hamodi alkenaniali saediالحلقة الرابعة من مدارات حوارية حيث يستضيف الاستاذ حمودي الكناني، الاديب والباحث د. علي السعدي في حوار شامل وصريح  فاهلا وسهلا به في صحيفة المثقف.

س7: حمودي الكناني: كيف للشيعة أن يخرجوا من حالة التفجع والنواح والشعور بالمظلومية والتوجه الى المشاركة الفاعلة في بناء وطن تسود فيه العدالة الاجتماعية ويكون انموذجاً؟؟

ج7: د. علي السعدي: قد يكون الجواب بالإيجاب، هو الأقرب، فالالتزام الشيعة يغلب عليه الوجداني أكثر من الإيماني، بمعنى أن الارتباط بالكثير من المقولات عن الحقّ الإلهي بالخلافة والإمامة المعصومة والثورة ضد الظلم التي قادها الإمام الحسين، كلها ذات إحالات وجدانية لاتدخل بالضرورة ضمن المقدس الإيماني كما هو منصوص عليه في مصدريه الرئيسان (القرآن والحديث الشريف)، ويمكن الاستدلال على ذلك بدءاً من السلوكيات المتعلقة بالممارسة السياسية الملتبسة ذات الإحالات المعتقدية لدى الفئة الأكبر عددياً في المجتمع العراقي ـ أي الشيعة ـ فحركة التشيع في العراق وعلاقتها بالعمل السياسي ومشروع بناء الدولة، لم تشكل عاملاً محورياًً في حركتها وتوجهاتها كما كان عليه الحال في حركات التشيع الأخرى، ذلك لأن التشيع في العراق، أنبثق وترعرع كحركة شعبية وجدانية أخذت بعدها السياسي في المراحل الأولى لأنطلاقتها بعد واقعة كربلاء، وقد تمثل ذلك في المطالبة الصريحة بالإنتقام لمصرع الإمام الحسين وآل بيته، وإعادة الأمور الى نصابها في موضوع الخلافة، ومن ثم تمحورت الثورات المتعاقبة للشيعة على هذه المطالب بشكل أساس، وإستمرت كذلك الى حين غيبة الإمام المهدي ـ حسب المعتقد ـ مما أحدث تحولاً في المسار الشيعي أدى الى الإبتعاد ـ كلياً أو جزئيا- عن الفعل السياسي المباشر، ومن ثم دخل الفكر السياسي عند شيعة العراق، بنوع من الكمون الذي تحول الى ضمور فيما بعد، فغيبة الإمام أفقدتهم الدافع المحرك للثورة، ومع عمليات القمع المتواصلة التي تعرضوا لها من قبل السلطات المتعاقبة، توالدت القناعة بإستحالة المواجهة، وبالتالي الإكتفاء بالمحافظة على الذات .

وهكذا نشأ ذلك الوضع الإشكالي الذي أفقد الشيعة المهارة والقدرة على إدارة صراع ذي طبيعة سياسية، وتوالى زخم الإجتهادات والفتاوى التي تحرم التعاطي مع الدولة ومؤسساتها، أنتظاراً لمشروع دولة العدل الإلهي التي ستقام بظهور المخلّص .

ولما كان الفكر السياسي لا ينشأ ويتطور الإ من خلال الحراك السياسي والإنخراط المباشرفي مشروع الدولة بكل مكوناتها ـ هيئات مدنية أو سلطة أو معارضة تقدم بدائل سياسية ـ كما اسلفنا، لذا تحولت حركة التشيع في العراق من ثورة تطرح مطالب سياسية واضحة ترفدها إيمانيات ومعتقدات راسخة وقوية، الى حالة وجدانية تفجعية مجردة، إنطلاقاً من واقعة كربلاء التي أضفى اليها المخيال الجمعي، سمات أسطورية تجسدت حتى في التشكل النفسي لدى الإنسان الشيعي في العراق، ذلك التشكل الذي ساهم الى حدّ كبير في إستمرار وصمود حركة التشيع العراقي، التي لم تنجح معها تبعاً لذلك، حالات الإستئصال والإنحسار كما حدث في الدولتين الحمدانية والفاطمية، لكنها بقيت عند هذه الحدود .

وعليه أخذت تلك المتراكمات في النظرة الى العمل السياسي لشيعة العراق، دورها ومسؤوليتها فيما آلت إليه الأمور لاحقاً، بدءاً من تشكل العراق الحديث بعد ثورة العشرين، فلم يكن هناك ما يمنع الشيعة من رفع مطالب المشاركة بالحكم، أو حتى إجراء مساومات مرحلية كانت تفرضها المعطيات والظروف القائمة آنذاك، لو أحسنوا قراءة الأحداث بدقة كانت تتطلبها معرفة ومراس سياسيين، وثمة أزمنة مفصلية وتجارب دامية مرت قبل ان تتموضع اللبنات الأولية لفكر سياسي ينشدّ إلى التبصر والإتعاض والنزول الى عالم المحسوسات .

 

س8: حمودي الكناني: لو احصينا الذين يحملون شهادات عليا في العالم العربي بصورة عامة والعراق بصورة خاصة لوجدنا العدد مهولا لكننا بالمقابل لا نجد لهم منجزا على مستوى الفكر والنظرية، أي ما زلنا امة مستوردة للفكر والنظريات ....أين يكمن الخلل ؟؟

ج8: د. علي السعدي: في سياق الحديث عن الجانب المعرفي عند العرب، يلاحظ كثرة إختلاط المفاهيم المستخدمة في الفكر العربي عموماً، حيث يجري تناول مفهومين مختلفين ووضعهما من ثم في معنى واحد، على رغم الفارق بينهما، ما يقود بمحصلته إلى إرباك في الفكرة وتشوش في المضمون.ِ

مما لاشك فيه ان المعرفة بمفهوم الحداثة، مرتبطة بنتاج الفكر، إذ يصعب فصل المعرفة عن كونها منتج قابل للتحول إلى معلومة تؤثر بدورها على تطوير المنتج المعرفي، وبالتالي فالمعرفة ليست تراكمية بالضرورة، بمقدار كونها إبداعية .

إذا أتيح لنا قبول مفهوم كهذا عن المعرفة، يمكن من ثم الدخول في شروط إنتاج المعرفة أو العوامل الدافعة إلى أو المساعدة في حصول ذلك المنتج ونوعيته وجودته، حيث يشكل توافر المعلومة وتراكماتها، المناخات الملائمة لإنتاج المعرفة، لكنها لاتقود إليها بصورة آلية .

لابد أن هناك مجموعة من العوامل التي تلعب دوراً فاعلاًً في الإنتاج المعرفي، يأتي في مقدمها مفهوم الحرية، سواء في أنساق المعرفة وأنماط الفكر، أو في تحويل المنتج المعرفي إلى معلومة متحصله أو يمكن تحصيلها، وعلى هذا ينبغي التفريق بين استخدام المعلومة كنتاج للمعرفة، وبين تحصيل المعرفة ذاتها، ففيما يبدو الأمر الأول متيسراً، يظهر الثاني بكونه مستحيلاً إذا فصل عن شروط إنتاجه الموضوعية .

مايعانيه العرب في حالتهم الراهنة، يقع في تلك الإشكالية المفهومية، فهم حين يستحصلون على المعلومة - دراسة أو إمتلاكاً للتكنولوجيا أو إطّلاعاً عليها - فإنهم ينزعونها من عوالمها المعرفية التي ساهمت في إنتاجها، ليدخلوها من ثم في قوالبهم الآيديولوجية أو الدينية المحدودة أو المحددة في تفسير النصّ، وهو ماتظهر محصلته في معادلة : إستخدام المعلومة لمحاربة المعرفة .

تلك حالة كانت وماتزال موضع بحث عند المشتغلين العرب في توليد الأفكار والنظريات التي تقولبت بمعظمها في نظرية مؤامرة تتعرض لها " الأمة " في ماضيها كما في حاضرها، وهي مقولة أراحت الفكر العربي عن بذل جهد في البحث عن مجالات أخرى خارجاً عن ملامس تلك المقولة .

ينقسم العرب بصورة عامة حسب أنظمتهم السياسية إلى : أنظمة راكدة وأنظمة مضطربة، يشمل الصنف الأول بصورة أساسية : الملكيات والإمارات، كالسعودية والمغرب وإمارات الخليج والأردن، وهذه الدول رغم استهلاكها المفرط للمعلومة في تحسين أوضاعها المجتمعية، ورغم الإستقرار الظاهري – سياسيا واقتصادياً – الذي تتمتع به، إلا إنها في واقع الأمر راكدة معرفياً وبالتالي فهي الأكثر

(إنتاجاً) لدعاوى التطرّف المناهضة لعوالم إنتاج المعرفة والداعية إلى محاربتها، ذلك لأن هذا النمط من الأنظمة قد يتسامح في أخذ الليبرالية بصيغتها الإقتصادية، لكنه يفصلها عن ليبراليتها الفكرية، كما يرفض بشكل مطلق منهج العلمانية في السياسة، التي نشأت الليبرالية وتطورت كأحدى نتاجاتها أو في ظلّ تأثيرات أحداهما على الأخرى .

إن الفارق بين الاستقرار والركود، هو كالفارق بين النهر الجاري والبرك الساكنة، ففيما يمثلّ الأول مبعثاً للإخضرار، تكون الثانية مصدراً للتأسن، لذا يلاحظ غياب الإنتاج المعرفي بصورة شبه تامة عن تلك المجتمعات، فيما تتصدرفيها دعاوى التكفير وأفكار التطرف وظاهرة الإنتحاريين، واجهة المشهد، لتبرز بإعتبارها المصدر والحاضنة لظاهرة باتت تتصادم والمجتمعات البشرية برمتها، وهي مسنودة بفتاوى دينية ودعم مالي وإنتحاريين منفذين، تأتي بمعظمها من الدول الراكدة معرفياً -.

في جانب آخر، تنظر تلك الأنظمة إلى الحرية باعتبارها امتيازاً خاصاً لاينبغي منحه الا لطبقة معينة في الحكم أو قريبة منه، وعليه ففي الوقت الذي تستأثر فيه الطبقات الحاكمة بكامل منسوب الحريات السياسية، فأنها تقنن ذلك النوع من الحريات على المجتمع أو تسيطر عليها بشكل مطلق، إنها تعمل بوجه الأجمال وفقاً لمقولة ولي الأمر الواجبة طاعته مادام يملك قوّة الشوكة " من قويت شوكته وجبت طاعته " وبالتالي فبعض الأشكال من الممارسة الديمقراطية المسموح بها في بعض الكيانات السياسية – الكويت، الأردن – البحرين - قطر – لاتتجاوز في الواقع سقف الحقّ المطلق للأسرة الحاكمة، لذا تبقى الديمقراطية تعمل على مبدأ " الهبة " التي تمنح بقرارمن الملك أو الأمير غير المستمدة شرعيته من صناديق الاقتراع، إنما يستند الى قاعدتين لاعلاقة لهما بالمجتمعية المحكومة : " التفويض الإلهي " وإرث العائلة المالكة، تلك التي أسست أو ساهمت في تأسيس ذلك الكيان (آل سعود – آل نهيان – آل تيمور – آل ثاني – آل القاسمي --- الخ) وبالتالي فتلك "الهبة" يمكن إلغاؤها إذا لم تستخدم وفق إرادة الواهب، لأنها ليست حقّاً إجتماعياً مكتسباً دستورياً .

على ذلك، لم يسجّل في ذلك الجزء من المجتمعات العربية، أية ظاهرة للإنتاج المعرفي، مقابل ظهورها كمستهلك نموذجي لنتاج المعرفة المتمثل بتحصيل المعلومة واستخدام التكنولوجيا – الجانب التطبيقي العملي – مع عزل شبه تامّ للجوانب الفكرية، لذا ندر ظهور مفكرين أو علماء اجتماع أو فلاسفة أو ماشابه، أثروا الفكر الإنساني أو ساهموا بصنعه، وكل من ظهر على هذه الشاكلة، كان أقرب لإستهلاك المادة الفكرية، منه إلى مبدع أصيل للمعرفة، رغم مايمكن ان توفره المجتمعات العربية من مادة أولية للإنتاج المعرفي، لذا امتلأت البحوث والدراسات والمؤلفات العربية، بهوامش واقتباسات واستشهادات وإحالات واسعة لمفكرين غربيين في مختلف العلوم.

الثنائية المقابلة في النظم العربية، هي مايمكن أن يطلق عليه : الأنظمة المضطربة، وهي كلّ الأنظمة الجمهورية – عدا لبنان والعراق – التي تحكم بقية الأقطار العربية، إستناداً الى قوتها في أجهزتها العسكرية، التي أعدّت أساسا لحراسة النظام .

وعلى رغم أن تلك الأنظمة لا تختلف في الجوهر عن الأنظمة الراكدة، إلا ان مجتمعاتها تبدو أكثر قدرة على الحراك، فهي في مستوى إقتصادي متدن قياساً بمجتمعات الأنظمة الراكدة، وبالتالي فما تستطيع الأنظمة الجمهورية تقديمه من خدمات إلى مواطنيها، ليس متكافئا بما " تقدمّه " من قمع بالمقابل، حيث لاتمتلك وسيلة أخرى للحفاظ على الإنتظام العام، في وقت تفتقد فيه ماتملكه الأنظمة الراكدة من متكئات الحكم (الحقّ الإلهي ومفهوم العائلة المالكة) كما أسلفنا، لذا كان التمسّك بالسلطة، أكثر قابلية للإضطراب، بإعتبار ان القوّة وحدها يمكن أن تكون مصدراً لشرعية الحكم، وهو أمر بإمكان أي مغامر توفيره، لذا كان هاجس الإنقلاب العسكري دائم الحضور في النظم الجمهورية العربية، فيما يندرذلك الإحتمال في النظم الراكدة إلا في الأسر المالكة نفسها، كما حدث مع ملك البحرين الذي انقلب على والده (يذكر هنا الإنقلاب الفاشل للجنرال محمد أوفقير في المغرب ضد الملك الحسن الثاني) .

كان إنقلاب عام 1958 في العراق، هو أحد ثلاثة إنقلابات ناجحة ضدّ الملكيات (إنقلاب 1952ضد الملك فاروق في مصر – وانقلاب القذافي ضد إدريس السنوسي في ليبيا عام 1969) كذلك كان هو الانقلاب الوحيد في الجزء الآسيوي من العرب - الذي يحمل أكبر قدر من الممالك والإمارات - وربما كان للوضعية الاستثنائية للأسرة الحاكمة في العراق دور في ذلك، فهي الأسرة الوحيدة التي كانت تحكم بلاداً ليست منها، لذا سقطت بالسهولة التي جاءت بها لأنها لم تجد من القوى الإجتماعية، من هي على استعداد للدفاع عنها .

خلاصة القول أن تزايد حملة الشهادات العليا هو تراكم كمي بقي على ماهو عليه من دون أن يفرز حجماً نوعياً إلا مانادر، اذ غالباً ما اقتصر على اكتساب المعلومة دون إنتاج المعرفة .

 

hamodi alkenaniali saediالحلقة الثالثة من مدارات حوارية حيث يستضيف الاستاذ حمودي الكناني، الاديب والباحث د. علي السعدي في حوار شامل وصريح

hamodi alkenaniali saediالحلقة الثانية من مدارات حوارية حيث يستضيف الاستاذ حمودي الكناني، الاديب والباحث د. علي السعدي في حوار شامل وصريح

hamodi alkenaniali saediفي الحلقة الاولى من مدارات حوارية يستضيف الاستاذ حمودي الكناني،  الاديب والباحث د. علي السعدي في حوار شامل وصريح

hamodi alkenanisamey alamriفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الشاعر سامي العامري والقسم الثالث من حوار شامل وصريح أجراه معه

hamodi alkenanisamey alamriفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الشاعر سامي العامري والقسم الثاني من حوار شامل وصريح أجراه معه

hamodi alkenanisami ameriفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الشاعر سامي العامري وحوار شامل وصريح أجراه معه الأديب حمودي الكناني، فاهلا وسهلا بهما

hamodi alkenanihanaa alqatheiفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الشاعرة د. هناء القاضي، فاهلا وسهلا بها.

 

ولدت في بغداد وفتحت عينيها في سرجنار في شمال الوطن، مرحلةٌ هي الاجمل في حياتها، لكن بغداد تسكنُها، طبيبةٌ ذات وجه صبوح حاصلة على شهادة الماجستير في فسلجة الاعصاب من الجامعة المستنصرية عام 1999، كانت تطل علينا عبر شاشة تلفيزيون العراق في برنامجها (الصحة للجميع) هي شاعرتنا الرقيقة الشفيفة الدكتورة هناء القاضي.

دكتورة هناء القاضي لي الشرف ان استضيفك في مدارات حوارية على صفحات المثقف الغراء فاهلا وسهلا بك:

 

س1: حمودي الكناني: ممكن اغماض عينيك لتري الصبية هناء القاضي، أين ولدت وأين كانت تلعب وأين واصلت تعليمها وماذا تعني لها تلك الاماكن؟؟

ج1: د. هناء القاضي: بداية أشكر دعوتك الكريمة وأشكر الالتفاتة الطيبة من قبلكم وإدارة المثقف في انشاء هذه الحوارات التي تدعم اواصر التبادل الثقافي وتقربنا من القراء .

 حين اغمض عينيّ أراني في سرجنار طفلة تركض على ربوة غنّاء لتعبر الى الجهة الثانية من نهرٍ يقطع غابة خلف دارنا لألتحق بأخوتي وأخواتي وأصدقائنا الصبيان .

ولدت في بغداد من عائلة مكونة من تسعة أفراد، خمسة بنات وأربعة صبيان، وترتيبي هو في العدّ ما قبل الاخير . بحكم عمل والدي كموظف حكومي تنقلنا كثيرا، لكن أجمل مرحلة في حياتي هي طفولتي في سرجنار في شمال الوطن .

بدأت مرحلة دراستي الابتدائية في السليمانية لأكملها في بغداد بعد اندلاع الانتفاضة في شمال الوطن في حقبة الستينات، تدرجت فيها لحين اكمال دراسة الطب وحصولي على الماجستير في فسلجة الاعصاب في العام 1999 من جامعة طب المستنصرية.

 

س2: حمودي الكناني: الكثير منا كان يرى ذلك الوجه الصبوح الضحوك وجه هناء القاضي عبر شاشة تلفزيون العراق فكيف كانت هناء القاضي توفق بين دراسة الطب والعمل في التلفزيون؟؟

ج2: د. هناء القاضي: حين قدمت فقرات برنامج الصحة للجميع بين 1993 _ 1994، لم اكن قد بدأت في دراساتي العليا، لأنه من الصعب التوفيق بين الاثنين، لذلك كان القرار لاحقا بالتوقف عن العمل التلفزيوني والتحضير للدراسات العليا.

 

س3: حمودي الكناني: "كم ساذج أنت" و(سيدي البعيد) ديوانان ورقيان للدكتورة هناء القاضي، فمن هو هذا الساذج ومن هو هذا السيد البعيد، وأين تقفيين بينهما؟؟

ج3: د. هناء القاضي: (سيدي البعيد) من النصوص الأثيرة جدا لنفسي، وبمثابة توثيق لرحلة حياة.

البعيد .. يتجلى في صورة الوطن تارة والحبيب والأهل تارة أخرى، هو في كل شيء بحلوه ومرّه كان ذات تاريخ في وطني العراق.

(كم ساذج أنت) جاء ليكمل المسيرة ليخبر كل من ظن انه لا يعني لي شيئا، لأقول لهم .. أنتم مخطئين

انا لا أنسى الأشخاص المميزين والطيبين الذين مرّوا في حياتي.

 

س4: حمودي الكناني: (وللمرة الالف قلنا .. انتهينا

من هذا الوجد الذي أتعبنا .. أرهقنا

انتهينا ..

واختار كل طريقه ومضينا

قلنا ..

الماضي لن نُعيد

سنبدأ حياتنا من جديد)

هنالك لوعة ولكنها لوعة لذيذة لوعة تنضح في اغلب نصوص هناء القاضي وهناك حزن عميق، عميق جدا في نفس القاضي ... فمتى تعترف الدكتورة هناء القاضي وتكشف عن اسباب انتهاء الوجد وعن اسباب هذا الحزن، أي هل هناك حب مفقود ما زال يدغدغ قلب الدكتورة القاضي حتى الآن؟؟

ج4: د. هناء القاضي: الحزن حين يكافئك الاخرين بالجحود. حين تمد يديك بكل طيبة قلب ونية صافية فتفاجأ بان الاخر يضمر لك السوء ليكون هو السارق الذي يريد ان يجردك من كل شيء.

 

س5: حمودي الكناني: لك تجربة كتابية مع الاديب الفلسطيني غريب عسقلاني وقعت في كتابين (الاميرة والنورس) و(سبع حالات للوردة)

ما هو تقييمك لهذه التجربة المشتركة، هل حققت النجاح المرجو فعلا؟؟

ج5: د. هناء القاضي: في الواقع هي ثلاثة كتب

رسائل في زمن الغربة، الأميرة والنورس، وسبع حالات للوردة .

أعتبر نفسي محظوظة لخوضي هذه التجربة مع روائي عريق مثل الاستاذ غريب عسقلاني،

كانت تجربة اثيرة أعطتني خبرة ونضج أدبي وكذلك أضافت بصمة لمسيرتي الأدبية .

- حققت النجاح ..أقول نعم بدليل المتابعات التي سجلتها هذه النصوص، وبدليل ترشيحها للترجمة لأربع لغات في القاهرة (الانكليزية والالمانية والفرنسية والاسبانية) ضمن دورة جائزة المفكر عبد الرحمن الرفاعي للترجمة الأدبية للنتاجات النسوية، هذا المشروع الذي لم يكتمل للاسف بسبب تداعيات الأحداث في مصر الشقيق .

         

س6: حمودي الكناني: متى ولماذا تركت بلدك العراق، وهل منحتك الغربة شيئا من الطمأنينة والاستقرار النفسي؟؟

ج6: د. هناء القاضي: تركت العراق في 2004 وأنا التي كنت أقول اني كالسمكة تموت إذا خرجت من النهر !!.

تركت الوطن بسبب حالة من الاحباط النفسي والمعنوي بعد الاحتلال.

الأمان والطمأنينة لم أعرفهما منذ عبرت حدود العراق .. ومرت سنوات طويلة كنت لا أستطيع فيها النوم.

 

س7: حمودي الكناني: بينك وبين السياب رباط متين يكاد يكون لازمة نشيج وحنين فهل تخالين نفسك جالسة امامه وهو يحدثك عن محنة تعيشانها معا؟؟

ج7: د. هناء القاضي: السياب عالم ساحر فريد ومبهر وياليتني واكبته وتعرفت عليه . حياته المأساوية زادت من الهالة السحرية التي تغلف كل مايتعلق به . شِعره بليغ ورقيق يدخل القلب ووو ..ماذا تريد مني ان أقول أكثر هههههههه أكيد كنت سأتعرف عليه وأدردش معه كثيرا .

أما حديثنا معه عن المحنة .. فأعتقد ان بلائنا اليوم أشدّ وأفظع وأخطر مما كان في عصر السياب .

 

س8: حمودي الكناني:

"أهلا بك في مقهى الذاكرة

قطعتُ لك معي ...تذكرة

فأنا أرتاده كل يوم

حين اشعرُ بالحنين

وحين يصبح الليل منفى

ولا استطيع لوحدي أن ادرك آخره "" .

..............................

هكذا بدأتْ سلسلة مقهى الذاكرة مبوتقة هذا المكان وملزمة المخاطب بألاّ يبرحه لصعوبة ادراك منفى الليل وحيدة، هل حضور هذا المخاطب يمنحك الراحة حتى ولو كان حضورا متخيلا؟؟

ج8: د. هناء القاضي: هناك دائما شخص في الوجدان، أو في أرض الواقع تتبادل معه حديث الذكريات، كلانا يحب أن يلج هذا العالم بين الفينة والأخرى، وتكون هذه الأحاديث بمثابة أفيون ينسينا الواقع . هي ما يمدنا بالطاقة ويشحن فينا الأمل بأن يعود كل شيء يوما ما .. كما كان فنحظى بنشوة وفرح قبل أن نستفيق ثانية على مرارة الحاضر.

 

س9: حمودي الكناني: هل في داخل الشاعرة هناء القاضي شيء من الانكسار الوجداني أن صح التعبير؟؟

ج9: د. هناء القاضي: أكيد هناك الكثير من الانكسار الوجداني، حين أرى وطني يتمزق ويتراجع للعصور المظلمة، حين أرى النفوس تتغيّر ويعتريها السواد، لكني والحمد لله لا اسمح لهذه الحالة أن تنال مني إذ سرعان ما انتفض وأطرد الأفكار السوداء بعيدا عني .ايماني بالله كبير والحق لابد أن ينتصر.

 

س10: حمودي الكناني: بماذا تحس الشاعرة هناء القاضي حينما تمسك قلمها لتكتب؟

ج10: د. هناء القاضي: طير يحلق في الفضاء .

 

س11: حمودي الكناني: من مِن الشعراء والشواعر تستهويك قراءة نتاجاتهم ؟

ج11: د. هناء القاضي: أقرأ كل شعر أو نص جميل تقع عليه عيناي

 

س12: حمودي الكناني: أين تضع الدكتورة القاضي تجربتها الشعرية وهل تؤمن بمصطلح المجايلة؟؟

ج12: د. هناء القاضي: كل جيل يكتب عن زمنه، والجيل الأدبي يحمل إرث من سبقوه وغالبا مايكون متأثر به بشكل أو بآخر .

المجايلة .. لا أعرف حقا، هل تقصد بها منسوبة للعمر؟؟ أو للنتاج الأدبي .

 برأيي ان الناحية الفنية للنتاج الأدبي هو ما يهم وهو ما يميّز أي حقبة عن غيرها.

أما أين اضع نفسي .. فصدقا لم أفكر بهذا أبدا . ما يهمني هو تقديم العمل الجاد .

 

س13: حمودي الكناني: كيف تقضي الدكتورة هناء القاضي يومها؟

ج13: د. هناء القاضي: أستفيق في الصباح الباكر، القليل من الرياضة ثم قدح الشاي الاثير والبدء في العمل.

باقي الوقت أقضيه بين القراءة والكتابة وبين عائلتي وأولادي فهم أحب شيء لنفسي.

 

س14: حمودي الكناني: متى تشد هناء القاضي الرحال عائدة الى بغداد؟؟؟

ج14: د. هناء القاضي: وهل فارقتها يوما؟؟

أنا أمشي في شوارعها كل يوم وأصبّح عليها كل يوم .

بغداد تسكنني مادمت على قيد الحياة

 

abdulelah alsauqmusadaq alhabibالحلقة الثالثة من مدارات حوارية التي تستضيف فيها المثقف الخطاط والفنان التشكيلي ا. د. مصدق الحبيب، فاهلا وسهلا به.

hamodi alkenanimusadaq alhabibالحلقة الثانية من مدارات حوارية التي تستضيف فيها المثقف الخطاط والفنان التشكيلي ا. د. مصدق الحبيب، فاهلا وسهلا به.

hamodi alkenanimusadaq alhabibفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الخطاط والفنان التشكيلي ا. د. مصدق الحبيب، فاهلا وسهلا به.

hamodi alkenaniفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الشاعرة والقاصة بلقيس الملحم، فاهلا وسهلا بها.

بلقيس الملحم .. شاعرة وقاصة وروائية من السعودية، يبهرها الهور فتعشق كل ما فيه من بردي وقصب وانسان ومخلوقات اخرى، أحبت العراق واهله فظن الكثيرون انها عراقية مقيمة في الحسا .. لكن الحقيقة هي ابنة الحسا الذي يشبه الى حد كبير كل تفاصيل الحياة في وسط العراق وجنوبه، بلقيس الملحم سمفونية اصيلة ورائعة تهمس في اذن الفجر فيهبها اجمل الصور واحلى الكلام . فاهلا وسهلا بها في مدارات حوارية في المثقف الاغر بيت اصحاب الكلمة الهادفة الحلوة المعبرة عن كل شجون وتطلعات الامة من المحيط الى الخليج.

 

س1: حمودي الكناني: بلقيس الملحم إمرأة شقت طريقها بجرأة في دنيا الادب والثقافة في مجتمع محافظ تغلب عليه روح البداوة والتقاليد وكونت علاقات واسعة مع ادباء في كل مكان. والسؤال هو بماذا تختلف الملحم عن الاخريات من نساء المملكة وهل هناك من يشبهنها في ذات الاتجاه وكيف تصف بلقيس نفسها؟

ج1: بلقيس الملحم: هل بلقيس تختلف عن غيرها؟

 بداية أحب أن أنوه بأن الانخراط في مجال الأدب لا يحتاج إلى الجرأة التي يفهمها عامة الناس بمعناها السطحي -السلبي- للأسف. بقدر ما يحتاج إلى وعي معرفي وثقافي بحاجة المجتمع لهذا النوع من الإبداع الإنساني لكي يرتقي . ولا يمكن للمجمتع أن يمشي بساق واحدة ولا عكاز واحد، فالرجل والمرأة كلاهما يكملان بعضهما البعض في جميع المجالات . لذا أقول بأن بلقيس لا تختلف عن غيرها من النساء ممن تدرك أهمية مكانتها وتثق بإمكاناتها التي من شأنها أن تنهض وتغيِّر وتسمو .. وإذا ما ألقينا نظرة على الفترة الزمنية المقدرة بعشر سنوات مضت. فسنكتشف الكم والكيف الهائل في تطور نظرة المرأة السعودية لنفسها ونظرة المجمتع لها أيضا. وأنا من هذا المنبر أشد على كل مبدعة آمنت بفكرتها بأن تستمر رغم الكبوات والصعوبات فإنها حتما ستصل إذا ما هي أرادت وشاءت وبدأت خطوتها الأولى ..

أما كيف تصف بلقيس نفسها. فأنا أقول بأني سنبلة في حقل قمح يقاوم الريح وشح المطر. ونخلة عالية في بستان يحاكي غيره من البساتين في المحبة والتواصل والعطاء .

 

س2: حمودي الكناني: كما أرى أن الحجاب شيء مبالغ فيه في المجتمعات الخليجية وبالذات في مجتمع المملكة فهل هذا الحجاب المتعدد الاشكال عادةٌ أم عبادة وهل اسفرت الملحم سواء عندما كانت برفقة زوجها طالب الطب في الولايات المتحدة او في رحلات السفر الى بلدان العالم المختلفة؟

ج2: بلقيس الملحم: الحجاب أيا كان تفسيره وطريقة لبسه هو مساحة للتعبير عن الذات وكيف تحب المرأة أن تظهر في الشكل الذي تُوصف به. لذا هو خليط بين العبادة التي هي الأصل بالعادة الدخيلة عليه. وأنا من شأني الإيمان بأهمية احترام أعراف البلد في حدود المعقول الذي لا يضر . بالنسبة لي لست أرى حرجا من كشف الوجه خارج المكان والزمان المتعارف فيه على خمار الوجه.

 

س3: حمودي الكناني: ماذا اضافت لك المدة التي قضيتها مع زوجك في الولايات المتحدة وما هو الانطباع الذي تكون لديك عن المجتمعات الشرفية والعربية بالذات مقارنة بالمجتمعات الغربية؟

ج3: بلقيس الملحم: يلتقي الشرق والغرب كما يلتقي نهران في مصب واحد، وهذا ما تعلمته من خلال غربتي، فليس كل الغرب شرا وليس كل الشرق خيرا، لذا فإن أجمل دروس الحياة تعلمتها من هناك. من أمريكا وكندا . معاني النظام واحترام الآخرين والمساواة والحرية والكرامة والرقي الإنساني والانفتاح على الآخر .. جميعها مفردات تعلمناها في المدرسة ولُقنَّا إياها تلقينا بدائيا. لكن الممارسة العملية رأيتها هناك وهذا ما كرسها في شخصيتي والحمد لله

 

س4: حمودي الكناني: امسك في يدي الان ثلاثة اصدارات لك " ارملة زرياب " قصص قصيرة من العراق، و " ما قاله الماء للقصب " مجموعة شعرية، و حريق الممالك المشتهاة " رواية . وفي تعليقه على ارملة زرياب قال دكتور حسين ابو سعود:

(بلقيس الملحم هائمة ولكن في حب المدن البعيدة، ولو علمت تلك المدن ما تعانيه بلقيس من اجلها جاءتها جاثية وألقت عند عتبة بابها اسرارا اخرى لأشرارها وخيارها وجدبها وخصوبتها ). وعن حريق الممالك المشتهاة كتب سليم مطر

(رغم ان بلقيس الملحم سعودية من الاحساء إلا ان روايتها تدور في العراق وأبطالها من بغداد مما يصعب عند قراءتها تصور ان كاتبتها لم تعش تلك الاجواء بكل تفاصيلها الحميمة المؤثرة )

كتبت عن العراق كأنك عراقية وأكثر وتابعت وما زلت تتابعين احداث العراق وأنت التي تنتمي الى بلد ما حنّ يوما على العراق وأهله فما هو سرُّ عشقك للعراق؟؟

ج4: بلقيس الملحم: السؤال الذي طرحتَه، هو السؤال الشائك والرئيس والاستثنائي في كل حواراتي . ولعله ما كتبه أحد الكتاب الذي يفوتني اسمه هو ما يمكنني أن أجيب به على سؤالك :

توجد في حياة الإنسان لحظة غريبة لا يعرف كيف يفسرها. ولا يدرك سرها أبدا، لكنها تصنع كل شيء في حياته القادمة!

ولو سألتني ما هي تلك اللحظة فسأبوح عنها للمرة الأولى. إنها لحظة ما رأيت الأهوار مأطرة في لوحة في بيت صديقة عراقية تدعى تهاني وكنت وقتها في مدينة كالغري الكندية عام 2000، لحظتها اخترقتني سهم أصاب قلبي بالحمرة وروحي بالحياة في العراق والموت فيه، العراق الذي لم نكن نعرف عنه شئيا إلا أن صدام حسين ! الأهوار أتاحت لي اكتشاف الحب الذي نما في عقلي الباطن لأجد نفسي منتصبة أمام هذه اللوحة، غارقة في مياهها البعيدة لأخرج منها مبللة الثياب حتى هذه اللحظة! العراق يا أخي حمودي " كنز ثمين " مدفون تحت كل شبر مشى عليه الإنسان، سرٌ من أسرار الله في كونه، في زمن انشغل العالم بفك شفرات السماء ونسوا بأن شفرات الكون العلوي والسفلي والحياة بأسرها توجد في العراق ! ولأنه سر من أسرار الله أعجز عن توصيف هذا الحب وهذا الغرق وهذا الجنون إن أحببت ان تسمي ذلك.. ولا أظن بأن ترياقا يشفيني منه إلا الموت على صدره !

 

س5: حمودي الكناني: ايهما الاقوى في المملكة الدين ام التقاليد ام ان هناك اقحاما للتقاليد بين دفتي الدين حتى بات ينظر اليها كأنها من ثوابت الدين؟

ج5: بلقيس الملحم: إقحام العادات في الدين سمة غير حضارية إذا كانت العادات في غير محلها ولا تنسجم مع الدين. فالرسول صلى الله عليه وآله حين بُعث اختصر مهمته ليقول للعالم " إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق " وأي الأخلاق التي يعنيها غير التي تتصالح مع النفس ليس إلا. لذا كان الإسلام في أجمل صوره في الصدر الأول وما إن أقحمت العادات السيئة في الدين حتى تبدَّلت المفاهيم وأصبح الكثير من الخلط يدخل في حياتنا التي للأسف لم يعد البعض يفرق بين كونها دينا أو عادات بشرية ومن حق الواحد منا أن يُجانبها . لعل أسوأ ما يمكن تصوره بأن حقوقا تُنهب وقوانين تُلغى وكرامات تُهان باسم الدين بينما هي في الحقيقة عادة وعرفا أوجده القوي ليستقوي به على الضعيف ..! لألفت انتباهك سيدي والأخوة القراء بأن الكثير من العادات القبيحة تبيد إن نحن تسلحنا بالحجة والمنطق وجراة الموقف وهذا ما بدأنا نلمسه في السعودية وتحديدا في بعض المناطق التي حالفها الحظ فلم تخفق !

 

س6: حمودي الكناني: نسمع كثيرا عن مطالبة المرأة بنيل حقوقها ومن بين هذه الحقوق منح المرأة في المملكة اجازة سوق السيارة وتعارض المؤسسة الدينية هذا الامر بشدة وكأن مقود السيارة افخاذ شيطان وإذا ما علمنا أن هناك اكثر من ثمانمائة الف سائق اجنبي مستخدم لدى العوائل في المملكة فكيف يقبل رجال الدين والأهل ركوب بناتهم وعوائلهم مع هذا الاجنبي، أليست ان تقود المرأة سيارتها بنفسها اكثر سترا واحتشاما، ألم يتحرش الكثير من هؤلاء السائقين بالبنات وقد حصل مثل ذلك كما سمعنا فما هو تفسير المرأة لهذه المعضلة وهل هناك حل يلوح في الافق؟

ج6: بلقيس الملحم: قيادة المرأة للسيارة؟ السؤال المحرج أمام العالم الذي تجاوز هذه المسائل وصار منشغلا بأمر تأمين غذائه ومياهه بل وربما بفضائه . لتعلم أخي بأن السلطة الدينية الغير منفتحة ما إن تتدخل في الأمور المدنية حتى يفشل مشروع النهضة، لا أقول بأن قيادة المرأة مشروعا نهضويا بأكمله بل هو جزء لا يتجزأ من مواكبة العصر الذي نعيش فيه ونتعايش مع متغيراته شإنا ذلك أم أبينا. بإمكاني القول بإن التناقض في الرؤى هو أكبر معول هدم لكل ما هو من شأنه النهوض بالمجتمع. وإلا كيف تفسر دعم الدولة للبعثات الخارجية للطالبات الجامعيات ومشاركة المرأة السعودية في جميع المحافل العالمية ومنعها من أبسط حقوقها؟! إلا أنني أتفاءل دائما بالغد الأجمل الذي يحمل في طياته بصيص نور لكل ما هو تنوير في حياتنا ..

