khadom shamhod2يبدو ان كل شئ جديد هو في حقيقته امتداد لفكر قديم قد طرح منذ عدة قرون او آلاف السنين غير ان ادوات ووسائل تلك العصور لازالت قاصرة او غير متوفرة لتحقيق تلك الاحلام والافكار والعلوم، مثل فكرة الطيران التي طرحها العالم الاندلسي عباس بن فرناس في بداية القرن التاسع وتحققت عمليا بعد مرور 1200 سنة.. جماعة الانبياء هي عبارة عن مجموعة من الفنانين الشباب الذين اتخذوا الفكر المفاهيمي والصوفي مذهبا لهم، وظهرت في فرنسا حوالي عام 1892 . هؤلاء كانوا قد درسوا علم اللاهوت الشرقي من الديانة المسيحية واليهودية والفارسية والاسلامية وغيرها .. وارادوا ان يعيدوا الدين المسيحي الى اصوله الوحدانية الروحية، فعاشوا جميع الطقوس وجميع الثقافات والعقائد والتي اصبحت واضحة في اذهانهم، بعدما اعادوا قرأة التلمود والانجيل والقرآن وتعلموا اللغة العربية والعبرية ... وعاشوا الفكر الصوفي الوحداني العربي والذي يقوم على الزهد وتعري الانسان من الوجود المادي والاتصال بالمطلق عن طريق الرياضة الروحية التي هي عند الصوفية من المبادئ الاساسية، والتحرر من الشهوات الجسدية المادية، واتحاد النفس بالله اتحادا تاما ... (انا الحق .. /ابن عربي). وكان الطريق الى الباطن هو المسلك الصحيح للوصول الى المطلق .

هؤلاء كانوا يجتمعون في اماكن سرية ويرتدون الملابس العربية الشرقية ويتكلمون بالفاظ وكلمات ورموز عربية ويمارسون الطرق الصوفية (التي فيها احيانا نوع من الهلوسة)، كما هو معروف عند الجماعات الصوفية المنتشرة في عالمنا الاسلامي مثل مصر ودول شمال افريقيا وغيرها. وكان مؤسس هذه الجماعة بول سيروزيه واصدقائه اميل برنار، موريس دوني، وبيير بونارد، و قد زاروا الدول العربية في بداية القرن العشرين مثل مصر والجزائر وتونس وفلسطين .. وكانت دهشتهم لا توصف حيث كان حلم يراودهم طيلة حياتهم وقد تحقق . وها هم في الارض المقدسة ومهبط الكتب السماوية و ناسها وتقاليدها وثقافاتها وصوفيتها وحيث الجمال والالوان الحارة والشمس الساطعة والناس وطيبهم العريق .. وكانت هذه الجماعة واحدة من المدارس الغربية التي جذبها حب الشرق وفنونه و ثقافاته، وبعدها ظهرت المدرسة الوحشية التي سلكت باسلوبها الفنون الاسلامية .

اسلوبهم وتقنياتهم الفنية:

كان الانبياء قد اتخذوا طريقة الفنان كوكان منطلقا لاساليبهم وتقنياتهم وفلسفتهم المفاهيمية من ناحية التبسيط والاختزال والتسطيح والالوان الحارة والمباشرة . والقصة معروفة بين كوكان وسيروزيه، عندما علمه الرسم حيث خاطب كوكان سيروزيه كيف ترى لون الشجرة قال سيروزيه : اصفر، حسنا ضع ابهى اصفر لديك . وكيف ترى لون الارض قال: حمراء، اذن ضع اجمل احمر لديك ..

.. كما اتخذوا البسط والزخارف الاسلامية عناصر تشكيلية في بناء اللوحة، يضاف الى ذلك ادخلوا بعض الرموز مثل الحروف العربية، وحتى ان البعض منهم كان يوقع على اللوحة بحروف عربية .. كما استخدموا مدلولات الارقام ورموزها . فالرقم واحد يتضمن جميع الارقام، ورقم اثنين يمثل الصراع بين مبدأين، والرقم ثلاث يعني الثالوث ويعني ايضا الله، وله اهمية كبيرة في الرسم حيث يشكل مساحة تشكيلية بارزة وجميلة وراسخة، وغير ذلك من الارقام ومعانيها ..

و قد ذكر فيثاغورس ان كل شئ في الحياة مرتبط بالارقام . وقال جاليلو : ان الطبيعة كتاب مكتوب بلغة الارقام .. ويقول احد العلماء- ان الانسان رقم وحرف - والدلائل موجودة في القرآن والعلم وغيره . ولهذا اتخذ هؤلاء مصطلحات رمزية وغامضة صوفية المنحى . وقال احد النقاد وهو كاسو بان هؤلاء كان لهم وضوح في الاتجاه الفكري والرمزي . (الاندفاع الذي يودي بالفكر الى الاستغناء عن كل صنعة وتعقيد، والعودة الى الحالة البكر القديمة)

هؤلاء الانبياء يذكروننا بجماعة اخوان الصفا السرية الذين جمعوا بين الفكر والعقل والتصوف

والنسك والفلسفة . وقد بحثوا في فلسفة الارقام والحروف ومعانيها ومدلولاتها، وبقوا قرونا عديدة لم يعرف احد عن اسمائهم واصولهم، وقد تخلوا عن الذات وقتلوها في سبيل المعرفة والعلم .. نحن اليوم نرى ان البعض عندما يؤلف وينشر له كتاب تقام الدنيا ولا تقعد، وتجند له جميع وسائل الاعلام اطراءا ومدحا ؟؟ ...

و كان الانبيا مختلفين في الاساليب ولكل واحد منهم تقنيته الخاصة به ولكنهم متفقين في الفكر الصوفي وطقوسه وتقديم الفكر على العمل الفني والذي يعتبر الوسيلة للوصول الى الجوهر المطلق .. وكان الانبياء قد اصدروا مجلة تدعى – البيضاء – حيث نشروا فيها آرائهم الفكرية والفلسفية . وكان آخر معرض لهم اقيم عام 1899، ثم تفرقو واستمروا على فلسفتهم الصوفية والمفاهيمية . ......تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

adnanhusan ahmadاحتضنت المكتبة الإسلامية بمدريد لوحة "وجوه" للفنان التشكيلي العراقي عبدالكريم سعدون المقيم في السويد حاليًا علمًا بأن هذه المكتبة التابعة "لوكالة التعاون الدولي" قد اقتنت لوحات أخرى لفنانين مهمين من جنسيات مختلفة وقبِلت في حالات نادرة جدًا بعض الأعمال الفنية المتفردة كهدية من مبدعيها الذين رغبوا في تعليق أعمالهم الفنية على جدران هذا الصرح الثقافي الذي يعتبر غاية لكل فنان جاد يفكر في إيصال ثيمته، وتقديم خطابه البصري إلى الشريحة المثقفة التي ترتاد  هذا المكان، وتتفاعل مع أيقوناته الفنية الجذّابة، تمامًا كما فعل الفنان عبدالكريم سعدون حيث أهدى لوحته ضمن شروط مُحددة وهي أن تُوثّق بشكل رسمي بالنص والصورة، وأن تُدرج في كتالوغ المكتبة، وتُعرَض في صالة القراءة، وهي للمناسبة العمل الفني العراقي الثاني في هذه المكتبة بعد لوحة "لفظ الجلالة" التي اقتناها القائمون على المكتبة عام 1968 من الفنان والحفّار العراقي المشهور فائق حسين، المولود في الناصرية عام 1944، والذي اشتهر برسم الرؤوس المسجونة في مكعبات زجاجية تاركًا بصمةً قوية في المشهد التشكيلي العراقي.

على الرغم من أهمية الاحتفاء بهذة اللوحة الفنية في المكتبة الإسلامية بمدريد إلاّ أن هدف المقال يذهب أبعد من الحدود الاحتفائية العابرة، فهذا العمل الفني المتفرد يمثل نقطة فاصلة في حياة الفنان عبد الكريم سعدون، بل هو يؤشر على مرحلة انتقالية في عموم تجربته الفنية التي غادر فيها فن الكاريكاتير ورسوم الأطفال ليشرع في رحلته الجديدة التي تتمثل بالرسم والنحت معًا. ففي عام 2001 نُظم له في "قاعة أكد" ببغداد معرض شخصي مهم ضمّ خمسين لوحة تتمحور على ثيمة "الوجوه المكمّمة الأفواه" ولكنه لم يستطع أن يتكلم بالفم الملآن ويُفصح عن الفكرة الأساسية صراحة فلاغرابة أن يلتجئ إلى التورية  Periphrasis التي تحتمل معنيين أو قراءتين، الأولى قريبة إلى الذهن لكنها غير مقصودة كأن يقول "وجوه أعرابية مثلمة تتقي الغُبار"، والثانية بعيدة عن الذهن لكنها مقصودة حينما يقول "وجوه مكمّمة الأفواه" ليشير جهارًا نهارًا إلى القمع، وكبت الحريات، ومصادرة الحقوق الفردية والجماعية، والغرض من هذه التورية الفنية هو إثارة الذهن وتأجيجه، والتملص من المسؤولية القانونية في الوقت ذاته. ولو دققنا النظر في لوحة "وجوه" لوجدناها تتألف من أربعة فيكَرات تشخيصية مُعبِّرة، ثلاثة منها لكائنات بشرية مُكمّمة الأفواه، والفيكَر الرابع هو الهلال في إشارة واضحة إلى الموروث العربي والإسلامي المستقر في ذاكرتنا الجمعية. وبما أن عبدالكريم يَعتبر الفنان المبدع "مُركِّب علامات" فيتوجب علينا أن نفكِّك العلامات البصرية الأخرى المُرافقة للفيكَرات الأربعة التي استجارت بالتورية الفنية اتقاء لأعين المتربِّصين. وإذا اعتبرنا هذه الفيكَرات متنًا للوحة فإن هوامشها هي العلامات الرمزية التي يمكن أن نجدها في وشوم النساء الريفيات والبدويات تحديدًا.

155 abdulkarimsadon1

لا يراهن الفنان في هذه اللوحة على الشكل فقط وإنما على المضمون الذي ترجّحت كفتهُ منذ البدء ولا غرابة في ذلك حينما يعرف المتلقي بأن خلفية عبدالكريم كاريكاتيرية تهمهُ الفكرة اللاذعة التي توخِز المُشاهد وتتمنى عليه أن يلتقط التلميحات والإشارات الدّالة التي تتكشّف أمامه رويدًا رويدا ويصل في خاتمة المطاف إلى حلّ اللغز المضموني القائم على مفارقة فنية تحتاج إلى نوع من التحدّي الذهني الذي لا يخلو من متعة بصرية مريحة للنظر المُستَفزّ والأعصاب المشدودة.

دعوني أستلف من الفنان نفسه فكرة "الانتقال الأسلوبي" التي تحدث عنها بعمق ووضوح في الفيلم الوثائقي المعنون "عبد الكريم سعدون والطفولة المُستعادة" الذي يتمحور حول معرض 2001 تحديدًا حيث يقول في سياق حديثه أنه انتقل من إبراز الخط على حساب اللون تارة، إلى اختزال الجسد وتسطيحه تارة أخرى، ثم العودة إلى استعمال اللون في إظهار بنية الجسد كعلامة رئيسية مُختَزلة برأس فقط لكنه يمثل الجسد برمته" ويؤشر على هذه الانتقالات الأسلوبية منذ أواسط الثمانينات، مرورًا بأوائل التسعينات، وانتهاء بمعرض 2001. لا أحد يشكّ في أهمية الرأس، ودلالته التعبيرية التي قد تغنينا في بعض الحالات عن تعزيز العمل الفني برموز إضافية ويكفي هنا أن نشير إلى "الرؤوس المقلوبة" التي يشتغل عليها الفنان علي طالب، أو "الرؤوس" التي حبسها الفنان فائق حسين مُستغنيًا عن بقية أعضاء الجسد. ما أعنيه أن هذه الفكرة ليست جديدة، وقد تمّ الاشتغال عليها من قبل فنانين كثيرين، ومع ذلك فنحن نعوّل على المقاربات الفنية التي لم يطرقها أحد من قبل بذريعة أن "الأفكار مُلقاة على الأرصفة" وبإمكان الجميع أن يلتقطوها ويتعاملون معها بالطريقة التي يرونها مناسبة، وهذا ما فعله بالضبط عبدالكريم سعدون المنهمك بالتجريب منذ أربعة عقود تقريبًا مستفيدًا من شطحات الكاريكاتير، ورصانة التصميم، وجمالية الخط العربي، ورسوم الأطفال التي تعزز عمله الفني المعاصر.

155 abdulkarimsadon2

يُدرك عبد الكريم أن مرجعيته التشكيلية تعود إلى الموروث العراقي خاصة، والعربي والإسلامي بشكل عام لكن هذه الذاكرة الشرقية لم تمنعه من التلاقح مع الفنون الأوروبية أو النهل منها، كما فعل مع أعمال ساي تومبلي، الفنان الأميركي الشهير الذي عُرف بأسلوبه الغرافيتي الموغل في الحداثة، والمدهش في عفويته الدقيقة، والذي يلقّبه البعض بالوريث الشرعي للفنان التعبيري التجريدي جاكسون بولوك. لعل عبد الكريم انتبه إلى أهمية التكرار في أعمال تومبلي، سواء في حركته اللولبية المتقنة التي أفضت إلى بيع لوحة "بلا عنوان" بنحو سبعين مليون دولار ، أو في تكرار الوحدات المتعددة في عمل واحد وهذا ما فعله عبدالكريم في العديد من أعماله الفنية التي طوّعها لأن تستقبل هذه الوحدات المتكررة الموروثة كالمثلثات والدوائر وبقية الأشكال الهندسية التي تخدم غرض اللوحة وهدفها العميق الذي لا يجد حرجًا في استساغة التقنيات الأوروبية التي تروّض الثيمات الغريبة والبالغة التعقيد. وفي الإطار ذاته يمكن تلمّس آثار أنطوني تابيس في لوحات عبدالكريم الذي يستدعي الخربشات الغرافيتية المرسومة أو المحفورة على الجدران مُحاكيًا إيّاها على السطوح التصويرية لأعماله الفنية التي تحمل بصمته الروحية الخاصة التي يغذّيها من مرجعيات متعددة. وفي الإطار ذاته يمكن الإشارة إلى التعالق البصري بينه وبين العديد من لوحات شاكر حسن آل سعيد سواء الحروفية منها أو الأعمال الحداثية الأخرى التي تجمع بين بساطة الخط وقوته، وعفوية التعاطي مع الأفكار والنصوص البصرية، وطريقة تقديمها إلى المتلقين الذين يتقبلون التيارات الفنية الحديثة، ويندغمون معها بسرعة خاطفة لأنهم خرجوا من حاضنة التجديد المتواتره.

لا يستطيع المبدع في الفنون القولية وغير القولية أن يدير ظهره إلى تراثه الشعبي، أو ماضيه الشخصي، أو ذاكرته البصرية التي تنبجس منها العلامات، والفيكَرات الهُلامية، والأشكال المموهة التي تجد طريقها إلى لوحة عبدالكريم سعدون المنهمك في التجريب كأنه يبحث عن شيء ضائع، وسوف يظل متنقلاً بين الخط واللون والثيمة مُنقّبًا في خزينه البصري عن علامات، ورموز مفقودة يبذل قصارى جهده من أجل إعادتها إلى الأنساق البصرية الصحيحة التي رآها في طفولته البريئة وظلّ يستعيدها عن قصد كلما مرقت السنوات إلى الوراء.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

mohamad fatiلا شك أن علاقة الرواية بالسينما هي علاقة وطيدة وراسخة، طالما أن المجالين يتلاقيان في عديد الخصائص وكثير المميزات والركائز، فالسينما تربطها علاقات مجاورة ومصاهرة مع كل عناصر الأدب، ولعل أبرزها بطبيعة الحال الرواية باعتبارها أقرب هذه المجالات الأدبية تناسبا وترابطا وانسجاما مع السينما نظرا للمساحة الواسعة التي يشترك فيها المجالان.

هكذا يتبين أن السينما تتلاقى مع الرواية في الركائز والأسس الكبرى، والتي تتمثل في عناصر الخطاب السردي وهي: الشخصيات والأحداث والزمان والمكان والحوار.. إضافة إلى أن كلا الخطابين يمثلان ترجمة للواقع ورؤية للعالم وتصورا للحياة واستحضارا للعناصر التاريخية والاجتماعية والنفسية.. كل حسب طريقته ونوعية أدائه، كما أنهما معا يمزجان رؤيتهما بعنصر التخييل الذي يمثل ركيزة أساسية في البناء الفني والجمالي.. ولكن الاختلاف والتباين يكمن في خصوصية المجالين وطبيعة التعامل مع هذه العناصر، فالسينما حتى وإن توفرت على كل مقومات الخطاب السردي إلا أن خصوصية المجال تفرض تعاملا مغايرا يستلزم عناصر فنية تترجم اللغة إلى صورة والأسلوب إلى تقنية، وإذا كان القارئ يجد الحرية الكاملة للتوسع والامتداد في عالم الخيال وإعادة بناء المقروء الذهني في عالم الرواية، فإن العرض السينمائي لا يترك هذه المساحة بالنسبة للمشاهد، طالما أنه يفرض علينا نمطا مجسدا معروضا من طرف المخرج الذي يختار الهيئة المناسبة لتصوره ورؤيته الفنية فيحولها إلى فيلم سينمائي يترجم هذه الرؤية.

انطلاقا مما سبق يتبين أن الرواية والسينما تجمعهما علاقة وطيدة تجعلهما يشتركان في مجموعة من الخصائص والمميزات الأخرى التي تضاف إلى العناصر البنائية ـ السردية السابقة الذكر:[1]

ـ أولى هذه الخصائص، أنهما معا، أي السينما والرواية يتجهان في مخاطبتهما إلى الجمهور الواسع، مما ينتج عنه ما يسمى بثقافة الجماعةculture de masse  بعكس الرسم أو الشعر مثلا اللذين يتوجهان في خطابهما إلى نوع معين من الجمهور "أقلية" مما يخلق معه ثقافة النخبةculture d’élite .

ـ الكتاب والسينما يلبيان رغبة واحدة وآنية في نفس الوقت.. رغبة حب الاستطلاع الفوري، فمن يشاهد فيلما كمن يقرأ رواية.. فكلاهما قراءة ومشاهدة في نفس الوقت، إذ أن الصورة المرسومة على الشاشة في حد ذاتها قراءة ذهنية سريعة ومتتالية لمجموعة من الصور المتحركة، التي تعبر عن حالة ما أو عدة حالات في مشاهد قد تقصر أو تطول.. نفس الشيء يكاد يقع بالنسبة للكتاب.. إذ وأنت تقرأ عن حالة أو حالات ما تتفاوت درجات أهميتها ، تتصور وتشاهد الأحداث والأشخاص مجسمين على شاشة مخيلتك خصوصا في الكتابات التي تهتم بالجوانب الاجتماعية للبشر.. ففي هذه الكتابات تضحي اللغة رديفا ثانويا للصورة التي اكتسبت عبر تاريخ طويل سلطة كبيرة في الوصف والتعبير بعدة وسائل وآليات.

ـ على عكس الكتاب، في السينما، لا يصبح حضور الكاتب مركزيا، بأي وجه من الوجوه، وإنما هناك شخص آخر يحتل هذا الموقع: إنه المخرج في أغلب الأحوال، ولكن يمكن للممثل كذلك أن يحتل الصدارة "فيغطي على وجود المخرج أو يقلل من درجة حضوره، بل إن وجود المخرج نفسه عند عامة الجمهور، لا ذكر له أمام هيمنة الممثلين، فما بالك بالكاتب، سواء كان سيناريستا أو صاحب الرواية؟"[2].

وتتراءى العلاقة بين الأدب والســينما في التواصل والتأثير المتبــادل بينهمــا، وهو ما فصلــه الدكتور "جهاد نعيســة" في بحثه الموسوم بـ "الرواية والسرود السمعية البصرية"[3]

ويرى جهاد أنه يمكن أن نوازن بين الرواية والســينما موازنة موجزة، وبشــيء من التصرف، فيما يأتي:

إن كلا من هذين الفنين يقومان على السرد التخييلي.

إن كلا منهما يتخذان من الإنسان مدارا أو محورا لهما.

إن كل منهما يرتبطان بالواقع ارتباطا قويا أو واهيا، حسب طبيعة التخييل ومداه ومرجعياته بكل عمل.

إن كل منهما يحتفيان بالبعد التاريخي للسرد، من حيث  كونهما يحللان الشــروط التاريخية البشــرية العامة أو الخاصة في فترة زمنية معينة.

تلــك أهم نقاط الائتلاف بين الروايــة (أو الفن القصصي) والفن السينمائي، أما نقاط الاختلاف بينهما فيمكن حصرها فيما يأتي:[4]

-   إذا كان الســرد الروائــي / القصصــي يعتمد على اللغة المكتوبة، فإن الســينما تعتمد على اللغة الســمعية البصرية التي تخضع لبناء حركي.

-  إذا كان الزمــن فــي الرواية أو الفن القصصي متحررا من حيــث الطول، أو القصــر، فإن الزمن في الســينما محكوم بفترة عرض الفيلم.

-   إن زمــن الوصــف يطــول فــي الروايــة، ويقصر في السينما.

-  إن الإبداع  الروائــي أو القصصــي فــردي، خلافا للإبداع الســينمائي الذي لا يمكــن أن يتم إلا بوســاطة جماعة من الممثلين والمصورين، فضلا عن المخرج، وهنا نســتثني ســرود المطولات الشعبية التي اشترك في تأليفها مجموعة من المبدعين المجهولين عبر العصور.

هكذا يتبين أنه إذا كان الأدب أداته "الكلمة" والفن أداته "الصورة"، يصبح منطقيا تعريف الرواية بأنها "فن السرد بالكلمة" والفيلم بأنه "فن السرد بالصورة"، إنه "تفكير بلغة الصور المتحركة والصوت"[5]  لكن مشكلة هذا التعريف على وجاهته أنه يتعسف في الفصل بين نظامي التواصل الأساسيين: الكلمة والصورة. ويفترض افتراضا غير دقيق، أن الرواية فن خالص ل "الكلمة" والفيلم فن خالص ل "الصورة".  حتى مع الإقرار بأن "الكلمة هي الوحدة الأساسية للرواية ومنها تولد الجملة والفقرة والمشهد والفصل في مقابل أن الصورة هي الوحدة الأساسية للفيلم ومنها يولد "الكادر" و "اللقطة" و "المشهد" و"المقطع الفيلمي"[6].

إن السؤال الذي يطرح حول العلاقة القائمة بين نسقين تعبيريين تواصليين مختلفين، الأول يعتمد على لغة الكلمات في عملية تحققه في حين أن الثاني يعتمد على لغة الصورة في كليتها مؤازرة في ذات الآن بلغة الصوت الملفوظ، يطرح أكثر من إجابة خصوصا في مجتمع عالمي جديد، يعرف نفسه بأنه يمثل حضارة جديدة هي "حضارة الصورة" على اعتبار أن المجتمعات السابقة عليه، كانت تمثل حضارات الكلمات في تنوعها واختلافها، وإذا نحن علمنا أن الصورة توازي أو تفوق، كما يقول المثل، ألف كلمة، أدركنا أهمية هذا التمييز واستطعنا أن نلمس بعض دلالاته المتسترة.

ولكل منهما أبعاده الخصوصية التي يستقل بها عن الآخر، وهذا ما يخلق تفردا فنيا يرجع إلى الاختلافات الهيكلية والبنائية بين الفنين، فإذا كانت الكتابة الروائية تتحدد اجتماعيا وتاريخيا طالما أن لها أبعاد تواصلية تستدعي الآخر وتفترض القراءة، فإن الكتابة السينمائية لها منطق مغاير، لأن العملية التي تتبلور فيها هذه الكتابة تخضع لصيرورة قد تكون الذات الكاتبة فيها حاسمة في التحكم في فلسفة الفيلم كما يمكن أن "تذوب في تجاذبات واعتبارات لتتحول إلى هامش منفعل تغلب عليه الجماعة السينمائية."[7] هذه الجماعة التي تؤطر وتوجه من طرف المخرج الذي يبصم العمل برؤيته الإبداعية، فالمخرج لا يؤلف جملا ولا يصور لوحات، إنما يذهب أعمق من ذلك، فهو يخرج المعنى الباطني كله ويشخص الفكر تشخيصا ماديا. "فالسينما تقدم لنا الروح دفعة واحدة، والمشاهد العادي يلاحظ حينذاك أن الروح ـ التي يعزوها البعض إلى الخلايا العصبية والآخرون إلى علة أولية ـ تملك نسيج المادة والألوان والجسد والأفكار."[8] وهذا ما يجعلنا نقول أن السينما ليست ترجمة ونسخا مباشرا للرواية من حقلها اللغوي إلى حقلها الفيلمي، بل إنها إبداع جديد يعيد إنتاج العمل الأدبي بشكل آخر متمايز عن الشكل الأولي، إبداع يمزج مجموعة من التقنيات السينمائية التي تحول ما هو مكتوب مقروء إلى ما هو مرئي مشاهد، والمخرج هنا هو مبدع جديد يركب الرواية بأسلوبه ورؤيته واختياراته المتناسبة مع الخصوصيات التقنية، لهذا فإننا نجده يحذف تارة ويضيف تارة أخرى في العمل الأدبي، وفق ما يتوافق مع تطلعاته واختياره السينمائي. وهذا ما يؤكده الكاتب الكبير نجيب محفوظ أحد أبرز الروائيين الذين تعاملت مع أعمالهم السينما، حينما يقول: "أنا راض عن التغييرات التي تطرأ في قصصي ولي رأي في هذا الموضوع: وهو أن السينما فن وليست ترجمة، والسينمائي فنان وليس مترجما للعمل الأدبي.. فهو صاحب رؤية وصاحب إبداع.. فهو يأخذ العمل الأدبي ويحوله إلى عمل فني، ويصح أن يأخذ 90% أو 50 % حسب رؤيته، كما يصح أن يؤلف قصة جديدة مستوحاة من الأولى ويعطيها اسما جديدا"[9].

وهذا الناقد السينمائي السوري سعيد مراد يؤيد رأي نجيب محفوظ في كون السينما فن مستقل بإبداعه وليست ترجمة بقوله: "الأفلمة ليست نقلا حرفيا للنص الأدبي الأصلي.. فلو كانت كذلك، لتحول الفيلم السينمائي إلى وسيلة إيضاح بالصور للنص الأدبي.. لكنها عملية خلق لا تبخس الأصل الأدبي ولا تلوي عنقه أو تتعالى عليه، بل تغنيه وتفتح إمكانياته، مستخدمة رصيد فن آخر هو السينما بكل ما لديها من طاقات ووسائل تعبر."[10].

خلاصة القول أن الرواية والسينما لونان تعبيريان يتفقان ويختلفان في آن واحد. يلتقيان عند نقطة جوهرية تتمثل في السردية التي تصبغهما، ويختلفان من حيث تغير آلية الخطاب لا مضمونه. فهما يستخدمان السرد خطاباً ذا حمولات إيديولوجية، ويختلفان في كيفية تقديمه تبعاً لاختلاف آلية التعبير.

الرواية تصوير بالكلمات، وتعبير بالمجرد، بينما السينما عين مبصرة، وتجسيد للعالم. وتبعاً لهذه الخصوصية يحدث التقاؤهما فيما يعرف بـ (Adaptation) أو نقل الرواية إلى السينما. فالرواية المكتوبة تتحول إلى شريط مرئي يجسد المجرد برؤية تأتي أحياناً مغايرة لرؤية الرواية.

فرغم الاتفاق في الجوهر، فإن الاختلاف في كيفية عرض هذا الجوهر هو ما يميز السينما عن الرواية، الكلمة عالم من المجردات الذهنية، بينما الصورة عالم حسي بصري، وهذا الاختلاف يتبعه بالضرورة اختلاف في التلقي، فقارئ الرواية ذهني الوظيفة، متخيل، ثم مؤول، بينما المشاهد، بصري الوظيفة، واقعي، ثم مؤول. وعليه فإن آلية العلاقة بين الرواية والسينما هي علاقة اختزال المكتوب إلى صورة، وهذا الاختزال ينتج عنه الاستغناء بالصورة ومدى شموليتها عن الوصف السردي المسهب في الرواية. وهنا تكمن مشكلة التلقي في عدم التنبه لطبيعة التعبير في كل من الرواية والسينما.

وفي ذات السياق فإن الرواية قد تتعرض لما هو أخطر، فكثيراً ما تقع الرواية عند نقلها إلى السينما تحت تأثيرات إيديولوجية عميقة تتبدل معها كثير من التفاصيل والشخصيات وأحياناً تتغير رؤية الرواية بالكامل. هنا تصبح العلاقة أبعد من تغير في آلية التعبير، إلى تغير في البنية نظراً لمؤثرات خارجية لا تحكمها العلاقة الآلية بين النصين، بل تحكمها معضلة السياق الخارجي. فبعض الأفلام المنقولة عن نصوص روائية تضطر لأسباب خارجية، سياسية أو دينية أو اجتماعية، إلى الاستغناء عن بعض الشخصيات أو الأحداث أو المواقف، أو زيادة شخصيات وحوادث، أو تغيير جوهر بعض الشخصيات والحوادث. وهذا يتطلب إعادة صياغة للنص الروائي يتجاوز المعطيات الضرورية السابقة مثل الاختزال والتكثيف والتقديم والتأخير إلى التغيير في مسار الأحداث أو اقتراح نهاية بديلة تقدم رؤية تتفق مع الواقع أثناء إنتاج الفيلم.

 

محمد فاتي : أستاذ باحث في مجال الصورة

..................

[1] ـ خالد الخضري، موقع الأدب المغربي من السينما المغربية، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، ط 1 ، 1989، ص: 20.

[2] ـ الميلودي شغموم، السينما والرواية بين التواطؤ والتجاهل، "السينما بعيون أدباء مغاربة"، إعداد: حسن نرايس، مطبعة الهداية ـ تطوان ـ 2013، ص: 72.

[3] ـد. جهاد نعيســة: "الرواية والســرود الســمعية البصرية /، "الروايــة العربية.. ممكنات الســرد". المجلــس الوطني للثقافة والفنون والآداب. الكويت 2004، ص: 164 ـ 192.

[4] ـ د. الرشيد بوشعير، العلاقة بين الآداب والفنون الأخرى، مجلة الرافد، العدد 40، فبراير ـ 2013، ص: 75.

[5] ـ الرشيد بوشعير، المرجع السابق، ص: 74.

[6] ـ شريف صالح، الرواية والفيلم.. تطابق أم خيانة؟، مجلة الفنون، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت، عدد 138 ـ مارس  2013، ص: 18.

[7] ـ محمد نور الدين أفاية، محمد نور الدين أفاية، الخطاب السينمائي بين الكتابة والتأويل، مطابع عكاظ ـ الرباط ، ص: 27.

[8] ـ جورج سيباج، السيناريو الشبح: السينما والكتابة، ترجمة: سهيل حمد أبو فخر، مجلة الثقافة العالمية الكويتية، عدد 74 - 75 ـ  يناير /مارس 1996، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت، ص: 250.

[9] ـ نجيب محفوظ ،"لما تحول الأدب الروائي إلى أفلام سينمائية"، مجلة الفيديو العربي ـ العدد: 27 ـ السنة: 3 ـ ماي 1986، ص:49.

[10] ـ سعيد مراد، مجلة الحياة السينمائية السورية، ، العدد 28، شتاء 1986، ص: 34.

 

 

adnanhusan ahmadنظّم مُتحف مدينة Calpe الأسبانية معرضًا شخصيًا جديدًا للفنان التشكيلي سعد علي، وقد ضمّ المعرض 24 لوحة مختلفة الأحجام، مُنفّذة بالزيت والأكريلك على الكانفاس والألواح الخشبية. وكدأبه دائمًا ينهل سعد علي من ذاكرته الشخصيّة، وموروثه العراقي المتراكم عبر آلاف السنين. وبما أن معرضه الحالي ينضوي تحت عنوان "حديقة الحياة" فلابد من استجلاء المعنى الكامن وراء هذه التسمية الدالة على شيء محدد. فقد عرفناه خلال العقود الثلاثة الماضية مُنهمكًا بمشروعيه الفنيين "صندوق الدنيا" و "أبواب الفرج والمحبّة" لكنه لم ينتهِ منهما حتى الوقت الراهن، فما تزال مخيّلتهُ البصرية تفيض بالصور الرومانسية الحالمة التي يخلق منها فردوسه الأرضي إن صحّ التعبير. ذات مرّة قام سعد علي بزيارة عمته التي تسكن في مدينة بابل وبينما كان يلهو مع الأطفال لفتت انتباهه سلالم عريضة لمدرّجات هائلة في متنزّه عام وحينما استفسر من أقرانه أجابوه بأنها "الجنائن المعلّقة" التي عُرفت بإحدى عجائب الدنيا السبع. وبغض النظر إن كانت قصة هذه الجنائن حقيقية أم مُختلَقة فإنها أصبحت أقرب إلى الأسطورة التي نسجتها الذاكرة الشعبية لبلاد ما بين النهرين عن الملك الكلداني نبوخذنصّر الثاني ( 605- 562 ق.م) الذي أمر بتشيّيد الجنائن المعلّقة لزوجته أميتس الميدية التي شعرت بالغربة المكانية، واجتاحها الحنين إلى المناطق الجبلية المتموجة فبنى لها هذه الأعجوبة المعمارية التي ظلت راسخة في الذاكرة الجمعية لأبناء الرافدين. استعار سعد علي ثلاثة محاور أساسية من فكرة الجنائن المعلقة وهي على التوالي: الحُب بما ينطوي عليه من أجواء رومانسية قد لا يتحقق بعضها إلاّ في شطحات الخيال، والحدائق الفردوسية التي تعززها أجواء الليالي العربية في "ألف ليلة وليلة"، والبحث عن الخلود عبر المنجز الإبداعي الذي يخلّفه الفنان خاصة، والإنسان بشكل عام. وبما أن سعد علي يقيم ويعمل في أسبانيا منذ عام 2004 وحتى الآن وقد شاهد معظم مدنها وحواضرها وكان مهتمًا بآثار العرب المعمارية التي خلّفوها في الأندلس على وجه التحديد ولعله التقط فكرة "الحدائق الأندلسية" أيضًا ليصنع منها لوحاتٍ كثيرة تدلّل على شغفه بأجواء الحدائق وفضاءاتها الشرقية والغربية على حدٍ سواء.

