وكتبوا شعرا يذكر مؤرخو الأدب الدنماركي أن شعر هؤلاء المهاجرين وأدبهم كان أضعف من الأدب الأصلي أماالجيل الثاني والثالث فكانت لغتهم ضعيفة جدا ونطقهم الكلمات يختلف.

ويبدو أن حالة الأدب المهجري العربي لها خصوصيتها وفرادتها لأن الذين هاجروا هم أدباء مثل جبران وغيره من المهاجرين الأوائل.

هذا ماكان في المرحلة الأولى لكن ماذا عن مرحلتنا نحن المعاصرين هل هناك من أدب مهجري معاصر؟ إن أول من فتح الباب في هذا الموضوع هو الدكتور الأديب يوسف نوفل أستاذ الأدب العربي في جامعة عين شمس  الذي أعلن في ندوة في القاهرة نشرتها جريدة الشرق الأوسط  قبل سنوات أن أدب المهجر لم يمت وأثبت بقوله أنه ألف معجما عن شعراءالمهجر ضم أكثر من 7500 شاعرا وشاعرة، وقد قسم الدكتور نوفل الأدب المهجري  إلى ثلاث مرحل:

الأولى مرحلة جبران ، الثانية مرحلة عام 1948، الثالثة المعاصرة وهي أقل بريقا من الأولى وقد وضعني في رأس تلك المرحلة.ثم جاءت الباحثة السورية الدكتورة هدى صحناوي أستاذة الأدب الحديث في جامعة دمشق لتؤلف عني كتابا تقول إنها قضت في تأليفه أكثر من أربع سنوات. الكتاب وصل إليّ من بيروت قبل أيام فتصفحته والشيء المهم وجدت أنهاقسمت أدب المهجر إلى مرحلتين فقط هما مرحلة جبران والمرحلة المعاصرة.

 

س2: د. صالح الرزوق: ما الفرق بين أدب الرحلة وأدب المهجر والأدب السياحي؟ وتهمني هنا ذكر أمثلة لأن الأنواع الحديثة تتداخل وأدب ما بعد الحداثة ينمو خارج المفهوم الفني للنوع ويحاول تقديم نص بموضوع ولكن من غير شكل، فموت المؤلف في الحداثة،تبعه موت النوع الفني في ما بعد الحداثة؟.

ج2: د. قصي الشيخ عسكر: سنحصر الأمر أولا في القديم: أدب الرحلة . إن الرحلة قديما تستغرق وقتا طويلا ربما أكثر من عشرين عاما  كما في رحلة ابن بطوطة، في هذه الحالة يكون العالم المفتوح هو العالم البديل والمجتمعات المختلفة هي المجتمعات الحاضنة في حين يبقى مكان المؤلف الأصليّ ثابتا في ذهنه. أنا حدث الشيء نفسه لي. هاجرت عام 1979 وبعد سقوط بغداد في 2003 زرت البصرة وجدت الشوارع أصبحت أكثر ضيقا ربما لازدياد نفوس المدينة وازدحامها ، كثير من الأماكن تغيرت ، شط العرب ظننته ومازلت أصبح أكثر ضيقا  وأكثرألفة كنا نعادله ببحر لقوة اندفاع مائه، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى في أدب الرحلة القديم نظرا لطول الوقت تطلع من خلال قراءة كتاب الرحلة على اختلاف المجتمعات فيالسياسة والفقه والتشريع والدين ولعلك تجد مدنا كانت واندثرت وتكتشف حقائق تاريخية تصدمك، يقول ابن بطوطة كنا نعبر من  جبال تونس إلى الجزائر وكان هناك مجموعة منقطاع الطريق اللصوص العرب، هذا يدل على أن جماعتنا العرب كانوا أقلّية في شمال إفريقيا ثم تعرب ذلك الزمان بمرور الزمن. لقد قرأت عن رحلة ابن فضلان بالدنماركية وهميقرون أن ماثبته عنهم في رحلتهم يعدّ توثيقا مهما، في الوقت نفسه قرأت عن رحلة كارستن نيبور إلى جزيرة العرب، وقرأت عن رحلة مستكشف إنكليزي للربع الخالي ودليلهالعربي أما أدب الرحلة الآن فقد اختصرت وسائل المواصلات الحديثة كثيرا من مضمونه أصبح أقرب للوصف لأن الرحلة كانت تستغرق في الماضي وقتا طويلا فيضطرّ كاتبهاالرحالة إلى التفاعل مع المجتمعات التي يمر بها ويعيش بينها مضطرا  ليستفيد من تلك المجتمعات وليتفادى شرهم وليعرف أشياء عنها هو يجهلها أساسا. أدب الرحلة الحديث أصبح أقرب إلى المذكرات والسيرة الذاتية ، من الكتب المهمة كتاب لا أذكر عنوانه عن الدنمارك كتبه السفير السوري السابق في كوبنهاغن، نحن نعرف أن مدة من يعمل في السلكالدبلوماسي لا تزيد عن أربع سنوات لكن هذا الكتاب يشمل مواضيع مهمة مثل حورية البحر، وحب الدنماركيين لمنصب قنصل فخري، وغير ذلك، يمكن أن تسمي هذا أدب سياحةأو أدب رحلة.  إن الأدب السياحي الذي يكتبه أشخاص هو أدب رحلة قصيرة قد تكون أسبوعا أو أسبوعين أو شهرين، لذلك وفق المفهوم الحديث نقول يصعب الفصل،أما إذا توغلنافي عمق التاريخ وتاريخ الأدب فنجد أن أجدادنا كانوا لايفصلون أحيانا بين النوعين من جنس واحد، الشعر نوع من الأدب والنثر: القصيدة، المثل، الخطبة، الحكمة، القول المأثور،القصة.سجع الكهان، يقول امرؤ القيس:

عوجا على الطلل المحيل لعلنا            نبكي الديار كما بكى ابن حذام

نحن لا نعرف هل بكى ابن حذام الديار شعرا أم نثرا؟ الزحافات الكثيرة في شعر عبيد بن الأبرص تدلّ على تشابك النوعين: الشعر والنثر، وعندما نزل القرآن الكريم وهو نص نثري  ظنه العرب شعرا، يقول تعالى" وماهو بقول شاعر" هذا يدلّ على تداخل الأنواع أما الكتب الحديثة التي قرأتها في صباي وأعجبت بها فيمكن أن أعدّ منها كتاب ملوك العرب لأمين الريحاني وقد أعجبني حين قارن بين ابتسامة الملك شريف مكة حسن وعبوس ابن مسعود ، أدب رحلة توقف عند لحظة نفسية.. أما الكتاب الذي لم يعجبني فهو وطني حياتيلكاتبه محمد أنور السادات مذكرات تختلط فيها الرحلة.. قرأته بالدنماركية والإنكليزية، مبالغة جعلتني أكره الكتاب وذلك حين يقول السادات إنه تعلم الألمانية في السجن بمصروحينما زار ألمانيا أخبروه أنه يتحدث الألمانية أفضل بكثير من بعض الألمان، سلمان رشدي مزج أيضا بين مكانين  الهند وبريطانيا .. في إحدى قصصه القصيرة بالإنكليزية يصوريوم مولده فيصف احتفالات الهند باستقلالها ليعطي نفسه العظمة ذاتها كأنّه مثل الهند انفصل عنه أمّه، ومن النساء تعجبني غادة السمان في حديثها عن الهجرة،لقد كتبت عن أعماليأن القاريء قد يختلف معي لكنه يقر بخصوصية أدبي، وقد أهدت لي كتابا وعليه إهداؤها  dedication  لكن الكتاب ضاع مني للأسف، في إحدى قصصه تصور موظفين في مكتبالإقامة أحدهما فرنسي والأخرى فرنسية من أصل إفريقي ، الفرنسي يعامل الأجانب بطيبة واحترام والفرنسية الإفريقية بتعال وأنفة، وأظن أن هذه النماذج التي ذكرتها تتداخل فيهاالرحلة بالسياحة بالمهجر بالمذكرات بالسيرة الذاتية، والقضية الأساسية والمهمة تتجسد لا في تداخل الأنواع فقط بل في طريقة العرض والمزج، أنت بصفتك كاتبا تشبه في عرضك أدبا مهجريا بكيماوي يخلط مزيجا من مواد مختلفة، أي خلل يمكن أن يطيخ بعملك.

 

س3: صالح الرزوق: ما الفرق بين ادب المهجر وادب المنفى. وهل من امثلة في الادب العربي والآداب الأجنبية؟.

ج3: د. قصي الشيخ عسكر: هناك محاور يصورها أدب المنفى. منها : الحديث عن الوطن في الخارج،والحنين إليه، والتوجه السياسي من قبل المؤلف أي المبدع، والانفعال ، وقد يضطر الشاعر إلى المباشرة،ومن أبرز كتاب المنفى وشعرائه البياتي والجواهري وبلند الحيدري ، ولنا مثال على ذلك قصيدة الجواهري الشهيرة دجلة الخير التي نظمها في براغ وأذاعتها حينذاك بصوتهالإذاعة السرية الموجهة إلى العراق من جيكسلوفاكيا، يقول فيها:

حييت سفحك عن بعد فحييني      يا دجلة الخير يا أمّ البساتين

حييت سفحك ظمآنا ألوذ به       لوذ الحمائم بين الماء والطين

ففي هذه القصيدة يتحدث الشاعر عن حنينه إلى دجلة وشوقه إليها ثم يعرج على وصف الحالة الاقتصادية والسياسية  والاجتماعية في العراق وتحكم السلطة بالبلد ومقدراته ،والدعوة إلى الثورة، أما من الأدب العالمي فأستطيع أن أضرب على ذلك مثلا برواية توثيقية عن الحرب الأهلية الإسبانية ترجمت إلى العربية لمؤلفتها " دولوريس إيبارودي" وهيسياسية مشهورة اشتركت في الحرب الأهلية وقدمت وصفا دقيقا لها ولجرائم جيش الدكتاتور فرانكو، سألت عن المؤلفة في الدنمارك بخاصة النساء كنّ يعرفنها لكنهنّ لا يكنّ لها الودّ !!

 

س4: صالح الرزوق: أدب الهجرة في الداخل، ولا سيما هجرة أبناء الريف إلى المدينة للعمل، هل ترى أنها جزء من متاهة الاغتراب والانفصال عن المهد والبيئة الأصلية؟.

ج4: د. قصي الشيخ عسكر: إن أدب الهجرة في الداخل من القرية إلى المدينة لايعدّ أدبا مهجريا ولنا عبرة في ذلك أدب الكتاب المصرين الذين هاجروا من الصعيد ومن القرى المصرية إلى القاهرةوالإسكندرية. هناك اختلاف ملحوظ وإن كان في طريقة التفكير وفي الشخصية فيما يخص الرواية، لكن في كل الأعمال نجد القروي المهاجر سواء كان أمياأم مثقفا فإنه سرعان مايتكيف في مجتمع المدينة الجديد. إنه هاجر إلى مكان في بلده لا تعقيد فيه من حيث الإجراءات الرسمية فلا يحتاج إلى زيارة قريته لتأشيرة دخول " فيزا" ولا إلى جواز سفر،  وقدسافر أساسا للعمل أو الدراسة في بيئة تتكلم نفس لغته، فهو وإن مارس الأدب الإبداعي إلا أنه يعيش في المجتمع ذاته وأظنّ أن الأديب يشعر بنوع من الاختلاف إذا انتقل في بلده إلىمجتمع آخر يتكلم لغة أخرى في وطنه نفسه كأن ينتقل ابن البصرة أو بغداد للعمل في كردستان أربيل ، السليمانية، دهوك حيث اللغة هناك الكردية. إن عدم وجود قيود رسمية  فيالتنقل داخل البلد وكون سكان المنطقة الأخرى غير العرب يتكلمون مع العربي اللغة الرسمية للبلد وهي العربية  فإن الحال لاتعد ضمن أدب

المهجر .وهذا مانجده في أدب العربالجزائريين الذين يعيشون في مناطق تسكنها أغلبية من الأمازيغ إنه أدب عربي جزائري.

 

س5: صالح الرزوق: والهجرة والاغتراب في البلاد العربية، هل تحمل نفس خصائص الهجرة في الغرب حيث تكون المشكلة صراع ثقافات وليس انتقالا في المكان فقط، فالمقصف الملكي لك رواية مهاجرة ولكن تدور احداثها في لبنان،، ما أوجه الاختلاف فيها عن رسالة أو الحبل والنار التي تسري؟.

 ج5: د. قصي الشيخ عسكر: هناك ملامح مشتركة بين بعض الدول العربية، الملامح المشتركة بين تونس والجزائر والمغرب أقوى من الملامح بين المغرب والعراق من حيث التقاليد والعادات والدين والمذهب،وبين العراق وسورية والأردن وفلسطين ملامح مشتركة أقوى مما هي عليه بين العراق والإمارات مثلا، أنا كتبت في سورية بعض الأعمال، وفي سورية ولبنان والدنمارك رواية "نهر جاسم" وفي لبنان وسورية " المقصف الملكي" بعض أعمالي هذه  أصنفها ضمن دائرة

الاغتراب وعمل مثل " المقصف الملكي" يمكن للناقد أن يعده ضمن دائرتين : الأول ىأدب مهجري كتبه المؤلف في بلد أخر غير بلده، أو أن يعده عملا عربيا ضمن دائرة النتاج القومي الأدبي العربي.

 

س6: صالح الرزوق: ما علاقة الواقع وسيرة الكاتب بأعماله، هل تفرض نفسها عليه بالضرورة. لهذا السؤال سببان. وجود روايات عن مدن لا يعرفها الكاتب مثل امريكا لكافكا، وايطاليا في ترنيمة امرأة لسعد رحيم، وبنغلاديش في حلم حقيقي لمحمود الريماوي، وفينيسيا في الموت في البندقية لتوماس مان، وفي حالة مان أضيف  المثلية الجنسية وهو النصف الثاني من السؤال.

لماذا يتخيل الكاتب سلوكا لا يتبناه، والشيء بالشيء يذكر، كتبت غادة السمان عن الانحرافات في بيروت 75. ومثلها سارة ووتيرز في إكرام المخكل. بينما أهمل كولم تويبين الموضوع مع أنه لا يخفي ميوله أو معاشرته للرجال. أين المشكلة. لماذا نكتب عن أشياء نفتقد للتواصل الحقيقي معها. وهل الكتابة عن بلد لا تعرفه جزء من الرغبات السياحية عن أو حب الهجرة والتنقل. أم هناك سبب حضاري آخر، ما رأيك؟..

ج6: د. قصي الشيخ عسكر: لا يخلو العمل من بعض أفكار الكاتب يجسدها أحد شخوص قصصه ليس بالضرورة البطل، وقد يعكس في بعض أعماله بعضا من سيرته بشكل يبتعد عن أسلوب المذكرات، الأمثلة التي ذكرتها كلها صحيحة وأنا شخصيا أعجب بجرأة غادة السمان، وفي نهاية الثمانينيات ( كما ذكرت سابقا) بعثت لي بأحد كتبها وعليه إهداؤها بخط يدها. مع الأسف فقدته فيتنقلاتي الكثيرة ،الكتاب يضم مجموعة من القصص وفيه قصة جريئة جدا تتحدث بضمير الأنا عن أن زوجها أخبرها عن نية انتقاله من باريس إلى بيروت وصفى أعماله ولكييرضيها فقد فتح في بيروت باسمها محلا" لا أتذكر نوع المحل وأظه محل ملابس أو عطور" في تلك الليلة وقد اتفقا على العودة مارس الزوج معها فحولته أو شعرت أنه يمارسفحولته، هذا جزء من السيرة تحول إلى أسلوب فني، وهناك في العراق قاصة لم تحظ بالشهرة الكافية اسمها بثينة الناصري تتحدث في بعض المشاهد بجرأة تامة بضمير ال " هي"بشكل يوحي من طر خفي أنها بعض من السيرة.و قد قرأت عشرات القصص باللغة الدنماركية تتحدث عن المثلية وشاهدت بعض الأفلام ليست عندهم مشكلة.المشكلة كما يقول أحدالدنماركيين الذين زاروا الشرق إن الأمور عندهم مكشوفة، المثليون والمثليات معروفون في المجتمع، إنهم علنيون والكتاب عندما يكتبون عن سيرتهم وميولهم يكتبونها لمجتمعاتهم التي  تتقبلهم أما نحن فحسب رأي الدنماركي  فنخفي الأمر بسبب ديني (حرام) وبسبب اجتماعي(عيب) وبسبب صحي (المرض) لذلك أرقام هؤلاء مجهولة، في بداية وصولي إلىالدنمارك قرأت قصة قصيرة لكاتبة دنماركية في نهاية القصة تصاب بحزن أو صدمة حين تكتشف أن ابنها مثلي، قلت للمعلمة التي تدرسني اللغة هذا عجيب هل هو شاذ عندكم،قالت كاتبة القصة كتبتها في سبعينيات القرن ونحن الآن في منتصف الثمانينيات، المجتمع لايرى الآن هذا السلوك abnormal، الطلاق مرتين كان عندهم فيه حرج في خمسينياتالقرن العشرين والإجهاض إلى الستينيات ، أذكر أن أحد أعضاء البرلمانات العربية طالب بإقرار حق المثليين في ذلك البلد العربي، سخر الشارع منه وقالوا: يبدو أنه واحد من الجماعة!! في حين أن الكاتب الأوروبي إذا تحدث من خلال سيرته عن مثلية وجنس، فليس حديثه من باب الهجرة الداخلية ولا يعني مشكلة، بل هو يصور واقعا موجودا وأحدالمواضيع التي يناقشها مثلما يناقش أي موضوع آخر في كتاباته مثل الضمان الاجتماعي والسلم والحب والسرقة والكذب والصراحة والعدل .

 

hamodi alkenanialihusan alkabazفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف المسرحي والناقد علي حسين الخباز وحوار شامل وصريح أجراه معه الأديب حمودي الكناني، فاهلا وسهلا بهما في المثقف.

 

 اصدقائي الاعزاء ضيفنا  في هذا الحوار مسرحيٌ وشاعر وناقد وإعلامي وصانع ارغفة متى ما مررت قرب تنوره وشممت رائحة ارغفته لابد لك ان تقف وتتناول منها ما تلتذ بمضغه ثم تطلب المزيد، علي حسين الخباز مسؤول اعلام العتبة العباسية ورئيس تحرير جريدة صدى الروضتين التي تصدرعن قسم الشؤون الفكرية في العتبة العباسية ما ان تطل عليه ويرفع نظره ليراك ينهض من مكانه مهللا ومعانقا ومعاتبا أنك أطلت عليه الغياب .. ولكن سرعان ما ينقطع العتاب وتبدأ الحكاية .. عن المسرح عن الشعر وعن كل ما يدور وعن انطباعاته - ارغفة خبزه الحارة اللذيذة - قصدته في مكتبه الاثير زائرا وكان لنا هذا الحوار. فأهلا بالخباز في المثقف !

 1050-hamodi

س1: سألته من هو علي الخباز؟

- فأجابني أنا ما زلتُ بعض روحٍ وطيف انسانٍ يسمو مع الحرف أحيانا كثيرة بتباريح وجد كربلائي الهوى، عاشق ستيني.

 

س2: وسألتُه متى وأين جئت الى هذا العالم وكيف نشأت؟

 فقال أنا كربلائيٌ، إبنُ الخيمكه، ابن التكايا والمسارح التي اعتمرت الخانات، إبنُ أنينِ العطاشى، توزعت طفولتي بين الكرخ بغداد شيخ بشار وكربلاء المخيم، حملت رعاية السيد علي الحيدري صاحب كتاب ارشادات الحيدري رحمه الله عنوان محبةٍ وإلفةِ خير، استلمتُ مكتبة الامام علي وأنا  صبيا، وترعرعتُ في مدرسة الامام الباقر (ع) برعاية السيد عماد الدين البحراني رحمه الله وهكذا شاء الله ان يرعاني .

 

س3: طيب قل لي من هم اترابك وماذا تعلمتَ منهم وماذا تعلموا منك؟

- فأجابني وأصابعه تنقر على الكيبورد " يا صاحبي لكل مرحلةٍ أهلها وناسُها وما زال الجميع بخيرٍ، فاتحاد الادباء جميعهم أترابي، منهم من ساهم بتنشئتي الادبية كالصديق الشاعر عودة ضاحي التميمي والدكتور الشاعر علي الفتال وحسن النواب وأدباء كبار مثل عباس خلف الدعمي وعبد الحسين الدعمي وعلي حسين عبيد وكل ادباء كربلاء دون ان استثني منهم احدا .

 

س4: ماذا تعني لك اكوام الحصى والاستلقاء عليها اثناء الليل يا خبازُ؟

- جرّ نفسا عميقا وقال:

"تعني وطرا حياتيا مهما من سنوات عمري، فعلى هذا الحصى أقمنا مسرح الشارع، مسرح مصغر وفي مقاهي كربلاء كانت الجذوة التي لابد أن تتوقد عند هامات الحصى، ولي العديد من القصائد التي حمل حصاها أترابا منهم من استشهد ومنهم مازالت المحافل الادبية تحملهم ادباء كبارا . 

 

س5: كلما تأملتك وأنت منكب على الورقة تتبادر الى ذهني الصعلكة ورجالها فماذا تعني لك وهل انت من رجالها؟

- ينظر إليّ مبتسما ويجيب بهدوئه المعتاد " أنا ابن ظروف متصعلكة وما عشتُ الصعلكة بالمفهوم العادي لكوني ابن عمل مثابر وابن مسؤولية ما تخليتُ عنها يوما لكني كنتُ منفلتا من الأسر العائلي بسبب تواجدي في مخبزي أكثر من تواجدي في بيتي، في المخبز أطبخ وأعمل وأنام  وفي المخبز تجد كتبي و أوراقي ومكتبتي وفي المخبز كان يزورني اغلب ادباء العراق ويحتفي عند مخبزي ادباء كربلاء. أما في الشعر فأنا متصعلك حد التمرد على كل قوانين الكتابة الروتينية، لا أكتب كي ارضي احدا وحتى المتلقي شاء أن يبقى أو شاء أن يرحل .. هذا أنا ابحث عن المتلقي النشيط الذي يهمه ان يشاركني الكتابة، دونه لا يكون لدي شيء هو رأس مالي ولمن يتهمني بصعوبة الاسلوب عندما أكتب اسأله كيف تقرأ دعاء الصباح !