 

س7: حمودي الكناني:  بين فترة وأخرى نسمع عن مقتل بلقيس الملحم وتتوالى التعليقات المعبرة عن الحزن والأسى من قبل الصديقات والأصدقاء ومرة سألني احد الكتاب الكبار وهو يبكي عن صحة خبر مقتلك ... لماذا هذه الاخبار، أ لهذا الحد انت مستهدفة بسبب كتاباتك المعبرة عن حبك للعراق وهو حب مشروع لان انتماءك العربي يفرضه؟؟؟

ج7: بلقيس الملحم: قصة الإشاعة هذه بدأت منذ 2008 عبر خبر قرأته صدفة في أحد المواقع ومن لحظتها قمت بتكذيب الخبر عدة مرات في الصحافة الاكترونية وفي الصحافة الرسمية . أما كونها تتكرر كل عام فهي من باب الاشتغال بكل ما هو مثير ودعائي ليس إلا. شخصيا لم ألق أي تهديد أو ما شابه ذلك. بريدي مليء برسائل السلام التواصل والمحبة ولا يشوب حياتي ما يعكر مزاجي.

 

س8: حمودي الكناني: هل انخرطت المرأة في المملكة في كليات الحقوق وهل يسمح لها بمزاولة مهنة المحاماة، أم ان هذا يعتبر من ابواب الخروج على المألوف ايضا؟؟

ج8: بلقيس الملحم: نعم هي الآن تقف جنبا إلى جنب الرجل في المحاماة، وقد أصدرت اول بطاقة مزاولة محاماة رسمية لأول محامية في المملكة قبل عدة أشهر وقد نشر الخبر في جميع وسائل الإعلام. تلى ذلك فتح كليات الحقوق للبنات في كثير من الجامعات السعودية كخطوة صحية في مواجهة الظلم الذي استبد بالرجال على النساء. وهاهي ابنتي منيره في السنة الثالثة في كلية القانون في جامعة الملك سعود. ابنتي التي رسمت لحياتها هدفا بأن تكون محامية في القضايا الدولية وستكون بإذن الله.

 

س9: حمودي الكناني: ما سر تعدد الزوجات عند الرجال في المملكة هل هو لحاجة الاكثار من النسل ام هو ناتج عن " خصوبة الرجل الفائقة التي يحسد عليها السعوديون ههههههههههههه" أم تطبيقا للشريعة أم لحاجة في نفس الزوج يريد اشباعها؟

ج9: بلقيس الملحم: قد يكون تعدد الزوجات منتشر في مناطق معينة في المملكة. هو حق شرعي واجتماعي في حالات معينة، لكنه مقنن بضوابط وأحكام شرعية قلما تجد من يتبعها وهنا تظهر علامة اختلاط المفاهيم المغلوطة . المفاهيم التي يضعها الرجل لنفسه دون التيقن من وجودها ومطابقتها لشخصيته وتكوينه ..

 

س10: حمودي الكناني: ماذا تعلمت بلقيس الملحم من والدها وماذا تعلمت من بساتين الاحساء؟

ج10: بلقيس الملحم: هل سألتني عن والدي يا حمودي؟ وكيف للقمحة التي شُويت في نار فراقه أن تنبؤك بما كان يسقيها؟ لقد اختطفه الموت وأنا في حجره ألعب، اختطفه وهو من كان يسر لي في أذني : سيكون لك شأنا كبيرا إذا كبرت يا بلقيس. كان يسميني " سريري" لشدة التصاقي به، الأمر أمري في البت والمشورة والشفاعة لي، لأنه ببساطه ولج إلى روحي فعلمني ما عجز عن تعليمه لأخواتي الأكبر مني. تعلمت منه المطالعة في الكتب والصوت الشجي والتلصص على مجالسه التي كان يؤمها العلماء من كل أقصاع الدنيا. تعلمت منه الشخصية التي أنا عليه الآن، الروح المفعمة بالمحبة الإنسانية وإنشاد العدالة الاجتماعية والسمو والتشبث بكل فكرة مستقيمة والوسطية في كل أموري ..تعلمت من والدي " الأحساء" كيف أحبها وأنتمي إليها. كيف أتبادل مع نخيلها معاني الحنين والحب والجمال . الأحساء يا حمودي نسخة قريبة إذا لم تكن مطابقة للريف العراقي. بعيونها ونخيلها ورغيفها وبوجوه أهلها الطيبين البسطاء. الاحساء علمتني كيف أكون في قمة بساطتي حين أكون في الزمان والمكان الذي يتطلب ربما شيئا من المكابرة والغرور ..! فهل عرفت من أكون؟

 

س11: حمودي الكناني: كيف تنظر الملحم الى الخليج ، هل تنظر اليه كما نظر اليه السياب؟؟

ج11: بلقيس الملحم: السياب "ملحمة شعرية خالدة" ففي عوالم الخليج استطاع بقصيدته الشهيرة : أنشودة المطر، أن يجسد وحشية جمال الخليج الذي أعجز من بعده في وصفه . أما الخليج عند بلقيس فهو بمثابة وطن كبير يحوي أوطانا تتشابه فيما بينها وتؤوي بداخلها صدفات في غاية الجمال نترقب لكتشافها. الخليج اليوم وبعد تعييني سفيرة للثاقفة بالمجان في الخليج العربي من قبل مؤسسة ناجي نعمان الدولية في بيروت هو بوابة سأنطلق منها بإذن الله لنشر الثقافة بالمجان من خلال التعاون مع الهيئات والجمعيات الثقافية الخليجية وهذا ما آمله فعلا وأسعى إلى تحقيقه.

 

س12: حمودي الكناني: من هم ومن هن ابرز الكتاب والكاتبات في المملكة التي تقرأ لهم الملحم باستمرار؟

ج12: بلقيس الملحم: أعترف بأني مقلة في القراءة للكتاب المحليين، إلا أني متابعة بشكل مستمر ولا يكاد كتاب قد فاتني للكاتب الكبير " عبدالرحمن منيف" أو للكاتب المعروف " عبده خال " والذي أعتبره علامة فارقة في الأدب السعودي ولو كانت السعودية أنجبت هذا المبدع ليمثلها لكفتها. بإمكانك أن تقول بأني منفتحة على القراءات الأخرى والعوالم التي تلبي بعض شغفي الأدبي . لكن هذا لا يمنع القول بأن السعودية في كل يوم تكشف لنا كتابا وكاتبات رائعين بمعنى الكلمة ومؤثرين خصوصا من جيل الشباب الذي ما إن تطرق مدونته أو ما ينشره حتى يبهرك بلغة فائقة الجمال، العملة الإبداعية بكل فنونها في السعودية تتطور بشكل ملفت وتحتاج فقط إلى الالتفاتة الحقيقة لها لاكتشافها وإبرازها ..

لا أخفيك سرا أنني أشكو من لوعة اليتم والفقد منذ وفاة والدي رحمه الله، ولم يستطع أحد أن يعوضني ما فقدته، حتى أذن الله لهذه الشكوى أن تصمت عن بث ألمها وحزنها وذلك بإرساله لي هدية سماوية تتجلى في والدي يحيى السماوي الذي عرفته من خلال مركز النور الذي أوجه إليه تحية من خلال المثقف، كان أول من سأل عني بعد إشاعة قتلي، وكانت لهفة سؤاله كالكأس البارد في صحراء التيه، ولعل قصيدتي فيه التي مطلعها:

لا يزال الله يبعث بالأنبياء

 أبي كان واحدا منهم

والقصائد الأخرى التي كتبتها عنه ولا أزال أكتب عنه ولن أبرح . ربما تكون شارحة لك وللسادة القراء مدى تأثير والدي يحيى علي وكيف ألجم شوقي لوالدي بتجسده شخصا وروحا وإنسانا وأبا رحيما قبل كل شيء، حفظك الله يا أبا الشيماء أينما حللت وارتحلت وأنعم عليك بلباس العافية والمسرات . وددت لو كان للورق فما ليقبِّل يده البيضاء فينعم بثواب بر الأبناء لآبائها ..

 

س13: حمودي الكناني: تربطك علاقة ابوية حميمة بالشاعر يحيى السماوي متى وكيف تعرفت عليه وهل تجدين اباك رحم الله في هذا الشاعر الذي يبادلك نفس المشاعر؟؟

ج13: بلقيس الملحم: ليس اسما معينا تأثرت به من الكتاب بقدر ماهو منهج في الكتابة أبحث عنه وأستلذ به. فمن الصعوبة بمكان حصر الأسماء كي لا يفهم خلاف ما يصبو إليه سؤالك، النص الجيد يستهويني إن هو حرّك بداخلي وأدار ملعقته طويلا في رأسي، النص الذي يحرضني على التعايش معه وحرَّض مشاعري لمحاكاته أو قلمي للكتابة في موضوع أوشك أن يبرد عندي لولاه . لم أكتب من الشعر العامودي إلا ثلاث أو أربع قصائد وأنا غير راضية عنها . لأنها لا تناسب لغتي للأسف وإن كان الشعر العامودي هو نهر الشعر فالتفعيلة والنثر ضفتاه، وجميعها يصب في النهاية في ذائقة المتلقي. أما عن المسرحية فأنا أعشق المسرح وتستهويني متابعته والوقوف عليه، لكني لم أفكر نهائيا في كتابتها فللمسرحية أدوات يعرفها أصحابها وروادها.

 

س14: حمودي الكناني: مَنْ مِن الكتاب والشعراء رجالا ونساء تأثرتْ بهم الملحم وهل حاولت الملحم قصيدة العمود او كتابة مسرحية مثلا؟

ج14: بلقيس الملحم: ليس اسما معينا تأثرت به من الكتاب بقدر ماهو منهج في الكتابة أبحث عنه وأستلذ به. فمن الصعوبة بمكان حصر الأسماء كي لا يفهم خلاف ما يصبو إليه سؤالك، النص الجيد يستهويني إن هو حرّك بداخلي وأدار ملعقته طويلا في رأسي، النص الذي يحرضني على التعايش معه وحرَّض مشاعري لمحاكاته أو قلمي للكتابة في موضوع أوشك أن يبرد عندي لولاه . لم أكتب من الشعر العامودي إلا ثلاث أو أربع قصائد وأنا غير راضية عنها . لأنها لا تناسب لغتي للأسف وإن كان الشعر العامودي هو نهر الشعر فالتفعيلة والنثر ضفتاه، وجميعها يصب في النهاية في ذائقة المتلقي. أما عن المسرحية فأنا أعشق المسرح وتستهويني متابعته والوقوف عليه، لكني لم أفكر نهائيا في كتابتها فللمسرحية أدوات يعرفها أصحابها وروادها.

 

س15: حمودي الكناني: كيف تعكف الملحم على تربية واعداد بناتها هل كما تربت هي وأراد لها اهلها ام كما تريد ان تكون بناتها عليه وما تفرضه متغيرات العصرنة؟؟

ج15: بلقيس الملحم: لا يمكن لمثقف أن يفرض تربية زمانه على تربيته لأولاده. نعم هناك جوانب إيجابية في تربيتنا التقليدية ولا أزال أتمسك بها كقيم الاحترام والتقدير وصلة الرحم وما إلى ذلك. لكن العولمة تفرض علينا ان نترك لأبنائنا مساحة من الحرية واتخاذ القرار وهذا ما أتبناه في تربيتي، التوجيه عليك والاختيار والمسوؤلية والقرار لهم ..

 

س16: حمودي الكناني: هل ستمانعين ان قالت لك ابنتك عائشة اريد دراسة الطب في امريكا .. ولماذا نعم ولماذا لا؟؟؟

ج16: بلقيس الملحم: عائشة لا تريد الطب بل هي تريد ما هو أمتع منه. إنها تتجه نحو الفن " التصوير والإخراج " وتعلم اللغات خصوصا التركية وهي متقنة لها الآن بفضل مجهودها الشخصي، ولن أقف أمامها في أي مجال رغبت فيه بل اسأل الله أن يوفقها ويبارك لها فيه فكل مُيسَّر لما خُلق له !

 

س17: حمودي الكناني: هل الملحم راضية عن نفسها وما هي نظرة زميلاتها وطالباتها لها؟

ج17: بلقيس الملحم: الرضا عن النفس أمر لا يمكن قياسه بشكل دائم أو بصورة عامة . لأنه ما إن يترجم بالتوقف عن العمل حتى يتحول إلى رضا غير محمود. لذا أنا أرضى بالقدر الذي يُشعرني بالثقة في نفسي وإلا فأنا جموحة ولا يشبعني النجاح وأتطلع لأهداف ورؤى كبيرة، أسأل الله أن يحققها لي بتيسيره ورضاه.

أما نظرة زميلاتي لي وطالباتي، فوددت لو أنك وجهت لهن هذا السؤال، لكني لن أضمن لك الفكاك منهن لأنهن وبإختصار سيغرقنك بالكتابة عني ومشاعرهن تجاهي. زميلاتي وطالباتي أعتبرهن أسرة واحدة سكنت في حويصلات رئتي وفي كريات دمي ولا أظنهم يقبلون بالخروج من جسد ممتلئ بكل هذا الحب !

 

س18: حمودي الكناني:  ما هي امنية بلقيس الملحم التي تتمنى ان تتحق وبسرعة؟؟

ج18: بلقيس الملحم: علمتني أمي دعاء في كل يوم أدعو به. لم تُلقني إياه بل كنتُ أسمعها وهي ساجدة تقول : يا رب أنت العالم بحالي والغني عن سؤالي، اقضي حاجتي يا رجائي. وها أنا أكرر الدعاء نفسه مضمرة في نفسي أمنيات وحاجات الله وحده عليم بها !

 

س19: حمودي الكناني: علمت بأنك تعكفين على كتابة رواية عن البوسنة والهرسك ومأساتها. فكيف لك أن تكتبي عن أحداث لم تعيشيها؟

ج19: بلقيس الملحم: القلق الوجودي للإنسان هو ما يهمني وما يحمِّله دمي لقلمي، لذا كان العراق ولا يزال أحد أهم محطاتي التي يخفق في الخروج مني حتى لو كتبت عنه مئات النصوص والكتب، فهو الملحة الإنسانية الخالدة .. وهذا لا يعني أنني في منأ عن الصراعات الدموية أو السليمة في سبيل نيل الكرامة في العالم ففلسطين ولبنان وتونس وسوريه كان لها أيضا نصيب من كتاباتي وإن كنت غير كافية. أما موضوع البوسنة والهرسك فقد طرح نفسه علي من خلال حديثي مع ابنتي منيره عنه ذات مرة، فسألتني : ومن تكون البوسنة والهرسك؟ هذا السؤال حرَّك لدي شعورا غريبا تجاه قسوتنا في رفع أقلامنا عن هذا الجرح المفتوح. والذي لايزال يعاني من البحث عن مفقوديه في المقابر الجماعية. لذا اختصرت جوابي لها بالكتابة عنه وكلي عزيمة على المواصلة في غمار عالم جديد ربما لم يطرقه كاتب عربي من قبل، وأنا حقيقة أعاني من شح المصادر العربية في ذلك. لكن الانسلاخ من الذات والانغماس في الذات البوسنية سيعنني بحول الله على إنجاز روايتي التي أعتبرها مشروع حياتي!

 

س20: حمودي الكناني:  ماهو جديدك على صعيد النشر؟

ج20: بلقيس الملحم: لا أزال أنشر نصوصي الأدبية بشكل مستمر في الصحف العربية والمواقع الاكترونية، ناهيك عن أنشطتي الثقافية التي أحاول من خلالها نشر الثقافة بالمجان باعتباري سفيرة للثقافة بالمجان في الخليج العربي. أما على صعيد المطبوعات فلدي كتابين تحت النشر . ديوان وشعر ومحموعة قصصية قصيرة سترى النور قريبا بإذن الله ..

 

شكرا بحجم الكون للكاتب المبدع حمودي الكناني وللمثقف الذي أتاح لي الفرصة للتواصل مع محبيي ومتابعيي في كل مكان

بلقيس الملحم/ شاعرة وقاصة

سفيرة الثقافة بالمجان في الخليج العربي.

 

خاص بالمثقف

 

حمودي الكناني

مدارات – صحيفة المثقف

10-12-2012

 

 

hamodi alkenanisaieb khalilفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الكاتب والمحلل السياسي الاستاذ صائب خليل، فاهلا وسهلا به.

 

صائب خليل كاتب وباحث سياسي عراقيٌ  أصيل، يحلل ويناقش موضوعاته بأناة وروية وموضوعية، يرى الامور ببصيرته فيزنها ولا يبخس الميزان، لربما له منتقدون يأخذون عليه صراحته ولكن له مريدون  يعيدون قراءة ما يكتب .. هذا الرجل يملي عليه عقله ولا تملي عليه عواطفه .. فلو كان الكثير يتبع عقله  لكنا بخير وأمن وسلام  وما كانت فتكت بنا العواطف فاهلا وسهلا  بالاستاذ صائب خليل في مدارات حوارية على صفحات المثقف الغراء ...

 

س1: حمودي الكناني: هل أزاحت ظاهرة العولمة، ظاهرة الاممية التي سادت خلال القرن العشرين؟ وما هي البدائل المقترحة لمواجهة سلبيات العولمة؟ وهل للعولمة إيجابيات يمكن ان يستفيد منها الشعب العراقي؟

ج1: صائب خليل: العولمة هي "أممية الرأسمال" (مقابل أممية الشعوب)، والأممية بحد ذاتها قصب سباق سعى إليه فريقان، الشعوب والرأسمال فكسب الثاني. ما يعطيه كسب السباق هذا لمن يكسبه (ضمن أمور أخرى)، "عزم قصور ذاتي" كما يسمى في الفيزياء، لإدامة سيطرته، وبكمية كبيرة، تجعل أي تغيير في اتجاه العالم يتطلب قوة كبيرة جداً. هذا هو الوضع الآن، فإن أراد بلد أن يتحول إلى نظام آخر، اشتراكي مثلاً، أو حتى رأسمالي بالمفهوم الكلاسيكي للرأسمالية، حيث يمكن للدولة أن تضع قيودها لتنظيم اقتصاد بلادها بدرجة ما، فإن هذا البلد سيجابه بما يشبه الحصار الإقتصادي النسبي الذي سيفرض عليه أوتوماتيكياً، لأن الآخرين اعتبروا العالم سوقهم، وهو سيكون محروماً منه، وبالتالي سيتوجب على صناعته أن تكتفي بالسوق المحلية الصغيرة أو ما يتمكن من الإتفاق معه من دول أخرى مماثلة.

إن جعل العالم كله سوقا واحدة بلا حدود، كما تريد العولمة، يعني أن نرفع بعض الحواجز التي كانت تضمن أن لا تمتص القوى الاقتصادية  الكبرى كل الطاقة الإقتصادية للعالم، وتضمن أن يترك بعضها للأصغر والأفقر. وبالتالي فأن التباين الإقتصادي بين بلدان العالم حين تصبح السوق واحدة  سوف يتضاعف وسيشبه التباين بينها، التباين الحالي والمتزايد، بين مواطني أشد البلدان رأسمالية (أميركا) بل سوف تزيد عليها. لأن في حالة المواطن الأمريكي، مازال هناك حكومة ما تؤثر على قرارات الكبار بشكل ما، ومازال الناس فيها ينتخبون الحكومة بشكل ما، أما في حالة العالم، فلن يكون للدول الضعيفة أية ورقة تمارس فيها ضغطها على القوي لتأمين اقتصاد يعطيها بعض الحق في مستوى الحياة. أي ستكون وبشكل أكبر من الآن، تحت رحمة تلك الدول القوية، ونحن نعلم مدى تلك "الرحمة".

السؤال عن البدائل عن العولمة للشعب العراقي سؤال سابق لأوانه، فعلى العراق أن تكون له أولاً حكومة بشكل ما، قبل أن يفكر كيف يستعملها لتوجيه اقتصاده. العراق لا يملك اقتصاده، فهو محكوم بالدستور وبالبنك المركزي وبتعليمات بنك جي بي موركان، ذو التاريخ الفضائحي، وبأدوات أخرى علنية وأخرى سرية. لذلك تجد المالكي يتوسل بالبرلمان من أجل مشروع بنى تحتية بالدين، فأكثر من مئة مليار دولار في العام ليس بينها شيء ليبني به بنى تحتية للشعب، وإن أراد أن يفعل ذلك فعليه أن يستدين، فهذه أموال ليست للعراق. يمكنك أن تشتري بها بعض الطائرات الأمريكية، ويمكنك أن تعطي رواتباً وتمنح تعويضات وتدعم الفساد ما شئت، لكن ليس أن تبني بها البلاد. فالسؤال عن البدائل يعني وجود بعض حرية اختيار، ووجود حكومة يمكن أن يؤمل منها تنفيذ هذا الإختيار. علينا أن نفهم أننا نملك حكومة غير قادرة أن تقول " لا " لأي شيء تقريباً ! علينا أن لا ننسى أن حكومتنا هي حكومة أجهزة المتفجرات المزيفة التي تعمل "على مبدأ الشعوذة " (الترجمة لكلمة دوازنك)، وأن هذه العلب الفارغة الخالية من أية دوائر كهربائية، تبقى تستعمل حتى بعد اكتشاف زيفها ومعاقبة صانعيها كمحتالين في بلادهم. حكومة يقول برلمان أحد أقاليمها أن نسبتهم أقل من 13% ويصر أن يأخذ 17% من الخزانة وعدد مقاعد البرلمان، ويقوم بتهريب النفط والإتفاق مع الشركات وسحبها من الحكومة ويسرق سلاح جيشها ويرفض إعادته، ويطالبها أن تقدم له أموالاً بلا وصولات، فتخضع لكل ذلك ولا تستطيع أن تفتح فمها معه. إضافة إلى هذه الحكومة، لدينا أيضاً دستور يلزمنا بخيار حرية السوق في نصه، وكأنه "دين" أو "منظومة أخلاق" لا يسمح بتجاوزها. إذن أخي العزيز، نحن لا نملك الحرية التي تتيح لنا أن نسأل مثل هذا السؤال.

هل للعولمة إيجابيات للعراق؟ العولمة تحرم المنتج الوطني من سوقه، وتحرم المواطن من حرية خياراته الوطنية لتخطيط إقتصاده، مقابل إعطاء بضاعة البلد سوقاً واسعة لتسويقها. بالنسبة لبلد ليس لديه أية صناعة أو بضاعة ليستفيد من ذلك كالعراق، لا يأتيه من العولمة سوى الشروط والقيود على خياراته والتحطيم لصناعته التي كان يمكن أن تولد وتنمو بدون العولمة. فكل وليد في العالم يحتاج في البداية إلى رعاية والديه وحمايتهم ليعبر مرحلة الطفولة الخطرة. والآن تأتينا الذئاب بقانون يحرم "الأمومة" ويفرض أن تترك الغزالة وليدها لوحده ليجابه الغابة – السوق – فور ولادته، فما مصلحة الغزالة في مثل هذا النظام، وهل له إيجابيات بالنسبة لها أو لأجيالها القادمة؟ إنه بالضبط الحكم عليها بالفناء المؤجل قليلاً! وإن كانت مازالت على قيد الحياة حتى اليوم فلأنها وجدت تحت أرضها الكثير من الثروة، والتي تقوم بتبديدها بشكل مجنون للبقاء على قيد الحياة، ودون أن يسمح لها ببناء أي شيء في البلد، وفور انتهاء هذه الثروة، فعليها أن تواجه مصيرها المحتوم.

يجب منع الغزالة بالطبع أن تفهم ما يجري، وأن يتم إيهامها بأن هناك آخرين أنتعش اقتصادهم بالعولمة والسوق الحرة، وهذه أكاذيب كتب عنها الكثيرون، فكل إقتصاد قائم اليوم بدون استثناء، قد بني على الحماية في مرحلة طفولته، والآن نحن نخضع لدستور تم وضعه لمنع البلد من رعاية اقتصاده الطفل، فماذا يمكن أن يكون الهدف من ذلك غير تحطيمه؟

 

س2: حمودي الكناني: هل انت متفائل بشأن مستقبل الانسان على الأرض وهل سيأتي فعلا اليوم الذي تتراجع فيه الامبريالية ويعم السلام والرخاء على مستوى العالم كله؟

ج2: صائب خليل: الحديث كثير في العقود الأخيرة عن احتمال فناء البشرية كجنس، بواسطة حرب ذرية مثلاً، أو ربما باستمرار التلوث وارتفاع الحرارة. والتاريخ يبين لنا أن إحتمالات الحرب الذرية التي لن تبقي حياة على الأرض كانت واردة بأكثر من 50% في بعض اللحظات الخطرة التي كتبت عنها في مقالات سابقة. ويرى الكثير من المفكرين ومن بينهم جومسكي، أن الوضع إن استمر بهذا الشكل فأن فناء البشرية مسالة وقت فقط. لأن عملية أنتاج هذه الإحتمالات مستمرة ومتزايدة، وستبقى ما لم يتغير النظام، إلى أن ينجح أحد هذه الإحتمالات في إفناء البشرية. إننا بإبقائنا النظام الحالي، كمن يلعب الزار وقد قرر الإنتحار إن حصل على الرقم ستة مثلاً، وإن لم يحصل، فعليه أن يرمي الزار مرة أخرى، وهكذا.

هذا السيناريو المتشائم يفترض أن البشرية لن تجد حلاً للإمبريالية، لكنه ليس أكيداً بلا شك، فمن الممكن أن ينتهي يوماً هذا النظام الخرب، ليحافظ هذا الجنس على بقائه، وهناك الكثير من العلامات على انهيار هذا النظام، إنما هو سباق مع الزمن، أيهما سيسقط أولاً الرأسمالية أم الإنسان. وعندما أتحدث عن الرأسمالية فإنني أقصد ما انتهينا إليه من رأسمالية، وهي لا تشبه الرأسمالية التي دعى إليها آدم سميث أو فورد، إنها نظام مافيات إقتصادية لا تلتزم حتى بقوانين الرأسمالية، ويمكن إثبات ذلك بسهولة.

 

س3: حمودي الكناني: يمر العرب بزمن رديء  وأنهم أمةٌ استعذبت طعم الهزائم ، هزمت من قبل سايكس بيكو وهزمت في 1948 و1967 .  ومؤتمر القمة العربية الاول الذي عقد في الخرطوم ذو اللاءات الثلاث تآكلت لاءاته وتلاشت. وحرب 1973 كانت حرب تحريك لا حرب تحرير وكانت ثغرة الدفرسوار وما تلاها. لا ارى علامات مضيئة حتى في البلدان المستقرة نسبيا فهل ترى عكس ذلك؟ كيف؟

ج3: صائب خليل: الأمة العربية تجد نفسها اليوم في القفص الذي وضعها فيه النظام العالمي الذي تتحكم فيه كل من إسرائيل والولايات المتحدة، وأحد أهدافه المباشرة، تحطيم هذه الأمة وتقاسم ما بقي لها من ثروات وتحويل أبناءها إلى جنود في عمليات إرهابية تقودها الولايات المتحدة على بلدان أخرى، ويفضل أن يتم ذلك بأقل ضجيج ممكن لكي لا تنتبه بقية الأمم التي سيأتي الدور عليها لاحقاً. وأحد أهم قيود هذه الأمة هم حكامها.

الـ "لا" مستهدفة بحد ذاتها. يجب خلق أمم لا تستطيع أن تقول أية "لا"، ويمكننا أن نرى خاصة منذ النصف الثاني من القرن العشرين وبشكل متزايد، أن الأمة التي حاولت أن تحتفظ بقدرتها على الدفاع عن مصالحها وأن تقول "لا" لما لا يناسبها، كانت هدفاً مباشراً لقوى هذا النظام، ويمكنك أن تحلل هذا الصراع على أنه صراع من أجل الحق بقول كلمة "لا" أكثر مما هو صراع بين الرأسمالية والشيوعية مثلاً. فقد حوربت وتم القضاء على معظم الحكومات التي لم تكن لها (في حينها) علاقة بالشيوعية، لأنها كانت تريد أن تحتفظ بحق قول "لا"، ولكن هذا بالضبط هو ما تحرص الدولة العظمى أن تحرمها إياه.

هل هناك نقطة مضيئة؟ أكتسب بعض التفاؤل من حقيقة مرة في أصلها هي أننا لا نملك الإعلام! أي أن الصورة التي نستلمها عن العالم قد لا تكون بهذا السوء الذي ينقله لنا الإعلام، وأن مازال للعرب وللإنسانية محاربيهم.

في العرب هناك حسن نصر الله وحزبه الرائع. الكثير من العلمانيين والسنة يترددون في قبول مثل ذلك التقييم، لاسباب هي في الحقيقة غيرة من فشلهم في تحقيق شيء مماثل. لكننا لو قسنا الرجل بأي من ابطال التاريخ الذي تعتز به أية أمة، فأن حسن نصر الله لن يقل عن أعلاهم بطولة وأكثرهم صدقاً ويتفوق على أغلبهم في التضحية ونكران الذات. إنه حال مؤسف آخر أننا لا نستطيع أن نقدر أبطالنا بالمدى الذي يفعله الآخرون، وبالتالي فإننا نفوت الفرص للإستفادة منهم لعبور المنحنيات المظلمة في تاريخنا.

 

س4: حمودي الكناني: كتبت عن نجاد كما يكتب الانسان عن قديس... هل تعتقد ان العلمية تكمن في تصعيد الخطاب؟ ام انها تكمن في تصعيد الدبلوماسية؟ وهنا أسألك عن مقدرة روحاني على اقناع الرأي العام الغربي بعدالة قضية الشعوب الايرانية.

ج4: صائب خليل: أولاً، الدكتور أحمدي نجاد، قديس حقيقي بالفعل، بكل ما في القديسين من نقاط قوة وضعف. لم يمر في تاريخ المنطقة حاكم بمثل نكران الذات الأسطوري للدكتور أحمدي نجاد، ولا بشجاعته وإنسانيته وإخلاصه لفقراء بلاده وكرامتها، وليس اتهامه بالتطرف صحيحاً على الإطلاق.

لو راجعت ما يقوله نجاد بشكل عام، لوجدت أنه شخص يرفض أن يفهم أو يقبل شروط القوى الكبرى، بأن على الإنسان أن يرضى بالعيش كنصف إنسان، وهو النظام السائد في يومنا، لذلك يراه البعض "متطرفاً". قال نوري المالكي بفرح أن روحاني رجل "معتدل" مكرراً بذلك كالصدى لرأي الغرب وتقييماتهم بالنسبة لرجال حكومات الشرق. روحاني يقبل بنصف أو ربع الحقوق، لذا يراه أوباما ونوري المالكي (لنظرة من زاوية مختلفة لنفس الموضوع) وآخرون، بأنه "معتدل". ولو راجعت تاريخ هذه الكلمة في السياسة العالمية في الفترة الأخيرة على الأقل، لوجدت أنها تعني بالضبط "المنحني" للإرادة الأمريكية، ولم يوصف يوم رجل أو نظام بأنه معتدل، وكان قد وقف معتدلاً في مطالبه بالنسبة لشعبه، ولم يوصف رجل انحنى لأميركا أو إسرائيل بأنه “غير معتدل”، وكلما ازداد "إنحناء" القائد، إزداد امتداح "إعتداله" في العالم اليوم.

هل يجب تصعيد الدبلوماسية بدل تصعيد الخطاب؟ لو كنا نتحدث عن طرفين متساويي القوة بشكل ما، فالكلام سليم، أما عند الحديث بين لص مسلح بسكين يريد محفظة نقود الآخر، أو وحش يريد اغتصاب فتاة، فالمسالة مختلفة بعض الشيء. قد نرى "الحكمة" في مفاوضة الضحية للمعتدي الأقوى، لكننا لا نستطيع إلا أن ننظر بإعجاب، إن قررت هذه الضحية مقاومة الأقوى و "تصعيد خطابها" بوجهه. إننا نشعر بأمان أكبر عندما يتجرأ الكثيرون على تحدي المافيا، ونشعر باحترامنا لهم وبامتناننا لهم أيضاً. أن من يساوم بدبلوماسية على حقوقه، يساوم على حقوقنا أيضاً لأنه يجعل من المعتدي أكثر قدرة على حرماننا منها. حقوق إيران في قنبلة ذرية (وليس تكنولوجيا نووية فقط) حقوق مشروعة 100% خاصة في هذا العالم الذي لا يحكمه قانون أو أمم متحدة، وحتى اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية تقر لها بذلك، لأن الأقوياء لم يلتزموا بالإمتناع عن تطوير المزيد منها، فصارت غير ملزمة إذن للصغار. ولو نجحت إيران في تثبيت حقوقها في قنبلة نووية لكانت هناك فرصة أكبر لبقية الدول في أن تطالب بنفس الحق، وإن تراجعت إيران، فإنه تراجع عام لهذه الدول أن تؤمن نفسها كما تؤمن الدول الكبرى نفسها، رغم أن حاجة الدول الكبرى لذلك أقل بكثير.

الدبلوماسية نعم، لكن الدبلوماسية تعني أن تلعب بأوراقك، ومن أجل ذلك يجب أن تمتلك تلك الأوراق أولاً، وإلا فعلى ماذا ستفاوض وعلى أي شيء ستبني دبلوماسيتك؟ إيران أمتلكت من خلال سياسة نجاد، بعض الأوراق التي تستطيع أن تفاوض بها الآن، ولكن الدول “المعتدلة” مثل "السعودية" مثلاً، أو ربما حكومة محمود عباس، تذهب فوراً إلى طاولة المفاوضات. ليس غريباً أن المقابل يصر عليك أن تأتي إلى طاولة الدبلوماسية قبل أن تحصل على تلك الأوراق، لكن من الغريب أن تقبل أنت بذلك.

 

س5: حمودي الكناني: اوباما. الم يقنعك ان اميركا انتهت من مرحلة التمييز العنصري ضد السمر في اميركا وفي العالم؟

ج5: صائب خليل: نعم، لكن أمامها الكثير من "العنصريات" الأخرى الأكثر أهمية بالنسبة لي، وبعض من أهم تلك العنصريات، في تزايد وليس في تناقص.

 

س6: حمودي الكناني: هل ترى معي ان اميركا الرأسمالية ستضطر لا حقا الى تبني التدخلية في الاقتصاد بدون ثورة اشتراكية.. بمعنى .. هل ترى ان أطياف ماركس مازالت تحلق في ارجاء المعمورة؟

ج6: صائب خليل: حتى الآن هي تتبنى بعض التدخل في الإقتصاد، فالإقتصاد الرأسمالي البحت لا يستطيع البقاء أسبوعاً واحداً، حسب نعوم جومسكي.

وعلينا أن نفهم أن ماهو أمامنا في العالم اليوم، ليس رأسمالية بالمعنى الذي جاء به آدم سميث أو الذي انتقده ماركس، بل هو نظام مافيا مالية لو أنها كانت في زمن سميث لكان أول من يهاجمها بشدة، فسميث كان يبحث عما يراه مصلحة العالم من وجهة نظره، وكان يعي خطورة تآمر رجال المال. الرأسمالية التي تحدث عنها ماركس وريكاردو وسميث ومعاصريهم ومن بعدهم، كانت تعتمد على الإنتاج الرأسمالي، وفائض القيمة. الآن أكثر من 95% من السوق، هي سوق مضاربات عملات وأسهم وأقل من 5% هي سوق أنتاج! كانت النسبة معكوسة حتى بعد منتصف القرن الماضي. عملية غير إنتاجية لا تقدم أية قيمة للعالم، بل تحوله في معظمه إلى مضاربين ولاعبين في كازينو قمار كبير، ولصوص تبحث باستمرار عن طرق جديدة لسرقة جهود القلة المنتجة. هذا الوضع الطفيلي صار ممكناً بعد أن تطورت كفاءة الإنتاج إلى هذا الحد، إضافة إلى استهلاك ثروات العالم بدون أي وعي للكارثة القادمة. الإقتصادي اليوم مشغول بنهب ثروة الأرض وعمالها، وليس إنتاج شيء. ماركس كان مشغولاً بتحليل سرقة الرأسمالي لفائض القيمة الذي ينتجه عماله. الآن يسير معظم الإقتصاد حيث ليس هناك معامل ولا عمال ولا "قيمة" ليتم سرقة فائضها.

هل هناك أمل؟ ربما تتفق العصابة أن تخفف من شفطها لثروة عبيدها حفاظا على استمرار قدرتهم على خدمتها لفترة أطول، لكن المشكلة أعمق وتجد جذورها في طبيعة المجتمعات، وتسمى في علم "نظرية الألعاب" بـ "مأساة العموم"

The Tragedy of the Common

وفكرتها أن "مصلحة المجموع" ليست مصلحة أي من أفراد هذا المجموع، وعندما يفتقد "المجموع" قدرته على فرض القوانين لتأمين مصلحته (كما يفقدها في حرية السوق مثلاً) فإن الأفراد سوف يسيرون وراء مصالحهم التي ستقضي على مصلحة المجموع، وبالتالي ستقضي عليهم في النهاية. ورغم وعيهم للنتيجة، إلا أن حتى الراغبين في الإمتناع عن تحطيم النظام، غير قادرين على منع الآخرين من ذلك، ولا يجدون أمامهم سوى أن يسيروا مع الآخرين لتحطيمه، أو يحطمون أنفسهم وحدها بالإمتناع عن المشاركة في شفط مصلحة المجموع.

هذه هي العلة أيضاً وراء تكرار الرأسمالية لإنهياراتها رغم وعيها المسبق بها. ولا أقصد الإنهيارات الأخيرة في بنوكها، فهذه الأخيرة ليست إنهيارات وإنما جرائم سرقة مرتبة سلفاً، ويعلم أصحابها أنهم سيحصلون على أرباحهم منها في النهاية، فهي ليست "إنهيارات" إلا بالنسبة للناس وأموالهم وحقوقهم، أما بالنسبة للأثرياء فهي تجارة رابحة.