144 saadali4

يعتمد سعد علي في لعبته الفنية على زجّ مُتلّقيه في دائرة الدهشة والانبهار والحبور ولعله يتمنى عليه أن يتبادل الأدوار مع شخصيات اللوحة بمشاركة عضوية ووجدانية قابلة للتحقيق، ذلك لأن رهانه الإبداعي قائم على ضرورة التماهي بين المُشاهِد والعمل الفني بغية الوصول إلى اللذة البصرية التي تدفع المتلقي إلى التحليق في فضاء اللوحة والانقطاع المؤقت عن حركة الحياة الواقعية التي تنبض من حوله.

تشكِّل لوحة "في انتظار الفرج" امتدادًا لمشروعيه الفنيين المشار إليهما سلفًا إضافة إلى اللوحات الأخر التي تحتفي بثنائية المرأة والرجل لكن سعد علي يعرف كيف يطوِّع هذه الثيمة الأزلية بعد أن يدخلها في شريط مخيلته ويُخرجها في الزمان والمكان المناسبين. قد تبدو المرأة المُنتظِرة مألوفة في هذه اللوحة للمتلقي المتابع لتجربة الفنان فهو يعرف في الأقل عينيها الواسعتين، وأصابعها الطويلة المُرهفة لكن تقنية الرسم على الجسد تعود بنا تسعينات القرن الماضي حينما بدأ سعد يرسم على أجساد النساء في أوتريخت أمام حشد كبير من المشاهدين العرب والأجانب الغارقين في النشوة والذهول. ولو تأملنا عنق هذه المرأة والجزء العلوي من جسدها لاكتشفنا جماليات غير مألوفة من قبل هي أقرب إلى الوشم والزخرفة منها إلى الرسم على الأجساد العارية. أما التناغم اللوني المُبهج في خلفية هذه اللوحة فهو أحد العناصر الشكلية التي يراهن عليها الفنان وربما يضعها قبل الثيمة الرئيسة والأفكار الثانوية المؤازرة للعمل الفني.

144 saadali5

 تتكرر ثنائية المرأة والرجل في أكثر من عمل، فتارة يرسمهما على الخشب ويقصهما على هيأة تمثالين متلاحمين، وتارة أخرى يرسمهما على الكانفاس ككائنين حالمين كما في لوحة "خلوة حُب"، فإذا كان جده الأكبر كَلكَامش قد بحث عن الخلود فإن العاشِقَين في هذه اللوحة يتوقان لتخليد الحُب من خلال إظهار السعادة الغامرة، والرفاهية المطلقة التي ينعمان بها كعشاق خُلّص أبد الدهر. تبدو هذه اللوحة عائمة مثل عدد آخر من لوحات هذا المعرض في إحالة للفردوس الأرضي الذي يصنعه الفنان بنفسه ثم يلج إليه مبهورًا، متقطع الأنفاس.

يعتقد سعد علي بأهمية اللذّات في حياة الإنسان مثل لذة القراءة، والكتابة، والمُشاهدة، والطعام، والشراب، والوصال وما إلى ذلك، وهو يحتفي بها دائمًا في حياته اليومية فلاغرابة أن يجسّدها في أعمال فنية قد تأخذ طابعًا بانوراميًا كما في لوحة "العشاء الدائم" قياس 195× 50 سم منفذة بالزيت على خشب الأبواب القديمة التي اعتاد أن يستعملها كأسطح تصويرية بعد تنعيمها وتكيّيفها لاحتواء متن اللوحة وهوامشها التزويقية. هذه اللوحة المشهدية العائمة تذكِّر بالأجواء العباسية الباذخة، وحياة التجار المرفهين، والطبقة الإرستقراطية السائدة آنذاك. ثمة لوحة مشهدية أخرى تمجد الحياة، والحب، واللذات الأرضية بمجملها وهي الوسيلة الوحيدة التي تُشبع رغبات الفنان وتحقق رؤيته الفلسفية في هذه الحياة الفانية.

تعتبر لوحة "الحالمة" قياس 250× 90 سم التي نفذها الفنان بمواد مختلفة على الكانفاس هي الثيمة المهيمنة في المعرض فهي تجمع بين الحُب، والحلم، والعاطفة الإنسانية المتأججة في جوٍ جنائني فهي مستلقية على أوراق الخرّوب أو نبات الشكولاتا. لا تخلو هذه اللوحة التشخيصية من أبعاد رمزية تفصح عن النَفَس الرومانسي لخالق اللوحة الذي أبدع في رسم المعالم الجسمانية لهذه العاشقة الحالمة وأحاط جسدها بغلالة شفافة بيضاء ضاعفت من إغراءات الجسد المتمعج.

تحضر الحيوانات المدجّنة بقوة في لوحات سعد علي لتوحي بالألفة والحياة المنزلية الوادعة وربما تكون لوحة "شمّة ورد في حقول مايوركا" هي نموذج لهذا التعايش الذي يتجسّد في الحياة العصرية المتطورة التي لا تضحّي بمتع إنسانية أخرى مثل تربية الحيوانات الأليفة التي تحرّك فينا مشاعر غامضة لم نعهدها من قبل.

مثلما أثارته الجنائن المُعلّقة في بابل وانجذب إليها، أدهشته حدائق قرطبة وغرناطة التي تحمل إرثًا عربيًا وبصمات لما تزل ماثلة في القصور والقلاع التي خلّفها العرب ورائهم فكلما مرّ سعد أمام حديقة أسبانية تحمل نكهة الأندلس ورائحتها سرعان ما يستلّ قلمه وكرّاسته ليرسم مخططًا أوليًا ثم يضع لمساته النهائية فيما بعد، وهذا ما حصل مع لوحة "حديقة الأندلوسيا" التي رسمها قبل سنة من هذا التاريخ.

لا تقل لوحة "الصنوبر التائه" أهمية عن "الحالمة" وربما تكون الوجه الآخر لها لجهة الأنثى اليافعة المرسومة بعناية فائقة، وخطوط ليّنة ضاعفت من جمالها خلفية اللوحة الغارقة باللونين الأخضر والبرتقالي اللذين أظهرا هذا الوجه المشرئب في غاية النضارة والنعومة والإغراء.

الملحوظة الأخيرة التي نبديها في هذا المقال هي درجة التطور الكبيرة في رسم الخطوط الخارجية الرشيقة لفيكَرات اللوحة سواء أكانت إنسانية أم حيوانية، فثمة براعة في الخط الواحد الذي يعلن عن ملامح الجسد وجغرافيته الطافحة بالرِقّة والعذوبة والامتلاء. أما التناسق اللوني فقد بلغ ذروته في الأعمال الفنية لهذا المعرض فلا يعرف المتلقي هل يتماهى بالأشكال المرهفة، أم بالخطوط اللينة، أم بالألوان المتناغمة؟

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

khadom shamhod2يذكر علماء البيولوجيا والآثار ان المرأة البدائية كانت الى جانب الرجل في عملية التزويق والزخرفة والتنظيم المنزلي وكانت لها حساسية فنية وذائقة ناعمة لا تختلف عن الرجل الرسام البدائي . ومن هنا ظهرت خلال التاريخ رسامات لا يقل عددهن عن الرسامين، لكن التاريخ لم ينصف ويسجل لنا اسمائهن واعمالهن بل اهملهن متعمدا .. والمشكلة تكمن في ان الرجل كان لا يسمح لها بالظهور لاعتبارات دينية وتقاليد تجعل منها عنصرا بيتيا مربيا وخادما ليس الا، كما اصبحت تباع وتشترى في تلك العصور والحضارات الغابرة . بل ان بعض القبائل العربية كانت تعتبر المرأة عار (واذا المؤدة سألت باي ذنبن قتلت). واصبح الخلفاء والسلاطين يملكون من النساء ماطاب من الجمال والحسن الذي يدهش الناظر والاعمى .. وقد ورد في ثقافة الاديان في اوربا بان المرأة شيطان اعتمادا على قصة ان الشيطان قد اغوى حواء في اكل التفاحة وكانت السبب هي في اخراج آدم من الجنة ؟؟ .. كما ورد ان المرأة شر لا بد منه .. وكل هذه المفاهيم الفكرية الاقصائية العدائية مصدرها الرجل وليس الله . ومع كل ذلك كانت بعض النساء قد ثارت وكسرت هذه القيود المجحفة بحقها و تمردن على المجتمع وبرزن واشتهرن خلال العصور السابقة مثل الايطالية ارتيميسيا لومي 1654 Artemisia Lomi والانكليزية هيلين بياتريكس Helen Beatrix 1866، والفرنسية بيريث موريستو 1869 Berthe Moristo والبولونية تامارا دي ليمبيكا 1898 Tamara Lempicka وغيرهن .

وحفل القرن العشرين باعداد كبيرة من الفنانات والاديبات والشاعرات والمناضلات وتسابقن مع الرجال في الابتكار والابداع . وكانت فرناندي اوليبير صديقة بيكاسو قد ذكرت في مذكراتها ( ان كل امرأة في حياة بيكاسو هي عبارة عن مشروع جديد وبداية حياة فنية جديدة) . كما كانت المصورة والفنانة – دورا - قد هيئت مكانا كبيرا لبيكاسو لرسم جرنيكا وكانت قد ساهمت في بعض تفاصيل اللوحة من ناحية الارشاد والافكار، وكانت هي اول من صور اللوحة في كامرتها الشخصية .. وفي العراق ظهر عدد من الفنانات المميزات واللاتي اغنن الساحة الفنية العراقية جمالا وابداعا مثل سعاد العطار وليلى العطار .

سعاد العطار:

ولدت في بغداد عام 1942 وكانت قد درست الرسم في جامعة كليفورنيا وتأثرت بالفنانين العراقيين الرواد من حيث الاستفاد من التراث الشعبي من زخارف ونقوش وفلكلور ورموز، وكانت البدايات ترسم مناظر وشخوص مستوحات من البيئة العراقية شأنها بذلك شأن الرواد .. ثم ازدحمت لوحاتها في الاشكال والرموز واحيانا تظهر بعض الاشكال السريالية او الاسطورية، كما اخذت تبسط وتختزل في الاشكال من اجل التعبير عن المعاني . وفي مطلع السبعينات اشتركت في معارض الثورة التي تقيمها الدولة مثل لوحة – قاتلتم لغد افضل- 1974 حيث اخذ هذا العمل منحا تجريديا تمثل في ثورة الخطوط والرموز والاشكال المبسطة مثل الايادي المرتفعة والوجوه الصارخة وغيرها من الزخارف التي تساهم في بناء اللوحة ومظمونها . يضاف الى ذلك ادخلت الاساطير في اعمالها وعمدت الى الدقة في الرسم والتأني في التنفيذ مثل لوحتها – جنة عدن -1993

اعمال سعاد زاخرة بالتراث والاساطير والرموز، وهي تنقلنا باعمالها الى الماضي الحضاري وكأنها تروي لنا قصص تلك التقاليد والمفاهيم بجمالها وفطرتها وقد شغفتها عاطفة، فهي تنقل ذلك بطريقة ابداعية جميلة حداثوية تجعل المتلقي يشاركها في الاحاسيس والمشاعر . ويذكر ان الشاعر اللبناني نزار قباني لما شاهد اعمالها قال لها (عمرك 6 آلاف سنة) وذلك لما تتسم به اعمالها من عمق تاريخي لحضارة بلاد الرافدين .

وتبرز مفردات تتكرر في لوحاتها مثل الهلال وكأنه بصمة مميزة وهوية لها وعنصر حضاري للتنفيس والحياة، كما رسمت الشجرة بشكل مبسط ورمزي وتعلقت بها واعتبرتها رمزا للجذور والاصاله . وقد شهدت لوحاتها زخما مثيرا للالوان والانارة والزخارف النباتية المكررة على طريقة تقاليد المدرسة الواسطية .

سعاد في لندن:

بعدما حلت سعاد في لندن في عام 1976 بدأت ترسم من جديد، ودرست الكرافيك واشتركت في الورشة الدولية التي فيها فنانين من كل دول العالم واختلطت معهم وكانت لها فرصة كبيرة للتعلم والاكتساب والتجديد . وفي الفترة الاخيرة عملت معرضا في لندن يحتوي على 45 لوحة تعكس فيها تأثيرات انطباعية وتراثية من بيوت قديمة واقواس وزخارف ونقوش اسلامية واسطية .

حصلت سعاد على جوائز كثيرة منها مشاركتها في بينال القاهرة عام 1984، كما طلبت منها مؤسسة اوبرا في لندن بعمل مجموعة من الاعمال .. كما شاركت في معارض دولية كثيرة وعرضت في لندن ومدريد وفرنسا وغيرها .

وبعد مأسات اختها ليلى حل فيها الحزن والالم المزمن فاصبحت غير قادرة على الرسم . ويذكر انها احيانا تبقى ساعات في رسم وردة واحدة . واصبحت اعمالها الاخيرة يطغي عليها طابع الحزم، ومن اعمالها – الامس لن يعود –

ليلي العطار:

هي من الفنانات الشابات اللآتي ادهشن الواقع العراقي الفني في مرحلة الستينات بجرئتها وشجاعتها وتحررها واختلاطها مع الفنانين العراقيين والادباء وحضورها الدائم في حركة المعارض التي تقيمها جمعيىة الفنانين والمعارض المشتركة الاخرى . و تتصف ليلى بالجمال الخارق وعيون واسعة مأطرة بكحل اسود كأنها عيون سومرية، ووجه مدور محمر وقامة شامخة رافعة الراس وشعر اسود سائب و لها اسلوبا جميلا في الكلام والبلاغة وقد رأيتها في عدت معارض في نهاية الستينات .

ليلى هي من مواليد بغداد لعام 1944، تخرجت من كلية الفنون عام 1965، وقامت اول معرض لها عام 1968 . استخدمت ليلى الرمز في اعمالها والخيال الاسطوري مثل لوحتها شجرة جرداء لا حياة فيها والى جانبها امرأة عارية تتجه نحو الشمس، وربما تمثل هذه اللوح الرغبة الجامحة نحو الحرية والتخلص من القيود التي تشعر بوجودها . ونرى احيانا تتكرر المرأة في لوحاتها في جو رمزي غامض يعكس ازمة الوحدة والانفراد . وقد نفذت تلك الاعمال باسلول واقعي تعبيري خيالي يحمل هما عميقا تعيشه الفنانة. شغلت ليلى مديرة الفنون في بغداد وحصلت على جوائز عديدة وشاركت في ندوات وبرامج تلفزيونية فنية واقامة عدة معارض فردية ومشتركة . وفي اعمالها الاخيرة استخدمت الكولاج الورقي واصبح العمل الفني عندها هو الخامة نفسها مع تلك الخطوط الحرة التي يرى من ورائها اشكال تعبيرية محورة تحمل الهم والحزن ..

حادث مقتل ليلى:

عاشت ليلى الازمة والحصار الذي فرضة الغرب على العراق وعاشت المجاعة والمعانات التي عاشها الشعب العراقي تحت النظام الصدامي ..يقال ان ليلى رسمت بوش الاب في لوحة فسيفسائية في مدخل ارض فندق الرشيد وكان الفندق تقام فيه المؤتمرات باستمرار ويسكن فيه المراسلين ورجال الصحافة الاجانب، ولهذا يكون على الداخل والخارج من الفندق ان يدوس على صورة بوش لانه ليس هناك ممر آخر .. وفي ليلة عام 1993 تم اطلاق ثلاثة صواريخ بكل دقة استهدفت بيت الرسامة ليلى فراحت ليلى واهلها اشلاء تحت الانقاض،...؟؟؟ ولكن هناك من يقول ان ليلى لم ترسم بوش على الارض بطريقة الفسيفساء وليس هذا من اسلوبها، وانما هذا الخبر من صنع الاستخبارات العراقية البعثية .. كما ان القصف جاء من الطائرات الامريكية على احياء ومناطق بغداد دون تحديد، فكان بيتها ضمن ما قصف من الدور والعمارات ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

khadom shamhod2بعد الحرب العالمية الاولى اجتمع عدد من الفنانين في مدينة زيورخ في المانية بعد ما شاهدوا ماخلفته الحرب من دمار وخراب لاوربا حيث ذهب ما يقارب 17 مليون قتيل واكثر من 20 مليون جريح . هذا الكارثة جعلت هؤلاء يفكرون بان كل ما جاءت به الحضارة من تقدم و تمدن و اخلاق وتكنولوجيا لم تستطع من ايقاف الحرب؟ ولهذا قرروا انشاء فن لا يعترف بكل المدارس الحديثة و الفنون الكلاسيكية القديمة واطلقوا عليه اسم – اللافن – حيث ظهرت الدادائية وكان اول عمل لها هو عمل مارسيل دوجامب – المبولة –1917 وهي تعبر عن السخرية من الحضارة وانها تستحق الرفض والتبول ..؟؟

و هنا دخلنا في موضوع غاية في التعقيد والتعريف وهو الفن المفاهيمي والنحت الجاهز .. و مصطلح مفهوم او مفاهيم concepto هي كاءنات مجردة او هي افكار ترتبط بالعقل . وتهدف المفاهيمية الخروج من القيود الاكاديمية والتقاليد الاجتماعية والشكلية وطرح الواقع بصياغة جديدة، وتكون الفكرة في العمل هي الاساس بغض النظر عن قبح الشكل او جماله .. كما عمد فنانوا هذا الاتجاه الى ترجمة الفكرة باي وسيلة مادية كانت .

يسارية الاتجاه:

الملاحظ ان معظم رواد الدادائية والسريالية ثم المفاهيمية هم يساريون اي انهم يؤمنون بالفكر المادي الذي طرحه زعماء الشيوعية، ولكن هناك نجد تناقض بين ما يؤمنون به وما ينظرون له في الاتجاه الفني الذي سلكوه؟؟ حيث ان المفاهيمي هو اتجاه يعتمد على الفكر المجرد وليس المادي

و السريالية تعتمد على الافكار القادمة من اللاوعي .؟؟؟ ولناخذ مثلا واقعيا، الفنان الاسباني تابيس هو من زعماء المدرسة المفاهيمية ومن مدرسة وجماعة يسارية ولكن كيف نفسر و نفهم ايمانه بالبوذية والتصوف وعالم الروحانيات؟؟؟ ثم تركيزه على طرح الافكار في اعماله والاختزال والتبسيط في الاشكال من اجل خدمة الفكرة ..؟؟ ومثال آخر هو الفنان الاسباني خورخي اوتيثا اليساري (والذي سنأتي على ذكره) كان يؤمن بالاساطير والفلسفة واخذت اعماله هذا البعد الغيبي .

التقيت باحد الادباء المفاهيميين الاسبان وسألته عن مدى التناقض في المعتقد والافكار، وبعد دردشة قال لي: انك في نعيم، وانا في بحر بلا ضفاف؟؟؟

النحت الجاهز:

واشتهر في هذا الفن المدرسة البنائية التي ظهرت في روسيا قبل الثورة . وقد استخدموا مواد كثيرة من الآلات والادوات الآلية الجاهزة وقد هدفوا من ذلك بناء و خلق علاقات داخلية ديناميكية بين الكتل المصمتة والخطوط والفراغات وخلق توتر ومفهوم جديد، واشتهر من النحاتين الروس  نوم غابو وانتوني لفسنر . ثم جاء الفنان الفرنسي دوشامب 1887، والبلجيكي رينيه ماجريت 1898 والانكليزي جوزيف كوزوث 1915 الذي عرض طاولة عليها مجموعة من الكتب؟؟، والالماني المعروف جوزيف بويس 1921 حيث عمل نحتا جاهزا يتكون من كرسي عليه كتلة من الشحم . ويذكر ان الفكرة مأخوذة من قصة انسانية رائعة . وهي ان جندي الماني طيار سقط مع طائرته في الحرب العالمية الثانية في منطقة القوقاز فهرع اهل المنطقة لانقاذه وكان مجروحا فغطوا جسمه بالشحم حتى يتشافى من جروحه . وقد ظهر هذا العمل مركبا على غرار الكولاج في الرسم .

ومن رواد النحت الجاهز:

1 / دافيد اسميث 1906:

و هو نحات ومصور امريكي ولد في نيويورك عام 1906، كان موقعه في النحت الحديث كموقع بولوك في التصوير، وتمتاز اعماله كونها من نتاج الحضارة التكنولوجية المتقدمة، كان في شبابه يعمل في معمل سيارات ثم في الصناعات الثقيلة خلال الحرب العالمية الثانية، وذكر انه اخذ الراية من الفنانين الاسبان خاصة بيكاسو وخوليو غونثالث وخورخي اوتيثا وادواردو جييدا حيث استغل مادة الصلب خير استغلال في بناء اعمال ذات جمالية وسحر . كما تأثر بموندريان وكاندنسكي والتكعيبية . وقد كان سميث طلائعيا متمردا على التقاليد الفنية وفنانا مذهلا في مرحلة الخمسينات وسريع الانتاج . وقد قدم اعمالا غاية في الابداع والابتكار حيث يستغل قطع الحديد المختلفة الاشكال ويبني ويركب منها اعمال خيالية . ففي سنة 1946 اقيم له معرضا في نيويورك وكان من اعماله المعروضة مكعبات من الحديد بعضها فوق بعض قائمة على قاعدة عمود . وفي ايطاليا وجهت له دعوة للعمل والعرض حيث هيئت له مصنعا قديما بمثابة ورشة عمل فانتج 26 عملا نحتيا جاهزا في غضون 30 يوما وباحجام مختلفة ..

2 / انطوني كارو- 1924:

و هو نحات انكليزي وقد تمتع بسمعة كبيرة كما هي عند دافيد سميث، حيث استخدم الاشياء الجاهزة من الصلب وقضبان الحديد وقطع من الهشيم المعدني الخشن وعمل منها تكوينات لولبية تتدفق حيوية وخيال، وكان تلميذا للنحات الانكليزي هنري مور، وكانت اعماله تأخذ في بنائها مركزا افقيا بينما معظم اعمال سميث راسيا او عمودية . وبالتالي فان اعمال كارو تبتلع الفراغ والارض من تحتها وقد تم الغى القاعدة . بينما سميث يفضل ان تكون اعماله في الهواء الطلق معلقة .. كاروا يأخذ القطع الجاهزة من حديد البناء مثل ( الشيلمان ) والقضبان والاسلاك والانابيب والاسطوانات وغيرها من المعادن ويشكل منها اعمال نحتية جاهزة تعبر عن خيلاته وافكاره . وقد شاهدت له معرضا ضخما في لندن في كالري تاتي TATE قبل عدة سنوات كان غاية في الجمال والابداع وكانت قطع الصلب كبيرة الحجم وضخمة ولا اعرف كيف ادخلوها صالات العرض .

3 / خوليو غونثالث 1876:

يعد خوليو غونثالث Julio Gonzalezالاسباني الكاتالاني  1876-1942 اسطورة الفن الحديث والاب المجدد الطلائعي للنحت المعاصر وقد فتح قرائح الفنانين الحديثين في شتى صور الفن وروائع الابداع .. وهو الاول الذي شق الطريق لفن النحت الحديدي ذو الاشكال الهندسية بطريقة الطرق والصهر بالنار . وكانت اعماله تطبع تكوينه وميوله الحرفي والفني الذي انطبع به منذ نعومة اظفاره يوم كان مع ابيه يعمل حدادا .. فخرجت اعماله بجمالها وروعتها اصيلة تعبر عن ذلك الانتماء لحرفة الحديد  ... ولد خوليو في برشلونة عام 1876 وكان ابواه من اصول اندلسية، وكان ابوه وجده يعملان في الحدادة وكان خوليو يساعد والده في ورشة الحدادة عندما كان صغيرا .. وفي عام 1898 توفى والدهم . وفي عام 1900 قررت العائلة بيع ورشة الحدادة والانتقال الى باريس . هناك نصب خوليو له ورشة عمل حدادة ونحت  كانت محط لقاء الفنانين امثال بيكاسو وبراك وغيرهم من المعروفين الباريسيين ..

و يذكر بعض المؤرخون ان حركة التجديد للنحت بدأت بعد الحرب العالمية الاولى او قبلها قليلا  وان خوليو غونثالث في اعماله النحتية المعدنية الذي استخدم فيها اللحيم من ابدع ما ظهر في بداية القرن العشرين . وكانت تعتبر نقطة هامة في التحول النحتي الحديث .. يضاف اليه النحات الامريكي ريتشاد ليبولد في الاربعينات وكذلك النحات البريطاني ادواردو باولتس والفنان الفرنسي مارسيل دوشامب الذي لفت النظر الى النحت الجاهز وكذلك الفنان جان دوبوفيه الذي استخدم طريقة التركيب في منحوتاته وصنع بعضها من الاسفنج ...

4 / خورخي اوتيثا 1908:

 ولد الفنان خورخي اوتيثا Jorge Oteiza في مدينة سان سيباستيان عام  1908 وتوفى عام -2003 والتي تقع شمال اسبانيا، وهي عاصمة  مقاطعة غيوبوثكوا الباسكوس Guipuzcua ويعد الاستاذ الاول في النحت في اسبانيا .. كما يعتبر هو ومواطنه  ادواردو جييدا من ابرز النحاتين العالميين في القرن العشرين .Eduardo Chíllela 1924-2002 .

اذا تأملنا الانتاج الفني لخورخي والمرحلة التأريخية التي عاشها في بداية القرن العشرين . نجد هناك تأثيرات كثيرة قادمة من بعض  الفنانين الاوربيين والاسبان امثال الفنان الاسباني خوليو غونثالث 1876 الذي كتبنا عنه سابقا. وكان خورخي كثير السفر والتنقل بعيدا عن موطنه الاصلي، كما كان يساريا مطاردا .. ويذكرنا هذا الفنان المغامر ورحلاته التي دامت حوالي 15 سنة بالفنان الفرنسي كوكان الذي هرب من جحيم الحضارة الاوربية وذهب للعيش مع الشعوب البدائية في جزر تاهيتي .. وفي عام 1950 كلف في عمل عدد من المنحوتات الدينية لاحد الكنائس في- غيوبوثكوا – وقد نفذها باسلوب حديث غير مألوف للذوق الديني الكنسي مما دعى رجال الدين الى ايقاف العمل . وبقى هكذا معلقا حتى سنة 1968 حيث سمح له مرة ثانية بالاستمرار في عمله .. ومنذ الخمسينات غادر خورخي الشكل التشبيهي ودخل عالم الاشكال الهندسية حيث احدث حوارا بين المادة والفراغ ...

و بعد حصوله على الجائزة الاولى في بينال البرازيل عام 1957 اصبحت اعماله مرغوبة الطلب من قبل الكالريات والمؤسسات والمتاحف الفنية وكسب شهره عالمية، وهنا دخلت اعماله في عالم العمارة والشعر والفلسفة، وهو يقول (لاحظت ان اعمالي النحتية تتكلم ...) ويمثل ذلك بعدا روحيا وفلسفيا متطورا في حياته الفنية . كما اعتمد على الاسطورة والخيال في تنفيذ ومعالجة اعماله ..

5 / ادواردو جييدا 1924:

ولد جييدا في مدينة سان سيباستيانSan Sebastian – بلاد الباسكو – في اقصى شمال شرق اسبانيا عام 1924 ... بدا شييدا حياته كشاب رياضي ينتمي الى نادي - ريال سوثيداد - كحامي مرمى وكان ابوه يشغل رئيس النادي . ثم ترك الرياضة بعدما اصيب باحد ركبتيه .. بعد ذلك انتقل الى مدريد ودخل مدرسة الفنون . وبدأ يمارس النحت مستخدما مادة الجص .. بعدها عاد الى موطنه الاصلي واخذ يتعامل مع مادة الصلب في تنفيذ اعماله النحتية  . ثم سافر الى باريس واشترك بعدة معارض فنية .. ومن هنا بدأت سمعته تأخذ طريقها الى الانتشار .. بعدها عاد الى موطنه عام 1951 . واستقر فيها حتى وفاته عام 2002 ..

لقد تأثر شييدا باعمال الفنان والمثال الكبير خورخي اوتيثا Jorge Oteiza  1908 وهو من مدينته سان سيباستيان – وسلك نفس التعامل والحساسية مع مادة الصلب المطاوع والمعالجات والتشكيلات وهناك نجد تشابها كبيرا بينهما .

كانت اعمال شييدا نتاج تأمل هادئ للفضاء وعلاقته بالانسان .. استخدم مواد الصلب والغرانيت – حجر السماقي – والخشب والطين . وتعامل مع الحديد المطاوع بالطرق والصهر .. وشكلت اعماله حوارا مؤدبا جميلا بين الفراغ والشكل والفضاء . وكانت اعماله معضمها اختزالية اي مسطحة بتشكيلات تركيبية رائعة ، معظمها مكعبات وباحجام كبيره . وهي اليوم منتشره في انحاء العالم وقيمتها الفنية كاعمال بيكاسو وتابيس ..

 

د. كاظم شمهود

 

 

khadom shamhod2ولد الفنان العراقي ريكان دبدوب في الموصل عام 1940، ودرس في معهد الفنون الجميلة في بغداد وتخرج منه عام 1961، ثم اكمل دراسته في روما فرع الرسم عام 1965 .و اشتغل ايضا بالنحت على الخشب، وبعد عودته الى العراق اخذ يدرس مادة الفن في جامعة الموصل . وهو احد اعضاء جمعية الفنانين العراقيين وقد اشترك في جميع معارضها السنوية، واقام اكثر من 30 معرضا شخصيا .. وفي عام 1993 احيل الى التقاعد . وفي عام 2017 رحل دبدوب الى دار الآخرة وترك الموصل بدون ربيعين، بعدما افنى كل عمره في الرسم والابداع والتجديد واصبح من اعلام الفن العراقي المعاصر .

مسيرته الفنية:

ريكان هو ابن الموصل العريقة التي اسسها الآشوريون وجعلوا من نينوى عاصمة لهم - 883- 612 ق م – وكانت اقوى و اكبر امبراطورية في ذلك العالم القديم اشتهرت بملوكها العظماء وقصورها ومكتبتها العظيمة ومنحوتاتها المميزة التي نراها اليوم تزين معظم متاحف العالم . ولكن مع الاسف تعرضت هذه المدينة القديمة الحضارية في الفترة الاخيرة الى ابشع واشرس هجمة ارهابية من اصحاب العقول المتحجرة والظلامية، فقد حطموا آثارها واحرقو مكتباتها وهجروا اهلها وسبوا نسائها ..

كان ريكان في بداية حياته الفنية يرسم بتعبيرية واقعية لمشاهد من مدينة الموصل بقبابها ومنائرها وازقتها وتقاليدها المعمارية القديمة، وتذكرنا بعض اعماله احيانا في بنائها المعماري باعمال الفنان نوري الراوي . رغم ان الوانه كانت في البداية يطغي عليها طابع الحزن .و بعد تقدمه فكت اعماله طوق الحزن عنها واشرقت الوانها جمالا وسحرا . وكان ريكان يدرس مادة الفن في كلية الهندسة . وحينما يرسم يلتف حوله طلابه ليتعلموا منه صناعة وطريقة رسم المناظر الطبيعية بصبر وتأني وتقنية عالية . و كان واحد من انشط الفنانين العراقيين واكثرهم غزارة وعملا وحبا لفنه، وكانت اعماله تتصف بالقوة البنائية الراقية ...