 

س6: هكذا أنت إذاً فماذا تركت خلفك قبل أن تنضم الى اعلام العتبة العباسية وتتولى الكتابة والتحرير في جريدة صدى الروضتين؟

- يعتدل على كرسيه ويده على بطنه كأنه يريد أن يقول لي انظر كيف بدأ الكرش يختفي ويستطرد " تركتُ خلفي تنورا كان يلتهم كل ما أكتبه بعناية ألله، كم هو جميل وأنت ترى النار تأكل ما تكتب بشغف، النار تقرأ بولهٍ شديد .. واعتقد أن انتقالي الى اعلام العتبة العباسية المقدسة صدر ببركات وأمر مولاي العباس عليه السلام وبتوقيعه فلا يمن عليّ به أحد . صدقني أنه لأمر صعب أن تعمل عند رجل بترت ذراعاه وقد رأسه بالسيف وعينه فقئت بسهم ويسأل سيده هل كفيتُ وهل وفيتُ ؟  كيف لنا ان نوفي هذا الامام حقه وندرك يقينه؟ !

 

س7: بدأت شاعرا شعبيا كما أظن، بمن تأثرت من الشعراء الشعبيين  وهل جمعت شعرك الشعبي في ديوان وهل كتبت دراسات عن بعض الشعراء الشعبيين؟

- فيرد منتفضا " أنا لم اكتب الشعر الشعبي يوما وما كتبتُه لا يرتقي الى مستوى طموحي الابداعي رغم وجود العشرات من الاصدقاء ممن تروق لهم تجربتي، اقترح علي الشاعر الكبير عودة ضاحي التميمي لأكون قرين تجربةٍ كانت من أروع التجارب وأخطرها وأكثرها متعةً، كانت التجربة لذيذة و أخشى ان اطيل فاغضب البعض، واذا كانت حصتي من هذه التجربة فقط استاذي عودة ضاحي فانا سعيد بهذه النتيجة، ويكفيني فخرا اني خرجتُ منها ولم أعمل شرطي شعرٍ عند احد، وما عاد في العمر متسعٌ لأية مماحكة وما وثقتْه لي جريدةُ كربلاء من انطباعات نقدية ومشاغل نقدية وملفات شعر فيه الفخر الكثير، ولدي بمعونة استاذي الفتال دراسات نقدية عن ادب الدعاء نشرتها في زمن اللاحرية .

 

8-  ولكي استفزه قليلا فاجأته: ما العلاقة بين علي الخباز الاعلامي وعلي الخباز الشاعر والناقد وأين تجد نفسك؟

- مسح على وجهه ونظر الى لوحة قبالته وقال:

أغلب الأدباء العرب هم اعلاميون كبار ولذلك ارى هذه مشكلة مفتعلة يحاول بعض أهل العجز الابداعي وضع حواجز بين الصحافة والأدب وما دمت تمتلك الابداع فكل الساحات مفتوحة لك بمجرد متابعة دؤوبة .. فعلى المستوى المحلي فكربلاء خرجت الكثير من الاعلاميين الادباء مثل علي حسين عبيد وعلي لفتة سعيد وجاسم عاصي وعبد الحسين خلف الدعمي وعباس خلف علي والدكتور علي الفتال والدكتور عبود الحلي وأساتذة كبار بالإضافة الى ان العراق والبلدان العربية تزخر بالإعلاميين الادباء اللامعين، إذن الاديب اعلامي جيد والباقي دعايات عاجزة اجعلها في ذمتي ولا تخش شيئا !

9-  قلت وما الذي اكسبك عملك في اعلام العتبة العباسية وكيف تقيم عملك في جريدة صدى الروضتين وماذا يمنع ان تتحول هذه الجريدة الى مجلة شهرية شاملة ملتزمة؟

- يجر نفسا عميقا ويرد مبتسما:

هذا السؤال عبارة عن مجموعة من الاسئلة .. يا صديقي العزيز أكسبني عملي في اعلام العتبة العباسية المقدسة شرفا وجاها وسمعةً وخبرة ولولا هذا لما كان جاري يعرف بي اديبا و كذلك منحني عملي في جريدة صدى الروضتين انسانيتي وكرامتي ومنحني تجربة ابداعية كبيرة أما أن تتحول الجريدة الى مجلة فلا ادري لماذا، هي جريدة لها هيئة المجلة وقدمت تجربة غير اعتيادية في عالم الصحافة والإبداع ومشكلة صدى الروضتين انها معروفة عالميا اكثر مما هي معروفة محليا وقد اشاد بها ادباء كبار وزارها ادباء عرب وانتم على بينة من أمرها كونكم كنتم مع عدد من الوفود التي زارت مقر صدى الروضتين ومنها وفد موقع النور وموقع المثقف والشبكة وغيرها من التشكيلات الاعلامية التي كنتم ضمنها واطلعتم على تجربتها فهي كانت محطة الكثير من ادباء العراق .

 

10- ولأجل أن اشاكسه  سألته:هل لك حاسدون يضعون امامك الكثير مما يعرقل مشاريعك  التطويرية في مجال الاعلام؟

- يحدق في شاشة حاسوبه قائلا:

كل انسان له مفهومه ومشكلتنا ان الجميع يعتقد أن لديه الاهم والمشكلة الابداعية الكبيرة هي مشكلة عامة، ففي أغلب الدوائر الاعلامية اليوم الإداريات هي التي تقود وهي التي تعتقد انها الاصوب حتى فنيا- وليكن الله معنا -  فنار التنور ولا همّ قصيدة، الجنون الذي امتلكه ضد الكسر والحسد وإيماني بأني أعمل في دائرة لا يملكها سوى أبي الفضل العباس عليه السلام هو كاف بما يمتلك من المناعة والصلابة واليقين !

 

11-  سألته: كتبت في المسرح وكتبت في الشعر  والنقد .. متى نرى اصداراتك الشعرية والنقدية؟

- فأجاب: أنا كاتب مسرحي منذ سبعينيات القرن المنصرم ولكني لم افلح لاعتبارات معلومة، لدي اليوم اربع مسرحيات مطبوعة وعدد من مسرحيات منشورة وقدمت القسم الكبير منها وحصلت مسرحية " الصراع " على جائزة متقدمة بيد نشاط ميسان ولدي ثلاثة كتب في الانطباعات النقدية بواقع 45 قراءة انطباعية عن نهج البلاغة ولدي كتاب صحفي اعلامي تحاوري بعنوان " حوار في روح المعنى " ولدي ايضا رواية صغيرة مطبوعة بعنوان " المسير الاربعيني " وبالنسبة للشعر فلدي مجموعة شعرية بعنوان: الآن اريدك أن تأتي " عام 1997 ومجموعة في دار الشئون الثقافية تنتظر الفرج . وصلت أخيرا الى قناعة مهمة وهي استخدام اللغة الشعرية كونها تمتلك جواذب تواصلية عالية القيمة فاستخدمت الشعرية في جميع كتاباتي .

 

13- وماذا تقول يا صانع الارغفة  عن ناقد كلما تكلم استشهد بأراء الآخرين، الا تظن أن مثل هؤلاء تنطبق عليهم عملية (الكوبي بيست) أي انسخ والصق؟فرك راحتيه وقال:

عمل النقد اساسا هو تطبيق نماذج ومدارس وأقوال ونمذجة الفعل الابداعي حسب قياسات ادراج اكاديمية ولذلك لم ينجح لدينا النقد وما استطاع مواكبة المسيرة الابداعية بل نجح لدينا الفعل الانطباعي المبدع المتجدد الذي يرى في كل نص مدرسة ومنهجا قائما بذاته ولا بأس اذا تعامل الانطباعي بأثر ثقافي مدرك توسعت مداركه ليعرف حدود كل مفصل وتجربة.

 

14- ولأنه متابع جيد وقارئ يبحث عن الابداع سألته من من الكتاب رجالا ونساء يثير اهتمامك واجبرك ويجبرك على ان تمسك قلمك وتكتب عنه؟

- لا أحد يثيرني اطلاقا بل هناك نصوص ابداعية تثيرني وليس شرطا أن تكون جميع قصائد شاعر ما جميلة فهي تجربة ولها عوالم قد يتذبذب فيها الفعل الابداعي، قد يبدع في هذا الموضوع لتعالقه النفسي وقد لا ينجح في موضوع

 

15- وهل ترى أن الاعلام العراقي خاصة والعربي عامة يعاني من ازمة اللامركزية ويؤثر كثيرا على تشتيت المتلقين؟

 - فقال الاعلام الموضوعي هو أن يكون حرا باحثا عن الحقيقة، بعض التقنيات شطحت بالمتلقي حين جذبته الى الطيش، الى التيه، افقدته وطنيته وإنسانيته وأصبح يرى العتمات ويعشي عند الضوء .. أسرتْه اشعاعات البهرجة فضاع، بينما الاعلام المحلي كل يتبع ليلاه وراح يسبل رشادا اعور، المواطن البسيط يجيب تلك الفضائيات وإعلام الدجل بقوة حين يذهب ليستقطع من خبزة عياله مالا يوزع على مئات العوائل المنكوبة بينما تنظيرات من هنا وهناك تهتف وتعترض وتستنكر ولم تفكر يوما ان تدخل الواقع بقوة وتضحي مثلما يضحي كل عراقي والطامة حينما تجلس تلك الابواق الاعلامية وتتهم الشعب وكان بالإمكان ان تهدي من فائضها اليومي ما يديم المواجهة، نحن للأسف نتملك ابواقا اعلامية لا تجيد سوى الكلام !

 

16-  من من الشعراء هو الاقرب اليك فكرا وتأثيرا في فترة ما بعد التغيير في العراق يا ابن حسين الخباز؟

- فأجاب بسرعة: من يكتب للعراق بغير رتوش .

17- لو جاء ك أحدٌ ما من غير المسلمين وقال لك حدثني عن السيد احمد الصافي فماذا تقول له؟

لا أقول له شيئا .. بل آخذه ليلتقيه ليرى ويسمع وليحاور العراق مثلما يريد

 

18- سألته عن الاسماء التالية فأجاب مشكرا:

1- يحيى السماوي:    مرعب هذا السؤال، يحيى السماوي هو العراق  

2- كزار حنتوش:    صعلوك ملتزم وعراقي لحد الشهقة

3- حسين مردان:    فقد نفسه قبل أن نفقده، كبير هو . 

4- بان الخيالي:   شاعرة لم ينتبه لها أحد .    

5- رسمية محيبس:     يشتاق لها الشعر دائما .   

6- وجدان عبد العزيز:    بطل الثقافة العراقية 

7- سلام البناي:  حبيب مبدع وأخ وكربلائي شفاف .  

8- حسين التكمجي:     عملاق عراقي  

9- سعدي عبد الكريم:    الخباز بشكل مرتب

10- زينب الخفاجي:    كانت أبنة ذات يوم مبدعة .

11- احمد الصائغ:    فيلسوف جمال

12- ماجد الغرباوي:   مثال ابداعي يحتذى به

 

س19:  أي مشهد يجبرك عينيك على ذرف الدموع؟

 طفلةٌ تلعب على صدر قبر، وإبنٌ ينتظر آذان الصلاة ليفطر مع صورة والد شهيد وأم تهز المهد لوليدها كي ينام، وظافر العاني حين يشمت بجراح شعب وأمثاله كثير، وشعب مسروق يحتفي بالسارق، واعلام مريض يلعن رجال الامن ولا يلعن داعش،

وأخيرا قال لي وهو يودعني ألف شكر لك أيها الكناني .

 

yasamyna hasybijamal moustafaفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الشاعر جمال مصطفى وحوار شامل وصريح أجرته معه الشاعرة ياسمينة حسيبي، فاهلا وسهلا بهما في المثقف

 

بُشّرَ بفيض الإلهام شعراً فامتلك ناصية الحرف لغة وثقافة وممارسة، واصطلى بجمرة الشعر، فذاب منها وبها احتراقًا وتوهّجًا، ثم نظم "قصيدة تجرها الخيول"، ومشى بـ" هودجها على التنين"، يغمرها تارة بوجدانه الصوفي، وتارة أخرى، يقدحها بوقدة روحه الشعرية اللاّفحة ثم يسكبها نبيذاً معتقاً في كأس القارئ دفعة .. دفعة وكأنها ترياق يجدد نبض الشعر في زمن اللّغو والهذر.

ولأنه وسيم الحرف ويحب ارتداء آخر ما استحدث من أثواب النظْم، فقد وجد في صنعة "الهايكو" ثوباً بمقاس شعري ذكيّ وحكيم. ثوب يليق باسمه المحلق دوماً بأجنحة النور صوب سماوات الدهشة.

انه الشاعرالقدير جمال مصطفى الذي يهادن شياطينه في وادي عبقر كلما تلبّستْه القصيدة ويتمرّد عليهم حين تعزف نفسه على وتر العصر.

فأهلا وسهلا بالشاعر جمال مصطفى في رواق صحيفة المثقف وفي مدارات حوارية

 

السيرة الذاتية

من مواليد البصرة -العراق عام 1958

مقيم في الدنمارك منذ عام 1986

صدر له:

أمطار بلا سبب   1988

أطلس البارحة    1991

الصندوق الأسود 2002

سماور من سمرقند    2010

هايكو مختارات عالمية معاصرة ترجمة

 

س1: ياسمينة حسيبي: للشاعر جمال مصطفى مملكته الشعرية الخاصة في المتخيل والرؤية:

" مدائنُ فُصحى، الروح يا ما تلــعمثتْ

ودقتْ على الأبواب مُــــدنفة، لــهفـــى"

فهل شيدتَ بُنيانها قُبيْل المشيِ على ضمإ الصحراء أم بعد الوصول إلى نبع الماء؟

 

ج1: جمال مصطفى: يا لها من مملكة تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد، دانية ٌ وقصية، ليست هنا وليست هناك، مملكة شبحية كبرزخ بين الوجود والعدم.

المدائن الشعرية لا تتشيد بل تنحت نحتاً والنحت يستغرق عمرَ الشاعر كله فلا تأخذ شكلها النهائي إلا بعد رحيل الشاعر النحات وبعد أن يكتشفها قيّافٌ معجب بتقصي آثار الماضي وعندها سيتم تعريف المدائن بما ينقصها لا بما فيها، وما فيها هو بالتأكيد وعدٌ بمدائن وليس مدائن من قرميد وهندسة وسلالم.

 

بِـ صُـرّة ِ (ماذا بعْـد؟)  يَـمُّـمْتَ حافـيـا ً

تُـلبّي نداءَ الـريح ِ يا نـورسَ الـمَـرفـا

 

تَـريّـث ْ ولا تَـنْـزلْ، هـنـاك  كرافــل ٍ

تَجرّدْ مِن الأصفـار واستكـمِـلِ الحَذفـا

 

فـما (مُـنـتـهـى آباد) إلاّ انـعــطــافــة ٌ

ولا دربَ بَعْـدَ الآن: ثعـبانُهـا الـتَـفـّـا

 

س2: ياسمينة حسيبي: حين تقتحمك القصيدة هل " تحدّقُ في ورقة بيضاء إلى أن تنزف جبهتك"، أم تصاب بحالة الفرزدق فـ" تأتي عليك أوقات، وقلع الضرس من أضراسك أهون عليك من كتابة بيت من الشعر"؟

 

ج2: جمال مصطفى: اللاوعي لا يتوقف عن العمل، الفنان بصورة عامة والشاعر بصورة خاصة أشبه ما يكون بالبركان الخامل ظاهراً ولكن اعماقه تمور وتتلاطم في تحولات وانصهارات باطنية بطيئة شاملة حتى إذا اقتربت الطبخة من النضوج دقت على غطاء القِدْر أو الوعي وساعتها تأتي القصيدة كأنها هبة من السماء وهي في الحقيقة هبة من الأعماق لكن حين يتعجل الشاعر القطاف  ولا يجده تأخذه الظنون كلّ مأخذ، ولو كان الشعر يأتي كلما رغبنا في ذلك لكتبنا كل يوم وكل ساعة إذ الإبداع إبداع لأنه نادر ولو كثر لكان عاديّاً ومشاعاَ وليس إبداعا .

لا بـئـرَ، لـكـنْ  مـاتِـحٌ  و دِلاءُ

مـاءُ القـصيدة غـيـمة ٌ زرقـاءُ

 

هذي الفلاة ُ، سرابُهـا مرآتُهـا

وبها يَرى ما لايُـرى الشعـراءُ

 

حـتى لَـتَـفـترسُ الذئابُ خيـالَها

والذئبُ تعـرفُ ما بهِ الصحراءُ:

 

نَهَـمٌ الى عَضِّ السماء، نيوبُهُ

بَـرْقٌ تَـهـابُ سياطَهُ  الظـلماءُ

 

مِن بَـعْـدهِ يَنهَـلُّ جـرْحٌ بَـعْـدَهُ

تَـتـلاطـمُ الآفـاقُ  وَهـْيَ عُـواءُ

 

س3: ياسمينة حسيبي: تكتب قصيدتك وكأن كل بيت فيها هو بيت القصيد .. أهي محاولة لتجاوز نفسك في القريض أم أنك تخشى عليها قول أمير الشعراء:

"وخططنا في نقا الرمــل فلم  ++  تحفظ الريح ولا الرمل وعى"؟

 

ج3: جمال مصطفى: يدفعني الى كتابة القصيدة العمودية شعور أقرب ما يكون الى السلطنة، أشبهَ ما يكون بزهو عازف العود لحظة الإستغراق في التقاسيم، هذا الشعور يجتذبني أحياناً الى الكتابة حتى دون توفر موضوع أو فكرة أو بدايات فكرة، كل ما اعرفه هو انني على وشك اقتناص المطلع كدفعة اولى من الغيب وبعد ذلك يتعاون الوعي مع اللاوعي على هندسة وبناء القصيدة، كأن القول المنغوم يأتي من الماوراء والما فوق  جاعلاً من الشاعر كائنَ حدوس ومُستقبِلَ واردات من خزائن سريّة تنفتح له وحده في لحظات كبيسة من الإلهام ولكنّها لحظات لا سلطان للشاعر عليها أيْ لا يتحكم بحضورها  وغيابها  فالشاعر بحكم تبعيته لنرد القدَر الواهب لا يستحق صفة الفاعل في (نحو) الإبداع بل هو إذا توخينا الدقة نائب فاعل ولهذا السبب تحديداً أرفع دائماً أسمى آيات التقدير والامتنان والحب الى مولاتي اللغة العربية هذه اللغة التي صنعها عقلٌ ما فوق بشري ثم فتننا بها افتناناً ولا أذيع سراً إذا اعترفت بأنني شاعرٌ يعتبر اللغة العربية موضوعه الأثير فقصائدي من اللغة واليها  وبها وفيها ولها وعنها، وهذا ما دفعني الى الكتابة على بحور الشعر كلها حتى المهجور منها والنادر كالمنسرح والمجتث وركوب جميع حروف الأبجدية كقواف ودافعي في كل ذلك دافع فنيّ ٌ خالص لوجه الجمال لا تشوبه شائبة ُ تعصّب قومي أو ديني، وشاعر بهذا الهوس (اللغواني) لا يطمح  بطبيعة الحال الى قاعدة عريضة من القراء بل حَسْبُه أن يقرأ شعره جمهور محدود ولكنه متفاعل، جمهور يعرف قبل القراءة ان هذه القصيدة لا تهتف ولا تهجو ولا تتوسل الرقة والرومانسية ولا تلوك ما هو مكرور ومتوقع بل هي أشبه ما تكون  بنساء الأمزون اللواتي يخطفن ما يستحسنَّ من الرجال ويأخذنه عنوة الى مجاهيل الغابات.

 

سلـطـانـة ُ الـريح ِ ثـيـــرانٌ بـلا  نِـيــر ِ

عـمـيــاءُ  جَـنَّـحَـهــا  رَبّ ُ الأسـاطـيــر ِ

 

وقِـيـلَ: مُبْـصِرَة ٌ في الـبـدءِ ثم غـدَتْ

لـيـلاءَ أغــْـطَـشَهــا طـيْـشُ الـمـقـاديـرِ ِ

 

صـقـراءُ كَـفـَّـنَـهـا اللـيـلُ الـبهـيـمُ  بـه ِ

فـمَـزّقـَـتــْهُ  بـصـبـحِ ٍ مِـن  مـنــاقـيــر ِ

 

طـيـفـاءُ: لـيـلـتُـهـا ألـفٌ وما نَـسِـيَـتْ

مِـن كُـلِّ طـيْـف ٍ حـذافـيــرَ الحـذافـيــر ِ

 

تَـشكـيـلُ صورتهـا: مـا شـاءَ نـاظِـرُهـا

وشَرْطـُها: حَـبّـذا مِـن غـيْـر ِ تـأطـيــر ِ

 

غـجْـراءُ  يَنـصبُهـا مَـن كانَ غَـجَّـرَهـا

يا خـيـمـة ً غـيـمـة ً في كـلِّ  تَـغـجـيــر ِ

 

عـشْـواءُ مـا وصـلَــتْ إلا  مُـصـادفــة ً

لـكـنـهــا رجـعَــتْ مِـن غـيـر تـفـسيــر ِ

 

هـوجـاءُ: أزرقَ راحَ الـبـحـرُ يَـسألُهـا

سلـطـانة َالـريح ِ هـل يَشفـيكِ تعـكيـري

 

ثـوبُ امبراطورتي قـد لا يَـراهُ سوى الـ

أطـفـالِ،  مَخصيّـة ٌ عـيْـنُ الجـمـاهـيـر ِ

 

س4: ياسمينة حسيبي: للطّرديّات مكان في تجربتك الإبداعية الثرية مع ندرة شعرائها في الوطن العربي.

كيف لهذا الغرض الشعري المهتم برحلات الصيد وبالصقور والجوارح أن يثير اهتمام شاعر مغترب، يعيش في بلاد التكنولوجيا؟

 

ج4: جمال مصطفى: في قصائدي (العمودية) تركيز على الشكل كمضمون أولي يتم به ومن خلاله إيصال مضمون ثانٍ لا هو بالتقليدي المتعارف عليه ولا هو بالجديد المألوف والمتعارف عليه كذلك بل هو شذوذ وخروج على الشائع فلا إبداع إلا بالفرادة ومن هنا فطرديتي مكرسة لمديح الغراب ولكنها ليست طردية سوى بالبحر والتقفية والموضوع لكن مضمونها الأعمق هو انها قصيدة قناع

أما كوني اعيش في الغرب فهذا شأن آخر، فأنا لا اعتبر نفسي معجبا بالغرب إلا نسبيّاً فالغرب في نهايات القرن العشرين ومطلع الألفية الجديدة راح ينحدر ولا يتقدم على جميع الصُـعُـد سوى الذكاء التقني وهذا الأخير بفضل عوامل عديدة وليس دقيقاً القول ان الغرب حضارة كاملة، فعقول كثيرة من الشرق ومن الغرب تساهم في هذا التطور التقني ولكن الحضارة ليست مجرد تطورٍ تقني ٍ بل هي في جوهرها فن وروحانيات وأخلاق وإخاء انساني وفلسفة.