 

 س7: حمودي الكناني: الاقتصاد الاسلامي هل يمكن ان يكون بديلا عن الاقتصادين الرأسمالي والاشتراكي؟؟ وهل قرأت عن البنك اللاربوي؟؟ وهل يمكن لبنك ان يكون لا ربويا فعلا؟

ج7: صائب خليل: قصة الربا قصة طويلة في تاريخ الإقتصاد، وقد منعتها أديان أخرى أيضاً، وحكومات في القرون الماضية لإدراكها أنها وراء الكثير من الكوارث، وتستحق هذه القصة موضوعاً مستقلاً.

الإقتصاد الإسلامي اللا ربوي، يتفق تماماً مع ماركس في نقطة اساسية، حين يقول، بل يبرهن رياضياً، أن المال لا ينتج قيمة (تبادلية)، وبالتالي لا معنى للربا سوى السرقة! والإسلام حرم الربا مثلما حرم السرقة، فهما متفقان تماماً هنا، والبنك اللاربوي يبدو خياراً إنسانياً ممتازاً.

لكن المشكلة الأساسية أنك لا تستطيع أن تبني جزءاً إقتصادياً سليماً ضمن كل مشوه، دون أن ينهار أحدهما نتيجة التناقض مع الآخر، مثلما لا تستطيع في حقيقة الأمر أن تبني نظاماً إنسانياً ضمن قوانين رأسمالية.

في بدايات الرأسمالية كانت هناك بعض المحاولات لتخفيف وحشيتها التي فاجأت العالم، من خلال وضع قوانين تحدد من أذاها للعمال، وقد كان ذلك واضحاً بشكل خاص في إنكلترا، حيث كانت المهد الأكبر للرأسمالية. ومن أشهر تلك المحاولات، سعي بعض البرلمانيين إلى تشريع قوانين تمنع تشغيل الأطفال دون عمر معينة. فكانت الحجة التي يوردها الرأسماليون المعارضون لتلك القوانين، هي أن النتيجة لن تكون في صالح الفقراء إن فعلنا ذلك! يسأل أحد معارضي القوانين رجلاً مؤيداً لها في تحقيق برلماني: لو أنك وضعت قانوناً يمنع عمل الأطفال، فما هي النتيجة على أسرة فقيرة تعتمد على عمل أطفالها من أجل بقائها على قيد الحياة؟ هل تتحمل أنت مسؤولية نتيجة ذلك؟ والسؤال وجيه، لكن ضمن النظام الرأسمالي السيء بكليته. فعندما يتاح للرأسمالي أن يحدد الأجور، ومن يعمل ومن لا يعمل، فعندها لا يكون لمنع عمل الأطفال من أثر سوى تحطيم الكثير من العوائل التي فرض عليها النظام أن تعتمد عليهم في معيشتها! الخلل في النظام العام الذي يجعل من عمل الأطفال ضرورة للبقاء على قيد الحياة، ومسؤولية الخلل ونتائجه تقع على عاتق من يفرضه وليس على الذين يسعون لحماية الأطفال منه. كل الكائنات ترعى أطفالها ولا تحتاج إلى عملهم من أجل بقائها على قيد الحياة، فلماذا لا يستطيع ذلك اعلى تلك الكائنات تطوراً وكفاءةً؟

وهكذا لا يستطيع بنك لاربوي حقيقي أن يصمد ضمن نظام رأسمالي، أمام شفط بقية البنوك لمادته، إلا بقدر قدرة بلاده على التعويض المستمر لذلك الشفط، وبالتالي فلن يصبح مؤسسة قادرة على إدامة نفسها بنفسها، ويخرج من كونه "بنكاً" إلى مؤسسة رعاية. وسيبقى على كل حال أفضل من بنك.

 

س8: حمودي الكناني: تفجير الكنائس والمساجد والحسينيات؟ هل هي نتاج ثقافة متخلفة؟ ام هي صناعة عالية التقنية مصدرة من ..... من أين؟؟ 

ج8: صائب خليل: معظم الأعمال الإرهابية تشير إلى من يقف وراءها، بشرط ان يتم تحليلها ببعض التعقل، وهذا الأمر هو الجزء الصعب في الموضوع، فأحدى نتائج الإرهاب، هي إفقاد الناس القدرة على التحليل العقلي، ودفعهم إلى رد الفعل العاطفي المباشر، من خلال هول المشهد الصادم، والمستعجل لرد الفعل.

مبدئياً، لا يمكن لـ "ثقافة متخلفة" أن تنتج إرهاباً بهذه الكفاءة وهذه القدرة على الإستمرار، ولو فعلت لتغلبت على الغرب وسيطرت على العالم، فالغرب سيطر على العالم من خلال استعماله الكفوء للعنف والإرهاب - وليس من خلال وهم تفوقه الأخلاقي - ويقر بذلك عدد من فلاسفته، حتى من الصقور.

لنأخذ مثالين ساطعين، تفجير كنيسة سيدة النجاة ومحاولة تفجير حسينية في البصرة في صيف 2005. في كنيسة سيدة النجاة، انكشف زيف المسرحية الدموية الفاشلة في نقطتين أو ثلاثة..الأولى هي ما تحدث به الناجون من المجزرة والذي يؤكد أن "المتخلفين" الذين كانوا يهتفون "بحقد" – ألله وأكبر، لم يكونوا حاقدين على الإطلاق على ضحاياهم، بل ينفذون مخططاً دقيقاً لا مكان للعاطفة فيه، لا الإيجابية ولا السلبية.

المسرحية التي استمرت ساعات من تفجير القنابل والرمي بالرصاص على عدد محدود في قاعة للكنيسة وغرفة جانبية واحدة، لم تقتل جميع المتواجدين في الكنيسة من المسيحيين بل ترك عدد كبير عمداً حسب الخطة، ليخرج وينشر الإرهاب "الإسلامي" بين المسيحيين والناس، وكان بإمكانهم إشباع "حقدهم" بقتل جميع الضحايا بنصف دقيقة، فمن أجل ماذا استمر الضجيج ساعات؟

تروي إحدى الضحايا أن إرهابياً كان يقف بالقرب منها، ذهب في نهاية الأمر لـ "ينتحر" خلف حاجز في الكنيسة! لماذا ينتحر الإرهابي بعيداً عن ضحاياه؟ ولماذا خلف حاجز؟ هذا يعني أنه لم ينتحر، بل فجر قنبلة صوتية، وانتظر مثل بقية الإرهابيين دخول القوات الحكومية التي انتظرت تلك الساعات لتعطي المسرحيين وقتهم اللازم لإنجازها، فهي متعاونة معهم تماماً، وبإشراف القوات الأمريكية التي كانت تتابع القضية من هيليكوبترات في الجو، ثم تم إخراج هؤلاء مع الضحايا في الظلام والغبار الذي لف الكنيسة وتم تهريبهم، ثم كانت هناك ملحق إعلامي للمسرحية عن إلقاء القبض على من قيل أنهم منفذوا الجريمة أو مخططوها وأنه تم إعدامهم ولا يمكن التحقق من أي شيء من ذلك.

في هذه الأثناء كتب الصحفي فراس الحمداني أن قتل القساوسة كان بالذبح بالسيوف، وهو مناقض لما ذكره الناجون من المجزرة، وحين سألته عن مصدره، وكررت ذلك، اصابه الرعب ولجأ إلى تهديدي! الا يستحق مثل هذا الرجل على الأقل أن يسأل من قبل الأمن الحكومي، من أين أتى بتلك القصة الكاذبة؟ لكنهم جميعا في فريق واحد! هذا هو التفسير الوحيد لدي، ومن لديه تفسير آخر فليتفضل به. إننا نترك هذه الأسئلة لنركض وراء محتال (أو موهوم) يجهد للبحث عن الأسباب في بطون تاريخنا وجيناتنا، ويقدم في المؤتمرات ليزيد الناس وهما وظلالاً، ويسهم في الإرهاب في النتيجة!

بالنسبة للبريطانيين الذين حاولا تفجير حسينية في البصرة، نلاحظ أن ذلك حدث اواخر عام 2005، اي قبل بدء الإرهاب بحجمه الذي عرفناه بعد ذلك، ويبدو أنها كانت مرحلة التجارب البريطانية الأمريكية لقيادة عمليات إرهابية وكانوا بحاجة إلى أن يتواجدوا في الساحة بأنفسهم. فقد القي القبض عليهم متلبسين ليس فقط بالتنكر بالزي العربي، وإنما أيضاً بامتلاك متفجرات وأهم من ذلك جهاز تفجير عن بعد! وقام هذين الرجلين بقتل شرطيين عراقيين لأنهما أحسا أنها قضية حياة أو موت بالنسبة لهما، وقامت القوات البريطانية باقتحام السجن وتحريرهما بالدبابات، ورغم ذلك خرج علينا الجعفري ليؤكد أنه "لا توجد أزمة بين الحكومة العراقية وبريطانيا"! وقام الإعلام العراقي الذي خلقه الإحتلال ومازال حتى اليوم يتجاهل ألإشارة إلى تلك الحادثة التي تدل، بل تبرهن أن الإرهاب من إنتاج تجارب ودراسة علمية أمريكية بريطانية. ومع هذا الموقف الحكومي والإعلامي العراقي، ليس هناك أي عجب في أن ينتشر الإرهاب بالشكل الذي انتشر فيه. فإن كانت الحكومة العراقية للجعفري المعروف ببعض الصلابة قياساً بالمالكي تجاه الإحتلال، قد فعل ذلك في قضية مكشوفة على الرأي العام، فكيف يكون قد تم التعامل مع القضايا المحتملة المماثلة التي لم تفتضح؟

 

س9: حمودي الكناني: يقول ذوو الرأي والدراية أن جامعة الدول العربية انشئت لتكريس التجزئة  وزرعت الانقسام والتشظي في نفوس العرب  وأنها عبارة عن جسم ميت لا حول ولا قوة ولا تأثير لها، فماذا يرى الكاتب صائب  خليل؟

ج9: صائب خليل: لا أدري إن كان إنشاء الجامعة العربية بهذا الهدف، لكنها الآن مؤسسة إسرائيلية بامتياز، مثل المؤسسات الأخرى التي تواجدت في بلدان سيطرت عليها حكومات عميلة لإسرائيل، مثل الأزهر الذي يسمى "شريفاً" ربما للسخرية.

وفي حالة الجامعة العربية فأن سيطرة مثل تلك الحكومات وأخرى تسعى لإرضاء إسرائيل عليها جعلت المنظمة في النهاية تحت تصرف إسرائيل. إنها تتهم بالتخاذل والكسل والسلبية في القرارات، لكن هذا كان في زمن مضى. يكتفى عادة بالطلب من المؤسسات العميلة والحكومات العميلة في بداية الأمر أن تكون سلبية وتترك الساحة لتنفيذ المخططات الأمريكية والإسرائيلية. لكن هذه المرحلة تم تخطيها الآن. الآن المطلوب من هذه المؤسسة أن تكون فعالة في تحطيم الدول العربية. لم تعد هناك مشكلة تخاذل عن اتخاذ القرارات أو الخمول، فجامعة الدول العربية كانت في غاية الفعالية والنشاط في قراراتها المتماهية مع الأجندة الإسرائيلية بالنسبة لإيران، ثم شاركت بفعالية منقطعة النظير، وبالضد من قانونها الأساسي، في تحطيم سوريا، وتبنى أعضاءها المشروع الإسرائيلي بحماس لا نجده لديهم حتى في أهم المشاريع الخاصة بمصالح بلدانهم، وقدموا فيها الجهود والأموال والتضحيات ما لا يفعلونه للبرامج التي تهم شعوبهم!

 

س10: حمودي الكناني: كثير من المحللين المحايدين يرون ان الفكر الوهابي ادخل المنطقة في دوامة خطيرة وأن آل سعود اتخذوا هذا الفكر المتطرف لتكريس سلطانهم وبسط نفوذهم على المنطقة مدعومين بتأييد امريكي وصهيوني  وهم في ذلك يقومون بتربية ثعبان شديد السمية، هل سيلدغهم هذا الثعبان إن فرغ لهم؟

ج10: صائب خليل: الفكر الوهابي ليس سوى فكر تم استخدامه من قبل الخبراء الإسرائيليين والأمريكان الذين درسوا الإسلام بدقة واكتشفوا نقاط ضعفه والثغرات التي يمكن من خلالها تحطيمه. فاخترعوا كل ما لذ وطاب لأعداء الإسلام من "رضاعة الكبير" إلى "جهاد النكاح" إلى كل الفضائح المضحكة المبكية التي نسمع بها اليوم، وبعضها ليس له اي أساس إسلامي، وبعضها الآخر ربما كان له حجة ما في زاوية ما، وتم تكبيره إلى الحجم المطلوب. الفكر الوهابي يتواجد اليوم في دول تحت السيطرة الأمريكية المباشرة، ولا نستطيع أن نعرف حقيقة مدى انتشاره، وطرقها ولا نعرف الفاصل بين المقتنعين به وبالإرهاب الذي يرافقه من جهة، وبين مجاميع إرهابية مدربة في أميركا وإسرائيل لتنفذ العمليات بحجة الفكر الوهابي. ولا نعلم كيف تدار القضية ومدى المرونة فيها. يعني هل أن الإرهابيين يتلقون اوامرهم المباشرة كجنود من جهات إسرائيلية – أمريكية، ام أن تنظيماتهم مخترقة إلى درجة كبيرة ويتم توجيهها بشكل كبير ولكن ليس بشكل مباشر بأوامر عسكرية. أغلب الظن أن الموضوع خليط بين الإثنين، ولذلك نرى القوات الأمريكية تقتل بعض افراد القاعدة أحياناً، وتحميهم في أكثر الأحيان، فهي تميز بين من هو ضمن اختراقهم ومن قد يخرج عنه.

هل سيلدغ الإرهاب بلدانه؟ بالتأكيد، هذا وارد، خاصة إن قرر من يشرف عليه ذلك، أو قرره الإرهاب بنفسه! إن إنتاج الإرهاب لا يمكن إلا أن يكون مدمراً لمصدره، وبالتالي لا يقوم به إلا من يقاد من رقبته إلى غير مصلحته، كما رأينا مثلاً في موقف تركيا أو الأردن أو دويلات الخليج من الحرب على سوريا. لا يمكن أن يكون لأي منها، لا شعباً ولا حتى حكاماً، أية مصلحة في الدور الذي كلفت به.

 

س11: حمودي الكناني: في تعليق على قصيدة للشاعر عبد الوهاب المطلبي قلت:

"الله .. إن خرج هذا الوطن من هذه المحنة سالماً، فسوف نعجب لذلك ايما عجب..!)" لماذا صعبت اسباب التلاقي وغاب صفاء القلوب بين الناس، هل يعني أن اسباب التفرقة والبغضاء اقوى من اسباب التلاحم والانسجام بين مكونات الامة العراقية؟

ج11: صائب خليل: على العكس، لا أعتقد أن تلك أسباب الفرقة قوية أبداً. فبعد ثمان سنوات من الحرب العراقية على إيران، حين توقف إطلاق النار تمهيداً لإعلان نهاية الحرب، واتصل الجنود العراقيين بالإيرانيين في الجبهة، صاروا أصدقاءاً فوراً. الأمر نفسه حدث في حروب دامية كثيرة، وخاصة في حرب الخنادق في الحرب العالمية الأولى حتى أن حكومات الغرب كلفت ضباطاً بالتجول لتأمين استمرار القتال ومنع تشكيل الصداقات بينهم، وقد كتبت عن ذلك سابقاً. لا توجد أحقاد حقيقية بين المتقاتلين إلا بما توحي به أجهزة الإعلام والسياسة المعادية لجميع الأطراف، وهذه كلها "تطير" إن تحدث هؤلاء مع بضعهم البعض مباشرة. المشكلة أن هذه الجهات الأخيرة لن تسمح لهم بالحديث كما فعل الجنود. إنهم يدركون خطورة ذلك الحديث على أجنداتهم، لذلك تم فصلهم بقدر الإمكان، بالتهجير والعوازل الكونكريتية والعوازل الإعلامية التي تجعل كل من الطرفين يستمع إلى منظومة إعلامية مختلفة عن الآخر، خوفاً من نشوء الحوار بينهما.

مكونات الأمة العراقية لا أمل لها إلا مع بعضها (إلا ربما كردستان، التي لها آمال قومية أخرى، وهي تتشكل كإسرائيل أخرى في العراق، بكل عدوانيتها وكفاءتها والدعم الأمريكي لها). يجب أن يدرك ألسنة والشيعة بالذات أنهما ضحية، وضحية صغيرة للمخطط الكبير، وأنهما حتى في حالة اتحادهما فأن الأمل في حياة كريمة يبقى غير مؤكد بسبب الحجم الصغير والتخلف الشديد والظرف الصعب الذي يمر به العراق، أما إن تفرقا، فإنهما يصبحان نملة تدوسها الأقدام بدون حتى أن تشعر بشيء! أي وهم بانفصال أو إقليم هو أمر في غاية الخطورة على هذه الضحايا التي لا تدرك حجمها بالنسبة لحجم الخطر، وتم إعماؤها تماماً عمن يكون الصديق وعمن يكون العدو، فتجد السني يهتف وكأنه مصاب بلوثة من إيران، دون أن يكون لديه أي دليل مهما كان بسيطاً على ما يقول، وتجد الشيعي مؤمن بأن السنة أشرار في جيناتهم وأنهم ورثوا الشر وتدمير آل البيت من جدتهم التي أكلت كبد الحمزة.. إننا شعب تعرض لحرب إبادة شاملة بأسلحة “بيولوجية” سيكولوجية رهيبة افقدته صوابه، وهو في أمس الحاجة إلى أن يدخل مصحة نفسية. هذا هو الخطر وهذا هو مصدر التشاؤم.

 

س12: حمودي الكناني: تلعب قطر دورا كبيرا في الذي يحدث في منطقتنا العربية  وكلنا يعرف حجم هذه المشيخة وعدد سكانها فما الذي جعلها تتفرعن هل هو التنافس مع آل سعود يدفع بها الى ذلك أم انها تنفذ خارطة رسمت لها من الغير  وماذا يعني التغيير الذي حصل فيها؟

ج12: صائب خليل: إنها لا تتفرعن، إنها تلعب دور التفرعن. تحدث المسرحي الكبير يوسف العاني مرة عن لقاء له عندما كان شاباً مع ممثل أجنبي كبير، فسأله يوسف العاني كيف يستطيع أن يصرخ كل هذا الصراخ ويكرره كل يوم دون أن تلتهب حنجرته، فأجابه: "أنا لا أصرخ...انا أمثل الصراخ!" أي أنه لا يوتر حنجرته، لكنه يصدر منها صوتاً عاليا فقط.

قطر أيضاً تلعب دورها، وقد لا تكون حكومتها متمتعة به حقاً. لقد اضطر هذا الدور حاكمها إلى التخلي عن الحكم لإبنه بعد فشل مهمته في المؤامرة على سوريا، ولا أتصور أن مثل هذا القرار سهل على مثل هؤلاء الحكام. لقد حولوا بلادهم، بلا أي مبرر مفهوم إلى دولة مكروهة من قبل الشعب العربي كله، وربما من قبل شعبهم نفسه، وفي هذا الأمر لم يكونوا مخيرين في رأيي.

 

س13: حمودي الكناني:  لم يكن الروس اوفياء في التزاماتهم تجاه الدول العربية التي عقدوا معها معاهدات ... تخلوا عن اصدقائهم المقربين في المنطقة فسقطوا تباعا لكنهم الان يدافعون عن بشار الاسد بضراوة، هل هذا يعني أنهم يدافعون عن آخر موطئ قدم لهم في المنطقة العربية  بعد ما احسوا بفداحة خطئهم؟

ج13: صائب خليل: بدا الروس في الفترة السابقة كبائع يتظاهر بالتمنع إلى أن يعرض عليه السعر الذي يريده، وأنا نفسي كنت أنتظر الصفقة التي ستمنح لروسيا مقابل السماح بتحطيم سوريا. لا نستطيع سوى التكهن بالتفسير لماذا كان الأمر مختلفاً هذه المرة، لكنه ليس غريباً حقاً، فروسيا جزء من العالم، وما يحدث في المناطق الأخرى منه يهمها ويؤثر عليها. وأميركا مشغولة بالسيطرة على العالم كله بلا استثناء، ولكن بطرق مختلفة وبالتدريج. بوتين نفسه قال بأن أميركا لا تريد شركاءاً بل تريد تابعين. واحتلال سوريا بالإرهاب الأمريكي المسمى القاعدة أو غيرها، خطوة أخرى في هذا الإتجاه الذي لا يريده الروس ولا الصينيون ولا أي شعب في العالم، ولا حتى الشعب الأمريكي حقيقة الأمر. في هذه المرة، إضافة إلى العلاقة المميزة بين سوريا وروسيا، قرر الروس أنهم يستطيعون الصمود وأن عدم التراجع مهم وممكن، وأن من مصلحة روسيا أن يقف هذا المد، وأن تبرهن مصداقية فقدتها، فكان.

 

س14: حمودي الكناني: عندما تدخلت قوات الاتحاد السوفياتي في افغانستان  هبت امريكا وحلفاؤها البعيدون والقريبون  لاخراج السوفيت من افغانستان، هل هذا يعني ان هذه المنطقة منطقة نفوذ امريكي وغير مسموح المساس بها؟

ج14: صائب خليل: يكتب جومسكي أن الأمريكان، خاصة بعد انهيار المنظومة الإشتراكية، يعتبرون كل العالم منطقة نفوذ أمريكي لا يسمح المساس بها. المأساة التي تحدث في أفغانستان قد حدثت في بلدان عديدة أخرى من ضحايا الولايات المتحدة. تحصل الدولة على حكومة ديمقراطية بالإنتخابات أو حكومة معقولة ووطنية غير ديمقراطية، فتحطمها أميركا باللجوء إلى أرذل ما تجده فيها من شعبها. ثم حين يحكم هؤلاء ويمزقون البلاد ويكرههم الشعب ناسياً من كان وراء مجيئهم، ويتمنى الخلاص منهم بأي ثمن، تعود أميركا لتصبح "متفضلاً" على هذا الشعب باحتلال بلاده، وما حدث في أفغانستان لا يختلف من هذه الناحية عما حدث في العراق، ونتائجها التي لم نعرف نهايتها بعد، مأساوية بكل المقاييس. فلا أفغانستان ستعود متطورة كما كانت يوم الحكم الشيوعي، ولا العراق سيعود كما كان في حكم قاسم أو عبد الرحمن عارف، ورغم ذلك لا يخجل بعض “مثقفينا” من المطالبة بأن نشكر أميركا لأنها أزاحت عصابة كلابها التي اطلقتها علينا نصف قرن من الزمان وتكفلت بتحطيم هذه البلاد، قبل أن تقرر الحلول محلها بشكل مباشر، لتسلمها لعصابات الفساد المالي.

 

hamodi alkenanisalam kadomfarajفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الأديب الاستاذ سلام كاظم فرج فاهلا وسهلا به.

 

 سلام كاظم فرج متواضع جدا عندما تتحدث معه يبدأ الحديث بضحكة خفيفة لكنها ليست باهتة وإنما رقيقة كرقة روحه التي اتعبتها تلكم السنين الوقحة التي عاشها العراقيون كلهم ولما سألته عن سيرته الذاتية رد علي قائلا:

 

سلام كاظم فرج: تتلخص سيرتي بكوني ولدت بصريا ونشأت عراقيا .. لم اترك محافظة ـ تعتب عليَ ــ لم اسكنها ـ الدراسة الابتدائية تخرجت فيها متنقلا بين مدرسة الازدهار التي تقع على نهر المسحب الذي يشكل نهاية مشوار نهري دجلة والفرات وقرارهما بالقران لينجبا شط العرب. ومدرسة النضال التي تقع وسط مدينة العشار. ثم مدرسة 14 تموز عند ضفاف الخورة . ثم مدرسة عاصم بن دلف في اطراف البصرة القديمة. اما المتوسطة فتخرجت فيها من خلال متوسطة الهندية في مدينة طويريج. اما الاعدادية فتنقلت بين اعداديتي المعقل والجاحظ .. وتخرجت اخيرا في كلية القانون والعلوم السياسية عام 1974 .. وتنقلت في الوظائف فلم اترك دائرة في وزارتي الري والزراعة تعتب علي .. واشتغلت محاسبا وحقوقيا وحارسا ليليا وجنديا وبوابا وعطارا وعاطلا عن العمل وكاتبا.!!. ويكفي ان اخبرك ان كل خريجي الكليات من الجنود الذين شاركوا في حروب الثمانينات منحوا رتبة ضابط الا ثلة تسمى ـ المغضوب عليهم ولا الضالين ــ احتفظوا برتبة جندي مكلف خريج ــ؟! وكنت منهم والحمد لله رب العالمين ..

 لي كتابات في القصة وما سمي جزافا بقصيدة النثر والمقالة والنقد الادبي .. بدأت في نشر بعضها منذ عام 72 . وانقطعت عن الكتابة والنشر لغاية 88 .. بأمر من جهات امنية . قاطع .. لكنني جازفت بالعودة الى النشر في جريدة الجمهورية البغدادية في عامي 88 و 89 .. ثم عدت الى الاعتكاف بقرار مني هذه المرة .. وكما تعرف .. لقد عدت الى الكتابة والنشر بعد عام 2003 .. ويسعدني ان اخبرك اني نلت الجائزة الاولى في النقد الادبي في محافظة البصرة عام 71 بتوصية من لجنة مؤلفة من محمود البريكان ومحمود عبد الوهاب والدكتور محمد عبد الجبار المعيبد .. وإذا عرفت مكانة هؤلاء الادبية تكون قد عرفت اسباب سعادتي التي ما زال طعم رحيقها حلوا في فمي !! .. ونلت الجائزة الاولى في مسابقة في القصة القصيرة لعام 2009 .. هي جائزة جعفر الخليلي في الابداع القصصي .. واذا عرفت من هو جعفر الخليلي تستطيع ان تعرف انني لم اخسر كل حروبي .. وهنا يكمن سر سعادتي .. وابتسامتي الدائمة .. رغم كل ماجرى

 

والآن مع المتواضع جدا سلام كاظم فرج:

س1: حمودي الكناني: ما الفرق بين من يعرف الله ويخشاه وبين من يعرفه ولا يخشاه؟

ج1: سلام كاظم فرج: لسيد البلغاء والعارفين في الماضي والحاضر والمستقبل علي بن ابي طالب قول رهيب يلخص القضية ويجيب على سؤالك. (الهي ماعبدتك خوفا من نار او طمعا في جنة، ولكني وجدتك اهلا للعبادة فعبدتك ..) .. المسألة ان الله موجود في داخل كل إنسان وإن أدعى غير ذلك، المسألة ان العقل لا يُعتمد عليه دائما لكي نقرر مدى معرفة فلان لله لكي يخشاه او لا يخشاه، المسألة لا تتعلق بالدين .. بل بالغابة .. ما زالت الحياة غابة كبيرة فيها الانسان والحيوان والنبات .. لم تصل الانسانية بعد الى المراقي التي كان ينشدها ابو الحسن .. بحيث يكون الانسان انسانا حتى وإن لم يخوف بنار ويطمع بجنة .. في رأيي ان تاريخ الانسان لم يبدأ بعد .. نعم هناك حلم .. وتوجه صوب جمهورية الانسان .. هذا الحلم بذر بذرته الاولى الانبياء والقديسون والمصلحون الاجتماعيون والشعراء والعارفون والاساتذة وبعض المترهبين .. لكنه لم يفلح في قطع شأفة الحيوان المفترس في داخل وجدان البشر الخارج توا من الغابة .. والذي ما زال متأثرا باستعمال مخالب المواجهة والخديعة والكذب وشتى الحيل في جولة البقاء للأقوى .. من هنا تجد بعض الافندية لا يستحي ان اتهم بالاستحواذ على اكثر من حقه في بيت مال المسلمين رغم انه يصوم ويصلي ويحج ويزكي .. لا علاقة للسماء بهؤلاء سواء ان عرفوا الله ام جهلوا امره .. فداء الغابات ما زال اقوى من دواء المصلحين !!

 

س2: حمودي الكناني: لماذا اختار اللهُ الإنسانَ أن يكون خليفته في الأرضِ دون غيره من المخلوقات؟ ..

ج2: سلام كاظم فرج:  حدثنا مدرس الفيزياء قبل اربعين عاما. مجيبا على سؤال وجهته له: لماذا لم يخلق الله اكثر من قمر للأرض كما فعل بالنسبة للمشتري. فأجاب .. لو خلق قمرين لسألت لماذا ولو خلق ثلاثة لسألت ..

 في التوراة وفي بعض كتابات المسلمين ان الله خلق الانسان على صورته .. رغم اتفاق هؤلاء ان الله سبحانه لا يجسم وليس له شبيه (الله الصمد ..) ..

 الانسان (إن كان إنسانا حقا .. وجديرا بالنفحة الإلهية التي انتجته ابتداء ..) من اجمل المخلوقات .. حتى اجمل واكثر إكراما عند الله. من الملائكة . فقد أمرت الملائكة بالسجود له .. بمعنى انه منتخب ومهيأ لكي يكون خليفة الله .. لقد بذرت العناية الالهية فيه العقل والوجدان والغريزة .. وحرية اتخاذ القرار .. ربما من اجل ذلك اصطفاه الله خليفة له ..

وتلك امانة ليست سهلة .. قد ينجح الانسان فيها حملها نسبيا .. وقد يفشل .. وحسب علمي ان الخلافة تعني الإدارة الناجحة لشؤون الدنيا على الارض .. وهذا مالم يحققه سلطان ولا ملك ولا رئيس جمهورية لحد الان. حتى الازدهار في اوربا واميركا .. وحقوق الانسان .. هي في حقيقتها تركة قرون من الاستغلال والحروب والاستعمار وما التراكم المادي الجبار الا نتاج تلك العصور ..

 

س3: حمودي الكناني: خاطب القرأن العرب بانهم خير أمة أخرجت للناس فأين العرب اليوم من هذا الخطاب المقدس؟ ..

ج3: سلام كاظم فرج: (كنتم ..) ..؟؟!! هو نوع من الحض على مكارم الأخلاق .. استفاد العرب منه زمنا وهجروه في زمن آخر .. لا تنس. ياصديق ان امة العرب تعرضت الى هجمات وخسارات و انكسارات بعضها ناتج عن تقاعسهم وغرقهم في لذائذ القصور. قصور ملوكهم ومترفيهم. وبعضها ناتج عن نشوء امم عصبوية قوية مثل المغول أطاحت بذلك المجد الذي حضهم الباري على الاحتفاظ به. والان نحن نعيش في مرحلة ونظام عالمي لا يتيح لنا ان نكون خير امة الا بتعاضدنا على البر وقبلها تنمية مواردنا والبنى التحتية والفوقية ومسايرة المستجدات بروح اممية بناءة وخلاقة تحترم حقوق الانسان من حيث هو انسان .. لا عربي ولا اعجمي .. عندها قد نستحق ان نكون جديرين ان يقال عنا خير امة. لا ان نقول نحن كذلك كما كانت تفعل اناشيد الحكومات القومية بدون رصيد!!

 

س4: حمودي الكناني: من هو المناضل ولماذا تُطلق عله هذه الصفة؟

ج4: سلام كاظم فرج: ذكرتني بصديق شاعر شهيد .. قال لي: سأسمعك هذا اليوم نكتة .. قلت له .. هاتها .. فقال .. (السلطات تظن انني مناضل) ففهمت مقاصده وضحكت بصوت عال ..

 كان الشاعر الشهيد مناضلا حقيقيا .. لكنه يعرف ان صفة النضال لا تطلق جزافا مثلما كنا نفعل ومثلما كانت السلطات الشمولية تفعل .. فالنضال يعني ان تكرس كل لحظة في حياتك لقضيتك وذلك غير متاح الا لقلة من الناس ..

 كانت السلطة القمعية تتعامل مع المواطن على انه مشروع خائن (مناضل من اجل الحرية الحقيقية والعدالة الاجتماعية ..) وتتصرف بمقولة المتهم مجرم حتى تثبت برائته .. لا العكس !

 (مناضل) في الحقيقة صفة صعبة المجتنى نطلقها على من يكرس (كل عمره في سبيل حرية شعبه ووطنه والانسانية جمعاء ..) وهذا امر تحقق لبعض الناس . وخسروا الكثير في الانفس والاموال والفرص .. وان اردت التعميم ففي الحقيقة ان كل مواطن شريف في اية دولة هو مناضل. الام والاب والمعلم والطبيب والمهندس .. كل هؤلاء مناضلون من اجل ديمومة الحياة ..

 كل نزيه مناضل .. وكل شرير (انتي مناضل ..) .. اقصد مناضل مضاد .. Anti

تعني مقابل او معاكس.

 

س5: حمودي الكناني: من هو المسؤول الذي يترك أثراً يجعل كل من يراه أو يلمسه يترحم عليه ويكتب عنه التاريخ صفحات مشرقة ومشرفة بحقه؟

ج5: سلام كاظم فرج: المسؤول وما ادراك ما المسؤول؟؟ تحضرني قصة عن الخليفة عمر بن الخطاب (رض) قبيل وفاته عندما اقترح عليه بعض الصحابة ان يعهد بالخلافة لولده عبد الله. فأجاب. ويحكم هل تريدون ان يطول وقوف بني الخطاب امام الله ..؟ هذا القول الحكيم يدل على ان السلطة محفوفة بمخاطر الخطل والخطأ والتعسف الذي يغضب الله. ويدخل المرء التاريخ اما راضيا مرضيا او محملا بالخطايا . لذلك ترانا نعتز بجيل الرسول (ص) .. فاولئك الرجال حازوا السبق في الفضيلة والحرص على الرعية .. ثم تدهورت الاحوال ونشأت حكومات تعتمد الباطل والخديعة من اجل تثبيت ركائز السلطة لاجيال تعتمد التوريث تبعا لنطفة الخليفة والوزير والكاتب والحاجب .. فتمتعت الاميرات بامتيازات لم يتذوقها جيل عمر وعلي .. فحصل الوهم ان كل شيء قد انتهى فاما الزهد او الإنغمار في كسب المغانم .. وكما ان الغنم من الغنم .. (وكانت الأغنام اول واجمل شيء تقع عليه عيون الغازي.). بقي الرجال يبحثون عن الغنم والغنيمة لكي يكونوا غانمين .. وما علموا. انهم في هذا لا غانمين ولا سالمين .. الغانم هو من يستحضر صورة محمد وعلي وعمر في وجدانه وافعاله لا في اقواله فقط (وهنا سبب اشكالية السياسة حين تتلاقح بالاسلام السياسي ..) ان رجلا مثل عبد الكريم قاسم دخل التاريح كمثال للنزاهة في العراق المعاصر. من اجل ذلك تجدنا حريصين على ان يكون مسؤولينا على قدر المسؤولية حبا لهم لا نكاية بهم .. فهم اخوتنا .. وليس لنا الا القول لهم لا تدعوا الشامتين يتشمتون بنا لاننا اخترناكم .. وعلى قدر اهل العزم تأتي الانجازات. علينا ان نبارك حتى القليل من الانجاز ونؤشر السلبي . لكي نعين المسؤول ان يدخل التاريخ بعبق الرجال الرجال. وان لا نضخم الاخطاء فلكل مسيرة هفواتها. وصعوباتها وعراقيلها .. لكن من يستحق ان تترحم على والديه هو من ينجح في تنفيذ وعود برنامجه الذي من اجله دخل معترك السياسة والانتخاب .. المسؤول في كل بقاع العالم مثل طالب الدراسات العليا يمنحه الشعب درجة النجاح القصوى او الدنيا بقدر تنفيذ برنامجه.

س6: حمودي الكناني: هل اشتراكية علي بن أبي طالب (ع) هي التي أدت الى استشهاده؟

ج6: سلام كاظم فرج:  نعم.

 الامام علي سبق عصره في فهم حقوق الانسان .. ولي مقالة تبحث في سبق الامام في طرح موضوعة فائض القيمة قبل كل فلاسفة الاشتراكية المعاصرة .. لم يكن اشتراكيا وحسب. بل انسانيا امميا .. يقول الرواة انه كان يعلم بالمؤامرة التي ادت الى استشهاده فقيل له لم لا تعتقل من تشك بانه قاتلك. فأجاب. لا عقوبة قبل الجناية .. !! لذلك ليس غريبا ان يقول عنه النبي وهو لما يزل في ريعان الشباب (أقضاكم علي ..) .. فضائل الامام علي لا تجمعها كتب .. هو الزارع لأشرف بذور الانسانية .. لقد خسر حروب الخلافة. (لم يسع الى اي منصب.) لكنه ربح المستقبل ..

 

س7: حمودي الكناني: هل السكان غير العرب أكثر حرصا وأمانة وإخلاصا ونظافة وحبا للعمل من إخوانهم العرب؟ و لماذا؟

ج7: سلام كاظم فرج:  ابدا .. لا اؤمن بافضلية امة على امة ..