اسلوبه:

تحول ريكان الى التجريد كما هي العادة عند مسيرة بعض الفنانين الحديثين وقد شرع مباشرة في بناء اعماله من عناصر واشكال هندسية كالمستطيلات والمربعات والمثلثات والثقوب واشارات رمزية وقد نفذها بشكل تعبيري مختزل على طريقة الفنان الروسي كاندنسكي 1866، واحيانا نرى بعض الاشكال عائمة في فضاء اللوحة كما هي عند الفنان الاسباني خوان ميرو 1893.. وقد استخدم في عمله مواد مختلفة مثل مساحيق الاحجار والرمل وغيرها بالاضافة الى استعمال مواد الزيت حيث اعطت هذه المواد الى سطح اللوحة ملمسا خشنا .. كما نجد احيانا وجوه تعبيرية مختزلة داخل مربعات مع اشارات رمزية وثقوب تتكرر في معظم اعماله .. وكانت اعماله التي نفذها في نهاية الثمانينات وبداية التسعينات كانت كثيفة الالوان زاخرة الجمال ومترابطة، وذكر البعض كانها منحوتات لها بعد ثالث . ويقول ريكان (انا وجدت نفسي الآن ... اريد رسمي ان يكون غريبا) . هذا المقولة تذكرنا بالفنان السويسري بول كلي 1879 عندما زار تونس عام 1914 وانبهر بتقاليد الفن العربي والاسلامي والشمس المشرقة حيث قال (الآن وجدت نفسي ..) . وفي آخر حياته ادخل ريكان الصور الفوتوغرافية في اعماله التجريدية الى جانب مفرداته البصرية القديمة كالاشكال الهندسية والثقوب .

يذكر ان ريكان عادة عندما يرسم منظر ما يقوم بتحويله الى تجريد مثل جداريته الكبيرة – مدينة الموصل – التي نفذت على شكل اربعة اجزاء، فهو يقوم بعملية معقدة من التحويلات حيث يبسط ويختزل ويبني ويعطي لها ملمسا تشع منه تعبيرية وشاعرية جميلة .

تكرار فتحة الانبوب :

ان ما يميز اعمال ريكان هو عنصر فتحة الانبوب او الثقب التي نراها تتكرر مزروعة في جميع اعماله وكانها تمثل هويته، وهي صفة ظاهرة عرفها وشاهدها اهل الفن والنقد منذ انطلاقة ريكان في الفن التجريدي الحديث ولازالت . ومثله كمثل الفنان العراقي حسن عبد علوان حيث نشاهد في اعماله عنصرين متناغمين هما المرأة العراقية والعمارة التقليدية . ونرى امرأة واحدة تتكرر في اوضاع مختلفة وغالبا ما يجعلها طائرة في الفضاء وتشكل الاساس في بناء اعماله التي تحكي حكايات اسطورية من الف ليلة وليلة .. وهكذا نرى ثقوب الانبوب في لوحات ريكان تتكرر باستمرار دون هوادة ..

بعض المراقبين والمحللين للفن يقولون ان تكرار الشكل في اللوحة من معرض الى آخر ومن سنة الى اخرى يعمل على شهرة الفنان بغض النظر عن جودته او جماله، لان التكرار يترك صورته في الذاكرة الانسانية، رغم ان البعض يسأم وينفر من التكرار .. ولهذ نرى بعض الفنانين يجعل هدفه الاول هو البحث عن شئ يميزه عن الآخرين مهما كان الثمن قبيحا او جميلا مقبولا او مرفوضا لدى الناس . بينما لا تخطر هذه الاطروحات على بال رواد الفن الحديث ...  واتذكر قبل فترة في احد المهرجانات الفنية ان احد (الفنانين) عرض مشهدا يعتبره لوحة فنية، تمثل شابا حيا متمددا على فراش ويصرخ بين الحين والآخر ...؟؟؟ كما شاهدت حالة اخرى عرضت في مهرجان مدريد الفني الدولي، لوحة تمثل قدح حقيقي نصفه مملوء ماء وسعره 20،000 الف يورو؟؟ .. وفي مشهد آخر وانا اتصفح وابحث عن تطورات الفن الحديث، وجدت فنانا مهتما بعمل لوحات تتشكل من الازرارات وفتحاتها او ثقوبها، ويكون منها لوحات ملمسية او بارزة او ما يطلق عليه بالنحت البارز الجاهز ؟؟؟ ربما هذه المشاهد (الفنية) الحديثة تدل على الفراغ الفكري والفني والافلاس الذي وصل اليه معظم فناني الفن الحديث .

ريكان دبدوب كان وديع الدردشة وطيب القلب ويشهد على ذلك طلابه، وهو من جيل الستينان الجيل الجاد والملتزم والمبدع والمكافح، وكانت تجاربة وخبرته مستقات من اساتذته العراقيين الرواد، وقد عمقها بدراسته في الخارج، واتذكر انه كان كل سنة يقيم معرضا شخصيا في المتحف الوطني كولبينكيان في بغداد في مطلع السبعينات .... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

satta hashem2اذا صادف يوما ان تكون في لندن في زيارة او اقامة او ماشابه، فحاول ان تذهب الى زيارة متحف (التيت البريطاني)، او يسمى ايضا التيت كاليري، وهذا اسمه القديم قبل انفصاله الى قسمين سنة 2000، الاول هو البريطاني وهذا مانقصده ونطلب منك زيارته، والثاني المودرن او الحديث، ثم قم بزيارة القسم الخاص بالفن البريطاني لفترة الخمسينات، ستعثر على مصغر مجسم لعمل نحتي لنحات اسمه – ريغ بتلر – بعنوان السجين السياسي المجهول، وبطاقة التعريف المرفقة والمثبتة في اسفل المصغر تحمل اسم النحات وعنوان العمل وتقول بأن بتلر هذا قد انجز عمله بين السنوات 1951-1952 وفاز به بالجائزة الاولى في المسابقة الدولية التي نظمتها ودعمتها المخابرات المركزية الامريكية وتحت عنوان – المسابقة العالمية للنحت /السجين السياسي المجهول -،هكذا تقول وثيقة المتحف، (نرفق صورة هذا التعريف).

1494 satie

وحاليا وبعد انتهاء الحرب الباردة فلم يعد الارتباط بالمخابرات امرا مخجلا او محرجا عند الكشف عنه سواءا كان ذلك للمؤسسات ام للافراد، وبالعكس فالافصاح عن مثل هذه الاسرار امرا يخدم المعرفة والحقيقة بالتاريخ وحتى النجومية لمن كان له مثل هذا الماضي من الجاسوسية والدعارة .

ومايهمنا في ذلك هنا هو ان هذه هي نفس المسابقة التي حاول الفنان العراقي الراحل جواد سليم المشاركة بها وقام بأنجازعمل نحتي وفقا لشروطها وبالهام منها في سنة 1952 وبنفس العنوان الذي طلبته المسابقة، ومنذ ذلك الحين في الخمسينات والى الان، ونحن نقرأ ونسمع بدعاية قوية عن عمله النحتي ذاك في كتابات الصحفيين ونقاد الفن العراقيين واصدقاء الفنان تقول :

( فاز نصبه (السجين السياسي المجهول) بالجائزة الثانية في مسابقة نحت عالمية وكان المشترك الوحيد من الشرق الأوسط وتحتفظ الأمم المتحدة لنموذج مصغر من البرونز لهذا النصب)

او بكلمات مبالغة اخرى : (من أعمال جواد المشهورة منحوتته (السجين السياسي) التي قام بتهريبها إلى لندن عام 1953 للمشاركة في المسابقة الدولية مع 3500 نحات حيث فاز بالمرتبة الأولى لفناني الوطن العربي وبالمرتبة السادسة بالنسبة لنحاتي العالم وكان المشترك الوحيد من الشرق الأوسط وتحتفظ الأمم المتحده لنموذج مصغر من البرونز لهذا النصب ).

ولا ادري من اين جاء العراقيون بهذا اللغط الفارغ وهذه الرطانة، فهذه مسابقة عالمية كبرى وقد اصبحت شهرتها في ذلك الوقت تنافس شهرة جائزة نوبل، وعلى مدى عدة سنوات لاحقة اصبحت الشغل الشاغل للمجلات والدوريات الفنية والسياسية على السواء وبمختلف لغات العالم، وجميع الفنانين الذين حصلوا على جوائزها صاروا نجوم بالفن الاوربي والعالمي الحديث.

واريد لها منذ البداية ان تكون رمزا في الصراع الثقافي والاعلامي بالحرب الباردة، وقد كانت هذه المسابقة من الناحية العلنية باسم وتنظيم معهد الفن المعاصر في لندن، لكنها سريا، وبعد اطلاعنا على وثائقئها المتوفرة حاليا للجمهور، فقد كانت من تمويل وتنظيم واعداد المخابرات المركزية الامريكية وكما يذكر المتحف لجمهوره اعلاه، ويدعي كتبة تاريخ الفن بالعراق وصحافته واصدقاء الفنان بان الفنان جواد سليم قد شارك بها وفاز بجائزتها الثانية ولاندري كيف ومتى واين وثائق منحه الجائزة ؟

وقبل ان نكشف بطلان هذا اللغو لابد من تقديم نبذة عن هذه المسابقة اولا، وماهي شروطها واهدافها اصلا، وايضاح بعض الحقائق غير المعروفة لاولئك الذين يروجون تلك الشائعات عن وعي او بدونه.

في كانون الثاني من سنة 1952 نشر معهد الفن المعاصر في لندن الاعلان وشروط المشاركة وعناوين المراسلة، ووجه الدعوات للعديد من دول العالم لحث المسؤولين والنحاتين بالاشتراك في هذه المسابقة.

وكان الداينمو المحرك لكل هذا المشروع والمسابقة هو انتوني كلمان الملحق الثقافي الامريكي السابق لدى السويد الذي عين لفترة قصيرة مدير تنظيم المعهد، والذي وصل الى لندن في سنة 1951 مدعوما بالاف الدولارات من ممولين امريكان مهمين ومجهولين او لايودون الافصاح عن هوياتهم كما كان يقول وكما تقول الوثائق وكان هو حلقة الصلة بين هؤلاء المجهولين - يعني المخابرات الامريكية - وبقية اعضاء لجنة التحكيم التي كان هو على رأسها.

تكونت لجنة التحكيم من عشرة اعضاء نذكر بعضا منهم : الناقد البريطاني المشهور هربرت ريد الذي كان يشغل منصب رئيس المعهد، و رونالد بنروس نائب رئيس المعهد، والناشر اي. سي. كركوري الذي كان يشغل منصبا فخريا كرئيس لقسم المالية في المعهد، وهو ايضا الذي اسس في سنة 1950 في جامعة ليدز لجنة كركوري للزمالات، والتي كان احد اعضاءها النحات ريغ بتلر الذي فاز بالجائزة الاولى فيما بعد (يعني ان العلاقات والوساطات لعبت دورا)، النحات هنري مور الذي كان يشغل منصب مستشار فني في المعهد .

طلب من النحاتين في ذلك الاعلان ان بقدموا مصغرا لنصب كبير يمثل السجين السياسي المجهول، لوضعه في مكان بارز في احدى العواصم الاوربية الكبرى بحيث يتم نصبه ليكون معلما دوليا هاما، وكان هناك تأكيد من قبل المنظمين على ان الماكيت او المصغر المشارك ليس عملا نحتيا نهائيا وانما هو نموذج اولي ينبغي ان يكون ملائما لوضعه في دولة اوربية، وكان اكثر الاماكن تفضيلا لهذا النصب هو مدينة برلين وعلى الحدود بين المانيا الشرقية والغربية.

وفي الاول من حزيران سنة 1952 وهو اخر موعد للتقديم بلغ عدد المتقدمين للمشاركة 3500 فنانا من سبعة وخمسين دولة بالعالم، ولم يشارك العراق ولا اية دولة عربية اخرى بالتقديم لهذه المسابقة، حسب الوثائق التي استطعنا الاطلاع عليها لحد الان .

وقد رفض الاتحاد السوفياتي وبقية الدول الاشتراكية وقتها المشاركة بها لانهم اعتبروا اختيار مدينة برلين لاقامة النصب استفزازا وتعميقا للحرب الباردة، ثم انها جاءت بعد وقت قصير من توقيع الدول الغربية على معاهدة جنيف لسنة 1951 الخاصة باللجوء السياسي، والتي فهمت في الدول الاشتراكية على انها موجهة ضدهم ولدعم خصومهم داخل تلك الدول.

فجميع ما تمكنا من الحصول عليه من وثائق تبين لنا من خلالها زيف تلك الدعاوي التي يرددها صحفينا وكما يلي :

اولا : ان الاشتراك بهذه المسابقة تم عن طريق الدول التي ينتمي اليها الفنانين وليس التقديم بشكل شخصي، بمعنى ان كل دولة عليها ترشيح فنان اوبضع فنانين للمسابقة، وهذا شرط من شروطها

ثانيا : تم قبول اعمال 140 فنانا فقط، كانت دولهم قد رشحتهم بعد مسابقات محلية، فمثلا تقدم 607 فنان من المانيا الغربية وحدها، ولم تقبل منهم لجنة التحكيم الالمانية سوى اثنى عشرة فقط، ومن امريكا تقدم حوالي المئتين وتم قبول عشرة فقط وهكذا مع بقية الدول

ثالثا : لايوجد اسم جواد سليم كواحد من هؤلاء ال 140 في كاتالوك المعرض ولا في المقدمة التي كتبها رئيس اللجنة التي اختارت الاعمال والاعمال الفائزة وهو الناقد الشهير هربرت ريد، ولا اية وثيقة اخرى خاصة او عامة لهذه المسابقة، ولا يوجد اسم فنان عربي واحد اصلا او شرقي معروف او غير معروف ضمن قائمة المشاركين الذين تم اختيارهم.

رابعا : اختارت لجنة التحكيم اثنى عشر فنانا من مجموع 140، لدور شبه النهائي، او لتحديد الفائزين بالجوائز الثلاثة الاولى، وجميع هؤلاء ال 12 فنان هم كالعادة من دول اوربا الغربية

وقد اقيم المعرض الخاص بهذه المسابقة في متحف التيت او التيت كاليري كما كان يسمى، في الفترة من 14 –اذار  وحتى 30- نيسان من سنة 1953 .

ومنحت الجوائز كما يلي :

الجائزة الاولى للنحات والمعماري ريغ بتلر – بريطانيا، وقيمتها 4500 باوند

الجائزة الثانية منحت لاربعة فنانين بقيمة 750 باوند لكل واحد وهم :

مركو باسالديا – ايطاليا، باربارا هيبورث – بريطانيا، انتوني بيفسنر – فرنسا واخيه نعوم كابو – امريكا (هؤلاء اخوة يهود كل واحد يعيش في دولة)

الجائزة الثالثة وقيمتها 250 باوند :

منغازي – ايطاليا، ليبولد –امريكا، ادم – فرنسا، بيل –سويسرا، كالدر –امريكا، جادويك – بريطانيا، هيندر- استراليا

من المعروف ان جواد سليم قد انجز عملا بعنوان السجين السياسي المجهول لهذه المسابقة وهذا مايعرفه الكثيرين وهناك صور عديدة ووثائق لهذا العمل، وربما مازال باقيا في مكان ما او لدى شخص ما، ولكن وفقا لما تعرفنا عليه مؤخرا من وثائق في ارشيف متحف التيت المنشورة والتي ذكرنا قسمها الاساسي اعلاه فان جواد سليم لم يشترك بهذه المسابقة ولم يكن بامكانه المشاركة اصلا، حتى لو كان قد اخذ عمله وسلمه مباشرة الى لجنة المسابقة، والسبب لان شروطها واضحة انذاك وهي الاشتراك عن طريق الدولة وليس بشكل شخصي، ولهذا فلاادري من اين جاءت هذه الدعاية التي تجزم بمشاركته وفوزه ومن روجها ولماذا؟ وكيف اخذت هذه الكذبة كل هذا الوقت دون ان تكشف؟ واصبحت وكأنها حقيقة في اذهان الناس او قل في ذهن جمهور الفن التشكيلي لاتقبل الجدل، لماذا لم يُتعب او يحاول اتعاب نفسه واحد من اولئك الذين يدعون انهم مؤرخين فن او الذين الفوا الكتب عن جواد سليم بأن يتحققوا من حقيقة الامر من الجهات البريطانية الراعية لهذه المسابقة، لماذا لم يدفعهم الفضول لمعرفة المزيد عن هذه الجائزة حتى على افتراض ان ادعاءاتهم صحيحة.

جميع الفنانين الفائزين بالجوائز انفة الذكر، قد اكتسبوا شهرتهم العالمية واصبحوا مؤثرين بالفن الحديث بعد نيلهم تلك الجوائز ومشاركتهم في ذلك المعرض، ومن وقتها اقتنت كافة متاحف الفن الحديث في اوربا اعمالهم وزادت اسعارها بقفزات، واصبحوا بفضل كتابات ريد وتلك الدعاية النموذج الذي اقتدى به كل جيل الستينات اللاحق في اوربا والعالم، اذن لو كان جواد سليم واحدا منهم، وقد حصل ولو حتى على اقل هذه الجوائز شأنا، سوف لن نقول الثانية فلماذا لايذكره احد الان كما يذكر الاخرين؟.

كيف يفوز فنان من دول المستعمرات في جائزة بهذا الحجم وهذه الدعاية الهائلة التي غطت سمعتها الوسط الفني العالمي زهاء خمسة سنوات ويبقى اسمه مغمورا بالعالم، بلا معارض خارج حدود بلاده وبلا تكليفات فنية في دول اخرى، بلا شهرة او مقابلات او دراسات نقدية عن اعماله، خاصة وان رئيس لجنة المسابقة التي منحت الجوائز  هربرت ريد كان يعد اعظم واشهر ناقد فني بالعالم انذاك، ويكفي ان يكتب سطرا واحدا عن فنان ما حتى يصبح ذلك الفنان حديث اهل الفن وحماته حول العالم،اذن لماذا لم يذكر اسم جواد سليم في مقدمته لكاتالوك معرض الجائزة الذي حرره هو واختار جميع المشاركين والفائزين بنفسه ؟ولماذا لم يذكره او يكتب عنه لاحقا حتى ولو ضمن ملحوظة بائخة ؟علما بان ريد هذا مات سنة 1968 وجواد مات سنة 1961 فهل من المعقول ان لايؤبنه ببضع كلمات وهو المعروف في وقوفه وراء شهرة ثلاثة ارباع فنانين اوربا انذاك؟، اسئلة واسئلة وكلها محيرة.

وكيف يعقل ان تمنح المخابرات المركزية الامريكية جائزة بهذه الاهمية لفنان عربي مغمور ليس له ناقة ولاجمل في صراعها مع خصومها في الشرق الاشتراكي وليس من فائدة سياسية ستراتيجية مرجوة منه حتى وان كانت موهبته اعظم من منافسيه جميعا، حيث ان الفكرة وراء هذه المسابقة اصلا هو ليس اكتشاف المواهب والعبقريات بل ان تستعمل كسلاح سياسي ايدلوجي في الحرب ولعكس تصور الغربيين لانفسهم .

اما الكذبة الثانية التي تم تسويقها بدون دليل فهي وجود نسخة برونزية لدى الامم المتحدة لهذا العمل، ولااحدا يعرف في اي مقر من مقراتها وفي اي دولة وباي عاصمة، خاصة ونحن نعرف ان جميع الاعمال الفنية التي تمتلكها هيئة الامم المتحدة موثقة في ارشيف فني ضخم يستطيع اي باحث او اي انسان عادي مراسلة الجهات المختصة والحصول على المعلومات المطلوبة، والسؤال لماذا يخلو هذا الارشيف من عمل جواد سليم البرونزي ان وجد ؟ بينما يحتوي على تبويب وفهارس لفنانين اخرين من الشرق الاوسط، اين يوجد هذا العمل البرونزي المزعوم؟

بالواقع وكما يبدو لنا الان من هذا السرد، فأن المتسبب الاول في كل هذا الهراء ربما هو المترجم والناقد الفلسطيني جبرا ابراهيم جبرا، صديق جواد سليم واحد اكثر المعجبين باعماله، وقد يكون هو مخترع قصة مشاركته بتلك المسابقة وفوزه، وليس عندي الان كتابه عن جواد سليم الذي نشرته وزارة الاعلام سنة 1972 ضمن كتب السلسلة الفنية، لكي اعيد قراءته لاستطيع التأكيد او النفي، ولكن على ما اتذكر ففي هذا الكتاب يذكر جبرا هذه الكذبة، ولا ادري هل كان ذلك حبا بجواد سليم ام سعيا لاستغفال العراقيين، اتمنى ان يقوم الان واحدا من نقاد الفن في بلادنا والمواكبين لتطور الفن العراقي بعرض مفصل لكل ماذكره جبرا بهذا الخصوص .

كم يؤسفني عرض هذه الحقائق التي اكتشفتها لاول مرة بالصدفة في نوفمبر سنة 2011 ولم أشأ الكتابة عنها كل هذه السنوات وبلادنا تعيش كل هذه الماسي والتعاسات التي لانهاية لها، وسوف اكون سعيدا جدا اذا ما تقدم احد الباحثيين الجادين بما هو عكس ما تقوله الوثائق التي اطلعتها عليها لحد الان، غير ان الاماني تبقى اماني ولابد لنا يوما ما من كتابة تاريخنا كما هو وبلا رتوش .

وباختصار نكرر بان جواد سليم قد نفذ عملا نحتيا باسم السجين السياسي المجهول، وهذا مالايناقش به احد، لكنه وفقا لما منشور من وثائق من تلك المسابقة، فانه لم يشترك بها اصلا، ولم يتم اختيار عمله ولا في اي مرحلة من مراحلها، ولم يفوز باية جائزة من جوائزها ولم يعرف به ولابعمله احدا من منظمي اوداعمي هذه المسابقة للنحت لا سابقا ولا لاحقا، وان كل ماقيل عن هذا الامر لايعدو كونه غير وهم وقد تلبس عقول العراقيين.

 

ساطع هاشم

...........................

للمزيد من المعلومات

http://www.tate.org.uk/art/artworks/butler-working-model-for-the-unknown-political-prisoner-t02332/text-catalogue-entry

https://www.moma.org/calendar/exhibitions/2421

https://espionart.wordpress.com/2013/07/12/monument-to-the-unknown-political-prisoner/

 

mohamad alshawi"بعض الرسامين يحولون الشمس إلى بقعة صفراء، والبعض الآخر يحول البقعة الصفراء إلى شمس." بابلو بيكاسو

لا شك أن كل مهتم بتدريس الفن التشكيلي بالمغرب سيلاحظ حتما وجود تعدد وتدرج في مدارس ومذاهب تدريس الفنون التشكيلية؛ أنواعاً مختلفة من التقنيات التي تروم تقديم دروس نظرية وتطبيقية للطلاب الفنانين .

لكن السؤال الأساس لهذه الدروس يرتبط بديداكتيك تدريس الفن، والمراد به منهج تلقين الفن وطريقة تدريسه للطلاب. فهو بتعبير أكثر دقة: العلم المرتبط بعملية التدريس. فكما أن لكل مادة من المواد التي تُدرس في المؤسسات التعليمية ديداكتيك تدريس خاص بها، مثل ديداكتيك اللغة العربية والفرنسية والرياضيات ... فإن للفن أيضاً ديداكتيك وبيداغوجيا ومناهج وطرق متعددة لتدريسه. وعلى هذا الأساس يمكن طرح التساؤل الآتي:

ما طبيعة وخصائص ديداكتيك الفن بالمغرب؟ وعلى أية أسس ومقومات يقوم هذاالديداكتيك؟

في تقديرنا فإنه يصعب على كل من الفن والفلسفة القبض عليهما بديداكتيك معين بالنظر إلى التخصصات المعرفية الأخرى، بل إن الفن نفسه خرج من رحم الفلسفة .

من هذا المنطلق صار الفن التشكيلي وغيره من الفنون الأخرى التي تدرس في المعاهد كالنحت والرسم والصباغة و الفنون البصرية والجميلة في الوطن العربي عامة وبالمغرب خاصة، مرتبطاً بعملية اجتهاد خاص بالأستاذ الفنان الذي يُدرس في غالب الأحيان مجال تخصصه، أو نفس موضوع شهادة تخرجه من نفس المعهد أو دبلوم الدراسات العليا الذي أنجزه خارج الوطن.. ولا نستغرب أن يدرس مادة من مواد الفن لا علاقة له بها غير الخير والاحسان وهكذا دواليك. والنتيجة أن طالب الفن تم تنميطه وخندقته وفق أفق تفكير أستاذه، ورهين تصوره البصري. وهذه مسألة قد نقبل بها في السنة الأولى للتكوين، لكن أن يصاحب هذا التوجه جل مسيرة طالب الفن التكوينية، فهذا أكبر خطأ يعتري التوجه البصري والتكويني بمعاهد الفن عندنا .

أضف إلى ذلك تموقع الطلاب في عباءة أستاذهم الفنية وعدم السماح لهم بالخروج منها وإلا تعرض للعقاب المرتبط بالنقطة. طبعا لأن المعيار هنا هو إرضاء الأستاذ وليس فتح أفق للتفكير البصري في وجه هذه الفئة التي حصرها هؤلاء في محطة أولى من محطات التعلم ولم ترتق للمحطات الأخرى لكي تعانق الإبداع وتكتشف أسراره الدفينة.

عجبا لكم أيها السادة الأساتذة مازلتم لم تفهموا أن طلابكم لا يفهوا ..!!

نعم لا يفهمون حقيقة الفن وجوهره، تلك المهمة الملقاة على عاتق من يمتلك حساً وشعوراً فنياً لخلق الأفكار الجمالية. ويحكم لقد سجنتم طلابكم في زنزانة توجهاتكم ومدارسكم الفنية..!! أتركوهم لكي ينسجوا على منوالهم و يبرزوا لنا ما حصدوه من ثمار أزهاركم طيلة سنوات التكوين والبحث.

إن وظيفة الفن كما حددها الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في كتابه المشترك مع فيليكس غواتاري حول موضوع: "ماهي الفلسفة ؟"، هي وظيفة خلق الأفكار الجمالية. أما العلم فوظيفته ارتبطت بخلق التخصصات والمعارف. بينما الفلسفة فإن وظيفتها هي صناعة المفاهيم. فل تدعوهم يخلقون الأفكار الجمالية ويسارعون إلى تفعيلها.

في نظرنا لا يمكن أن يكون ديداكتيك الفن عبارة عن مقاطع جوفاء من دروس نظرية وتطبيقية، فهو ديداكتيك قائم بنفسه يساءل الفنان ويقدم له الجواب ويطرح أسئلة أخرى ترتبط بفلسفة تدريس الفن، وهي فلسفة عمادها تاريخ الفن ومذاهبه كما مارسه محترفو الفن ورواده . فضلا عن كون مستقبله رهين بما تعرفه العلوم من تطور ومعارف في شتى المجالات .أما أولائك الذين مازالوا يعتقدون أنهم قساوسة الفن ورهبانه وكرادلته، فإنهم يقولون قولا بئيساً يعود بنا إلى القرون الوسطى .

لا حرج عليكم أيها الرهبان، لقد صار الكل يعرف بأنكم كاتوليكيي المذهب.فل تترقبوا ثورة بروتستانتية جديدة لصغار الرهبان والراهبات من طلابكم، وهم طلاب لا يقيمون القداس على منوالكم، لقد تركوا لكم القداس وحطموا جذران كنيستكم وخرجوا من عباءتكم نحو عالم الحرية والتفكير الحر الذي خُلق الفن من أجله. فروحه هي روح التجديد والتعبير عن قضايا العصر . وقد صدق الفنان التشكيلي الراحل محمد شبعة حينما قال مخاطبا هؤلاء وهو يوجه طلابه نحو المسار الذي ينبغي عليهم إتباعه: "اجعلوا للتشكيل مكانا في حياتكم، واعملوا على تحريره من أسر النص الجاهز، وامنحوه استقلاله وتميزه".إن استقلال التشكيل وتميزه هاهنا يكمن حسب ملفوظ القولة في تحرره من كل ما هو جاهز ونمطي، ساد على مر عصور داخل الأعمال الفنية التي كانت نموذجا بصم على مخيلة الفنان المغربي ولم يتخلص منه، بل إنه ظل يكرره، إن بطريقة أو بأخرى. مما جعل المتلقي يصنف التشكيل في قالب بعينه من خلال التيمات التي سادت داخل دور العروض وهي تيمات ظلت مشتركة بين الفنانين آنذاك وما زالت إلى يومنا. فالمعنى الحقيقي للتشكيل لا يمكن أن يستوعبه طالب الفن إذا لم يعمل على بناء ركيزة فلسفية منهجية يقوم عليها تفكيره الفني والجمالي، الشيئ الذي سيؤدي حتما إلى فتح آفاق رحبة للخروج من دوامة إعادة الإنتاج نحو الإبداع.

عموما وتأسيسا على ما سبق فإن سؤال الفلسفة هو الكفيل بإخراج الدرس التشكيلي في معاهد الفنون من صناعة الفنان الحرفي نحو صناعة الفنان المبدع الذي لا ينسج على منوال الآخرين، بل إنه يتجه نحو منوال خاص به وبالتالي فإنه حسب تقديرنا يستطيع بناء مسار خاص به سيعطي لأعماله تميزا وقيمة جمالية وعلمية.

 

د. محمد الشاوي - فنان تشكيلي مغربي وأستاذ فلسفة

 

khadom shamhod2يعتبر الرسام الهولندي ميغيرين من اكبر مزوري اللوحات في العالم Henricus Meegeren 1889-1947 . بدأ حياته هاويا للرسم ثم اصبح رساما وبدأ يعرض اعماله للجمهور ولكنه لم يوفق في فنه ولم يلاقي اي ترحيبا من الجمهور ونقاد الفن . ولهذا قرر ان يثبت لهؤلاء ذكاءه ونبوغة في طريقة اخرى . حيث اصبح تاجر للفن واخذ يعمل على تزوير لوحات عظماء اهل الفن ويوهم الآخرين بانها اصلية . وكان ميغيرين قد بدا بدراسة المواد التي يستخدمها الرسامون في القرون السابقة من طريقة تراكيباتها الكيمائية وطريقة خلط الالوان واستخدام النار في تجفيف الالوان الزيتية وكذلك اظهار الشقوق واستخدام فرشاة لها شعر ذلك الوقت ومادة القماش الاصلي الذي يعود الى 300 سنة والخشب وغيرها من طرق رسم ذلك الزمان ..

في نفس الوقت كان هتلر واحد مساعديه الجنرال هرمان غورين Hermann Gorin 1893-1945 - من اكبر مقتني وجامعي اللوحات العالمية، كما يذكر ان هتلر كان قد مارس الرسم، واتذكر اني قد شاهدت له على الاقل لوحتين في متحف طهران . وبعد احتلال المانية النازية لهولندا، كان الجنرال غورين يبحث عن اعمال الرسام الهولندي Johannes Vermeer 1675- 1632 .(والحديث عن بيرمير العظيم يحتاج الى مقامة خاصة) وبيرمير مات مبكرا ولم يترك من الاعمال المنسوبة له سوى 33 او 35 لوحة ويعتبر من عظماء فن العصر الذهبي النورياندس .

وفن الباروك .. الجنرال غورين عثر على على احد مساعدي تاجر اللوحات ميغيرين المذكور سابقا وطلب منه شراء عدد من اعمال بيرمير، ولكن مساعد التاجر اظهر له صعوبة ذلك وغلائها كونها نادرة . ويذكر ان الجنرال قدم له 200 لوحة اصلية لعظماء عصر النهضة مقابل لوحة واحدة لبيرمير، وكان سعر هذه اللوحات في ذلك الوقت 11 مليون دولارا، بالتالي تبادل الاثنان الاعمال وانتهت الصفقة .. واللوحة التي بيعت تمثل – السيد المسيح مع عدد من الاشخاص –

وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانتصار الحلفاء وتقاسم الغنائم . عثر الحلفاء على آلاف اللوحات الاصلية والتي تعود الى عظماء الفن الاوربي مخفية في انفاق، منها مجاميع ومقتنيات الجنرال غورين . وقد وجدوا فيها لوحة – السيد المسيح .. للرسام بيرمير Vermeer وبعد التحقيق عرفوا بائع اللوحة وهو التاجر الرسام ميغيرين .. استدعي ميغيرين الى المحكمة في تاريخ 29/5/ 1945بتهمة بيع اعمال بيرمير الى الالمان والتي تعتبر تراث للامة الهولندية وبتهمة اخرى هي التعاون مع النازية؟. ولكن ميغرين ادرك الامر في نفس اللحظة وقال للمحكمة يا سادة ان هذه الاعمال مزورة ومقلدة وليس اصلية وانا كنت الرسام المزور؟ وانا مستعد اقوم بتجربة الاستنساخ والتزوير امامكم، فسمحوا له وقام بعمل ذلك ؟؟؟ فاندهش الجميع وصدرالحكم بالسجن لمدة سنة واحدة . ويذكر انه قال بعد اصدار الحكم (الآن عرفت ان هناك اثم في العالم) . ولكن سوء حض ميغيرين قد اوقعه هذه المرة ولم يستطيع الافلات منه، فقد مات بعد اسبوع من اصدار الحكم بسكتة قلبية في 30/12/1947 ..؟؟

هذه القصة احدثت رجة وقلق كبير في صفوف مقتني وتجار اللوحات، وهي ان تكون بعض لوحاتهم التي اشتروها بالملايين الدولارات مزورة وغير اصلية .. وكان من الصعب كشف اللوحات المزوره في ذلك الوقت خاصة ان المزورين كانوا من الحذاقة والذكاء يقلدون الاصلية بكل موادها ومفاصلها القديمة . ومن جهة اخرى لازالت الاجهزة العلمية يومذاك غير قادرة على كشف المزيف .. وبقى الخبراء والنقاد في حيرة وتسائل طيلة القرن العشرين حتى عام 1977 حيث كان التاجر والرسام ميغيرين Meegeren محل نقاش وجدل واعتبروه عبقرية في التزوير والتقليد لا مثيل لها في التاريخ ..