أين المثقف الذي كان له صوت تقدمي يحرك مظاهرات في الشارع كسارتر مثلا ً الذي رفض جائزة نوبل؟ الغرب الآن كسلطة وقوة ليس أكثر من تابع لوحش يانكي فائق القدرة يتسلى بإعاقة وتدمير شعوب بأكملها ولا من رادع ولا من محتج احتجاجاً خجولا حتى، وما جدوى الهويتف الذكي في جيبي

وأنا مرصود حتى حين أسحب نقوداً من واجهة مصرف؟

الغرب عقلاني نسبياً ولكنه في الصميم مريض ومرضه في الروح وهذه العلة ستقضي عليه وربما على العالم إذا لم يوازن بين العقل والروح والأخلاق، والغرب مسؤول عن تخلف الشرق ولو أراد فما اسهل أن يقضي على ما في الشرق والعالم من ويلات وحروب وأمراض ولكنه غرب جشِع وأناني ومعتل ومختل ومغرور، غرب يسكب الحليب الفائض في البحر كي لا تهبط أسعاره بينما يموت الأطفال في أفريقيا وغيرها.

أفريقيا التي امتصها كمستخرب(وليس مستعمراً ) وخرج منها بعد أن تركها يفتك بها الإيدز وتوابعه من الأوبئة المستوطنة والجديدة  .

بصدد طرديّتي فقد كانت مكرّسة لمديح الغراب، الغراب صديقي لا بل هو أنا ومحبتي له لا تقل عن محبتي لكل حيوان ونبات وحجر على هذا الكوكب.

 

أنـعَـــتُــه ُ  بـمــا  بــه ِ ومــا  بـي:

أنـصـعُ  مِـن  أبـيـضِهـا  الـخَـلاّب  ِ

 

يَـعــرج ُ حـتـى  دونــمـا  أسـبــاب ِ

قــرارُه ُ أعــمــق ُ  مِـن  جــوابـي

 

وشيـبـُـه ُ تـحــتَ  دجـى الـشـبــاب ِ

كَـمُـخـطـئ ٍ وهــو  عـلى  صـواب ِ

 

يـا زاغ ُ   يـا خِـلّـي  ويـا غـرابـي

إنـعَــقْ بـلا خـوفٍ  ولا  اقـتـضـاب ِ

 

إنـعَــقْ أ ُتَــرْجـِم ْ بَـثــَّـكَ الـلِـبـلابـي

طــرْدِيـّـة ً   كـُـحـْـلِــيَّــة َالأهــداب ِ

 

س5: ياسمينة حسيبي: أبرز سِمات قصائدك، أنها وعلى شكلها الكلاسيكي النابع من الأصالة والتراث، تنهل من العصر حداثة معانيها.

كيف استطاع الشاعر جمال مصطفى أن يطوّع أوزان العمود لصالح الحداثة؟

 

ج5: جمال مصطفى: قصيدتي العمودية ليست منخرطة في معمعة الحداثة كونها عمودية ومبتعدة عن مجريات الواقع موضوعا ً إلا نادراً وبالتالي فهي قصيدة منسحبة توخيّا ً للتأمل وحبّاً بالعزلة.

لا اعتقد ان الشكل العمودي صعب بل هو أسهل من تقنيات قصيدة النثر الجيدة، إذ يكفي أن تستغرق في قراءة قصائد طويلة من الشعر العمودي مثنى وثلاثاً ورباعا وخماساً،حتى يترسخ النغم في لا وعيك وهذا كله يجب أن يتشربه الشاعر ويكثر منه مبكراً وليس على كِبَر حتى ينغرس كسليقة ويندغم بروح الشاعر ونبضه وأنفاسه وإلا فإن تعاطي كتابة الشعر العمودي بلا استعداد كاف سيكون مشقة ً وافتعالاً وضحالة لا طائل من ورائها ثم ان الميل الفطري يلعب دوراً كبيراً في ذلك وحب اللغة العربية لذاتها يدفع الشاعر الى معانقتها بحرارة نثراً وشعراً وبعد ذلك يتكفل اللاوعي بإعداد كل ما يلزم.

في كل نثر عربي جيد يمكن أن يعثر القارئ العارف بأوزان الشعر على جُمَل ٍ وأشباهِ جمل ٍ موزونة، وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على ان اللغة العربية ضالعة في النغم ولا فكاك بين هذا وتلك إلا عند مَـن لم يتشبّع بقراءة واسعة في اللغة، فلا تكاد تخلو قصيدة نثر جيدة من جملة موزونة وشاعر قصيدة النثر يسعى دائما الى أن يخلق إيقاعاً وأنغاماً بديلة لا تستغني عنها القصيدة بأي حال من الأحوال وقصيدة النثر الأجود هي قصيدة النثر التي عثرت على ايقاعها الخاص البديل عن الإيقاع العام .

جُل ما يكتب كقصائد نثر لا يفتقر الى عنصر (إذا افتقر) أشدَّ من افتقاره الى عنصر الإيقاع.

(من قصيدة غزالة الفوضى الخلاقة)

 

غـزالـة ُ الـفـوضى  بـلا  واعــز ِ

بـريــئــة ٌ   بَــراءة َ  الــمــاعِــز  ِ

 

مِـن كـلِّ مـوتـور ٍ ومِـن عـازف ٍ

مـالَ  إلـى  دوزانـِهـا ِ الــنــاشــز ِ

 

غـزالــة ٌ  بَـزالــة ٌ،  فـاحـزروا

جـائــزة ٌ  لـلـحــازر ِ  الــفــائِــز ِ

 

إنَّ لـهـا  قــرنـا ً  وحـيــداً  ولا

تَـخجـلُ مِـن قــرْن ٍ لـهـا  بــارز ِ

 

شقـراءُ  لـكـنْ شَعْــرُهـا عِـيـرة ٌ

لَــمّــازة ٌ  ألــمَــزُ  مِـن   لامِــز ِ

 

مـا قـفــزتْ  مِـن خـبَـر ٍعـاجِـل ٍ

إلّا  إلـى  ثــان ٍ  بـهـا   قــافِـــز ِ

 

قـنـفــذهـا  الأمـلـسُ  أشـواكُــهُ

مِـن لَـيْـزَر ٍ  مُـبَـرْمَـج ٍ  واخــز ِ

 

تَـكَـنْـغَـرَتْ ونحـنُ مِـن يـومِهـا

أسرى هَـوى إيـقـاعها الـنـاقِـز

 

س6: ياسمينة حسيبي: العلاقة بين الشعر الحديث والتراث من أبرز القضايا التي يتناولها النقد العربي ومع ذلك مازالت قضية " ضبابية المتناول"!

لكن المُشاع هو أن "القديم دون حديث حجر عثرة، والحديث من دون قديم هراء لا طائل منه"

كيف ترى مناخ الشعر المعاصر بمعيار ثنائية التراثية والحداثية؟

 

ج6: جمال مصطفى: الشكل الفني ما هو إلا قالب يتوارثه الفنانون لا يهرم حتى بعد مئات السنين وهناك ما لا يزال في ورشات الإبداع حتى الآن منذ ألف عام ونصف الألف كأوزان الشعر العربي مثلا ً، لكنّ جدل الحداثة والقدامة عند العرب ارتدّ في عصرنا الراهن من تلاقح خصب تعتمد عليه ديمومة الفن الى

رغبة في الحسم والإلغاء، رغبة في إبادة الخصم كلياً والتربّع أحادياً على عرش احتكاري هو في الصميم تقليعة أو زي لا أكثر سواء كان هذا الزي محاكياً للماضي أو مدعيّاً معانقة المستقبل، وهذا الأخير ليس أكثر من وكيل يستورد بضاعة أجنبية ويبيعها على مستهلكين أصغر منه بعد مسخها وصفته كوكيل تدفعه الى تسفيه ما ينافس بضاعته أو يناقضها فصرنا نلوك مصطلحات أكبر من قصائدنا

ونكتب بلغة هي في حقيقتها ترجمة حرفية للغات اوربية مهيمنة ونخاطب جمهوراً افتراضيا ً وهكذا أحرقت الحداثة مراحلها بسرعة اغترابية ثم انسحبت الى زاوية يتصدّق بها التقدم التقني على المثقف كي يتحاور فيها مع نخبة ٍ على شاكلته هي الأخرى لا حول لها ولاقوة، فقد احتكر صاحب المصرف الدولي كل شيء موزعاً بعض هباته على وكلائه في فروعه أو أذرعه الأخطبوطية . إن عصراً كهذا لابد أن يجرف العالم بما لا يترك مجالاً لخصوبة روحية أو رفعة نفسية أو وجدانية ضارباً بعرض الحائط كل ألأشواق التي تختلج في صدور وأرواح الفيلسوف والشاعر والفنان والعالم والروحاني وغيرهم من ذخر البشرية الحضاري كله. لا خير في حضارة عضلاتية  يقودها يانكي مهووس يتحكم به مصرف شايلوكي أوحد.

إنّ اعتبار التطور التقني كل شيء أو هو التقدم ولاشيء غيره، لهو دليل إضافي على العدمية التي تلف العالم المعاصر من قطبه الشمالي الى قطبه الجنوبي ولولا استثناءٌ هنا واستثناءٌ هناك عن هذه القاعدة لعمّ التعقيم عالمنا وهذا الإستثناء يكاد ينحصر في حركات انسانية تتحدى تغول اليانكي والغرب وتوابعهما في تهديم البيئة وإغراقها بنفايات لم يكن لها وجود إلا بعد دخول العصر الصناعي مرحلة التسبيخ الشامل لكوكبنا اللازوردي وثمة أصوات قليلة هنا وهناك لفلاسفة وفنانين وروحانيين (وليس رجال دين) تستنكر وتفضح دون أن يسمعها العالم، هؤلاء هم أزكى من يمشي على هذه الأرض في أيامنا هذه التي يعصف بها اللايقين عصفا .

كأنني جنَحتُ قليلا ً مبتعداً عن سؤالك ولكن إجابتي هذه لا تبتعد عن جوهر السؤال أليس كذلك؟

 

بغـتَـة ً

تَـبَدَّدَ الظلام

اللصوصُ تماثيل

 

رويدا ً

رويداً

اتـَّـسَـخَ الضـوء

التماثيلُ تَـتَـلَـفَّـتْ

 

س7: ياسمينة حسيبي: (في جوابك عن السؤال السابق فتحت أبوابا كثيرة، وكم تمنيت لو يسعفنا هذا الحوار للدخول منها .. وإليها)

أكثر قصائدك (وإِنْ تستحوذ على قارئها حتى الحرف الأخير) تندرج ضمن قصائد الغموضِ لما تزدحم به من ترميز ومخاتلة دلالية وإيحاء وآفاقٍ متراكِبَة، فكأني بك تنتشي كلما "أطفأتَ الضوء لهنيهة لكي يظهر المصباح مجددا" (كونتر كراس).

وأجلْ .. فالغموض مشروع على مستوى القيمة المضمونية أو القيمة الجمالية ولكن هذا لا يعني الميل إلى الإبهام والألغاز والطلاسم تحت ذريعة الرمزية.

ما موقفك من شعر "المعميات والألغاز"؟

 

ج7: جمال مصطفى: الدماغ البشري حتى الآن لم يفك شفرته الأعمق ولا أظنه سيصل في يوم من الأيام الى معرفة أسراره كلها ومن هنا تقذف الخافية الى الوعي ألغازاً محيرة لأنها تتجاوز قدرة الوعي على الإحاطة بما تحته وبما فوقه وهذا من أشد ما يغوي ويغري الشاعر  بسبره واستدراجه بالحدوس لعله يهتدي على ضوء ذلك الى نتفة من أسرار الباطن على ان هناك فرقاً بين المُعَمَيّات والغوامض، بين الإبهام كنتيجة لفقدان السيطرة على التعبير وبين بزوغ الغموض كضوء موارب من أعماق الصورة الشعرية، ويبقى الغموض نسبياً فما هو عند هذا القارئ شديد الغموض يراه قارئ آخر معادلاً فنياً لما يريد الشاعر نقله لا على حساب شعرية النص بل من أجلها على وجه الدقة  ثم ان الغموض أحياناً يتأتى لأن الشاعر مشتبك بالمُلْتَبِس ككل دون محاولة تفكيكه كي لا يفقد الموصوف نكهته الفارقة، والغموض ايضاً رديف السحر والسحر من جوهر الفن ومن جوهر الماوراء ومن جوهر الباطن وحين تكون القصيدة معنية باختراق كل ذلك سيأتي الغموض كتحصيل حاصل، والغموض هالة الساحر والشامان والصوفي والسندباد أمّا الإبهام فهوعدّة الدجّال والسارق والمتلصص ويبقى القارئ الناقد فيصلا ً في فك الإشتباك بين الغموض والإبهام في القصيدة أو في وعي المتلقي فلعل غموضاً لابد منه لقصيدة بعينها سيحسبه قارئ عابر إبهاماً وما أكثر المكتفين بإنشاء رومانسي منثال على شكل سطور شعرية وهؤلاء سينفرون بالتأكيد من كل ما يتجاوز توقعهم وقدرتهم على التوغل في أدغال شعرية يحتاج المتوغل فيها الى رغبة دافعة ومخيلة مجنحة وذخيرة لغوية

وموسيقية ومعرفية كافية .

 

سرّ ٌ وراءَ الـسرِّ:    قــاص ٍ في طـبــيــعــتـه ِ   ودانْ

الـسرّ يـَـخـتــلــقُ الــمـسـافــة َ  كـالــسراب لـكـل ظــانْ

قـد يـنجـلي فـيهـا الـجـلـيـلُ الـمـسـتـحـيـل أو الـمُـصـانْ

بـحـجــابــهِ  عَـنّا .    يـقـول :  أنـا  أراك  ولا   تَــرانْ

سـبـّـابـة ُ الـعــيــن الـتي تُـصـغـي الى اقـصى الــرهـانْ

نـسْغُ الـصعــود الـحُـرّ اشجــاراً تـطـيــر الـى الـجــنــانْ

وتـعــود :  نــسـغ نــزولـهــا  ادرى بـ مـا  بعـد الأوانْ

وبـمـا  طـَهـا  في الـغــيــب طاهـيـهـا ومـا ذاق اللـسـانْ

هـو إنْ تَـبَـخـّـرَ  مُـسـتـعـيـنٌ  أو  تَـكَـثــَّـفَ  مُـسْـتــَعـانْ

هـذا  بـتـلـك، وهــؤلاءِ  بـهــؤلاءِ:  الــمَــعْـــمَـــعــانْ

جَـدَلٌ عـلى أمـل ِ انـدلاع ِ الـنـار ِ  مِـن تـحـت الـدخــانْ

 

س8: ياسمينة حسيبي: بعض الشعر يعيد التوازن للروح وبعضه يكون عزاءً لها، لكن الأهم في التجربة الإبداعية هو "حسن الإصغاء للزمان وللمكان".

كيف يمارس الشاعر جمال مصطفى "حسن الإصغاء" لذاتيته الشاعرة في الغربة؟

 

ج8: جمال مصطفى: لا أراني شاعراً مغتربا ً فلم أكن في العراق سوى فتى يطمح الى ان يكون شاعراً أما الآن فأنا واحد من ملايين الغجر الذين لا وطن لهم أكثر دفئاً من لغتهم الأم، فالغجري وطنه غجري مثله.

التغجّر الآن زمكانيّ والغجري الآن لا يصغي إلاّ الى غجري آخر كي يحدد موقعه مما يتحرك من حوله وبسرعة يستعصي معها الإصغاء إلا إذا كان الإصغاء يعني التلفت فغجر اوروبا الجدد من أمثالي يصغون إذ يتلفتون، نحن نتلفت وجوها ً وأرواحاً وذكريات ٍ.

أصغي الى ذاتي غائباً فلا أسمع سوى رياح الخريف تكنس ذكرياتي الغجرية كلها تاركة ً غصوني الأولى عارية ً على جذع عريق مما قبل العصر الغجري..

 

هـذه الـلـيـلـة َ، يَـعــوي  وحـدَه ُ

في بـراري راحـتــيــهِ الـشاعــرُ

 

لا عـلى شيء ٍ ولـكــنْ مـثـلَـمـا

في جـبـيـن الصمت ِعِـرْقٌ نافـرُ

 

هـذه الـلـيـلـة َ  ريــشٌ  عـارف ٌ

بـمـهـبِّ الـريــح ِ لــكــنْ حـائــرُ

 

لا بـمـا  قـبْـلَ  ومـا  بـعْــدَ  ولا

كـيـفَ يا سحْـرُ يـمـوت الساحـرُ

 

بـل بـلـبــلاب ٍ ولـبــلاب ٍ إلى ...

زاحَــمَ الـغـيــمـة َ هـذا الـسـادرُ

 

س9: ياسمينة حسيبي: مشهود لك بالحسّ النقدي إلى جانب شاعريتك الفذة. ما الذي يدفع الشاعر الى ممارسة النقد خارج إبداعه الشعري رغم افتقاده للمنهجية الأكاديمية؟

 

ج9: جمال مصطفى: لا أتعاطى النقد ولست ناقداً ولكنني أعلق على ما ينشره زملائي بتفاعل

فإذا كان ذلك نقداً فكل شاعر ينطوي على ناقد بالضرورة غير ان البعض من الشعراء لا ينشّط الناقد الكامن فيه بخلاً ربما وربما كسلاً أو تجنباً لإحراج هو في غنى عنه، وأنا من الذين يرون في كل مادة منشورة فرصة ً لقول نقدي يحرك الراكد ويجتذب الإنتباه الى نقطة بذاتها قد تنفع المنقود وإلا فلن يعدو التعليق أكثر من كونه مجاملة عابرة خمس تعليقات جادة أو أقل من ذلك على مادة ابداعية لهيَ أفضل من متابعة صحفية للمادة ذاتها لا تقول جديداً سوى التعريف بالمادة وصاحبها.

 

س10: ياسمينة حسيبي: قال أدونيس "أن تبدع اليوم هو أن تعيش فِي خطر"

ألم تفكر على هذا النحو حين راودتك قصيدة الهايكو ذات الاصول اليابانية بكل اختلافها البيئي وخياراتها الإبداعية والجمالية البعيدة عن القصيدة العربية والواقع الذي نعيشه خصوصا في العراق حيث للشعر طقوسه سواء كان حرًّا أو مقفى وحيث طريقة إلقاء الشاعر هي التي تعزف على الوتر الحساس للمتلقي؟

 

ج10: جمال مصطفى: صدقَ ادونيس.

المهيمن الرجعي العربي لا يرى في الإبداع سوى بدعة وهي كفر صريح عنده وخروج على ثوابت السماء والأرض ولكن الشعراء العرب قالوا ويقولون ما لا يستطيع ذلك المهيمن متابعته .الهايكو  كبدعة ليس جديداً فقد حل علينا ضيفاً منذ سبعينيات القرن العشرين وهو الآن معروف على نطاق واسع حتى تجاوز النخبة الى القارىء العربي العادي وشخصياً لم افعل سوى رفع لافتة صغيرة مكتوب عليها: تعالوا نحاول كتابة الهايكو فلبى النداء شعراء مبدعون تتفاوت مواهبهم وحماستهم ومما ساعد في تكبير لافتتي ووصول ندائي الى كثيرين هو مكبرالصوت الذي تبرعت به المثقف كباب للهايكو جنباً الى جنب مع القصة والقصيدة فكان أن ترعرعت قصيدة الهايكو ونمت وتجذرت وحتى لو لم تتجذر فهي قد غدت مألوفة ومعروفة، وقرأ القارىء المتابع نماذج منها وهذا ليس قليلا ً فنظرة سريعة على المنشور في باب الهايكو تكشف كم من المياه الإبداعية والأسماء قد جرت ومرّت في بحر سنة واحدة فقط .

لست شاعر هايكو، كل ما هنالك انني ترجمت مختارات من الهايكو المعاصر نشرتها دار طوى السعودية وقد كتبت شخصياً مجموعة هايكو صغيرة ثم وجدت استجابة من بعض الأصدقاء في المثقف فتوسعت في الترجمات وسعيت الى متابعة ما ينشر بالتعليق وذلك لتحريك عجلة إبداع الهايكو ولو على نطاق محدود ولكنني متفائل جداً في ان الهايكو سيجد جيلاً عربياً جديداً من الشعراء يخطو به الى أمام فراسخ إبداعية واثقة

وقد ربح الهايكو حتى الآن شعراءَ عراقيين وعرب بفضل باب الهايكو بعضهم نشر باقات قليلة وتوقف وبعضهم نشر كثيراً كسالم الياس مدالو ولا يزال وبعضهم ترسخ في محبة الهايكو وإبداعه كزاحم جهاد مطر الذي أرى فيه شاعر هايكو غزير الكتابة وهذا يجعل منه شجرة هايكو عراقية في الداخل ستنشر لقاح الهايكو  من حولها آجلا أم عاجلاً وهناك استاذنا وشيخ شعراء الهايكو العراقيين لطفي شفيق سعيد حيث نشر باقات من الهايكو فيها نماذج ممتازة وقد استرعى انتباهي الشاعر جودت العاني في نماذجه الهايكوية  الجميلة الأخيرة المنشورة في المثقف ولا أدري لماذا توقفت شاعرة هايكو مدهشة هي آسيا رحاحلية فقد نشرت في المثقف باقتيْ هايكو نالتا استحسان الكثير من القراء، أمّا ان بعض ما ينشر لا يمت الى الهايكو بصلة فهذا صحيح ولكنني أعوّل على الزمن في غربلة ما ينشر

ولا بد من الصبر حتى يترعرع كمّ ٌ ونوعٌ كافٍ للحكم والدراسة والتصنيف.

 

منتصف الليل

غيمة تقضم البدر هلالا ً

بعد هلال

 

س11: ياسمينة حسيبي: قلتَ: (كان في نيتي تكريس ديوان للهايكو. لكني سرعان ما اصطدمت بمعوقات لا يمكن حلها إلا بـ "خيانة" الهايكو شكلاً ومضموناً)

خيانتك هذه اثمرت عن " شقائق للهايكو" فحدثنا عن دوافع هذه الخيانة المشروعة ولماذا أطلقت عليها تسمية "شقائق" عوض ومضات أو أقصودات مثلا؟

 

ج11: جمال مصطفى: في اللغات الأوربية جرت العادة على ترجمة الهايكو وكتابته ضمن صيغة

مقطعية بعينها لا يمكن نقلها الى العربية ولكن العربية قادرة على اجتراح هايكو حر دون التفريط بالمواصفات الأخرى للهايكو المعروفة وقراءة النماذج الجيدة المنقولة الى العربية كفيلة بترسيخ شكل

الهايكو المختلف عن القصيدة القصيرة جداً فمن  المعروف ان الهايكو متقشف لغوياً ولا يميل الى المجاز والأستعارة ويترك الذروة الى السطر الأخير وكل هذا غير مشروط في القصيدة القصيرة جداً ثم ان الهايكو غيرالياباني تمرد على الكثير من الثوابت اليابانية والهايكو العربي لن يلتزم هو الآخر سوى ببعض الثوابت الشكلية الكافية لتمييزه عن شبيهته وأعني بها القصيدة القصيرة ثلاثية الأسطر وقد اندفعت أول الأمر الى كتابة نماذج تحاول ان تجترح طعماً عربياً فوجدت ذلك عسيراً ومحصورا ببعض الألتماعات  فقصيدة الهايكو متخففة من الأبهة اللغوية والشعرية

وهذا يتطلب شاعراً من طراز خاص ثم ان الهايكو يخضع لتصفيات ولا يبقى للنشر في كتاب سوى القليل القليل من مجموع ما يكتبه الشاعر

ومن يدري لعلني أعود اليه فأكتب فيه ولكنني أميل الى هايكو معقد لا يقل عن القصيدة في رقيّه الإبداعي وفي قدرته على الإدهاش العميق لا السطحي الذي يعتمد على المفارقة فقط مع شغل على اللغة ودس طيات من الأيحاء والمعاني داخل نسيجه السحري.