 ما تشهده من تطور لدى الاقوام الاخرى ناتج عن ظروف موضوعية توفرت لهم .. وظروف موضوعية معاكسة واجهتنا. اعتقد ان نشوء دولة اسرائيل اصاب نهضة العرب ومستقبلهم بالصميم وعلى البشرية في المستقبل ان تعتذر للعرب على ما اصابهم من مؤامرات وتفتيت وانقلابات مشبوهة دبرتها قوى طاغية توفرت لها الفرصة لإيذاء العرب. التاريخ يعرف كيف نكث الانكليز بوعودهم للحسين بن علي شريف مكة .. ووعد بلفور وسوء ادارة الازمة التي نفذها رجال محسوبون على الانكليز مثل فاروق في مصر ونوري السعيد في بغداد .. والحديث يطول عن اسباب تراجع حظوظ العرب . في العصر الحالي في تقديم شيئا قي مجرى التاريخ على مستوى الابداع في العلوم والتكنولوجيا

 

س8: حمودي الكناني: هل العرب صناع حضارة ماهرون؟ كيف؟

ج8: سلام كاظم فرج: اكيد. الامة التي انجبت ابن رشد والجاحظ وابن الهيثم وابن سينا والرازي .. الامة التي اخترعت (الصفر وعلم الجبر) واسست علم الاجتماع (ابن خلدون) لا يمكن ان يقال عنها انها غير منتجة للحضارة .. يكفي ان نعرف ان في عهد المأمون كانت الترجمة والتأليف قد بلغت الأوج ثم استمرت العلوم تزدهر في بغداد والاندلس والبصرة والكوفة في شتى العلوم حتى دخول الدولة العربية في مرحلة التفتت وانتهاء الدور الحضاري الجبار بمقتل المستعصم في بغداد. وعبد الله الصغير في الاندلس. حتى انتهى كل شيء الى يومك هذا. العرب شأنهم شأن الامم الاخرى صناع حضارة .. ولديهم القدرة الان ان يكونوا شركاء في صنع حضارة الانسان .. فقد انتهى عصر الامم او هو على وشك الانتهاء وسيبدا عصر الجميع. من اجل كرة ارضية غير مهددة بثقب الاوزون ـ ابتسم ـ

 

س9: حمودي الكناني: هل الذين ينتصرون لطوائفهم هم فعلا متدينون وسينالون الحسنى عند الله على شدة ولائهم للطائفة؟

ج9: سلام كاظم فرج: للفيلسوف هيجل موضوعة لطيفة عما سماه (طفولة البشرية). مرحلة طفولة البشرية هي تلك المرحلة التي شهدت نزاعات دينية وطائفية وعرقية قادت الى تشكل دول على اساس ديني وطائفي وقومي . هيجل وبعض تلامذته توقعوا ان البشرية توشك ان تغادر مفهوم التعصب للقومية والدين والطائفة والدخول الى ما يطلق عليه تاريخ الانسان ..

 ويتوقع المفكرون الانسانيون ان البشرية ستتحدث ذات يوم عن الحروب بين الدول في ماضيها وحاضرها كما نتحدث نحن عن عراك بين قبيلتين على فرس او بقرة او دجاجة .. بمعنى ان الحلم بدولة عالمية واحدة توحد البشر كان من بين احلام هيجل وغيره من مفكري القرن التاسع عشر. حيث لا طائفية ولا قومية ولا دول تتعارك.

 بالنسبة لي اعتقد ان حلم هيجل مازال متاحا. رغم مايبدو من تخلف في معارك الحاضر.

 

س10: حمودي الكناني: هل اعطى الاسلاميون الجدد مبررا لغير المسلمين باعتناق الاسلام دينا وعقيدة؟؟

ج10: سلام كاظم فرج: لم افهم مصطلح الاسلاميين الجدد. اما ان كنت تعني بن لا دن او ما يشبه اطروحاته. فأكيد ان العكس هو الصحيح .. اعتناق الاسلام عن اقتناع لا يحتاج الى اسلاميين جدد او قدماء .. الاسلام في حقيقته دين الحب والتسامح والبناء .. وكل من يدعي تمثيله عليه ان يؤمن بهذه الاقانيم (حب . تسامح، بناء ..)

 

س11: حمودي الكناني: هل يدخل الله الأشخاص الذين قدموا خدمات جليلة للبشرية في الطب والكهرباء والعلوم الأخرى التي تُعنى بسلامة ورفاهية الإنسان الجنة؟ أي هل الجنة حكراً على المسلمين فقط؟

ج11: سلام كاظم فرج:  لم اذهب الى هناك لكي اعرف،، ابتسم .. اخي الغالي كناني. لكن الاكيد ان رحمة الله تسع الخاطئين والفاسقين احيانا . فكيف لا تسع اديسون وانشتاين وجيمس واط؟؟ اكيد ان الجميع في الجنة ما خلا (نفر من الاوغاد.!!.) . (إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين .. .. لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ..) ويأتيك من يحدثك عن الفرقة الناجية الوحيدة من بين اكثر من سبعين فرقة .. لدينا تراث ضخم من المعطيات في الدين تجعل من المستحيل الاطمئنان الى اطروحة بعينها .. لكن ما اعرفه حقا ان رحمة الله تسع الجميع .. سيما المنتجين لقيم التسامح والمحبة والكفاية والرخاء ..

 

س12: حمودي الكناني: لماذا يتغير حال وسلوك بعض المسئولين عندنا سرعان ما يجلسون على الكرسي وينسون أن حالهم كانت مثل حال البقية وأن في هذه البقية من هو أجدر وأكفأ منهم .. ..؟

ج12: سلام كاظم فرج: ربما لانشغالهم في تحمل المسؤولية. فكما تعرف ان المسؤولية تشغل المرء احيانا حتى عن اولاده .. \

 اسباب عديدة اهمها التزاحم على الجاه . أكيد ان الانسان يحب الخير .. لنفسه وللآخر. ولكن ان جاء الخير على حساب مصلحته هو. اكيد .. (يتنرفز .. وينسى .. احيانا ينسى اباه وامه .. واتذكر ان الوليد بن عبد الملك حين وجد والده يحتضر بكى. فصرخ به عبد الملك. ويحك .. وكيف تريد ان تقود الناس وانت تبكي كالنساء ..؟. المهم عاد الوليد في اليوم التالي ودخل على ابيه وسأل الطبيب بصوت متكبر(كيف هو حال الخليفة ..)؟

 فهمس عبد الملك افرحتني كسلطان واحزنتني كأب !!

 يبدو ان نظرية عبد الملك ما زالت لم تفقد البريق !!!!

 

س13: حمودي الكناني: هل للكرسي سحرٌ يجعل من يجلس عليه لا يحب الجلوس على سواه حتى أثناء النوم؟

ج13: سلام كاظم فرج: إسأل الامين والمأمون .. والمعتصم .. إسأل سلسلة من خلفاء بني العباس كانوا يسملون عيون اشقائهم لكي يفقدوهم شرعية الجلوس على الكرسي .. إسأل عبد الكريم وعبد السلام كيف اختلفا وعلاقتهم كانت اكثر حميمية من علاقة الاشقاء .. إسأل عبد الحكيم عامر وجمال عبد الناصر لماذا اختلفا؟؟ إسأل بروتس كيف غدر بقيصر؟ وروبسبير ودانتون؟ ستالين وتروتسكي؟

 ارسل عبد الملك بن مروان على خالد بن يزيد وبعض احفاد معاوية. قائلا لهم لا أرى من هو جديربالخلافة بعد وفاة الخليفة مروان بن الحكم غيركم يا بني ابي سفيان. . فسارع خالد قائلا . لا نرى من هو اجدر بها غيرك؟؟

 فقال عبد الملك: جواب حكيم لا يقوله الا رجل حكيم ..

 كان خالد يدرك ان في قول ذلك منجاة فللكرسي لذة لا تعادلها لذة. كفاك الله وكفانا إياها ..

 

س14: حمودي الكناني: هل الانتهازية مفهوم يرفضه واقع الاشياء والثبات على المبدأ وهل الانتهازي يُعد من فئة المنافقين؟

 ج14: سلام كاظم فرج: الانتهازي نتاج بيئة انتهازية .. لذلك تراني اتفهم وضعية بعض الناس حين ينخرطون في نفاق سلسلة الحكام الذين مروا على العراق منذ ان تبوأ ابو العباس السفاح سدة الحكم الى يومنا هذا؟ .. يقول علي الوردي ان بعض الناس كانوا يشاركون في معارك العثمانيين ضد الانكليز بحمية ونزاهة. ولكن ما ان يدركوا ان الهزيمة لاحقة بعسكر الحكومة العثمانية حتى يسارعوا الى نهب المعسكرات والاجهاز على ما تبقى من العثمانيين .. وكذلك يفعلون مع الانكليز .. وكذلك فعلوا في فرهود الاربعينات وحواسم الالفينات!! لا تقل الاميركان. بل قل نتاج تاريخ الف عام من الانقلابات.

 هذه الفراهيد والحواسم قد تتخذ اشكالا اخرى تسميها انت الانتهازية والنفاق واسميها الاضطرار الذي يتغلغل في طبائع الناس فيفقدهم براءة الانسان. اعطني نظاما متكاملا في الاقتصاد والسياسة والديمقراطية اعطيك شعبا منزها من بثور الانتهازية ..

 الانتهازية وليدة الحاجة، والحاجة ام الاختراع .. وقول الفرزدق الشاعر للحسين عليه السلام (قلوبهم معك وسيوفهم عليك) ينم عن دراية بطبائع الناس .. ولو كانت المعادلة العسكرية تميل لصالح الحسين لكانت سيوفهم معه ايضا .. لكن معاوية كان قد بنى قوة عسكرية وامنية وتجسسية خلال حكمه .. مكنت ادارته من الهيمنة على دفة الصراعات لسنين عديدة قادمة استغرقت ثمانين سنة وقتذاك ..

 قالت لي احدى الخبيرات في علم الاجتماع انت هنا تبرر للإنتهازيين انتهازيتهم. وواجبك كمثقف ان تدينهم .. قلت لها: كما تدين تدان. والله. لو تؤذنين للصبح. لن يسمعك احد .. ابني دولة مؤسسات وانتظري خمسين عاما ستجدين ان الانتهازية قد اختفت. اما الان .. فهيهات يا بنت الناس ..

 

س15: حمودي الكناني: لو أن أمريكا لم تحتل العراق وان صدام مازال حاكما للعراق هل كان هناك ربيع مثل ما حل في بعض بلدان العرب؟ لماذا؟

ج15: سلام كاظم فرج:  في رأيي لولا الاحتلال الاميركي (الغاشم) .. وهذه من اجل خاطر صائب خليل!) للعراق لبقي احفاد صدام يحكمون العراق بالحديد واجهزة التنصت الفعالة.

. كنت قد اطلعت على مكالمة هامسة بيني وبين اعز صديق في بيتي بعد عام من التحدث بها. قلت فيها ان صدام هو حجاج العصر او ما يشبه ذلك وذكرت جملة ارى رؤوسا قد اينعت. وقرأت على صديقي هامسا قصيدة احرقتها حال قرائتي لها للصديق .. اقول فيها ليقطف ابن يوسف اليانعة في اشارة الى اعدام الرياضي بشار وزملائه ..

اطلعني ضابط الامن وهو يحقق معي عليها. ولولا اعدام هذا الصديق لشككت انه هو من اوصلها. يعني كلمة لم يسمع بها سوى انا وصديق معدوم. من اوصلها؟؟ الجواب اجهزة التنصت الفعالة .. علما انني كنت لا املك سوى قلم اكتب به . ولا اعرف كيف اذبح دجاجة الى يومنا هذا !. وصاحبي كذلك .. لكن اجهزة التنصت تطاردنا وتسجل انطباعاتنا ..

 حبيبي ابو العلياء

 حسني مبارك وبن علي وعلي عبد الله صالح والقذافي هؤلاء مساكين لم يكونوا يراقبون سوى بعض الرجال .. وصدام كان يراقب كل الناس .. صدام لم يكن يلعب. كان يشتغل على اشاعة ثقافة القطيع . وللأسف لقد نجح في انتاج جهاز قمعي يكفي للهيمنة لعشرات السنين .. وكل ضابط في الجيش يعرف ان اجهزة التنصت الغالية الثمن المستوردة من كوريا والاتحاد السوفيتي شغالة على عوائلهم وتلفوناتهم وصدورهم ايضا!!

 هناك اجهزة تطلع على الافئدة تملكها اميركا . ولكن لا تعطيها الا للأصدقاء المقربين .. ولذلك تجد ان الربيع العربي حتى عندما يأتي سرعان ما يتحول الى خريف .. اليست الانتفاضة الشعبانية الاذارية ربيعا. لماذا تركوه يقمعها بشدة. ولم يحققوا الملاذ الامن للجنوب كما فعلوا للشمال؟؟ ..

 قيل لضابط اميركي .. كيف تستطيعون السيطرة على دولة كبيرة مثل العراق؟؟ قال باجهزة التنصت والمراقبة والتحكم عن بعد. كل جندي وضابط يعرف ان الاقمار الصناعية تراقبه .. لذلك تجده مرابطا في عمله .. ليس لأنه حباب وخوش ولد. بل لأن ثقافته التكنولوجية اكثر من زميله في دول العالم الثالث عشر ..

 اعتقد ان هذا يكفي!!

 

س16: حمودي الكناني: هل تأسيس الدولة العراقية الحديثة بعد 2013 بُني على خطأ؟

ج16: سلام كاظم فرج: اكيد .. بريمر قالها. وكوندليزا رايس ربيبة المحافظين الجدد .. اخطاء وليس خطأ واحد. جماهير من الاخطاء.(وفق شاعر العذوبة سامي العامري). واكثر الاخطاء وعورة .. المحاصصة .. ولكن الاكيد ان العراقيين كانت قد دمرت تماما في داخلهم ارادة التحدي للنظام بعد قمع الانتفاضة وكانوا يحتاجون الى ربع قرن من التطورات لكي ينهضوا وما تراه من سلبيات اليوم ليس الا نتاج حروب الخليج الثلاث (الحرب هنا مؤنثة) لذلك تراني قد جعلت العدد بصيغة المذكر .. عجيب امر اللغة العربية //) وقمع الانتفاضة واخطاء الاحتلال ..

 

س17: حمودي الكناني: هل شارك العراقيون في صياغة دستورهم الحالي أم أنه كان معداً سلفا ولم يجر عليه اصحاب الوجاهة والسماحة والمعالي والسمو إلا تعديلات طفيفة؟

ج17: سلام كاظم فرج:  نعم. العراقيون صوتوا على دستورهم بكامل حريتهم .. الدستور عراقي بامتياز .. ولا علاقة للخارج به وهو نتاج بيئة ترضى بذلك. ربما للمثقفين اراء مختلفة. لكن الاغلبية وافقت عليه هكذا ..

 

س18: حمودي الكناني: ماذا تعني ظاهرة قطع الرقاب وهل هي السبيل الوحيد لانتزاع الحقوق؟

ج18: سلام كاظم فرج:  قطع الرقاب نتاج ثقافة ظلامية متخلفة .. توظف سياسيا ولا علاقة لها بالحقوق والدين ..

 

س19: حمودي الكناني: هل المحاصصة هي المرض الذي زرع الامريكان فايروساته في جسم المجتمع العراقي؟

ج19: سلام كاظم فرج:  اكيد .. مائة بالمائة. ولن نتخلص منها .. إسأل لبنان عنها ..

 

س20: حمودي الكناني: العرب من خليجهم الى محيطهم إلى أين؟

ج20: سلام كاظم فرج:  الى اليقظة ولو بعد حين.

 

س21: حمودي الكناني: اسرائيل تأمر وامريكا تنفذ والعرب يدفعون المال، لماذا؟

ج21: سلام كاظم فرج: وماهو واجب العامل تجاه رب العمل؟؟ اليس تنفيذ ما يطلبه رب العمل؟

 

س22: حمودي الكناني: هل تشكيل الاحزاب ضرورة لإخراج البلاد من الازمات المتلاحقة التي تعصف بها؟

 ج22: سلام كاظم فرج:  تشكيل الاحزاب لا يتم بقرار او رغبة مني او منك الاحزاب والتيارات وليدة الحراك الشعبي .. لذلك تجدني من بين المنادين بضرورة اقرار قانون الاحزاب .. اما الازمات فلا يخرجنا منها سوى التحالفات العريضة المبنية على الثقة والمصلحة العامة ..

 

س23: حمودي الكناني: العراق بلدٌ لا تنفع معه الديمقراطية لأن شعبه عاش لمدة 14 قرنا تحت ظل حكومات استبدادية لذلك ينصاع هذا الشعب الى الحكام العتاة، بل هو من يصنعهم، هل تتفق معي، ما هي مبرراتك لدحض رؤيتي؟ ..

ج23: سلام كاظم فرج:  ما تقوله صحيح استاذ كناني وهو رأي كثير من الناس .. واعرف انك ترى العكس ولكن من اجل إثراء النقاش. تقول ذلك .. العراق عام 2003 كان يحتاج الى حكومة حازمة . وليست ديمقراطية .. تؤجل الانفلات الفوضوي في التعبير .. لكن الاميركان وكما يبدو لا يملكون الارادة ولا الرغبة حتى في اكمال مشروعهم في العراق وتركوه نهب الصراعات ..

 الديمقراطية دواء كل الشعوب. ولكن الجرعات تختلف من شعب لشعب

 

س24: حمودي الكناني: هل مازال الشيوعيون يحلمون بوطن حر وشعب سعيد وهل يحق لنا القول أن الشيوعية حتى مع وجود الصين الشيوعية قد انتهت؟

ج24: سلام كاظم فرج:  يطلق على الماركسية.: الاشتراكية العلمية .. وهي تختلف عن الاشتراكية الطوباوية الحالمة .. الشيوعيون لم يحلموا بوطن حر وشعب سعيد بل عملوا على تحقيق ذلك ودفعوا من اجله الكثير .. لكنهم الان ذابوا في التيارات اللبرالية. بسبب انهيار اهم تجربة ماركسية في التاريخ. اعني بها حكم الشيوعين للاتحاد السوفيتي الذي تشكل مساحته سدس الكرة الارضية. من حقهم ان يحلموا. ولكن هذا الحلم العلمي تحول الى طوباوي محض ..

 لا خلاص يا يسوع .. ماكو فايدة!!

 اما الصين. فهي الان ليست شيوعية. بل مزيج من رأسمالية الدولة ورأسمالية الشركات سيما بعد حقنها بجرعة هونك كونك .. وتبقى تجربة الصين رائدة في هذا المزج الذي قد ينافس الرأسمالية التقليدية فتقلدها في المزج بين التأميم والخصخصة. يعني شوية رأسمالية وشوية اشتراكية .. اعتقد ان اميركا ستضطر اخيرا لاتباع السياسة التدخلية في الاقتصاد لمنع بعض الهزات الكبرى في اقتصادها .. ودمتم ..

 

س25: حمودي الكناني: أين تلتقي مع الاخ صائب خليل وأين تفترق معه وأنا من الذين يؤيدون كل طروحاته ومنها ما يتعلق بامريكا كمحتل دمر واباح تدمير العراق؟

ج25: سلام كاظم فرج: التقي مع الاستاذ صائب خليل في نبل المقاصد من اجل عالم آمن ومزدهر. وعراق مستقل ومتطور وآمن .. التقي معه في اشياء كثيرة على مدى الرؤية وانا معجب بقدرته الفذة على التوثيق ..

ولكني اختلف معه تماما في طرق الوصول الى ذلك.

 مثلا انا اختلف معه تماما في اتفاقية الإطار المشترك مع اميركا .. التي الزمنا انفسنا واميركا على مساندتنا .. وجهة نظر صائب خليل التي تؤيدها انت ويؤيدها كما يبدو ثلثا العراقيين. جعلت اميركا في حل من دعمنا. وتركتنا لوحدنا في الساحة .. هنا اتذكر المرحوم نوري سعيد واترحم عليه.

 صائب خليل يصف دواء السرطان للمصابين بالانفلونزا فكيف تريدني ان اتفق معه.؟؟ علاقتنا باميركا انفلونزا طارئة وهو يراها سرطانا مميتا؟ وليت عنده وعند شعبنا القدرة على ان نكون في معزل عن الحراك الدولي . وشوفة عينك ابا العلياء: اوربا متخلية عنا. والصين ما زالت داخل سورها العظيم. وتركيا مصالح. وايران مصالح .. والسعودية مصالح. وإذا اختلطت المصالح بالغزل. تكون عفة صائب خليل نظرية غير قابلة للتطبيق ..

 ها شنو رأيك؟؟ العالم كله يتغازل .. اشمعنا تحرمون انت وصائب خليل الغزل؟؟ انظر للإداري الناجح الذي سينقذ ايران من سطوة اميركا بحنكته لا بهتافاته .. اعني السيد روحاني .. اول شيء فعله وجه تحية بمناسبة السنة العبرية على لسان وزير خارجيته فسحب الغطاء عن حجة العداء للسامية والتي كان قد وفرها مجانا السيد نجاد .. ثم ثبت حقيقة الهولوكست .. لكي يبعد تهمة كره اليهود من قبل المسلمين. يعني هتلر قتل اليهود .. ما علاقة ذلك بصراعنا مع اسرائيل.؟. ستون سنة والحكام العرب ينكرون الهولوكوست .. وهم بهذا وفروا غطاء للصهيونية ببغض العرب لليهود .. روحاني اكتشف ان ذلك خطأ جسيم ..

 وإليك هذا المثال. ايضا . طالبت نائبة في البرلمان سكان ام قصر ان لا يبيعوا بيوتهم وأن لا يستلموا تعويضات (!!) ويتعظوا من الفلسطينيين؟ هذا الكلام جيد. ولكن على مستوى التطبيق. ايهما قابل للتنفيذ؟ ان تستلم مبلغا تشتري به بيتا في العشار وتسكن فيه زوجك واطفالك؟ ام الرفض وبالتالي تطردك البلدية والامم المتحدة بقرار دولي .. السيدة النائبة قالت نظرية غير قابلة للتطبيق .. كذلك يفعل الاستاذ صائب احيانا ..

 ربما سيسجل التاريخ فضيلة ان النائبة قالت كذا وكذا .. لكن من يعش في (المعمعة) ليس كمثل من يطلق النصائح ..

ولا بد ان اكرر ان صائب خليل من بين اهم الكتاب العراقيين وطنية وحرصا ورصانة ..

 

 س26: حمودي الكناني: ألا تؤمن معي بأن العراق بحاجة الى رجل سياسي قدير يسنده رجلا دين شجاعان سني وشيعي يفتيان بترك كل ما يفرق والعمل بكل ما يوحد وتوحيد الاذان والجوامع .. .أي هل تؤمن ببروز مذهب جديد يعمل بروح الدين وجوهره يتفق عليه السنة والشيعة لأننا ابناء اليوم وليس ابناء الأمس وأن الاختلاف بين المسلمين هو اختلاف سياسي ومثلما ظهرت المذاهب متأخرة يمكن ظهور هذا المذهب الآخر؟؟

ج26: سلام كاظم فرج: العراق بحاجة الى رجل منتخب بعض النظر عن طائفته .. ورجل الدين الشيعي السيد السيستاني له قول يخاطب الشيعة: السنة هم انفسكم .. فماذا نطلب منه اكثر من ذلك؟؟

 والسيد السعدي خاطب السنة بقوله: هل تحبون الحسين وفاطمة وعلي؟ فأجابوا بنعم فماذا نطلب منه اكثر من ذلك؟؟

 الاختلاف بين العراقيين تشتغل عليه قوى اقليمية مستفيدة من بقاء العراق ضعيفا ومحتاجا الى دعم الاخرين؟؟ يعني بعد مرور تسعين عاما على استقلال العراق ما زلنا نعيش في مرحلة الرصافي والزهاوي. ونقائض جرير والفرزدق والأخطل والراعي النميري ..

 اشكرك جدا على ثقتك الغالية وهذه الاسئلة الممتعة والمثمرة والحصيفة ..

 

كل الشكر والتقدير للأديب والكاتب المرموق سلام كاظم فرج على اتاحة هذا الوقت لمدارات حوارية .

 

 

حمودي الكناني

صحيفة المثقف – مدارات حوارية

3-11-2013

 

hamodi alkenaniqasim alazawiفي هذه الحلقة من مدارات حوارية تستضيف المثقف الشاعر والفنان التشكيلي الاستاذ قاسم العزاوي فاهلا وسهلا به.

 

حمودي الكناني: صباح الخير استاذ قاسم قاسم العزاوي هل تمانعأن تجلس على كرسي مدارات حواريةفي المثقفو نسولف براحتنا هههههههه؟

قاسم العزاوي: صباح الورد وخاصة ورد الجوري لأنه يذكرني بوجنتي حبيبتي.

 

 حمودي الكناني: يقولون انت حلو جدا هل صدقوا بما قالوا؟

قاسم العزاوي: نعم انا حلو القلب وعسل الروحههههههههههههه.

 

 حمودي الكناني: ما هي اولوياتك لو انك وزيرٌ للثقافة؟

قاسم العزاوي:لو كنت وزيرا للثقافة لتخليت عن الوزارة، اعتقد ان المثقف ليس بحاجة الى وزير يسيّره، هو وزير نفسهأليس كذلك؟

 

حمودي الكناني: ولكن لابد من مرجعية للمثقف تُعنى بشؤونه وترعاه وتدعمه ليواصل عملية ابداعه بلا انقطاع.؟

قاسم العزاوي:اكثر الدول الأوربيه لا يوجد فبها وزيرٌ للثقافة واعتقد يوجد في فرنسا وزيرٌ للثقافةوالثقافة لاتدار بدوائر ووزارات واشخاص، لانها اسمى من هذا بكثيروإن ارتبطت بمؤسسة حكوميه تكون تحت رعايتها وهذا يعني ان الثقافة ستكون سلطوية اي خادمة للسلطة وهذا يتناقض مع مفهوم الثقافة وغاياتها .. وتتضارب مع المثقف العضوي الذي نطمح له ..

 

حمودي الكناني: العراق وكل الدول العربية حالها ليس كحال فرنسا .. تلك دولة سبقتنا باكثر من مائتي سنة في مضمار الفن والثقافة والوعي المجتمعي فالمقارنة ظالمة بعض الشيء؟

قاسم العزاوي: اعرف كل الذي تفضلت به فرنساام الفن والفلسفة هي بلد سارتر وسيمون دي بوفار وبلد الروائيين من فكتور هيجو وغيره من الاعمدة الراكزة وبلد اراغون والكثير من الرموز الثقافية بجميع تمفصلاتها .. ولاتنسى ايضا ان العراق بلد اولى الحضارات في العالم، حضارة وادي الرافدين بحضاراتها المتعاقبة، ولقد انتجت لنا هذه الحضارةكماً هائلا وثراً من الفنون والملاحم والفلسفاتوالقوانين المجتمعية .. لماذا نستهين بها اذن؟! ومما اذكره ان الفنان المجدد جواد سليم في لندن سأله استاذ النحت: من اي بلد انت؟ قال له جواد انا من العراق، حينها ابتسم الاستاذ الانكليزي وقال: وما حاجتك ان تدرس النحت عندنا ولقد تركت حضارتكم خزينا متكاملا من الفنون وخاصة النحت .. نعم لقد استلهمنا فنونكم!

 

حمودي الكناني: كمواطن مثقف لك رؤيتك بما حدث من تغيير وما رافق هذا التغيير من عثرات كبيرة وخطيرة، برأيك أيهما غريب على الاخر الشعب على السياسي ام السياسي على الشعب وما هو الحل لكي يتخطى العراق كل هذه العقبات؟؟

قاسم العزاوي: ولقد غمرتنا الفرحة ونحن نتخلص من اعتى الدكتاتوريات ومن الحكم الشمولي القامع .. ولكن .. ! فرحتنا امتصتها المحاصصة والطوائف والكتل والانتماءات الاقليمية .. وتحولت الديمقراطية الى دم .. قراطية .. والحل من هذا المأزق هو الانتماء الحقيقي للوطن بعيدا عن كل الانتماءاتلتتحقق الديمقراطية والعدالة والحرية والتقدم ولبناء حكومة مدنية تقدمية ديمقراطيه .. ودك عيني دك هههههههه.

 

حمودي الكناني: متى تحس ان الكتابة او اللوحة تداهمك؟؟

قاسم العزاوي - حين يعم الهدوءالهدوء حتى من صوت الموسيقى وحين تنهدل اجنحة الليل .. الهدوء ملاك الابداع.

 

حمودي الكناني: وهل تظن لليل اجنحة لها القدرة على الالهام؟

قاسم العزاوي: اجنحة الليلهي من تلهم الشعراء والفنانين ومن تحرك اوتار الموسيقى .. اجنحة الليل شعر امرأةٍ غجرية يلامس الوجنات ويعبث بالقلم والفرشاة .. اجنحة الليل ناي العشاق وتراتيل الاحبة، اجنحة الليل تبرقع العشاق وهم في قبلاتهم الشهية .. ياه .. كم احب القبل تحت جنح الظلام .. !

 

حمودي الكناني: والى اي مدى تجعلك الانثى تحلق في دنيا الخيال؟

قاسم العزاوي: الانثى هذا الكائن السماوي .. لا اعتقد يوجد مخيال وتخيّل بدونه .. هي البساط السحري لكل ابداع .. الانثى نغم الحياة المترع بالجمال.

 

حمودي الكناني: طيب على ماذا يرتكز خيال الفنان والشاعر في ذات اللحظة التي يضع يده على خده متأملاً؟؟

قاسم العزاوي: لحظة الاسترجاع .. لحظة الشروع .. وجه الانثى ومفاتنها .. يبتسم مع نفسه ويضع القلم بفمه (لا ادري لِمَ حينما يهم احدنا بالكتابة اول ما يضع القلم بفمه) ثم ينساب الحبر كجدول متدفق .. وهذا يشمل الرسم وبقية مفاصل الثقافة الاخرى.

 

حمودي الكناني: طيب ماذا يتولد لديك حينما تنظر الى قبة السماء في ليلة ظلماء في منتصف الليل؟؟

قاسم العزاوي: اتذكر قبر ابي حين حفره الدفان ليلا .. كان مظلما ولحده يتسع بالسواد .. ياه ابي كم بكيتك حين عدنا بدونك وتركناك في بحر الظلام تنام بهدوء .. هدوء. ..

 

حمودي الكناني: هل تخاف الموت؟؟

قاسم العزاوي: جدا .. كيف لا وقد بحث سيد الفرسان كلكامش عن عشبة الخلود خشية الموت بعد ان رأى خله وصديقه انكيدو ينتزعه الموت .. الموت يعني حرماننا من كل الاصدقاء والذكريات والجمال والمرأة .. احاول التأكيد على المرأة لاني اعيش لأجلها لذا اخشى الموت .

 

حمودي الكناني: لو ان انثى جميلة جلست قبالتك وتنظر اليها بإعجاب وهي تتظاهر بعدم الاكتراث فماذا تفعل؟؟

قاسم العزاوي: لا اجبرها طبعا .. لان الاعجاب وليد الاعجاب ان لم تستقبل اعجابي يعني لا تعي الجمال وان لم تع الجمال يعني هي غير جميلة هههههههههههه .. وعلى العموم لا اظن انها تتجاهل اعجابي .. اعرف هذا ومتأكد منه، لاني خبير بالنساء ههههههههههه.

 

حمودي الكناني: طيب أنت فنان وشاعر ملئ بالإحساس والمشاعر قل لي بصراحة هل وقفت يوما ما امام المرآة عاريا و بماذا احسست؟

قاسم العزاوي: بل دائما اقف عاريا امام المرآة،العري يعني الحقيقة بدون سواتر ولا براقع ولدنا هكذا وسندفن هكذا.

 

حمودي الكناني:اذن انت جريء للحد الذي يجعلك تخرج على المألوف لأنك ترى ماعدا ذلك تخفٍ وراء حجاب.

قاسم العزاوي : انا متحرر الفكر .. متحرر من كل التابوات .. لا اؤمن بأي سلطة تحدد فكري لا سلطة ابويه ولا دينية ولا مجتمعيه ولا سلطويهعليه.

 

حمودي الكناني: على مهلك ودعني اخذك الى احد البلاجات الملئ بالمستلقين على ظهورهم فأين تستلقي، بينهم ام بينهن ولماذا؟؟

قاسم العزاوي: بينهن،واكرر بين الزهور، بين الحوريات استلقي، وارتشف الرحيق بغفلة منهنّ.

 

حمودي الكناني: تستلقي وترتشف الرحيق فقط؟؟

قاسم العزاوي:واهذي ايضا.

 

حمودي الكناني: هل تحب الهذيان؟؟

 قاسم العزاوي: جدا مع المرأة ساعة الهياج ومع اللوحة قبل ان تكتمل.

ومع القصة وأنا ابحث عن نهايتها ومع القصيدة حينما تصرخ مفرداتها وتحتدم صورها ..

 29-qasimalazawi

حمودي الكناني: طيب ما الذي تحبه في المرأة جسدها، روحها، عنادها، غنجها، أم تمنعها وأنت قاص جميل وفنان جميل وشاعر جميل، هل انت محب جميل كذلك؟؟

قاسم العزاوي: المراة لوحة مكتملة وقصيدة مكتملة وسمفونية مكتملة .. لايمكن تجزأتها .. المرأة روح وقلب وجسد كل جزء يتناغم مع الاخر .. غنجها جميل ودلالها اجمل وغضبها به عشق البحر للشطأن حين يهيج نحب المرأة هي البحر نحبه بمده وجزره .. نعم أنا عاشقٌ محبٌ وجميلُ .

 

حمودي الكناني : جميل جدا من هنا استنتج انك محاط بكثير من الجميلات فهل فكرت بكتابة رواية عنوانها نساء حول رجل.؟

قاسم العزاوي: بل سأكملها وشخصياتها فقط نساء باقي فقط فصل منها وأكملها لكن عنوانها غير هذا ههههههههههههههههههه.

 

حمودي الكناني: ما عنوانها؟؟

قاسم العزاوي: (تناسخ الزهور) كعنوان اولي.

 

حمودي الكناني: هل تابعت مسلسل عائلة الحاج متولي؟؟

قاسم العزاوي: نعم وأعجبت بـه جدا ههههههههههههههههههه.

 

حمودي الكناني: هل تتمنى ان تكون لك نساء مثل ما للحاج متولي ولماذا؟؟

قاسم العزاوي: كزوجات لا .. لكن كعشيقات نعم

 

حمودي الكناني: وكم عشيقة عندك؟؟

 قاسم العزاوي: عشيقاتي وحدي ام معهن عشيقات اصدقائي هههههههه؟

 

حمودي الكناني: لا يهم حتى ولو جمعت معهن عشيقات فلاح الشابندر. ؟

قاسم العزاوي: عندي عشيقة واحدة .. وعشيقات فلاح الشابندر خط احمر لا يمكن التجاوز عليه .

 

حمودي الكناني: جيد انت الان لست قاسم قاسم العزاوي فماذا تقول عن قاسم قاسم العزاوي اذا سألتك عنه؟؟

قاسم العزاوي: يبكي لدمعة طفل، .. لا ينام ان سحقَ من غير عمد صرصرا، .. طيب القلب .. ان رأى اعوجاجا عدّله.

 

حمودي الكناني: وهل تحسن تعديل المعوج؟

قاسم العزاوي: حسب المستطاع. ..

 

حمودي الكناني: جميل .. ما الذي يوصل الفنان الى العالمية؟؟؟؟

قاسم العزاوي: اقامة معارضه خارج بلده وبذا يحقق العالميه اضافة لاشتغاله بما هو جديد.

  

حمودي الكناني: مَنْ مِنَ الفنانين العراقيين الكبار تراه لم يأخذ حقه من الاهتمام؟؟

قاسم العزاوي: كل الرواد اخذوا حقهم ولا اظن ان احدا منهم غُبن حقه

 

حمودي الكناني: أين تضع تجربة قاسم قاسم العزاوي كفنان تشكيلي؟؟

قاسم العزاوي: ليس من حقي ان اضع نفسي بأي مكان هذا شغل النقاد ومتلقي هذا الفن الجميل والجميل جدا .. انا من جيل السبعينيات.

 

حمودي الكناني: هذا تواضع محبب ولكن قل لي هل وقفتَ على ساحلِ بحرٍ ورسمت الشمس وهي كرةٌ حمراء مائلة الى الغروب؟

قاسم العزاوي: لقد رسمها الكثير من الفنانين وخاصة الانطباعيين .. وهي مدرسة قديمة امام حشد المدارس والاتجاهات والأساليب الفنية الحديثة .. نعم رسمتها ولكن حين كنت تلميذا بالابتدائي.

 

حمودي الكناني: لمن يقدم قاسم قاسم العزاوي كلمة شكر دائما؟

قاسم العزاوي: لعلي بن ابي طالب لانه اول اشتراكي سبق ماركس . وشكري لكل الشخصيات الادبيه والفنية والمجتمعيه والفلسفية والسايكلوجية الذين ساهموا بتشكلاتي الفكرية والمعرفية. ..

 

كل الشكر والتقدير للفنان والشاعر والقاص والروائي قاسم قاسم العزاوي على اتاحة هذا الوقت لمدارات حوارية .

 

قاسم قاسم العزاوي في سطور ..

- فنان تشكيلي .. شاعر وقاص

- عضو نقابة الفنانين العراقيين

- عضو جمعية التشكيليين العراقيين

- عضو اتحادالادباء والكتاب في العراق

- عضو نقابة الصحفيين العراقيين

- عضو جمعية الخطاطين العراقيين

- كان رئيسا لتحرير مجلة تشكيل ومديرا لتحريرها مدة خمس سنوات

*- مشرف ادب وفن في مجلة الثقافة الجديدة ..

اقام العديد من المعارض التشكيليه الشخصية والمشتركة داخل العراق وخارجه .. ونشر العديد من القصص والقصائد والمقالات الادبية والفنية في الصحف والمجلات العراقية والعربيه منذ منتصف السبعينيات الى الان ..

له كتاب مطبوع عن الفنان عبد الجبار البناء (عبد الجبار البناء- مسيرة فنية حافلة بالابداع) من اصدارات وزارة الثقافة – دائرة الفنون التشكيلية.

 

hamodi alkenaniالدكتورة نيفين ضياء الدين القصبي .. النيل يسكنها ويجري في عروقها .. وُلدت في القاهرة ومازالت تتنفس نسائم ضحكتها المشرقة حيناً والدامعة العين أحياناً وتركتها تتحدث عن نفسها بنفسها في اجابة السؤال الاول ولهذا بدأت مرحبا:

الدكتورة نيفين ضياء الدين اهلا وسهلا بك في صحيفة المثقف، مدارات حوارية، ويشرفني ان اكون محاورك الذي يحدوه الامل ان يكون حوارا ذا لون وطعم ورائحة .....!!