الاصلي والمزور:

هل ان التزوير لازال قائما في اللوحات الفنية؟ وماهو الاختلاف بين الاصلية والمزورة؟ يجيب عليه بعض النقاد بنعم وان تقنيات المزورين في تسابق مع اجهزة الكشف؟ حيث ذكر البعض انه يوجد هناك نسخة مزورة للوحة موناليزا. وان اللوحة المعلق في اللوفر لا يعرف هل هي الاصلية ام المزورة؟ وان الزوار عندما يشاهدونها تصعد مشاعرهم بالاعجاب والاثارة والاندهاش وربما يأتون من بلدان اخرى لرؤيتها، ولكن لو همس احد في اذن احد المشاهدين وقال له انها مستنسخة وليس الاصلية ؟؟ ماذا يحدث ؟ بالتأكيد ستهبط مشاعر الاعجاب الى الصفر وينصرف عنها؟؟ ولنقل بشكل آخر لو ان احد الرسامين قلد احد لوحات فان كوخ بالتمام والكمال ووضع توقيع فان كوخ وربما خرجت افضل من الاصلية من ناحية حداثة الالوان والقماش وغيرها .. ثم قال للناس هذا فان كوخ ؟؟؟ فمن المؤكد ستتدافع الناس لرؤيتها مبدية اعجابها وسرورها وستشتغل كامرات التصوير والفيديوات حتى السماء ؟؟ ؟؟ اذن المسألة تتعلق في التاريخ وليس بالعمل ومفهوم اللوح يذهب الى القلب ليتعاطف او يرفض.. وبالتالي فان البعض يقول ان العمل الفني هو في ذهن الانسان وهي عبارة عن رسوم اكينوس مبرمجه حسب عدة عوامل او قيم تحددها وتصنفها وتحكم عليها . ...تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

mohamad alshawiلماذا محمد خصيف باحثاً في اللامفكر فيه؟

ولماذا أيضاً محمد خصيف طبيباً معالجا للجسم التشكيلي بالمغرب؟

يقول الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر في كتابه: "الهوية والإختلاف"  "identité et différence " وهو يتحدث عن أبحاثه الدؤوبة في فهم التراث الفلسفي مقارنا نفسه بالفيلسوف هيجل:

" إن قانون الحوار مع التراث التاريخي بالنسبة إلينا هو ذاته بالنسبة لهيجل، حيث إن الأمر يتعلق ببلوغ الفكر الماضي في دقته وقوته. إلا أننا لا تبحث عن تلك الدّقة فيما فكر فيه المفكرون، وإنما فيما لم يفكروا فيه، في اللامفكر فيه impensé، ذلك اللامفكر الذي يستقي منه المفكر فيه ماهيته. بيد أن المفكر فيه هو وحده الكفيل بأن يمهد لما لم يفكر فيه بعد."1

يتبين من خلال هذا الملفوظ أن اللامفكر فيه هو القادر على إعادة بناء حوار مع التراث التاريخي والفلسفي الذي ما زال يسكن راهننا، من خلال طرح تساؤلات وقضايا ومطارحات لم يفكر فيها المفكرون، إذ على أساسها تتسع دائرة التطور والإستمرارية وفق صيرورة تاريخ الفلسفة.

فكيف فكر الفنان التشكيلي والناقد محمد خصيف في اللامفكر فيه بالنظر إلى منجزات التشكيل المغربي؟ بتعبير آخر كيف عالج محمد خصيف اللامفكر فيه من خلال منجزاته التشكيلية الخاصة التي استقى من خلالها تجربةً فريدةً وسمت أسلوبه التشكيلي؟

إن الجواب هاهنا يستدعي منا تحليل الأعمال التشكيلية التي أنجزها الفنان محمد خصيف ولا سيما منها تلك التي تأسست على أنقاض التوجه التجريدي الموسع والرحب الذي وسم بصمةً دلاليةً وتأمليةً في لوحاتهِ المتعددةِ،  التي وقع عليها اختيارنا، لا سيما تلك التي أنجزها إبان الثمانينات من القرن العشرين إلى الآن.

وهي لوحات ذات تقنيات متعددة ومختلطة على اللوحة/ الحامل بطريقة نسقية تجعل من الكل سابق على بنية الجزء، وأيضاً الجزء لا يكتمل إلا بالكل. إنها ألوان متدرجة وأشكال مختلفة في الحجم والكتلة وكذلك في فضاء اللوحة فإنه فضاء شبيه بالبنية الجيولوجية للأرض في بنيتها الجوّانية، والقشرة الأرضية ومكوناتها البرّانية التي درسها علماء الكون في أبعادها الماكرو كوسمولوجية والميكرو كوسمولوجية.

لقد اتفق نقاد الفن التشكيلي على فكرة مؤداها أن اللوحة هي التي تعبّرُ عن الفنان وتتحدث بلسانه. كما أن للفن التشكيلي أبواباً وتوجهات رحبة ومتباينة تارة ومختلفة تارة أخرى، بل إن هناك قواعد وأشكال وأنواع بصرية تأثر بها الفنان محمد خصيف داخل تجربته الخاصة وفي صميم ما هو مفكر فيه إذ على أساسها كان باحثا في اللامفكر فيه.

فتأثره بفن النهضة يظهر في مطارحاته الدينية والتاريخية التي وسمت كتاباته النقدية عن تاريخ الفن وموقع الفن العربي الإسلامي من هذا التاريخ.

وفن الواقعية تأثر به حينما كانت مرحلة البحث والتشكيل بمطارحة قضايا  وموضوعات  ذات الارتباط بإشكالية الهوية المغربية وسؤال الحداثة الذي لم يكتمل مشروعه في التشكيل المغربي بعد.

 ويظهر أيضاً تأثيره بالفن الانطباعي في أعماله الربيعية التي تعود بنا إلى منتصف الثمانينات، وتحديدا  مراكش الحمراء التي كانت مسقط رأسه، حيث بحث فيها عن الطبيعة والحياة والهواء الطلق، وتلك العناصر الأربعة المكونة للوجود، والتي جمعها الحكيم أنبادوقليدس في نظريته بعد طاليس، وأنكس مانيس، وهيراقليطس وأنكساكوراس...

وتأثيره بالفن السوريالي يظهر لنا في أحلامه الجميلة على قماشه التي عارض فيها وبشدة أفكار البورجوازية باحثا عن أشكال تعبيرية تسمو وتعلو عن الواقع الاجتماعي.

وفي فنه التعبيري؛ فإننا نجد معارضة ناطقة برسومات وأشكال من صميم المعانات اليومية، أي تلك التي تعبر عن آلام المجتمع وحقيقته، وتحضرنا بهذا الصدد لوحة "الرجل الذي يعاني من إعاقة حركية بقدميه"، والتي تعبر بصدق عن معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة في مشهد من صميم الحياة اليومية.

أما الفن التجريدي عنده  فإنه يتخذ لغة اللون البصري، تلك اللغة الخاصة التي ترتبط باللامفكر فيه، وهو ما يستدعي من الناقد أن يقوم بالتأويلات متعددة للخروج من المعنى المجازي نحو المعنى الحقيقي الثاوي خلف لغة الألوان وتداخلاتها التي تعبّر عن المسكوت عنه والمضمر والمبهم...

يرصد لنا محمد خصيف في حواره مع التاريخ ليس بمعناه الجاف الذي يدل على ما مضى ويشكل ذاكرة للإنسان، إن التاريخ عنده الماضي والحاضر والمستقبل في علاقة جدلية السابق فيها يؤسس للاحق.

يقول الفنان الروسي مهادين كيشيف Muhadin Kishev : "على اللوحة الفنية أن تكون جميلة في أي أسلوب كان تصميمها".  و اللوحة التجريدية؛ الجيدة التصميم لا تأتي من فاعل الصدفة والعفوية بل إنها تحمل مقياس وقواعد أساسية كما هي اللوحة الواقعية. ويضيف. إن الفن التجريدي أصعب من الواقعي لأنه يحتاج لدقة التعبير وأن لا ينقص أو يزيد فيه شيء . يخطئ من يظن بأن الفن المعاصر والفن التجريدي هو سهل التصميم .

نحن أمام لوحات تشكيلية ذات لغة خاصة امتاز بها الفنان محمد خصيف، إنها لُوَيْغة داخل اللغة.

les  beaux livres sont écrits dans une sorte de langue étrangère ..." Marcel Proust 

إن الكتب الرائعة كما يقول بروست هي المكتوبة بلغة خاصة (لُويغة) داخل اللغة، وهذا ما عبَّر عنه الفيلسوف جيل دولوز بالتمتمة داخل اللغة. أي أن الكاتب المبدع هو الذي يبتكر لغة خاصة به داخل لغته التي يمارسها، فكذلك هو الشأن بالنسبة للفنان التشكيلي فإن المتلقي يعرفه مثلما يعرف الأديب المنفلوطي والشاعر محمود درويش والعقاد والمزيني وكتبات محمد أديب السلاوي...

كذلك نعرف محمد شبعة والجيلالي الغرباوي وفريد بلكهية ومحمد القاسمي ومحمد خصيف ومحمد الجعماطي ومصطفى النافي...

إنك ستتعرف على الكاتب وكذلك الفنان دون أن أدلك عليه لأنهم صنعوا لأنفسهم لغة خاصة  فقد قاموا بتحويل نصوص ولغة أخرى وأعمال تشكيلية لمثون تشكيلية من الريبرطوار الكوني والمشترك الإنساني فصقلوا من ينبوعه تجارب لهم. أقول ومن خلال معرفتي بأنه لا وجود لعمل تشكيلي بُرَاءْ، بل إن كل عمل لا بد وأن يتداخل مع أعمال أخرى، لأن العمل الفني الخالص لا وجود له. إن لغة الفن التشكيلي التجريدي في ماهيتها هي مسعى وطريق مضمر لا يفصح بها الفنان التشكيلي عن نفسه، إنها لوحات تحكي عن الفكرة التي تنتمي إلى عالم الفكر الذي يصعب القبض عليه إلا بمعية السند. لأن الفكرة البصرية هي  التي تتبدى لنا باللون المعبِّر عن عمق الموضوع. ولهذا فإن الذي يبحث عن جمال الطبيعة في اللوحات التجريدية فإنه من الصعوبة بمكان رؤيته. إننا نجد أن لغات العالم مختلفة ومتنوعة، فكذلك هو الشأن بالنسبة للغات التشكيلية. إنها لغة التعبير     لا تحتاج إلى  ترجمة وهذا معروف عند المهتمين بالتشكيل والموسيقى. 

1492 khassif

إن الفن التجريدي هو الذي أسعف الفنان محمد خصيف في التعبير عن  قلق وجودي يعتري أفق تفكيره؛ ليشدو من خلاله نغمات الوجود في علاقته بالموجود الإنساني الذي اختفى داخل" أبنية فراغ"، إنها تلك التي حصرت وحدّدت حرية الكائن البشري وفق نمط محدد في الزمان والمكان.

ويظل سؤال الشكل واللون يُؤرقُ المتلقي الذي يريد فهم أفق تفكير هذا الفنان ونمط صياغته للغة التشكيلية التي وسمت أعماله. فما هي هذه اللغة؟ وعلى أية أسس ومبادئ يمكن فهم وتحليل الخطاب التشكيلي الثاوي داخل هذه الأعمال؟

في تقديرنا يصعب المجازفة بالقول بأن لغة لوحات الفنان محمد خصيف تستدعي قراءة واحدة فحسب أو تأويلا بعينه. إنها جماع للعديد من التحليلات التحتية والفوقية، ولتأويلات ترتبط بسيكولوجية المتلقي وبمستوى تفاعله مع ضربات الريشة وتشابك الخطوط المستقيمة والمائلة في قوالب قد تبدو نمطية للبعض إلا أنها ليست كذلك.

ربما هي عودة الروح للجسد أو تقابل الظاهر مع الباطن، والوجود مع العدم...

 تلك التي ارتبطت بالميتافيزيقا الغربية.إن القراءة الإستيطيقية التي نروم اعتمادها في تحليلنا  لهذه اللوحات تقوم على أساس مركزية اللاشعور الإنساني ومدى سيطرته على الحياة النفسية للإنسان، إنها شبية بفرضية اللاشعور التي دافع عنها فرويد باعتبارها ثورة علمية تضاهي ثورة كوبيرنيكوس في الكوسمولوجيا وثورة شارل داروين في حقل البيولوجيا.

إن هذا اللاشعور الذي يختفي خلف تعبير الفنان محمد خصيف  يتخذ صبغة جماعية مشتركة شبيه شيئا ما باللاشعور الجمعي    ل كارل غوستاف يونغ وكذلك غوستاف لوبون.

إنه مظهر تجريدي اخترق الحامل لكي يفصح عن  "أزمة التشكيليين المغاربة"  وضياع الإنسان المعاصر في صلب البنى المشكلة لمنظومة المجتمعات المعاصرة، ولا سيما في الإقتصاد والسياسة والثقافة، هذا الثلاثي الذي تتضارب في طياته جل هموم المثقف المغربي.

ولأن الفنان أبى أن يصوغ موضوعا بعينه يسري  على مضمون اللوحات، وذلك لفطنته الجمالية بأن المتلقي هو الذي ينبغي أن يحدد الموضوع وأن يستجيب للحامل لكي يحصل التفاهم.

وكما يقول المنفلوطي :

" محال أن يعجز الفاهم عن الإفهام"، فإننا نقول في سياق آخر : محال أن يعجز الفنان فهم صديقه الفنان، ولمَ لا أن يقوم  بعملية الإفهام لجمهور المتلقين للفن التشكيلي..؟

يبدو أن النسق الذهني المشكل لأعمال محمد خصيف التشكيلية يغترف من حقول متعددة تسعف هذا الفنان والإنسان في بلورة خطاب تشكيلي تجريدي يعبِّر من خلاله عن تداخل هذه الحقول نفسها، مؤثثة لمفاهيم تشكيلية يمكن أن نستنبط منها مفهوم الذوق والنغمة والخيال والزمان...

إذ يظهر الذوق في طبيعة الألوان ومدى انسجامها داخلة بنية موحدة يكون فيها السابق يؤسس للاحق. أما النغمة فإنها تظهر في تكامل عنصر الذوق مع التعبير الجمالي في هرمونيةٍ تشكل كلا متكاملا ووحدة عضوية.

وبالنسبة للخيال فإنه نواة الأعمال  ولبنتها الأساس، إنه هو الكفيل بإضاءة الحامل وبلورته في قالب جمالي يفتح أفاقا رحبة لإسمرارية التأويل وتعدد الرؤى. وأخيرا فإن للزمان معنى يعبر عن ثلاثي لا محيد عنه: الماضي والحاضر والمستقبل  في شكل سنكروني ودياكروني، إنه زمان يعي الفكر في أنماط متعددة، وفي صيغ متنوعة من معيشه اليومي الذي مافتئ يطرح قلقاً وأسئلة مستقبلية لم تتم الإجابة عنها بعد.

لقد قطع الفن التجريدي مسافات طويلة جداً أكثر من قرن على ظهور هذا الاتجاه وذلك منذ أول خطوة دؤوبا سنة 1910 في عمل للفنان الروسي باسيله كاندنسكي. بل إننا في راهننا فما زال الفن التجريدي صعب النفاذ عند بعض المجتمعات التي مازالت متأخرة الذوق كما هو الشأن بالنسبة لوعيها البصري. إنه فن يعيش في دول متقدمة وفي أرق المتاحف العالمية ويدرسه النقاد والمهتمون بالدوريات والمجلات المتخصصة، بل إن أعمال الفن التجريدي مازالت مغتربة عندنا كما هو شأن اغتراب الحداثة ببلادنا. فهناك من الفنانين من رفضوا الحداثة وآخرين من داخل نفس الاتجاه التجريدي يمارسون دون أذنى وعي فلسفي ونقدي به، وهذا ما يرفضه الفنان والناقد محمد خصيف في كتاباته النقدية التي طَبَّبَ من خلالها جروح التشكيل بالمغرب محاولا إسعاف ما استطاع بمعرفته العلمية والأكاديمية التي تلقاها طلابه ومتتبعي سلسلة دراساته الإكلينيكية على التشكيل المغربي، وهو يدرس كل حالة على حدى فمنها ما طبق عليها العلاج النفسي وأخرى استدعت الأدوية من أقراص ومرهمات وشراب وكبسولات، ومنها ما استعصت عليه فكان الحل هو العلاج الكميائي،  وفي المرتبة الأخيرة كانت تقنية العلاج بالصدمات الكهربائية التي طبقها في ردوده على سياسة المعارض بالمغرب، وعدم الالتفات لدور الفنون التشكيلية في مجال التربية والتعليم ومسألة الخلط بين الحديث والمعاصر، ومشكلة الحداثة التشكيلية بالمغرب من خلال نماذج لفنانين رواد، محطات من تاريخ التشكيل بالمغرب...

ناهيك عن دراسات ومقدمات باللغتين العربية والفرنسية لكاطالوغات الفنانين، فمنهم مجايلين له وآخرين شباب جُدد ما زالوا يبحثون عن ضالتهم. أضف إلى ذلك مقالاته الجادة والنافذة إلى النقد العلمي بجريدة العلم و لوبنيون وكذلك بمواقع إلكترونية وازنة داخل المغرب وخارجه.

 وأخيرا نجد سلسلة دراساته الإكلينيكية للحالة الفنية التي اتسمت بها شخصية كبور في سرديات نقدية حول موضوع: "مصير فنان" يقول واصفا موت والدة كبور العبسي ومآله بعدها:

"كانت وفاتها ثقلا عليه إذ واجهته صعوبات جمة وقت تجنيزها، ولولا تدخلات الجيران وسكان الحي ما كان الجثمان ليواري التراب في حينه. تلك عادة ألفها سكان الأحياء الشعبية بالمدن العتيقة، تراهم يتكفلون بما يلزم جنازة الميت، من حفر القبر وشراء الكفن وحنوط وتغسيل ودفن وعشاء. هذا إذا كان أهل الميت في عسرة، أما إذا قام الأهل بما يجب، فيكتفي الجيران والأقرباء بتوفير الأطعمة، طبقا لما جرت عليه السنة، وتيمنا بقول الرسول صلى الله عليه وسلم،حين وصله خبر استشهاد ابن عمه جعفر بن أبي طالب: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم أمر يشغلهم أو أتاهم ما يشغلهم».

أغلقت كامل أسباب الرزق في وجه كبور، وتراكمت الأوراق المرسومة التي ملأت جنبات البيت، وفي غياب باولا بقي كبور حائرا في كيفية ترويجها. أيعود إلى الساحة العمومية لينشرها كما كان في السابق، أم يبحث له عن مجمع آخر يبيع له ما أنتجه. اتصل بباولا مرات عديدة، لكنها في الأخير أخبرته أنها منشغلة ولن تتمكن من زيارته. هي طبعا كانت لها اهتمامات أخرى، المعرض الذي أقامته ولوازمه من اتصالات بالزبناء والصحافة، والتنقل المستمر إلى المطبعة... في ذلك الوقت كانت قد طوت صفحة كبور العبسي وغيبتها من أجندتتا، وفتحت صفحات أخرى غيرها، ولن تعود الكرة مرة ثانية إلا بعد حين. فعلاقتها بكبور لم تكن أبدا علاقة مودة ودعم وعَضُدٌ، بل علاقة بيع وشراء ومتاجرة ليس إلا. فلا يهمها حاله إن أكل أو بات جائعا، اكتسى أم بقي عريانا. نعيت إليها أمه ولم تكثرت. لم تهاتفه ولو بكلمة واحدة. "

إن الأستاذ والتشكيلي محمد خصيف حالة فنية وقامة أكاديمية،  فقد استطاع أن ينجح في تحريك مشاعر وذوق المهتمين بالفنون التشكيلية وذلك فيما خطه بيده من كتابات ودراسات جادة مستثمرا وبدقة متناهية ما قاله كلايف بل في كتابه الفن:

"(...) قد يستطيع الناقد إزاء كل لوحة لم تحرك مشاعري أيلفت إنتباهي إلى أشياء أغفلتها في اللوحة إلى أن يقع لي الانفعال الجمالي فأدركها بوصفها عملا من أعمال الفن. إن وظيفة النقد هي تبين تلك الأجزاء التي من شأنها حين تتحد أن يفضي مجموعها، أو بالأحرى نظامها، إلى إنتاج الشكل، فليس بإمكانه أن يرغمني على الانفعال ما لم ينجح في أن يجعلني أرى شيئا ما يحرك مشاعري"

وهذا ما تفوق فيه الناقد محمد خصيف، كما أنَّهُ على استعداد دائم للرد على أولائك النقاد الذين لا يعرفون أنه لا معنى بأن يخبروننا في كتاباتهم أن شيئا ما عملا فنيا، بل بالأحرى أن يجعلنا هؤلاء نرى ذلك..!!

إن تأملا معيناً للربط بين محمد خصيف باحثا عن اللامفكر فيه و طبيبا معالجا للجسم التشكيلي بالمغرب في علاقته بالأعمال/المحك أو السند فإننا نؤكد في هذه الورقة أن هذا التأمل في سعي نحو تبين علاقته بأفق نظر المتلقي، إذ لا نستمتع فقط بجمالية الشكل وسمة المضمون، بل إننا مع محمد خصيف نعيد إختيار أنفسنا ووعينا بإعادة قراءة أعماله التشكيلية ونظيرتها النقدية المكتوبة، والتعرف عليها من خلال جديدها وجديتها العلمية. إنها أيها السيدات والسادة لذة متعة ترتبط بعملية ذهنية جد نشيطة إنها عملية التعرف Reconnaissance فهناك من يعتقد أنه عندما يكون أمام هذه الأعمال التشكيلية يكتشف شيئا جديدا أو مشهدا أو فكرة ما...

إنَّهُ حسب تقديرنا يتعرف المتلقي على ما يعرف أو ما كان يعرفه من قبل، أي تلك المرجعية المعرفية السابقة لديه بوصفها محكا لهذا التعرف. فكل ما يعرفه الإنسان فهو يؤثث لمفهوم العلم، بينما الإكتشاف فإن دلالته ترتبط بما هو غير معروف ولأول مرة يتم التعرف عليه. 2

لقد استطاع الفنان والناقد محمد خصيف أن يجمع بين الفن التشكيلي والنقد الفني بكفاءة علمية لا نظير لها، ولا سيما أن حقيقة النقد أصعب من الإبداع لكونها تستدعي الإبداع نفسه، فالناقد الحقيقي هو مبدع في الأصل، وهذا ما تميز بها فنانا المحتفى به الذي نتمنى له موفور الصحة والعافية. يقول الباحث التونسي والناقد الحبيب بيدة:

"إننا لا يمكن تسمية من يصف لوحة في بعض الجرائد، أو يتكلم عن مسيرة فنان ما بطريقة انطباعية، أنه ناقد. فالنقد بالمعنى العلمي، في نظري أصعب من الإبداع، بل إنني أذهب بعيدا وأقول بأنه لكي يكون الإنسان ناقدا يجب أولا وقبل كل شيئ أن يكون مبدعا، أي أن مهنة الناقد يجب أن تكون نابعة من وعي الفنان التشكيلي، على اعتبار أن ذلك يكون نتيجة تعامل مستمر مع اللوحة من حيث أشكالها وموادها اللونية وتفاعلاتها للوصول إلى بلاغ المراد وتوصيله(...) نحن في حاجة إلى أن يقوم الفنانون العرب أنفسهم بأعمال نقدية، لأن النقد أيضاً هو إبداع للقيم الجمالية الموجودة في العمل الفني، كما أنه يجب على الناقد أن يكون مبدعا في نفس الوقت. فبدون نقد لا يمكن للفنان أن يراجع أساليبه."3

 

بقلم: محمد الشاوي

.....................

هوامش وإجالات مرجعية:

(*) مداخلة تقدم بها الفنان التشكيلي المغربي والباحث في النقد الفلسفي للفن محمد الشاوي  في إطار تكريم الفنان والناقد محمد خصيف بمدينة أگادير،  ربيع  2017

1- إعتمدنا على ترجمة عبد السلام بنعبد العالي من خلال كتابه: أسس الفكر الفلسفي المعاصر مجاوزة المستافيزيقا ص:44 

2- أنطر بهذا الصدد: مليم العروصي، من الرسم إلى فلسفة الفن، مجلة الوحدة، العدد:

70/71، 1990، ص:17.)

3- الحبيب بيدة، مداخلة في ندوة :الفنون التشكيلية العربية والإختيار الحضاري، مجلة الوحدة، ص: 103 /104.

هي لحظة أخرى من نشيد الأكوان الضاجة بالحلم.. هي لعبة الحنين والأصيل الكامن في الذات تجاه التوحش وعولمة العناصر والتفاصيل..هي العذوبة تنتقي من الألوان عباراتها الملائمة..كما تبرز في لوحة البدويات  تلك الألفة التي تعنون عددا من أعمال زينب النفزي ضمن حميميتها وانسانيتها التي تنهل من المشاعر ومعاني الشعر الذي تعشقه عشقها للألوان ..أعمال في طياتها أحاسيس وألفة وحميمية.فنانة تمضي مع العوالم اللونية بكثير من رومانسية اللحظة وعمق المعاني قولابالشعر وبالابداع..هي المرأة والبحر.. وهي..الوجوه الحائرة والمأزومة النسوة ولوحة الألفة بين الرجلين...

 في لوحاتها تسعى الرسامة زينب  النفزي لابراز ذالك الحيز من العواطف والأحاسيس والتواصل حيث عوالم المرأة وما تشكله من حضور اجتماعي وثقافي ومشاهد أخرى للوقوف على ماهو كامن في الوجوه من خطاب يستبطن حالات فيها النفسي والاجتماعي المتوزع بين الحيرة والانتظار ضمن رؤية حرصت فيها الفنانة زينب النفزي على استقراء ما يحدث من خلال التوغل في الوجوه والذهاب عميقا في قراءة علاماتها بين الرجاء والأمل والريبة والتوجس والرفض..و هكذا...أعمال نرى من خلالها الرسامة زينب النفزي طفلة طافحة بالألوان وما جاورها من مشاعر تكاد الروح تفتقدها في أيام الناس ...في هذه التجربة تمضي الفنانة النفزي ضمن خيارها الفني عبر رؤيتها التي تقول بالفن في مواجهة القبح والسقوط والاحباط نحو حياة يتجدد فيها الأمل والفسحة المشرقة  من الألفة والوداعة والمحبة مع الذات والعالم..

150 zaynabalnafazi

  لوحات بألوان شتى ولكن البحر وما جاوره كان العنوان العالي لجغرافيا القماشة ..ترى ماذا قالت للبحر ..وعن ماذا حدثها ذاك الصياد الأمهر..البحر الذي كان صديق الطفولة وما يزال.. بماذا أجابها.. وكيف تخيرت فداحة ألوانها في هذا التعاطي المخصوص مع أسرار الأزرق الممتد..هي العوالم الشاسعة حيث اللون والنظر والدهشة فكرة القلب والوجداني لدى الفنانة التشكيلية زينب النفزي..التي امتدحت الموج العالي ..البحر.. هذا الساكن في الأمكنة والأزمنة..

كون من دهشة الجمال العابر للمسافات، مسافات اللون والحركة والوجد والشجن والأمنيات والأحلام ..إن الأحلام هنا تصرخ ترتجي كلماتها ..فبعد تجربة ملونة مع  "السوق" و"المدينة" و"الحفلة" و"الرجوع" و"الحلاق" و"العازفون" و"منظر من مطماطة" و"انعكاس" و"الطريق" و"استراحة"..نمضي أيضا مع تنويع جمالي آخر في من خلال عناوين صياد 1 ـ صياد 2 ـ صياد ـ طفل يتمشى على الشاطئ ـ انعكاس..وأنت تتوغل بالنظر والتأمل في اللوحات تكتشف أن الرسامة أتقنت اختزال الفكرة حين بثتها في اللوحة من خلال الجزئيات والتفاصيل وعيا منها بجدية التعاطي التشكيلي مع المواضيع والتيمات التي اشتغلت عليها. ويبرز ذلك بالخصوص في التمكن من فن الرسم واستحقاقاته الجمالية والفنية...و لم يكن البحر الا موضوعا للتماعي معه جماليا ومع عناصره البينة والخفية..ضمن سعي ونزوع نحو المغامر التشكيلية بكثير من الوفاء والبحث المفتوح والذهاب مع العناصر والتفاصيل والأشياء..الفن ...هو هذا الذهاب  في البعيد من حيرتنا القديمة وسؤالنا الحارق ودهشتنا الطافحة بالصمت... والفن أيضا ..و هنا  تجوال حارق وباذخ بين مشاهد وتفاصيل وأمكنة بكثير من الشجن والآه. اللوحات تصرخ بالصفاء النادر.. هذا ما قالته اللوحات ... ومن خلال لوحات الفنانة زينب النفزي  نقف قدام الأعمال الفنية التشكيلية نحاولها ونحاورها قتلا للمألوف والمعتاد ولليومي الكامن فينا برتابته وللماكث فينا أيضا من عنفوان التلقي والفهم والتأويل. المجد للألوان تعلن علينا سحرها لنلهو معها عبر لعبة  النظر بعين القلب..الرسم لدى الفنانة التشكيلية زينب النفزي وكما تقول هي: "الفن فسحة وجدان وعبارة تجاه ذواتنا والعالم والآخرين. في لوحاتي سعيت لهذا الذهاب الى الكينونة. اللوحة بمثابة القصيدة الفكرة والصورة وفسحة الخيال الكامن بداخلي. أرسم لأعبر عن كياني وأرمم ما تداعى بداخلي. بداخل هذا الكون المربك الذي تتقاذفه أمواج العولمة.."

 

شمس الدين العوني

khoulod albadriلفت انتباهي غلاف رواية كم أكره القرن العشرين "معلقة بلوشي" للروائي عبد الكريم العبيدي، حيث اللون الأصفر القوي، وشاهد القبر الذي خطت عليه بعض الجمل، والعنوان  "كم أكره ....." وكلمة الكره هنا وحدها لها ما عليها وتثير فينا ما تثيره من مشاعر متناقضة، وعندما تريد أن تقتني كتابا ما فأنت تبحث عن أسم الكاتب أولا، بعدها يطالعك العنوان قد يجذبك ويكون قويا صادما، أو قد لا تبالِ به فهو عنوان كالعناوين الأخرى التي تمر عليك كل يوم لا شيء فيها يثير الانتباه . وفن اختيار العناوين ليس سهلا فهو بوجهة نظري العتبة الأولى للكتاب وللقارئ على حد سواء، والرواية التي أكتب عنها اليوم اختار لها كاتبها الروائي عبد الكريم العبيدي عنوانا صادما، قويا، وكان الروائي العبيدي جريء في اختياره لهذا العنوان، لم يطرحه أحد، وسأقول لماذا؟ عندما تريد أن تسوق لكتاب ما فأنت أول شيء تفعله أن تبحث عن عنوان جميل بمفردة رشيقة تغازل بها عيني  القارئ، لأن العنوان سيكون له الأثر في اقتناء الكتاب أيا كان، وكم اقتنينا كتبا ذات عناوين جذابة وبراقة لكننا تركناها حيث الأرفف تغازلها ذرات الغبار ليس إلا . وأن يكون غلاف العمل صورة لشاهد قبر يعني "الموت" نعم يا سادتي أنه الموت الذي غزانا وطاب له المكوث في ربوعنا حتى بتنا نتنفسه وبكل رحابة صدر، وأخذ معولة يحتطبنا وكأنه يحصد ما زرعناه صبرا وألما وتعبا،ويهدم كل ما بنينا بلحظة ستسجل بكل ألم ونحن نرى أطلال مدننا وتصاعد اعمدة دخان الحرائق التي شبت فيها كما أرواحنا، كيف لا يكتب كاتب كان همه وعشقه ولوعته وضياعه وغربته وطنه، كيف لا يكتب عنه وعن الحروب العبثية التي محقت شخصياتنا وزرعت الضياع في مستقبل الأبناء ؟! في جلسة الاحتفاء به قال الروائي عبد الكريم العبيدي في ورقته التي أعدها " كلُّ حُروبِنا يا أحبتي باسمِ العدالة، ونيابةً عن التاريخ. وكلُّ طرفٍ فيها هو الحق، وعدوُه باطل. وحدَنا لا نعرف من أمرِنا شيئا. نحنُ جنودُ حرب، وقودٌ للحق وللباطل، ولربَّة النارِ التي لا تؤمِنُ بالحقِّ، ولا تأبَهُ بالباطلِ، دائما ألسنتُها تسخرُ من حقِّهم، ومن سوادِ باطِلهم، لكنَّها تحتفظُ بحقِّها، حقَّ الاشتعالِ بأجسادِنا، أليسَ ذلك باطلا أيضا؟ قد ينطوي هذا الاعتقادُ على يأسٍ، ولكنْ ما العيبُ في الأمر؟ انَّ من ينتمي الى بلدٍ عمرُه أكثرَ من سبعةِ آلافِ عامٍ من الدموع، سبعةِ آلافِ نواحٍ قبل الميلاد، سيؤمنُ تماما بغَلَبَةِ اليأسِ على خِدعة التفاؤل، وسيدركُ، شاءَ أم أبى، أنَّ لا حاسة أكثرَ ديمومةً وصدقا من حاسة اليأس، ولا راحةَ بالٍ ألذَّ من نعمةِ مصاحبتِها". وأقف مرة أخرى حيث الباب الأول لكل كتاب أنه الغلاف فقبل أن أدق على هذا الباب سيكون لديّ تصورا ما عما في داخل هذا البيت، ولأشبه الكتاب ببابه لأني عندما أريد أن أزور بيت ما  فأني سأقف لفترة من الزمن عند هذا الباب، وهذا لعمري كل منا يُجبر على فعله حتى يأتي صاحب الدار ويفتح لنا هذا الباب المغلق . وعندما أقف هناك ستضطر عيني لاستكشاف هذا الباب هل عمل صاحبه على جذب محبيه؟ هل للمكان رائحة مميزة تحببك به أم قد تنفرك منه؟ وأن كانت هناك حديقة تطل على سياجه بأغصانها الخضراء أم أنها ميتة لا تصدح فيها الأطيار، وتلك الأرضية أنظيفة، تدعوك للمحافظة على نظافة الولوج لهذه الدار فأول ما تصل إلى العتبه الأولى وقد فرض عليك هذا الأمر، لقدسية ما كقدسية الأماكن المقدسة .