أما لماذا أطلقت عليها (شقائق الهايكو ) فلإنها ليست هايكو بمقاساته اليابانية ولكنها تطمح الى ان تكون كأخيها الهايكو الأصلي ولإنها ليست ومضات بمعنى قصائد قصيرة جداً (ثلاثيات ) ولا اقصودات بمعنى انها تنطوي على أقصوصة وقصيدة في نص واحد بل هي اقرب الى الهايكو منها الى قصيدة الومضة وحتى لا يقول قارىء هذا ليس هايكو بصيغته الحقيقية وكل هذا ما يزال قيد الدرس والمراجعة نقدياً وإبداعيا ً والكلمة الأخيرة للأجيال القادمة في ما هو الهايكو العربي وكيف ولماذا .

 

في انتظار الالهام

الشروع في تدخين سيجارة

القداحة لا تقدح

 

س12: ياسمينة حسيبي: مِئتاَ هايْكو .. ثم أنشدتَ البحتري

"لَوْ تَوَلّيتُ عَنْهُ خِيفَ رُجُوعي  ++  أوْ تَجَوّزْتُ فيهِ خِيفَ ارْتِجاع"

أهو الملل وكثرة التفاصيل التي تطغى على الحياة اليومية أم هي صعوبة اختمار الفكرة وتكثيفها في لحظة برق عفوية؟

 

ج12: جمال مصطفى: كل شاعر عربي قادر على استيعاب تقنية كتابة الهايكو نظرياً ولكن الإنخراط في الكتابة يتطلب أكثر من ذلك، يتطلب تحديداً قناعات شعرية مختلفة عما نظنه جوهراً شعرياً لا يمكن التخلي عنه إلا إذا كان ذلك الشاعر على استعداد نفسي وذوقي وثقافي تام وهذا هو السبب في ان كثيرين يحجمون عن كتابته والهايكو كالقصيدة يتجاوب مع من يكرس نفسه إبداعياً له وحده والهايكو العربي في انتظار شعراء هايكو حصرياً .

 

نحلة تتوغل

في زجاجة مارتيني على الساحل

حتى الثمالة

 

س13: ياسمينة حسيبي: ترجمتَ المئات من قصائد الهايكو الياباني (يشهد لذلك باب هايكو في صحيفة المثقف) ومع ذلك لا أظن أننا سنراها قريبا تصدر في كتاب عن إحدى دور النشر العربية.

ما السبب الذي يجعل دور النشر تشيح بوجهها عن هذا النوع الادبي رغم انتشاره في كل الوطن العربي؟

 

ج13: جمال مصطفى: ترجمت مختارات عالمية وقد صدر قبل أربع سنوات عن دار طوى ولم

أحصل من الناشر حتى على نسخة واحدة بحجة انني لم أدفع له ثمن النشر وقد قرأت عن كتابي هذا الكثير والكثير من التعليقات والمقالات وأرسل لي أحد الأصداقاء خمس نسخ مشكورا وهكذا غسلت يدي من رجس التعاطي مع دور النشر العربية ولا استغرب إذا لم يتبرع أحدهم بنشر كتابي ولكنني

سأنشره على حلقات في باب الهايكو ولعل الحظ يبتسم لكتابي هذا فيجد ناشراً  يختلف عن الناشرين العرب اللصوص  فلا يخلو الأمر من استثناء.النشر في العالم العربي تحوّل في العقدين الأخيرين الى تجارة بعيدة كل البعد عن الهم الثقافي التنويري فدور النشر وجدت مَن يدفع من الكثرة الكاثرة ممن يتعاطون كتابة الشعر والخواطر فراحت تنشر لكل من هب ودب شرطَ الدفع ثم تدهور الحال أكثر حين دخلت الشابكة العنكبوتية على الخط فكسدت سوق الكتاب الورقي تماماً سوى بعض المطبوعات الدينية والتجارية ولأسباب معروفة وهناك شعراء عرب كبار لا يجدون من ينشر أعمالهم مجاناً ناهيك عن حصولهم على ما يستحقون من مردود مادي.

اعتقد ان الكتاب الورقي سيكون في المستقبل القريب وليس البعيد مجرد تقليد متحفي وسيتحول النشر الى الشابكة العنكبوتية والأقراص وما الى ذلك ونحن كجيل مخضرم سيبقى يحن الى مجد الكتاب الورقي والى أيامه التليدة .

 

س14: ياسمينة حسيبي: تُشَجّع الشعراء على التجربة الهايكوية لكنْ "ما كل من ذاق الصبابة مغرم"، فالهايكو ليس فقط " فزعة أولى" وإنما ثلاثة أسطر لها أصول وقواعد معينة.

ألا ترى معي أن ثمة هناك "شعراء" ظلموا الهايكو حتى كاد ينشد:

 

إذا ما ظالم استحسن الظلم مذهبــــــاً

ولَـجّ عُتُــوّا في قبيـــحِ اكتسابـــــــه؟

 

ج14: جمال مصطفى: لولا التشجيع والمتابعة لما كان باب الهايكو ولتأخر التعريف بالهايكو وتذوق بعض نماذجه العالمية الى سنوات قادمة فالهايكو قادم لا محالة وهو يطرق أبواب جميع اللغات والعربية ليست مستثناة ً من ذلك وأنا وعشرات مثلي هنا وهناك يترجمون ويكتبون عن الهايكو في العالم العربي من المغرب حتى عمان مروراً بلبنان وسوريا والعرب المنتشرين في جميع أصقاع الأرض ومن الطبيعي أن تجدي في خضم البدايات الكثير من التجارب الغثة ولكن الزمن سيغربل وهذا ديدن كل إبداع وكل جديد

 

قـصـيدة الـهـايـكـو

تعـالـي برتـقـالـيّـة ً، حـمـراءَ: مُـرَقــّـطَـة ً

أيـتـهـا الـدعـسـوقـة

 

س15: ياسمينة حسيبي: "إن اطلالة هايكو الشاعر جمال مصطفى على صفحات المثقف كانت كبروق في لحظات الشفق"، هكذا افتتحت الشاعرة المبدعة ميادة ابو شنب باب الهايكو بالمثقف باقتراحِ ورعاية الشاعرة والناقدة الفذة أ.د. بشرى البستاني

ما تقييمك لتجربة "باب الهايكو" في صحيفة المثقف بعد حوالي السنة من هذا الافتتاح؟

 

ج15: جمال مصطفى: باب الهايكو هو الآن حديقة هايكو جميلة في (المثقف) وستجدين ان هذه الحديقة قد تحولت الى غابة ممتدة الأطراف بعد سنوات قليلة ويكفي المثقف فخراً أن يرعى ذلك وقد انتقلت عدواه الجميلة الى مواقع اخرى فخصصوا للهايكو حيزاً الى جانب القصيدة والقصة وبالتأكيد يسعدني كثيراً متابعة باب الهايكو وقد توسع كما ونوعاً خاصة حين يدخل شعراء جدد الى ساحة إبداعه وأنا بهذه المناسبة اقدم التحية الى الأصدقاء والصديقات وكل من ساهم في باب الهايكو نقداً وترجمة وإبداعاً وتعليقاً وتحريرا.

 

س16: ياسمينة حسيبي: إيقاع العصر، فرض عدة محاولات عربية تسعى بجهود حثيثة لرفد الكتابة الشعرية العربية بنموذج "الهايكو العربي" والنهوض به ليأخذ هوية عربية دون المساس ببنيته وجوهره

هل لك مشروع مماثل ينطلق من بلاد المهجر؟

 

ج16: جمال مصطفى: المهجر؟

ليس أكثر من مكان بديل ولغة اخرى ولا أنسى ان هذا المهجر اشترك مع أنداده في تهديم بلدي ولا أقول هذا انطلاقاً من نعرة عدوانية أو حسد أو غير ذلك بل هذا هو واقع الحال وكما قلت في إجابة على سؤال سابق أنا هنا واحد من ملايين لا ملامح لهم سوى انهم غرباء يتمتعون بحقوق لابد منها ليبقى الغرب غرباً محكوماً بقوانين تبدو ظاهرياً أفضل مما عداها في أصقاع الأرض الأخرى.

أقول هذا مستثنياً المواطن الغربي العادي من كل إدانة، إدانتي تخص المتحكم بالغرب سياسياً ومالياً وستراتيجياً وإعلامياً (مردوخيّاً) فشعوب الغرب مغلوبة على أمرها وكل ما هنالك انها تعيش  في بحبوبة  وحرية أفضل نسبياً من غيرها لأسباب معروفة لا تخفى على المحلل العارف ببواطن الأمور ولعبة الأمم .

 

س17: ياسمينة حسيبي: العراق "جنة وجحيم" لمُبدعيه ولشعرائه المغتربين. ما مدى تأثير ثنائية " الخارج والداخل" على الأدب العراقي بشكل عامّ. وهل يُنْصف العراق شعراء الخارج في مهرجاناته الشعرية؟

 

ج17: جمال مصطفى: بعد انهيار برج بابل تبلبلت الألسنة وخرج البابليون هائمين على وجوههم في الأرضين ولا يزالون منذ ذلك الحين حتى الآن فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا، كأنها قرابين لعنة أزلية حتى صارت الشعرية العراقية إذا صح هذا التوصيف شعريات وليست شعرية واحدة، الشعرية العراقية الآن أرخبيل جزره متناثرة ما بين قطبي الكرة الأرضية وصار من الصعب أن تعود الى قمقمها العراقي الذي تهشم هو الآخر ولم يبق منه سوى أطلاله أو شظاياه الجارحة .

 

والختام، سيكون جمالاً بمقطع من "قصيدة تجرها الخيول" وتسحبنا معها صوب عوالمك الثرة والممهورة بالشعرية الاصيلة.

شكرا لك الشاعر القدير جمال مصطفى على السماح لنا بولوج روحك والخروج منها بهذه الكنوز الشعرية والمعرفية القيمة

 

قـصيـدةٌ

تجـرّهــا

الخـيــول

 

إلـهــة ٌ لــيــسَ لــهـــا  رســول ُ

تـقــولُ: إنّ صـمــتَـهــا يـَـقــولُ

 

لا يـخـتــفـي الـبــرقُ إذا  أرادتْ

ولا يُـغـِـذ ّ الـنـيــزكُ الــعَــجــولُ

 

محـبــرة ٌ   حـبـلى   بـكـلّ   آي ٍ

وجَــنّــة ٌ  مِـن  أزل ٍ   بَــتـــولُ

 

مَـن هـاؤهـــا لـيـستْ كـأي هـاء ٍ

ولامُهـا: مُـسْتَــفـْـعـَـلـنْ  فـعـولُ

 

صِـدّيـقَــة ٌ  بُـهـتــانُـهـا  كُــرومٌ

يَحـرسـهُ  لـصوصُهـا  الـفـحـولُ

 

نـمــوت مِـن جـمــالـهــا ونـحـيـا

وديـنـنـا مِـن فـرْطـِهــا الـحُـلـولُ

 

(مَصارعُ الـعـشّاق)؟ هـرْطـقـاتٌ

لا يَـصـرعُ الكـواكـبَ الأفـــولُ

 

على الـسمـاء انـقـلـبـتْ طـريـقـاً

قـصـيــدة ٌ تَـجــرّهـــا  الـخـيــولُ

 

وخـلـْـفـَهــا  الـخـيـالُ  سـنـدبـادا ً

وألــفُ غـول ٍ  عاشق ٍ  وغــولُ

 

مُـبَـجّــلٌ  كـطـيــشِـهــا حِـجـاهــا

مُـحَـجّــلٌ  كُـمَــيْــتُــهــا شَـمــولُ

 

الـجَـذبُ والـنَـبْـذ ُ وحـاجـبــاهــا

والشوط والـمِضمـارُ والفـصولُ

 

مـا بـيـننـا وبـيـنـهـا  وبَـيْـن الــ

زيــت ِ الـذي يُـضـيـئـنـا يحــولُ

 

يـسرقـهـا منهـا، يـقـول:عـندي

ولـن تـعـودَ،  الـعَـدَم الـعـذولُ

 

تَــمَـوّجـاتُ  الـسـوط ِ ألـسَعـِـيـّـا ً

والـمُـطـلـقُ العـريـانُ والـذهـولُ

 

شَـرّدَهــا   مَـجَــرّة ً   شَـذاهـــا

وكُــلّـهــا  و جُــلّــهــا   فـــلــول

 

تَـهَــشّـمَ  الـبــلّــورُ  أرخـبــيــلاً

مِـن شَـغَــفٍ وهـامَـتْ الـوعـولُ

 

ومــاؤهـــا عَــذ ّبَ  كـلَّ  بَـحـْــر ٍ

وكَـيْــدُهــا  لـبـحــرهـــا  يَــؤولُ

 

تـركـتُـهـا في الـطـيـف تـركـوازا ً

تَـأويـلُــهُ: لا يُـمْـكِــنُ الـدخــولُ

 

يـاغُــنّــة ً  تَـغـــارقـــتْ غِــنــاء ً

يـا ذروة ً: لـم يَـصِـلِ الـوصـولُ

 

نَـزَّلـْـتِ أو نَـزَلـْـتِ، مُـدهـشاتٌ

أسبــابُـهُ الـعـلـْـويّـة ُ، الـنـزولُ

 

ياسمينة حسيبي

مدارات حوارية – المثقف

12 3 - 2016

ayat habaأهــلا بالدكتور صادق احمد عبد الله - ماجستير كيمياء سريرية / كلية الطب – جامعة النهرين ضيفا بصحيفة المثقف تقبل ترحيبي وكلي ثقة بمشاركتك ذات الفائدة لنشر الوعي الصحي .

 محورنا اليوم امراض الدم الوراثية؟

د. صادق احمد عبد الله: اهلا بك د. ايات حبه والف تحيه للاستاذ ماجد الغرباوي وكل كادر المثقف، الامراض الوراثية ..أمراض تنتقل من الأبوين إلى الأبناء عبر الاجيال، نتيجة وجود خلل في التركيب الجيني لتسلسل القواعد النيتروجينية في شريط DNA المكون للمادة الوراثية وبالتالي حدوث اضطرابات مختلفة تظهر صفاتها على الافراد الذين يصنفون انهم مصابين بها مع ان الكثير من الاشخاص السليمين الذين يصنفون على انهم حاملين للمرض قد لا تظهر عليهم أي دلالات مرضية او مظهرية، ومنها امراض الدم الوراثية الناجم عن الخلل الجيني في تركيب وتكوين RBC، فتصبح غير قادرة على أداء وظائفها الطبيعية وبالتالي ظهور الأعراض المرضية، امراض الدم الوراثية تختلف حسب نوع الخلل الجيني في DNA المصاب،منها (الثلاسيميا والأنيميا المنجلية).

 

-  ما المقصود بالثلاسيميا وما هي ابرز المضاعفات الجسدية والنفسية الناجمة عنه؟

-  الثلاسيميا (مصطلح اغريقي) او ما يسمى بفقر دم البحر الابيض المتوسط .خلل وراثي في تكوين RBC، فيه ينخفض مستوى الهيموجلوبين وتنخفض عدد RBC عن المعدل الطبيعي وذلك ناتج عن التكسر المستمر لتلك الخلايا، اذ يتكون الجلوبين في (الهيموجلوبين) من 4سلاسل من الاحماض الأمينية،2 ألفا (A) و2 بيتا (B).يشرف على تصنيع السلسلة ألفا 4جينات (2 من الام و2 من الاب) اما السلسلة بيتا فيشرف على تصنيعها مورثتان (واحدة من الأب والأخرى من الأم، لهذا هناك الثلاسيميا ألفا / فيه تحدث حذف واحدة أو أكثر من الجينات الأربعة المسؤولة عن تصنيع الجلوبين ألفا، ويتناسب عدد الجينات المحذوفة مع شدة الأعراض السريرية. وهناك 4أشكال سريرية للثلاسيميا ألفا حسب عدد الجينات المحذوفة فإذا حذف جين واحد بقي عند المريض 3جينات ودعيت هذه الحالة الحامل الصامت وتكون المظاهر السريرية طبيعية،أما إذا حذف جينين فإن المريض يعاني من فقر دم خفيف الشدة وإذا حذفت 3 جينات حدث فقر الدم متوسط الشدة، الحالة الأخطر حذف الجينات الأربعة كلها مؤدي إلى وفاة الأجنة أو موتهم مباشرة بعد الولادة ويكون لدى هؤلاء الاجنة وذمات شديدة مع قصور القلب والضخامة الكبدية الطحالية،اما الثلاسيميا بيتا /فهي اضطراب وراثي يحدث فيه إصابة إحدى المورثتين المسؤولة عن تصنيع الجلوبين بيتا أو كليهما، وإن كيفية إصابة هاتين المورثتين هي التي تحدد شدة الأعراض السريرية .وانواعها-  الثلاسيميا الصغرى: (يحدث إصابة مورثة واحدة (فقر الدم متوسط الشدة)، والثلاسيميا الكبرى إصابة المورثتين معاً ويغيب إنتاج سلاسل الجلوبين بيتا وهي الحالة الكلاسيكية للثلاسيميا وتؤدي إلى أعراض

مظهرية ومرضية. فيما يخص مضاعفاته فهي ظهور تشوهات في الوجه مثل بروز في عظام الجبهة وعظام الوجنتين،بروز في عظام الفك العلوي .عمليات نقل الدم الدائمة لتعويض نقص خلايا الدم الحمراء، واستمرار المريض بتلقي العلاج بشكل مستمر وخاصة عندما يصاب بزيادة نسبة حديد الجسم نتيجة نقل الدم المستمر، حيث يجب عليه الخضوع لجلسات إزالة الحديد تستمر 6 أيام في الأسبوع لفترة بين 8- 12 ساعة في اليوم عن طريق وضع مادة تحت الجلد (الديسفيرال) وهو مادة مزيله للحديد المتراكم لان الجسم لا يملك الية طبيعية لطرح الحديد الزائد عن حاجته، وهذا ما يزيد من معاناة المريض حيث لا يواجه الألم الجسدي وحسب بل والنفسي الناتج عن إحساسه بكونه مريضاً يحتاج العناية الدائمة، الإصابة بتضخم الطحال،هشاشة العظام، اضطراب النمو وتأخر البلوغ. حيث يتعرض المرضى الى صعوبات نفسية كبيرة في التعايش مع هذا المرض، منها القلق، الإحباط، الاكتئاب، الخوف من الموت، اما عن المضاعفات الناتجة عن نقل الدم (العدوى والإصابة بفيروسات منها الكبد والإيدز، هبوط الضغط، الحمى، والارتعاش في حالة تحسس المريض من الدم المنقول، ترسُّب الحديد الناتج عن عمليات نقل الدم المستمر في القلب او في الكلى يؤدي إلى فشل القلب والكلى اويترسب الحديد في البنكرياس يؤدي إلى مرض السكري .او في الكبد يؤدي إلى تشمعه ومن ثم تليفه .. او في الغدة النخامية يؤدي إلى نقص إفرازاتها،هشاشة في العظام . وترسبه في الغدة الدرقية يؤدي إلى نقص إفرازاتها، ثم مرض قصور الغدة الدرقية ..في العظام يؤدي إلى هشاشة العظام ثم الكسور المرضية.. اما ترسيبه في الغدد الجنسية يؤدي إلى العقم .. وترسبه في الجلد يؤدي إلى تغير لون الجلد إلى اللون الرمادي. وشخصيا كان موضوع بحثي في رسالة الماجستير التي حازت على درجة امتياز (دراسة انعكاسات حالة فرط الحديد واكسدة الدهون (MDA) الناتجة من عمليات نقل الدم المتكرر على وظائف الغدة الدرقية T3،T4، FT3،FT4،TSH لدى الاطفال والشباب المصابين بفقر دم البحر الابيض المتوسط في العراق) وتم نشر البحث في المجلة الاسيوية للعلوم التطبيقية بإصدار (ISSN: 2321 -  0893).

 

-  ما هي أعراض المرض؟ ومتى تبدا باي مرحلة عمرية د. صادق؟

-  اعراضه فقر الدم الشديد (الشحوب واصفرار البشرة، الخمول والشعور بالتعب والإرهاق، نقص الشهية، ضخامة الكبد والطحال الشديدة، بروز عظم الجبهة والفك العلوي وعظام الوجنتين بسبب زيادة نشاط نقي العظام لتصنيع الكريات الحمراء كمحاولة لتعويض النقص الحاصل في خلايا الدم (مظهر خاص مميز)، زيادة الالتهابات. ضعف النمو .تبدأ اعراض مرض الثالاسيميا الكبرى (بيتا) بالظهور عادة بعد الستة اشهر الاولى في عمر الطفل المصاب اي يتزامن مع بدء امكانية جسم المولود بتكوين خلايا دم حمراء بنفسه..

 

- ماذا عن زراعة النخاع والخلايا الجذعية؟

- في السنوات الأخيرة بدأت زراعة نخاع العظام والخلايا الجذعية المأخوذة من اشقاء المريض أو متبرع غريب في حالة التطابق النسيجي والخلوي 100% بين المتبرع والمريض . هذه العمليات تأخذ مكاناً مهما في معالجة بعض أمراض الدم الوراثية مثل البيتا ثلاسيميا والأنيميا المنجلية..

 

 – ماهي احتياجات مرضى الثالاسيميا؟

- يحتاج المرضى لإضافة دم بشكل مستمر وبمعدلات مختلفة حسب شدة الحالة ويمكن ان توصف ب 500 مل من خلايا الدم الحمراء كل 2- 3 اسابيع مع مراعاة الحد من المضاعفات وذلك بالاستخدام المنتظم لعوامل طرح الحديد التي تعمل على منع تراكم الحديد في الجسم مع استخدام بعض المقويات كالفولك اسد والادوية المضادة للتحسس كما يجب متابعة مؤشرات فحوص الحديد بكافه اشكاله كالفرتين او الحديد الحر في مصل الدم ومجموع قدرة ارتباط الحديد TIBC.

