 أوركسترا

هلاك مدينة اسمها: بومبيى

يسري عبد الغنيفي جنوب مدينة نابولي الإيطالية، وفي شطر من المنطقة المعروفة باسم كامبانيا، يقع جبل مشوؤم له قمة مزدوجة، وقد بدا هذا الجبل في العصور القديمة ساكنًا إلى حد مقبول، تعلوه الغابات وكروم العنب، ولكنه لم يكن بالجبل العادي، إذ كان بركانًا يسمى فيزوف .

مضىت حقبة طويلة من الزمن و فيزوف هادئ ساكن، حتى إن الشعوب الأوسكانية التي تعيش في كامبانيا، أمنت جانبه ولم تكن تخشاه، وقبل القرن السادس قبل الميلاد بوقت قصير، شيدوا بالقرب من الساحل، وعند سفح الجبل مباشرة، مدينة أطلقوا عليها اسم بومبيى، وقد وقعت هذه المدينة في نهاية الأمر تحت حكم الرومان، فأقاموا فيها في عام 80 قبل الميلاد مستعمرة أسكنوها قدماء المحاربين .

ومنذ ذلك الحين، ومدينة بومبيى تكتسب المزيد من الصبغة الرومانية في كل جانب: سواء في الزخارف، أو الفن المعماري، أو اللغة (حلت اللغة اللاتينة محل اللغة الأوسكانية)، أو المقاييس والموازين، وبحلول القرن الأول بعد الميلاد، أصبحت بومبيى مدينة اللهو الممتعة المزدهرة، حيث يقضي فيها أثرياء الرومان فصل الصيف، كما يمضونه أيضًا في مدينة هيركولانيوم المجاورة، الواقعة على الجانب الآخر من فيزوف، وكان أهلها يعيشون عادة في بيوت رحبة فسيحة، لا تشبه تلك الدور السكنية الضيقة، والتي كان يقطنها عادة القوم في روما، والتي لا تزال آثارها تشاهد في آثار أوستيا الإيطالية .

وفي يوم 24 أغسطس من سنة 79 ميلادية، استيقظ فيزوف بغتة على غير ما هو متوقع، ويبدو أن ثوران البركان أخذ معظم الناس على غرة، رغم الزلزال الذي وقع منذ ستة عشر عامًا، وأسفر عن أضرار جسيمة، وقد اتفق أن كان بليني الأصغر على مقربة من المكان وقت وقوع الحادث، فكتب بوصفه شاهد عيان تقريرًا في خطابين، بعث بهما إلى صديقه المؤرخ تاكيتوس .

كان أول نذير لثوران البركان ظهور سحابة فوق فيزوف، لم يسبق العهد بضخامتها، ارتفعت إلى علو كبير قبل أن تنتشر وتتسع رقعتها فوق قمة الجبل، ولم يكن لها شكل عش الغراب الذي نعرفه في عصرنا هذا للانفجارات النووية، وقد شبه بليني هذه السحابة بشجرة صنوبر باسقة الطول، ممتدة الأغصان، أم لونها فكان أحيانًا أبيض، وأحيانًا مرقطًا قذرًا، وفقًا لما تحمل من تراب أو رماد .

وانتشرت السحابة الهائلة الضخمة إلى مدى بعيد، بحيث غطت مدينة بومبيى، وكان الناس وقوفًا في الطرقات يرقبونها في خوف، حيث سمعوا حولهم صوتًا شبيهًا بدوي عاصفة ثلجية في بدايتها، ثم انهال فوقهم سيل من الرماد البركاني الساخن، وشظايا الأحجار الزجاجية البركانية، وغطى الناس رؤوسهم، وهرع بعضهم إلى البحر ونجوا، على حين لاذ غيرهم ببيوتهم، يترقبون آملين أن تنتهي عاجلاً هذه الظاهرة العجيبة الغريبة .

ولكن انهمار الحمم والرماد ظل متواصلاً، وأخذ يتراكم في الأفنية والشوارع، وبدأت بعض الأسقف تتداعى وتتهاوى، تحت وطأة الثقل المتزايد، يضاف إلى هذا هزات عديدة بسبب الزلزال، وتعالت من فيزوف ألسنة طويلة من اللهب، واندلعت حرائق متأججة في أماكن كثيرة من المدينة .

وقد أدرك إذ ذاك الذين كانوا لا يزالون في بومبيى مدى الخطر المحيط بهم، ففتحوا أبواب بيوتهم في مشقة، وانطلوا هائمين في الطرقات، ويحدثنا بليني ــ شاهد العيان ـ عن أقاربه وكيف وضعوا الوسائد فوق رؤوسهم وشدوها بالملاءات، اتقاءً للانهمارات .

ولكن ذلك كان بعد فوات الأوان، فمعظم الذين هاموا على وجوههم لقوا حتفهم في الطرقات خارج بومبيى، أما أولئك الذين بقوا في المدينة محتمين بالأقبية، فقد ماتوا بالمثل مختنقين بالغازات السامة المتصاعدة من البركان، ولابد أن بعضهم دفنوا أحياءً، لأن انهمار الحمم والرماد استمر ثلاثة أيام كاملة دون انقطاع .

وعندما سكن فيزوف أخيرًا في فجر 27 أغسطس، وعادت شمس الصيف تشرق بأشعتها المتألقة فوق خليج نابولي الجميل، كانت بومبيى و هيروكولانيوم ترقدان تحت طبقة من الركام البركاني، يزيد سمكها على ستة أمتار .