نعم وهذا ما نفعله مع غلاف العمل الإبداعي، نحن نستكشف هذا العمل من خلال غلافه، ومن خلال لون هذا الغلاف فلكل لون معاني ودلالات تثيرها في نفس المتلقي،فهي تدخل في كل شيء تقريبا وكل ما يحيط بنا في هذه الحياة من جماد ونبات وحيوان وحتى نحن البشر، فلكل منا لونه الخاص به والذي يتميز به وأقصد هنا لون البشرة مثلا، فالألوان تضيف معنا وجمالا للكون الذي نعيش فيه،ولكل لون من هذه الألوان دلالة معينة ارتسمت في ذاكرتنا، وهنا سأعرج على ألوان أغلفة الروائي العبيدي لرواياته الثلاث، حيث تطالع ألوانا قوية زاهية، وكأنما كل رواية من تلك الروايات صبية جميلة ترتدي لونها الزاهي وتحلق به، ففي روايته الأولى " ضياع في حفر الباطن " أختار اللون الأسود الذي أطر به غلاف روايته، وأحاط المقاتل بهالة من اللون الأخضر الفاتح نوعا ما وطبعا لهذه الهالة الخضراء  دلالاتها،وكُتب العنوان باللون الأحمر، ولكل لون من هذه الألوان دلالاته في عالم الفن، فاللون الأحمر يرمز إلى الحماس والعاطفة،لكنك هنا تُصدم به ويأخذاك هذا اللون إلى غير هذا إلى حيث رائحة الدم والموت والحروب أنه لون اضطرام النار ولون الشخصية الجريئة التي اقتحمت هذه النار نار الحرب والموت وغلبتهما. أما اللون الأسود في الفن هو سيد الألوان لون الشر والغموض ويشير إلى الظلام، الليل،الظلم،إلى الموت أيضا، وفي روايته " الذباب والزمرد "حضت هذه الرواية بغلاف باللون الأخضر الزاهي القوي الفسفوري، وهنا أيضا أنعكس على القارئ، فهل هو لون الزمرد الأخضر أم هو لون ضياعنا الذي بدى باللون الأخضر؟!

أما في روايته الجديدة التي صدرت عن دار قناديل وتم الاحتفاء بها قبل عدة أيام فكان الغلاف مميزا جريئا، وسأقول كيف؟ أن تختار شاهد قبر وتضعه صورة لعملك فأنها مجازفة ما بعدها مجازفة وكما قلت فكلنا نهرب منه، من الموت أقصد، فلماذا يا ترى نذهب ونقتني رواية يكون غلافها صورة لشاهد قبر؟! هذا أولا، ثانيا : اختيار الروائي  العبيدي للون الأصفر لم يكن عن صدفة، فلهذا اللون دلالاته القوية، في الفن يرمز للخداع وهو أيضا  يرمز للمرض،للغيرة، لانتشار الموت الأصفر وهاهو الروائي العبيدي يرفع الراية الصفراء مشيرا إلى أن المرض قد تفشى " الموت " بهذا القرن، وهو في روايته يتحدث بلسان بطل روايته الميت مسبقا الحي في فكر الكاتب. وإذ نستخلص من كل هذا أن لألوان أغلفة روايات كاتبنا العبيدي ميزة خاصة وكلها تنصب أخيرا في موتنا الذي فرضته علينا قوى الشر والدمار . يقول في مقطع من روايته " كم أكره القرن العشرين " معلقة بلوشي " - نعم، انه العبث بعينه.

يبتسم "عزّام"، تتنفس حواف اصفرار ابتسامته على شقوق شفتين جافتين، لتبدو وكأنها رسالة بنصف سطر "مشمرخ"، تمسك ظاهر الوجود اللاعقلاني، والرغبة المضطربة المشاكسة له، من نزاعهما الحسي العنيف، بين انكماش الإنسان ووجوده من طرف، وبين النقطة المستسلمة التي يضعها اصفرار ابتسامته في رأس السطر، ويتلاشى من طرف آخر. لم يترك في هربه السريع أيّ ملمح صغير للعثور على زنزانته الجديدة. لقد ذاب هناك فجأة داخل قيوده الأشد قسوة، متستِّرا بضمير "مشمرخ" مجهول لا يمكن ملاحظته. لأنه لا ينتمي إلى أيّ شيء عداه، أو عدا "الشماريخ" الثملين. بينما بدت ثرثرة الجمهورية تلك وكأنها صورة تنازل أخرى عن طرب البصرة القديم. استحالت الى ثرثرة طالها العفن، فمالت بطرفها عن لب المدينة، لتشير إلى موت تجده في غرفة بائسة تضم "شماريخ" العدم والعبث واللا جدوى، مثلما تجده في خارجها. غصة دائمة، وضيق ثابت في الصدور، وصداع موجع لا تنفع معه عشرة أشرطة من أقراص "الباراسيتول"!

- وماذا بعد؟

اختفى هذا السؤال من أحاديث البصريين، لا أحد يذهب إلى ما هو أبعد من غصته". ونحن لا نذهب أبعد من موتنا الذي صار سمة لهذا القرن فبتنا نكرهه من أعماقنا لما بثه من رعب وموت في قلوب الجميع .

*وأخيرا نبارك للروائي عبد الكريم العبيدي إصداره الجديد ونتمنى له المزيد من الأبداع والنجاح .

 

قراءة خلود البدري

 

 

samar aljobory2يختلف منظور قراءة العمل الفني باختلاف اسلوب المبدع وثقافة المتلقي وللحداثة ومابعد الحداثة في التشكيل الفني آراء كثيرة ومتفاوتة منها ما يؤيد حداثة الفن التشكيلي ومنها ما يعتبر ان الحداثة المبهمة في التشكيل ماهو إلا طمس لهوية الفن الحقيقي وذلك لعدة أسباب اهمها ماذكره الأستاذ  عبد الاله حسن في بحثه الموسوم (التحولات الفكرية في الثقافة الغربية) حيث يثبت لنا سلبية التحولات في التشكيل الفني الغربي من خلال الغاء الفكر لمنظور التشكيل الصوري الطبيعي واتصاله بقضايا المجتمع الى الغاء الفكر والتحول الى الفن المبهم المعالم مما يعد انحدارا للفن بشكل عام وذلك اثناء انسياقات الفن التشكيلي في نهايات القرن الثامن عشر وبدايات القرن العشرين مما يجعلنا نتأمل بعمق بعض التجارب العربية التي اثبتت جدارتها بالفن الحديث وارتباطه الفكري الذي سبق حداثته برسوخ المقاصد والأهداف مثل اعمال الفنانين أحمد الشهابي من العراق و أعمال الفنانة إلهام العرشي من اليمن  والعمل الذي أمامنا ينتمي للمدرسة التجريدية الحديثة تصف لنا ريشة فنانتنا الهام العرشي خطوات واثقة وراجحة تمكننا من قراءة العمل الفني تبعا للمديات الآتية:

البنى اللونية في اللوحة تفاوتت بين الوان الأخضر والأزرق والأصفر والأحمر كأشارة لألوان الطبيعة في وطنها ممايدل على ان الاسلوب الفكري بني أساسا على مفهوم الأرض و البحر و الشمس والغضب المتفاوت الحدة بين الشخوص الرمزية  ولو ارجعنا الالوان المستخدمة في اللوحة على مقياس (عجلة بلوتشك) لاكتشفنا ان اللون الأخضر المتفات مع الأزرق يرمز الى الرعب والرهبة مع الاستنكار والخيبة بينما يتطرف اللون الاصفر بنسب ضئيلة بين الرموز الذي يرمز للمحبة بينما يتوزع اللون الاحمر الذي يشير للعداء على مختلف الاتجاهات

اما البنى التشكيلية فقد أبرزت ثلاث شخوص مبهمة الملامح ومختلفة الإتجاهات متعاكسة ومتقاطعة مع بعضها البعض يستدير كل شخص عكس اتجاه الآخر كنتيجة لأبعاد الشخوص  وللتقارب اللوني في اللوحة مما يؤكد الرؤى الفكرية للفنانة التي تبنت قضية وطنها اليمن وللمتابعين لقضايا اليمن السياسي نجد ان شخوص التشكيل ماهي الا  رموزا للجهات المختلفة على ادارة اليمن مما يؤكد بروز رسالتها في تبني القضايا المهمة في المجتمع من جهة ومن جهة اخرى طرحت  الحل المناسب من خلال التكوين المستقبلي للرموز المتمثل برسالة السلام من خلال ترك المساحة الفكرية للمتلقي فيما لو استدارت الرموز نحو بعضها البعض مما يدل على ان العمل ينتمي لفئة مابعد الحداثة في الفن التشكيلي العربي الذي يختلف بمضمونه واسلوبه عن الاسلوب الغربي الذي يقطع الاعمال من أية روابط صورية وتشكيلية ثابتة تنتمي لقضايا المجتمع بل اقتصر دور العمل التشكيلي الغربي على ادراج الافكار المنفصلة من حيث الاسلوب الشخصي والاهداف

 

سمر الجبوري

 

 

mohamad alshawiهي لوحات وأشكال  نحتية تستحق الوقوف لها والاعتبار بملامحها اللونية واللغوية.  الفنان والباحث محمد الشاوي أسس نفسه بنفسه وطرح في لوحاته أسلوباً فلسفياً في معالجة فكرة: كيف يرى العالم من خلال اللون.؟ جميع الفنانين الأكاديميين وغير الأكاديميين علينا أن نهتم بهم وتحديدا كل من يعمل في الفن التشكيلي أيا كان طريقه الذي يسير عليه. الفنان التشكيلي هو الذي يأتي بثمار المعارض، كانت نحتا أم تصويرا زيتيا أو من رسومات، وحليٌ... إن منتجات الفنان هي التي تتحدث عنه أيا كان مقامه الاجتماعي والدراسي.  

يجب القول إنَّ الفنان الشاوي فنان شجاع لأنه يواجه أشد الصعوبات الزمنية والاجتماعية ومع هذا يطرح منتجاته . فمن يعرف الفن التشكيلي، يعرف مصاعب العرض، وخاصة لسبب اهمال الثقافة لدى المسؤولين . بغض النظر عن الأزمة الاقتصادية العالمية وأزمة الفن التشكيلي الخاصة وعدم تجاوب الجمهور مع مطالب الفن التشكيلي. مع كل هذه المصاعب يغامر الفنان الشاوي في عرض تصميماته الفنية،  وهذه شجاعة تستحق الاعتبار والتقدير . ولم يقف للحواجز التي توضع أمام الفنان.

لم يأت الفنان الشاوي ليحتل مكان الأخرين، لم يأت بأعمال ومنتجات مسيئة للنظر والبصر والفكر؟ ولم يقدم أشياء تقليدية أخذها من تجارب زملائه، بل جاء بلوحات من تصميم نفسه، ممكن أن تنال أو لا تنال إعجاب الجميع؟ هذا يبقى غامضاً حتى ولو كان الفنان أكاديميا؟

149 mohamadalshawi2

هل توجد قواعد قانونية تقول إن الفن التشكيلي فقط للأكاديميين؟

هل يعتبر أحدا منا أن الفنان المتأهل فقط هو الفنان المبدع؟ مازال اعتقادي واعتباري أن التأهيل والتقليم للفنان يأتي من الدراسة الكاديمية ولم أنس أن الاكاديميات لهم مهمة هامة في تعليم وصنع الاساليب وفي تهذيب من لهم هبة في الفن . لكن مهمة اكاديميات الفن التشكيلي تختلف عن حال الرياضيات، وعلم الأحرف . كلنا يؤمن ان أهم مادة للفن هي فكرة الانسان، والانسان المبدع في الفن التشكيلي هو الذي نقول عنه فنان، وهناك فرق كبير بين الرسام والفنان. الرسام يرسم الاشياء الموجودة التي أمامه، أي  أنه لم يأتي بشيء جديد. بل الفنان هو الذي يأتي في التطوراللوني البصري والفكري. هذه هي المادة الأساسية، وبعد ايجاد هذه المادة تستطيع الدراسات توجيه الاصوات للمطربين، والهيكل للممثلين وتعطي التدريب لاصابع الفنانين.

اسمحوا أن أقول ماهو الفن التشكيلي بوصفه نظرية؟

لا يوجد  اتفاق تاريخي بين المؤرخين والفلاسفة والفنانين عن صيغه فكرية متفق بها بين الجميع. ولو سألنا الجمهور، أي أسلوب  فني أفضل من الأخر؟ أيضاً  لن نجد اتفاقاً كاملاً، بل يبقى حسب رغبة كل فرد على حدة. يقول الفلاسفة والفنانين عن الفن، ومنهم Adolf Loos :  "الفن هو حرية الفنان المبدع" . ويقول الفنان،Marcel Duchamp: "إن الفن هو الفكرة. ويقول الفنان والفيلسوف Jean Dubufett :

149 mohamadalshawi1

"الفن هو لغة التجديد والحداثة".

هؤلاء من طلائع الفنانين وألقوا الاضاءة لنا مشيرين، أن الفن هو حرية الابداع، والشيء الهام في كل لوحة تكون الفكرة، وأن  الفن هو لغة الحداثة والتجديد. فكيف نحكم على عدم استقبال ورؤية اعمال الفنان الشاوي اذ لم نقف الآن أمام لوحات الفنان محمد  الشاوي، الذي أسس نفسه بنفسه. هل إنه لايستحق وقوفنا.؟ هل هذا لايتجاوب مع تقديرنا النقدي؟ ام نقول إن كل من حاز على الشهادة الاكاديمية هو الوحيد فنان مبدع، وما تبقى ليس له اعتبار؟

وأنا  أقول بأن الجمال ليس أسلوبا واحدا وأخاف من يظن أن  الأسماء لها صلاحية في الابداع. مارأي المستمعين لو قلت لهم إن الفنان فان جوج لم يسمحوا له انشاء اي معرض في حياته، لأن النقاد  في زمنه رفضوه وتخلوا عنه في الكتابة وقالوا هذا لايستحق ان يكون فناناً؟ فقط لأنه لم يكون أكاديمياً؟ لا أعتقد  هذا أيضاً، أم لأنه جاء بأشياء جديدة، أم لأنه كان شاباً ؟ أختلفُ كل الاختلاف عن هذا المبدأ الذي يجعل من الأكاديمين أولياء، فأقول عندما ننظر إلى  اللوحات في أي مكان كان،  ننظر إلى المحتوى الذي يوجد على سطح القماش، أو على الورق، أو في نوعية العمل المنحوت، ننظر إلى العمل قبل أن ننظر الى الأسماء، ولو كانت اسماء هامة؟ أيضاً لن أرض بأن يقول الشباب إن أصل الحداثة والابداع يأتي فقط من الشباب؟  لا ثم لا، إن فقدنا تقدير المخضرمين الذين سبقونا في العلم والانتاج، وحافظنا على التعصب الفكري فأننا لن نصل الى النجاح. كل افراد العائلة لها نفس الاهمية كي تكون عائلة، الفنان الاكاديمي المخضرب هو استاذ هام نتعلم منه ومن تجاربه كلها. والفنان الشاب الذي نستقبله ونعطيه التوجيه،هو الذي يحمل مشعل الاضاءة الثقافية، فان كنا هكذا؟ هناك نحصل على موسم هام.

بوسع كل منا أن يطرح أفكاراً من مختلف نظريات الفلسفة، لكن ليس وجودنا لأجل توسيع المسافة بين العائلات التشكيلية بل إننا نعالج ازالة الشوائب وازالة الاشواك التي تبعدنا عن مساهمة الجميع وعن تقدير كل الاتجاهات، جاءت هذه من الشباب أم من الأكاديميين. سأطرح في ما يلي أسماء من قدوة الفن العالمي ولم يكونوا أكاديميين:

الفنان دافينشي عميد النهضة الأوربية، الفنان Munch النروجي، الفنان هنري روسو الفرنسي، الفنان Constable الانكليزي، الفنان جوجان Gauguin الفرنيسي،والفنان سيزان Cezanne، الفنان انطونيو تابيس Antonio Tapies برشلونة، الفنان ادولف فان مينزيل Adolf Van Menzel الالماني، الفنانة فريدة كحلو المكسيكية Frida Kahlo الفنان فان جوج الهولندي Van Gogh الفنان تارنير Tuarnerالانكليزي...

أضع لكم أسماء قليلة من مئآت من قدوة الفن التشكيلي العالمي .فنانين أسسوا انفسهم بأنفسهم ..

هم برهان كافي ؟ هذه الدلائل تطلب مني أنا بصفتي   فناناً أكاديمياً وناقداً تشكيلياً بأن أقف أمام لوحات الفنان والباحث محمد الشاوي وأتمتع بها، وأنظر إلى خطوطها العريضة والضيقة، وبألوانها التي تجلب الشجن من طرف، وتُعبر عن الفرح في حين آخر، وتصف القوة والحنان، وتشرح اوجاع الذين تُغلق عليهم الأبواب،  التي هي مظاهرة فلسفية بلغة الفن، أفكار عاشت في مطبخ الفكر الفلسفي وتخمرت طويلا قبل أن ترى نافذة الحرية . وظهرت هذه اللوحات الفنية ناطقة بلغة الجمال ولغة الحرية. الفلسفة هي التي انعشت التعريف الفني منذ عهد النهضة، الفلسفة في الفن التشكيلي لها دور أساسي في مناقشة اللوحة، ظهرت في عهد النهضة وعالجت فكرة الجمال،  هي مظاهرة علمية في خصوصية اللوحة والفنان تارنير الانكليزي اتى في مقدمتها، أيضاً  فنانين قرن الثامن عشر، وأول بحث حقيقي عن فكرة الفلسفة في لغة الفن جائت من الكاتب Edmund Burke 1756 وهو حوار فلسفي عن معنى الجمال. لأننا نستطيع أن نشاهد حساسيات مختلفة أمام لوحة ما. وهكذا يحدث لكل فنان حين نسأله عن الجمال.

كلنا يعرف أن  اللوحة هي التي تتحدث عن الفنان، وأن لا ننس أن الفن التشكيلي له أبواب مختلفة وأشكال وقواعد بصرية، ففن النهضة يُحدثنا عن اشياء دينية تاريخية، وفن الواقعية عن اشكال حقيقية، والفن الانطباعي عن الطبيعة والحياة في الهواء الطلق، والفن السيريالي عن الأحلام ومعارضة البرجوازية، والفن التعبيري معارضة ناطقة امام النازيين وعن الم المجتمع. الفن التجريدي لغة اللون البصري، وهذا نحن امام لوحات تشكيلية ذات لغة خاصة. هذا مايقدمه لنا الفنان الشاوي،  لوحات تحكي بلغة تجريدية وعلينا أن نعالجها كما هي الفكرة. لأن الفكرة هي التي لها الأهمية، الفكرة البصرية اللونية هي التي تُعبر لنا.. وأقول لمن يبحث عن جمال الطبيعة لن يراه في اللوحة التجريدية. .

يقول الفنان الروسي مهادين كيشيف Muhadin Kishev : "على اللوحة الفنية أن تكون جميلة في اي أسلوب كان تصميمها".  واللوحة التجريدية؛ الجيدة التصميم لا تأتي من فاعل الصدفة والعفوية بل إنها تحمل مقياس وقواعد أساسية كما هي اللوحة الواقعية. ويضيف. إن الفن التجريدي أصعب من الواقعي لأنه يحتاج لدقة التعبير وأن لاينقص أو يزيد فيه شيء . يُخطء من يظن بأن الفن المعاصر والفن التجريدي هو سهل التصميم .

الفنان  محمد الشاوي فنان يُجسد اللوحة من أسس فلسفية، يعبّر في اللوحة عن أشياء اجتماعية، يرفض التحكم في الأفكار، ويرفض الرأي الوحيد. يعبر أحيانا عن الجمال اللوني،  وأحياياً يرفض الجمال لأن الوساطة هي اللون في نظره. إنّه يرسم بمنهاج يحتج به على المظاهر المتشددة، المتعقدة،  عن الذين يظنوا أنه في حوزتهم كل أوصاف الثقافة، وعن الذين لايعرفون شيء منها لكن لايبحثوا عنها. في بعض اللوحات يستخدم لون واحد أو لونين. وهذا معارضة للأفكار التي تظن أن الحياة ليس لها سوى اللون الأسود، وأخرين ليس لها سوى اللون الأبيض، إنه  بالأحرى يبحث عن الظل والنور ويشير في التعبير أي أننا نقول هناك من تميل الشمس عنه. وأيضاً نشاهد المتكبرين ويعتقدون انهم قدوة للآخرين، لكن هم بحاجة ماسة إلى التواضع. وبشكل عام أرى احتجاجه يقف أمام المتعصبين من الفنانين. نظرتنا في أعمال الفنان التشكيلي محمد الشاوي تبعث في أنفسنا آراء مختلفة لأن الفن التجريدي يقوم على  أفكار متجددة حسب كل مايخطر للناظر، إستعمال اللون له فاعل وأسلوب عالمي ولا يمكننا الهرب من هذا. الالوان الحارة تصف الحيوية، التحرك والتغيير. وإذا أضفنا إلى هذا مجموعة من تصرفاتنا الخيالية وأحلامنا . نجد أن البعد الأفقي من المحتمل أن يكون تقارب في إعطاء تعريف ما،  بأنه منظر ساخن من طبيعة حارة. وتتجول في عقولنا نتائج عديدة ومختلفه لدى كل فرد. لأن أفكار المشاهد (المتلقي) أيضاً  تبدأ في التحليل متى إن وقف أمام اللوحة، وفي كثير من الأحيان يعطي للناظر أفكار  لم تخطر عند الفنان حين تصميم لوحته.

الفنان عندما يرسم يطير في أجواء أخرى

و يدخل في ذكريات عميقة، بينما يداه مع الأشياء العفوية تترك نتائج لم يعرفها لأنه لم يفكر بها، بينما أفراد من المشاهدين يصلون الى تفسيرها. في نظرتهم لأشكال صغيرة:

ألوان رمزية، ولقطات ممزوجة،  وهذه لها إيقاع خاص وتعبير لم يخطر لدى الفنان.

 

بقلم: عبد القادر الخليل - فنان تشكيلي وناقد سوري مقيم بمدينة بيلباو الإسبانية.

 

khadom shamhod2سعد الكعبي من الفنانين العراقيين المميزين في اسلوبهم وتقنياتهم ورؤآهم الفكرية، وقد خاض جولات عديدة في التنقل بين اساليب الفن الحديث بحثا عن الخصوصية في العمل، وايجاد فن ملتزم غني معبر ينفرد به . وكانت اعماله وطموحاته وافكاره الواسعة تشير الى تمرده على التقاليد الفنية القديمة واعلان احتجاجته على الموروث الثقافي والتقاليد البالية والرديئة . وقد عالج ذلك بتعبيرية تجريدية عالية ورمزية وشاعرية ساحرة .. وبالتالي يمكن القول ان سعد هو من القلة القليلة جدا من الفنانين العراقيين الذين تشير اعمالهم اليهم دون النظر الى توقيع اللوحة، وذلك بحكم تفردها وفنارها العالي الذي يتلئلئ ضياءا.. ولسعد الكعبي باع طويل في الفن والتجارب وتراكم الخبرة والابداع وصياغة العمل الفني، مما يعده البعض في الصف الاول في الفن العراقي المعاصر ...  

البدايات:

ولد سعد في النجف الاشرف عام 1937 والتحق في معهد الفنون الجميلة عام 1957حيث درس على يدي الرواد منهم شاكر حسن وجواد سليم، وبعد تخرجه من المعهد اخذ يدرس مادة الفن في المدارس الثانوية في العراق ثم سافر الى السعودية ودرس في معهد التربية الفنية . كان احد اعضاء جماعة الانطباعيين التي اسسها الفنان حافظ الدروبي عام 1953 . وشارك في جميع معارضها كما شارك في معارض جمعية الفنانين العراقيين .  وفي عام 2006 استقر في الاردن، ثم غادرها الى الولايات المتحدة عام 2008 .. اقام اكثر من عشرة معارض شخصية داخل وخارج العراق وكان آخرها عام 2010 في كالري الاورفلي في الاردن تحت عنوان – حوار الذاكرة – عرض فيه اكثر من عشرين لوحة ..

التقنية والاسلوب:

كانت بدايات سعد الفنية في الخمسينات والستينات مع الاسلوب الانطباعي في مناظره ومواضيعه الاجتماعية حيث ينطلق من الريف والمناخ العراقي وتقاليده . ويمكن ان نشاهد في بعض اعماله الاولية حرية في اللون والتخطيط وحركة الفرشة وتعبيرية كبيرة والوان صارخة، تذكرنا باعمال الفنان النرويجي ادوار مونخ 1863 – ومن اعماله القديمة امراة تحمل طفلا لها عين واسعة جدا تأخذ ربع مساحة الوجة تذكرنا بشكل عيون المنحوتات السومرية التي تأخذ شكل امامي رغم ان الوجه مرسوم جانبي . كما قدم لوحات اخرى عن الصيادين والفلاحين وعن خيام البدو في الصحراء وغيرها.. ثم اخذ سعد يتدرج في اسلوبه ويخرج من الواقعية التعبيرية الى التعبيرية التجريدية حيث اعتمد على التبسيط والاختزال في الاشكال والالوان وقد ابتعد عن الرواية الواقعية والتجأ الى الرمز والتغييم اللوني في جو رومانسي، بينما نجد الخط يشكل عنصرا اساسيا في الحركة وكذلك في ربط عناصر اللوحة بعضها الى بعض، كما هو عند ماتيس 1869 حيث استخدم الخط كاساس في ربط الالوان المتنافرة والاشكال المسطحة ..

وكان سعد يعمل بعقلية هندسية كاملة في مسألة التكوين والانشاء والشفافية اللونية ويحاول اعطاء عناصر اللوح انسجاما وايقاعا مميزا ونغمة موسيقية شاعرية تستوقف المتلقي او المشاهد ليتأمل في مغزى ورموز تلك الاشكال .. ولم يكن سعد في ذلك العمل ينطلق ليطرح تقريرا وثائقيا سطحيا وانما مضمونا دفينا خارج من اعماق الوجدان .. ولكن سعد مهما تغرب عن الواقعية فان الشكل الشخوصي يبقى ماثلا وظاهرا في كل اعماله وقد اكد سعد في معرضه عام 2010 في الاورفلي في الاردن ان الانسان كان ولازال جوهر العمل الفني في لوحاته .

يرسم سعد عادة الانسان براس واكتاف عريضة خالية من التفاصيل وكأنه يرسم خيال الانسان او ظله واحيانا نرى خيال خلف خيال تذكرنا بعملية الرسوم المتحركة في صناعة افلام كارتون هذه الخيالات محددة بخطوط خارجية يتكي عليها الفنان في التعبير عن مضمون اللوحة .. هذه الاشكال الرمزية تنسجم مع خلفية مملوءة بالرموز الهندسية والتراثية القادمة من اعماق التاريخ العراقي من سومرية واسلامية .

و قد لفت نظري شكل الرأس او خياله الغامض المبهم والذي لا نرى له اي هوية او تفاصيل فتذكرت اعمال الفنان الايطالي السريالي - جورجيو دي شيريكو 1888- الذي كان يستخدم في اعماله الفنية دمية تستخدم في عرض الازياء ولازالت الى اليوم تستخدم في المحلات التجارية. هذه الدمية هي عبارة عن شكل بيضوي معمول من الخشب او مادة اخرى يمثل رأس الانسان بدون تفاصيل، وتسمى في  الاسباني المانيكا maniquei..

من جانب آخر كانت حركة شاكر حسن آل سعيد في استلهام الحرف العربي في مطلع السبعينات في العمل الفني قد اخذت طريقها الى اعمال سعد الكعبي حيث استخدم الكتابة والحرف ووجد فيها ينبوعا رائعا ينسجم مع فنه وتطلعاته للتجديد . حيث ظهرت هذه الخطوط على شكل افاريز او دوائر كما هي موجودة وظاهرة في المساجد وكانت مليئة بالزخارف المتنوعةو الجميلة وكان يهدف بها الفنان الى اعطاء عمله الفني نوع من الغنائية والصبغة التراثية ..

جدارية سعد الكعبي:

كلف سعد بعمل جدارية في فندق بابل في بغداد عام 1986 . وقد عملها باسلوب تجريدي تعبيري وقد هندس لهذا العمل بعقل واعي في مسألة توزيع الكتل والاشكال والفضائأت والفراغات، وقد حورت الاشكال واختزلت حسب رؤية الفنان واعتقاده بانها ستوصل رسالته الى المتلقي او على الاقل التمتع بحسن جمالها . وقد استخدم سعد مواد مختلفة واعطى للعمل ملمسا او بروزا خشنا وذلك لتعميق الفكرة وتعبيرية العمل..

حضرت له عدة محاضرات في جمعية الفنانين العراقيين في مطلع السبعينات في بغداد  وكان يشرح عن اعماله وموجة الفن الحديث وعن تجاربه ومشاهداته في الخارج كما كان يعرض عدد من الاسلايدات عن الفن العالمي والتعليق عليها ... . .. تحياتي

د. كاظم شمهود

 

 

khadom shamhod2ليس هناك اليوم في عالمنا المعاصر الدنيوي شيء مقدس فالكل قابل للنقد والتحليل والاصلاح سواء كان ذلك على مستوى الاشخاص او كتب المعرفة او التاريخ او الفقه او الادب او الفن او البحوث العلمية، فكل شئ في تطور وتجدد، ومنها التراث فهو ليس مجالا للتقديس والخنوع والسيطرة والتكفير والتحجر، نعم يمكن ان يكون قاعدة للانطلاق الى فضاءات اوسع للمعرفة والخلق والابداع ورحابة الحرية والتعايش مع الآخر ..

وقد نشأت علاقة جدلية بين ما هو يعني بمسألة الاصالة والهوية وما بين الانفتاح على الآخر والتبادل في المجلات الثقافية والفنية . ويشير الاستاذ شاكر حسن الى موقفين اساسيين في هذا المجال وهما الموقف الانساني التقليدي الكلاسيكي وكل حيثياته الابداعية بالمحافظة على التقاليد الفنية القديمة، والموقف الثاني هو البحث عن الشخصية الحضارية من خلال الالتقاء بالحضارات الاخرى والاستفادة منها، والذي بدأ ذلك واضحا في مطلع القرن التاسع عشر ..

و بالتالي فالماضي يمثل ذاكرة فكرية ومادية او ما يطلق عليه بالتراث، وهذا الخط التزمت به الاحزاب القومية والعروبية (السياسية) ورفضت الاندماج بهوية القوميات الآخرى خوفا من ضياع الهوية فاصبح الفنان يتأرجح بين الحداثة المعاصرة وبين الهوية والاصالة . وفي نفس الوقت خلقت لنا ازمة في الهوية ..

و في هذا الصدد احب ان انقل نص للاستاذ نجم الدين الدرعي المنشور في صحيفة الحوار المتمدن نشر في 14/3/2013 (الشرقاوي والغرباوي وجواد سليم وفائق حسن وشاكر حسن آل سعيد، هيأوا لنا تركيبة جاهزة للدخول في مشروع متذبذب بين حداثة فضفاضة وجسد مريض ورثناه بدون وصفة طبية ولا تحليل مخبري ... ..) . اذن هنا ظهر نوع من الاشكالية و التوتر للفنانين العرب ما بين ماهو تراثي وما هو حداثوي ادى بالكثير الى نوع من التوفيقية حيث دمج عناصر حداثوية مع رموز تراثية، وعد ذلك فنا عربيا؟؟؟ .