 

-  طيب ماهي الامكانيات المتوفرة الان بالمستشفيات العراقية وفي المراكز المتخصصة؟

- توجد عدة مراكز متخصصة في امراض الدم الوراثية منتشرة في مختلف محافظات العراق كأجنحة ملحقة بالمستشفيات الحكومية ابرزها في بغداد في مستشفى الكرامة ومستشفى ابن البلدي وفي الموصل مستشفى ابن الاثير ومستشفى الحبوبي في الناصرية وكذلك في المثنى والنجف الاشرف . تقوم هذه المراكز بتوفير الدم للمرضى بدون متبرع وعلى قدر حاجته وتودون حالات المرضى في سجلات مرقمة لكل مريض وفحوصاته السابقة تحت اشراف مجموعة من الاطباء المختصين في امراض الدم،ايضا توفر هذه المراكز كميات الديسفرال والعلاجات اللازمة للمرضى وحسب مواعيد دورية منتظمة وتقوم احيانا هيئات المجتمع المدني او الجمعيات الخيرية بمساهمات وفعاليات في هذه المراكز كون ان اغلب المرضى هم من الاطفال او الاحداث.

 

 -  مؤلمة الحالة فعلا،سمعت دكتور عن سحب نخاع من المتبرع عن طريق عدة نخزات في عظم الحوض. ممكن توضيح ادق؟

-  يتم استخلاص من المتبرع بطريقتين اما سحب نخاع العظم من عظم الحوض، او استخلاص الخلايا الجذعية من الدم الخارجي، في حالة سحب نخاع العظم من المتبرع عن طريق عدة خزعات في عظم الحوض تتم تحت تخدير كامل للمتبرع، كمية النخاع المطلوبة تعتمد علي وزن المريض المستقبل للنخاع والأعراض الجانبية لعملية سحب نخاع العظم من عظم الحوض* فقر الدم بسبب خسارة الدم والتي تتعوض خلال أسابيع قليلة، الالام في منطقة النخزات وخاصة عند المشي.قبل القيام بعملية السحب بيوم واحد يتطلب دخول المتبرع للمستشفى لإجراء بعض الفحوصات له للتأكد من صحته،اما نقل الخلايا الجذعية والتي تم الحصول عليها من الدم الخارجي يجب القيام بتنشيط نخاع العظم للقيام بتكوين خلاية رئيسية. البحوث الطبية الحديثة توصلت الى دواء يعطى للمتبرع لمدة خمسة أيام تحت الجلد ويلاحظ بعد ذلك ارتفاع عالي في عدد الخلايا البيضاء. ولاستخلاص الخلايا الجذعية من الدم يسري دم المتبرع في جهاز خاص يقوم بفصل الخلايا الجذعية وجمعها في كيس خاص وإرجاع الخلايا الأخرى إلي الجسم وهذه العملية تشبه عملية التبرع بالدم..

 

-  للوقاية د. صادق بماذا تنصح بالنسبة للمقبلين على الزواج؟

- الفحص الطبي قبل الزواج للتأكد من خلو الخطيبين من الأمراض المعدية ولمعرفة مدى إمكانية انتقال الأمراض الوراثية لأبنائهما في حال زواجهما، ولأعلامهم بالأمراض المحتملة للذرية إن وجدت فتتسع الخيارات في عدم الإنجاب أو عدم إتمام الزواج. اما عن مرض (الثلاسيميا) توجد وسائل عديدة للوقاية من حدوثه قبل الزواج .إن توعية المجتمع ولاسيما من هو مقبل على الزواج يجنب الكثير من المشاكل الاجتماعية والنفسية وللعلم أن زواج الأقارب ليس السبب المباشر لهذه الأمراض المنتشرة في مجتمعاتنا، يمكن أن تتواجد الأمراض وتنتقل بين غير الأقارب من الزوجين .

 

 -  ماذا عن المساعدات النفسية لحاملين هذا المرض الوراثي؟

.-  اليوم العالمي للثلاسيميا -  يوافق 8 مايو من كل عام -  يوم تعريف وتكريم لمرضى الثلاسيميا باعتباره من أهم أمراض الدم الوراثية، والذي يمثل نسبة لا يمكن الاستهانة بها، والمعاناة التي يعاني منها المرضى تعتبر من أقسى ما يمكن لبشر تحمله، حيث لا تقتصر على الألم الجسدي، بل تمتد إلى الآلام النفسية الناشئة من المعاناة الدائمة والعجز. يجب توعية المجتمع بهذا المرض واستيعابهم لهؤلاء المرضى مجتمعيا وتوفير كل ما هو متعلق بتحسين ودعم وضعهم النفسي وبالذات الاناث ..

 

-  طيب د. صادق ماذا عن حالة تضخم الطحال والكبد؟

-  في حالة عدم التشخيص السليم أو عدم متابعة العلاج للمريض واستمرار فقر الدم، تظهر أعراض أخرى منها:

تضخم الطحال: إنّ وظيفة الطحال وبشكل مبسط هي تنقية الدم وإزالة الأجسام الغريبة منه، وبالتالي وظيفته دفاعية وحماية الجسم من الجراثيم والميكروبات والالتهابات، ويخلص من RBC الكبيرة التي يزيد عمرها على 120 يوماً، إلاّ أنّه في مريض الثلاسيميا، تكون معظم RBC غير طبيعية الشكل، ممّا يتسبب في تعلق هذه الكريات داخل الطحال، ومن ثمّ يبدأ الطحال بتحطيم كريات الدم الحمراء العالقة فيه، ويوماً بعد يوم تزداد هذه المشكلة سوءاً ويبدأ الطحال بالتضخم، والقضاء على معظم RBC الموجودة في جسم المريض، وفي الحالات المتأخرة من المرض، يبدأ الطحال أيضاً بتحطيم كريات الدم البيضاء والصفائح الدمويّة إلى جانب كريات الدم الحمراء مما يؤدي الى استئصاله، اما تضخم الكبد سأوضح ذلك تحتوي RBC على مركب الحديد ضمن مكوناتها الطبيعيّة، ويتم تخزين الحديد وبشكل طبيعي داخل خلايا الكبد، حيث إنّ خلايا الكبد قادرة على تخزين عشرين غراماً من الحديد، ولكن وفي مرضى الثلاسيميا ونتيجة عمليات نقل الدم المتكررة، قد يعاني المرضى من تراكم كميات الحديد بشكل زائد، ولا تظهر هذه المشكلة بشكل واضح عند الأطفال المرضى (تقل أعمارهم عن 11 سنة)، ونتيجة لذلك تتراكم كميات الحديد بشكل متزايد داخل كبد المريض ثم تضخم الكبد وتراجع مقدرته على أداء وظائفه . كما ويصبح الكبد أكثر عرضة للإصابة بالالتهابات (التهاب الكبد الوبائي من نوعي باء وجيم)، لذا يعمد الأطباء إلى إعطاء مرضى الثلاسيميا تطعيم ضد فيروس التهاب الكبد الوبائي،وفي حال عدم إجراء العلاج المناسب، يتوسع النخاع الشوكي عند المريض بسبب محاولاته غير المجدية إنتاج كريات دم حمراء سليمة، ولهذا السبب تصبح عظام المريض هشة وضعيفة، وغالباً ما يتغير شكل عظام الوجه عند المريض وخصوصا عظام الجبهة والوجنتين، ممّا يتسبب بتغير ملامح الوجه فيكبر الرأس وتبدأ عظام الوجنتين والجبهة بالبروز، وغالباً ما تكون أسنان الفك بارزة، مما يعطي مرضى الثلاسيميا تشوه واضح وقصور في الغدد ثم الموت المبكر.

 

– دكتور اسمع كثيرا عن الديسفيرال ما فائدته كعلاج واليه عمله؟

- الديسفرال " ديفيروكسامين Deferoxamin "اسمه التجاري " ديسفيرال Desferal "هو عباره عن علاج احادي لاستخلاب الحديد في حالات زيادة تراكم الحديد المزمنة أي عبارة عن مادة ترتبط مع الحديد في الجسم وتخرج مرتبطة بالحديد لخارج الجسم عن طريق الادرار لان الجسم يفتقد لآلية طرح الحديد الزائد عن حاجته فنحتاج لعوامل تساعد على طرحه بوسائل الاخراج البيولوجية ويستخدم إما عن طريق الوريد في المعالجة السريرية بالمستشفى وإما تحت الجلد بواسطة مضخة تدار أوتوماتيكيا من 8 ــ 12ساعه في اليوم أو حسب إرشادات الطبيب ويخلص الجسم من الحديد الضار لمرضى الثلاسيميا طبعا هناك ادوية اخرى تقوم بنفس الوظيفة لطرح الحديد عن طريق الادرار او الخروج ولكن الشكل الصيدلاني الجديد لعامل استخلاب الحديد وهو شكل حبة دواء ساهم كثيرا في تقليل معاناة مرضى الثالاسيميا من هذه العملية المزعجة.

 

- جزيل الشكر د. صادق على مشاركتك بحملة التوعية الصحية . ولنا حوار متجدد.

- شكرا لك د. ايات وجزيل الشكر والتقدير من بغداد لاستراليا لصحيفة المثقف .

 

yasamyna hasybihamodi alkenaniفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الأديب القاص حمودي الكناني وحوار شامل وصريح أجرته معه الشاعرة ياسمينة حسيبي، فاهلا وسهلا بهما في المثقف

 يُعْرف إنسانيا، سواء بين أصدقائه أو بين الأدباء العراقيين بخفة دمه واستفزازاته المشاكسة إضافة الى صدقه وكرمه المتأصل فيه أبا عن جد، ويُعْرف أدبيّا بسردياته الساخرة من الواقع السياسي المرير ومن القيود المكبّلة للفكر، سردياته تشكّلتْ عبر روحه الناقدة وحسّه الوطني والسياسي وانتمائه الوطيد الى أرض جلجامش وعشتار، برع في كتابة القصة القصيرة جدا كما خاض تجربة الشعر بنصوص شعرية جسّدت المعاناة الطويلة للمثقف العراقي في بلد يُستنزف إنسانيا واقتصاديا وسياسيا وتتكالب عليه المكائد داخليا وخارجيا.

 

السيرة الذاتية للأديب حمودي الكناني

ألاسم في بطاقة الاحوال المدنية: حمود حسين نعيمة جبارة الكناني.

- اسم الشهرة: حمودي الكناني

تاريخ الولادة ومكانها: 1950 - قرية ام عصافير – ناحية القادسية - محافظة النجف

- التحصيل العلمي: بكالوريوس لغة انجليزية + دبلوم طرق تدريس من جامعة بغداد - كلية التربية

- العمل: عين مدرسا للغة الانجليزية في 11-10-1972. مارس تعليم اللغة الانجليزية في المدارس المتوسطة والإعدادية ومعاهد المعلمين واعداديات التجارة في محافظة كربلاء والجمهورية اليمنية.

في 1-7-2013 أُحيل على التقاعد لبلوغه السن القانونية

- عضو اتحاد الادباء

- صدرت له مجموعته القصصية الاولى (آخر المطاف ... وأولي)

 

له مؤلفات معدة للطبع:

- استدراك قبل فوات أوان - مجموعة قصائد نثر

- مدية حادة - قصص قصيرة جدا

- وقوف على اطلال جدي – قصص قصيرة

- النوم على سرير العدو - رواية

- We all laugh at each other مجموعة نصوص قصيرة باللغة الانجليزية

 

أهلا وسهلا بالأديب حمودي الكناني في رواق صحيفة المثقف وفي باب مدارات حوارية .

س1: ياسمينة حسيبي: لفترة طويلة أشرَفْتَ على باب مدارات حوارية في صحيفة المثقف، وأتحفتَ مكتبتها بحوارات أدبية – ثقافية غنية نالت إعجاب الجميع من خلال تنشيطك المتميز وثقافتك العميقة ومن خلال أسئلتكَ الراقية والمنتجة. إلى أيّ حدّ أضافت إليكَ هذه الحوارات إنسانيا وأدبياًّ؟ وكيف تشعر اليوم وأنت في الجانب الآخر من الحوار؟

ج1: حمودي الكناني: أهلا وسهلا بك صديقتي الجميلة ياسمينة وبصحيفة المثقف الغراء ولي الشرف أن اكون ضيفك على مدارات حوارية متمنيا ان اوفق في اجاباتي ..

(مازلت قيد انتظار اطلالة نصوصك الاثيرة على صفحات النت ولا ادري هل انكرت النت أم انكرت محبي حرفك الذهبي الانيق) .

لا اخفيك سرا سيدتي اني احب ان اكون بين من يجيد الاجابة على أي سؤال مستفز هذا اولا لأننا جميعا مستفزون في هذا الزمن الذي ربما يعادي تطلعاتنا وثانيا لان الادباء هم وحدهم المعنيون بالتعريف وكشف معاناتنا نحن الذين اصطفت علينا الاحداث واصطلحت وتصافت علينا الايام والخطوب ...

إنسانيا فأنا حينما اسأل وأتلقى الاجابة أتخيل أني ما زلت جالسا في مضيفنا القصب الذي احتل مكانا بارزا على شاطي الفرات اقدم الطعام والشراب للمسافرين السائرين مشيا على الاقدام أيام عدم توفر وسائط النقل هكذا كنت اتخيل نفسي عندما جمعتني هذه الحوارات مع شعراء وكتاب كبار مما مكنني من اقامة علاقات وطيدة معهم، إذ ما زلت على قيد التواصل مع جميع الذين حاورتهم وأني اتوق الى اليوم الذي التقيهم جميعا ... هذا على الصعيد الانساني أما ادبيا فالحوارات مع الادباء ساردين وشعراء تعتبر مكسبا فكريا تثقيفيا من خلالها نعرف اتجاهات الاديب الفكرية ومواضيعه والإفادة منها بما يراكم من الخبرة والخزين المعرفي .. ووفقا لما ارى واعتقد ان الحوار مع الادباء مصدر غنى معرفي لا يستغنى عنه ولا يخفى عليك اننا جميعا نتعلم من بعضنا البعض .

 

س2: ياسمينة حسيبي: تتحدث عن نفسك غالبا ببساطة أهل الريف، تفخر بانتمائك للعراق فُراتا ونجفاً وعشيرةً. فهل أنت راض عن حياتك في العراق وهل أنصفتْك كإنسانٍ وكأديب؟

ج2: حمودي الكناني: احيانا يا صديقتي الجميلة نظلم الحياة عندما نتهمها بعدم الانصاف .هذا هو حال الدنيا حسب قوانين الطبيعة، تشرق الشمس فيكون النهار وتنهي رحلتها بالمغيب فيكون الليل، وأيام الاسبوع تبدأ بالسبت وتنتهي بالجمعة، وعدة الاشهر اثنا عشر شهرا والفصول اربعة .. فما الذي تغير؟ اذن هي هذه القوانين المعتادة هل تغير فيها شيء؟ المتغير الوحيد هو هذا الانسان ويبدو انها لعبة الاجيال المستمرة لكن على هذا الانسان ان يكون وفيا لهذا المصطلح – الانسنة - الذي نُعت به من دون المخلوقات كلها وعلى هذا الاساس فحمودي الكناني لم ولن ينتظر الحياة ان تنصفه انسانيا لان ذلك يتوقف عليه هو ذاته وإلاّ ما الفرق بين من يسجن نفسه في زنزانة نفسه وبين من يخرج من هذه الزنزانة ليتفاعل مع كل ما يحيط به ... علمتني القرية بساطة الحياة وعلمني الديوان مسامرة الناس بمختلف اهوائها وعلمني الفرات كيف احبه وامشي على شواطيه وعلمتني العشيرة ان احترم الغير مهما كان وعلمني العراق انه بلاد الانبياء والقادة والكتاب والشعراء وعلمني ايضا أن لا لواء ينعقد لأمة العرب والعراق في سجل الغياب المتعمد . هكذا هو يا صديقتي ياسمينة حمودي الكناني الانسان ...

كأديب أنا اكتب وهناك من يقرأ ما اكتبه، وللناس اراؤهم ورؤاهم .. فالحياة وفرت لي فرصة تعلم كتابة الحرف وبما أنني امتلك القدرة على تدوين افكاري وصياغتها وفقا لما ارى اذن هذا ما جادت به علي الحياة وأنصفتني بقدر استحقاقي فشكرا لها . بالمناسبة شاعرتي الجميلة ياسمينة دائما ما اُشبه الحياة بامرأة فاتنة لا تشيخ !

 

س3: ياسمينة حسيبي: جمعْتَ بين القصة والقصيد .. كيف أمكنكَ المرور عبر بابيْن مختلفين في الأدب؟ وأي البابين تدخله روحك الإبداعية بأريحية أكثر؟

ج3: حمودي الكناني: لو تمعنت وتفحصت بدقة القصص التي كتبتها لوجدتِها كُتبت بنفس شعري سوى ان السردَ وأبطالَه هم الحاكمون .. مواضيعي كلها مستمدة مما تقع عليه عيني من مشاهد في واقعنا المعيش في الشارع،في السوق الشعبي، في الديوان او في أي مكان يقع فيه حدث يستفزني ووفقا لوقع هذا الحدث اشرع بإعادته على شكل قصة قصيرة او قصيرة جدا هذا اذا كان هناك فعل متحرك ... اما اذا شاهدت دمعة تدحرج على وجنات زهرة تعانق قلبها فراشةٌ تمتص رحيقها بشراهة او مشهد يقول لك خربشني على شواطي النثر أشرع بكتابته في الحال ولا تنسي ان نصوص النثر التي اكتبها سهلة سلسة لا رتوش ولا ايهام فيها حتى وان قيل عنها مباشرة وتقريرية فهي تلقى الكثير من الرضا والقبول عند الكثير من القراء وبصراحة أنا لا اهتم لما يقوله النقاد ولا (لايكات الفيس ولا كلمات عاشت ايدك وأبدعت )لاني اساسا لا اكتب للنقاد لان رضا هم اليوم غاية لا تدرك ههههههه ولهذا تجديني ممسكا بالقص بيد وبالأخرى بعمود النثر !

 

س4: ياسمينة حسيبي: أغلب قصصك القصيرة جدّا عبارة عن "رسائل مشفرة" لا تمنح المعنى المخبوء والمضمر بسهولة بل تأتي محمّلة بقوة الترميز التي تحتاج الى تحفيز ذهن المتلقي والى حضوره الكامل في القصة. تُرى إلى أي حدّ ترى بأن الترميز يخدم القصة القصيرة جدا؟

ج4: حمودي الكناني: رؤيتك هذه صحيحة جدا ..

لي وجهة نظر شخصية مفادها ان القصة القصيرة جدا يجب أن تقرأ من زوايا مختلفة فهي عندي قمة جبل عال يمكن الوصول اليها من عدة طرق ووفقا على مقدرة القارئ على التأويل فهناك من يجد المفارقة التي تساعده على الضحك فيضحك وهناك من يجد فيها مدعاة للتفكير على ما هو ابعد ويبدأ يقلب بها ويقولبها على ما يشتهي ولما كانت هي قصيرة جدا فلابد من الترميز العالي ليجعل المتلقي غير العادي يتساءل ويخمن: أظن القاص كان يريد ان يقول كذا وكذا وهذه هي رؤيتي الشخصية ككاتب لهذا اللون من السرد !

 

س5: ياسمينة حسيبي: بالإضافة الى توظيف المراوغة الساخرة والتلاعب اللغوي في القصة القصيرة جدا، يلجأ حمودي الكناني الى تقنية " ملأ الفراغات" و"علامات التعجب والاستفهام" فهل هي دعوة منك لإشراك المتلقي في إعادة انتاج القصة أم هو نوع من التمويه وإرباك المتلقي ذهنيا؟

ج5: حمودي الكناني: كل فراغ محسوب بدقة ولكل علامة تعجب هدف وغاية ولكل علامة سؤال اجابة متوقعة من قبل المتلقي .. فهنا أنا لا اتوَخى التمويه وارباك القارئ ابدا وإنما ارمي الى اشراك المتلقي في عملية ملء الفراغات وأن يتعجب تلقائيا ويجيب تلقائيا بعد اعادة القراءة بتأمل ولهذا المتلقي كامل الحرية في ما يملأ !

 

س6: ياسمينة حسيبي: نجد أن القصة القصيرة جدا عند بعض الأدباء أصبحت بمثابة فلسفة حياتية .. فهل تتوجه قصصك صوب هذا المنحى؟

ج6: حمودي الكناني: بقدر ما يتعلق الامر بي فهذا منحى ليس بالضرورة ان يكون كذلك لأني حينما اكتب قصة فأني اصرخ بداخلي لئلا تنخدش اجهزة السمع عند الطرشان هههههه أليس كذلك؟؟

 

س7: ياسمينة حسيبي: معالم القصة القصيرة جدا توطدت تنظيرًا وتطبيقًا في سنوات السبعين من القرن العشرين وانتعشت بعد ظهور شبكة الانترنيت إلا أن بعض النقاد العرب ما زالوا يرون بأن انتشار هذا النوع الأدبي هو من باب الإستسهال والعجز عن ولوج القصة القصيرة أو الرواية، ما رأيك في هذا القول؟

ج7: حمودي الكناني: ما زال بعض النقاد ان لم نقل غالبيتهم يتهمون هذا الجنس من القص كثيرا .. فمنهم من يراه لونا مخادعا من الصعب توصيفه لما يجمع بين السرد والشعرية ومنهم من يراه سهلا بإمكان أي (مشخبط) ركوب مركبه لكن في الحقيقة هو لون ليس بالسهولة كتابته لما يتطلبه من الاحالة والإزاحة والتشفير والتكثيف والتلغيز والمفارقة وغيرها من الشروط الاخرى ومثلما اختلف النقاد في تسميته اختلفوا ايضا فيمن كتبه لأول مرة فمنهم من يرى ان ناتالي ساروت ( نتاشكا ) هكذا يدلعها الروس هي اول من كتبت فيه سنة 1932 وفي الحقيقة هي لم تكتب الا انفعالات وهي التي اسمتها انفعالات ومن بين انفعالاتها:

كانت تجلس القرفصاء فوق ركن من المقعد وكانت تتلوى مادة عنقها جاحظة العينين وكانت تقول نعم نعم نعم نعم .... فهل هذه قصة قصيرة جدا؟؟

ويرى البعض ان المحامي العراقي عمانوئيل رسام هو اول من كتب قصة قصيرة جدا سنة 1930 بعنوان موت فقير ثم كتب اخرى بعنوان قصة قصيرة جدا وهكذا يكون عمانوئيل رسام اول من كتب في هذا اللون في العصر الحديث ... ولكننا اذا رجعنا نتصفح ادب العراق القديم نجد هذا اللون من السرد، فتعالي معي نقرأ بعض ما اورده عالم الاثار العراقي المرحوم طه باقر في كتابه مقدمة في ادب العراق القديم من القصص القصيرة جدا:

1- الثعلب والبحر

بال ثعلبٌ مرةً في البحر فنظر الى البحر وقال متعجبا متباهيا: أكل هذا من بولي !