لم تشيد المدينتان مرة أخرى، وفي العصور الوسطى اندثر حتى موقع مدينة بومبيى، واختفى مقرها، وأخيرًا اكتشفت مرة أخرى، وأجريت الحفائر الأولى في عام 1748 م، وكانت عمليات الحفر في بومبيى أسهل بكثير منها في هيروكولانيوم، فكان طبيعيًا أن يركز عليها علماء الآثار جهودهم، وقد تم الكشف في الوقت الحاضر هن أكثر من نصف المدينة، ومنذ عام 1951 م ، كانت عمليات الحفائر تمول جزئيًا وفقًا لبرنامج محلي لاستصلاح الأراضي،  وذلك أن التربة البركانية الخصبة التي تستخرج منها الحفريات، كانت تستخدم لتحسين الأراضي الزراعية المجاورة .

وقصة بومبيى طريفة بنوع خاص، لأنها في هذا العالم إحدى المدن القلائل التي انتقلت خلال ساعات قليلة من الحياة إلى الموت، ودفنت دفًا شاملاً، والزائر في هذه الأيام يمكن أن يشاهد مدينة من القرن الأول الميلادي، كاملة وتكاد تكون سليمة .

وفي الحفريات الأولى المبكرة، كان كل كشف له أهمية خاصة، ينقل على الفور إما إلى المتحف المقام في نفس الموقع في بومبيى، وإما إلى المتحف الوطني في نابولي، الذي يعد لهذا السبب من المتاحف المعدودة في الدنيا، التي تضم معرضًا للوحات رسمها قدماء الإغريق والرومان، وبعد ذلك اكتشف (بيت فيتشي) وهو منزل روماني، بحالة تكاد أن تكون سليمة، وقرر القائمون بعمليات الحفر، أن يبقوا كشوفهم في مواضعها الأصلية على قدر الإمكان، مع العمل على صيانتها إذا دعت الضرورة .

ومن أعظم بواعث الإثارة لمن يزور حفائر بومبيى، القوالب الطينية التي يعاد بواسطتها تشكيل هياكل الذين قضوا نحبهم في الكارثة تشكيلاً دقيقًا، ذلك أن الرماد البركاني غطى أجسادهم، وعلى مر العصور، تحللت المادة العضوية، وتركت في الرماد أثرها مجوفًا فارغًا، فإذا صُب الطَفل في هذه التجويفات، أمكن الحصول على قالب مطابق لهيكل الشخص الذي كان مدفونًا .

وقد قرأت أنه أمكن حتى الآن الحصول على أربعة عشر قالبًا للأجساد البشرية، كما اكتشف ما يربو على ثلاثة آلاف هيكل عظمي، ومثال على القوالب الشخصية التي تم عملها : امرأة شابة سقطت على وجهها، وفاضت روحها، وهي تسند رأسها فوق زراعها، وإلى يمينها كلب مسلسل دهمه الموت، وهو يحاول بكل جهده أن يحطم السلسلة التي كان مشدودًا إليها .

كما نجد أجزاء داخلية لإحدى الحانات أو البارات، حيث تباع المشروبات الساخنة والباردة، والقاعة مملوءة بقدور النبيذ، وتستخدم الثقوب الموجودة في النضد الموجودة وسط الحانة لوضع القدور قائمة على قاعدتها، وقد وجدت على الإفريز الخارجي للنضد، عملات نقدية دفعها العملاء الآخرون ثمنًا لمشروباتهم، فألقوا بها في ارتباك .

ومن الكشوف الأخرى الطريفة التي عثر عليها في بومبيى : أقداح من الزجاج الأخضر، وأوعية للطهي بها بقايا كمية من البيض كانت معدة للطعام، وتحمل الجدران الخارجية للمباني الخاصة والعامة في بومبيى، أنواعًا شتى من الكتابات، معظمها إعلانات حفرها في مهارة كاتبوا أللافتات المحترفون بالحروف الكبيرة باللونين الأحمر والأسود، ومنها لافتة انتخابية هذا نصها : " انتخابات القضاة المحليين، صوتوا للمرشحين تربيوس و جافيوس ".

كما عثروا على غرفة مائدة في أحد منازل بومبيى، وحتى الأواني التي فوق المائدة هي الأصلية، وفي كثير من الدور، وجدت الأواني كما تركها أصحابها تمامًا في فرارهم، كما تم العثور على فرن مازال جهاز الشي (الشواية) وأوعية الطهي في مواضعها الأصلية، وكذلك رغيف من الخبز احترق وتفحم، ولكن لا يزال تميزه سهلاً .

وعثروا أيضًا على لافتة حداد محفورة في الحجر، تصور بعض ما ينتج في حانوته : مجارف، ومقصات، وزوايا النجارين، كما وجد في كثير من الحوانيت العديد من الملاقط، والموازين، والمفصلات، والأقفال، وأدوات مختلفة .

كذلك وجدوا طواحين حبوب في كثير من حوانيت الخبازين، ويبدو أن الطاحونة كانت تدار باليد، أو بالحمير غالبًا، وإذا ما طحنت الحبوب دقيقًا، جمع من القاعدة الأسطوانية .

وأيضًا عثروا على العديد من الأبواب التي أحكم إغلاقها بالمتراس أو الرتاج من الداخل .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5088 المصادف: 2020-08-10 03:31:52


Share on Myspace