الفنانون العرب والفن العربي:

هل هناك فرق ما بين الفنانين العرب وما يسمى افتراضا (الفن العربي)؟؟ نحن اليوم نعيش ظاهرة الشتات بمعنى ان الغالبية من الفنانين العرب هم بعيدون عن بلدانهم واستوطنوا في اوربا وامريكا والتي شهدتا حركة الفن الحديث منذ بداية القرن العشرين وقد تأقلموا وتأثروا بالبيئات الجديدة ولكن بقى العراقي عراقي والسوري سوري والمصري مصري وبقت الجينات الاصلية ثابتة لم تتغير . غير انهم اكتسبوا هوية جديدة في اللغة والثقافة والاساليب الفنية الحديثة ونظروا وكتبوا والفوا الكتب، في مجال الفكر والفن الحديث، وهؤلاء يمكن ان نطلق عليهم بالفنانين العرب .

نحن نتمنى ان يكون هناك وعي وطرح عقلاني في مسألة(الفن العربي) الذي لازال البعض يكتب فيه وينظر بشكل عاطفي مفرط؟؟ كما اتمنى ان لا يخلطوا بين الفن الاسلامي و(الفن العربي) كما وقع فيه الدكتور عفيف البهنسي والاستاذ شاكر حسن آل سعيد تعاطفا وارضاءا للحكام والاحزاب القومية والعروبية . حيث طبعت كتبهم ونزلت في جيوبهم الاموال، ولا نعرف هل هم مجبرون على ذلك او من ارادة ايمانية وذاتية؟؟ فقد كانا يتحدثان عن خصائص ومميزات الفن الاسلامي ولكنهما يصفانه بالفن العربي؟؟؟ . في الوقت الذي يذكر شاكر حسن (فلم تحدث نهضة ثقافية حقة في الرسم او النحت (في العراق) الا في الاربعينات (من القرن العشرين) اما قبل ذلك فان فنون الرسم الشعبي على الجدران وماتحت الزجاج كانت اكثر اصالة من تقاليد الرسم على القماش ..) كما يذكر بان الفن العراقي قبل عقد الثلاثينات يكاد ان يكون مجهولا . .. ومن جانب آخر يذكر الاستاذ نوري الراوي (ولاول مرة ظهرت بوادر تلك الاسلوبية الجديدة في تأليف اللوحة الفنية في الصور الشخصية التي رسمها فائق حسن لامه عام 1942 كما ظهرت لوحات اخرى له ولجواد سليم .... الذين وضعوا حين اقبلوا على هذه التجربة قلوبهم على ايديهم واقتحموا آخر حاجب تقليدي وضعه الفن الاتباعي في طريقهم، وقد افلحت هذه التجربة البسيطة في ترسيخ سيما عراقية ذات مداليل غربية .) .

فاذا كان الفن العراقي مجهول الهوية في القرون العثمانية الماضية والمدونات معدومة وكتب التاريخ غير موضوعية ولا تملك المصداقية في الاعتماد عليها، وان التأثيرات الفنية قد وفدت الى العراق وبلدان العالم العربي من الغرب اذن كيف يمكن ان نكون مدرسة عراقية او عربية في عصر العولمة واختلاط الثقافات .. وبالتالي نحن امام فن الحداثة الذي دفع الفنان العراقي الى تقليد الفن الاوربي وهناك محاولة في استلهام التراث الحضاري كما فعل شاكر حسن في استخدام الحروفية وجواد سليم في الاستعانة بمفردات من مدرسة الواسطي .. وهي محاولات فضفاضة حسب قول الاستاذ نجم الدين الدرعي الذي ذكرناه سابقا . واتذكر قول لجواد سليم في احد مذكراته بان ليس هناك مدرسة عراقية في الرسم او النحت وانما هناك فن عالمي .

وهنا يترشح لنا على ان التقاليد الفنية الكلاسيكية القديمة كانت هي السائدة في القرون الماضية ويصفها فائق حسن بالفنون الشعبية الاكثر اصالة .. كما ذكر شاكر ان الفنون في العراق كانت متأثرة بالفن الفارسي والتركي والرافدي والغربي وان احتلال العراق من قبل الفرس والاتراك ساهم في تعميق هذه التأثيرات .. وفي نفس الوقت يتكلم عن الفن القومي والفن العربي ..؟؟ ولكن ربما شاكر اراد ان ينظر لشيئ غير موجود او رؤية مستقبلية . في وقت يستحيل ذلك بعدما تعمق الاختلاط الثقافي والانساني . وهذا يذكرنا بعصري الدولة الاموية والدولة العباسية، الاولى اخذت منهج القومية والتعصبت لها واعتبرت غير العرب من الدرجة الثانية، بينما جاءت الثانية كرد فعل مناقضا للاولى فاختلطت الامم والثقافات والتقاليد الفنية ونتج عن ذلك العصر الذهبي للامبراطورية الاسلامية في الفن والادب والشعر والفلسفة وجميع صنوف المعرفة .

الفن التوفيقي:

 نعم هناك فن توفيقي كما ذكرنا ذلك سابقا او يمكن ان نطلق عليه بالفن المحلي، مثلا يرسم في اسلوب غربي ويضع امرأة ترتدي العباءة او يرسم شناشيل او رموز تراثية اخرى ، وكذلك الفنان المصري يضع بعض الرموز الفرعونية باسلوب غربي وهكذا ... واتذكر قول للاستاذ الناقد والاديب جبرا ابراهيم جبرا: باننا لا ضير ان نأخذ من اساليب الغرب ومختلف انماط الابداع ما داموا هم قد اخذوا منا الفنون الشرقية في الزخرفة واللون والتبسيط ..

وحتى مدرسة بغداد التي تزعمها الواسطي اطلق عليها البعض بالمدرسة السلجوقية لان المتبحر في سحنات الوجوه يجدها مدورة والانوف قصيرة والعيون لوزية والقامات قصيرة . ويمكن ايضا نشاهد ذلك في رسوم قصر الخاقاني في سامراء ايام الخليفة المعتصم .. ولكن مع الاسف هناك عيون عمياء مثلما هي القلوب التي انجرفت وراء التعصب وتركت الموضوعية في الحكم . نحن اليوم بحاجة الى تصحيح المدونات واعادة كتابتها على اسس موضوعية دون تعصب او تحيز بعدما اجتاحت موجة العولمة العالم ودخلت ثقافة الشعوب الى المنازل . نعم نحن نتمنى ان تكون هناك مدرسة عربية لها خصوصياتها وسيماتها ونظرياتها الفكرية التي تبرر وجودها، ولكن اين هي وماهي صفاتها؟؟؟

سابقا كان هناك في حضارة العراق الفن الآشوري الذي اكتسب خصوصيته ومميزاته انفرد بها عن الآخرين، وكذلك الفن الفرعوني والفن الروماني والفن الصيني والفن الاسلامي والفن الافريقي والى غير ذلك .. لقد كانت ارض العراق ولازالت حافلة باختلاط متنوع من الثقافات والاديان والاجناس والقوميات ويظهر ذلك في لغتنا وتقاليدنا وعلاقاتنا وغيرها، يضاف الى ذلك الثقافات المعاصرة التي جائت مع عصر التكنولوجيا وشبكة التواصل .

و يذكر الفنان السوري الاستاذ محمود حماد 1923 وهو من الرواد، بان الفنانين العرب الذين درسوا في الخارج وعادوا الى بلدانهم اصبحوا يلقنون تلاميذهم الفن الغربي وهنا خلقوا ازمة حقيقية في الهوية ..

الهوية الكونية:

لما كانت الهوية تعني بانها ناتجة عن البيئة والمحيط الجغرافي والواقع الذي يعيشه الفنان وما خزنته الذاكرة من افكار وتقاليد وعادات وتراث وتاريخ والى غير ذلك، اذن اليوم نجدها متعددة بحكم حركة الانسان وانتقاله من بلد الى آخر واستيطانه في جغرافيات ومجتمعات بعيدة عن وطنه الاصلي، وقد فرضت عليه الاندماج وتعلم لغات وثقافات اخرى . وبالتالي اثرت تلك على الابداع الفني ورسمت له ملامح خضعت للمتغيرات الجديدة .

اليوم اصبح مفهوم الهوية شامل عام بعد موجة الهجرة الكبيرة وحركة الديموغرافية بين الشعوب خاصة في اوربا . كما نشهد تسارع في التحولات من عولمة الانظمة وثورة المعلومات والانفتاح على الآخر، بحيث اصبحت هناك عوامل خارجية ساهمت في تغيير الهوية وتجديدها . .. بعض المخاوف طرات على عدد من الافراد والجماعات المستوطنة في الخارج دفعتهم لتأسيس عدد من المراكز الثقافية والدينية في اوربا محاولة منهم للحفاض على الهوية الاصلية .. نحن اليوم امام هوية كونية فرضها تطور الانسان في جميع المجالات التكنولوجية والعيش في عالم موحد كقرية صغيرة نتواصل بشكل مستمر ونبني هويتنا ونجددها باستمرار، فكل شئ قابل للتغير ما عدا الجينات . اما التعصب للهوية والتحجر يؤدي ذلك الى الجمود والتخلف ومعادات الآخر بينما الاختلاط والانفتاح يبني حياة متطورة ومتجددة وغنية الثقافة ... وقد كان التعصب للهوية خلق المانيا النازية وتفوق الجنس الآري على غيره فدمر هتلر اوربا . ودمر جمال عبد الناصر العرب ودمر صدام حسين العراق ودمر الصهاينة فلسطين ... الخ .

مدرسة باريس:

في بداية القرن العشرين قدم الى باريس عدد كبير من الفنانين والادباء الشباب من مختلف البلدان الاوربية وقد خلقوا ثورة عارمة وانقلابا على كل الموروث الفني والثقافي القديم وانشأوا مدارس ومذاهب فكرية وفنية جديدة قطعوا فيها الصلة بالماضي، هؤلاء كانوا ينتمون الى هويات واصول وثقافات متعددة ومختلفة من ايطالية، واسبانية، وروسية، وهولندية وفرنسية، وغيرها .. فهل هؤلاء سألوا عن الهوية القومية او الوطنية ام كان همهم الفن التشكيلي والحداثة والفكر الانساني العام؟؟؟ واين هي الهوية الايطالية او الاسبانية او الروسية في الفن الحديث؟؟ ولهذا فقد ذابت الهوية القومية في الهوية الانسانية حيث اشترك الجميع في نشأت المدارس الحديثة وابداعها .. وهذا يذكرنا بالفن الاسلامي الذي اشتركت في بناءه وظهوره امم ومجتمعات لها تقاليد ولغات وثقافات مختلفة وتراث فني عريق .. ... تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

nabil ahmadalamirالبصرة التي بنيت عام 16 - 14 هجرية، عرفت عمارة الشناشيل في أيام الاحتلال العثماني في القرن الـ 17 الميلادي، مع ظهور عدد من الفنون الأخرى .

عرفت "الشناشيل" بأنها أثر معماري فولكلوري بصري لايختلف إبداعا عن فن النحت والرسم والفوتوغراف وغيرها من الفنون. وأيٍ كان الأمر فقد قام معماريو البصرة بأغناء الشناشيل سواء بالمعمار أو مواد البناء. ويصفها العديد من المهندسين بأنها عبارة عن نتوات خارجية مكونة من الطابوق والخشب والجص والحديد .

كلمة شناشيل تعني موضع جلوس الملك، وكان البصريون كثيري الاهتمام ببنائها مما زاد من انتشارها في السنوات السابقة .

وعمارة المدن محط اهتمام المهندسين منذ القدم من حيث المواد المستخدمة في البناء بما يتلائم مع طبيعة المناخ خصوصا في أزمنة عدم وجود الطاقة الكهربائية وعدم وجود أجهزة التبريد والتدفئة،  والبصرة تمتاز بالجو الحار الرطب في الصيف .

أن التربة في البصرة تمتاز بكونها تربة مستنقعات ممتدة من محافظة العمارة، ومحافظة الناصرية المحاذيتان لها، حيث نلحظ ان مركز مدينة قضاء القرنة الأكثر تأثرا في هذا الطابع الطبوغرافي .

فيما يرى الكثير من فناني البصرة التشكيليين أن الكثير من المدن العراقية عرفت الشناشيل مثل النجف، والموصل، والاعظمية القديمة، وإحياء أخرى متفرقة من العاصمة بغداد .

ويؤكد المعماريون إلى إن جنس الشناشيل العراقية تنتمي إلى جنس معماري واحد، لكن النظرة التفصيلية تكشف عن فروقات قليلة آو بسيطة، فمثلا في البصرة تعنى الشناشيل بالأعمدة الخشبية وبتشييد القناطر الحجرية او الخشبية، مع عناية واضحة بالزخارف البنائية عبر التشكيل الخشبي، إما في بغداد نلمس عناية كبيرة في القضبان الحديدية ووجود السراديب "التختبوش".

1461 shanasheelalbasra

وإن الشناشيل لاتبنى بصورة منفصلة عن البناء الأساسي بل تتلبًّس بها بما يمثل واجهة البيت الخارجية والجانبية والسقوف والأعمدة الساندة ويعتبر هذا الفرق الوحيد بين الشناشيل في البصرة وبغداد .

كما إن الشناشيل في البصرة تأتي متماشية مع الوضع والقيم الاجتماعية في المدينة وخصوصا في تلك المرحلة التي شاع فيها بناء شبابيك الشناشيل ذات المشبكات الخشبية البارزة على صورة مسننة، ذلك لان شكلها يسمح لساكني أهل الدار ان يشاهدوا المارة من الخارج في حين المار من الخارج لا يرى ساكني الدار، وتلك خاصية مهمة للنساء اللواتي يتواجدان في الداخل .

وان أبنية الشناشيل في الطابق العلوي تكون متقاربة جدا بين كل منزلين متقاربين إلى حد يسمح بتبادل الأحاديث وقيام علاقات اجتماعية متينة .

كما إن معماريو البصرة في تلك الحقبة استطاعوا تحقيق قفزة نوعية في ذلك المضمار، لاسيما التعامل الفني مع طبيعة الأرض البصراوية الهشة في تشييد أبنية متعددة الطوابق .

وقد تجاوب المعماري مع الأرض الطينية باستخدام الخشب الخفيف لبناء طابق ثان يوفر مظلة كبيرة بين الأزقة لحماية المارة من الشمس , إضافة الى مرور التيارات الهوائية الباردة .

واليوم يُعبّر جميع المهتمين بالشناشيل عن استياءهم الشديد لما اعتبروه  تدهورا مستمرا لتراث مدينة البصرة حيث هناك موت مُعْلَن لكل تراث البصرة منذ تسلّم النظام ألبعثي السلطة حتى وصول الكثير من المخربين والجهلة إلى السلطة اليوم، وأصبح بلدنا يمر بمقولة تكاد تكون متطابقة تماما مع وضعنا اليوم (خطأ اليوم، ثقافة غدا، قانون بعد غد)، فالخراب لم يشمل البشر بل تعداه حتى إلى الحجر .

يجب ان نضع حد للتدهور والخراب الثقافي المرعب، فهنالك تهشيم للوضع العراقي داخليا، من خلال العبث بالتاريخ ومحاولة طمس ملامحه بزرع هستيريا النهب والسلب والتخريب، وجعلها ثقافة سائدة بالمجتمع، فنرى اليوم الكثيرين يتسابقون على موائد السلب والنهب والتخريب، وتحديدا في الجنوب العراقي حيث وقع عليه ظلم تاريخي من خلال الحروب المتتالية التي جعلته مسرحاً للموت والدمار والخراب، مما ساعد في دمار البنى التحتية والآثار فيه .

فيما استدرك عدد من ساكني الشناشيل الوضع الذي يعيشون فيه في تلك الأبنية والتي كما أشاروا إلى أن الدولة لاتُعنى بهم وبتراث البصرة وتركت تلك الأبنية تتعرض للدمار، ولم تأخذ بالإعتبار انها تاريخ وتراث للعراق يجب الحفاظ عليه .

والشناشيل يعود انتشارها في حواضر الدولة العربية الإسلامية إلى العصر الفاطمي حيث تطورت العمارة العربية، وأضفوا الكثير من الزخرفة الخشبية المكونة بتعريشة نباتية للمُيَسّرين والتجار، وبالتأكيد اخذ الفاطميون بعض تقنية الشناشيل من الدول التي تاجروا معها وخاصة الهند واسطنبول .

ويذكر المؤرخون بان خشب "الجاوي" كان يستخدم وهو النوع المفضل في العمائر البصرية، وكان سكان البصرة القدامى المتمكنين يعمدون إلى طلاء شبابيك الشناشيل بالدهان العطري، ويلاحظ أن شريطا "إبْزيما" يربط أجزاء الشناشيل بعضها ببعض لكي تكون ذات متانة قوية تستمر عقود من الدهر .

إضافة إلى أنها تعتمد على أعمدة ملساء ومضلعة وتعلوها تيجان مقرنصة، في حين عمد الفنانون إلى تزويدها بفصوص مدببة أو مسننة وأحيانا ثلاثية الفصوص وهذه الأشكال تتباين حسب الإمكانية المادية والذوق لصاحب البناء، وقد تأخذ نقوش شبكية، ويلاحظ أن الفتحات العليا للأقواس أوسع من الفتحات السفلى وذلك لأنها تحتضن أنواع الزجاج المشجّر والملوّن، ويلاحظ في بعض الشناشيل أن السقوف والسلالم تُشْمل بالزخرفة والتلوين .

ويشدد الكثير من المهتمين بالشأن الثقافي أن الدولة يجب أن تُعنى بهذا الإرث المعماري والفولكلوري البديع الذي يؤلف جزء مهم من تاريخ البصرة والعراق وإعادة تأهيلها واعتبارها معلم سياحي بارز في هذه المدينة التاريخية التي شهدت العديد من الحوادث والأحداث المطبوعة في ذاكرة التاريخ منذ القدم .

والله من وراء القصد .

 

د. نبيل أحمد الأمير

 

 

mohamad albandoriلقد عمل أدونيس في مشروعه الحروفي على تغيير شكل الشعر العربي، ولم يقف عند ذلك الحد بل إنه حمل الفرشاة ورسم قصائد شعرية غير مألوفة، معتمدا على الألوان وعلى جمالية الحرف العربي باعتباره ركيزة أساسية في أعماله التي تبدت في مجملها وكأنها لوحات تشكيلية أكثر منها نصوصا شعرية، حيث أنتج خطوطا مختلفة بألوان فارقية أحيانا ومتجانسة أحيانا أخرى بإيماءات تصويرية وصفها أنها تتحدث عن الإلهام الذي يتماهى مع ما تعيشه الأمة العربية.. فهو من خلال عمله الفني يدل على جمال اللغة العربية في شكل حروفها المكتوبة ويدل أيضا على الجمال الفني التشكيلي.. وقد وصف الفنان الإيطالي ماركو نيريو أعمال أدونيس الفنية أنها تشكل امتدادا لشعره ولكن في شكل مختلف، كما أن أحد المهتمين بالفن قال: "إن أعمال أدونيس هي لعبة مع الحروف أنتج منها هذا الكم من الجمال الممزوج بتلك الكلمات التي قالها شعرا أو التي استقاها من دواوين غيره من الشعراء، إنه يقدم لنا مجموعة شعرية جديدة أساسها هذه الخطوط السوداء والملونة بفرشاة رسام حاذق يعلم كيف يستنطق الحروف.."1

   وإن هناك محاولات أخرى قام بها شعراء معاصرون حداثيون من تونس، حيث كتب الشاعر منصف المزغني ديوانا شعريا سنة 1988  بعنوان:" قوس الرياح" احتوى قصائد كاليغرافية وبصرية مثل قصيدة:" جرول بن طمعون الخشنشري" :

كما كتب شعراء الشام من سوريا ولبنان قصائد شعرية كونكريتية، خصصت لهـا بعض المجلات الحداثية حيزا مهما من الصفحات، كمجلة: "الآداب" البيروتية، ومجلة: "شعر"، ومجلة : " مواقف".

   إن هذه التجارب - وإن كانت متفرقة وقليلة- فقد وظفت العناصر البصرية في بناءات متنوعة ومختلفة من حيث الشكل والجوهر، لكنها توحدت من حيث أنها تحمل في داخلها إيٍقاعات التكوينات الخطية‏ وفق المناهج والتصورات بما تحمله من إيقاعات واستلهامات من الفنون التشكيلية عامة وفنون الخط العربي خاصة، وما استقته من تجارب في كيفيات وضع الألوان، وهي تتفق جملة وتفصيلا من حيث إنتاج الدلالات المتعددة.

 

د. محمد البندوري

........................

1- أدونيس رساما.. أحمد فاضل، مجلة أدب فن، مجلة ثقافية، العدد 2388 بتاريخ 26 فبراير 2012 ، صفحة: التشكيل

 

 

khadom shamhod2هل هناك شخصية عالمية خيالية فكاهية قصصية حفرت لها اخاديد في الذاكرة الانسانية مثل شخصية تان تان Tintin ؟؟؟ ومن منا لم يقرأ في احد مراحل حياته عن قصص ومغامرات تان تان مع كلبه الذكي الوديع ميلو Milu “؟؟ .. يبدو ان المواهب دائما تعد بالاصابع من مجموع مليارات البشر التي نعيشها اليوم، وهي خصوصية نجدها ظاهرة عند عدد من الاشخاص في كل حقول المعرفة، في العلم، الادب، الشعر، الفن، الكرة، علم الاجتماع، وغيرها ... وعند النظر الى مستوى حركة الفن العربي، وخاصة فن الكاريكاتير يقفز امامنا سؤال : هل هناك فنان مبدع منفرد وصاحب مدرسة او اختراع لشخصية عالمية مثل تان تان تستطيع ان تغزو العالم بجمالها وخصوصيتها وتهبط ساكنة في قلوب الناس ... ام لا؟ ويبدو ان المسألة تتعلق بالقدرات الفكرية والجينات ... نعم ظهرت هناك عدد من مجلات الاطفال في عالمنا العربي وظهرت فيها شخصيات مصورة مثل مجلة سمير المصرية عام 1956 ومجلة العربي الصغير عام 1958 وكانت عبارة عن ملحق لمجلة العربي ، وغيرها . ولكن بقت كلها محلية النشر والذوق ..

(هناك دراسة اجريت حديثا في كينجز كولدج لندن تؤكد وجود جين متصل بشكل مباشر بعمل الذكاء يطلق عليه NPTN يؤدي دورا في سمك المادة الرمادية المرتبطة بالقدرات الفكرية فقد قام الفريق البحثي البريطاني بتحليل عينة من الحامض النووي DNA ثم قاموا بعدد من الاختبارات لقياس الذكاء .... وقد لاحظ العلماء ان الاطفال الاذكياء كان لديهم قشرة اقل سمكا في نصف المخ الايسر وبصفة خاصة في الفص الصدغي والامامي ...) ولكن هناك بحوث علمية اخرى تؤكد على ان الذكاء موزع بين ابناء البشر وان هناك خصوصية ينفرد بها بعض الاشخاص ويتميزون بها عن غيرهم . مثلا هناك افراد موهوبون بالفن وهناك آخرون في الكتابة او الشعر او الخطابة وآخرون نوابغ في الفيزياء والكيمياء الى غير ذلك .. كما دلت الابحاث العلمية ان الذين يتقنون اكثر من لغة لهم قدرات فكرية واسعة اكثر من غيرهم، حيث تعمل هذه على تنشيط حركة خلايا المخ او العقل من تخزين وتحليل معارف وثقافات قادمة من منابع خارجية مختلفة ...

مخترع تان تان:

يذكر ان رسام شخصية تان تان هو جورج ريمي من اصل بلجيكي ولد في بروكسل عام 1907، وكان قد اتخذ اسما مستعارا هو هيرجي او هيرجيه Herge . ومنذ طفولته ظهرت قدراته ومواهبه في الرسم، وقد ظهرت رسومه الاولى في مجلة المدرسة التي كان يدرس فيها حيث كان يرفدها بمختلف القصص المصورة منها ما تحكي عن الاحتلال الالماني لبلجيكا بين اعوام 1914 و1918 . وبعد ذلك عمل مزوقا لبعض المقالات التي تنشر في مجلة تدعى

Le Box-Scout belge . وفي سنة عام 1927 انتهى من الخدمة العسكرية وذهب يتعلم التصوير الفوتوغرافي . ثم اخذ يعمل في مجلة- القرن العشرين – ويرسم في ملحقها الاسبوعي المخصص للاطفال .. وفي عام 1928 ظهر اول عدد لمجلة Le Petit Vingetieme حيث كان يشرف عليها هيرجي وقد نشرت فيها عدد من المسلسلات المصورة وشخصيات متنوعة مثل Flup ولكن هيرجي سأم وضجر من هذه الشخصيات فقرر اختراع شخصية اخرى اطلق عليها Totor . وفي 10/1/ 1929 ظهرت شخصية تان تان مع كلبه ميلو .

تاريخ نشأت تان تان:

ظهرت شخصية تان تان لاول مرة في مجلة Le Petit في 10/1/1929 وهي شخصية مراهقة تمتاز بالمغامرة والشجاعة والذكاء وتبحث عن القضايا الصعبة ومساعدة الآخرين برفقة صديقه الكابتن هادوك المعروف بحبه للخمور وعدد آخر من الشخصيات، وكان تان تان شخصية رشيقة له خصلة شعر في مقدمة الرأس وليس له عمر محدد، يرافقه كلب يدعى ميلو Milu وهو من افضل المرافقين له في مغامراته الجميلة .. وتمتاز هذه الشخصية بطابعها العالمي وبواقعية قصصها حيث خرجت من بلجيكا واخذت تطوف العالم بقصصها المغامراتية الرائعة وقد حازت على اعجاب الملايين من الناس في العالم .. وكانت قصصه ومغامراته قد نشرت بمختلف لغات العالم وطافت في امريكا وافريقيا وامريكا اللاتينية وآسيا وروسيا والعالم العربي مثل (تان تان في بلاد الذهب الاسود)، والنزول على القمر قبل نزول الامريكان والروس عليه في (1959 و1969).. وغيرها من روائع القصص الخيالية والواقعية

 وكان الرسام هيرجي هو الذي يكتب هذه القصص والمغامرات، ولديه ارشيف كامل بالصور الفوتغرافية والشخصيات العالمية وتقاليد الشعوب واشكال العمارات والمناطق الجغرافية والكواكب والبحار وفلكلور الشعوب ووسائل التكنولوجيا الحديثة وغير ذلك مما يحتاجه الرسامون في تنفيذ قصصهم .. وكان عمل هذه القصص يستغرق وقتا طويلا من التحقيقات والتفاصيل والدقة في التصوير والاعتناء المتناهي في الاخراج ..

و يذكر ان بعض قصص تان تان قد تعرضت للانتقادات من قبل بعض الشعوب حيث اتهم بالعنصرية بسبب طريقة تصويره الافارقة والعرب كذلك انتقاده للمعسكر الاشتراكي والدكتاتوريات العسكرية في امريكا اللاتينية وكذلك عدم تعرض تان تان للوضع النازي في بالجيكا وغيرها من الآراء . ورغم كل ذلك يبقى تان تان شخصية عالمية محبوبة لازالت تعيش معنا منذ اختراعها عام 1929 ...

عالمية شخصية تان تان :

يذكر انه في عام 1974 جمعت مغامرات تان تان القصصية المصورة في 23 البوم مجلد والتي رسمت ما بين اعوام 1929 و1974 وطبعت منه 200 مليون نسخة مترجمة الى اكثر من 60 لغة اجنبية .. كما اطلقت جمعية الفضاء البلجيكية اسم رسام الشخصية جورج ريمي على احد الكواكب الواقعة بين كوكبي المريخ والمشتري .. و ايضا صدرت عملة من فئة 10 يورو في بلجيكا تحمل صورة تان تان وكلبه ميلو . .. وقد عرضت بعض الرسوم الاصلية والاغلفة لمغامرت تان تان في المزاد العلني وبيعت بملايين الدولارات منها غلاف – تان تان في امريكا – رسمت عام 1932 وبيعت عام 2012 بمليون وربع يورو . وهناك صفحات بيعت باثمان باهضة مثل 700،000 و900،000 يورو، وفي الفترة الاخيرة بيعت صفحة اصلية صغيرة ب 500،000 الف يورو ..

توفى جورج ريمي (هيرجي/ هيرجيه) في 3/3/1982 عن عمر 76 سنة، وقد اوصى بعدم رسم قصص تان تان من بعده ابدا وكان آخرها هي قصة – تان تان وفن الباها Tintin y el arte Alpaha

 

د. كاظم شمهود

 

madona askar- L'innamorata del mare – للرسّام الإيطالي بومبيو مارياني

"ليس على الرّسام أن يرسم ما يراه ، بل ما سوف يُرى" (فنسنت فان غوخ)

إنّها الرّؤية الجماليّة، الثّورة الّتي تنتزع من العالم قبحه حتّى يستبين السّحر والجمال. عين الرّسّام بصيرة النّاظر إلى اللّوحة والمعاين للجمال. وبقدر ما يعاين الرّسّام الجمال ينقله إلى بصيرة النّاظر فيستفزّ دهشته وإنسانيّته وتستفيق في أعماقه نسمة الجمال الأولى. لذلك يقول الموسيقار السّويسريّ إرنست ليفي: "إنّ الإنسانيّة ستبدأ بالتّحسّن عندما تأخذ الفنّ على محمل الجدّ كما الكيمياء أو الفيزياء أو المال."  في الفنّ ثقافة الجمال، والإنسانيّة خُلقت على صورة الجمال الأسمى ولا بدّ لها من أن تتفاعل معه.

ينساب الجمال من  لوحة الرّسّام الإيطاليّ مارياني إذ يجسّد أعماق عاشقة البحر الّتي ترنو إلى السّماء. يتجلّى في اللّوحة البحر كرمز للحرّيّة المنطلقة نحو السّماء والدّالّة على الاتّصال الأرضيّ السّماوي الكامن في العمق الإنسانيّ. وتبرز السّماء كرمز للحرّيّة المطلقة الّتي بدأت مع رمزيّة البحر لتكتمل في السّماء. كما يعبّر في ذات الوقت عن التّناقض القاسي بين الأرض والسّماء، تجسّده الألوان المتضادّة. 

1457 madona

تقف العاشقة المتّشحة بالأبيض على أرض صلبة  متشقّقة  وقاتمة، أشبه بأرض خالية من الحياة. تستند إلى صخرة، وتتطلّع إلى فوق، متخطّيةً الخطّ الجامع بين البحر والسّماء. ما يدلّ على شوق إلى العلوّ الّذي لا ترويه رمزيّة البحر للحرّيّة ولا يحدّه ذلك الخطّ. وإن دلّت الصّخرة على الثّبات، فهي من ناحية أخرى تدلّ على القسوة، حيث التّضاد بين لونها وألوان السّماء. ففي حين أنّ السّماء تمتزج ألوانها بين الأزرق والأبيض والأصفر، تحافظ الأرض على لون واحدٍ قاتم. فتظهر قسوة الواقع مقابل فرح العلوّ ورحابته. قد تكون الأمواج اللّطيفة الّتي ظهرت في اللّوحة معبّرة عن تدرّج المراحل التّحرّريّة حتّى يستبعد الرّسام رمزية الموت عن هذا المشهد. فالبحر في هذه اللّوحة تحديداً  كما يظهر لنا من خلال الألوان الّتي اختارها مارياني لا يحمل معنى الموت.  

أمام أبعاد ثلاثة، الأرض والبحر والسّماء، تعكس نظرة العاشقة الهائمة  حزناً  نتج عن اختبار لقسوة الواقع، حوّلته إلى توق إلى التّخلّي عن الثّبات الأرضيّ الباحث عن الثّبات السّماويّ. تحيد نظرها عن الأرض كنوع من رفض للثّبات على الأرض الّذي يبدو في اللّوحة رامزاً إلى اختبار العلاقة بين العلوّ والعمق.

 تبدو العاشقة وحيدة ظاهريّاً لكنّ نظرتها تلمّح إلى امتلاء خاصّ يظهر في شكل حوار ضمنيّ صامت. دلّت عليه النّظرة إلى البعد الثّالث الخارجة عن إطار الأرض والبحر. ولعلّ الوقوف الثّابت على الأرض والنّظرة الثّابتة إلى السّماء ما هما إلّا إشارة إلى ثبات النّظرة الإيمانيّة والرّجاء بالحرّيّة. 

تتدرّج ألوان السّماء حتّى يصفو الأزرق نهائياً فتتناقض تماماً مع الأرض ويظهر البعد الرّابع، ألا وهو عمق العاشقة الّذي يرمز إليه ثوبها الأبيض. الأبيض المنبعث من وسط قتامة الأرض يطاول زرقة السّماء ويجعلنا نرى ما ينبغي أن نراه من جمال عاشقة اختبرت الأرض، اشتاقت إلى السّماء وتنتظر الاكتمال فيها.  

 

  مادونا عسكر/ لبنان

 

 

khadom shamhod2يقام حاليا معرضا مشتركا للفنانين بابلو بيكاسو 1881-1973 وتولز لوتريك 1864- 1901 في المتحف الوطني للفن الحديث تيسن Thyssen في مدريد . وهو اول معرض يقدم حوارا فنيا بين عبقريتين يعتبران من طلائع الفن الحديث ويمثلان مرحلتي نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين . وقد زرت المعرض واطلعت على الاعمال الفنية ومنها اعمال لم اراها سابقا ولم اعرف عنها شيئا، وقد اخذت الكاتالوك وترجمت بعض معانيه في السطور التالية:

يذكر ان الغاية من هذا المعرض المشترك هو معرفة مدى التقارب والتشابه الفني بين العبقريتين في الاسلوب والتقنيات والبيئة التي عاشاها، و يضاف الى ذلك فانهما يعتبران من المؤسسين للفن المعاصر ..