 

س1: حمودي الكناني: اعتدنا ان نرى سؤالا بعينه يُفتتح به كل حوار مع اديب او اديبة وأنا هنا عجزتُ عن كسر هذه القاعدة ولهذا أجدني مضطرا لتكرار ذات السؤال:

من هي نيفين ضياء الدين قبل وبعد " الدكتورة نيفين وهل تنحدر من عائلة دينية، وما هو اختصاصها الدقيق تحديدا وأين تقيم الآن؟

ج1: د. نيفين ضياء الدين: أولاً أحبُ أن أتوجهَ بخالص الشكر والتقدير للأديب المتميز على المستويين الإنساني والفكري حمودي الكناني الذي أتاح لي فرصة المشاركة فى حوار بمدارات المثقف، تلك الجريدة التي أكنُ لها كل إحترام وتقدير شخصي لأنها كانت المنارة التي خطوت خطواتي الأولى من نافذتها هذا غير تقديري لها على المستوى المنهجي لدورها التنويري فى مجالات الأدب والسياسة والفلسفة. يصعُب على أي إنسان أن يقومَ بتعريف هويته من الناحية النفسية أو الفكرية لأن هذا الجانب لا يُمكن رسم خطوطة العريضة أو قولبة مفتاحه الرئيسي وهذا بخلاف التعريف الشخصي المُعتاد وهو الجانب البسيط والمُتعارف عليه فى بطاقة الهوية والأوراق الرسمية. سأبدأ أولاً بالتعريف الشخصي المُبسط. اسمي هو نيفين ضياء الدين حسن القصبي وقد وُلدتُ فى مدينة القاهرة وهي العاصمة المصرية ونشأتُ فيها وفى أحيائها. والدي هو ضابط مُتقـــــاعد وقد ترعرعتُ فى محيط أسرة مسلمة ومتدينة بطبيعتها فوالدتي وهي بروفيسيرة ودكتورة جامعية متخصصة فى أداب الرواية الإنجليزية تحفظ أجزاء من القرآن الكريم وجدتي رحمها الله وقد عملت كمديرة مدرسة ومُعلمة متخصصة فى لغتنا العربية، كانت حافظة للقرآن الكريم ودأبت فى سنوات طفولتي الأولى وقبل إلتحاقي بالمدرسة على تحفيظي العديد من صِغار أيات القرآن هذا غير إهتمامها بثقافتي الدينية فقد كانت تهتمُ بسرد قصص الأنبياء على مسامعي بطريقة سلسة ومبسطة تتناسب مع عقلية طفلة يتراوحُ عُمرها بين الرابعة والخامسة كما أنها كانت إماماً لي فى صلواتي الأولى من عُمري.لا تعرفُ أيها الأديب صاحب القلم المشرق كيف أشتاقُ إليها وأتمنى أن تسعدَ روحها الطاهرة بحديثي هذا عنها ويكفي أنها كانت أمي الثانية التي أحبتني فى كافة أحوالي ولم تكن تقوى على فُراقي ولو لبضعة ساعات وشاركتني هي ووالدتي رحلة الحياة ومافيها من خير وشر. لم تتغير نيفين تلك الطفلة الإجتماعية المتفتحة للحياة التي مازلتُ أراها وهي راكضة على كوبري قصر النيل وقلادة الفُل أو القدّاح، كما تقولون باللهجة العراقية، تتدلى على صدرها قبل أو بعد الدكتوراة. والمُتأمل يُلاحظ جوانب كثيرة تتسمُ بها هويتي حتى هذه اللحظة منذ أيام الطفولة وسأضربُ مثلاً على ذلك وهو إهتمامي بتصوير الورود بأنواعها كالياسمين وبنت القُنصل وعباد الشمس والحمائم والطيور وحياتها ونسج القصص عنها بل واللعب معها وتشخيص تلك المخلوقات كأفراد وبشر ينطقون ويسمعون ويفهمون حديثنا هذا غير أفراس النهر التي تنتمي لفصيلة الفراشات وتنتشر بكثرة على ضفاف نهر النيل. مازالت تلك النواحي الطفولية البريئة هي مُفتاح هويتي وقلبي فنيفين الدكتورة هي تلك الطفلة ولا خلاف بينهما. وأما عن مجال التخصص فقد تخصصت فى الشعر الإنجليزي والكندي وفى دراسة تعددية الثقافات والعِرقيات ولاسيما فيما يتعلقُ بأمور الأقليات العِرقية التي تعيشُ فى البلاد الغربية وبالتحديد السود الأفارقة وأعمل بمجال التدريس . وعن محل إقامتي الحالي فهو فى مدينة القاهرة التي وُلدت فيها ومازلت أتنفسُ نسائم ضحكتها المشرقة حيناً والدامعة العين أحياناً.

 

س2: حمودي الكناني: عندما أقرأ لك نصاً أجدك تحومين حول شيء كبير، كبير جدا، هذا الشيء مفقود لكنك تمرين عليه وكأنك تتحسرين على افوله او ضياعه وتحاولين الوقوف على اثره فما هو هذا الشيء المفقود، هل هو حب لم يتحقق؟

ج2: د. نيفين ضياء الدين: نعم أتفقُ معك تماماً حول وجود منحى روحي حزين تتسمُ به مُعظم أعمالي الأدبية ويعودُ بصورة أولية إلى كوني طفلة وحيدة ودائماً نجد الطفل الذي ينشأ فى أسرة متعددة الأخوة والأخوات يكونُ إجتماعياً بطبيعته فى معظم الأحيان.أما السبب الرئيسي لذلك فهو يتمركزُ حول ضياع مفهوم الحُب فى حياتنا كما أراهُ وأرسمهُ. الحُب ذلك المفهوم الذي يمتزجُ شرياناً مع مجرى نهر النيل من حيث التمدد والإتساع بل وحتى اللون !. وهنا أنا أعني ما أقولُ فالحب عندي ينسجمُ تماماً مع ألوان النيل الذي أهواهُ منذ طفولتي الباكرة. وإذا تأملنا معاً نهر النيل: فضة الصباح ورماد الظهيرة والعصر وسواد الليل سنجد لوحة متكاملة الأطراف لمفهوم الحُب. فالفضة هي ميلاد الحُب ذلك الشعور الذي أنسجهُ لوناً للحياة وغذاءً للروحِ . نعم الفضة هي باكورة رواية الحُب كما تبدأ وتنشأ بين المُحبين ثم تتطور العلاقة لتتخذَ إطار اللون الرمادي الذي يعكسُ قضايا متعددة ومنها الفتور بين المحبين أو الخلافات التي تبدأ فى الظهور بينهما دون أن يُحاول كل طرف فهم الطرف الآخر أو التضحية من أجل من يُحب حتى وإن كان الحبيب هو شريان الحياة عند حبيبه وأخيراً قد يعكس هذا اللون رمادية الغروب وهنا أعني أموراً كثيرة ومنها أفول الحُب أو غياب الحبيب وهو شعور مؤلم لا تُطيقه النفس أو الفراق التام بينهما وربما تباعد أرواح المحبين حتى وإن كانوا متقاربين ظاهرياً إلا أن البُعد الروحي قد ينشأ نتيجة رحيل مفهوم العطاء أو لبُعد الحبيب عن الإنصهار القلبي فى روح حبيبته وهكذا ينتهي الحُب ليدخلَ فى دائرة اللون الثالث وهو سواد النيل ودمعتة الحزينة التي تنسابُ حرارتها فى جوف الليل وتلك هي القضية التي أهتم بتصويرها فى أعمالي الأدبية. وذلك ليقيني التام بأن مفهوم الحُب الذي أراهُ وهو التقارب والعطاء والتغيُر بمعنى أن يتغيرَ الحبيب من أجل من يُحب والتغيير الذي يرنو إلى إعادة تشكيل الهوية بعد تجربة الحُب الحقيقي والإنصهار الكُلي بين الحبيب والحبيبة لا وجود له فى عالمنا هذا رغم عدم خوضي لتجربة الحُب على المستوى الشخصي.

 

س3: حمودي الكناني: وجدتُ نزعةً صوفيه في معظم النصوص التي قرأتها لك في المثقف ماذا تقولين في وجهة النظر هذه؟

ج3: د. نيفين ضياء الدين: أتفقُ معك إلى حدٍ ما حول وجود نزعة صوفية غير عميقة المنحى فى بعض أعمالي وهنا أنا لا أقصد أني لا أميلُ بطبعي لصوفية العِشق الألهي، وفى مصر نجدُ الكثير من المذاهب الصوفية وأشهرها طريقة الحامدية الشاذلية، ولكني أقصد أن كينونة المذاهب الصوفية تتعددُ شِعابها الروحية والفلسفية ويعجزُ القلم الأدبي على توصيل تلك التجربة الروحية بكامل صورتها مهما حاول الأديب. فالصوفية كما أراها تقومُ على إنفصال الروح عن الجسد دونما الموت الحسي الملموس وغيابها فى طرائق عشق الحبيب وهنا الحبيب هو الذات الإلهية . وتتجلى هذه التجربة التي لمستها بنفسي أثناء تأدية الصلوات المُختلفة وقراءة القرآن،وهذه هي أبسط نماذج هذة التجربة الصوفية التي تلتحمُ فيها الروح بعشق الخالق وممالك الغيب والكون، لتنعكسَ شِعابها فى رضى وهدوء قلب الحبيب الذي لا تسكن نفسه ولا تستقر إلا برضى المحبوب وبديمومة العِشق الروحي الذي لا ينقطع . وقد ساهمت نشأتي خاصةً وأني قد أمضيتُ جزءاً من طفولتي فى مكة المكرمة إلى أخذي بروح المذهب الصوفي من حيثُ تصوير تجربة الحب المتبادل بين المعبود وخالقه،الذي إذا أحبهُ أفاض على وجههِ نوراً ووضع له القبول فى الأرض بين البشر، وقمتُ بنسجها كما أراها على أنها رحلة غيبية من غياب الروح ورحيلها عن الجسد لتحلّ فى روح وفكر الحبيب بمعنى أن قلب المُحب يغيبُ عن جسدهِ ليحلَ فى جسد حبيبه فِكراً وحضوراً ومن هنا تنشأ العلاقات الروحية. ولذلك نجدُ الحبيب يشعرُ بالطرف الأخر إذا كان مريضاً أو فى ظرف سئ قبل أن يُخبرهُ حبيبه بما وقع له ولا تستقر روح الحبيب إذا كان حبيبه بعيداً عنه أو إذا شبَ بينهما خِلاف ولا يعرفُ السكينة إلا بنيل رضى المحبوب وهذا هو قلب جميع المذاهب الصوفية على إختلاف طرائقها وأنواعها.

 

س4: حمودي الكناني: كأني أراك تجيدين العزف على آلة البيانو فماذا يتشكل في رؤاك عندما تغرقين في توتر موسيقي مزدحم الضرب على الاحساس؟

ج4: د. نيفين ضياء الدين: نعم أجيدُ العزفَ على ألة البيانو وأميل لعزف الأغاني القديمة وأنسجمُ مع أصابع العزفِ لأرتحلَ بعيداً فى أبواق اللحنِ الذي تأسرني طوابقه بين الصعودِ والهبوطِ وتداخُل النغمات الرفيعة والغليظة . والعزف بصفة عامة يُغذي الروح ويعكس ملامح شخصية العازف من ثبات ودقة أو حماس أو حتى إنطواء وتقُوقُع ذاتي أو تسرُع وتشنّج نفسي. كما يرسمُ اللحن ما يشعر به العازف لاسيما الحبيب من حُزن لغياب المحبوب أو شوق ربما للقاء حبيب أو من يُحب ومن هنا يتميز العازف الفنان عن العازف التقليدي المحترف فالعزف هو روح الإنسان والروح تعكسُ الصحة والمرض والحُب والبُعد والوفاء والخيانة. وتتداخل الروح مع نغمات الموسيقى والموسيقى هي حروف عوالم التجربة الشعرية والإنسانية.

 

س5: حمودي الكناني: ماذا تقول لنا الدكتورة نيفين ضياء الدين عن المسميات التالية؟

أ - مصر

حبيبتي الضاحكة الباكية وحلاوة عِناق الروحِ وحرارة دمعة الفراقِ فى أنٍ واحدٍ.

 

ب - ام الدنيا

القاهرة التي تأسرك بجمال عيونها وتُبهرك بسحر حُبها وتجذبك عميقاً لعوالم عِشقها دون أن تُدركَ ذلك . تُحبها وتشتكي منها فى ذات اللحظة، تهواها وتتمنى هجرها إذا قست عليك وعندما تغيبُ عنها لا تنسى حنان قلبها وحُبها الأوليّ ولا تعرفُ مذاق وحرارة الحُب والشد والجذب إلا عندما تعود إليها من جديد ! . وهذه الرحلة السحرية التي تأسرك بإرادتك وتخطف قلبك فى دائرة متكررة هي قوة قلب الحبيبة القاهرة أم الدنيا.

 

ج – المحروسة

عُرفت مصر بهذا الإسم الرمزي الذي يعكسُ عراقة تربتها وقوة تأثيرها فى النفوس . فهي الأم التي لا مثيل لها الخاطفة لأبصار من يراها والحبيبة التي تسرقُ عيون المحبين .ولذلك فقد لُقبت بالمحروسة من عين الحاسدين لها والمحروسة بقوة العناية الإلهية التي تحفظها وتحرسها لأهلها وتحميها من طمع من يُغير عليها أو يُحاول مسها بسوء ولذلك هزمت مصر كل جيوش الإحتلال التي خطت على تراب أرضها فهي المحروسة.

 

د - ابو الهول

كبرياء فى جسد القوة . وشموخ يشتعلُ بحرارة الشمس ويضوي فى ليل القمرِ. ومن وجهة نظري فأبو الهول هو قلب الحبيب الذي يذوبُ قوةً فى حضرة محبوبته وهي القاهرة قلباً ورمزاً لحبيبها بقوتها وحبها.

 

هـ - سيد درويش

أصالة التاريخ وملحمة حماس فى حب الوطن وأغنية تذوبُ بساطة حروفها ولهجتها فى نخاع ضحكة وألام وحياة الأسرة المصرية .

 

و – الناي على الشط غنى

الناي هوالنيل حبيبي الأوليّ الذي لا أملُ رؤيته . مرات أراهُ عازفاً لبسمة الطفولة وفرحتها ومراتٍ أخرى أراهُ باكياً حزيناً يُعانقُ دموع المطر الذي أعشقهُ . إنه الناي، ناي النيل . والنيل وتر القلب وبسمة الروح وصندوق النفس على تنوع حالتها ومواويل حكاياتها.

 

س6: حمودي الكناني: آخر ما كنت اتوقعه كمواطن عربي عاش ويعيش في خضم احداث كبيرة غيرت الكثير في حياة امة العرب هو ما حصل في مصر من تغيير وهنا اريد أن أعرف من الدكتورة نيفين ضياء الدين كمواطنة مصرية ماذا حققت الثورة الشعبية العارمة التي مازالت تفور وتغلي؟

ج6: د. نيفين ضياء الدين: ما حدث فى مصر وبالتحديد فى تاريخ الثلاثين من يونيو، حُزيران الماضي كان مفاجأة كبيرة. وقد حدث إنقسام شعبي بين مؤيد لما حدث بوصفه كثورة شعبية وبين مُعارض يرى أن ما حدث هو إنقلاب عسكري. وفى كل الأحوال لم تتحق حتى هذه اللحظة الأهداف التي قامت من أجلها ثورة الخامس والعشرين من يناير، كانون الثاني. فعلى سبيل المثال وليس الحصر لم يتحقق مبدأ العدالة الإجتماعية بمعناه المكتمل ومازال الشباب يعانون من عدم توافر الوظائف المناسبة لهم بالجامعات المصرية هذا إلى جانب الركود الإقتصادي وإرتفاع الأسعار وقضية النسبة والتناسب بين الأجور وأسعار السلع المختلفة وفى كل الأحوال نأمل الخير لمصر والتقدم والرخاء.

 

س7: حمودي الكناني: الذي حصل في مصر هو حلمٌ شعبي كبير لتأسيس عقل جديد يهمه رفاهية وسعادة الانسان وهذا الحلم ساهم به الفقير والمتعلم وغير المتعلم وأنا هنا اتساءل هل كان لشريحة المثقفين الكبار دور في تحقيق هذا الحلم أم أنهم ركنوا جانبا وانتظروا لمن تكون الغلبة؟

ج7: د. نيفين ضياء الدين: هذا السؤال له طابع نسبي وقد يتفق معي القارئ الكريم فيما أراه وقد يختلف. ولكني أرى أن دور المثقفين كان مُتجلّياً فى ثورة الخامس والعشرين من يناير حيث تجلت الحماسة الأدبية فى مجالي النثر والشعر وتم توظيف القلم الفكري لتصوير آمال الديموقراطية والعدالة الإجتماعية والحرية. ونذكر جميعاً الكتابات التي أفرزتها الثورة الأم للعديد من الكتاب كعلاء الأسواني وهو روائي مصري وللعديد من الشعراء ولاسيما شعراء العامية المصرية كعبد الرحمن الأبنودي وهشام الجخ. أما عن الدور الأدبي والثقافي فى الوقت الحالي فلا يمكن أن يتم مُقارنته بالدور الحماسي الذي شاهدناه أيام الثورة الأولى ولا أعرفُ لذلك تفسيراً ربما لأن طبيعة الأجواء السياسية فى مصر حالياً مُركبة ودائماً يحتاج الدور الثقافي والتنويري إلى وقت كافي كي يتشكل ويُوصّف الأحداث بصورة سليمة.

 

س8: حمودي الكناني: هل انت من بين الذين يرون أن المثقف العربي يمر بأزمة بسبب ما يطغى على الساحة الاجتماعية والسياسية من تقلبات كبيرة غير محسوبة؟

ج8: د. نيفين ضياء الدين: لهذا السؤال جانبان الأول سلبي والثاني إيجابي. يتأثر دور المثقف وهنا أنا أقصد فقط الباحث الجامعي والدارس بكثرة ما يحدث على الساحة العربية والمحلية من التقلبات السياسية وعدم إستقرار الأوضاع الأمنية مما يتسبب فى إغلاق مستمر للجامعات وبالتالي تعطيل عملية البحث العلمي. أما عن الكاتب والأديب فلا أعتقد أن التقلبات السياسية قد تتسبب له فى أزمة تمنعهُ أو تحولُ دون أن يستمرَ فى رحلته الأدبية أو السياسية بل على العكس تماماً دائماً نجد أن الثورات الشعبية تتزامن معها فترة من الإزدهار الأدبي والنشاط السياسي التنويري المؤيد والمُعارض لأجواء الساحة السياسية. ولو نتذكر سنجد أن الأدب المصري والنشاط السياسي الثقافي كان مزدهراً فى عصر الإحتلال البريطاني لمصر.وكانت الساحة المصرية تعجُ بالمئات من الأقلام الأدبية الراقية للعديد من الكتاب كطه حُسين وعباس محمود العقاد وتوفيق الحكيم وغيرهم.هذا غير النشاط السياسي الملحوظ الذي تزامن فى عهد الملكية المصرية وقد شهد العديد من الإضطرابات السياسية. وهنا نذكر الدور السياسي الذي قام به العديد من الرموز الفكرية والسياسية فى هذه الفترة كمصطفى النحاس ومكرم عبيد وغيرهم. بل ولم يتوقف البحث العلمي فى مصر فى تلك الفترات بل على العكس شهدت مصر العديد من الإنجازات العلمية الباهرة على أيدي علمائها كعلي مُشرفة وسميرة موسى وكذلك كان الأمر بالنسبة للمجال الفني الموسيقي والسينمائي حيث شهدت مصر فى تلك الفترات أزهى عصورها فى مجال الأغنية العربية ونذكر جميعاً أغاني محمد عبدالوهاب وسيد رويش وغيرهم.

 

س9: حمودي الكناني: هل نالت المرأة العربية المثقفة نصيبها المستحق في سفر الثقافة العربية وما هي المقترحات التي ترينها مطلوبة للأخذ بيدها الى افاق أرحب وأوسع؟

ج9: د. نيفين ضياء الدين: لا أعتقد أن المرأة العربية قد نالت حتى هذة اللحظة نفس المكانة التي نالها الكاتب الرجل ولذلك أسباب عديدة منها فى نظري ما يعود إلى طبيعة بعض الكتابات النسوية المتطرفة المنحى والتي تُركز على إتجاه واحد فقط وهو المساواة مع الرجل من حيث التركيز على نواحي الحريات الجنسية وتعدد العلاقات مع الجنس الآخر . وهذه النوعية من الكتابات لا يميلُ لها الرجل الشرقي المتدين الذي يراها تُخالف الفطرة السوية وخارجة على مبادئ الأديان. وهي نمطية الفكر بالنسبة للرجل الغربي الذي ينظر لهذه الأمور على أنها قضايا مُسلم بها ومُتعارف عليها فى المجتمع الغربي الذي يُبيح الحرية الجنسية لأقصى الحدود.ومن هنا تبدأ المشكلة التي لا تتداركها بعض الكاتبات العربيات من حيث التعمُق فى مجال الكتابات الآيروسية وعدم التطرق للمشاكل التي تُعاني منها المرأة العربية وهي كثيرة جداً كمشكلة مفهوم العنوسة الذي يُطوّق المرأة ونظرة المجتمع السلبية لها دونما ذنب على عكس النظرة التي لا تُهاجم الرجل غير المتزوج أو المُطلق والأرمل هذا غير عدم السماح للمرأة بالعمل فى بعض الوظائف كقيادة سيارات الأجرة بل والأخطر من ذلك تهميش فاعليّة دور المرأة كطبيبة أو محامية وتفضيل الرجل عليها وكأن المرأة هي مخلوق قاصر وغير قادر على النجاح وللأسف لا نجد التركيز الكافي فى العديد من الكتابات النسوية على هذه القضايا الشائكة.أما السبب الثاني الذي يؤدي إلى ضعف إنتشار الكتابات النسوية العربية بصورة عالمية وهو الفكر النمطي الذكوري المُتعصب فى بعض المجتمعات العربية كما هو الحال فى اليمن وغيرها من المجتمعات المغُلقة التي لا تُتيح الفرصة للمرأة العربية كي تُمارس كافة حقوقها من التعبير عن رأيها أو الكتابة الأدبية وتنظر لها بصورة سلبية وتعتبر أن المرأة لا يُمكن أن تُمارس دوراً فى الحياة غير الأمومة والحياة الزوجية .ويجبُ علينا أن نقضي على هذة الإتجاهات المتطرفة كي تنتشر الأعمال النسوية العربية عالمياً وتنال نصيباً متميزاً ككتابات الرجل.

 

س10: حمودي الكناني: للشعر تعاريف كثيرة جاءت على لسان كبار الشعراء والكتاب والنقاد ولو سألني احدهم ما تعريفك للشعر لقلت هو كلام جميل لحروفه اجراس ذات نغم، يهزني ويطربني عندما اترنم به ويثير المشاعر والاحاسيس وما عدا ذلك ليس بشعر، فما ردك على هذا القول؟

ج10: د. نيفين ضياء الدين: هناك أنواع مختلفة من قصيدة الشعر كشعر التفعيّلة والشعر النثري وتتولد الموسيقى فى قصيدة الشعر إما عن طريق المُحسنات البديعية كالطباق والإستعارة على إختلاف أنواعها والكناية وإما عن طريق الوزن والقافية وبحر الشعر وهو ما تتميز به القصيدة التقليدية ويجعلها تختلف عن قصيدة الشعر المنثور . ولكن تبقى الموسيقى هي إحدى أركان القصيدة الناجحة وليست محوراً أساسياً والدليل على ذلك هو نجاح الكثير من نماذج القصيدة النثرية كما أنه فى بعض الأحيان قد تكون القافية مُفتعلة مما يؤثر سلباً على جودة القصيدة ويجعل المعنى مُصطنعاً.لذلك أرى أن قصيدة الشعر الناجحة هي التي تضربُ كلماتها فى القلب وتُركز على التجربة الإنسانية وإثارة المشاعر والأحاسيس وترتحلُ بك بعيداً للغوص فى أعماق الشاعر ومشاركته فى بحور التجربة التي تصورها القصيدة لدرجة الألتحام التام معها والقصيدة التي تُحقق ذلك سواءً كانت نثرية أو من قصائد الوزن أو التفعيّلة تكون ناجحة ومكتملة الأركان. فالشعر يضربُ فى شعور الروح والروح هي قالب سفينة الشعر ومكنونه الأساسي.

 

س11: حمودي الكناني: احتلت قصيدة النثر مساحة كبيرة في ادبنا العربي وخاصة في السنوات الاخيرة وكثر كتاب هذا الجنس الادبي ولقد ساهمت الشبكة العنكبوتية في اتاحة الفرصة للكثيرين والكثيرات في نشر نتاجاتهم من هذا اللون فما هي سمات قصيدة النثر المستوفية للشروط من وجهة نظر الشاعرة الدكتورة نيفين ضياء الدين وهل هي البديل عن العمود كما يدعي البعض؟

ج11: د. نيفين ضياء الدين: لا يُمكن أن نقومَ كأمة عربية تزخر بتاريخ أدبي عريق يعجُ بأشكال متنوعة من القصائد الشعرية كالغزل والهجاء والرثاء وعصور أدبية مختلفة مروراً بالعصر الجاهلي والفاطمي وصدر الإسلام وحتى عهود الشعر الحديث والمُعاصر بتقويض الأنماط الأدبية وذلك بتفضيل جنس أدبي معين على جنسٍ أخرٍ أو بالإنصراف كُليةً نحو نمط أدبي معين كقصيدة النثر لتحلَ محل أنماط قصائد الشعر المختلفة. ولذلك لا يُمكن أن تحلَ قصيدة النثر كبديل أدبي عن العمود بل يجبُ أن نعمل على إثراء جميع أشكال القصيدة العربية إلى جانب إحياء أنماط القصيدة العربية المختلفة والتي أندثر بعضها أو شحَ وندُرَ فى عصرنا الحديث لأن هذا هو جزء هام من هويتنا العربية.وهناك مقومات كثيرة تؤدي إلى نجاح وبناء قصيدة نثر فعّالة من وجهة نظري وأذكرُ منها:

1- قوة التجربة الشعرية التي تنعكس على كلمات القصيدة لتبدو وكأنها حروفاً نُسجت بقلب ودم ونبض الشاعر.

2- تقسيم قصيدة النثر إلى أجزاء مختلفة وربما مُعنونة مما يُساعد على دقة بناء القصيدة وتطوير الأفكار .

3- أن يجد القارئ نفسه داخل القصيدة بمعنى أن تمسَ التجربة الشعرية ألام وجراح القُراء وتجارب الحياة الإنسانية فيتفاعلون معها ومع موضوعها أو قضاياها وما يُعرف باسم ثيماتها الأدبية وكأنهم يعيشون فى أحداثها ويُرافقون الشاعر فى تأملاته الفكرية وإرتحاله النفسي والروحي وربما الجسدي.

4- ترابط أجزاء القصيدة على إختلاف موضوعاتها وتدرجها بين الألوان السلبية والإيجابية وربما تعدد أماكن وقوع الحدث فيها. فمثلاً قد نجد الشاعر يسترجع فى إحدى أجزاء القصيدة رواية حُب لم تكن ناجحة أو فراق لحبيبة ثم يتحدث حول جمال إمرأة أخرى أحبها وتعرف عليها أو حول السفر والرحيل . والناقد المُتأمل يجد أن الرابط بين هذة الموضوعات على إختلاف نسيجها الظاهري هو فكرة الصدمة الأوليّة أو فشل قصة حب فى حياة الشاعر الذي حاولَ أن يتناسها فكرياً وروحياً من خلال الرحيل الجسدي مرة ربما لبلاد وأماكن أخرى لا تُذكره بفقد حبيبته وعبر الرحيل الفكري والروحي فى مراتٍ أخرى وذلك بإندماجه فى قصة حُب جديدة يُحاول عن طريقها أن يتناسى جراح الحُب القديم.

5- وجود جرس موسيقي داخلي بين كلمات أو سطور القصيدة لا يكونُ مُفتعلاً ويخرجُ من رحم وقلب الفكرة الجزئية الواحدة مما يُصيب القارئ بجرح أدبي ونفسي فيكون حزيناً أو سعيداً أو حتى غاضباً نتيجة قضية إستفذاذية مُعينة لا يتفقُ معها مما يدلُ على نجاح تجربة الشاعر وقوة أجواء القصيدة.

 

س12: حمودي الكناني: ما ردك على من يقول ان السرد عندنا نحن العرب ليس مبتكرا وانما جاء كتحصيل حاصل وكتقليد لما كتبه الروس والأوربيون والأمريكيون في القص القصير والرواية وأن هذا الجنس طارئ على واقع العرب الثقافي لأنهم أمة شعر اساسا؟

ج12: د. نيفين ضياء الدين: تأصلَ فن الرواية والسرد الأدبي والنثر فى نخاع المجتمع العربي منذ قديم الزمان. وجميعنا يعرفُ روايات ألف ليلة وليلة لشهرزاد وهي ذات نمطية عربية وصبغة شرقية الأصل. هذا غير فن المقامة العربية كمقامات بديع الزمان الهمداني والحريري وبعض كتابات المنفلوطي المُعاصرة ذات الصبغة الإجتماعية المصرية وتطوير فن النثر لمزاوجة الشعر والمسرح ومثال ذلك مسرحية مأساة الحلاّج الشعرية لصلاح عبد الصبور. ولا ننسى الكتابات المصرية والعربية التي تُعالج قضايا إجتماعية شديدة الخصوصية ومرتبطة بعالمنا العربي كالفقر والجهل وختان الأناث . وتتجلى خصوصية الكتابة العربية من حيث ذاتية العادات والتقاليد ولاسيما المصرية فى كتاب الأيام لطه حسين ونزعة بعض الكتاب لتصوير الريف لاسيما المصري على خصوصيته كما فى بعض كتابات يوسف أدريس هذا غير تصوير الحارة المصرية كما فى روايات نجيب محفوظ كزقاق المدق وبين القصرين وغيرها.ولا يجبُ أن ننسى فن الرواية السياسية العربية والمصرية المُعاصرة والتي تُناقش قضايا محلية وإقتصادية ترتبط بالمجتمع العربي والمصري كروايات صُنع الله إبراهيم وعلاء الأسواني وبهاء طاهر وغيرهم وهذا أكبر دليل على إرتباط فن الرواية بالنكهة العربية الأصيلة ولا سيما المحلية التي تتشكل بقضايا وأحوال الشعوب. ولا يجبُ أن ننسى الحديث حول فن الرواية الدينية كقصص الأنبياء وروايات أولياء الله الصالحين ورواية الفوازير والأحاجي وكلها دلائل كافية على إختلاف الرواية العربية من حيث القالب والشكل والمضمون عن غيرها من النماذج الغربية كالرواية الروسية والأوروبية.

 

س13: حمودي الكناني: متى يزدهر الادب ويربو، في ظل الفاقة والعوز والقهر أم في ظل الرخاء والانتعاش ولماذا؟

 

ج13: د. نيفين ضياء الدين: الجنس الأدبي شأنه كشأن الكائن الحي يحتاجُ إلى بيئة مناسبة وتُربة خصبة كي ينمو بطريقة صحيحة وسليمة وينضج جسدياً وفكرياً ولا يكونُ عليل البنيه ربما لضعف الأمة وتخلفها نتيجة إنتشار الفقر والجهل والمرض أو لعجز تلك الأمة الفقيرة على تسويق ونشر أدابها وألامها الفكرية والمادية نتيجة عدم توافر الأمكانيات الكافية والأدوت والوسائل أو ربما نتيجة العامل المادي.و الدليل على ذلك أن الشعوب الأفريقية الفقيرة والتي تُعاني من المجاعات والأمراض والأوبئة لا تزدهر فكرياً أو أدبياً إلا بهجرة بعض ابنائها للبلاد الأوروبية الغربية وإندماجهم فى ثقافة مجتمعية مُغايرة توفر لهم فرصة التعليم حتى وإن كان ذلك على حساب ما يتعرضون له من تهميش عِرقي أو ديني أو من إضطهاد نتيجة لإختلاف اللغة والبيئة فى تلك البلاد.وقد كان التمييز العُنصري عاملاً هاماً لإبداع الكتاب والشعراء السود فى بلاد المهجر هذا إلى جانب ولادة أنماط أدبية وشعرية جديدة نتجت من رحم الغربة وفراق الوطن وتزاوج الأجناس الأدبية والرغبة فى إعادة توصيف صورة الوطن الأم وإسترجاع الذكرى وتهجير التاريخ العِرقي.وقد أبدع شعراء المهجر والكثير من العقليات الفكرية العربية بعيداً عن البيئة المجتمعية الأولى والتي قد تكون أصابتهم بالضيق أو واجهوا فيها شُحاً فى العطاء.كما أن آداب الأقليات العِرقية المضطهدة التي عانت من الحروب الأهلية أو العرقية كالبوسنة والهرسك أو من الفتن الطائفية لم يعرف الإزدهار الحقيقي أو الإنتشار إلا فى ظل هجرة عقوله الفكرية لبيئات مختلفة.ومن أمثلة ذلك على الساحة المُعاصرة إبداع بعض عقول أبناء الشعب السوري فى ظل الهجرة لبيئة مُغايرة توفر لهم حُرية الفكر والتعبير وتنحى بهم بعيداً عن ويلات الدمار والحروب.

 

س14: حمودي الكناني: عدنان الظاهر شاعر باهر وكاتب ضاحك يجعل من الحكاية أي حكاية مشهدا دراميا مثيرا فمتى تعرفت على ابي القراطب وماذا يمثل لك وما تقييمك لكتاباته؟

ج14: د. نيفين ضياء الدين: لعبت الصدفة دوراً هاماً فى معرفتي بالأديب والناقد الدكتور عدنان الظاهر وكان ذلك فى صيف عام 2010 وبالتحديد فى الثامن من شهر آب، أغسطس لذلك العام. وقد كان لمعرفتي بالدكتور الظاهر أثر هام إدى إلى تغيير فى مجرى حياتي من حيث دخول عالم الكتابة الأدبية بشكل إحترافي وذلك لأن أديبنا هو من إنتبه لوجود موهبة أدبية يتميزُ بها أسلوبي فى فن الكتابة كما قال لي ذات مرة بل ونصحني بضرورة تذليل قلمي فى مجال الكتابة الأدبية من شعر ونثر وساعدني كي أخطو خطواتي الأولى نحو نشر أولى قصائدي الشعرية وقد كانت بعنوان " الفصول الأربعة".و يُمثل لي الدكتور الظاهر شخصية الوالد والأستاذ الذي ساهمت توجياهته الأوليّه فى تطوير النمطية البنائية لقصائدي الشعرية ولأعمالي النثرية هذا غير بعض توجيهاته من الناحية اللغوية وكلها كانت تنصب فى عملية تمحوّر وتطوير لبنة الكتابة الأدبية وركيزتها فى عمودي الفقري. ساهمت أعمال وكتابات الدكتور الظاهر فى تغذية مُخيلتي الشعرية والنثرية من حيث فتح أفاق فكرية جديد أرحب وأوسع أمام عقيدتي الأدبية على الرغم من قيامي بإعادة تشكيل وقولبة وصبغة تلك الأنماط والأفكار بما يُناسب ويتحد مع شخصيتي الفكرية والإنسانية على كافة مستوياتها وأمتدت عملية التأثر والتأثير إلى مخيلة كاتبنا الذي ساهمت بعض أنماطي الفكرية بدورها فى إضفاء نزعة فكرية جديدة على مُخيلة أديبنا.قرأتُ الكثير من أعمال الشعر والقص والنقد لأديبنا الظاهر وهو ملحمة أدبية تتنوعُ مذاهبها وفى مُعظها عُمق فكري وتجربة ذاتية صادقة وحتى ما يجنح منها جنوح الخيال فأن لكاتبنا المقدرة على تطويع الحواريات الخيالية كما فى حورايات المتنبي وجعلها وقائع ملموسة نتفاعل معها لدرجة تصديق واقعيتها. وعندما أقرأُ قصيدة للظاهر فإن شأني يكون كشأن القارئ الذي يجدُ نفسه فى بعض أبيات القصيدة الواحدة ويتفاعل معها حسياً ووجدانياً ولا يجدُ نفسه فى أبياتٍ أخرى.وهناك تنوع فكري وإختلاف أيديولوجي ومنهجي بين قصائد الدكتور الظاهر وأسلوبه فى القص والسرد والرؤية وبين قلمي الأدبي من حيث مُعالجة القضية الواحدة والإختلاف لا يؤدي إلى تنافر الأعمال الأدبية وإنما هو تذكرتها نحو النمو والثراء.وقد تابعت بعض كتابات ابنة الدكتور الظاهر، الأستاذة قرطبة التي أكن لها كل إحترام وتقدير كوالدها رغم عدم المعرفة الشخصية ولمست فيها نزعات فلسفية وقلم سياسي وتاريخي ومنحى ديني نابض بالتطور والنُضج والقراءة الواعية. وفى الختام أوجهُ الشكر والتقدير أيضاً لأديبنا الراحل المرحوم خزعل المفرجي الذي أمن هو الأخر بموهبتي الأدبية وعرضَ عليّ نشر بعض قصائدي الشعرية فى إحدى الجرائد العراقية.

 

س15: حمودي الكناني: كيف تقرأ الدكتورة نيفين ضياء الدين الاسماء التالية وهل تتكرر؟

1. شوقي

أصالة اللغة العربية والعبارة الجذلة وموسوعة تاريخية وملحمة أدبية من التراث العربي والمصري الحديث والإسلامي .

 

2. طه حسين

فكر فلسفي له منهجية ورؤية ورحلة كفاح مع الإعاقة البصرية وبيئة ريفية أدت إلى الإبداع الذاتي والفكري والإنساني.