2- البعوضة والفيل

وقفت مرة بعوضة فوق ظهر فيل وهو يمشي فقالت: أأثقلتُ عليك يا أخي؟ فإن كنتُ فعلتُ ذلك سأنزل عند بلوغنا مورد الماء فأجابها الفيل من أنت؟ لم احس أنكِ كنتِ فوق ظهري ولن اعرف عندما تنزلين !

3- الحصان والأتان-

أسرّ الحصان في أذن الأتان وهو يسفدها: عساكِ أن تلدي مهراً عداءً مثلي فلا تجعليه كالحمار ينوء بحمل الاثقال !

- الأتان انثى الحمار .

وهنا يتبين لنا ان القصة القصيرة جدا قديمة قدم حضارة وادي الرافدين ولا مجال لإنكار ذلك مهما امعن بعض النقاد في انكارها وجعلها هروبا من كتابة الرواية او القصة القصيرة !!

 

س8: ياسمينة حسيبي: أين انت اليوم من الرواية؟ وكيف عشت تجربة "النوم على سرير العدو"؟

ج8: حمودي الكناني: ما يتعلق برواية النوم على سرير العدو فلقد اكملتها من مدة ليست بالقصيرة وهي كغيرها من كتاباتي مركونه على الرف لغاية في نفس يعقوب ههههههههه، مساكين أهل القلم، أ ليس كذلك ؟ عندما تخفض لي الافكار جناحها وتفرشه برفق سأمتطيه لنجوب معا في عوالم وهواجس النفس .. لربما احد احفادي يجد يوما ارث جده لذيذا فيتبنى نشره ليقول هذا هو جدي !!

 

س9: ياسمينة حسيبي: صرّحتَ مرة في حوار لك بأنك "لستَ بشاعر" رغم أن هناك نقاد كتبوا عن تجربتك الشعرية بإعجاب وبموضوعية. فماذا يمثل الشعر في مسيرتك الإبداعية وما الفرق بين الشاعر وناظم الشعر في رأيك؟

ج9: حمودي الكناني: أترين ذلك الذي يجلس متقرفصا عند تلك الضفة من النهر؟ هو ظلي الذي غضب مني فأبى ألا يبرح القرفصاء .. أسمعتِ حقا صراخي؟ أذن أنتِ المشاهد والسامع الوحيد . فتعالي اذن نمسد ظهر الزمان ليكتب لنا ملحمة المقهورين .. يا صديقتي كل الناس وحتى النباتات والحيوانات تعبر عن خلجاتها، ما رأيك عندما تسمعين هسيس الشجر وترين تمايل اعواد القصب ساعة نسيم عليل، اذن حتى هذا الهسيس والتمايل هو خلجات.

لما قلتُ اني لستُ بشاعر فاني هنا لا اجانب الحقيقة لاني لا اريد ان افرض نفسي على الشعر والشعراء ولكني اريد ان اقربها من النثر لأنه يمنح الحرية والطيران بكل الاتجاهات من غير ان يومئ عليك احدهم ويلكزك بعصاه ان تتوقف عند مطبات لابد من ردمها اولاً . فأنا احيانا كما تتابعين اكتب عمود نثر وليس عمود شعر ولهذا السبب اقول اني لست بشاعر ومهما كان النظم جميلا فحتما لا يتسم بالعفوية ولمعان الصورة وقوة الفكرة ..

مجرد رأي شخصي وللناس ما ترى !

 

س10: ياسمينة حسيبي: في هذه الحالة كيف يكون تقييمك للنص الشعري الحداثي في ظل شيوع ثقافة النت وانتشار المجلات الالكترونية واستسهال الطبع والتكريمات المجانية؟

ج10: حمودي الكناني: عندما اقرأ ما يجعلني ارقص مع السطور وأغني ما أقرأه بلسان عربي فصيح عندها اقول للذي يقول ماذا جرى لك، اقول له أخذني النص فنسيت نفسي، عندما اقول حرف ياسمينة حسيبي ذهبي أنيق فلا أجانب الحقيقة ابدا .. كثيرا ما سرت والشواطئ ورأيت ما عليها من مخلفات على رمالها والحداثة لا تعني الانقلاب وانما تعني مماشاة للعصر وما يفرضه من الفاظ وتعابير ومواضيع ورؤى وصور .. اجد الكثير ممن يكتب (ابدعتي واحسنتي وانتي) يقال عنه شاعر او كاتب اثير ... ولله في خلقه شؤون !

 

س11: ياسمينة حسيبي: النقدية العربية ما زالت تعتمد على التنظيرات الغربية في تأويل وتحليل النصوص الادبية مما يخالف عموما روح النص العربي . أما آن الاوان لكي تستحدث منهجية نقدية عربية معاصرة لتقييم ودراسة النص العربي انطلاقا من بيئته وواقعه الاجتماعي والسياسي؟ ما رأيك، ألسنا أمة الشعر والأجدر بوضع نظرياته؟

ج11: حمودي الكناني: آه من هذا الشعور بالدونية ان صح التعبير وكأننا امة لم ولا تنجب العظماء ولهذا اصبحنا مستوردين للنظريات لا منظرين ولا حتى مفكرين .. يا للهول كلما اعتلى احدهم المنصة راح يسمعنا من الاسماء اللاتينية والفرنسية والانكليزية وكأن امة العرب عبر القرون لم تنجب النقاد والشعراء والمفكرين .. يا لبؤس الحال يا صديقتي .

احسنت الطرح والله لقد آن الاوان لاستحداث هذه المنهجية وفق اسس صحيحة ورسم هوية النظرية النقدية العربية ولدينا من النقاد الكبار المؤهلين الذين تقع هذه المسؤولية على عاتقم وعلينا أن نشد على ايديهم !

 

س12: ياسمينة حسيبي: يتعرض مهرجان المربد الشعري العراقي للكثير من الانتقادات، ما هو تقييمك لهذا الصرح الثقافي في تشجيع الإبداع العراقي الحقيقي؟ وما مدى صحة خضوعه للتّسييس وللشللية؟

ج12: حمودي الكناني: أنت تعلمين كان للعرب سوق يلقي فيه شعراء العرب اشعارهم في كل سنة وهناك من يستمع ويقيم فالجيد منه كان يكتب بماء الذهب والاجود منه يعلق على اركان الكعبة وهكذا خلد الشعراء وخلد شعرهم ... والمربد كان عكاظ العرب كنا نسمع فيه اجمل الشعر والذين يحضرونه كانوا من كبار شعراء العربية ومن كبار الكتاب والنقاد والفنانين فهل مربد اليوم هو مربد الامس .. قطعا اقول لا شاء من شاء وأبى من أبى فلا سوق عكاظ بقي عكاظا ولا المربد يسمعنا في فنائه ما يشنف الاسماع .. لربما تجدينني قاسيا ولكنها الحقيقة التي تزعج الاخرين !!

 

س13: ياسمينة حسيبي: حضور المرأة في إبداعات حمودي الكناني خجول ورمزي .. لكن المرأة العراقية المبدعة حاضرة جدا ومتفاعلة بشكل كبير مع الواقع، ما تقييمك لدورها ولتأثيرها في المشهد الثقافي العراقي وفي التوعية والتنمية؟

ج13: حمودي الكناني: لربما هناك جانب من الحقيقة فيما ذهبت اليه ولكني ضد الفصل هههههههه بين الجنسين فكلاهما عندي واحد رغم اني لا أؤمن من أن مجموع واحد زائد واحد هو اثنان .. اعتقد أن دور المرأة العراقية في الحياة العامة وبالخصوص الثقافية والمعرفية كان وما زال فاعلا الم تكن نازك الملائكة على راس قائمة الرواد، الم تكن نزيهة الدليمي اول وزيرة في خمسنيات القرن الماضي والدكتورة سعاد خليل اسماعيل وزيرة التعليم العالي في سبعينيات القرن الماضي هناك الشاعرات والروائيات والاعلاميات والطبيبات والمهندسات والاستاذات ولا اخفيك القول ان المرأة العراقية الآن تشكل اكثر من نصف المجتمع، أ لم يكن للمرأة الدور الفاعل لما حصل بعضهن على اعداد ناخبين في الدورة النيابية الحالية تفوق الكثير على ما حصل عليه بعضهم حتى اعلى ممن يتبوأ اعلى سلطة في البلاد الآن ... في ايام الحروب التي خاضها العراق لا تجدين غير المرأة في المدرسة والمستشفى والدائرة وحتى المصنع ألا يعتبر هذا مؤشرا على دورها الفاعل .. المرأة العراقية فاعلة بشكل جدي لا ريب !

 

س14: ياسمينة حسيبي: هناك صراع عربي/عربي متجذر والاعتراف به مموّه ويخضع لسياسات دولية لكنه حاضرفي إبداعات المثقف العربي عموما والعراقي خصوصا. فهل استطاع المثقف العراقي أن يؤثر على مجرى الاحداث السياسية في بلده من خلال إبداعاته الادبية؟

ج14: حمودي الكناني: يؤسفني ان اقول لك ان المثقف العراقي اليوم لا تأثير له على مسرح الاحداث لربما اكون مخطئا ولكن الغالبية تصطف وراء قلوبها لا وراء عقولها وشتان بين من يرى بقلبه وبين من يرى بعقله .. أظن عندما ينضب النفط وتمحل الارض ننتبه جميعا اننا لم نقدم ما ينفع الناس ويرأب الصدع .. وا أسفاه لقد ضاعت السلة وضاع معها العنب ... جميعنا خاسرون أين بغداد ولياليها .. أين الموصل وربيعها أين الانبار وأصالتها أين أين أين ............... (متشائم أليس كذلك؟) آه منكن معاشر النساء فأنتن سبب كل مشاكلنا ههههههههههههههههاي يالا نكبر وننسى !!

 

س15: ياسمينة حسيبي: كتبت في إحدى تعاليقك: جماهير "عبيد السلطان" ساهمت بصورة او بأخرى من تمكين السراق من السلطة.." كيف تتوجب توعية هذه الجماهير ودفعها إلى التغيير والوقوف في وجه الساسة المستغلين للسلطة؟

ج15: حمودي الكناني: هناك حاكمية تسيطر على هذه الجماهير اقوى من كل انواع التثقيف والتنبيه والتوعية يا ياسمينة .. حاكمية التمترس وراء الكتل والمذاهب والأعراق والأديان والمناطق لم تنتج وتفرز إلا من ساهم في الخراب وسرقة الممتلكات والمال العام وسيادة الامية واللاوعي .

 

س16: ياسمينة حسيبي: ما رأيك، كمثقف عربي، في التأزيم الطائفي وتأثير التوجهات الحزبية على الإبداعات والسلوكات الثقافية ودورهما في توسيع الهوة بين الأدباء والمبدعين العراقيين من جهة وبين المبدع والمؤسسات الثقافية من جهة اخرى؟

ج16: حمودي الكناني: حالة قائمة وتغذى من الجميع ومهما يصرخ المثقف بوجهها فلا احد يسمع ويستجيب لهذا الصراخ ... وحتى هذه المؤسسات الثقافية هي ذاتها مسيسة ... الكل يضحك على هذه الجماهير والجماهير مرتاحة لهذا الضحك فماذا سيفعل المثقفون بصراخهم؟

 

س17: ياسمينة حسيبي: قلت يوما: " أعيش دائما وحيدا في داخلي وبالرغم من هدوئي فبداخلي غليان .. وحسرة لا تنتهي!!"

لكنك تشتهر بين زملائك وأصدقائك الأدباء بالمشاغبة والمشاكسة وبث روح الفرح وبالقفشات الاستفزازية على الواقع العراقي السياسي المزري. فهل هذا نوع من الهروب من هذا الواقع أم ضماد لجروح الروح؟

ج17: حمودي الكناني: قلت في اجابتي السابقة الكل يضحك على هذه الجماهير والجماهير مرتاحة لهذا الضحك وأنا عندما اكون بين اصدقائي فحديثنا هو حديث الساعة وحديث الساعة مؤلم وواخز كالإبر لهذا تجدينني اشاكس وأشاغب ولنقل أخبث خباثة محببة لكي اضحك واضحك الحاضرين مما يدور وأحيانا يكون داوني بما كان هو الداءُ !

 

س18: ياسمينة حسيبي: ختامه مسك كما يقال، ما رأيك في ان نختم بأهداء صغير لقرائك من عصارة روحك.

ج18: حمودي الكناني: والله لم اجد نصا سواك أقرب الى الروح يا ياسمينة لأنك حينما تكتبين، تكتبين الذي في داخلي فأجدك نصا شديد الاحالة والكثافة والانزياح والضرب بأنامل من وجع على مسميات الزمن الصعب ولسان حالي يقول الان:

 

آه لو كان بيني وبين جدي هاتف نقال

لناديته تعال جدي

احفادك لا يعترفون بإنسانيتك

يقولون اننا ندفع

ثمن ما اقترفت يداك

هل كانت فعلا هفوة

(فحملتنا مالا طاقة لنا به)

أم أنك وجدت في الشيطان ضالتك

تعال جدي اني فعلا اشفق عليك !!

 

ياسمينة حسيبي: لا شك لديّ في أن الُقرّاء الأعزّاء، وخاصة من مُحبّي حرفك والذين يعرفون كم أنت صادق في ارتساماتك وآرائك الأدبية والسياسية، قد استمتعوا بهذا الحوار الذي غلفه الصدق وغلبت عليه روح العفوية والصراحة ..

وبإسم صحيفة المثقف، أشكرك على هذا السفر الممتع في مسافات روحك الغامرة إنسانيّا وأدبيّا، وأتمنى لك الكثير من الصحة والعافية والمزيد من التألق في مسيرتك الابداعية.

 

ياسمينة حسيبي

مدارات حوارية - المثقف

23 - 1 - 2016

hamodi alkenanisalwa farahفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الأديبة سلوى فرح وحوار أجراه معها الأديب حمودي الكناني، فاهلا وسهلا بهما في المثقف

 

هي السلوى وهي الفرح وهي النسمة العليلة التي تفرش جناحيها على مساحة الشوق الى وطن يعبق بشذا الياسمين، العصفورة الدمشقية التي لا تضمر في نفسها إلاّ الحب والمودة للجميع فالحب بالنسبة لها حياة والحياة حب .. ولدت في غمرة الياسمين الشامي وتربت في عائلة محبة للأدب ونهلت من رحيق الليلك .. تتذكر الطيبة والتنور وهمسات عطر الليمون. سلوى فرح الشاعرة الدمشقية المغتربة تُحبّ دائما أن تُنادى بالنسمة .. لأنها فعلا نسمة. حاورتها مباشرة عبر النت فكنتُ اسأل وهي تجيب بكل عفوية وبلا تردد وتفيض طيبة وبساطة وبشاشة، فأهلا وسهلا بالنسمة في مدارات حوارية في المثقف الغراء.

 

س1: حمودي الكناني: أين ولدت سلوى فرح؟

ج1: سلوى فرح: ولدت في سوريا في غمرة الياسمين الشامي، وتربيت في أسرة محبة للأدب والشعر والعلم، ونهلت من رحيق الليلك، وأتذكر الحب والطيبة والتنور، وهمسات عطر زهر الليمون.

 

س2: حمودي الكناني: وماذا بعد؟ أترابك والأزقة والمدرسة والصبية سلوى ذات الضفائر وهي ذاهبة إلى المدرسة كالفراشة؟

ج2: سلوى فرح: يغفو الحنين على شاطئ الأمل .. ويهدأ الحلم بين رموش العاشقين .. اسهر وحيدة.. استرجع ذكريات القرية، والتنور .. وعبق ألليلك الفواح من تلك القرية الدافئة يوقظ براعم النرجس الغافية في نبض قلبي .. وتبرق عيناي دمعاً، ولوعةً .. تداعب زخات المطر الناعمة شفاه الأرض .. فتزدهر أحلام القرنفل وتفوح رائحة التراب عطرا سحريا فواحا..لا عطر يشبه عطر التراب الممزوج بحبات المطر كما عطر بلادي .. وحفيف أشجار التفاح من تلك البساتين يهامس ذاكرتي.. فيزيد صباحي عذوبة وأملاً .. وترتشف أمسياتي منه دفئاً لطيفاً كنت أنتقل بين زهر الجلنار إلى طريق المدرسة وأرفل كفراشة وكل العصافير كانت تتراقص على أغصان الشجر وتغازلني بحنان زقزقتها .

 

س3: حمودي الكناني: سلوى فرح الشابة الجميلة ذات العينين الخضراوين والوجه الصبوح كم مرة صاحت آه من الحب وعمايله؟

ج3: سلوى فرح: الحب حياة والحياة حب.. أنا اتنفس الحب ولا أحيا بدونه

 

أَنْا عصفورتُكَ الدَّمشقِيَّةُ

705-salwaليس لي مأوىً

خارجَ مقلَتَيكَ

أَنا جوريَّتُكَ اَلاِسْتثنائيَّة

ليس لي ندىً إلاَّ من شفَتَيكَ..

لأَجْل آهاتكَ أَنا مُعجَمُ حَنينٍ

لأَجْلِ خَفق ِ قَلبِك

أَنْا مَملَكةُ أنوثَةٍ..

لأنَّك مُعَتَّقٌ

بِنبيذِ الأُسطورةِ

أَنت ملحَمَتي

لأنَّكَ تَمْخُرُ عُبابَ البَحرِ

بأَجنحَة النوارس

أَنْا "ماريا" الحُلم

ولأنَّكَ تَنحَرُ اَلرِّيحَ أَنتَ فارِسي..

لأَنَّكَ قُربانُ المحبةِ أَنْتَ وَطَني..

ولأنَّكَ حبيبي أنا أَحيـا

 

(من قصيدة نداء الروح)

كم أحتاجُ إلى كلمة أحبُّكِ

من جِمارِ روحِكَ

دَعِ الحُبَّ يتَحرَّر على شِفاهِكَ

في كلامِ الحبِّ تكمُنُ منابعُ الحياة

في البَدءِ كانتِ الكلمةُ

فغَدت حياةً حَقيقَةً

قُلْ أُحبُّكِ كَي تتفجَّرُ براكينَ الإبداعِ

وتَنطلقَ بَلابلُ الحُرِّيَّةِ

قُلْ أُحبُّكِ فأكونُ ذاتي

فيُزهِرُ الغارُ في دروبِ العاشِقيْن

قُلْ أُحِبُّكِ بدون حُبِّكِ لا أُريدُ طريقاً

أَحتاجُ نَدى روحكَ ليَفوحَ

عَبقُ السَّوسنِ من أنفاسِيَ

ولدِماءِ فُؤادِكَ... ليَتَفتَّقَ الحَبقُ من عُروقِي

 

س4: حمودي الكناني: ما الذي ورثتِهِ من المرحوم والدك، وكيف تستحضرين ذكراه؟

ج4: سلوى فرح: كان والدي مدرساً للغة العربية، وشاعراً، ويكتب الزجل الشعبي أيضا، وكنت أراقبه وهو ينظم الزجل والشعر، وتأثرت كثيراً بروحه وحبه وتفانيه لذلك، وكنت دائما أكتب وأطلعه على كتاباتي، وكان أثره فعالاً في تدفق موهبتي وإبداعاتي. وما زلت أشعر بالتواصل الروحي معه ومع إلهامه الذي يغذي كتاباتي محبة وإبداعاً.. لقد أورثني روحه الخالدة..

 

س5: حمودي الكناني: يسكنك الشعر الموشى بالورد والمعطر بشذا الياسمين، متى بدأت حكايتك مع الشعر؟

ج5: سلوى فرح: بدأت أكتب القصص وأنا في العاشرة من عمري .. وأرسمها بأناملي البريئة.. وأحوِّلها إلى أشكال كرتونية كأنني أجسِّدها أو أصوِّرها تصويراً..

كانت أول قصيدة كتبتها في سن المراهقة بعنوان "مناجاة السماء" وأذكر أن والدي كان يتعجب من حروفي الخيالية و منذ نعومة أظفاري، كنت أسابق الريح، وأشعر تارة، بأنني حصانٌ أبيض، له أجنحةٌ يطير بها نحو السماء والقصيدة تبرق وميضاً أبيضاً محلقاً ألحق به.

الياسَمينُ يبكي الياسَمينْ

اللَّيلُ يجلدُ النَّهارَ الحَزينْ

وأنا أميرةٌ شاميَّةٌ لاعرشَ لِي

أرقدُ كيمامةٍ في حُضنِ الغُروبْ

أرتجفُ مِن سيلِ الشَّقائِقْ

اِغْتالوا فضائِيَ عَشيةَ أمسْ

قمري يَنتَحبْ

السَّماءُ غَدَتْ قريبةً جداً

لا لونَ لي ... لاظلَّ لي

تساقَطتْ عَناقِيدي

وجَفَّ نَبيذِي

يا قمري الدَّامعْ

يعتَصِرُني الحنينُ إلى تلكَ الليمونة

الغافيةِ على كتفِ أمّي

 

س6: حمودي الكناني: أين تجد سلوى فرح نفسها أكثر في الشعر أم في السرد؟

ج6: سلوى فرح: الشعر هو الحالة الأسمى الذي أجد نفسي فيه، لكنني أكتبُ أحياناً نصوصاً قصصية من واقع الحياة، أجد نفسي في الشعر وفي النثر معا أيضاً، حسب ظروفي النفسية والروحية والإجتماعية والسياسية والأوقات المناسبة لجو الكتابة.