كان تولز لوتريك ينتمي الى عائلة ارستقراطية متمدنة ولكنه اصيب بنوع من الشلل وهو صبي وكذلك كسر ساقيه نتيجة لسقوطه من على جواده .. ونتيجة للنقص الجسماني جعله ينخرط في بيئة منحدرة ثقافيا وسلوكيا ويدمن على المسكرات والمخدرات وينغمس في حياة الليل الساهرة في باريس في حي مونتمارت .. حيث اخذ يرسم الحياة الليلية وفوضويتها و صخبها ومجونها . واختار مواضيعه من هذه البيئة الساخنة والملونة وقد وجد فيها الصدق والصراحة والمعانات والمآسي الحقيقية . وقد ابتعد عن الانطباعيين وخالفهم واتخذ له اسلوبا مميزا طلائعيا جديدا اثر على الذين جاؤا من بعده خاصة بيكاسو ..

حط بيكاسو الاندلسي لاول مرة  في باريس في نهاية عام 1900 مع صديقه الكاتالاني كارلوس كاساخيمي وهناك تعرفا على شاعرين باريسيين هما ماكس يكوب وابوليناير يApollinaire  وكان عمر بيكاسو تسعة عشر سنة شابا يافعا متمردا . .. ومباشرة بدأت اللقاءات الليلية في مقاهي وكابريهات حي مونتمارت .. وقد رأى بيكاسو تولز لوتريك شخصيا في ملهى الطاحونة الحمراء وتأثر برسومه جدا ونسج معه تواصلا لغويا بصريا جديدا، وكان بذلك يتطلع الى عالم اكثر حداثة. وامتاز هذا التأثر بالمواضيع والعناصر التشكيلية المنحدرة والجريئة التي تمثل مشاهد من الدعارة والبوهيمية وكذلك الطابع الكاريكاتيري الدعائي الساخر الذي يطغي على اعمال لوتريك ..

المعرض يحتوي على عشرات اللوحات وهي مقسمة الى خمسة مراحل تمثل اعمال الفنانين وهي 1- المرحلة البوهيمية . 2 – المرحلة الفقيرة . 3 – مرحلة الطلائع الفنية . – 4 – النساء في حياة الفنانين . 5- الموديل العاري والجنس .

البوهيمية:

ترك لنا لوتريك كمية كبيرة من الرسوم الشخصية (البورتريت) وهي تمثل شخصيات باريسية من الطبقتين المثقفة والمنحدرة وكان يشعر بانتمائه الحميم اليهما . ومن خلال اشكاله المبالغ فيها و ذات الطابع الكاريكاتيري الساخر عمل ثورة في لغة الفن وفتح الابواب لرسم البورتريت الحديث . وقد عاش لوتريك 13 سنة في الحانات والملاهي مخدرا مخمورا  منغماس في حياة الليل البوهيمية . . وكان بيكاسو قد اشتغل في هذا الاسلوب حتى في مراحله التكعيبية، حيث المبالغة والطابع الكاريكاتيري التعبيري وبقت ظاهرة في اعماله حتى آخر حياته . كما عاش بيكاسو في بداية حياته بوهيميا غير مبالي بهندامه ونظافته فكان يسهر مع اصدقاءه في الملاهي ويتناولون انواع المخدرات حتى مطلع الفجر.. . وتذكر فرناندي اوليفير 1881 صديقة بيكاسو في مذكراتها (ان ايام حي مونتمارت كانت ايام البوهيمية والمخدرات والفقر واللهو عشناها مع بيكاسو واصدقائه امثال الشاعرين ماكس جاكوب وابولنير وغيرهم، وكان النبيذ يملئ المعد الفارغة .. وعندما نخرج من اللهو فجرا كان بيكاسو عنده مسدسا فيطلق بعض عياراته في الهواء وسط قهقهات ومرح الجميع).

الانحدارية:

كان توافد اهل الادب والشعر والفن الى اماكن اللهو والمخدرات والدعارة والرقص  ظاهرة منتشرة في اوربا على طول فترة القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين وقد جاءت هذه الظاهرة بعد الثورة الفرنسية عام 1789 . لوتريك كان قد عاش في وسط هذه البيئة المنحدرة وقد انشأ له استوديو في حي مونتمارت واخذ يرسم مواضيعه من الملاهي وصالات الرقص والحانات والمقاهي ورسم حياة المسحوقين والمهمشين وعشاق الليل والنساء في الطاحونة الحمراء ذات المظاهر المصطنعة التي تبدو عليهن . ويذكر انه اراد الزواج من احد رقصات الملهى فرفضت وكاد ان ينتحر ..؟؟ وهذا الموقف قد تكرر مع صديق بيكاسو كارلوس كاساخيمي المذكور سابقا عندما طلب الزواج من فتاة ملهى فرفضت وانتحر، وقد حزن عليه بيكاسو بمرارة ورسمه في احد لوحاته . ؟؟ وقد عاش بيكاسو في حي مونتمارت وسط نفس البيئة التي عاشها لوتريك علما ان لوتريك مات في نفس السنة التي قدم فيها بيكاسو الى باريس عام 1901 . وقد انعكست هذه الاجواء السصاخبة في اعمال بيكاسو حيث جذبته مشاهد النساء واماكن الدعارة واللهو والشخصيات الادبية والفنية المتمردة التي ترد هذه الاماكن .

الصعاليك:

السيرك عالم ساحر ومسلي وعفوي بحركاته البهلوانية التي يقوم بها عدد من الشبان الذي خرجوا من الطبقات المهمشة المعدمة الفقيرة ورغبة ارادية جذبتهم الى السيرك . وقد عاش الفنانان بيكاسو ولوتريك مشاهد السيرك ورسما استعراض الخيل وشخصياتها والحركات البهلوانية وغيرها والتي احتلت لها مكانا بارزا في اعمالهم وفي الفن الحديث ..

رسوم وتخطيطات لوتريك وصور وحفريات بيكاسو تشترك في نفس الصفات من حيث نحافة الاشكال وضعفها واستطالتها وتذكرنا باشكال الجريكو 1541 . يضاف الى ذلك ان سحر السيرك وشخصياته العاملة الشابة المهمشة الفقيرة تشبه حياة الصعاليك . هذه الظاهرة نجدها عند عدد من الفنانين الحديثين الذين عاشوا في بداية حياتهم صعاليك لا ابالية بدون مال ولا مأوى امثال بيكاسو ولوتريك ..

النساء:

لم نجد رساما او فنانا بلغ ما بلغه لوتريك في رسم البورتريت للنساء المهمشات في باريس حيث سجل رقما تحديا في ذلك . وقد جعل منهن اشكال كاريكاتيرية ساخرة ومخمورات، كما شكلت بيوت الدعارة جزءا من حياته الشخصية حيث عاش عالم انوثي خالي من الرجال .. وقد انعكست شخصيات هذه الشابات المسحوقات في اعماله وانشاآته والوانه الشاعرية وخطوطه الحرة الطلقة .. وفي نفس الوقت ظهرت هذه المواضيع في اعمال بيكاسو في بداية حياته وكانت ذات نغمة حارقة والوان خارقة للعادة، ثم اصبح يتحول من مرحلة الى اخرى حتى وصل الى المرحلة – الزرقاء – في هذه الفترة اخذ يرسم مواضيع ذات عاطفة وحنان وفي مقدمتها المومسات المصابات بمرض السفلس. اما النساء في حياة بيكاسو فهو موضوع طويل ظهرت فيه عشرات الكتب، وبعضها مذكرات صدرت من اللاتي رافقن بيكاسو .

الموديل العاري والجنس:

ان مشاهد الجنس والموديل العاري كانت قد جذبت  كل من لوتريك وبيكاسو وظهرت في  اعمالهم الحديثة، و رسما الموديل العاري برؤية جديدة . وقد اتخذ لوتريك المومسات كموديلات للرسم وخالية من الانارة . كما ان بيكاسو قد نهج نفس الخط ، وقد وصل الى قمة ذلك عندما رسم لوحته الشهيرة – غانيات آفنيون عام – 1907 كما اعاد رسمها على بساط وعلقها في بيته في مدينة كانيس الفرنسية Cannes وتمثل هذه اللوحة في حقيقتها احد بيوت الدعارة في برشلونة . ويعتبرها النقاد بداية المدرسة التكعيبية وثورة على كل التقاليد الفنية القديمة .. تحياتي

 

د. كاظم شمهود

 

 

sadiq alsafi2شَبّهَ الفيلسوف الالماني هيجل المجتمعات بالافراد الذين ينقلون شعلة الحضارة من شخص لآخر، وكان الفيلسوف سينجلر يعتقد ان الحضارات مثلها مثل الكائنات الحية، تولد وتنضج وتزدهر ثم تموت. ويذهب معظم علماء الآثار القديمة الى ان بزوغ الحضارات يعود لعدة اسباب منها البناء السياسي والاجتماعي للحياة والطريقة التي يكيّف بها الناس البيئة المحيطة بهم والتغييرات على السكان.

وقد حصلت الحضارات على تعريفات عدة، انها الفنون والتقاليد والميراث الثقافي والتاريخي ومقدار التقدم العلمي والتقني الذي تمتع به شعب معين في حقبة من التاريخ. لكن التعريف المتفق عليه دولياً للحضارة بانها نظام اجتماعي يعين الانسان على تحسين الانتاج الثقافي وتتضمن طرق العيش والظروف الطبيعية والوضع الاقتصادي والعلاقات الاجتماعية بين المجتمع وانظمة الحكم السائدة والانجازات الثقافية والعلمية والعمرانية الفنية.

الموضوع

قدم لنا علماء الآثار والتنقيب صوراً جميلة عن الثروة العظيمة التي امتلكتها الحضارات القديمة في بلاد الرافدين-موسوبتايا-حيث شهدت معجزات من التطور الثقافي الفني المعماري لاتقابله أية معجزة في تاريخ البشرية، خاصة في مجالات اختراع الكتابة والفنون والفلسفة والدين والفلك، حتى ان هناك فنانون وقصاصين وموسيقيين أثروا كثيراً على تحفيز افكار الانسان في تلك العصور، وساهمت اعمالهم في عملية التقدم والتطور الحضاري.

1443 somariwn

سجل لنا الكاتب والعالم الآثاري-ستين لويد- الذي عمل في التنقيب الآثاري لعدة سنوات في العراق-اعجاباً وانبهاراً عن عظمة الانسان الرافديني ومغامراته في مجال التعبير الفني، قدمها لنا كعروض ممتعة مثيرة للاهتمام عن الفنون الرافدينية في كتابه-فن الشرق الادنى القديم- وسجلَ الحُقب التاريخية التي مرّ بها تطور الفنون بشكل عام. واشار بشكل دقيق وواضح الى ان اقدم استيطان حضري تمَّ بشكل فعلي حقيقي في جنوب العراق، ويعود الى الالف الخامس قبل ميلاد السيد المسيح في منطقة اريدو-تل العبيد- ويمثل هذا الموقع بداية تاريخ العراق القديم-في بلادالرافدين- ومن حضارة العبيد الاولى وجدت اول كتابة صورية معروفة في التاريخ، كما اكدته التنقيبات الاثرية

ثم تقدمَ فن الكتابة المسمارية في دور جمدة نصر-جنوب العراق-وهو آخر دور من ادوارماقبل الطوفان.وقد استخدم فن الفخار في موقع تل العبيد وتطور هذا الفن كثيراً باختراع السومريين للدولاب الفخاري الذي يتحكم به يدوياً، كما اشار اليه -الدكتور مورتكات في كتابه تاريخ الشرق الادنى القديم-

وظهر استخدام دولاب الخزِّاف في صنع الاواني الفخارية في مدينة اوروك-الوركاء حاليا- والتي اسست فيها المعابد والابنية باشكال معمارية هندسية رائعة تدل على عظمة عقول الفنانين السومريين، اضافة لقيامهم بتطويع الاحجار الصلدة لعمل المنحوتات والتماثيل، وقد كانت الحجارة تستورد من دول اخرى لهذه الغايات كون مناطق جنوب العراق منطقة سهلية ترابية، فكان الفنان السومري متحفظاً مقتصداً باعمال الحجر من التبذير لشحته، فقام بصنع تماثيل الحيوانات والطيور واشكال اخرى من الطين المفخور بمواقدالنار، كما صنع الفنان السومري التمائيل من المرمر وحجر الديورايت الصلب كما في -تماثيل الملك المصلح كوديا-واستخدموا الاحجارالملونة بالوان الابيض والاسود واللازورد، وصنعوا الزخارف الشبيهة بالفسيفساء خاصة في معابد اوروك، ويعزو العلماء هذه النهضة الفنية للعبقرية الموروثة التي حفزت تطورها السريع، حيث حققت هذه الشعوب القديمة منجزات حضارية وفنية على رقعة واسعة على ارض-موسوبتاميا-حيث تاسست فيها انظمة حكم وبنيت المدن بطرق معماريه مذهلة واعيه، وصيغت المعتقدات الدينية والاهتمامات بالفكر الفلسفي الديني، وظهور فنّ الكتابة والنحت وممارسات في العلوم تدلّ على التطور المدهش وتعبيرواعي عن خصوبة اهداف الخيال الانساني في بلاد الرافدين.ويبدو ان العراق مدّين الى مجموعة العلماء الآثاريين الذين تركزت جهودهم في اعمال التنقيب المحتلفة واعمال شرح الآثار ومساعدتهم القيّمة في كشف أزدهار الحضارة السومرية وكذلك ما تلاها من الحضارات الاكدية والبابلية والآشوريه ..الخ، حيث تجد ان هذه الحضارات تقدمت بشكل عظيم في مجالات البناء والفنون والثقافة والعلوم الاخرى، فالمدن مسيّجة ومزيّنة بالمباني العامة والقصور والمعابد، كما نظمّت الحكومات القوانين ومشاريع الرّي واستخدموا النقل بالمواصلات النهرية واخترعوا العجلات في النقل البري، وقد تأثر الفنّ بالمعتقدات الفلسفية وافعال القوى الآلهية المخيفة، وكان اكثر الاعمال ندرّة التصاميم الزخرفية والمسّلات التي تخلد النصر والمعارك، كما حظيّ الفنانين الاهتمام بفن النحت البارز والغائر في عمل الاختام الاسطوانية التي تُصَوّر تأملات الفنان السومري وهو يرسم الاحداث والمناسبات اويترجم ماورد في الانشادات الاحتفالية، تؤكد ازدهار وتطور الحياة في مظاهرها وسلوكها وفلسفتها وقوانينها في ظل ملوك سومر بدءاً من كلكامش ملك اوروك، واورنمو في اور و كوديا في لكش وغيرهم

وهناك نماذج متعددة للفن العراقي القديم في العصور السومرية كما هي مثبتة في مؤلفات العلماء المختصين، منها لوحة نقشها-الملك اور-نينا-حاكم لكش-تللو-قرب الشطره جنوب العراق، احتفاءاً ببناءه معبداً جديداً وقد صورمعه افراد عائلته وشخصيات مهمه، وهناك عملاً فنياً ذا اعتبارات جمالية عالية في التصميم وهي-مسلة اي اناتم- من تلول-لكش-تللو-عبارة عن علامة حدودية نصبت بعد احدى المعارك لتسجيل اتفاق تعاقدي بين المنتصر والمهزوم-الخاسر-وكان -الملك اي اناتم حاكم-لكش-تللو- تمكن من القضاء على الفتن والاضطرابات التي كانت تثيرها عليه دويلات المدن المجاورة،  فقام بحملات عسكرية على مدينة-اوما-قرب الرفاعي-التي كانت تضمر العداء لهم وانتصر على ملك اوما - اين آكالا- كما دخل في حروب مع -اور-و-كيش-وانتصر فيها على ملك اور.وكانت مسلة-آي آناتم-من الاعمال الفنية الشهيرة المعروفة بمسلة -العقبان-التي خلد فيها انتصاراته على مدينة-اوما-وقد حظيت بتوصيفات شعبية عراقية طريفة بمقولة-ياحوّم اتبع لو جرينا- كما ازدهرت فنون النحت لتماثيل الآلهة والملوك بالحجر الصلد والمرمر اشهرها تماثيل ملك لكش كوديا التي صنعت من حجر الديورايت الاسود، ومنحوتة راية اور الشهيرة المصنوعة من الحجر، والخوذة الذهبية للملك مسكالا مشار في اور والمصممة بشكل فائق المهارة، وزخرفة الاشكال كما في القيثارة الذهبية من عصر اور وهي مزخرفة الى جانب رأس ثور من الذهب الخالص بالتطعيم بمواد اللازورد والصدف والخشب،  والتي قال عنها عالم الآثار- الدكتور وولي-ان الدهشة تغشي الابصار جراء التنافرالمجّسد في الثور الذي نَمَتْ له لحيَّه .؟-

 

صادق الصافي

كاتب عراقي مقيم في النرويج

 

 

khadom shamhod2كانتابريا Cantabria   هي احد الاقاليم الاسبانية التي تقع في الشمال على شواطىء بحر كانتابريا. ومن اشهر مدنها سانتاندير Santander . وتشير المعلومات من علماء الاثار بأن هذه المنطقة تعتبر من اقدم المستوطنات التي استقر فيها الانسان الاول ويستدلون على ذلك بكهوف التاميرا المشهورة والتي لازالت رسومها البدائية محفورة على الجدران .

يذكر علماء الدراسات الانسانية ان هناك ثلاثة مواقع جغرافية لفن الانسان البدائي  وهي  1- مجموعة كانتابريا الفرنسية .. 2- مجموعة كانتابريا الاسبانية 3 – والمجموعة الافريقية الشمالية وكذلك رسوم البوشمان في روديسيا الجنوبية .. وتحدد تواريخها ما بين  30،000 الى 10،00 ق م – واشهرها واهمها هي المجموعة الاسبانية .

خصائص الفن البدائي

يذكر العلماء ان هناك تشابهة بين رسوم الكهوف في اسبانيا ورسوم قبائل البوشمان في افريقيا وحسب رائ الدكتور هربرت كوهن ان هذه الاقوام ترجع الى جنس مرتبط - بالثقافة الكابسية – وربما يقصد بان تلك الاقوام كانت تعتقد بالسحر وعبادة الارواح والموتى .. ويذكر ان الرسام البدائي كان يملك حساسية جمالية راقية وان الرسوم التي كشفت في الكهوف ليست الا نتيجة لمواهب خارقة . وكان الفنان يتخلى بشكل واضح عن التفاصيل لصالح الرمزية، فهو مثلا  يطيل جسم الثور لكي يوحي بعملية القفز . وعادة ما تكون الرسوم ذات لون واحد ومتدرجة ولها بعدين وخالية من التضليل . وكان الفنان البدائي يشغل وظيفة  في مرتبة مصور البلاط في العصور الماضية حيث له اهمية ومكانة خاصة عند الكهنة والناس و كان يرسم وينحت الآلهة ويجسد الارواح الشريرة وطردها،  وكذلك يرسم  الحيوانات وهي تجري وغيرها من مشاهد الصيد .

كهوف التاميرا

و من جانب آخر يذكر بعض العلماء ان حضورالانسان  واستقراره في كانتابريا يعود الى حوالي قبل مائة الف سنة ق.م. في نهاية العصر الحجري المتاخر ومن المحتمل ان هذا الانسان قد قدم من الشرق او افريقيا عبر مضيق جبل طارق  . وكانت هذه التجمعات البشرية الصغيرة اخذت بمرور الزمن تنمو وتتصل ببعضها حفاظا على وجودها من وحشية الطبيعة . وكانت مهنتها الوحيدة للعيش هي الصيد . ويذكر ان هذه المنطقة تعرضت لمناخ جليدي عم كل انحاء اوربا حيث تجمد كل شيء في الطبيعة مما اضطر الانسان الى الانتقال بضع كيلو مترات الى الداخل .

وقد عثر  في المجموعة الاسبانية على ثروة ثقافية وفنية تعد من اهم ماوجد في العالم  عن حياة الانسان الاول والذي ينسبه بعض المؤرخين الى العصر الحجري الاول .

وقد عثر  العلماء على عدد من الكهوف في شمال اسبانيا و التي تحتوي على  رسوم رائعة محفورة على الجدران ، ولكنها بمرور الزمن درست ثم اعيد ترميمها واصلاحها . ان ماتحتويه هذه الكهوف هو شيء مثير للاعجاب والتامل حيث اشارت الى كيفية  معيشة وحياة ذلك الانسان القديم ومعتقداته . وقد عثر على هذه الكهوف في اماكن Altamira، EL Castillo، La pasiega، Los Monedas، Covalanas، EL Pendo، Hornos de la pena ،EL Pendo وغيرها من اماكن تواجد الانسان القديم في منطقة كانتابريا .

التقنيات البدائية

وقد احتوت كهوف هذه المناطق على ثروة هائلة من الاثار الفنية . فقد وجدت رسوم بدائية متنوعة لحيوانات بسيطة الاشكال واخرى  اسطورية، منفذة على الجدران،  كما وجدوا اثاث وادوات  واشياء كثيرة، مثل العظام والاسنان وغيرها، والتي تستخدم بعضها كسلاح .

وقد نفذت هذه الرسوم بتقنيات مختلفة ومتعددة منها الحفر والتصوير والنحت وكان الحفر قد نفذ بواسطة اصابع اليد على مواد رخوة مثل الطين وكذلك بواسطة مادة الحجر  بعد سنها  وحدها  لاجل استخدامها في الحفر على الموادة الصلبة .

وكانت الاصباغ المستخدمة في الرسم مأخوذة من مواد طبيعية مثل اوكسيد الحديد ذو اللون القهوائي ومادة الكاربون النباتية  وغير ذلك،  وبدأت هذه العملية تنموا وتتطورا بمرور الوقت . يضاف الى ذلك ان الانسان الفنان القديم قد اشتغل في  اشكال الاحجار والجدران وتحويلها الى اشكال فنية جميلة واصيلة . هذه الاعمال البدائية نشاهدها اليوم عند مداخل الكهوف التي ذكرناها سابقا .

كما استغل الانسان القديم ضوء النار  وتوظيفه  في تنفيذ الاعمال وتقنية الالوان وكان احيانا يرسم على ضوء المشاعل داخل الدهاليز والكهوف . واصبح الرسم جزء من حياته ومعيشته، وكان يعتقد بالسحر، فعندما يهم في الخروج للصيد عليه قبل ذلك ان يرسم الحيوان على الجدار مضروبا بالسهام ومقتولا، وما عليه الا الخروج والقبض عليه ..

وقد فكر ذلك الانسان في جعل رسومه بعيدة عن تأثيرات مناخ الطبيعة المتقلب من حر ورطوبة وبرد وغيرها وفعلا نجح في ذلك حتى وصلتنا اليوم عبر الاف السنين .

وكان الموضوع الرئيسي الذي يظهر في رسوم الانسان القديم هوموضوع الصيد الذي كان  شاغله اليومي والذي يعيش عليه . فقد رسم عدد من الحيوانات مثل الغزلان والثيران الوحشية والابل والحصن . ولكن لم نجد حضورا واضحا ابداً للحيوانات الجارحة مثل الصقور وكذلك لم نجد تمثيلا لاشكال الانسان ماعدا طبعات الاصابع والايادي . وبالمقابل نجد زخما وكثرة في الزخارف المتنوعة من اشكال هندسية ونباتيه واشكال رمزية وغيرها . هذه الرموز نجدها غير واضحة المعاني ويعتقد انها ربما وضعت لطقوس دينية على الموتى وقضايا سحرية اخرى .

هذه النشاطات الفنية والاعتقادات الدينية كلها كانت قد بدأت حسب بعض المؤرخين وعلماء الاثار عند نهاية العصر الحجري الاول وبداية العصر الحجري الثاني او الحديث . وفي هذه المرحلة بدأت تظهر الغابات والاعشاب وبدأ يختفي العصر المتجمد مع اختفاء الحيوانات التي كانت عائشة على جو البرودة .

هذه التحولات دعت الانسان القديم الى التكيف مع الطبيعة والاتجاه الى الزراعة وتربية الحيوانات وتكوين التجمعات السكنية ثم انشاء المجالس الادارية الصغيرة كالمختارية على سبيل المثال وهكذا بدأت الحياة في التمدن والتحضر شيئاً فشيئاَ .

 

د. كاظم شمهود

 

 

lutfi shafiksaedالطبيعة هي أهم مصدر من مصادر إلهام الشعراء والفنانين لما تحتويه من جمال خلاب ولأجل أن يعثر الأخرون على هذا الجمال عليهم اللجوء إلى الطبيعة وما تتميز به من مناظر أخاذة وما عليهم إلا أن يمعنوا النظر بما يحيط بهم من تلك المناظر، ولأجل التعرف على جمال الطبيعة ورونقها يمكنهم أن يدققوا بالصور (الفوتغرافية) التي التقطوها في مناسباتهم العديدة وخاصة تلك التي صورت في الخارج وفي الهواء الطلق وستظهر لهم أن كل ما تم نقله من الواقع ما هو إلا لوحات فنية زاهية الألوان وكل صورة تعكس لونا معينا وبدرجات متفاوتة بين التي هي في الظل أو التي تحت وهج النور، إن ما يجعلنا أن نهمل كل هذه المتعة هو مشاكل الحياة اليومية ومشاغلها التي تنسينا رونق هذا الوجود الرائع ونمر عليه مرور الكرام، ولا غرابة من أن حالة الاندماج مع الطبيعة تتجسد لدى الشعراء والفنانين لما يمتلكونه من مشاعر وأحاسيس تؤهلهم من اظهارها بشكل يختلف عن الواقع المعتاد لإن الشعر والرسم لا يختلفان في المضمون فالشعر هو رسم بالكلمات والرسم هو قصائد ملونة.

لقد أقترن فن الرسم مع بداية ظهور الإنسان على الكرة الأرضية وقد أظهرت التحريات والبحوث بأن الإنسان القديم الذي اتخذ الكهوف والمغارات مسكنا له قد مارس فن الرسم على جدران تلك الكهوف والمغارات وسمي هذا النوع من الفنون (فن المتعرجات) حيث كان إنسان ذلك الزمان يتخيل أشكال الحيوانات التي كانت سائدة في وقته كحيوان (البيزون) والأيائل والخيول وتتجسد أشكالها على تعرجات صخور الكهف والمغارة ومن خلال انعكاسات ضوء الشعلة التي كان يستخدمها حينذاك ولم تقتصر رسوماته على الخطوط فقط بل دأب على تلوينها بما يبتكره من مواد بديلة كدم الحيوانات التي يذبحها وألون أوراق الأشجار وبقايا الرماد والسخام وبعض اتربة الأحجار الملونة كما تظهره تلك الرسومات المدهشة الموجودة لحد الآن على جدران ومغارات في شمال فرنسا والتي مضى عليها آلاف السنين قبل الميلاد ومنذ عصر إنسان الكهوف.

148 jutfishafik

إنني وفي هذه المقدمة الموجزة أردت أن أبين مدى حب واهتمام الإنسان لفن الرسم وقد كان لي الجزء اليسير منه حيث لم تسنح لي الظروف بإن أوفي حقها واشباع رغبتي وهوايتي التي بدأت لدي منذ الصغر إلا أنني مع هذا فقد واكبت وتابعت كل ما يتعلق في هذا المجال وأطلعت على العديد من اللوحات العالمية وتعرفت على أهم الفنانين العالميين عن طريق لوحاتهم وأسلوبهم في الرسم لدرجة أصبحت لي القدرة على أن أميز لوحة كل فنان بحيث أدرك أن هذه اللوحة هي للفنان الفلاني بمجرد النظر اليها ومثال على ذلك إنني أتمكن أن أميز لوحات الفنان رامبرانت التي يعتمد فيها على الضوء والظل في جميع لوحاته كما أن الفنان رينوار فطريقة رسمه تتميز بالمكورات والمدورات وإن أغلب نساء لوحاته تبدو اجسادهن ووجهن مكتنزة ومكورة وما نشاهده في لوحات سيزان الذي يعتبر مفتاح الفن الحديث في عصره فقد اختزل ألوان الطبيعة واستعاض عنها بألوان براقة وحارة وللفنان ماتيس تجربة فريدة وهي استخدام قصاصات الأوراق الملونة ليحولها إلى أجمل لوحات ابهرت مشاهدي متاحف الفن الحديث في لندن ونيويورك وكذلك يمكننا التعرف على لوحات الفنان مودلياني التي يركز فيها على الأجسام الطويلة ودقة اجزائها وخاصة طول الرقبة وضمور الأكتاف أما لوحات الفنان كيلي فهي عبارة عن خطوط دقيقة متشابكة تقترب اشكالها للأسلاك المعدنية وقطع الحديد الدقيقة ولقد اشتهرت لوحة الفنان ادجار مونيخ التي تحمل عنوان الصرخة عالميا لذلك فإننا نجد أن أكثر لوحاته متأثرة بتلك اللوحة أيضا وهنالك الكثير من اللوحات بإمكان  المشاهد التعرف على صاحبها فليس من الصعب التوصل إلى ما انجزه كل من الفنان فان كوخ والفنان بول كوكان فإن الأول اعتمد في رسوماته اللونين الأصفر والبرتقالي وأعجابه بحقول عباد الشمس وأزهارها ذات اللونين المذكورين أما الثاني فقد تميزت لوحاته بالحافات الحادة والبارزة وقد أطلقت تسمية الحوشية أو الوحشية على طريقة رسمه وكثيرا ما أختلف مع صديقه فان كوخ حول الأسلوب والألوان أما الفنان أدغار ديغا فإنه بالرغم من كونه رساما انطباعيا لكنه فضل الرسم في الأماكن المغلقة كصالات الأوبرا والمسارح وساحات سباق الخيول وليس صعبا على المشاهد أن يميز لوحات كل من الفنان بيكاسو والفنان سلفادور دالي فقد أنجز هذان الفنانان آلاف اللوحات منها التجريدية التي امتاز بها بيكاسو والسريالية التي اشتهر فيها دالي .

 إنني في الآونة الأخيرة وفي عمر متأخر وجدت أن أحسن وسيلة للاستفادة من الوقت المتبقي من العمر هو أن استغله بممارسة الرسم وبهذه المناسبة أدعو أخوتي وأخواتي وأبنائي وبناتي أن لا يضيعوا أي فرصة من الوقت الفائض وأن يختاروا هذه الممارسة الممتعة ولو بطريقة بسيطة وعندها سيتأكد لهم بأن الرسم هو غذاء الروح وسلوتها.

 إن اللوحة هذه التي انجزتها مؤخرا والتي استغرق رسمها مدة شهر كانت بدايتها غير التي تشاهدونها فقد قمت خلال الشهر المذكور وبمعدل ساعتين أو أكثر يوميا على رسم صورة ثم أقوم بإلغائها وعلى نفس القماشة وبألوان (الأكريلك) الصعبة نوعما والصورة هذه هي نتيجة محاولات تجاوزت خمسين محاولة احتفظت بها في هاتفي النقال وأنني مدرك صعوبة عرضها هنا لأسباب تقنية بحتة وإن المهم من كل ذلك إنني متعت نفسي ووفرت لها فرحا مجانيا.

اللوحة أو الرسم الأخير هنا مستوحى من رسومات عديدة لنساء القارة السمراء وبأوضاع مختلفة اقتبست منها هذه الوضعية بعد إضفاء الروح الفنية خاصتي وهو المنظر الخلفي الذي يعكس تلك البيئة الصحراوية والسماء الزرقاء المترامية أتمنى أن تحظى بأعجاب المشاهد الكريم وتنال رضاه .

 

لطفي شفيق سعيد

esmat shahindusakiمن ضروريات حياته الفنية اللون والشكل المعاصر

الفن التشكيلي المعاصر جزء من ثقافة الشباب الكورد الذين يحملون في أعماقهم أحلام عصرية وأفكار متطلعة وخيال خلاق لما هو مميز وجميل، فهو يشكل عنصر مهم للاتصال الروحي والفكري والبيئي الذي يعيش فيه الإنسان، فن يشكل ثقافة عالية لا تخص المترفين ولا هو أحد صور البذخ والفراغ واللعب واللهو، لذلك الفن التشكيلي المعاصر يعتبر موهبة لبعض البشر المميزين المبدعين، موهبة لها عوالمها الواسعة وخيالها المتشعب بين السمو والجمال والرقي الروحي وجمالها الناظر بعيون ناظرة، ومع تداخل الثقافات والحضارات في العالم وتأثيرها المباشر للمعني والمهتم جعل التحرك في ظلها بتأثيرها والحث على ممارستها بصورة جديدة ومهارات راقية بتواصل فني مع تدارك دراستها وإظهارها في أعمال فنية منفردة أو مشتركة بمنهجية تفتح المجال للتغيير والتثقيف والرؤى الحديثة والإبداع باستخدام كافة الأدوات المعاصرة ضمن مفاهيم فنية معاصرة .