 

3. نجيب محفوظ

الحارة المصرية وتصوير خصوصيات الحياة فيها وفى محيط تلك البيئة مع وجود جنوح أدبي نحو التركيز على فكرة الإنحراف الإنساني وتعدد العلاقات الجنسية وضياع الذات بصورة لا تُطابق بالضرورة الواقع هذا غير وجود جنوح أخر قد يصل إلى حد التطرُف فى مهاجمة الدين بصورة رمزية.

 

4. صلاح جاهين

الحكمة المصرية والمثل الشعبي وقولبة الأفكار العميقة التي تخص الشأن المصري فى إطار نقدي ساخر أحياناً ونابع من البيئة أحياناً أخرى ويُلامس الذات بقافية متلازمة لا تضر المعنى.

 

5. ام كلثوم

رصانة الكلمة المرتبطة بغناء القصيدة الشعرية والغناء الديني وقوة الصوت وجزالة العبارة الغنائية فى إنسجام تام مع الطبقات الموسيقية المختلفة والمُعقدة وملحمة تنسجُ العديد من خبايا الحُب وروايات البشر على تعدد التجارب الإنسانية .

 

6. سيد مكاوي

نغم خفيف على الروح، رنان المعنى وتلقائي النبرة يدفعُكَ لترديد الكلمة المصبوغة بروح الدُعابة المصرية فى قالب خفيف قد يصلُ إلى حد الفُكاهة.

 

7. محمد عبد الوهاب

ملحمة لإرتباط الروح بالحب والموسيقى نبتت فى جوف النيل المُمتد على مرمى البصر رمزاً للصبر وسكون أجراس الليل وأوبرا مصرية عريقة.

 

8. حافظ ابراهيم

شاعر النيل والحداثة.

 

9. العقاد

رحلة من الكفاح والتثقيف الذاتي والفكري وفلسفة القلم.

والمـتأمل يجدُ عواملاً مشتركة بين هذة الأسماء من حيث التجربة الإنسانية.

 

حمودي الكناني: كل الشكر والتقدير للدكتورة نيفين ضياء الدين ونتمنى لها دوام الصحة والعافية والتألق

 

خاص بالمثقف

 

         حمودي الكناني

صحيفة المثقف – مدارات حوارية

hamodi alkenaniradya-alshihaybiكأنني ارى فيها تونس الخضراء البلد الذي كثيرا ما تبهر العين خضرتُه وتسر القلبَ دماثةُ خلق انسانه

.. ومدينتها التي تُعرف بجوهرة الساحل الممتد على طول 170 كم، سوسة، التي تبعد عن العاصمة تونس بحوالي 140 كم، والامطار النازلة فيها تتراوح بين 250 و400 ملم .. جوها معتدل وارضها صالحة لزراعة الزيتون، معلومات تعلمناها في الابتدائي عن جغرافية الوطن العربي الكبير، وسوسة مركز ثقافي انجب الكثير من المبدعين تركوا بصمتهم في سفر الثقافة. والحديث مع راضية الشهايبي يعني الحديث مع عنقاء تفرش جناحيها محلقةً في فضاءاتِ هذا الوطن الممتد من المحيط الى الخليج لترسم اوجاعه التي تكاد تكون متشابهة برشاقة .. ولِمَ لا فالشعور هو نفسه اينما تنزل في ديار العرب

وراضية الشهايبي مشروع ابداعي كبير ما زال يتوسع عموديا وأفقـــــــيا، فالتوسع العمودي في عديد الجوانب التي قامت بها وكل جانب منها يتوسع افقيا على امتداد مساحة كبيرة من الانشطة ويظهر ذلك جليا فيما يلي:

1- أسست الصالون الثقافي بسوسة حيث يحتفى الصالون بعدة وجوه فنية إبداعية تونسية ومغاربية وعربية من المغرب ومصر وليبيا وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق.... ومن الوجوه العراقية الفنية التي تشرّف الصالون الثقافي بالاحتفاء بها الفنانون التشكيليون أحمد هاشم / مهند الشاوي / د جواد الزيدي

 2- في سنة 2008 فازت في مسابقة القصيد الفرانكوفوني التي أقيمت في كندا بمناسبة مرور 400 سنة على تأسيس الكيباك ونُشر نصُّها ضمن مجموعة شعرية  ضم النصوص الفائزة مترجمة إلى اللغة الفرنسيّة

3-  تُرجمت قصائدها الى عدّة لغات أهمها: الفرنسية حيث ترجم المترجم التونسي عبد المجيد يوسف كل نصوص مجموعتها الثانية "ما تسرب من صمتي" .

الإيطالية"  حيث ترجم الشاعر والمترجم دجوزابي نابوليتانو مختارات من مجموعتها الثالثة "تراتيل الترحال" وصدرت في إيطاليا

الإنجليزية حيث ترجم الشاعر والمترجم الفلسطيني المقيم برومانيا منير مزيد كامل نصوص مجموعتها التي هي قيد الطباعة الآن بعنوان - ديوان القهوة - والتي أخرج غلافها الرسامان العراقيان أحمد هاشم ومهند الشاوي - قيد الطباعة إلى جانب "ديوان القهوة" كتاب " الوميض " ويحتوي قصائد الومضة......وغير ذلك الكثير !

 

ومع رنة فناجين القهوة ابتدأنا، فاهلا وسهلا بها في صحيفة المثقف – مدارات حوارية:

س1: حمودي الكناني: شاعرتي الجميلة لنفترض راضية الشهايبي واحدة ثانية وطلبتُ منها أن تتحدث عن راضية الشهايبي فكيف تتحدثين عن هذه الراضية الانسانة وليس راضية المنكبة على صياغة الحروف بحرفية الصائغ الماهر؟

ج1: وراضية الشهايبي: .. راضية الشهايبي إمرأة أتعبتها رهافة حسها والتي لا تعرف تحديدا أسباب كل هذه الرهافة التي تجعلها تعيش معاناتها الخاصة ومعاناة الآخرين وحتى معاناة الحيوان والنبات فهي تتألم لكل وجع تحسّه أصاب موجودات الله على الأرض

 تؤمن بالله بالحياة وبالإنسان حيثما كان تؤمن بالاختلاف  وتعوّل على قدرتها على التقبل وقدرة الآخر كي لا يتحول الاختلاف إلى خلاف  فالاختلاف رحمة وجمال وما التكرار إلا ملل ورتابة فقط تتمنّى ألّا يصاحب الاختلاف عنف يفرض على الغير مهما كان نوع هذا العنف أو طريقته فالحريّة تراها راضية الشهايبي أساسيّات كرامة الإنسان للكل  وكيف يريد ما لم يفرض قناعاته على الآخر وما لم يكرّس هذه القناعات في إيذاء الآخر معنويّا أو ماديّا

 

س2: حمودي الكناني: قال لنا التاريخ صغاراً أن القيروان أنشأها القائد العربي المسلم عقبة بن نافع سنة 50 للهجرة 670 للميلاد، فكيف تتحدث لنا الشاعرة راضية الشهايبي عن القيروان وماذا تعني لها هذه المدينة؟

 ج2: وراضية الشهايبي: القيروان رابعة المدن المقدّسة هي موطني فيها ولدت ونشأت على حب الدراسة والأدب وهي المدينة التي عرفت ومنذ تأسيها بالأدب والعلم والثقافة  والأصالة والانفتاح أليست هي موطن الشاعر الكبير الحصري وابن رشيق وأبي زمعة البلوي وأبن الجزار وأسد بن الفرات والإمام سحنون وهو أشهر فقهاء المالكيّة في شمال إفريقيا وغيرهم من العلماء والشعراء والفقهاء وقد عرفت بفسقيات الأغالبة وبيت الحكمة وعدد المساجد اللافت  دليل على الحضارة  الذي وصلت إليها القيروان منذ تأسيسها  ومازالت إلى الآن تعتبر من أهم المدن التراثية التاريخية في العالم فالقيروان متحف مفتوح حالما تدخلها يغمرك عبق الفاتحين القدامى من القادة المسلمين والصحابة الأجلاء

 

س3: حمودي الكناني: لقد احتل الفرنسيون تونس سنة 1881 حتى نالت استقلالها سنة  1956 ومدة 75سنة مدة  زمنية ليست بالقليلة فما هو تأثير المحتل الفرنسي على حياة الانسان التونسي؟

ج3: وراضية الشهايبي: ككل الدول العربيّة عانت تونس من الاستعمار وناضل التونسيّون رجالا ونساء لأجل استقلالهم والحفاظ على هويتهم الأمازيغيّة العربيّة المسلمة واستقلت تونس الاستقلال التام سنة 1956ولأن التونسيّ ذكيّ بالفطرة ويتمتّع بقدرة طبيعيّة على التأقلم دون التفريط في مكوّنات شخصيّته أخذ من المستعمر الحداثة والتمدّن وأبقى على أصالته  وتعلّقه بجذوره الضاربة في التاريخ وإلى الآن  يحتفي التونسيّون بتقاليدهم وعاداتهم وشعائرهم بكل فخر وتشبث بالهوّية التونسيّة

 

س4: حمودي الكناني: نحن العرب تكاد تكون السياسةُ شغلنا الشاغل فالكل يتحدث بالسياسة وعن السياسة وهذا ربما لأننا لقرون عديدة تسلط علينا حكام عتاة قساة لم يهتموا الا بأنفسهم وما يثبِّت سطوتهم.....ومع إعلان الجمهورية التونسية في 25 يوليو 1957، أصبح الزعيم الحبيب بورقيبة أول رئيس لها وفي عام 1987 تولى الحكم زين الدين بن علي فأين أوجه التشابه والاختلاف بين حكم الرجلين؟؟

ج4: وراضية الشهايبي: المقارنة بين الزعيم بورقيبة وبن علي طبعا ستكون لصالح الأول من حيث الدرجة العلميّة والتاريخ السابق لاعتلاء كليهما، الحاكم فبورقيبة ترأس تونس بعد تاريخ نضالي كبير ونفي وسجون بينما اعتلى الثاني الكرسي إثر انقلاب سلميّ وبورقيبة يتمتع بحضور وقوة شخصية وبداهة وبلاغة وخطابة بالغتين العربية والفرنسية بإتقان وباللهججة الدارجة بطريقة ممسرحة تخطف الألباب وتقنع المتلقي بسلاسة وانبهار بينما كان بن عليّ والذي أيضا يتمتّع بشخصيّة قوية يقرأ الخطاب من الورقة وقد واصل نهج بورقيبة ولكن بكثير تعثر وباعتماد كلّي على القوّة الأمنية فبورقيبة كان يؤمن بالثقافة أكثر ويعتقد أن أساس التوازن الاجتماعي بين فئات  الشعب هو امتداد الطبقة الوسطى بينما تقلصت هذه الطبقة في فترة حكم الثاني إذ اتسعت الهوّة بين الشريحة الفقيرة وبين الطبقة الميسورة طبعا ككل الحكّام ارتكبا أخطاء ولكن بورقيبة كانت أخطاؤه نتيجة تقدّمه في السنّ وتشبّثه بالحكم وأخطاء الثاني عدم الأخذ بزمام الأمور إثر تفشي الفساد المالي والبطالة والفقر وكلاهما لم يجازف  بديمقراطية حقيقيّة كخيار لحكهما بما في ذلك التداول الطبيعي على السلطة وعاش الشعب في كبت سيّاسي أدّى إلى انفجار ناتج عن تراكمات كثيرة من بينها نضالات  من اليسار ومن اليمين ومن المجتمع المدني ومن اتحاد الشغل وكذلك من المثقفين والفنانين وتحركات عمّال المناجم كلها ساهمت من بعيد أو من قريب في الثورة التونسيّة جان في 2011

 

س5: حمودي الكناني: بوعزيزي كان الكبسولة التي فجرت البركان، بركان ما يعرف بالربيع العربي، وكان هذا محض صدفة فما الذي حول هذا الربيع الذي كنا نحلم به جميعا الى خريف ذي اجواء عاصفة متربة، هل هو سرقة الثورات من اصحابها الحقيقيين؟

ج5: وراضية الشهايبي: الربيع العربي وإلى الآن لا أعلم من أين سقطت علينا هذه التسمية  نعم سرقوا الثورة العربية الحقيقية وحوّلوا وجهتها إذ بدأت ثورة كرامة وحرية قرّبت بين كل الشعوب العربيّة وانتهت إلى ثورة طائفية فرّقت الشعوب العربيّة ونعلم جميعا أن العرب قوّة خامدة تخيف إن ظهرت ولنا كل عوامل التوّحد من قرب الحدود إلى وحدة اللغة إلى الخيرات الموجودة في أرضنا إلى الطاقة الكامنة في أعماق أرضنا إلى الطاقة الكبيرة في شمسنا وحتّى ريحنا وغير ذلك من العوامل التي تسهّل وحدتنا  وتجعلنا من أثرى الأمم وأقواها وهذا هاجس يُرجف عدوّنا الأكبر ولذلك وجب التيقظ لكل حركات الثورة والتوحّد والقضاء عليها بكل الوسائل

 

س6: حمودي الكناني: سأعيشُ رغم الداء والاعداء .. كالنسر فوق القمة الشماء .. هكذا قالها الشابي وهكذا رددتها بعده جموع الشعب التونسي من اجل الحرية، ما هي برأيك رسالة الشاعر وهل الشاعر نبيٌ من غير وحي؟

ج6: وراضية الشهايبي: فعلا ردّد الشعب التونسي ومن بعده شعوب أخرى ""إذا الشعب يوما أراد الحياة فلا بدّ أن يستجيب القدر"" وهو بيت من قصيد  - إرادة الحياة- للشاعر التونسي الكبير - أبو القاسم الشابّي-

فالشاعر هو أصدق ناقل لما يعيشه المجتمع إذ هو ينظر بمجهر فكري وحسيّ  وبقدرة متفرّدة على الملاحظة وعمق الإحساس ثم يُنظّر بروح محبّة للسلام مناصرة للجمال مدافعة عن كل ما يخصّ كرامة الإنسان وحريّته وبذلك يؤرّخ أحسن من مؤرخين مختصين قد ينحازون لطرف دون آخر حيث يكتبون يأكاديميّة المؤرّخين التي تُسقط تفصيلات دقيقة يرونها غير مهمّة ويراها الشاعر عميقة الأهمية ويصّوّرها شعرا وبذلك يتوفّر الكل الذي يميّز شهادة

الشاعر على عصره ولذلك تظل كل الأنظمة تحاول إما استمالة الشاعر ليكون من أتباعها أو تهمّشه ماديا ومعنويّا كي تطفئ شعلة الكتابة فيه ولكنّ الشاعر الحقّ هو الذي ومهما همّشوا دوره وعرقلوا مسيرته وصعّبوا عليه نشر دواوينه يستمرّ يكتب للحرية للحياة للحقّ للإنسان للجمال

 

 

س7: حمودي الكناني: وجدتك شاعرةً متراميةَ الاطراف.... مواضيعك متشعبة ولوحاتك مثيرة رسمتها بقلم رشيق صدوق، ومعروف للجميع ان عنوان اي نص وأي عمل هو نصٌ آخر مختزل ومنزاح بصورة توحي بأنه نصٌ آخر و(ديوان القهوة) عنوان مثير وفيه ابعادٌ ذات دلالات عميقة فلماذا الديوان ولماذا القهوة؟

ج7: وراضية الشهايبي: ديوان القهوة هو عنوان مجموعتي الجديدة والتي ترجمت للأنقليزية من طرف الشاعر الفلسطيني الروماني منير مزيد وإلى الإيطاليّة من طرف الأستاذة  فيفيان إسيرنيا  وإلى الفرنسيّة من طرف الأستاذ إبراهيم الدرغوثي وقدّمت المجموعة الناقدة والروائية الدكتورة آمنة الرميلي لماذا القهوة بالذات؟ هي في الحقيقة مذكرات لجلسات قهوة أيام الثورة التونسيّة حين كان الحديث فقط عن أحداث الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن فكانت القصائد رجع صدى لكل ما قلنا وعبق للمكان وللزمان وطبعا كلها قصائد تصف في عمقها مدى تعلّقي بفنجان القهوة في رمزيّة الرفقة

 

س8: حمودي الكناني: الناقد يرى مالا يراه الشاعر وأحيانا يستخرج الناقد المنقب كنوزا مغطاة باحكام فهل هذا اغطاء تقصدته الشاعرة راضية شهايبي كما ورد في الومضة التالية؟؟ ""الكبرياء أن نحتفي معا بحرق الأقنعة "" وهل ترين انها محنتنا جميعا؟

 ج8: وراضية الشهايبي: أحب النقد وأراه فنّا على الفنّ وأرى الناقد كما المنقّب عن الذهب وكما المرآة التي تعكس لنا صورتنا فنفرح بما بانَ جميلا ونحاول تحسين ما يستدعي التحسين للوصول إلى الجمالية التي يحلم بها كل شاعر والناقد أيضا كعاشق المرأة الجميلة التي تحتفي بتغطية جمالها ويأتي العاشق ويرفع الغطاء ليحتفي بعرييها وهنا لا بدّ من مسافة وسط بينهما كي يصل كل إلى ذروة احتفائه فلا الشاعر يطنب في التهويم والتغطية والترميز حدّ الغموض والضبابيّة ولا الناقد يعريّ كثيرا حدّ فداحة العري والأجمل أن يقف كلاهما على حافتيّ جدول الجمال اللغوي فيطلقان معا طائر المعنى ليحلّق مصوّرا كل هذه المقاصد صورا يمكن لخيال المتلقيّ أن يصوغها بسينمائية سلسة  عذبة غير متعبة أو منفّرة

 

س9: حمودي الكناني: الأدب بكل اجناسه مرآة عاكسة لهموم اية أمة من الامم فما هو الاكثر تعبيرا عن هذه الهموم الشعرُ أم السرد أم الدراما ولماذا؟ وهل طرقت الشاعرة راضية شهايبي ابوابا غير الشعر؟

 ج9: وراضية الشهايبي: الإبداع الفنّي أراه ضروريّا للإنسان وإلا لما خلقه الله وميّز به أناسا معيّنين عن غيرهم من البشر فكأنه حمّلهم رسالة إنسانيّة جماليّة إذ أن الفنّ عامل أساسيّ من عوامل التوازن النفسي الفكري الوجدانيّ  الاجتماعي للإنسان وكل فنّ وطريقته في تحقيق ذلك وكل فاعل في الفنّ وموهبته التي خصّه الله تعالى بها وكشاعرة أرى أن منذ البدء كانت الكلمة فالكلمة حمّالة المعنى بكل التأويلات الممكنة وللشاعر مساحة أكبر للتصوير اللغوي الجماليّ حيث يكون أكثر أهميّة من الحدث نفسه في حين يكون التركيز في الرواية على الحدث ولو أن كلامها يلتقيان في  جمالية اللغة وسحر المجاز والأدب في مجمله حارس للغة ومُجدّدها ومحييها وكل الفنون الأخر تبقى محتاجة للكلمة للغة فلا سينما دون لغة ولا مسرح دون لغة ولا طرب دون لغة وحتى الموسيقى نحتاج لوصفها للغة وقد حاولت تنويع تجربتي الأدبيّة حيث كتبت النص الشعريّ الممتدّ ونص الومضة والقصّة القصيرة ولي رواية في الطريق باعتبار أن كل الأجناس الأدبيّة تحقق لي احتفائي باللغة وبالحركة وبالإنسان

 

 

س10: حمودي الكناني: أين ومتى يتقاطع الاديب مع السياسي وهل من الممكن أن يتبوأ الاديب المناصب العليا ولا ينسى رسالته الادبية؟

 ج10: وراضية الشهايبي: لا أرى تقاطعا ما بين المبدع والسيّاسي إذ أن السياسي يبنى انتصاراته على انهزام الآخرين في حين يبنى المبدع وجوده من سعادة الآخرين وأحيانا ينهزم هو لينتصر الجمال والإنسان وبالتالي لا أرى مكانة للمبدع الحقيقيّ في صفّ الكراسيّ السياسيّة فالكرسيّ زائل إنما القصيد أو الأثر الإبداعي باق ولو رحل المبدع ولكن قد تؤثّر السياسة في النص الإبداعي بما أن المبدع يتأثر  بما حوله وبمن حوله كما قلنا في بداية الحوار

 

س11: حمودي الكناني: الشعرُ يمنح الشاعر مساحة غير محدودة ولغة الشعر غير اللغة التي يتداولها الناس في الحياة اليومية فأيهما برأيك أوسع مساحة الشعر الكلاسيكي ذو الوزن والتفعيلة ام شعر النثر، ولماذا؟

ج11: وراضية الشهايبي: كل قصيد ومميزاته فالقصيد العمودي يتطلب إحساس عال بالإيقاع وتبحّر في البحور العروضيّة وتدفق لغويّ ونفس شعري كبير والقصيد النثرى  يعتمد أساسا على الصورة والقدرة السينمائية التصويريّة لخيال الشاعر ثمّ على الإيقاع الداخلي وعلى التموسق العام للقصيد وأومن أنّ لا نوع  ينفي  النوع الآخر فهي متغيّرات حصلت في القصيد العربي بالأساس والعالميّ عبر حركة تجديديّة عاديّة جدّا ضمن كل متحوّلات التقدّم البشريّ وقد كتبت النص الموزون ثم بدأت أكتب النص الشعري النثري وأحببته ثم جرّبت كتابة الومضة وككلّ عشّاق اللغة العربيّة جربت أن أكتب في كلّ الأنماط لعلّني أصل إلى النص المشتهى

 

س12: حمودي الكناني: ولادة قصيدة مخاض عسير فكيف تصف الشاعرة راضية شهايبي هذا المخاض في لحظة صيرورة القصيدة، هل هناك حالة استطيع ان اطلق عليها حالة التوتر الشعري؟؟

ج12: وراضية الشهايبي: التوتّر الشعريّ ليس ظرفيّا مناسباتيّا بل هو ملازم لحياة الشاعر وبذلك يُلاحظ عليه رهافة الحسّ وسرعة الانفعال والمزاجية أحيانا وبعض الحزن أو الشجن الغالب على صوته أو نظرته فالشاعر يعيش شاعرا ولكن لا يكتب إلا القليل ممّا يعيشه نظرا لعدّة أسباب أهمّها التشويش الذي يحيط به إجمالا والظروف التي يعيشها وهي تؤثر سلبا في غزارة إنتاجه ولكنها قد تؤثر إيجابا في تحفيزه على الكتابة بعمق وبحساسيّة فكلّما تألّم الشاعر كلّما كتب أجمل فالحزن عميق والفرح عابر وقد تتهاطل على الشاعر مشاهد لغوية عديدة ولوحات تصويريّة كثيرة لكنه لا يتمكّن من قنصها كلّها بفعل الظروف وتكون فرصة القنص أكثر حين يكون مختليا بنفسه مستلقيا على بساط خياله عائما في انساب روحه

 

س13: حمودي الكناني: متى يسقط الشاعر؟

ج13: وراضية الشهايبي: يسقط الشاعر حين لا يكون شاعرا وأعني بذلك حين يسمح لكل ما يمس جانب الشعر فيه بالتأثير عليه فالشاعر أناقة الكلمة وأناقة المعنى وذلك أناقة التصرّف وعليه أن يحافظ على بعض النرجسيّة والعلوّ حتى لا ينحدر لكل ما يلوّث قصيده ويسقط أيضا حين يبالغ في التكبرّ والغرور أو يسقط في التملّق ويسقط الشاعر حين يكون هو في الأصل ليس بشاعر

 

س14: حمودي الكناني: هل أثرّ التغيير ايجابيا على الحراك الثقافي في تونس وماهو دور المرأة تحديدا؟

ج14: وراضية الشهايبي: أكيد الأدب يتأثر بأحداث الزمن الذي كتِب فيه والمبدع كأي مواطن  بل أكثر يتأثر بهذه الأحداث فالمبدع قبل الثورة ليس هو نفسه بعد الثورة وفعلا بدأت الإصدارات الخاصة بالإنتاجات الأدبية حول الثورة تظهر ولكن حسب اعتقادي هناك من استعجل ردّة الفعل الأدبيّة ولم يعط الوقت كي ينضج هذا التغيّر بما يكفي في مخياله ولكن على كلّ حال هذا أمر لا بد من ظهوره إثر كل حدث كبير لا بد أن تتبعه حركة أدبيّة كبيرة ومازالت عديد التجارب الأخرى التي ستظهر بعد حين والتي كتبها أصحابها عن الثورة أو تأثرا بها وأساسا المرأة في تونس تتميّز بوعي شديد وبقوّة شخصيّة وإصرار وصلابة موقف تجعلها باستمرار في الصفوف الأماميّة سواء أدبا أو نضالا أو عملا وخاصة أمام ما بات يهدّد ما حقّقته على مدى خمسين عاما على مستوى القوانين وكذلك كمكانة في المجتمع التونسيّ

 

س15: حمودي الكناني: هل قصيدة النثر قصيدة نخبوية أي بمعنى أن متلقيها يجب أن يكون على قدر من الفهم والادراك حتى يتفاعل مع ما يسمع؟

 ج15: وراضية الشهايبي: لا أرى أن هناك قصيدا نخبويّا فالقصيد كلّ من الجمال معنى ولغة وإلقاء وبالتالي حتّى وإن لم يفهم المتلقّي في السماع الأول المعنى فسيستمتع بجمالية اللغة وإن لم يفهم اللغة فسيستمتع بالإلقاء وضروري أن نعتني بطريقة إلقائنا حتى نضمن نسبة من الاستمتاع للمتلقّي مهما كان هو قد يكون نخبويّا في مستوى القراءة أو النقد ولكن إلقاء لا بد من ضمان نسبة نجاح القصيد في كسب إعجاب المتلقيّ

 

س16: حمودي الكناني: ألا ترين معي أن الومضة الشعرية هي التي ستطغى على الساحة لأن روح العصر تفرض هذا التوجه؟

ج16: وراضية الشهايبي: أتفق معك حيث أن الومضة هي القصيد القادم فإيقاع الحياة السريع جعل الإنسان الآن مستعجلا في كل الأمور وحتّى صعوبات الحياة وما نراه من حروب وكوارث ومصاعب ساهمت في كسر المناعة العصبيّة النفسيّة للإنسان فصار سريع الغضب سريع الملل متوّترا ولذلك وجب مجاراة كلّ هذا وتقديم نص شعريّ يساير تغيّر نوع المتلقيّ والومضة تضمن الموضوع المختزل واللغة المكثّفة والتصوير الممتع والنهاية المدهشة كل ذلك في اقتصاد لغويّ كبير وفي وقت قصير جدّا سواء قراءة أو سماعا

 

س17: حمودي الكناني: من من الشعراء والشاعرات يستحوذ على اهتمام شاعرتنا راضية الشهايبي؟

ج17: وراضية الشهايبي: أسماء كثيرة تهمّني وليست بالأساس هي أسماء معروفة ولو أنّ هناك اسماء معروفة أقدّر جدا تجربتها وأتعلّم منها  ولكن عيب هذه الأسماء الكبيرة أنها من حيث تقصد أو لا تقصد غطّت على أسماء أخرى تتميّز بتجربة شعريّة لافتة ومميّزة ولذلك تشدّني القصائد أكثر من الأسماء فيمكن أن نقرأ قصيدا كبيرا لشاعر صغير ويمكن أن نقرأ قصيدا صغيرا لشاعر كبير ولذلك يبقى انحيازي لكل كتابة تلفت انتباهي وتستبدّ بي استعذابا

 

س18: حمودي الكناني: أين تضع راضية الشهايبي تجربتها الشعرية، اقصد في أي طبقة؟

ج18: وراضية الشهايبي: أضع نفسي في قصيدي وهو بعد ذلك ينزلني منزلة أستحقها ومنزلتي لا أتصوّرها مالا أو جاها أو حضورا إعلاميّا وإنما آهة إعجاب من قارئ لا يعرفني بل رآني في ومضة أو قصيد  

 

 حمودي الكناني: ختاما شكري وتقديري للشاعرة التونسية الجميلة راضية الشهايبي التي منحتني هذا الوقت الجميل بالاستماع والرد على اسئلتي متمنيا لها دوام الـتألق والصحة والنضارة.

  

          حمودي الكناني

صحيفة المثقف – مدارات حوارية

 

hamodi alkenanikarem merzaالحلقة الثانية من مدارات حوارية مع الاديب والباحث الاستاذ كريم مرزة الاسدي، فأهلا وسهلا به في صحيفة المثقف.

 

س9: حمودي الكناني: استاذي العزيز الشاعر والباحث كريم مرزة الاسدي أعرف ان موضوعة البحث تستهويك جدا وتأخذ من وقتك الكثير وكتبت الكثير من البحوث والكتب في مجالات الادب واللغة والتاريخ .. ولقد خرجت علينا ظاهرة الكتابة الايروسية او (الايروطيقيا) ولربما يظن البعض ان هذا ما جاءت به الحداثة .. ولما نقرأ معلقة الامير الضليل امرؤ القيس وما نسب الى ابي نؤاس نجد ان العرب هم اول من اوجد هذا الضرب من الادب .. فهل بحثت في ذلك وماذا تقول عنه؟

ج9: كريم مزرة الاسدي: لماذا؟: خرجت علينا ظاهرة الكتابة الايروسية او (الايروطيقيا)؟ لا من حيث التسمية !!، إذ تعني (الايروتيكية)، لأنّ حرفي الطاء والقاف غير موجودين باللغة اللاتينية، والتاء للنسبة تعود للكتابة، وإلا فهي كما كتبت بالألف الممدودة - هذا توضيح للقارئ الكريم-، وإنّما من حيث خرجت علينا ! ربما تقصد جدّدت مرّة ثانية، وكثرت في النصوص النثرية، واخترقت بعض بنات حواء حاجز خدش الحياء الأنثوي، بل الذكوري كجمانة حداد ومجلتها الايروتيكية (جسد) التي أثارت ضجة كبيرة، وأحلام مستغانمي وكتاباتها، ومن قبل كتب الروائي المغربي محمد شكري روايته الشهيرة (الخبز الحافي)، وقصّ فيها تجاربه الشنيعة مع العاهرات و... ولكن هذا التوجه في الكتابة موجود منذ القدم سيان في الأدب الهيليني اليوناني أم في الأدب العربي، ومنهم من يرجع جذوره إلى الكتاب المقدس (الأنجيل - سفر حزقيال) . وأدبنا العربي القديم مليء بهذا النمط من الكتابة شعراً ونثراً، فابن حزم في (طوق حمامته) تحدث فيه عن الحب وشجونه، ومسالكه وفنونه، ووالإمام عبد الرحمن السيوطي، أعلنها صراحة في (نواضر الأيك في معرفة النيك)، وكذلك تجد الراغب الأصفهاني في (محاضرات أدبائه)، وابن عبد ربه في (عقد فريده)، أوغلوا قي هذا الأسلوب الإيروتيكي، في إبراز جمالية الأعضاء التناسلية، والصفات الثانوية، والحركات الجنسية المغرية، ولعل قصيدة يتيمة الدهر لدوقلة المنبجي (نسبة لمدينة منبج السورية)، وقيل لأبي نؤاس، وقيل لغيرهما، هي قصيدة صارخة على نهج الإيروتيكية):

و لها هَنٌ رابٍ مجسته ***وعر المسالك حشوه وقدُ

فإذا طعنتَ طعنتَ في لَبَدٍ *** وإذا نزعــــت يكاد ينسد

وأصل الكلمة أساساً جاءت من كلمة (إيرو) اللاتينية، وتعني (طفل)، و(إيروس) طفولي - الكتابة اللاتينية بالهامش - وأحياناً تنسب النسبة لأحد آلهة الحب والشهوة عند الإغريق إيروس فتتشكل كلمة (إيروسية)، أ وهي تقابل مصطلح الايروتيكيا يعني الحب الطفولي الأناني، أو الحب الشهواني، ودافعه غريزة التملك، التي تبدأ مع ولادة الإنسان - أو من المرحلة الجنينية - كإصرارعلى التعلق بالحياة، قبل تواصله الاجتماعي مع الآخرين، وتعلمه اللغة التي هي أحد الوسائل المهمة لهذا التواصل، وعادة كلّما اندمج الإنسان مع المجتمع خلال فترات الطفولة بمراحلها الثلاث، ومن بعدها فترات المراهقة أيضاً بمراحلها حسب التقسيم، تضعف هذه الظاهرة عند الفرد الطبيعي الناضج، وهذه الظاهرة ليست مكتسبة، وإنما غريزة إنسانية موروثة - كما أسلفنا - ويسمى الهرمون المحفز لإظهارها (الأكسوتوسين)، ولا تتخيل هذا الهرمون على سوية واحدة، وضرب واحد، وأفرازاته واحدة في كل البشر، وبالتالي لا يمكن أن تطلب من كل الناس أن يكونوا متشابهين في السلوك اتجاه الغريزة الجنسية !! هذا محال، ومن هنا يستفحل الصراع بين غريزتي التملك الشهواني،

 والترابط الاجتماعي، وما حدده الشرع والعرف والخلق، هذا الهرمون يتشكل حسب الشفرة الجنينية المرتسمة على الحامض النووي (.دي . أنْ . آ) والتي بموجبها يلملم الحامض النووي الآخر (آر . أنْ . آ) الحوامض الأمينينية، وهي وحدات تكوين البروتين، وما الهرمونات إلا بروتينات، ويأتي هذا الرسول ويقف على الريبوسيمات، الملتصقة بالحامض النووي الأول، حامل الشفرات، لصنع الهرمون، ماذا أريد أن أقول،؟ أقول أن الحب الشهواني التملكي غريزة موروثة، كالأمومة والعطش والجوع، وليس بتعود مكتسب، وإذا كان هذا الهرمون يضعف مفعوله تدريجيا حتى النضوج، وما بعد النضوج، ليسعى الإنسان إلى الحب الإنساني الطبيعي ومساعدة الآخرين والتفاهم معهم عقلياً، نرى أنه يستمر مفعوله بقوة عند الفنانين، ومن الفنانين الشعراء، وتستمر طفوليتهم، وأنانيتهم التملكية، وتسامحهم بتناسي الإساءة لهم وتخيلهم الواسع، والذي هو أساس الإبداع الشعري والفني - سنأتي عليه في السؤال القادم -، وعلى أغلب ظني أن الفارق بين المدرستين الرواقية والإبيقورية بنيت على هذا الأساس دون معرفتهم بهذه الأمور المستجدة من هرمونات، وشفرات، وجينات ! وهاتان المدرستان، هما نهج حياة، فمؤسس الرواقية هو زينون الرواقي، الذي يرى أن سعادة الإنسان تكمن في سعيه للفضيلة والحكمة، وأن لا يرضى بما لا يمكن تغييره، حبّه لل يجب أن يسعى للتحلي بالفضيلة التي هي أعظم الخصال الحميدةبمن يتحلى بالحكمة والفضيلة أن يرضى بما لا سبيل إلى تغييره، أما الأبيقورية فقد أسسها أبيقور الذي اعتمد في فلسفته على مبدأ اللـّذة والمتعة، واستغلالهما قبل فوات الآوان، ولكن جملها بالاعتدال والهدوء.

 

س10: حمودي الكناني: الشعر ديوان العرب به تطيب مجالسهم ويتغنون ويتفاخرون بشعرائهم وكان الشاعر لسان حال القبيلة او الجماعة ووزير اعلامها، يشحذ الهمم ويقوي العزائم وسؤالي ما سر سيطرة الشعر على نفوس السامعين ومن اين اتت هذه السيطرة؟

ج10: كريم مرزة الاسدي: الإنسان وجهة الإنسان، وما عدا ذلك من طبيعة خلابة، وكون رهيب، وكائنات حية غير ناطفة بما يفهم الإنسان، تبقى بالنسبة إليه كائنات صماء بكماء لا بالعير ولا بالنفير، لذلك لولا الإنسان ما عاش الإنسان، وهذا اللغز الخافي هو الذي يجعله يستقصي أخبارهم، ويدرس تاريخهم، ويتطلع إلى مستقبلهم، ويجوب العالم راكضاً لاهثاً وراء أثارهم، يتخيل حياتهم الغابرة الدارسة من أطلال ومتحجرات، يقول البحتري في وصف إيوان كسرى، وهي من أروع قصائده على الإطلاق، وأنت أعلم من هو البحتري؟!