أُريدُ أَنْ أَشرَبَ النَّارَ ثانِيَةً

أريدُ بعضَاً من الشَّمس

وكأسَاً تَجْتاحُكَ

لا تَتَسَكَّعْ في مَسَامَّاتِي حائِراً

اِرْحَلْ بِدَمي

اِجرحْ شَمْسي وهي تَفِكُّ أَزْرَارَها

خُذْ منِّي كُلَّ خَليَّةٍ وعَصَب

غَيْمَةٌ أنا

تَحْتاجُ إلى الرَّحيل ِ أبْعَدَ مِن عَينَيكَ

مَوجَةٌ أنا

تَحتاجُ إلى الإبْحار ِ أَعْمَقَ في شَفَتَيكَ

مَجْنونَةٌ تِلكَ الغُيومِ التي

لا تَمْطرإلا في الشِّتاء

مسْكِينَةٌ تلك الأرواحُ التي

لا تُعانِق الفردوس

 

س7: حمودي الكناني: متى تحتوشك القصيدة؟ هل تحتلك احتلالا مباغتا من غير استحضار؟

ج7: سلوى فرح: بداية القصيدة هي الومضة الالهامية تأتي في خيال الشاعر وتلح عليه في مكان ما في زمن ما للتعبير عن حلة وجدانية او روحية ذات أحاسيس مقرونة بالخيال لولادة القصيدة

وتتملكني الرغبة في الكتابة عندما يصادفني مشهد من مشاهد الحياة، أو عندما تخطر في بالي فكرة من الواقع المعاش، أو عندما يصادفني حدث هام أو موقف معين يستدعي الكتابة، وأحيانا تشع في ذهني القصيدة فأبدأ بكتابة الأفكار التي يجب أت تتضمنها القصيدة ثم أبدأ الكتابة مرات ومرات اكتب وأحذف وأعدل وأغير حتى تنضج،

 

س8: حمودي الكناني: هل سبق وحاولت عمود الشعر أم أنك تجدين قوالب الخليل مقيدة لخيالك؟

ج8: سلوى فرح: لا لم أحاول بعد كتابة الشعر العمودي لأنني أجد الشعر الحر النثري أقرب لروحي ولأسلوبي وخيالي الذي ليس له حدود، رغم ان الراحل والدي كان يكتب بالعمودي... وعلينا ان لا ننسى ان الشعر الحديث فيه صور جمالية رائعة، فضلاً عن الإيقاع الموسيقي الضروري في بناء القصيدة العمودية او الحرة.

 

س9: حمودي الكناني: هل أنت مع من يقسم الأدب إلى نسائي ورجالي أم أنك ضد هذا التقسيم؟

ج9: سلوى فرح: ليس هناك أدب نسائي وآخر رجالي .. هناك فقط ابداع وابتكار في الادب .. شعراً او قصة أو رواية .. توجد نساء أديبات مبدعات ومبتكرات وكذلك يوجد رجال

وأعتقد أن بعض الرجال هم الذين قسّموا الأدب إلى نسائي ورجالي ولسنا نحن النساء،أما بالنسبة لي فلا أرى فرقا بينهما سوى في الكيفية التي يطرح كل واحد منا همومه، لكننا موحدون تجاه هموم الوطن بشكل عام.

 

س10: حمودي الكناني: ما الذي أضافته الغربة إلى تجربتك الشعرية وهل هناك ما يعكس الحنين والشوق إلى ربوع الوطن الأم؟

ج10: سلوى فرح: الغربة هي التي دفعتني للكتابة، وهي التي وسّعت مداركي وعشت حالة الاختلاط الثقافي الغربي والشرقي معا بحسناتها وسيئاتها، وكذلك الحنين للوطن أشعل نار الغربة في جسدي والاشتياق إلى حاراته وجباله وسهوله وسواحله الرملية الذهبية الساحرة والأقارب والأهل وحياة الطفولة بكل حذافيرها.. هذا الاحتكاك صقل موهبتي وحفّزني مثلما حصل مع شعراء المهجر.

الغربة هي المنفى البعيد عن ملاعب الطفولة والأصدقاء... ولقد أضافت كثيراً الى تجربتي الشخصية والشعرية كذلك ... وكثير من قصائدي فيها رموز اللوعة والحنين الى الوطن، كيف وهو القلب ....

 

س11: حمودي الكناني: هل أنصفك النقاد؟

ج11: سلوى فرح: لا أعتقد .. وربما لم يطلعوا على ديوانيي الاثنين ومجموعتي القصصية، رغم انني انشر قصائدي في مواقع عديدة، فضلاً عن صفحتي في الفيسبوك.

لكن الحمد لله لقد نشرت العديد من القراءات النقدية حول إنتاجي الأدبي من قبل الإخوة النقاد والكتاب، في الصحافة المطبوعة والإلكترونية، والمسموعة وغيرها، ولا بد لي في هذا المقام إلا أن أوجه لهم كل التحية والإكبار والشكر الجزيل لهم ولجهودهم المشكورة.

 

س12: حمودي الكناني: هل أثر الفيسبوك على المواقع الإلكترونية الأخرى؟

ج12: سلوى فرح: نعم الفيسبوك يجعل تواصلك مع الاخرين مباشراً وسهلاً وقد أثر على المواقع الالكترونية، رغم أهميتها أيضاً.

 

س13: حمودي الكناني: من برأيك يتسيد قصيدة النثر من الرجال والنساء الآن؟

ج13: سلوى فرح: لا يوجد من يتسيد القصيدة، الابداع الشعري هو الذي يتسيد ورأي الجمهور هو الذي يحدد من هو المبدع ومن هو غير المبدع.

 

س14: حمودي الكناني: وماذا يحمل اصدارك الجديد، هل ينبض بروح سلوى فرح الشفيفة؟؟

ج14: سلوى فرح: خلال الربع الأول من هذا العام، أصدرت معا ديواني الثاني (لا يكفي أن تُجنَّ بي) ومجموعة قصصية (سوار الصنوبر)، صدرا عن دار الفرات للنشر والتوزيع في بيروت، لقد كانا وسيلةً للتعبير عما جال ويجول في خاطري من احاسيس ومشاعر وتجربة غنية اختزنتها ذاكرتي لأحداث مرت في حياتي ومازالت تمر .. الحياة هي نهرٌ جارٍ لن يتوقف فمن هذه الحياة نخلق الشعر والنثر .. نحوّل كل هذه الاحاسيس والمشاعر سواء الفرح او الألم الى قصائد موسيقية ذات ايقاعٍ خاص، تحمل نسمات الهواء العليل وقطرات ندى الفجر، وشرارة نار تدفئ قلوبنا خلال أيام الشتاء الطويل، وقصص نستلهمُ منها العِبَر .. بالتأكيد لولا هذه المشاعر لما تمكنت من تحويلها الى قصائد فهي تنبض من أعماق روحي لتحلق في السماء كطيورٍ مهاجرة لتبحث عن السلام والسعادة والفرح ...

 

س15: حمودي الكناني: ماذا تمثل لك الأسماء التالية:

ج15: سلوى فرح: الماغوط شهيد الشعر

ادونيس: هو شاعر سوري متمكن وفريد في الشعر العربي الحديث

دريد لحام: الفنان الكوميدي الأول في الوطن العربي صرخة الشعوب العربية في وجه الظلم والفقر وهو الابتسامة الحزينة

صباح فخري: مغني القدود الحلبية صوت فرح الانسان العربي

يحيى السماوي: إيقونة السماء وزمردة الشعر،،

سمر محفوض: وردة دافئة فواحة بالابداع تزين خصلات وطني

احمد فاضل: المحبة والعطاء يحمل كل معاني الانسانية في قلب طفل بريء نقي..يرف في سماء الابداع عالياً.

سامي العامري: التميز والابداع فريد في حروفه وأفكاره،عميق جداً وله فلسفة رائعة يدرك من خلالها المعنى الحقيقي للحياة .

 

سلوى فرح: في النهاية شكراً جزيلاً للكاتب الطريف المبدع حمودي الكناني إبتسامة الأدب الدائمة.

 

حمودي الكناني

صحيفة المثقف

hamodi alkenaniyasamyna hasybiفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الشاعرة ياسمينة حسيبي وحوار شامل وصريح أجراه معها الأديب حمودي الكناني، فاهلا وسهلا بهما في المثقف

 

هي ياسمينة حسيبي، اسمٌ على مسمى، كلما سألتَها عن شيء تجيبُك بلغة الشعر فتتركك محلقا معها في فضاءات كل ما فيها يخلب اللب . توخزها أبرُ الذكرياتِ فتزدادُ حنيناً وشوقاً وتقضي نهارَها تتسولُ رائحةَ الأهلِ و"تطلق الآه حينما نشربها كؤوس الشايِ المنعنعِ في الغياب"! ... يوما أضاعت ياسمينة دفتر شخابيطها التي كان " ينفخ فيها جبران خليل جبران لتستحيل بإذنه خواطرَ بنكهة الحلم " في رحلةِ قطارٍ فمرضتْ بداء الشعر حتى استفحل وصار مرضها المزمن وليته كان معديا .

تلقت تعليمها الجامعي بكلية الآداب والعلوم الانسانية بمدينة الدار البيضاء ثم هاجرت الى سويسرا لدراسة التجارة والاشتغال بها في مدينة جنيڤ، عملت مساعدة في تنظيم التظاهرات الثقافية العربية بزيورخ وجنيڤ ومترجمة من الفرنسية للعربية بعدة مواقع وصحف ومجلات بمدينة جنيڤ، لها ديوانٌ قيد الطبع بعنوان "أصابعك تعزفني وردا" وتنشر في العديد من المواقع والمجلات الإليكترونية العربية، مقالاتُها السياسية تُنشر في "رأي اليوم والتجديد العربي "

وتمثل رابطة الكاتبات المغربيات بسويسرا"

فأهلاً وسهلا بشاعرتنا الجميلة ياسمينة حسيبي في مدارات حوارية في المثقف الغراء وكل عام و هي بخير والمرأة العربية بخير!

 

س1: حمودي الكناني: حدثينا عن ياسمينة الطفلة؟

ج1: ياسمينة حسيبي: في وسط محافظ جدّا..

وبمدينة الدار البيضاء الساحلية، رأيت النور، فحاولت أن أعبرهُ رغم " عقدة" الخجل الشديد، مددتُ البصر صوب أمداء الحلم وقطفت الورد الذي غافل العطرَ في مسافاِت الخيال.

ارتأيتُ، وأنا الطفلة الخجولة، أن أكبُر دون إحداث أيّ ضجة، فكانت الكتب تسعني كلما ضاقت بي مساحة العمر.

كنت أستعجل العودة من المدرسة لأنفرد بكتب أمّـي، أفتحها ثم أركض فيها لا ألوي على شَيْءٍ.

ومن جرّاء ذلك، أُصبتُ بــ"وَباء" القراءة، وقادتني الكتب صوب مدارات تتجاوز فهمي وإدراكي الطفولي .

وفوجئ بي أهلي، بعد سنوات قليلة، أدخل سنّ المراهقة وانا أحمل في يدي "خيالاً" أطول من قامتي ..

ولا أحدَ فكّر حينَها أن يقصّ من أطرافه كي يُصبح على مقاسي!

 

س2: حمودي الكناني: نستلقي أحيانا بعد عناء تهَدْهدنا الذكرى فنغمض الأعين مشتاقين، فإلى ماذا تشتاق ياسمينة عندما تحتوشها الذكريات؟

ج2: ياسمينة حسيبي: لا يُسأل "غريب الوطن" عن الذي يشتاقه في لحظة ذكرى!

يكفي أنه يعاني من "أرق الأرض" .. ويقضي النهار يتسوّل رائحة الأهل.

الذكريات لا " تهدْهِد" الغريب بل تَرْقَعه سياطًا من حنينٍ يصبح بعدها يتحاشى الدخول إلى نفسهِ.

وتبقى كلمة شوق عاجزة عن إيصال معنى هذا " الشيء" الذي يصيبني كلما وَخزتني إبَر الذكريات ..

فحنيني " هولٌ" يقبع فوق سطح رُوحــي منذ سنين..

لكني مهما اغتربتُ، يبقى وطني هو ذاته الذي أمسكَ بتلابيب نبضي حين غادرت مطار " كازابلانكا" .

 

س3: حمودي الكناني: متى بدأتِ الحكاية ُ" أنت والحرف"؟

ج3: ياسمينة حسيبي: كلّ ما أتذكره : شخابيط كانت تداهمني في لحظة قلق عارم . فأُصفّفها بيد مرتعشة في دفتر أزرق.

رافقني "دفتري" حتى مقاعد الجامعة ثمّ ضاع مني في رحلة بالقطار الى مدينة فاس..

لقد بكيته بحرقة أم ثكلى .

بكيته لأن جبران خليل جبران كان ينفخ في شخابيطي، لتستحيل بإذنه خواطرَ بنكهة الحلم!  

 

س4: حمودي الكناني: ما الذي دفع ياسمينة حسيبي - الانسانة الشفيفة المحبة لوطنها الكبير - الى الاغتراب والعيش بعيدا عنه؟ أ هو شظف العيش أم فقدان الحب وهشاشة الحبيب ....؟

ج4: ياسمينة حسيبي: * اغترابي كان " ملاحقةً " لخيطٍ رفيعٍ من الحلم!

كان قناعة بأن السنوات التي قضيتها في جامعة الحقوق والعلوم الانسانية بوطني تُعادل ليلة أرق أَعدّ فيها الخراف التي تقفز من فوق السور.

يومهاَ، لم يكن أصعب من الرحيل إلاّ .. أنا!

اخترتُ أن أتورطَ في الحرية بــ "أوْربة عربية"

وما كنتُ لأقترفني في الغربة لولا أن أوروبا رمتْ بنفسها في حضني فوجدتُني أعانقها بكلتا ذراعيّ .. ثم أبكي.

 

س5: حمودي الكناني: أتتوجعين عندما يهمس بأذنك شاطئ المحيط "اني مشتاق لطبع اقدامكِ على رمالي"؟

ج: ياسمينة حسيبي: البحر ذاك المكان/الزمان الذي كبرتُ بفضل تموجه في روحي!

أذكر أني كنت أمشي على صفحته .. نسَبًا ومفاخرة!

أنتمي للبحر بشهادة النوارس وبشهادة خطوي على الرمال .

وكلما تلاطمتْ ذكرياتي، أشتم رائحة البحر وكأنه على كثرة الماء حريق لا ينطفئ في القلب.

ولا أحد يعرف بأنه لم يتبقّ مني سوى: رائحة البحر وإسم وطني.

 

س6: حمودي الكناني: كم مرة تطلقين أه إثرَ آه وعلى ماذا؟

ج: ياسمينة حسيبي: أُطلق الآه حين تشربني كؤوس الشايِ المنعنعِ في الغياب! وحين يلُوح في الأفق حزنٌ بحجم " العرب " فأتدفّق فيه حتى آخِــري.

أُطلق الآه .. على أجساد مفتوحة للرصاص على مدار الساعة

على فراغاتنا المبقّعة بالدم ..

على غريب يمشي في الجهة الاخرى من الثورة ويلوح لي بساقه المبتورة.

على الذين أطلقوا الرصاص على أحلامهم .. ثمّ ناموا في الكهف!

أُطلق الآه .. كلما تذكرت أن انتماءناَ لنفس الطين أصبح مشكوكا فيهِ

وأن أبوابنا الكثيرة لا تُفضي إلى .. شَيْءٍ!

 

س7: حمودي الكناني: الشعر تلك اللغة السامية التي يعبر فيها الشاعر عما يحسه ويراه فمتى يبدأ هاجس بناء القصيدة عند الشاعرة ياسمينة حسيبي، هل تتغشاها إلهاما وتأخذها سكرة، أم حلما له اجنحة يحلق بها؟؟

ج7: ياسمينة حسيبي: ليست لي طقوس معينة في الكتابة، يكفي أن يكون " حضوري كاملاً" عند توزيع شطائر الحلم.

لكني أحس بالحرية عند كتابة نصي الشعري، فالشعر لا يقيّدني إلا بنحوٍ أو بإعرابٍ وما عدا ذلك، أتدفّق على الورق دونما حساب، وعلى طريقتي .

ولعل روعة الشعر تتجلى في كونه كائنا حيّا لكنه لا " يُلمَس" إلا بالروح وهذا ما يفرِّق بين تجربة واُخرى ..

فتجد بعض النصوص الشعرية تُقرأ كـما الصحيفة اليومية وأخرى تُقرأ كـ"استلطاف" للشاعر وثالثة تحوز على نقطة إعجاب أما النصوص الشعرية الحقيقيّة فهي التي تسحبك من روحك صوب الدهشة والجمال من خلال بنائها ولغتها وتقنيتها.

لهذا فهاجسي الشعري يتجاوز نصوصي الشخصية ..

هاجسي هو " قصيدة النثر الحديثة " كتجربة إنسانية تتطور بتطور الزمن وتصنف بمقدار الشعرية فيها وبإيقاعها الداخلي وبخروجها عن المألوف اللغوي والبحث عن تقييمها على أساس "منهجية نقدية عربية حديثة " بعيدًا عن التنظيرات والمصطلحات الغربية التي تجاوزها الزمن .

 

س8: حمودي الكناني: أتابعك فأجدك عاشقة مولهة حينا وحينا عابدة متبلة وكلا الحالتين حب عميق، فمن هو الحبيب؟؟

ج8: ياسمينة حسيبي: أتدري ياسيدي أن هذا هو السؤال الوحيد الذي فكرت فيه مرتين؟

يقول نيكوس كازانتزاكيس الذي ألف الأوذيسة صاحبة الـ 33333 بيتًا:

"أحاول طرد الشعراء من مكتبي، والشعرَ من قلبي. فليتنحَّ هوغو لسافينيي، ولامرتين لجيرِنغ، والشعرُ للواقع. ومع ذلك، أمامي، في اللحظة التي أكتب إليك فيها، فتحتُ دانتي ومانزوني، فيما مكتبي مزيَّن بهوغو وسولوموس. ومع ذلك فمن الضروري أن أصير محاميًا. صراع رهيب يحتدم فيَّ، وآمل أن أحبَّ الحقوق. غير أن الشعر يستحوذ عليَّ. إنه مثل ساحرة عاشقة جميلة، في نهديها ينسى المرء كلَّ العذابات وفي نظرتها يشعر بارتعاشة اللذة "

أنا أيضاً درست المحاماة لكن الشعر استحوذ علي وأهداني حبيباً أطولَ قامة من خيالي وأكبر عمرًا من تجاربي، يأتي ويحضر معه كل أصناف العشق والتصوف، يأتي فيحررني ويسكب الضوء في روحي ثم يفتح لي الباب كلما أردت ان ادخل نصّا شعريا جديداً.

 

س9: حمودي الكناني: كلهم أولادي، هذا ما دأب عليه الأدباء، كل الأدباء تقريبا، حينما نسألهم عن أحب اعمالهم إلى قلوبهم فهل نعتبر ياسمينة استثناء وتبين لنا أحبهم الى قلبها؟

ج9: ياسمينة حسيبي: في انتظار أن تنضج تجربتي، لا يحق لي أن "أفاضل" بين نصوصي الشعرية، فكل نص يمثل " فترة معينة" من منجزي بحسناتها وسيئاتها وربما أَحب الأعمال إلى قلبي هي تلك التي لم أكتبها بعد!

لكني أحسّني قريبة جدا من نصي " لا تُعَنْـــوِنُنِي القصائد" الذي أقول فيه:

"وإنِّـي لَأخشى عليـكَ من غـنـج الورد الأثيم

ومن عِــطـر يستأنفكَ في القواريرِ

أخشى عليــكَ مِـنّي ..

فأنا المكشوفة أوراقي في غموض النساءِ

تُحاصرني الحقائب بثلج الرحيلِ

أنا السّاكنة في الخامِس من طوابق الريح ..

حيث لا تُمسكُ بي يدُ القلب

أنا التي تُنازعكَ العطش عند منهل الماء!

شغفي بكَ كما بِالمطر : أتُــوقُه وأحتمي منه  

إمرأة .. لا تُعَنْـــوِنُها القصائد

ويرتَكِـبُها الشِّعر بقدسيّة الزلَـلْ "

 

س10: حمودي الكناني: هل أجلستْ ياسمينةُ يوماً قلبَها على كرسي الاتهام وتلجلج في الدفاع عن نفسه؟

ج10: ياسمينة حسيبي: لا أبدًا لم يحصل ..أنا مدينة لقلبي بالكثير

فهو الوحيد الذي لا يطرح عليّٰ الاسئلة!

وهو الوحيد الذي فتح لي الموصد من أبواب الحياة بما في ذلك باب الشعر ويكفيه ذلك براءةً من كل اتهام .

 

س11: حمودي الكناني: طيب سيدتي الجميلة، طلبتُ منك أن تحدثيني عن ياسمينة الطفلة، لربما عن ظفائرها، عن حقيبتها المدرسية وعن ..وعن فبماذا تحدثيني عن ياسمينة المرأة الشاعرة؟؟

ج11: ياسمينة حسيبي: ربما أهم ما يميز ياسمينة الشاعرة هو أنها لا تطرح نفسها كسؤال على العالم من حولها .

انا أكتب على طريقتي وبما يتماشى مع رؤيتي الشخصية للشعر بمفهومه الإنساني وليس بمفهومه " المهرجاني أو الجوائزي" لا أكتب الشعر من أجل " التواجد" بل لأقدم شيئا جميلا أجد فيه نفسي .

أبتعد عن تكرار نفسي لهذا فانا مقلّة في الكتابة والنشر واستغرب جدًا ممن يكتبون وينشرون نصين أو ثلاث نصوص شعرية كل أسبوع مع التحفظ على معنى "النص الشعري".

أتساءل فقط كيف يمكن ذلك؟

أضع نصب عيني أنه فيما مضى كان الشاعر ينظم القصيدة في شهر، ثم ينقّحها في عام وإن كان الزمن قد تغير إلا أني أؤمن بأن كتابة النصوص الشعرية حتى الرديئة منها تحتاج على الأقل لــ" حضور كامل" للشاعر في نصه.

 

س12: حمودي الكناني: الشعرُ ... آه منه ومن الشعراء .. يُقلب فينا المواجع، يجعلنا نجافي الكرى ... يجعلنا نمسك بمقابض النوافذ كأننا نريد كسرها عن عمد،

أهُم الشعراء وحدهم يريدون الانقلاب على المألوف القاسي أم هو مجرد إيهام؟

ج12: ياسمينة حسيبي: الشعر يعبر عن قلق الانسان، عن تقصيه لليقين من خلال الشك.

وعليه، فالشعر وإن كان في غالب الوقت مشخصنا في مضمونه إلا أنه يتجاوز الذات والزمكانية في رسائله الإنسانية.

هذا من جهة المضمون، اما شكلاً، فالشعر وحده قادر على إخراج الكلمة عن المألوف وشحنها بالدَلالات الغيْرِ مألوفة من خلال منظومة الخلق والتوليد.

ويري "بيليز " أن الشعر توسيع المعرفة المتداخلة كأنّ الشخصي يساوي السياسي، والسياسي يساوي الشخصي.

وكم من الأحداث سقطت سهواً من التاريخ فعثر المؤرخون على تفاصيلها منقوشة في قصيدة لشاعر معروف أو غير معروف .

وخلال قرون من الزمن كان للشعر الوجداني والسياسي تأثيرهما سواء انسجم مع رؤى العامة أو تقاطع معها.