صنت نفسي عما يدنس نفسي *** وَتَرَفَّعتُ عَن جَدا كُــــــلِّ جِبسِ

وَتَماسَكتُ حينَ زَعزَعَني الدَهـ *** ـرُ التِماسًا مِنهُ لِتَعسي وَنَكسي

وَاشتِرائي العِراقَ خُطَّةُ غَبنٍ *** بَعدَ بَيعي الشَـــــــــآمَ بَيعَةَ وَكسِ

حَضَرَت رَحلِيَ الهُمومُ فَوَجَّهـ *** ـتُ إِلى أَبيَضِ المَـــدائِنِ عَنسي

أَتَسَلّى عَنِ الحُظوظِ وَآسى **** لِمَحَلٍّ مِن آلِ ســـــــــاسانَ دَرسِ

أَذكَرتِنيهُمُ الخُطوبُ التَوالي *** *وَلَقَد تُذكِرُ الخُطــــــــوبُ وَتُنسي

وَهُمُ خافِضونَ في ظِلِّ عالٍ *** مُشرِفٍ يَحسِــــــرُ العُيونَ وَيُخسي

وَإِذا مارَأَيتَ صورَةَ أَنطا *** كِيَّةَ اِرتَعتَ بَيـــــــنَ رومٍ وَفُـــــــرسِ

مُزعَجًا بِالفِراقِ عَن أُنسِ إِلفٍ ***عَزَّ أَو مُرهَقًا بِتَطليقِ عِـــــــرسِ

هذه القصيدة نظمها البحتري، بعد أن قتل المنتصرومعه قائدان تركيان ووزيره الفتح بن خاقان (247هـ) أباه المتوكل، ووزيره الفتح بن خاقان، وكان معهما في مجلس الشرب هذا البحتري في أروع القصور وأجملها وأبهاها في الدنيا، وأعني (قصر الجعفري) في سامراء، فردوس الخليفة وجلسائه، ومن أقرب حلسائه المخصوصين البحتري، وعندما نُكب الشاعر، وهجا المنتصر، انحدر إلى بغداد، ومرّ على المدائن، وناجى نفسه، وخفف عن آلامه النفسية، وتأمل الإنسان بالإنسان، وتلمس الآثار،والمعارك بين الروم والفرس، ويقيني لو ذهب للجبال الصماء لمات كمذا، إن في المحادثة مع الإنسان، أو في التأمل في ما يخلفه من أثار، تلقيحاً للعقول، وترويحاً للقلب، وتسريحاً للهم، وتنقيحاً للأدب

يقول أبو سعيد السيرافي: سمعت ابن السراج يقول: دخلنا على ابن الرومي في مرضه الذي قضى فيه، فأنشدنا قوله:

ولقد سئمت مآربـي *** فكأن أطيبها خبـيث

إلا الحـديث فـإنـه *** مثل اسمـه أبداً حديث

فالإنسان يهمه حديث الإنسان عن نفسه وغيره، ومجتمعه ودولته وعالمه حتى في نكباته، بل وحتى على فراش موته، وهذا ما يحققه له الشعر بأمتياز لبواعثه النفسية، وتجاربه الإنسانية، ومعانيه السامية، وبلاغته الراقية، وحكمه الرائعة، ومن هنا خُلـّد المتنبي العظيم

 وماالدهر الا من رواة قصائدي *** اذا قلت شعرا اصبح الدهر منشدا

 يرويه الدهر إضافة لحكمه وخوالجه الإنسانية النافذة لسهولة حفظه وترديده، وقابليته للحدو والغناء

تغن بالشعر إما كنت قائله*** إن الغناء لهذا الشعر مضمارُ

الحقيقة من نقطة صدق المشاعر الإنسانية، ولو كانت أنانية بحتة، لأنها صادرة من إنسان شاعر نرهف الحس - لا للناظم الشعر الميت - هو أحد أحد أسباب خلوده المهمة، لذلك يذهب الدكتور زكي مبارك إلى أن قول أبي فراس الحمداني:

معللتي بالوصل والموت دونه *** إذا مت ظمآناً فلا نزل القطرُ

أصدق شعورا، وأحق بالبقاء والخلود من قول المعري المنافق لإبراز وجوده، وإظهار نفسه بالغاضل المتفاني في قوله:

فلا هطلت عليّ ولا بأرضي *** سحائب ليس تنتظم البلادا

ولهذا ساند العبقري بقوة السيد أحمد الصافي النجغي، وعدّه أروع شاعر ولدته الأمة العربية، في حين - ومعه صديقه المازني - جردا شوقي من الشاعرية حتى الممات، لأنه لم يتمتع بالأحاسيس الشعرية الصادقة، ورؤيتي رؤية العقاد ومدرسته.

وإضافة أخرى وأخرى، إن جمال لغتنا ونفوذها في الوجدان العربي، وتغلغلها في أعماق أعماق العرب، وخصوصاً بعد نزول القرآن القرآن الكريم،أعطى الشعر مكانة مرموقة وممزوجة في الوجدان العربي لا يمكن نزعه من النفوس - أطلت معكم عذرا-، وأضيف الأخرى، الشعر تخييلي، كما ذكرنا في النقطة السابقة، والشاعر بعيد بعيد في مدى خياله، والخيال ليس له مكان محدد، ولا زمان معين، لا يعتمد على التراكم المعرفي كالعلم، وإنما تخيّل هومبروس وامرئ القيس والمعري ودانتي، وجابوا الفضاءات والكون، وهم في عصورهم، كما يتخيّل شعراء اليوم، بمعنى الشعر ليس فيه قديم وحديث إلا من باب معرفة زمان الشاعر وبيئته، لامن حيث مقياس جمال الشعر وتذوقه، فلا المتبي استطاع أن يختزل امرئ القيس، ولا الجواهري تمكن من تغطية المتنبي، ولا ...ولا، وهكذا في الآداب الأجنبية، فالشعراء ليس كالعلماء، وكما يقول المازني، فلا:

ويدفن بعضهم بعضاً وتمشي *** أواخرهم على هام الأوالي

 

س11: حمودي الكناني: جميل جدا وهل في تصورك ان لقصيدة النثر نفس الاثر على المتلقي وهل بامكانها ان تحل محل القريض ... لماذا لا ولماذا نعم؟

ج 11: كريم مرزة الاسدي: تسألني، وأجيب بكل صراحة، ليس لقصيدة النثر تأثير على وجدان السامع العربي إلا كنص نثري يعتمد على المُلقي في كيفية إداء حروفه وكلماته وجمله، وتجسيد صوره، ليستقطب ذهن المستمع ووجدانه دون أن يشاركه هذا المستمع ترديداً وانفعالا وتصفيقا وإنشاداً وحماساً، كما هو حال الشاعر الشاعر العمودي أو التفعيلي الموزون، أما القارئ فيستقبله كمضمون وتشكيل بلا حياة أوغناء وحدو، وإنما مضمون وتشكيل لنص نثري يبوح به كلّ من هبّ ودبّ لاستقراغ الكبت النفسي، والبوح الإنساني لما في الوجدان والضمير، كلّ بمقدار ثقافته وقدرته اللغوية بلا حدود ولا قيود، ويابسه يأكل أخضره، ومن المضحك المبككي أن أحد رواده الكبار الذي يقف مع أدونيس ويوسف الخال، وهو ثالث الأثافي، وأعني الدكتور عبد العزيز المقالح، الناقد والأديب المعروف، رئيس جامعة صنعاء سابقا، يستند على رمز شامخ من رموز أدبنا العربي، ألا وهو أبو العلاء المعري ليدعم تجربته الفتية، وقد عبته ورددت عليه لا لهذا الدعم، وإنما لاعتباره كتابة القصيدة العمودية إثماً، وعلى أغلب الظن كان يعني الشاعر اليماني محمد أنعم غالب في عدم خوضه مجال الشعر العمودي، وإلا فالدكتور يثمن وكتب ياعتزاز شديد عن البصير عبدالله البردوني، وأنا أطالب باصرار شديد، لا يجوز لكاتب قصيدة النثر أن نطلق عليه صفة شاعر إلا بعد خوضه تجربتي العمودي والتفعيلة بنجاح باهر، مهما يكن يقول الدكتور في كتابه (من البيت إلى القصيدة) " ويكاد القارئ العادي ينسى نفسه وسط الزحام، لكنه لابدّ أن أن يألف الجديد، ويأنس إليه، وأن يردد مع حكيم المعرة:

ستألف فقدان الذي قد فقدته *** كإلفك وجدان الذي أنت واجدُ "

وليسمح لي الدكتور المقالح أن أستعير كلمته بحق الدكتور طه حسين حين كتب عن الشاعر العربي الأموي العصر (وضاح اليمن) قائلاً " غريب أمر الدكتور طه، كيف يصف شاعرا هذا مستواه الفني بالإسفاف والابتذال والسقوط واللين " (الشعر بين الرؤيا والتشكيل ص 79)، وغريب أمر الدكتور المقالح كيف وصف كتابة الشعر العمودي بالأثم، ويعتبر عدم كتابته مأثرة تستحق التمجيد؟ وهل يتخيل أن الشعر العمودي الأصيل أصبح يتيماً، لا يوجد مَن يدافع عنه؟ وكيف سمح أن يطلق نعت شاعر على كاتب لم يكتب بيتاً من الشعر؟!! هذا خلط، وفرض الرأي بالجور، وبنظرة غير عميقة، أين الكان كان، والمواليا، والقوما البغدادي؟ بل أين الموشحات التي أخذت مدى بعيدا، وأشواطاً طويلاً، وأين البند الرائع؟ وهذا مثاله لابن الحلفة الحلي، وهو أرقى بكثير، مما يسمى بقصيدة النثر:، اقرأ من البند، وقارن وتأمل:

" أهل تعلم أم لا أن للحب لذاذات؟

وقد يعذر لا يعذل من فيه غراماًوحوى مات

فذا مذهب أرباب الكمالات

فدع عنك من اللوم زخاريف المقالات

فكم قد هذبّ الحب بليدا

فغدا في مسلك الأداب والفضل رشيدا"

الكرة الآن في ملعبهم، يتقاذفها الداني والعالي، القوي والضعيف، الصغير والكبير، ومن حق الناس أن تعبر عن مكنوناتها وبوحها وآلامها وأمالها وأتراحها وأفراحها كيفما تشاء، ولكن على أغلب الظن لا يبقى منه إلا الدر الثمين لشعراء مرّوا بالتجربتين العمودية والتفعيلية، وترجم للغات الأجنبية، واستطاع أن ينفذ بقدرة هائلة ككتاب اليسوع (النبي) لجبران خليل مثلاً .

 

س12: حمودي الكناني: انت لم تكتب الا قصائد العمود والتفعيلة ولم تكتب قصائد النثر .. هل هو بسبب عزوفك عن هذا الجنس الادبي الطاغي على الساحة الان ام ان الشعر لديك هو ما كان ذا قافية وايقاع وله القدرة على ان يغنّى وتطرب له النفوس؟

ج12: كريم مرزة الاسدي: الشعر ليس بمفرداته ومضمونه ومعناه وصوره فقط، بل بموسيقاه وانسيابه وأشجانه وألحانه، تقرأه بنغماته الشجيه الصادرة من أعماق قلوبٍ متأججة شاعرة لتطرب إليه، وتتغنى به، فهو ليس مجموعة لحبات ٍمن العنب متكتلة متراكمة بترتيبٍ معين، وتنظيم دقيق لتمنحك صوراً جميلة، وتشكيلاتٍ بديعة لمعان ٍعميقة على أحسن الأحوال ..وإنما هو تحول نوعي تام من حالٍ الى حال، ليصبح في صيرورة جديدة ..كأس مُدامةٍ وكرعة راح ٍ " وإنَ في الخمر معنى ليس في العنب ِ" .

يقول أبو العباس الناشىء الأكبر عن شعره:

يتحيرُ الشعراءُ إنْ سمعوا بهِ ***في حُسن ِ صنعتهِ وفي تأليفــهِ

شجرٌ بدا للعين ِحُســـنُ نباتهِ ***ونأى عن الأيدي جنى مقطوفهِ

وللشعر ركنان أساسيان لابدَّ منهما في كلّ شعر ٍ،،وهما النظم الجيد ونعني به الشكل والوزن أولاً (ويخضع كما هو معلوم لعلوم النحو والصرف والبلاغة والعروض)، ثم المحتوى الجميل أو المضمون الذي ينفذ إلى أعماق وجدانك، وتنتشي به نفسك دون أن تعرف سره، وتفقه كنهه، فهو الشعاع الغامض المنبعث من النفس الشاعرة .

وتسأل عن الناس، فالناس أجناس، فمنهم - كما تصنف نازك الملائكة بما معناه، وكما هو معروف - مَنْ يتذوق الشعر ولا يستطيع أنْ يدرك الموزون من المختل، وينطبق هذا على أكثر الناس، ومن الأقلية مَنْ تجده يستطيع أن ينظم الشعر بشكل ٍمتقن ٍ، ولكن لا تحسُّ بشعره نبض الحياة ونشوة الإبداع، وهذا هو الناظم، أمّا الشاعر فهو الذي يجيد النظم إجادة تامة، وتتأجج جذوته ليحترق، ويمنحك سرّ الإبداع، ولذاذة الشعر، تتحسّس بجماله، ولا تدرك أسراره - كما أسلفنا - والشاعر الحساس يرتكز لحظة إبداعه الإلهامية على مظاهر التأثيرات الوراثية التي تسمى بعلم النفس (الهو)، وما يختزنه في وعيه واللاوعي من معلومات وتجارب وعقد، ولك أن تقول ما في عقليه الباطن والظاهر (الأنا العليا)، ومن البديهي أن ثقافة المبدع بكل أبعادها الإيحائية واللغوية والمعرفية والسلوكية والفلسفية والتجريبية - والعلمية الى حد ما - تؤثر على القصيدة أو النص الأدبي.

ومِنْ الشعراء المتميزين مَنْ يتمرد على التراث الشعري القديم،وهؤلاءمن عباقرته الذين يمتلكون حقّ التجديد والتحديث، ومن الناس من يرفض القديم بحجة المعاصرة والتقليد، وهؤلاء يلجون عالم الشعر، وهم ليسوا بأهل ٍله، لأن ّ ما لا يكون لا يمكن أن يكون ! فالقدرة على الصياغة النغمية تكمن مع صيرورتها - وبدرجات مختلفة - الإنفعال الشديد، والإحساس المرهف، والخيال الخصب، والإلهام الفطري، وهذه بذور الإبداع متكاملة مندمجة بماهية واحدة، وبدونها لا تنبت النبتة الصالحة لتعطي ثمارها وأُكلها .

 ولفذلكة الأقوال نقول: نعم للتشكيل اللغوي المحكم، والتصوير الفني البديع، والتنظيم الواعي الدقيق دور كبير في بناء القصيدة، ولكنه دور مكمل يحتاج الى قدرات عقلية كبيرة، وثقافة موسوعية عالية ورفيعة (على قدر أهل العزم تأتي العزائم ُ)، ولكن - مرّة أخرى - الأعتماد على العقل وحده دون الغريزة الفنية والقدرة الموروثة إصالة أو طفرة، لتتفاعل هذه كلـّها حيوياً لحظة الإبداع وصناعة القصيدة، وبكلمة أدق ولادتها (وخلها حرّة تأتي بما تلدُ)، كما يقول الجواهري .لهذا يبدو لي ان (نور ثروب فراي) لا يميل الى قول العرب قديما (جرير يغرف من بحر، والفرزدق ينحت بالصخر)، ويذهب الى ما ذهب اليه الجواهري، فكلّ عباقرة الشعر يغرفون من بحر وتولد القصائد عندهم ولادة، ثم يجرون بعض التعديلات اللازمة عليها، فمن المفيد أن أنقل إليك - أيّها القارىء الكريم - هذه الفقرة من كتابه (الماهية والخرافة) " القصائد كالشعراء، تولد ولا تصنع، ومهمة الشاعر هي أن يجعلها تولد وهي أقرب ما يكون إلى السلامة، وإّذا كانت القصيدة حية فأنها تكون تواقة مثله الى التخلص منه وتصرخ ملء صوتها بغية التحرر من ذكرياته الخاصة وتداعياته، رغبته في التعبير عن الذات وكلك تتخلص من حبال سرته وأنابيب التغذية المتعلقة بذاته جميع "، القصيدة ولادة عقبى التغذية الكاملة من نفس خلقت لكي تكون شاعرة، وليست صناعة لتصفيف حروف مهما بلغت ثقافتها.

 

س13: حمودي الكناني: الشاعر النجفي محمد صالح بحر العلوم اشتهر بقصيدة " أين حقي " والتي جاء فيها:

 (ليتني أسطيعُ بعثّ الوعي في بعض الجماجم

 لأُريح البشرَ المخدوع من شر البهائم

 وأصون الدين عما ينطوي تحت العمائم

 من مآسٍ تقتل الحقَّ وتبكي: أين حقي)

السؤال هو لماذا منعت هذه القصيدة في حينها وهل تظن ان فيها ما يسئ أم الرجل رصد الحقيقة وصورها كما هي نتيجة ما تعاني منه الناس من فقر وجهل ومرض وفاقة؟؟

ج13: كريم مرزة الاسدي: من غريب الصدف أن الشاعر محمد صالح بن السيد محمد صالح بن السيد مهدي بن السيد محسن بحر العلوم ولد في أول أيام عيد الأضحى المبارك، وأنا ولدت في المناسبة السعيدة نفسها، ولكن تولد هو في سنة (1326هـ / 1909 م)، أما أنا فولادتي سنة (1365 هـ / 1946م)، وكلانا من مدينة النجف الشرف، فهو من عمر أبي تماماً، الرجل من عائلة دينية معروفه عريقة، يرجع نسبها إلى المرجع الديني الكبير السيد محمد مهدي بحرالعلوم، المتوفي في النجف سنة (1212 هـ)وما بحر العلوم إلا لقب أطلقه عليه أستاذه محمد مهدي الأصفهاني لحدة ذكائه، وتبحرعلمه، شاعرنا كان جريء جدا، يتعاطف مع الفقراء والطبقة المسحوقة، سجن وعانى، واشتهر بشعره النضالي،ويطلق عليه (شاعر الشعب)، ولكن لا يبلغ مستوى شعره الفني، ولامتانة سباكته، ولا قوة بلاغته كشعر الجواهري العظيم، أو الرصافي بأي شكل من الأشكال، ولا حتى زجالة شعر الشبيبي والشرقي، وشهرته جاءت من معانيه، وجرأة مراميه وكان يكنى أبا ناظم، لذلك يخاطبه الجواهري، وهما جاران، ويكبره الجواهري بعشر سنوات:

أبا ناظم وسجنك سجني *** وأنا منك مثلما أنت مني

 وتعد قصيدته (أين حقي) من أشهر قصائده، ولاقت أستحسان الجماهير الواسعة، نظمها في بيروت عام 1955 م، انتشرت كثيرا، وأعيد نشرها في السبعينات، ولكن ربما منعت لدوافع سياسية، فحُرض عليه بعض رجال الدين، إذ اتهمَّ بالزندقة والشيوعية، وعلى أغلب الظن لم ينتمِ للحزب الشيوعي، والمقطع الذي ذكرته ليس به أي مساس بالدين، بل أراد صيانة الدين من شرّ العمائم، وهنا تكلم عن الكل وأراد بعض العائم، وهذا وارد باللغة العربية،بل جاءت الصيغة في القرآن الكريم، والأحاديث الشريفة .

 ومن جدير ذكره، لما قاوم الزعيم الهندي الخالد (مهاتما غاندي) الاستعمار الأنكليزي، وألتف حوله الشعب الهندي بكل طوائفه وأديانه وأعراقه، وحجوا إليه، ونظم الشعراء العرب في حقه أروع القصائد، ومنهم أحمد شوقي:

بني مصر ارفعواالغار*** وحيّوا بطل الهندِ

أخوكم في المقاساة ***وعرك الموقف النكد

سلام حالب الشـــاة *** ســـــلام غزل البرد

ومن صد عن الملح *** ولم يقبل على الشهد

ومن تركب ســــاقيه *** من الهند إلى السند

هذه الأبيات من قصيدة مطولة لأمير الشعراء في حقّ غاندي، وفي الوقت نفسه أواخر ثلاثينات من القرن الماضى، يأبى الشاعر العراقي النجفي، وأقول النجفي ليس من باب المناقية والتعصب الأعمى، هذا ما لا يدور بخلدي مطلقاً، ولكن من باب المقارنة مع قرينه بحر العلوم، فهما ليس من المدينة نفسها، بل من نفس المحلة والعكد (الزقاق)، ومثلهما الجواهري، أقول يأبى إلا التمرد على الأوضاع والقيم والشرائع كبقية شعراء العراق، بل وعموم شعبه، فينظم هذه النتفة الكافرة بالقيم، ولا أقول الدين، لأنني لست يصاحب فتاوي شرعية، اقرأ:

 قف في منى واهتف بمزدحم القبائل والوفودِ

 حجّوا فلســــــتم بالغين بحجكم شّـرف الهنودِ

حُجّوا إلى اسـتقلالهم وحججتم خوف الوعـيد

وعبادة الأحــرار خــير من عـبادات العـــبيد !؟

وهذه الأبيات أشنع، وأكثر كفراً ظاهرياً من أبيات بحر العلوم التي أوردتها - عزيزي الأستاذ الكناني -، وبدليل وقف معظم الجمهور النجفي ضدّه، وأرادوا قتله لخروجه الواضح عن ركن أساسي من أركان، واستفتوا السيد أبا الحسن الأصفهاني، المرجع الديني الشهير (تزفي تشرين الثاني 1946م / 1365 هـ)، فأفتى لصالح الجعفري، وقال هذا شعر شاعر لا يجوز شرعاً مؤاخذته عليه، وقول السيد أبي الحسن، لا يقبل النقض، ولا الاستئناف، قرار نافذ ناجز، لذلك لا أرى الأمر مع بحر العلوم إلا سياسيا، لا دينياً، والله أعلم، وأواخر حياته باع بحر العلوم كل نضاله ومواقفه وجرأته وتاريخه براتب تقاعدي مقداره مائة وخمسون ديناراً، وكذلك منحت الحكومة في سبعينات القن الماضي رواتب تقاعدية بنفس المبلغ للشاعرين الشهيرين الجواهري والصافي النجفي، الجواهري غادر العراق مهاجراً، والصافي لم يتمتع براتبه إلا سنتين، إذ توفي 1978م،وبحر العلوم بعد مدحه لرأس النظام البائد بشعر ركيك ضعيف توفي، توفي1984م.

 

س14: حمودي الكناني: عذراً أيها الشاعر ماذا تركت من وجدانيات وهل ران قلبك يوما نحوهن فذكرتنهن بأعذب الكلام وارقه وهل ما زلت فتى إبن عشرين؟؟؟

ج14: كريم مرزة الاسدي: لم أترك وجدانيات عاطفية إلا النزر القليل، بينما احتلت الوجدانيات الاجتماعية مساحة جيدة من شعري، والسبب معروف، قضينا جل العمر في النضال السياسي مجبرين عليه منذ بدايات السبعينات حتى اليوم، فكانت معظم همومي تصب في القضايا الوطنية والقومية والإنسانية، إضافة للهموم الذاتية، ولا أنسى تأثير بيئتي النجفية، ورموزها الدينية المقدسة في شعري، ماذا تتوقع من شاعر ملاحق من بلد إلى بلد، ومن مهجر إلى مهجر، تلاحقه العيون، وتتربص له الثعالب والذؤبان غير أن يرى امرأة فاتنة، تسوق سيارة مرسيدس في شوارع الدار البيضاء (سنة 1980 م)، وبجنبها كلب تلاطفه، على حين سحب من الشاعرجواز سفره، وتدخلت السفارة العراقية من وراء الستار كي تلغي عقده، ليرجع مرغما إلى وطن السجون والاعدمات، فيقول:

 يهُنُ الموت، فإن لم يهنِ *** اجرع الذّلَّ وطعمَ المحنِ

أنا جوالٌ فلا من مسكنٍ ٍ *** يحتويني رغم ضيق الزمنِ

وأرى كلباً لهُ من حظوةٍ *** بين قبــــلاتٍ وبيـن الحضنِ

في إحدى المرات، وقبل نظم الأبيات السابقة بعدة أشهر، وأنا أتجول مع صاحب لي على سواحل الأطلسي في مدينة الجديدة المغربية، تقدمت لي فتاة جميلة ومعها صاحبتها، وطلبت مني شعراً فيها، وزعمت تعرفني من خلال الصحف، وكنت أنشر في الميثاق الوطني، الصحيفة الناطقة بلسان حزب رئيس وزراء تلك الحقبة، والأنباء الصحيفة الرسمية الناطقة بلسان الحكومة، وصحيفة العلم الناطقة بلسان حزب الاستقلال، أرتجلت هذين البيتين:

ما بين عينيكِ وبين الفمِ *** قد حرـ يا جوهرة الموسمِ

نفسي وأنفاسكِ يا حلوة ٌ *** واحدةٌ تجري بمجرى الدم

وقبل سنة من نظم هذه الأبيات، أي في سنة (1979م)، تعارفت علي فتاة مغربية اسمها زينب، زعمت أنها تحبني، وكنت في صراع مرير مع أركان السفارة، وأتوجس من أي علاقة عاطفية، وتأخذني الشكوك، وأنا كثير الحذر من أن أقع في أي مصيدة، فتجدني في صراع مرير بين الغريزتين، ونجحت كثيراً الإفلات من أنياب الوحوش، بل بعضها أسود كاسرة، فنظمت قصيدة تحت عنوان (وكيف أفسرّرُ ما كنهكِ)، ونشرت في صحيفة الميثاق الوطني، وعلى الصفحة الأخيرة، وهي الصفحة الرئيسية الثانية، ونشرتها في ديواني الأول، منها:

أصادقةٌ أنت في قولك *** أم الحقدُ ينبعُ من صدركِ؟

أرى بعيونك شتى الأمورْ ***فيصعبُ أنّي أرى سرّك

أرى لهيامكِ سرّاً كبيرْ ***فكيــــــــف أفسّرُ ما كنهكِ

فلا تخدعيني بربِّ السماءْ ** بجهلكِ سيّانَ أم علمكِ

أتيتِ إليَّ كمـا تشتهينْ **لحبٍّ سرى في هوى عقلك

أم أنّك جئت بكلّ الشرورْ ***لكي تقتليني على دربك

********************************

وقلبي أوسعُ في النائباتْ *** بـأنْ تأسريهِ لدى قلبك

طبعاً لم تكن الشكوك مجانية، بل من معطيات، واستطعت بذكاء حاد أن أحسم الأمور لصالحي، وكانت البنت صادقة في حبًها، ولكن ظروفي في تلك الأيام جعلتني لا أقترن بها، ومن القصيدة:

وإنـّي أرتقبتُ لقـــائي بكِ ***وعيني تلاقي سنا عينكِ

فإنّي إليكِ إذا ترتضين *** وأنــــــــــتِ إليَّ على مهلكِ

ووزعتُ حبّي على الكائناتْ **ولم يبقَ حبٌّ إلى غيركِ

أزينبُ أني زرعتُ الحنانْ *** بنفسكِ كي أرتوي حبّكِ

فلا تستكيني لنزغ الوشاةْ ***فعــــــزّكِ لا يرتضي ذلكِ

فلا تفقديني بيومٍ كئيبْ *** فروحي ستنبض في عرقكِ

ففقدك لي سيهزُّ الوجودْ *** ويجــعلُ حزناً مدى دهركِ

ستبكين يومَ يعزّ البكاءْ ***ولا نفع يجدي عــلى حزنكِ

لتعلمي أنّ نفوس الرجالْ ْ****تظلُّ تحنُّ إلى عهـــــدكِ

وتعلمي أنَّ ضعاف النفوسْ *** ستبقى تتاجرُ في ذاتك

كما ترى القصيدة تعكس الكثير من الهواجس والشكوك، والحب والحب المقابل، والتضحية والفداء من الطرفين، حسب ظروف تلك الأيام، وبعد التهديدات المباشرة من قبل أركان النظام للتوقف عن نشر القصائد، والرجوع إلى العراق، وإرسال شخصيات مهمة لمفاوضتي وترغيبي وترهيبي، حسم الأمر بمنحي جواز سفر سوري، والذهاب إلى سوريا لاجئاً في ليلية ليلاء، ومنحت اللجوء أيضاً بسبب قصيدة رائعة رفعتها إلى سوريا كبلد، حيث لم أكن أعرف بها أي شخصية، والذي أسرني بفاعلية القصيدة وتأثيرها على الأمين العام المساعد، ونائب رئيس الجمهورية، والأعضاء القياديين في اللجنة، عضو قيادة قومية،وهو الآن حيّ يرزق في العراق على حجّ علمي، أتحفظ عن ذكر اسمه .

 جواب الشطر الثاني من السؤال، كل شاعر خلق شاعراً أو فناناً، تبقى الطفولة تلازمه حتى الموت، وغريزة التملك تصاحبه للأنانية العنيدة لأثبات الذات، ولكن ليس على حساب المصلحة العليا للأمة والأوطان، بل على مستوى الفرد الآخر، كما وضحنا سالفا، ويبقى قلبه يميل لكل جميل، يشيخ وحمل روح ابن العشرين، وعبر عن ذلك الصافي النجفي أروع تعبير، وأصدقه:

سنّي بروحـــــــي لا بعدّ سنينِ *** فسأهزنَّ غداً مــــــن التسعينِ

عمري إلى السبعين يمشي راكضاً **والروح ثابتةٌ على العشرين

والحقيقة أنا من مطلع شبابي ميّال لكل جميل، ففي قصيدتي عن المغرب نظمتها 1980م، واستلهمتها وأنا على ساحل الأطلسي في الرباط، نشرتها صحيفة الأنباء المغربية، وعلى إثرها أجرى معي الصحفي السوداني الكبير الأستاذ طلحة جبريل،وكان مسؤول الشؤون الثقافية في الصحيفة حوارا مطولاً تحت عنوان (من وادي عبقر)، وشغل معظم الصفحة الأخيرة، أقول في بعض أبيات القصيدة:

في صحوة الدهر والأيام ضاحكةٌ ****إنّا وجدناك ريحاناً ونسرينا

وفي زمانً نرى الأيامَ باكيةً ***** تصيّر الحــزنَ أنغاماً فتشجينا

الأرضُ خضراءُ،والأشجارُ باسقةٌ **والماءُ ينسابُ والأجواءُ تغرينا

وتسبحُ الحورُ كالأســــماكِ لاهيةً ***تصارعُ الماء يصرعها فتلهينا

حمراءُ زرقاءُ، والأثوابُ زاهيةُ ***تكسو المفاتن ألونـــــاً فتزهينا

وشاعرٌ يلهم الأفكارَ مسرعةً *** ويجعل الحرف من وجـدٍ دواوينا

وفي قصيدتي المطولة الأولى عن الجزائر، نشرتها صحيفة الشعب 1985م، وموجودة في الديوان الأول، وعلى إثرها دعتني السفارة العراقية للمشاركة في مهرجان المربد الخامس الذي انعقد في البصرة في كانون الأول 1985م - على الأغلب -، فرفضت، وكنت حينها، أنا وعائلتي نحمل الجواز السوري، من أبياتها:

فلقدْ نفحت أريجيكِ الفوّاحَ كالوطــنِ المثيـبِ

قدْ عشتكِ الريّان بينَ جوانحي نبـض الحبيبِ

فوق الجبال الشامخات،وبين همهمة الدروبِ

القصيدة طويلة، والزمان ضيق، نختتم هذه الحلقة بهذه الأبيات، والدنيا خذ وهات !!

 

            حمودي الكناني

مدارات حوارية – صحيفة المثقف

 

للاطلاع

مدارات: حوار مع ألاديب الباحث كريم مرزة الأسدي (1-2)

 

hamodi alkenanikarem merzaترك الجسدَ وأدوائه والضرس وأوجاعه وراح يحلق في دنيا القريض

أهلاً وسهلاً شاعرنا الأثير كريم مرزة الاسدي في مدارات حوارية في صحيفة المثقف ..!!

 

 كريم مرزة الأسدي شاعرٌ باحثٌ ترعرع ونما في النجف، أرض السلام والوئام التي جل غرسها من الشعراء والعلماء ومن ذوي الشأن . أرضٌ ضمت جسد صاحب الشأن الرفيع والحصن المنيع، اولهم ايمانا بالله ورسوله وأفصحهم لسانا وابلغهم منطقا بعد النبي عليه السلام .. ذلك هو ابو تراب والد السبطين علي بن ابي طالب (ع).

صدر له العديد من الكتب في الشعر والنقد والبحث والتاريخ ونشر له العديد من البحوث والدراسات في المجلات والجرائد والمواقع الالكترونية ولأن الكثير الكثير كتب عنه وعن اصداراته لذلك تعمدت عدم ذكر اسماء ما صدر له، ترك التخصص في الجسد وأدوائه وفي الضرس وأوجاعه واتجه يدرس العلوم الطبيعية لكن عينه ظلت ترنو الى الشعر والشعراء وحافظته الذهنية شرّعت ابوابها لتختزن الكثير الكثير من جواهر الادب والمعرفة في بواكير شبابه .. شاعر كبير وباحث متمكن وإنسان يفيض مودة ومحبة، طورد كثيرا ولكي يسلم من اذى الطغاة ترك الوطن في نهاية في اواخر سبعينيات القرن الماضي واستوطن الشام ومن ثم الجزائر و المغرب .. عربي أصيل، يعتز بعروبته، أهلوه بنو أسد تمتد مضاربهم من كربلاء حتى البصرة ..

والآن لنمضي نتجول في حدائق الشاعر الكبير معلمنا وأستاذنا القدير كريم مرزة الاسدي عبر إجاباته الوافية، فاهلا وسهلا به مجددا في مدارت حوارية:

 

س1: حمودي الكناني: النجف الاشرف شرفها الله بأن ثراها ضم جسد علي بن طالب (ع ) وهي حاضرةُ علمٍ وأدب ودين، يقصدها طالبو العلم والمعرفة من كل بقاع العالم، هذه الحاضرة هي مسقط رأسك فيها ترعرعت وتربيت وتعلمت فما الذي تركته هذه المدينة في نفس الطفل والصبي واليافع كريم بن الحاج عباس مرزة الاسدي؟؟

ج 1: كريم مرزة الاسدي: بادئ ذي بدء أشكر الأستاذ الأديب الرفيع، والقاص المبدع حمودي الكناني على إجراء هذا الحوار، كما أشكر صحيفة المثقف الغرّاء على نهجها القويم لإرساء أسس الثقافة المنفتحة على كافة الاتجاهات الوطنية والعربية والإنسانية السليمة . وعادة يأخذني القلم إلى إجابات مسهبة وافية كافية، ولكن لكثرة الأسئلة، ربما ستتفاوت إجاباتي بين الإطناب والإيجاز والمساواة .

الحقيقة أنا سليل عائلة عريقة جدا من النجف الأشرف (آل مرزة) - ومرزة اسم طائر من آكلة اللحوم كالشاهين، والعرب تميل إلى أسماء الحيوانات، أو الطيور، أو من مرزات الشلب،

والواحدة مرزة، إذ كان أجداننا يتاجرون بها، وليس من ميرزا اللقب التشريفي الفارسي، إذ يتشكل من مقطعين، مير: وتعني أمير، و زا: وتعني ابن بالفارسية، وبالتالي، يكون معنى الكلمة: ابن الأمير، أما ميرزة فهي كلمة لا توجد لا بالعربية ولا بالفارسية، وإنما هي تحوير وخلط، وعلى العموم كلنا بشر، لآدم وآدم من تراب !!، وإنما ذكرت هذا للتوضيح اللغوي - أقول ربما لم يسبقنا إليها من عوائلها العريقة، المتواجدة في النجف حتى الآن، سوى عائلة آل الطريحي بخمسين عاماٌ، وهم ونحن مع خمسة عوائل نجفية أخرى، ننتمي إلى بني أسد، ونحن من فخذ آل معرّف الأسدي، وتنعت عائلتنا بالثراء والشرف، كما قال عنها - مثلاً - المرجع الديني الكبير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء في معرض تحقيقه وشرحه لديوان ( سحر بابل وسجع البلابل) للشاعر الشهير السيد جعفر الحلي، الذي نظم العديد من القصائد في حق عدّة من أجدادنا، أ قول هذه الخلفية الثرية مادياً ومعنوياً - إن صح التعبير -، وفي مدينة الإمام (ع)، لابدّ أن تؤثر على تكويني النفسى والثقافي والفكري، ومن حسن الحظ نشأت في زمن كانت رموز النجف الأدبية والدينية،والثقافية ذات توجهات إنسانية وعربية ووطنية، فلا يتعجب القارئ الكريم منذ 1911 م يفتي مراجع النجف الجهاد ضد الغزو الإيطالي لليبيا، ومن ثم جهاد علماء النجف ضد الغزو الأنكليزي للعراق، واستشهاد بعض مراجعها الكبار كالسيد محمد سعيد الحبوبي، وتتزعم قادة ثورة العشرين، وتساند الثورة العربية الكبرى للشريف حسين عام 1916م وتقف بحزم ضد مشروع انضمام الموصل إلى تركيا 1924 م وما بعدها، وكذلك ضد الاستعمار الفرنسي في سوريا ولبنان، وتواصل النجف مسيرتها العروبية ضد وعد بلفور عام 1917م، وتأسيس إسرائيل عام 1948م، واقرأ ما يقول الجواهري العظيم في قصيدته (يا فا الجميلة )، نشرها 1945م بعد زيارته لفلسطين الحبيبة:

أحقـّاً بيننا أختلفت حدودٌ **** وما اختلف الطريقُ ولا الترابُ

ولا افترقتْ وجوهٌ عن وجوهٍ *** ولا الضادُ الفصيحُ ولا الترابُ

وساندت الثورة المصرية 1953م بقوة حتى أنها في اعتداء 1956م قدمت الشهداء في سبيل مصر الكنانة، وشاركتها مدينة الحي على درب الشهادة، وتواصل مسيرتها المشرفة ضد الاستعمار الفرنسي في المغرب وتونس (وثيقتا الاستقلال 1956م )، كما يقول الشيخ اليعقوبي:

أرأيت هاتيك المجازر *** ما بين تونس والجزائرْ

أي النواظر لاتفيضُ **** دمـــا عـلى تلك المناظرْ

يأمة العرب انهضي **** للحـــرب من بادٍ وحاضرْ

ما قدر جامعةٍ لكم **** لازال منها الغرب ســـــاخرْ

 وما زال - يا شيخنا - ساخر وعابر وآمر !!