 

س13: حمودي الكناني: عالمنا اليوم يفتقد عناصر التوازن . هناك قوة أحادية تخطط وترسم وتدبر وهناك جهات منفذة .... فهل من خلاص واعادة التوازن العالمي لتجنيب العالم ما يعرف بالفوضى الخلاقة التي بدأت تأكل كل شيء؟

ج13: ياسمينة حسيبي: وحدثَ من شدة الفرح أن اطلق احدهم النار في الهواء احتفالا.. فأصاب العريس وقتله وهذا يشبه الى حدّ كبير ثورات الاوطان العربية.

كلنا نعرف أن الفوضى الخلاقة بالمعنى السياسي لمايكل ليدين هي مشروع التغيير الكامل في الشرق الاوسط الذي أُعِد في 2003 والذي يقوم على أساس الهدم ثم إعادة البناء أي بمعنى الصدمة الكهربائية التي تعيد الحياة، لكن الحديث عنه يستلزم عدة صفحات لهذا سألخص القول بأن ما حدث من زعزعة للأنظمة العربية كان بمؤشرات تتماشى مع المصالح السياسية والاقتصادية الامريكية والاسرائيلية بمنطقة الشرق الاوسط.

وقد وجدتْ في بؤس الانظمة العربية غايتها فتحول العالم العربي بين ليلة وضحاها إلى ميدان حرب بلا مستقبل واستيقظت النعرات الطائفية مستغلة الفروقات العرقية والدينية والعشائرية فأفضت الى كوارث سياسية واجتماعية دراماتيكية لتجد امريكا نفسها تتعامل مع تنظيمات وعصابات وميليشيات عوض الحكومات.

الفتيل اشتعل اكثر حين قدمت امريكا دعمها للإسلام السياسي الذي احتكر ما سمي بالثورات ثم سار ضد خططها فيما بعد، مما أدى الى تضارب سياستها مع حلفائها في المنطقة مع تقارب أمريكي / ايراني زاد من انقسام الادارة الامريكية على نفسها وتقارب سعودي/ إسرائيلي مضاد، ناهيك عن فشل امريكا والدول الغربية في الملف السوري واستعادة روسيا لدورها الفاعل كمنافس أو كبديل في المنطقة. ولهذا يصعب التكهن بالمستقبل في ظل التغييرات الجذرية التي ستطرأ على التحالفات بالمنطقة والتي تنذر بسايكس بيكو جديد تشجعه حكومات عربية في وضع مهترئ وصعود "مخرّب" للتنظيمات الأصولية المتطرفة التي أؤمن بانتهائها قريبا لأنها تنظيمات لا قدرة لها على البناء.

 

س14: حمودي الكناني: الآن تخيلي أنك الامين العام للأمم المتحدة فماذا تقولين في أول خطاب موجه للعالم أجمع؟

ج14: ياسمينة حسيبي: لا يمكنني أن أتخيل ذلك ..

فالأمم المتحدة التي تأخذ قراراتها وفق السياسة الامريكية وخُططها، لن تعيد الكرَّة وتمنح فرصة تولّي هذا المنصب لـ"عربي" آخر بعد بطرس بطرس غالي الذي لم يحظ بموافقة أمريكا للتجديد في منصبه عكس كل الأمناء قبله وبعده.

ومع ذلك، سأحاول أن أفترض بأني "عربية" تتوجه الى العالم فتقول:

" أيها العالم، أرأيتَ هؤلاء الأطفال اليتامى الذين يبتسمون في وجهكَ كالملائكة؟

إنهم يقفون الآن في منتصفِ التَعب ما بين الثلج والإرهاب!

يسألونك لماذا يموت آباؤهم ؟

ستكون مجبرًا أن تخبرهم يوما بأن آباءهم ماتوا في حروب وهمية، أختُلقتْ بسبب البترول وكساد الأسلحة في مصانع أمريكا.

 

س15: حمودي الكناني: هل ستتولى المرأة القيادة يوما وتقول للرجل تنحّ ايها المكابر ما عدت تقدر على فعل شيء فالدور ليس لك؟

ج15: ياسمينة حسيبي: في الغرب حدث الأمر وانتهى!

أعيش في بلد تحكمه امرأة وأجاور بلدًا تحكمه امرأة ( سويسرا وألمانيا)

أما اذا كان السؤال يهمّ المرأة العربية فأنا أؤكد لك أن :

" مستقبلها أصبح مجهولا" في ظل تردّي الأوضاع من جراء كذبة كبيرة اسمها الربيع العربي.

وانها اليوم تسعى فقط لاسترداد ما كانت قد كسبته قبلاً من حقوق بعد صراع مرير لأجيال وأجيال.

ففي ظلّ "الرقّ الحديث" بالوطن العربي والذي تباع فيه النساء في سوق الرقيق وتُوزع كغنائم حرب بإسم الإسلام، سيصبح الحديث عن تاريخ المرأة العربية يحدّد بما قبلَ .. وما بعد داعش!!!

 

س16: حمودي الكناني: هل يجانب النقد الحقيقة احيانا بسبب علاقة الناقد الشخصية بالاديب؟

ج16: ياسمينة حسيبي: نعم للأسف وفي أغلب الأحيان!

حيث أصبح من الشائع اليوم، بروز أسماء لشعراء وشاعرات والاحتفاء بمنجزاتهم ومنجزاتهن رغم افتقارها لشروط الصنعة الابداعية لا سيما بعد أن انتشرت في الساحة الشعرية النباتات الطفيلية التي لا علاقة لها بالشعر أو بالنقد وكثرت دور النشر والكتب التي لا تستحق الطباعة ولا حتى النشر فَظهر نتيجة كل هذا " أدب المحاسيب" الذي يعتمد على الشللية والإخوانيات والمحاباة وانتشرالرياء النقدي والتلميع الاعلامي وأصبح أغلب الابداع رهين بمصالح متبادلة فغابت المعايير الحقيقية للنقد والتي من المفروض أن تقطع بين الحقيقي والمزيف من الابداع مما أثر على ذائقة المتلقي وتراجعت ثقته في الشعر وفي الأدب بصفة عامة.

 

س17: حمودي الكناني: من من الشعراء هو الاقرب في شعره الى هواجس ومكامن روح الشاعرة ياسمينة وما هو النص الذي كتبه شاعر تتمنين لو أنك كتبتِهِ؟

ج17: ياسمينة حسيبي: القصيدة النثرية اليوم في مأزق اذ أصبحت أغلب النصوص الشعرية تتشابه الى حد كبير ومن الصعوبة البالغة أن تجد نصاّ شعريا يلمس رُوحــكَ بكلماته ..

لهذا فأنا اقرأ فقط .. لمن يسحبني بعيدا عن هذه الربكة الحاصلة في المشهد الشعري ويجعلني أدخل عوالم " الحرية الشعرية" من بابها الواسع . اقرأ لمن يجدد " الرؤيا" في الواقع من خلال نصوصه الشعرية ويقفز على المفاهيم المألوفة بغض النظر عن الأسماء .

أمّا النص الذي تمنيت لو اكون كاتبته فهو قصيدة " القصيدة " للشاعر الفلسطيني الراحل معين بسيسو، فحين اسمع صوت الفنان الراحل كرم مطاوع يردد " سفرٌ .. سفرْ" تشتعل الحرائق في روحي ولا يهمني بعدها أن يهطل المطرْ!

http://youtu.be/HGCyijPvJIw

 

ياسمينة حسيبي: كل الشكر والتقدير لك أيها الأديب القدير حمودي الكناني .. لأنك فتحتَ الباب وجعلتني أدخل إلى نفسي وأخرج منها دون .. خسائر فادحة!

 

خاص بالمثقف

 

حمودي الكناني

صحيفة المثقف

hamodi alkenaniali saediالحلقة الرابعة من مدارات حوارية حيث يستضيف الاستاذ حمودي الكناني، الاديب والباحث د. علي السعدي في حوار شامل وصريح  فاهلا وسهلا به في صحيفة المثقف.

س7: حمودي الكناني: كيف للشيعة أن يخرجوا من حالة التفجع والنواح والشعور بالمظلومية والتوجه الى المشاركة الفاعلة في بناء وطن تسود فيه العدالة الاجتماعية ويكون انموذجاً؟؟

ج7: د. علي السعدي: قد يكون الجواب بالإيجاب، هو الأقرب، فالالتزام الشيعة يغلب عليه الوجداني أكثر من الإيماني، بمعنى أن الارتباط بالكثير من المقولات عن الحقّ الإلهي بالخلافة والإمامة المعصومة والثورة ضد الظلم التي قادها الإمام الحسين، كلها ذات إحالات وجدانية لاتدخل بالضرورة ضمن المقدس الإيماني كما هو منصوص عليه في مصدريه الرئيسان (القرآن والحديث الشريف)، ويمكن الاستدلال على ذلك بدءاً من السلوكيات المتعلقة بالممارسة السياسية الملتبسة ذات الإحالات المعتقدية لدى الفئة الأكبر عددياً في المجتمع العراقي ـ أي الشيعة ـ فحركة التشيع في العراق وعلاقتها بالعمل السياسي ومشروع بناء الدولة، لم تشكل عاملاً محورياًً في حركتها وتوجهاتها كما كان عليه الحال في حركات التشيع الأخرى، ذلك لأن التشيع في العراق، أنبثق وترعرع كحركة شعبية وجدانية أخذت بعدها السياسي في المراحل الأولى لأنطلاقتها بعد واقعة كربلاء، وقد تمثل ذلك في المطالبة الصريحة بالإنتقام لمصرع الإمام الحسين وآل بيته، وإعادة الأمور الى نصابها في موضوع الخلافة، ومن ثم تمحورت الثورات المتعاقبة للشيعة على هذه المطالب بشكل أساس، وإستمرت كذلك الى حين غيبة الإمام المهدي ـ حسب المعتقد ـ مما أحدث تحولاً في المسار الشيعي أدى الى الإبتعاد ـ كلياً أو جزئيا- عن الفعل السياسي المباشر، ومن ثم دخل الفكر السياسي عند شيعة العراق، بنوع من الكمون الذي تحول الى ضمور فيما بعد، فغيبة الإمام أفقدتهم الدافع المحرك للثورة، ومع عمليات القمع المتواصلة التي تعرضوا لها من قبل السلطات المتعاقبة، توالدت القناعة بإستحالة المواجهة، وبالتالي الإكتفاء بالمحافظة على الذات .

وهكذا نشأ ذلك الوضع الإشكالي الذي أفقد الشيعة المهارة والقدرة على إدارة صراع ذي طبيعة سياسية، وتوالى زخم الإجتهادات والفتاوى التي تحرم التعاطي مع الدولة ومؤسساتها، أنتظاراً لمشروع دولة العدل الإلهي التي ستقام بظهور المخلّص .

ولما كان الفكر السياسي لا ينشأ ويتطور الإ من خلال الحراك السياسي والإنخراط المباشرفي مشروع الدولة بكل مكوناتها ـ هيئات مدنية أو سلطة أو معارضة تقدم بدائل سياسية ـ كما اسلفنا، لذا تحولت حركة التشيع في العراق من ثورة تطرح مطالب سياسية واضحة ترفدها إيمانيات ومعتقدات راسخة وقوية، الى حالة وجدانية تفجعية مجردة، إنطلاقاً من واقعة كربلاء التي أضفى اليها المخيال الجمعي، سمات أسطورية تجسدت حتى في التشكل النفسي لدى الإنسان الشيعي في العراق، ذلك التشكل الذي ساهم الى حدّ كبير في إستمرار وصمود حركة التشيع العراقي، التي لم تنجح معها تبعاً لذلك، حالات الإستئصال والإنحسار كما حدث في الدولتين الحمدانية والفاطمية، لكنها بقيت عند هذه الحدود .

وعليه أخذت تلك المتراكمات في النظرة الى العمل السياسي لشيعة العراق، دورها ومسؤوليتها فيما آلت إليه الأمور لاحقاً، بدءاً من تشكل العراق الحديث بعد ثورة العشرين، فلم يكن هناك ما يمنع الشيعة من رفع مطالب المشاركة بالحكم، أو حتى إجراء مساومات مرحلية كانت تفرضها المعطيات والظروف القائمة آنذاك، لو أحسنوا قراءة الأحداث بدقة كانت تتطلبها معرفة ومراس سياسيين، وثمة أزمنة مفصلية وتجارب دامية مرت قبل ان تتموضع اللبنات الأولية لفكر سياسي ينشدّ إلى التبصر والإتعاض والنزول الى عالم المحسوسات .

 

س8: حمودي الكناني: لو احصينا الذين يحملون شهادات عليا في العالم العربي بصورة عامة والعراق بصورة خاصة لوجدنا العدد مهولا لكننا بالمقابل لا نجد لهم منجزا على مستوى الفكر والنظرية، أي ما زلنا امة مستوردة للفكر والنظريات ....أين يكمن الخلل ؟؟

ج8: د. علي السعدي: في سياق الحديث عن الجانب المعرفي عند العرب، يلاحظ كثرة إختلاط المفاهيم المستخدمة في الفكر العربي عموماً، حيث يجري تناول مفهومين مختلفين ووضعهما من ثم في معنى واحد، على رغم الفارق بينهما، ما يقود بمحصلته إلى إرباك في الفكرة وتشوش في المضمون.ِ

مما لاشك فيه ان المعرفة بمفهوم الحداثة، مرتبطة بنتاج الفكر، إذ يصعب فصل المعرفة عن كونها منتج قابل للتحول إلى معلومة تؤثر بدورها على تطوير المنتج المعرفي، وبالتالي فالمعرفة ليست تراكمية بالضرورة، بمقدار كونها إبداعية .

إذا أتيح لنا قبول مفهوم كهذا عن المعرفة، يمكن من ثم الدخول في شروط إنتاج المعرفة أو العوامل الدافعة إلى أو المساعدة في حصول ذلك المنتج ونوعيته وجودته، حيث يشكل توافر المعلومة وتراكماتها، المناخات الملائمة لإنتاج المعرفة، لكنها لاتقود إليها بصورة آلية .

لابد أن هناك مجموعة من العوامل التي تلعب دوراً فاعلاًً في الإنتاج المعرفي، يأتي في مقدمها مفهوم الحرية، سواء في أنساق المعرفة وأنماط الفكر، أو في تحويل المنتج المعرفي إلى معلومة متحصله أو يمكن تحصيلها، وعلى هذا ينبغي التفريق بين استخدام المعلومة كنتاج للمعرفة، وبين تحصيل المعرفة ذاتها، ففيما يبدو الأمر الأول متيسراً، يظهر الثاني بكونه مستحيلاً إذا فصل عن شروط إنتاجه الموضوعية .

مايعانيه العرب في حالتهم الراهنة، يقع في تلك الإشكالية المفهومية، فهم حين يستحصلون على المعلومة - دراسة أو إمتلاكاً للتكنولوجيا أو إطّلاعاً عليها - فإنهم ينزعونها من عوالمها المعرفية التي ساهمت في إنتاجها، ليدخلوها من ثم في قوالبهم الآيديولوجية أو الدينية المحدودة أو المحددة في تفسير النصّ، وهو ماتظهر محصلته في معادلة : إستخدام المعلومة لمحاربة المعرفة .

تلك حالة كانت وماتزال موضع بحث عند المشتغلين العرب في توليد الأفكار والنظريات التي تقولبت بمعظمها في نظرية مؤامرة تتعرض لها " الأمة " في ماضيها كما في حاضرها، وهي مقولة أراحت الفكر العربي عن بذل جهد في البحث عن مجالات أخرى خارجاً عن ملامس تلك المقولة .

ينقسم العرب بصورة عامة حسب أنظمتهم السياسية إلى : أنظمة راكدة وأنظمة مضطربة، يشمل الصنف الأول بصورة أساسية : الملكيات والإمارات، كالسعودية والمغرب وإمارات الخليج والأردن، وهذه الدول رغم استهلاكها المفرط للمعلومة في تحسين أوضاعها المجتمعية، ورغم الإستقرار الظاهري – سياسيا واقتصادياً – الذي تتمتع به، إلا إنها في واقع الأمر راكدة معرفياً وبالتالي فهي الأكثر

(إنتاجاً) لدعاوى التطرّف المناهضة لعوالم إنتاج المعرفة والداعية إلى محاربتها، ذلك لأن هذا النمط من الأنظمة قد يتسامح في أخذ الليبرالية بصيغتها الإقتصادية، لكنه يفصلها عن ليبراليتها الفكرية، كما يرفض بشكل مطلق منهج العلمانية في السياسة، التي نشأت الليبرالية وتطورت كأحدى نتاجاتها أو في ظلّ تأثيرات أحداهما على الأخرى .

إن الفارق بين الاستقرار والركود، هو كالفارق بين النهر الجاري والبرك الساكنة، ففيما يمثلّ الأول مبعثاً للإخضرار، تكون الثانية مصدراً للتأسن، لذا يلاحظ غياب الإنتاج المعرفي بصورة شبه تامة عن تلك المجتمعات، فيما تتصدرفيها دعاوى التكفير وأفكار التطرف وظاهرة الإنتحاريين، واجهة المشهد، لتبرز بإعتبارها المصدر والحاضنة لظاهرة باتت تتصادم والمجتمعات البشرية برمتها، وهي مسنودة بفتاوى دينية ودعم مالي وإنتحاريين منفذين، تأتي بمعظمها من الدول الراكدة معرفياً -.

في جانب آخر، تنظر تلك الأنظمة إلى الحرية باعتبارها امتيازاً خاصاً لاينبغي منحه الا لطبقة معينة في الحكم أو قريبة منه، وعليه ففي الوقت الذي تستأثر فيه الطبقات الحاكمة بكامل منسوب الحريات السياسية، فأنها تقنن ذلك النوع من الحريات على المجتمع أو تسيطر عليها بشكل مطلق، إنها تعمل بوجه الأجمال وفقاً لمقولة ولي الأمر الواجبة طاعته مادام يملك قوّة الشوكة " من قويت شوكته وجبت طاعته " وبالتالي فبعض الأشكال من الممارسة الديمقراطية المسموح بها في بعض الكيانات السياسية – الكويت، الأردن – البحرين - قطر – لاتتجاوز في الواقع سقف الحقّ المطلق للأسرة الحاكمة، لذا تبقى الديمقراطية تعمل على مبدأ " الهبة " التي تمنح بقرارمن الملك أو الأمير غير المستمدة شرعيته من صناديق الاقتراع، إنما يستند الى قاعدتين لاعلاقة لهما بالمجتمعية المحكومة : " التفويض الإلهي " وإرث العائلة المالكة، تلك التي أسست أو ساهمت في تأسيس ذلك الكيان (آل سعود – آل نهيان – آل تيمور – آل ثاني – آل القاسمي --- الخ) وبالتالي فتلك "الهبة" يمكن إلغاؤها إذا لم تستخدم وفق إرادة الواهب، لأنها ليست حقّاً إجتماعياً مكتسباً دستورياً .

على ذلك، لم يسجّل في ذلك الجزء من المجتمعات العربية، أية ظاهرة للإنتاج المعرفي، مقابل ظهورها كمستهلك نموذجي لنتاج المعرفة المتمثل بتحصيل المعلومة واستخدام التكنولوجيا – الجانب التطبيقي العملي – مع عزل شبه تامّ للجوانب الفكرية، لذا ندر ظهور مفكرين أو علماء اجتماع أو فلاسفة أو ماشابه، أثروا الفكر الإنساني أو ساهموا بصنعه، وكل من ظهر على هذه الشاكلة، كان أقرب لإستهلاك المادة الفكرية، منه إلى مبدع أصيل للمعرفة، رغم مايمكن ان توفره المجتمعات العربية من مادة أولية للإنتاج المعرفي، لذا امتلأت البحوث والدراسات والمؤلفات العربية، بهوامش واقتباسات واستشهادات وإحالات واسعة لمفكرين غربيين في مختلف العلوم.

الثنائية المقابلة في النظم العربية، هي مايمكن أن يطلق عليه : الأنظمة المضطربة، وهي كلّ الأنظمة الجمهورية – عدا لبنان والعراق – التي تحكم بقية الأقطار العربية، إستناداً الى قوتها في أجهزتها العسكرية، التي أعدّت أساسا لحراسة النظام .

وعلى رغم أن تلك الأنظمة لا تختلف في الجوهر عن الأنظمة الراكدة، إلا ان مجتمعاتها تبدو أكثر قدرة على الحراك، فهي في مستوى إقتصادي متدن قياساً بمجتمعات الأنظمة الراكدة، وبالتالي فما تستطيع الأنظمة الجمهورية تقديمه من خدمات إلى مواطنيها، ليس متكافئا بما " تقدمّه " من قمع بالمقابل، حيث لاتمتلك وسيلة أخرى للحفاظ على الإنتظام العام، في وقت تفتقد فيه ماتملكه الأنظمة الراكدة من متكئات الحكم (الحقّ الإلهي ومفهوم العائلة المالكة) كما أسلفنا، لذا كان التمسّك بالسلطة، أكثر قابلية للإضطراب، بإعتبار ان القوّة وحدها يمكن أن تكون مصدراً لشرعية الحكم، وهو أمر بإمكان أي مغامر توفيره، لذا كان هاجس الإنقلاب العسكري دائم الحضور في النظم الجمهورية العربية، فيما يندرذلك الإحتمال في النظم الراكدة إلا في الأسر المالكة نفسها، كما حدث مع ملك البحرين الذي انقلب على والده (يذكر هنا الإنقلاب الفاشل للجنرال محمد أوفقير في المغرب ضد الملك الحسن الثاني) .

كان إنقلاب عام 1958 في العراق، هو أحد ثلاثة إنقلابات ناجحة ضدّ الملكيات (إنقلاب 1952ضد الملك فاروق في مصر – وانقلاب القذافي ضد إدريس السنوسي في ليبيا عام 1969) كذلك كان هو الانقلاب الوحيد في الجزء الآسيوي من العرب - الذي يحمل أكبر قدر من الممالك والإمارات - وربما كان للوضعية الاستثنائية للأسرة الحاكمة في العراق دور في ذلك، فهي الأسرة الوحيدة التي كانت تحكم بلاداً ليست منها، لذا سقطت بالسهولة التي جاءت بها لأنها لم تجد من القوى الإجتماعية، من هي على استعداد للدفاع عنها .

خلاصة القول أن تزايد حملة الشهادات العليا هو تراكم كمي بقي على ماهو عليه من دون أن يفرز حجماً نوعياً إلا مانادر، اذ غالباً ما اقتصر على اكتساب المعلومة دون إنتاج المعرفة .

 

hamodi alkenaniali saediالحلقة الثالثة من مدارات حوارية حيث يستضيف الاستاذ حمودي الكناني، الاديب والباحث د. علي السعدي في حوار شامل وصريح

hamodi alkenaniali saediالحلقة الثانية من مدارات حوارية حيث يستضيف الاستاذ حمودي الكناني، الاديب والباحث د. علي السعدي في حوار شامل وصريح