وإثر معارك (الريف) في المغرب، وشموخ عبد الكريم الخطابي (الريفي)، اذ تهجم شيخنا اليعقوبي على الفرنسيين والاسبان بسخرية لاذعة:

 أتت زمرة الأسبان تترى وخلفها ***الفرنسيس في جيش ٍ على الريف حاشدِ

فيا دولتـي بغي حدا الظلم فيـهما*** **الى حرب شـعب ٍ ماله من مسـاعـدِ

حنانا على الريــــف الضعيف فانّه****من الظلم سعي إثنين في قتل واحـــدِ

 نرجع، وتستقبل النجف قادة ثورة الجزائر، وتحمل شموع الحرية أبان استقلالها عام 1962م وللشيخ محمد علي اليعقوبي عشر قصائد رائعة عن أقطار المغرب العربي، حتى أن الدكتور عبد الهادي التازي، أوعد في تأبين الشيخ عام 1965م بإطلاق اسم الفقيد على أحد شوارع الرباط، وللشيخ مثلها عن فلسطين، بل أن الدكتور محمد حسين آل ياسين رسالة الدكتوراه التي نال درجتها بامتياز، كانت تحمل عنوان (فلسطين في الشعر النجفي)، ولا أطيل الحديث، فالموضوع يحتاج إلى مؤلف، وهكذا كان السيد الصافي النجفي، والجواهري، وبحر العلوم والشرقي،والشبيبي والحبوبي .والسيد مصطفى و الوائلي ...، بل أن السيد جعفر الحلي وقد سبقهم، توفي (1315 هـ / 1897م)، كانت هكذا نفشته العروبية، اقرأ ما يقول:

أبلاديّ ٌوأهلي عــــــربٌ*** في الفلا لم ينزلوا الا بوادي

يمتحون الماء في أذنبة *** او تحييهم ملثـات الغوادي

قومنا اكفاؤنـــــا منهم فلا *** أحوج الله الى القوم البعاد

فقضاياهم حســــان كلـّها***شـرعٌ في عكسها والاطراد

هذه التواريخ أحفظها على ظهر قلب، ومثلي كل مثقفي النجف، وهذه المدينة تقطنها قبائل عربية عريقة، ولكونها حوزة علمية منذ عهد شيخ الطائفة (المتوفي 460هـ / 1068م)، وهتالك من يذهب إلى قبل ذلك بخمسين عاما، فافتتحت جامعة النجف على أغلب الظن قبل جامعة الأزهر الشريف بخمسين عاماً - طبعاً بعد التحقيقات الرصينة -، إذ افتتحت جامعة الأزهر (380 هـ / 980 م)، ومن بعدهما تأسست جامعة بولونيا في إيطاليا (513 ههـ / 1119 م)، أقول لوجود هذه الجامعة، وفد عشرات الآلآف من طلبة الحوزة من أنحاء العالم العربي والإسلامي للدراسة في مدارسها الحوزوية حتى وصل عددهم في سبعينات القرن الماضي إلى سبعين ألفاً، وهذا الرقم كان يمثل عُشر السكان، ومنهم من أنجبوا - من قبل -،وتزاوجوا، وأصبح النسيج متشابكاً، وبقى أولادهم وأحفادهم في المدينة، واندمجوا مع السكان، ومن البديهي أن النجف كمرقد الإمام علي (ع)، يحجها المسلمون منذ عهد الرشيد والمعتصم والمتوكل الذي ودّع أمه وولده المنتصر إلى النجف عند سفرهم للحج، إذ كان المتعارف عند الحج يتوافد الحجاج من جميع أنحاء العراق والدول المجاورة قبل بلورة المذاهب إلى النجف، ومنها ينطلقون للديار المقدسة، واستمر الحال بزيارة الطوائف الإسلامية للمدينة لزيارة المرقد الشريف، لذا لكل هذه العوامل مجتمعة أصبحت نفوسنا مشبعة بالنفس العروبي، وإن يتظاهر البعض بالعكس للظروف المرحلية المؤلمة، وكذلك بقى الإنسان في وجداننا هو الإنسان، مهما اختلف لسانه أو عرقه أو مكانه، بحكم الاحتكاك المستمر، فالإنسان النجفي عروبي في تفكيره، إنساني في شموليته، بسيط بساطة أرضه ورجاله قبل الزمن الأخير، نعم النجفي يفتخر بمدينته حتى الشموخ، ويعتز بنفسه حتى الزهو، ولكن دون استعلاء على الآخرين كما يتوهم البعض، وإنما يتسم بالشهامة والبساطة، ربما يتخيل الآخر،أنها سذاجة، بل هي من باب الثقة العالية بالنفس، ولا ريب هذا التماهي والشموخ تشربه منذ الطفولة لمجاورته ضريح الإمام، ولكون النجف عاصمة الطائفة الشيعية، ومركزا إسلامياً مهماً، ولنبوغ أبنائها في الشعر والأدب والخطابة، ومقرا لقيادات الجهاد، وللعامل الاقتصادي دوره، فالمدينة من أكبر المراكز الاقتصادية في العراق، ولابد أن أشير أخيراً هذه التربية والنشأة جعلتني أتحفز بإصرار لتأليف كتابي (تاريخ الحيرة ... الكوفة،،، الأطراف المبكرة للنجف الأشرف )، وفيه فصل مهم عن تاريخ مرقد الإمام علي (ع)، ولقى القسم الثالث من الكتاب صدىً واسعاً تناقلته الموسوعات والكتب والصحف والمواقع وإليكم هذا المقطع الأخير من قصيدتي المطولة عن العراق تحت عنوان:

(أجب يا أيّها البلدُ الصبورُ)، وهوعن النجف:

وكانَ لنا غديرٌ في البراري***وما لهُ في الدُّنى أبداً نظيرُ

لهُ فيءٌ يظللّنا جميعــــــاً*** وعبّــــقَ جوَّهُ الصافي عبيرُ

وتلهو في ملاعبهِ زهــورٌ**** فلا بــــدرٌ يضاهيها وحورُ

وبينَ الأيكِ مفترشٌ رحيبٌ****وفي محرابهِ الرجلُ الوقورُ

تلوذُ بهِ الارامــــلُ واليتامى**** وينعمُ مـــن تكرّمهِ الفقيرُ

فكانَ غديرُنا خيراً مشــــاعاً *** كــريمُ النفس ِ معشرُهُ أثيرُ

وكانَ الصدرُ متسعاً لضيق ٍ*** وإنْ لضبابنا ذُبحتْ (صدورُ)

وكم مرّتْ عصاباتٌ عليــــهِ**** لقد زالتْ ومازالَ (الغديرُ)

بلادٌ أدمٌ فيهـــــــــــا ونوحٌ **** تطيـــــرُ الكائناتُ ولا تطيرُ

فلو كان الهشاشة ُ ما بنينا**** لمـا بقي الخورنقُ والسديرُ

ومثوى الدرِّ والذهبِ المصفّى*** الا صلّوا فيا نعمّ (الاميرُ)

ويا نعمَ (العراق) وأرضُ طيبٍ*** يعلّي شـأنهُ الباري القديرُ

ختاماً أيّها الغــــــالي بجزم ٍ*** لأنتَ البدءُ والمثوى الأخيرُ

 

                  

س2: حمودي الكناني: انت نشأت وترعرعت في وقت كانت تكثر فيه المدارس الدينية لكبار العلماء وكان جل الدارسين فيها من المعممين ويخيل إليّ أن الماشي في شوارع النجف وسوقها الكبير يرى اعدادا كبيرة ممن يعتمرون العمامة سوداء كانت ام بيضاء فهل راودتك فكرة لبس العمامة والانخراط في المدارس الدينية؟

ج 2: كريم مرزة الأسدي: في زمان فتوتنا وشبابتا، كان المجتمع النجفي يتشكل من ثلاث طبقات بينها فواصل عرفية خفية، وفي أغلب الأحوال، لا يستطيع الفرد النجفي القفز عليها وتجاوزها، وهي طبقة علماء الدين والملالي وطلبة العلوم الدينية، وهولاء هم الذين يعتمّون بالعمائم السوداء أو البيضاء، فأصحاب العمائم السوداء هم الذين ينسبون أنفسهم أو ينتسبون إلى آل البيت، وبالتالي إلى النبي (ص) * ولا أعرف كيف تحوّل شعار العباسيين وعمائمهم إلى العلويين ورؤوسهم، في حين كان شعار العلويين وعمائمهم خضراء، ربمّا للاضطهاد والقتل والتنكيل والملاحقات التي تعرض لها العلويون، فأختفوا وراء هذا الزي بلونه الأسود،وأصبحت بعض العمائم يورّثها الأباء للأبناء كوسيلة للمنزلة الاجتماعية والاقتصادية، يقول السيد مصطفى جمال الدين حين أعتمّ ابنه مهند:

ما كان رأسي غير جسرٍ عبرتْ *** أمانة الجدِ بهِ للولدِ

جهدتُ أنْ أوصلهـا نقيةً***ما عرفت زيغ الضميرِ واليدِ

كما ترى التوريث جلي في البيت الأول، وفي البيت الثاني التكسب، واستغلال شرف رمزها، ضمنهما السيد الشاعر في قوله (زيغ الضمير واليد)، مهما يكن هذه الطبقة فيها من النجفيين وغير النجفيين، سيان من العراق أم خارجه، ومن العوائل النجفية لهذه الطبقة، آل الحكيم، الجواهري، بحر العلوم، وكاشف الغطاء ... الطبقة الثانية طبقة التجار والكسبة، وهم على الأغلب أوسع ثراء، وأكثر تفتحاً وانسجاماً مع تيار الحضارة الزاحف من الطبقة الأولى، وعائلتنا كما أسلفت محسوبة على طبقة التجار مثلها مثل آل عجينة، آل شمسة ... ربما هي الأشهر، لذا لا يمكن لها أن تفكر بالانضمام إلى طبقة الملائية، وبالتالي، لم أفكر أنا في أي يوم أن أرتدي هذا الزي على الاطلاق، في الفترة الأخيرة، أي منذ الثمانينات، أعتمّ فردان من عائلتنا بالعمامة البيضاء ( منذ الثمانينات)، ويتخلل هاتين الطبقتين عوائل بين الطبقتين السالفتين كآل الطريحي والشبيبي وشبر ...، أما الطبقة الثالثة، فهم القبائل العشائرية الأقرب إلى البدواة كآل عامر، وألبو كلل، وآل صبي، والشمرتي .. ومع هذا كان النجفيون متعاونين في السراء والضراء، وفي الأتراح والأفراح، يتفهم بعضهم خصوصيات الآخرين

 

س3: حمودي الكناني: عند ادائك لامتحان البكلوريا للمدارس الثانوية حصلت على مجموع أهلك للدخول الى كلية الطب وأمضيت سنة فيها ومن ثم فارقت دراسة الطب واتجهت اتجاها اخر – دراسة العلوم الطبيعية -، فهل فكرة طبيب يداوي الناس وهو ....، لم تعجبك أم أن هواك في تخصص آخر؟؟

ح 3: كريم مرزة الاسدي: في أيام الحكم العارفي الأول (عبد السلام)، كانت نسبة النجاح من الامتحانات الثانوية العامة (الخامس ثانوي) منخفضة جدا (16%)، ووضعوا شروطاً إضافية لدخول المجموعة الطبية في جامعة بغداد غير المجموع العام، وهي أن يكون متوسط معدله في الرياضيات والطبيعيات ( فيزياء كيمياء)، والأحياء (نبات وحيوان) 75%، على أن لا تقل درجة أي درس عن 70، فكان معدلي في الدروس الثلاثة 85%، فدخلت كلية طب الأسنان، ولكن لم تعجبني، وكانت رغبتي الهندسة، ودفعت إليها شبه مرغماً بالترغيب والتشجيع، فخرجت منها، وذهبت إلى جامعة البصرة، ومع أنهم حذفوا من مجموع درجاتي 55 درجة، لكون فاتت سنة على تخرجي، كان بالإمكان أن أكون أول طالب يمكن له الدخول، ولكن المسجل العام لجامعة البصرة الدكتور علي شلق، أصرّ على دخولي كلية طب البصرة، وكانت كمشروع افتتاحها إذا تمكنت الجامعة من استقطاب 60 طالبا تتوفر فيهم الشروط، وكانت تتوفر لدي، والجامعة كانت بحاجة إلى ثلاثة طلاب لافتتاح الكلية، أصرّ المسجل أن لا أدخل كلية الهندسة، لكوني قدمت من المحموعة الطبية، فذهبا عني الطب والهندسة، والخير فيما وقع، إذ عشقت من بعد مهنة التدريس حتى النخاع، وتتلمذ على يدي آلآف الطلاب والطالبات في كل من العراق والجزائر والمغرب

 

س4: حمودي الكناني: في كثير من المرات عندما يبدأ الحديث عن الشعر والشعراء لا اتردد عن القول .. أن الشعر موهبة تولد مع الفرد تترعرع وتنمو مع نمو الفرد، والبيئة هي التي تتكفل بقولبة وصقل هذه الموهبة فهل ولدت شاعرا استاذي العزيز وهل استهواك السرد فجربته أم أن الشعر هو عالمُك الأثير؟

ج4: كريم مرزة الاسدي: نعم بكل تأكيد الموهبة الشعرية تورث من الآباء إلى الأبناء، ولكن تحتاج إلى ظروف بيئية ملائمة لنموها، وإبراز ذاتها، وإلا فقد يكون هنالك أفراد يمتلكون موهبتها، ولكن لم تسنح الفرصة لهم لاستثمار نعمتها، وربما نقمتها، وتتفاوت هذه القابلية من فرد إلى فرد آخر، لذا تجد متذوقي الشعر، وناظميه، وممستلهميه، وعلى درجات، والشاعر القدير إضافة لضرورة تبحّره في علوم اللغة والنحو والبلاغة - اكتساباً إو سليقة -، وتوسعه ثقافة، وقابليته على التخيل الخصب، يجب أن يمتلك قدرة ماهرة خيالية في التحليل والتركيب، وهنا تكمن الموهبة لتشكيل الأنغام الموسيقية للشعر، ومنذ طولفتي حتى تخرجي من الجامعة - والحق يقال - ما كان أحد يستطيع مطاولتي في الحساب، أو الرياضات، أو الإحصاء في الجامعة، وكانت هذه الميزة، تسبب إحراجا لعباقرة المعلمين والمدرسين والأساتذة في الجامعة، الذين مررت بهم، ووصل الأمر إمّا أن ينهرونني، أو أن أثير شجونهم وآهاتهم، ومن المضحك نلت في الامتحانات العامة (البكالوريا) للثانوية - في زمن شحت الدرجات فيه حتى الريب بمسؤولية الحكومة وراء ذلك - على 99%، وعند إعلان الدرجات، وزعها أستاذ الرياضيات الشهير، أستاذي عدنان زوين، فقال لي: أراك منزعجاً من الدرجة، سكتّ، فواصل كلامه:الـ 99 أكبر من المائة، ومدّ لفطها، وقال: كريم لا تبالي !!، والحقيقة إلى حدّ الآن أنظم الشعر ارتجالا بسهولة متناهية، ولكن لا أطيل بالارتجال كي لا تضعف القصيدة، وكذلك لي قدرة رهيبة على الحفط، وخصوصاً الأرقام، والتواريخ، وأتذكر الأسماء بشكل ملفت للشخصيات العامة، والشهيرة، وربما أنسى أسماء عامة الناس الذين يحتكون بي، لذلك لا أتعب في البحث إلا عند تدوين الهوامش، وحفظي للغات الأجنبية ضعيفاً إ إلا قواعدها، وهذه الحالة يعاني منها كثير من شعراء العالم وأدبائه، هذه الصفات المترابطة في الفرد الواحد، والمتماثلة عند العديد من شعراء العالم ومبدعيه، تجعلني أكاد أجزم أنها موروثة، وفصلت الموضوع في كتابي (للعبقرية أسرارها ... تشكّلها ... خصائصها ....دراسة نقدية مقارنة )

 

س5: حمودي الكناني: متى بدأت تقول الشعر وهل ما زلت تحتفظ بمسودة اول قصيدة كتبتها وما هو غرضها؟

ج5: كريم مرزة الاسدي: بادئ الأمر، وأنا في الأول متوسطة، كنت أميل جدا للشعرالشعبي - سيأتي الكلام عنه -،وتوجهت في الصف التالث والرابع الثانوي إلى إلتهام الشعر العربي الفصيح والكتب الأدبية والمصادر والمراجع، وشرعت ببناء مشروع مكتبة خاصة، وساهمت في تأسيس مكتبة الحجة العامة في جامع النجم،وما كانت لتعتب علي أي مكتبة عامة في النجف، وهي من أكبر مكتبات العراق والعالم الإسلامي، وكذلك لم تفتني مجلات الإيمان والهلال، ومجلة المجمع العلمي، والعربي الكويتية التي واكبتها عددا عددا من العدد الاول حتى خروجي من العراق 1978 م، وعلى الأخص مقالات الدكتور العالم أحمد زكي، نعم في هذه الفترة نظمت قصائد من الفصيح وكنت أقرأها لبعض الأدباء والعلماء، وربما ينقحونها، وحفظت العديد العديد من شعر عباقرة العرب من العصر الجاهلي حتى العصر الحديث وعلى الأخص شعر امرئ القيس وزهير بن أبي سلمى والفرزدق والكميت ودعبل وأبي نؤاس وأبي العلاء والمتنبي وأبي الفراس والسيد حيدر الحلي والسيد جعفر الحلي والجواهري واليعقوبي وشوقي والسياب ... أما بقية الشعراء فمن بعد، وبعد، وأكثر قصائد السبعينات كانت ذات هموم سياسية ذاتية بتداخلات موضوعية لم أحفل بها، لأنها ما كانت توازي المخاطر التي تستوجب عليها، فمثلاً هذا مطلع قصيدة عتاب لبغداد نظمتها 1974 م:

أبثّكِ يا بغدادُ بعض عتابي *** صار اللقاء بكِ كوهم سراب ِ

 أما من حيث الكتابة، ففي الرابع الثانوي، قد كتبت بحثاً أكاديميا عن الخوارزمي عالم الرياضات الشهير صاحب الجبر والمقابلة واللوغارتيمات، والتي بقت أسماؤها إلى اليوم عالميا، وذلك في مجلة البراعم التي كانت تصدرها إعدادية النجف، وما زالت المجلة إلى يومنا الحاضر محفوظة في مكتبات النجف!!

 

س6: حمودي الكناني: في الفترة التي ترعرعت فيها كانت النجف تضج بكبار الشعراء كاليعقوبي والفرطوسي والجواهري وغيرهم فأي من شعراء النجف ترك اثرا بائنا في تكوينك الشعري؟

ج 6: كريم مرزة الاسدي: جزماً الجواهري (1899م -1997م) يأتي بالمقام الأول، سايرت شعره من بداياته حتى نهاياته،أقتنيت دواوينه، وحفظت العديد من مقاطع روائع شعره، وحلـّلت لحظات من بين ثنايا نفسه، وجهدت نفسي في التحقيق الدقيق عن تاريخ ميلاده،كتبت عنه المقالات كدراسات أدبية وقراءات نقدية، مدحته أبان حياته، ولم أتقصد التعرف عليه شخصياّ، فسلوكه الشخصي له وعليه، ورثيته بعد مماته بقصيدة مطولة (84 بيتا من الكامل)، العمودية الوحيدة التي شاركت في حفل تأبينه بعد مرور الأربعين، ونشرتها الصحف السورية والعراقية المعارضة حينذاك، ومن ثم عشرات المواقع العربية والعراقية، ومطلعها:

 عمرٌ يمرُّ كومضـــة الأحــــــلام ِ *** نبضُ الحياةِ خديعة ُ الأيّـــــام ِ

هلْ نرتجي من بعدِ عيش ٍخاطفٍ *** أنْ نستطيلَ على مدى الأعوام ِ

أبداً نسيرُ على مخــاطر ِ شفرة ٍ *** حمراءَ تقطرُ من دم الآنــــــام ِ

وربمّا من بعده يأتي الشيخ محمدعلي اليعقوبي (1895 - 1965 م)، الأديب والشاعر، والخطيب والمؤرخ، اشتهر بقصائده الوطنية والقومية، والدوبيت الساخر: اسمع كأن الرجل بيننا يعيش هذه الأيام، ويصف حالنا بدقة متناهية، وهذا هو الشعر الخالد الذي يصلح لكل زمان، وبأي مكان !!:

 قد اصبح الوطن المسكين بينهم ***حباله نصبت في كف صيادِ

بغداد قد جُبيت للغرب ثروتــها***والشعب ثروته تَجبى لبغـــداد

واقرأ السخرية المريرة !!:

جاءت لتحميك على زعمها ***ولندن ليس بها حامية

وخذ يا عزيزي، وتمتع بسرعة البداهة، وكيفية توظيف الألاعيب الحكومية لاستغلال بساطة الناس وطيبهم:

 آلا قل للوزارة وهي تبغي*** مكافحة الجراد عن البــلادِ

فهلا كافحت في الحكم قوماً*** أضرّ على البلاد من الجرادِ

وتأثرت بالسيد جعفر الحلي الشاعر الشهير الذي عاش أواخر القرن التاسع عشر (1861- 1898 م)، وله علاقات حميمه مع أجدادنا، ومدحهم ورثاهم وهنـّأهم بقصائد عديدة غاية الروعة والجمال والرقة

البلاغة والانسياب، أعطيك أمثلة من شعره، وإليك الباقي:

 واني شكرت نحول جسمي بالمها*** اذ صرت لم امنع بكل حجاب

ان اغلقت بــــابـــاً فقلبي طـــــائرٌ** والجسم ينفذ من شقوق الباب

والأبيات التالية من قصيدة، قدّم لها بمقدمة غزلية غاية الرقة والإبداع والجمال والبلاغة والنغم، لذا غناها كمقام، يوسف عمر، وناظم الغزالي، وسعدون جابر، وكاظم الساهر:

 يا قامة الرشأ المهفهف ميلي***بظماي منـــك لموضع التقبيل ِ

رشأ اطل دمي وفي وجناته***** وبشأنه اثــــ ـر الدم المطلول

يا قاتلي باللحظ اول مـــــرةٍ ***** اجهــز بثانيـة على المقتول

مثل فديتك بي ولو بك مثّـلوا شمس*** الضحى لم ارض بالتمثيل

فالظلم منك عليّ غــــير مذمم*****والصبر مني وردها المطلول

ولماك رّي العاشقين فهل جرى*** ضرب بريقك ام ضريب شمول

يهنيك ياغنــــج اللحـــاظ تلفتي*** يــاخير آمالي واكــــرم سولي

لام العـــــذار بعارضيك اعلـــني *** مــــــا خلت تلك اللام للتعليل

مَن يريد أن يتوسع في معرفة أكثر عن هؤلاء الشعراء وغيرهم ممن تأثرت بهم عليه بمراجعة الحلقات العديدة التي كتبتها عن كلّ شاعر منهم، ومن غيرهم !!

 

س7: حمودي الكناني: للطفولة خربشاتها على الجدران، على القصاصات، او حتى على الكتاب المدرسي فهل تركت شيئا ذا قيمة من ذلك لم تعد تتذكره ام ما زلت تحتفظ بكل ما كتبته في تلك المرحلة ومن هو الذي اكتشف الشاعر فيك؟

ج7: كريم مرزة الاسدي: من مثلي تعرض للهجرة والملاحقات من بلد إلى بلد، وأنت أعرف بالعراق في فتراته العصيبة، وخصوصاً في حقبة الثمانينات والتسعينات، لم يبقِ أهلي من مكتبتي الخاصة التي أجهدت نفسي لجمعها حسب اجتهادي ورغبتي، بل حتى من أوراقي الثبوتية الرسمية، والقصاصات الأدبية الخاصة أي قشاشة ورق، وهذه الملاحقات، وتعداد الأنفاس، ووضع الفرد الحر بمواجهة الجماعة المكبلة، جعلتني أعكسها في قصيدتي ( آهات شاعر عراقي):

 

كسيزيفَ انــــتَ بهـــذا الزمـــانْ

ستبقـــى حياتــــكَ رهنَ الصخــرْ!

 

كأنـــــــكَ آثــــامُ هـــذا الوجـــودْ

وهـــذا ابـــنُ آدمَ ايـــنَ المفـــــرْ؟!

 

عذابٌ أليـــمٌ بدنيــــا الجحيـــــــمْ

وطبـــعُ الانــــامِ جحيـــمُ الدهـــرْ !

 

فجـــوفُ الوجــــــودِ كنبعِ الشررْ

كصدر ٍ توقــّـدَ فيــــهِ الوغــــــرْ

 

 والجواب عن الشطر الثاني من السؤال: مطلقاً غير دراستي الأكاديمية، وتجربتي التدّريسية خلال ربع قرن من الزمان، لم يكن هنالك أي فرد له فضل على إبراز مواهبي - إن كانت - لا على المستوى الرسمي، أو الشعبي، نعم انتبه إلى مواهبي الشعرية الأخوة السوريون فدعتني وزيرة التعليم العالي والبحث العلمي مرتين في مهرجانين لأكبر شعراء العرب، وكان هنالك اهتمام معنوي بي، وكذلك وزير الإعلام السوري، وإذاعة دمشق، ومديرية التلفزيون والإذاعة العامة، وكذلك بعض وجوه المعارضة، كلها تصب في الدعم المعنوي فقط، ولكن أنا الذي عرفت نفسي، يقول الإمام (ع):" غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه "، فكان لدي - وما زال - اصرار رهيب، وتحدي كبير لإثبات الذات لمصلحة العام، فتوسعت في علوم اللغة والنحو، وألفت فيهما المؤلفات لوحدي، ودرست علوم العروض والقوافي والضرائر الشعرية لوحدي، وألفت فيها، ونظمت الملاحم الشعرية والقصائد المطولة لوحدي حتى في سوريا، كان يعزّعلى تفسي أن أكون الثاني، فثقتي بنفسي عالية جداً، و يواكبها التحدي والإصرار، وكما قلت

 هبوني في هوى وطني ذميمــــاً

  وأنـّي بعدهُ مسخ ُهبونـــــــــــي

 

فإنْ جدَّ التطاولُ مـــــــنْ لبيبٍ

أطاولُ كـــلَّ عمـــلاق ٍ فطيــــنِ

 

وقال الشاعر قديماً:

وإنَما رجل الدّنيا وواحدها *** من لا يعوّلُ في الدنيا على رجلِ

 

س 8: حمودي الكناني: في خمسينيات وستينيات القرن الماضي برز في النجف شاعر شعبي ساخر هو حسين قسام النجفي صاحب سنجاف الكلام و قيطان الكلام .. هل تأثرت بسخرية هذا الشاعر وحاولت مجاراته؟؟

ج8: كريم مرزة الاسدي: بالتأكيد، مَن من النجفيين والعراقيين لم يتأثر بالعبقريين الخالدين حسين قسام وعبود الكرخي؟ كنت أحفظ على ظهر قلب معظم القصائد الهزلية الساخرة والناقدة من وللأوضاع الاجتماعية السائدة في ديوانيه (سنجاف الكلام، وقيطان الكلام)، كيف لا؟! و:

سنجاف الكلام اللي يشتري منه *** طيف يشوف جنّه بروضة الجنة

 صورة للشاعر وبيده قلم كاريكتيري، وأبيات من الشعر منها: وصدّر (قيطان الكلام)

كمت أكتب بهذا القلم

مدري كعد مدري بلم

يالقاري لا تتعجب

بي أكتب وبي أركب

بي أكعد وأتنصب

من هالقلم يطلع حكم

وحفطت لعبود الكرخي (ساعة وأكسر المجرشة ...) و(بغداد مبنية بتمر..) وغيرهما، ومن مدرسة أخرى لعبد الحسين أبو شبع، وعبد الأمير الفتلاوي، ومن قصيدة المجرشة:

ذبيتْ روحي عالجرشْ

وادري الجرشْ ياذيها

ساعة واكسر المجرشة

والعنْ أبو راعيها

ساعة واكسر المجرشة

والعن أبو راعي الجرش

كعدتْ يدادة أم البختْ

خلخالها يدوي ويدشْ

وكانت حصيلة هذه القراءات، وهذا الحفظ، قصيدة شعبية هزلية مطولة على غرار قصائد وأنفاس حسين قسام، موزونة تماما، وأنا في الثاني متوسط، وكانت الأطراف السياسية ترمي الآخرين من خصومها بتهمة التجسس، وكان مطلعها مع تغيير الاسم المقال في حقـّه:

(فهد) ما اكولْ جاسوسْ *** لكنْ أغبرْ وديوسْ

عنده فلوسْ مو مهلوسْ *** ما ينطي اليطلب شوية !!

ولكن لطول القصيدة، وصحة وزنها، وسخريتها ومعانيها، وأنا الفتى، لم يصدق أحد أنها لي، وما لي الآن إلا أن أترككم لكي لا يكون الحوار طويلاً مملاً، فنقدمه إليكم على وجبات، وفي الانتظار ترّقب ولذات، وإن غداً لناظره قريب !!

 

كل الشكر والتقدير للشاعر الباحث كريم مرزة الاسدي نتمنى له الصحة والعافية ودوام التألق .

 

 حمودي الكناني

 مدارات حوارية - صحيفة المثقف

  

sijalalrikabiالمثقف تحاور اليوم من بغداد ديمة بيضاء تزين سماء بغداد العاصفة، تلك المربية الفاضلة الحنونة الرقيقة، رمز المراءة العراقية التي اجتازت الكثير من صعاب الحياة، جمعت بين البحوث العلمية البحتة والاعمال الفنية والادبية، تجيد اللغة الانكليزية وتهوى الرسم وكتابه الشعر . وصفت مؤخرا بقلادة بابلية تزين انوثة الادب العراقي، بداءت حياتها المهنة معيدة في جامعة البصرة، حاصلة على الماجستير والدكتوراه في آن واحد من جامعة ريدنج المتحدة في بيولوجية الخلية والفطريات المائية ١٩٨٠، عرفتها رائعة الرقة والانوثة منذ سنين طويله (تدريسية في الجامعة المستنصرية) تدريسية لعلم الخلية ذلك العلم الذي بات قريب من انفسنا لان من يدرسه لنا دكتورة سجال مؤلفة كتاب علم الخلية .

عملت معاون مستشار ثقافي ثم مستشار ثقافي (وكالة) لجمهورية العراق في استراليا من العام 2006 للعام 2010، حيث برزت حضورها ومشاركاتها في مجالات عدة، ورغم مسؤولياتها الدبلوماسية إلا أنها لم تركن علميتها وانسانيتها وروحها المرهفة على رفوف المكاتب الباردة، عملت استاذا مشاركا فخريا في جامعة جنوب كوينزلاند، شاركت الكثير من المؤتمرات خارج وداخل العراق ولها العديد من الندوات العلمية والادبية تملك نتاج علمي مكون من 30 بحث منشور بمجلات علمية عالمية وعربية ومحلية، حازت على براءة اختراع واشرفت على الكثير من رسائل لطلاب الماجستير والدكتوراه، وشغلت منصب عضو في العديد من الجمعيات العلمية، قالت الركابي في احدى نصوصها الادبية عبارات عميقة المعنى::: ينظرون .. يحدقون... عمياء انا ولكني ابصر السراب الذي لا يرونه . تلك الكلمات التي هزتني انا شخصيا مجسدة بها هواجس المراءة .

كتبت عنها دراسات نقدية كثيرة من قبل نقّاد العراقيين منهم: داود سلمان الشويلي، د أنور غني الموسوي، د. صباح عنوز. وترجمت بعض قصائدها ونتاجها الادبي الى الانجليزية والكردية وهذا ما يفتخر به حقا .

شهد شارع المتنبي اصبوحات الركابي، بينما تسلطن المركز الثقافي في لندن بامسيات عراقي شعرية رقيقة للركابي سجال، حظيت بجمهور انيق يتذوق الشعر والفن ويتحسس الكلمات الترفة لذا دعيت لمهرجانات في الكثير من البلدان منها الدنمارك والهند والمغرب .

 

اهلا بك د. سجال الركابي ضيفة المثقف لهذا الاسبوع الادبي من استراليا ونهديك احلى باقات الورد.

- د. سجال الركابي: اهلا بكم . يسعدني التواجد على صفحات هذه الصحيفة الرصينة (المثقف/ استراليا) تحياتي لكادر الصحيفة وأخص بالذكر الرائعة الدكتورة أصيل حبة (ايات حبه) والتي كانت طالبتي يوماً ما في الجامعة المستنصرية. والف تحية لقراء المثقف.

 

- حدثينا عن بدايات الشاعرة سجال الركابي، كيف كانت بداياتك الشعرية؟ هل هيه هواية ترعرعت بداخل الدكتورة سجال الركابي ام هي فطره وبصيرة روح بشرية ترفه؟.

- في الحقيقة أظنّها فطرة فأنا مغرمة باللغة العربية والقراءة منذ تعلمت الحروف الأبجدية كانت لي محاولات شعرية لكنها اقتصرت على الصديقات المقرّبات ثم انقطاع في فترة الدراسة والعمل وتأسيس العائلة ثم طرقت بشدة قبل حوالي اربع سنوات .

 

- ماهي حصيلة العمر الادبي لدكتورة سجال؟

- نشرت مجاميع شعرية منها ترنيمات امرأة عراقية وصوب بستان النخيل لسنة ٢٠١٣ صدرت الاولى عن منشورات ضفاف وتضمنت 28 نصا اما صوب بستان النخيل صدرت عن الدار العربية للعلوم بيروت /لبنان وتضمنت 57 نصا، لم يأتِ القمَر ٢٠١٤، حديث الياسمين وكان مشترك مع نخبة من الشعراء العرب سنة ٢٠١٥، وايضا مجموعة صدى الفصول وكان مشترك مع نخبة من الشعراء سنة ٢٠١٥ ومجموعة الوردُ يبكي والبارودُ يبتسم كان نتاج بداية هذه السنة 2016 وصدر عن دار كتاب في المصريون وتضمن 227 نصا .

 

- ماذا تقول سجال مجسدة مشاعر وترنيمات المراءة العراقية في نصوص من اختيارك لمجموعة ترنيمات أمراءه عراقية للمثقف؟

- لاتبكِ حين ينفكُ قيدي

 غدا ...سأتحرر من جسد يكبلني

اصير لونا في ورقة خريفية

في غابة ما ...او ندى في غيمة خجلى لاتبلل اليمشون

في صيف بغدادي قائظ

غدا ...اتسلل لارقب لوحات مونيه

بعد ان يغلق الحراس الابواب

غدا ...اتهادى موجة كسلى في شط العرب

 

- بماذا اتسمت قصيدة الارض وانا وانت؟

- هذه القصيدة من مجموعة صوب بستان النخيل، عندما ينشر الحرف يصبح ملك المتلقي كل يفكر حسب ما يشعر

عموماً يسكنني هاجس الوطن حتى وانا اتكلم عن العواطف الاخرى أراها متلازمة وايضاً مع حب الطبيعة الكون . اليكم مقطع من قصيدة الارض وانا وانت

تشققت الأرض

ظمئي إلى قطرة مطر

المرآةُ نبذتني...عُيون أذبلها السهر

ووجه فقد ملامحه ...ظاميّ إلى قطرة مطر

الأرض عطشى ...تكاد تميز غيضا

أحشاؤها تتلظى ...ظمئي إلى قطرة مطر

 إنسانيتي خلعتني … فرَّت نحو أرضٍ

مازال يسقيها المطر

 

 - أتوقُ إليكَ قصيدة لدكتورة الرقيقة سجال باتت تقفز بين صفحات التواصل الاجتماعي الفيس بوك .ما قصتها؟

- اتوق اليك قصيدة كتبتها الى حبيب الروح ورفيق الدرب وصديق الطفولة زوجي الراحل كانت فعلا مناجاة له بعد رحيله الكابتن سمير ناصر الركابي .

أتوقُ اليكَ لعينيكَ

نجمتين ...في عُتمة حيرتي

صخرتين ....تتكأ عليها وحدتي

ليديك ....دليلي لهويتي

لصوتكَ ....عطرٌ رجولي يؤجج صبوتي

ياسهيلاً ...يُخفق في ليل وحشتي

يارجلاً .....إحتكر شوقي ولهفتي

 

- اي من الشعراء قديما وحديثا مقرب لشخصية وروح الادبية لسجال الركابي؟

- العديد من الشعراء منهم بدر شاكر السياب، فدوى طوقان، محمود درويش، ارجوان طاغور

 

- من بين مجموعة الشعرية الأخيرة الورد يبكي والبارود يبتسم ممكن نقرا همسات شعرية من الركابي

- نعم . من مجموعتي الشعرية الاخيرة .. هيمنة

إمنحني مافي قلبَكَ ......بلا مُقدّمات

حنان آفاقٍ لا متناهية... لاتُجزّئني

لا تقُل ... عيناكِ شلّالُ قُبَل

مُترعة بالغَزَل ....ناغِ روحي

مُغرَمةٌ أنا ....بالغيمِ الضوء الورد الشجر

بشَجنِ اللَحنِ بوحِ التأمّلِ ....وبها معاً

أنتَ...لا تسطُ على ذاكرتي

يخنقُني الإحتكار ...يمامةُ حريرٍ أطير .....في حقلِ رِقّة

فراشاتُ ابتسامتي ...مُندّاةٌ شَغَفاً .....هارباً مِن تصحّرِ السَطوةِ

لا تُهيمِن... الهيمنةُ ترديني .....فأغدو...! لستُ أنا

وَلَن أراكَ أنتَ كأنتَ

 

- كلمة اخيره للمثقف ولجميع قراء د. سجال الركابي في الوطن العربي؟

- ممتنة لك د أصيل ولكم جميعاً كادر صحيفة المثقف، تحياتي للقراء والمتابعين في انحاء العالم . دمتم والعالم بسلام ومحبه . احب اهديكم قصيدة " لا ترحل"

ليتَ القطارَ أخرسٌ ...باحَ منديلُ الوداع... فارتَعَشتْ الأُذنُ

لإندلاعِ العَطَشِ ....سالَ عِطرُ المواعيدِ

على تُفاحِ شَغَفٍ

ليتَ المراكبَ لاتبوحُ بإقلاعها

يُسفَحُ الحنينُ لتأوّهِ المرساةِ

 

يبتلعني الرصيفُ ....وحشةَ خُطىً

 

يكتنفني البحرُ أسودَ التقلّبِ ...فحمةً أغدو

ليتَ مُحرّكُ السيّارةِ ينتابهُ الزكام ...يشيرُ له الفراق أن

أخلِد للنوم...لترنَّ أجراس جذلٍ زهريّة

(بسكوتة) روحي يفتّتها الفراق ...لا تَرحَل ...قضيتُ عُمري في وداع