هذا المخزون الفني الفكري الخيالي العميق من أحاسيس وعواطف ومشاعر وانفعالات وانتكاسات وتناقضات تجسد على اللوحة الفنية لتعتبر رسالة مهمة موجهة للمتلقي والمجتمع والعالم، فكل فنان تشكيلي معاصر يعتبر نفسه مكمل في طريق الفن ورسالته الفنية إنسانية مستمرة يجددها فكريا وتقنيا ولونيا وشكليا لأنه يرى الحالة التي أمامه ومن خلال مشاهداته وإدراكه لما يدور في بيئته والعالم يجسد من خلال اللون والشكل قضية اجتماعية إنسانية برؤيته الفنية الخاصة .

1428 jutyar1

الفنان التشكيلي المعاصر جوتيار نذير من ضروريات حياته الفنية الأولية اللون والشكل المعاصر، يحاول في لوحاته أن يقدم فن معاصر لكوردستان والعالم عامة وحلمه أن يصل إلى أبعد نقطة على خارطة الإنسانية، يبحر في عوالم المدارس الفنية المعاصرة الانطباعية الواقعية والتجريدية الذي يجعل من نسيجه الداخلي والخارجي وأجواؤه النافذة بمختلف المناخ إلى العمق الخيالي والرؤى الواقعية مع تصور البناء البيئي وإضافة عناصر حديثة تطورية تنموية حتى يكون الفن معبرا أكثر، فهي رغبة ملحة على الفنان التشكيلي جوتيار نذير أن يقدم ما هو الأفضل في أعماله الفنية حتى لو كان متأثرا بثقافات العالم فيظل الفن التشكيلي المعاصر موهبة وصنعة وإتقان في إنتاج عمل فني مميز مضمونه الجمال والفكر والتخيل والإبداع .

1428 jutyar2

ظهرت جدليات في الفن بين القديم والجديد المعاصر وعند دخول القرن العشرين الذي يمثل مرحلة تعقيدية بين جدل الفن القديم والحديث ليعطي أبعاد جديدة لأبعاد عصرية مختلفة الرؤى وانطباع لفكر فني معاصر، وقد ظهر بعد ما يسمى " الوحشيون " ورائده الفنان "ماتيس" فكانت لوحاته متعة وراحة فقد تميز باللون والشكل وجعل الفن روح المتعة والراحة للإنسان، فالاهتمام باللون والشكل يجب أن يكون دقيقا يستوعب الفكر والخيال والواقع ليعكس مفهوم الفن، كذلك أخذت الزخرفة تلعب دورا مهما رغم إنها لم تعتبر فنا وفق المفاهيم الفنية الأوربية، ثم توسع مفهوم الفن التشكيلي المعاصر ليرتبط بمفاهيم التعبيرية ليظهر البعد الثاني في القرن العشرين المتمثل بفن " بيكاسو  وبراك" لكشف واقع تعبيري درامي جديد، يقول بيكاسيو: " إن الأشكال تعيش حياتها الخاصة في العمل الفني " أي لكل من الشكل والفن حياة خاصة .

في لوحات الفنان التشكيلي جوتيار نذير أشكال متعبة في الحياة ووجوه أظناها الواقع وأحلام هاربة حينا وتستغيث حينا آخر،ألوان تعكس الغموض والحلم والتمرد والهدوء والصخب والحياة، وبين رؤى الواقع والتعبير والتجريد تغدو لوحاته عالم بلا حدود بألوان هرمونية مشعة رغم الحزن وأشكال متناهية كأنك في حلم عميق بين أمواج هادرة وتكهنات أفقية طلسمية، لوحات جوتيار تجردها الألوان لتغدو كامرأة عارية نتيجة الدقة في استخدام اللون، حيث اعتبر لوحاته مجسدة بألوان كوردستانية لتناغم ألوان الطبيعة والأشكال والإنسان تمد المتلقي أبعاد عصرية مختلفة الفكر والجمال والخيال والإحساس .

الفنان التشكيلي جوتيار نذير مع تواصله ومتابعته الدراسية  التشكيلية الأكاديمية التي تجعله أكثر عمقا ودراية بالفن التشكيلي المعاصر عامة يعتبر طموحا كورديا إنسانيا راقيا للتطور والارتقاء وهو حق مشروع أن يكون الفن الكوردي المولود من البيئة الكوردية المحلية إلى سمو العالمية مادام عنوانه الحب والسلام والجمال والإبداع .

 

عصمت شاهين دوسكي

.............................

(جوتيار نذير حجي) من مواليد ١٠/٣/١٩٩٣ ولد في محافظة دهوك، التحق بمعهد فنون الجميلة بدهوك ودامت دراسته خمس سنوات في قسم الفنون التشكيلية (ألوان) ولقد شارك في جميع نشاطات ومهرجانات المعهد .

ثتخرج من المعهد في عام الدراسي ٢٠١٥-٢٠١٦، في فترة (٢٠١١-٢٠١٦) مشارك في عشرين من معارض المناسبات الوطنية ومواضيع النازحين ومشاركة في دورة الثاني عشرة ل (گه‌له‌ری) دهوك ٢٠١٥ ودورة الثالث عشر ل (گه‌له‌ری) دهوك على مستوى الإقليم ٢٠١٦ وتطوع مع المنظمة (يونيسف) بصفة مسؤول للشؤون الفنية من فترة (٢٠١٥ -٢٠١٦) شارك في أكثر من مئة نشاط للمنظمة الأممية (يونيسف) بتعاون يابان وألمانيا وفتح دورة تدريبية للفنون التشكيلية بالتعاون مع مركز شباب دهوك لمدة شهرين متتالين.

وحاليا مستمر على الدراسة وطالب كلية آداب قسم الفنون التشكيلية (ألوان) ..

 

 

adnanhusan ahmadمزاد كريستيز يعيد الاعتبار للفن العراقي الحديث

نظّمت دار كريستيز بلندن فعالية فنية هي الأولى من نوعها في هذه المضارب تحمل عنوان "مزاد فنون الشرق الأوسط الحديثة والمعاصرة" الذي انعقد يوم 25 أكتوبر الجاري وقد سبقه عرض خاص للصحافة والإعلام تحدثت فيه خبيرات الدار عن بعض الأعمال الفنية المُشاركة التي بلغ عددها 57 لوحة وعملاً نحتيًا لـ 42 فنانًا تشكيليًا يمثلون تسع دول عربية وشرق أوسطية وهي مصر والعراق وسوريا ولبنان وفلسطين والكويت والإمارات العربية المتحدة وإيران وتركيا. وقد واظبت كريستيز على عقد مزادات الفنون الشرق أوسطية في مدينة دبي منذ أحد عشر عامًا لكنها أرادت أن تُعزز الفن التشكيلي في تلك المنطقة لذلك منحت المزاد منصة عالمية مرموقة تؤمّها الشخصيات المُولَعة باقتناء الأعمال الفنية أو المُتاجِرة بها في كبريات العواصم العالمية.

لم يتوقع المتابعون لهذا المزاد أن تتضاعف الأسعار التخمينية لبعض الأعمال الفنية إحدى عشرة مرة مثل لوحة "أسى" للفنان التشكيلي العراقي محمود صبري التي بيعت بمبلغ  668,750 ألف جنيه إسترليني بينما كان السعر التخميني الأعلى لها هو 60 ألف جنيه، وهذا الأمر ينطبق على لوحة "بائع الرقّي" لجواد سليم التي تضاعف سعرها ثلاث مرات وقفزت من ربع مليون جنيه إلى نفس السعر الذي بيعت به لوحة الفنان محمود صبري. كما حققت أعمال فنية لشفيق عبود، ومحمود سعيد، ورمسيس يونان أسعارًا باهضة جاوزت الربع مليون جنيه إسترليني، فيما بيعت اللوحات والمنحوتات الأخر بأسعار معقولة تتناسب مع القيمة الفنية لكل عمل على انفراد.

يمكن تقسيم المزاد إلى ستة محاور رئيسة بحسب البلدان التي انتظم فيها الفنانون التشكيليون أولها مصر التي حضرت بقوة من خلال 11 فنانًا أبرزهم محمود سعيد، ورمسيس يونان، وعبد الهادي الجزّار، وجورج حنّا صباغ، وأحمد عسقلاني لكنهم جميعًا لم يتجاوزا السعر الذي حققته اللوحتان العراقيتان المُشار إليهما سلفًا مع أن لوحة محمود صبري هي لوحة تشخيصية بامتياز ويمكن أن توضع ضمن كلاسيكيات الفن العراقي، والمعروف عن صبري حداثته الفنية، وولعه بالرسم الهندسي، ونظرية الكمّ التي تكشف عن العلاقة العميقة بين العلم والفن. تنوعت التيارات والمدارس الفنية التي انضوى تحت لافتتها الفنانون المصريون بدءًا من الواقعية والانطباعية والتشخيصية، مرورًا بالتعبيرية والرمزية، وانتهاء بالسريالية، والتجريد، وهي ذات المدارس التي مرّ بها معظم الفنانين العرب إذا أضفنا إليها التجريد الهندسي الذي برع محمود صبري، ومهدي مطشر.

1427 adnan1

لوحة "أسى" للفنان التشكيلي العراقي محمود صبري

كل الأنظار كانت متجهة إلى اللوحات الفنية الثلاث لمحمود سعيد (1897 – 1964) الذي يُعتبر واحدًا من أبرز مؤسسي الفن الحديث في مصر، وقد حقق شهرة واسعة خلال رحلته الفنية الطويلة التي لم يتفرغ إليها كليًا إلاّ بعد سن الخمسين حينما طلب الإحالة على التقاعد ليكرّس كل وقته لمشروعه التشكيلي الذي تتوّج ببيع لوحة "الدراويش" التي أنجزها عام 1929 في مزاد دبي عام 2010 كـ "أغلى لوحة تشكيلية لفنان عربي بالعالم" إذ بلغ ثمنها 2.536.500 دولار أميركي ليُنهي الخرافة القائمة بأن الفنانين الأوروبيين والأميركيين هم الذين تفرّدوا ببيع لوحاتهم بأسعار فلكية. وهذه التُحف الفنية الثلاث لمحمود سعيد هي "عارية مع الستارة الرمادية" و "ذات العينين الخضراوين" و "هانم" وقد بيعت الأخيرة بمبلغ 320,750 جنيه إسترليني بينما توقع النقاد والخبراء أن تتصدر لوحاته الفنية أعلى الأسعار في المزاد الذي تفوقت فيه لوحتا محمود صبري وجواد سليم مُحققة أرقامًا قياسية تدلل على أهمية الفنانين العراقيين الذين أعادوا للفن التشكيلي العراقي هيبته ومكانته الإبداعية في العالم.

1427 adnan2

لوحة "بائع الرقّي" للفنان التشكيلي العراقي جواد سليم

حظيت لوحة La passion Sauvage للفنان المصري الراحل رمسيس يونان (1913- 1966)  باهتمام المتنافسين على اقتنائها في المزاد، وتُعتبر هذه اللوحة الأكثر تعقيدًا في منجزه الفني وهي تمثل ذروة الصراع الذي يدور بين الوعي واللاوعي. يعدّ يونان مؤسس السريالية والتجريد في مصر وقد بيعت لوحته بنحو ربع مليون جنيه إسترليني بينما لم يتجاوز سعر لوحته الثانية "قواقع" سقف العشرين ألف جنيه.

أما الفنان المصري الثالث الذي اشترك عمله في المزاد فهو النحات أحمد عسقلاني (1978) الذي ينطلق دائمًا من شعار "البساطة فلسفتي" وتتمحور تجربته النحتية على رؤوس صغيرة جدًا مثبتة على أجسام ضخمة، وربما يكون عمله النحتي الموسوم بـ "المفكّر" هو خير دليل لما نذهب إليه في تكثيف الدلالة، وإدهاش المتلقي.

تستحضر كريستيز العديد من نتاجات الفنانين العرب من بينهم الفنان الواقعي السريالي السوري فاتح المدرِّس الذي كان يرسم شخصيات مجهولة لا يعرفها المتلقي غير أن اللوحتين المعروضتين في هذا المزاد تضم وجهين مألوفين. ففي اللوحة الأولى غير المعنونة التي أنجزها المدرِّس عام 1974 نرى فيها شخصية سورية معروفة وهي أمل الغازي التي تحتضن طفلاً وتعكس من خلاله معنى الأمومة. فيما نرى في اللوحة الثانية شقيقها غيث الغازي وهو يحتضن عدة أطفال مُجسِّدًا أبوّته الحانية.

أما الفنان السوري الثاني فهو مروان قصاب باتشي (1934- 2016) الذي عرف برسم البورتريهات أو "الرؤوس" كما يسمّيها. ولوحته غير المعنونة التي رسمها عام 1976 تستحوذ على سطح العمل برمته وهي تعكس منحىً تعبيريًا واضحًا يتجاوز المعالم الخارجية للوجه ويغوص في أعماق الشخصية المرسومة التي تكاد تلتهم الفضاء الذي يحيط بها.

يُحيلنا الفنان اللبناني شفيق عبود(1926- 2004) إلى الأزياء الصينية فيما تأخذنا هيلين خال(1923- 2009) إلى عالمها الفني الذي يتكامل فيه التشخيص مع التجريد كما في لوحة الصبي الصغير الذي يرتدي شورت سباحة وخلفه مجموعة من الأشكال الهندسية التي يتسيّد فيها اللون الأزرق.

احتفى المزاد بأعمال فنية لاثني عشر فنانًا إيرانيًا بينهم بهمن مُحصص(1931- 2010) الذي حُطمت أعماله بعد الثورة الإسلامية. وكدأب الفنانين الأصلاء كان مُحصص يخشى من المستقبل، ويحاول قراءته جهد الإمكان. ففي أواخر عام 1976 عانت إيران من أزمة حادّة، وتضخم مالي، وبلغت التناقضات الاجتماعية ذروتها فرسَم المستقبل المتخيل باللون الأسود على سطوح تصويرية دموية، وبأسلوب مؤثر يستدعي أسطورة تيريسياس الذي يمثل الفنان نفسه فلا غرابة أن نجده مفزوعًا بعينيه المفتوحتين عن آخرهما وهو يقف وسط حيوانات مهجّنة تبث الرعب في عيون المتلقين. ثمة لوحة مهمة للفنانة منير شاهرودي فرمانفرمائيان تحمل عنوان "نبضات القلب" التي تُذكِّرنا بالصور البيانية الكهربائية لعمل القلب لكنها مُنفذة على الموزائيك العاكس  طبقًا للأسلوب القاجاري الذي كان شائعًا في إيران قبل قرن أو يزيد.  ثمة فنانين إيرانيين آخرين حققوا حضورًا لافتًا سواء بلوحاتهم أو بمنحوتاتهم مثل منحوتة "العاشقان" لبرويز تناولي، ولوحة "الإناء العائم" لفرهاد مشيري، و "المنمنمة الزرقاء" لشيشه كَران وسواها من الأعمال الفنية القيّمة التي أثارت شهية المتنافسين على الاقتناء.

لابد من الإشارة في خاتمة المطاف إلى الفنانين الأربعة الآخرين الذين مثلوا الإمارات والكويت وفلسطين وتركيا وكانت أعمال البعض منهم تتوفر على لمسات فنية ربما لم تصل إلى أذهان المُقتنين وخاصة لوحة "العارية المتكئة" للكويتية- السعودية منيرة القاضي التي موّهت ملامح الوجه لكنها ركزت بالمقابل على المواصفات الجسمانية التي قدّمتها للمتلقي بطريقة احترافية لافتة للنظر.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

saieb khalil2منذ زمن طويل يسحرني الرسم الصيني لما فيه من اختزال مدهش ورشاقة أخاذة. وأخيرا قررت ان اجربه لأرى ما مدى الصعوبة في رسم غصن فيه بضعة أوراق باللون الأسود فقط؟ كانت تجربة مدهشة ما أزال اخوض بدايتها وأود مشاركتكم ما اكتشفت فيها.

اكتشفت ان الرسم الصيني، رغم بساطته، لكنه خطير الدقة. فلديك ضربة فرشاة واحدة لترسم ورقة واحدة! وسحبة فرشاة واحدة لترسم غصناً بكل تعرجاته وتفاصيل سمكه ونحافته. وفي ذات الضربة، عليك ليس ان تعطي الشكل المناسب لما ترسم، وإنما أيضا أن تعبر عن طبيعته وحركته، وأن يكون جزءاً منسجما مع الكل الذي رسمته او سترسمه بعد قليل.

هذا التحدي الكبير يعني بالنسبة للرسام أن فرشاته سوف ترسم حافتي الورقة في نفس الضربة، فعليه ان ينتبه للجانبين في نفس الوقت. وعليه ان يحسب ضغط الفرشاة على الورقة ليتحكم بسمك الورقة. ولأجل انجاز ذلك بحافات صحيحة ونقية وأن تكون كثافة الحبر أو الألوان هي المناسبة التي كان يريدها، فعليه ان يعرف كمية الحبر أو الأصباغ والماء في فرشاته ويتأكد منها. لأن كمية ماء زائدة سوف تجعل رسم الحافة الحادة صعبا واللون خفيفا. وإن كان الماء أو الحبر قليلا، فعلى الرسام ان يحسب ان بعض شعرات فرشاته سوف تنفصل عن جسم الفرشاة لترسم خطوطا قد لا يريدها. كما ان رفع الفرشاة عن الورقة قد لا ينتج الشكل النهائي الذي يبتغيه.

ماذا عن الأغصان؟ اليست خطوطا بسيطة؟ نعم لكنها ستبدو كخطوط في اللوحة وليس كأغصان! إن أردنا لها ان تبدو كأغصان فعلينا قبل كل شيء ان نسيطر تماما على سمكها، وهو ما يعني ضغط الفرشاة على الورق، الغصن يزداد نحافة كلما اقترب من حافته، لكن هذا لا يعني ان تلك النحافة تأتي بشكل منتظم، بل يستمر الغصن في نفس السمك لمسافة ثم ينحف فجأة حين يتفرع منه فرع. و "نفس السمك" شيء تقريبي أيضا، فهو ينحف بشكل قليل ودقيق. واهم شيء ألا يخطئ الرسام في أي ضغطة إضافية تتسبب في "ورم" لا معنى له في الغصن، ولا يمكن ازالته، ويكتشف المشاهد أن ما امامه ليس غصناً بل خطوط فرشاة فقط!

ولا تقتصر المهمة على رسم الأوراق المفردة والاغصان بسحبة فرشاة واحدة، بل يلعب "تصميم" تشكيلات أوراق البامبو دوراً أساسيا في تشكيل اللوحة. ولو حاولت ان ترسم مجموعة كبيرة من تلك الأوراق بنفسك، وحتى لو رسمت كل ورقة بشكل صحيح، فإنك ستجد نفسك بعد بضعة أوراق، في "خبصة" بشعة لا علاقة لها بالفن.

الفنان الصيني يحترم تصاميم الأوراق ويحبها. ويعطيها أسماءا جميلة ومناسبة، مثل "السنونو" الذي يتكون من ورقة صغيرة هي "رأس السنونو" وورقتان طويلتان يمثلان "ذيل السنونو" ثم هناك "جناحا السنونو": ورقتان تتميزان بظهور غصنيهما وبالتفاتتهما. ومن مثل هذه المجموعات تتكون كتلة الأوراق التي لا "تنخبص" بل قد يتساءل المرء إن كانت أوراقا أم طيورا؟ ويتساءل إن كانت الشجرة ترقص أم هي واقفة؟ إن الرسام الصيني لا يرسم شيئا لا روح فيه ابداً. لأنه يعتبر نفسه كما يبدو، وكأنه لم يرسم شيئا عند ذاك.

لكن كيف نصل إلى "روح الأشياء"؟ إنها ليست قضية سحرية او معجزة لا يصلها إلا الراسخون في الفن، بل هي مثل معظم ما في الحياة، نصله بالاقتراب منه واعطاءه الوقت اللازم. وأهم شيء طبعا هو مراقبة "الأشياء" وكيف تتعامل مع محيطها الذي تعيش فيه.. كيف تتصرف الأوراق في العاصفة؟ كيف تتوزع على اغصانها؟ كيف يقف العصفور على الغصن؟ كيف يفتح منقاره؟ كيف “يتعارك” مع غيره؟ الخ

هذه الأشياء ليست خاصة بالرسم الصيني طبعا، إنما هي عامة. فالرسام يقول في لوحته: انظروا.. اكتشفت ان الأمواج تترتب بهذا الشكل، وان الغيوم ليست مجرد بقع بيضاء تأخذ أي شكل كان في السماء. الرسام يجب ان يكون قد رأى الأشياء بأفضل مما يراها الآخرون، وإلا فلن يستطيع ان يقول لهم شيئا في لوحته. ولكن هذا لا يكفي، فيجب على الرسام أيضا ان يختار ما ينقله في لوحته وما يهمله من تفاصيل وملاحظات. فهو يقول لمشاهده: أنظر، من بين كل التفاصيل.. هذا هو الجميل، وهذا الجميل هو فكرة لوحتي. تماما مثلما يفعل المؤرخ الذي ينتقي من بين كل احداث التاريخ ما يعتبره "الأهم" ويهمل الباقي، فيقول لقارئه: أنظر.. هذا الحدث مهم بشكل خاص لأنه كذا وكذا، وعليه وعلى تداعياته، أؤلف كتابي. أما الرسام الذي يرسم كل شيء والمؤرخ الذي ينقل كل شيء فلن يكون قد أدى واجبه كاملا. قد نعجب بإمكانيات الرسام الذي رسم كل التفاصيل وقدرته على اختيار اللون ودقة الرسم وطول الصبر، مثلما نعجب بالجهد والوقت والمواظبة لمؤرخ يغرق كتابه بالتفاصيل والاسماء والتواريخ، لكننا لن نخرج بشيء من كتاب هذا او لوحة ذاك. لن نعرف ما هو مهم في هذا التاريخ ولا ما هو جميل أو قبيح في ذلك المنظر الذي رسمه.

إن هذا الاختيار وهذه التنقية من التفاصيل تسمى "التجريد". ونحن نطلق صفة "التجريد" على الرسم الذي لا يكاد يستطيع المشاهد فيه ان يربط بينه وبين أي شيء محدد من الحياة، لكننا في الحقيقة نرسم "تجريدا" كلما أهملنا بعض التفاصيل. والحقيقة اننا نفعل ذلك سواء أردنا ام لم نرد، فمن المستحيل رسم كل التفاصيل. لكن الرسام الجيد هو من "يختار" بوعي ما يهمل وما يبقي من تفاصيل، فيركز الجمال في لوحته أكثر مما هي في المنظر الذي أمامه، مثلما يركز المؤرخ "المعنى" في روايته للتاريخ، أكثر من الحدث نفسه. ولأجل انجاز ذلك لابد ان يراقب الرسام موضوعه ويتأمل المؤرخ احداثه بصبر أكبر ومحبة أكبر ويعطيانهما وقتا وجهدا أكبر مما يفعل الشخص العابر. ويحتاج مشاهد اللوحة وقارئ التاريخ أيضا بعض الجهد ليصل اليه ما أراد المؤرخ والرسام ايصاله له.

المحاولات الفاشلة الأولى لرسم غصون الأشجار كما يفعل الصينيون بضربة واحدة، جعلتني أبحث عن السبب، واكتشف ما هو الفرق بين خط الفرشاة وبين الغصن، وما الذي يجب على الأول ان يفعله لكي يبدو مثل الثاني ويتمكن من "خداعنا". وبالفعل تمكنت من تسجيل تقدم سريع، حتى إني احتفظت ببعض تجاربي بشكل لوحات، بعد ان اكملتها بالرتوش المناسبة (من الصور المرفقة، اللوحات المؤطرة ولوحة شجرة الورد هي تجاربي). وكانت سعادتي بالتقدم ان أطلقت طموحات لتأمل إمكانية رسم لوحات عراقية بالطريقة الصينية او بشيء مقارب لها، خاصة وأن النخيل ربما يكون موضوعا مناسبا لمثل هذا النوع من الرسم، لكن الطريق مازال طويلا جدا طبعاً.

وهكذا كسبت من هذا التمرين بضعة لوحات إضافة الى سعادة الإنجاز، كلما اكتشفت طريقة لتجاوز مشكلة ما. وفوق ذلك لاحظت أني في هذه الفترة بدأت أتطلع إلى الأشجار التي امر بها، بنظرة باحثة مستفهمة عن التفاصيل التي تشرح طبيعة الشجرة وحياتها في محيطها، مع نوع من الاحترام والحب الإضافيين لـ "كل ما أفقسته حرارة الشمس" (نيتشه) من احياء، وشعور بأني أقرب اليها قليلا مما كنت، فالمعرفة تزيد القرب. وفي نشوتي الصغيرة هذه تخيلت الرسام الصيني الذي يقضي عمره متطلعا الى الطبيعة.. كم يجب ان يكون قد أحبها وامتزج بها وكم يجب ان تعني بالنسبة له أشجار قصب البامبو واغصانها واوراقها أكثر مما تعني بالنسبة لنا، وكيف "صادقها" وصادق عصافيرها وتآلف معها كأجزاء متجانسة من الطبيعة، وما احوجنا جميعا الى ذلك!

 

صائب خليل

           

 

adnanhusan ahmadأفتُتِح في "غاليري ويلِزدن" بلندن معرض مشترك لخمسة فنانين سوريين ينتمون إلى تيارات وأجيال مختلفة بعضم لا يزال يقيم في سوريا مثل غسان جَديد ونزار صابور، وبعضهم الآخر انتقل للعيش في المنافي العربية والأوروبية حيث رحل خالد الساعي إلى الإمارات العربية المتحدة، بينما التجأ منهل عيسى إلى فرنسا، أما فيرجيني أراكيليان فقد يمّمت وجهها شطر الولايات المتحدة الأميركية. وقد انضوى المعرض تحت عنوان "ذكريات المدن" وسوف يستمر لغاية الحادي والعشرين من شهر أكتوبر الجاري.

تتمحور ثيمة المعرض الرئيسة على ثلاثة أسئلة جوهرية مفادها: ما علاقة الفنان بالمدينة؟ وما هي رؤيته الفنية لها؟ وكيف يمكن التعاطي معها إذا ابتعد عنها أو ظلّ مُرابطًا ضمن حدودها الجغرافية المُتعارَف عليها؟

أكبر الفنانين الخمسة سنًا هو غسّان جَديد من مواليد طرطوس عام 1946، درس الرسم في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وتخرج فيها عام 1971، وقد اشترك في هذا المعرض بخمس لوحات أنجزها العام الماضي وتحمل كلها اسم "طرطوس" لكن المتأمل في هذه الأعمال الفنية سيكتشف من دون عناء أن الفنان لم يرسم ما تراه العين المجرّدة، وإنما رسم فقط ما سرّبته ذاكرته الفردية البصرية، وما تسلل من لا وعيه الخاص لحظة قيلولة الرقيب فبدت أعماله الفنية وكأنها لوحات حُلُمية وجدت طريقها إلى السطح التصويري في غفلة من الزمن حتى أن تقنيتها التعبيرية التي تميل إلى المنحى التجريدي بدت بخطوطها الليّنة المطواعة وكأنها مُنفّذة بجرأة طفل فنان لكنه يعرف ماذا يريد. تُذكِّر لوحاته بأعمال كارل أبل وكورنيه لكنها لا تحيل إليهما مباشرة. لا يمكن إغفال تقنية التضاد اللوني في مجمل أعماله حيث تتجاور الألوان الحارّة والباردة، الصريحة والممزوجة التي يتسيّد فيها الفرح والحيوية والتوهج. ومن بين أطيافه الحُلُمية تبرز معالم المدينة التي استقرت في ذاكرته مثل الكاتدرائية، وبرج طرطوس، وسورها القديم وسواها من المعالم المحبّبة إلى نفسه.

اشترك الفنان نزار صابور بخمس لوحات صغيرة لكنها معبِّرة جدًا وتحمل جميعها اسم "ذاكرة المدينة". فقد ولد في اللاذقية عام 1958 وأحبّ كل المدن والمواقع الأثرية سواء في مسقط رأسه أو في بقية المدن السورية، فلاغرابة أن تتسلل إلى أعماله الفنية التي يُحضِّر لها سلفًا قبل أن يشرع في تنفيذها على الكانفاس أو الخشب أو الورق أو أي سطح تصويري آخر. عُرف صابور برسومه للأيقونات التدمرية التي تعود إلى 1800 سنة لكنه استدار بكل شغفه ليجسِّد مدينتي معلولا وصيدنايا المعروفتين برمزيتهما المسيحية التي لم يجرؤ أحد على حرقهما أو تدميرهما على مرّ التاريخ لكن ألسنة الحرب والنيران امتدت إليهما عام 2014 وأخذت منهما مأخذًا كبيرًا.

تتميز أعمال صابور بتقنيتها الحزينة المرهفة التي يحاول بواسطتها أن يخلّد الأبدية من خلال إحياء الماضي في الحاضر، ويسعى في مصغّراته أن يقدم صورًا بصرية سهلة القراءة، وجميلة التكوين. ومَن يتمعن في بعض لوحاته سيجد أنها منفّذة بطريقة التطريس Palimpsest وكأنه يوحي بتماهي الماضي بالحاضر. لابد من الإشارة إلى أن لوحاته الخمس في هذا المعرض مريحة بصريًا فثمة مربع صغير مرسوم بألوان هادئة داخل مربع أكبر منفّذ بالرماد وهي المادة التي يستعملها كثيرًا في أعماله الفنية التي يعالج فيها فكرة الموت والتآكل والانحلال.

147 manhalesa

لوحة الفنان: منهل عيسى

في كل مجموعة أشجار ثمة شجرة شاهقة لا تُخطئها العين ولوحات الفنان منهل عيسى تشبه الأشجار المتسامقة التي تتميّز بحضورها الاحتفائي الباذخ الذي يجذب المتلقي ويُرغمه على الغوص في متون الثيمات وهوامش الأفكار الثانوية التي تتشظى تباعًا مثل الألعاب النارية التي تضيء عتمة السماء. وعلى الرغم من سمّو الموضوعات التي يطرحها في أعماله الفنية، وحسّاسية خطابها البصَري إلا أنّ تقنيته الصادمة هي التي تجبر المُشاهِد لأن يتسمّر أمام لوحاته مدهوشًا وهو يرى أن عجلات السيارات قد أستُعملت كأداة من أدوات الرسم لغاية مُحددة تعكس رأي الفنان في الحرب الكونية التي تدور رحاها في المدن والقرى السورية. اشترك منهل بثلاث لوحات كبيرة الحجم كي تضمّ فضاءاتها التصويرية جبل "قاسيون" على وجه التحديد وجانبًا من الأحياء الدمشقية التي تلوذ بسفح هذا الجبل الخالد المحفور في الذاكرة لكن الفنان قدّم هذه الفكرة بمعالجتين لونيتين مختلفتين، الأولى يتزاوج فيها الأسود مع الأزرق بدرجاته اللونية المختلفة ليعبِّر عن رؤيته الشخصية التي تمثلت في لوحة "قاسيون 1"، أما اللوحة الثانية "قاسيون 2" فيتسيّد فيها الأحمر الدموي الذي يتخفّف شيئًا فشيئًا إلى البنفسجي الأقل وطأة ويستقر في خاتمة المطاف إلى درجاته الزهرية التي تهيمن على المدينة برمتها. كما تخضع لوحة "حلب" إلى ذات الثيمة والتقنية التي يؤكد من خلالها الفنان منهل عيسى بأن المدن السورية منقوشة في ذاكرته، ومحفورة في عصب القلب، وأنها لن تغيب فهي على حد قوله "تشبه الفن والحب والأحلام التي لا تنطفئ أبدًا".

يبدو وجود الخطاط خالد الساعي في هذا المعرض شاذًا لأن الخط يقترن بالزخرفة الإسلامية ولا يرتبط بالتشكيل كثيرًا، ولعل صلة الخطاط الوحيدة في هذا المعرض هي ثيمة "ذاكرة المدن" التي جمعت أعمال الفنانين الخمسة في صالة واحدة. اشترك خالد الساعي بأربعة أعمال فنية تتناول أربع مدن وهي أصيلة ودمشق والميادين والمدينة السماوية لكن المتأمل في هذه الأعمال لا يجد أثرًا ملموسًا للمدن المشار إليها سلفًا وذلك لغلبة المنحى التجريدي على أعماله الفنية. ولنفترض أن هناك ملامح متوارية للمدن الثلاث قد تصطادها العين المدربة على معرفة مَشاهد المدن ومعالمها الأثرية لكن الأعمال نفسها خالية من أي معْلمٍ شاخص باستثناء بعض العمارات الشاهقة وواجهة البيوت في خلفية لوحة "دمشق" التي قد يتعرّف عليها المُشاهِد السوري الذي يتوفر على ذاكرة بصرية قوية وحسّاسة في الوقت ذاته.

إذا كان ثمة مفاجأة أخرى في هذا المعرض فهي لوحات الفنانة السورية من أصل أرمني فيرجيني أراكيليان التي قدِمت من أورلاندو الأميركية وفي جعبتها 12 عملاً فنيًا، تسعة منها بقياس 25 X25سم، والثلاثة الباقيات بقياس 50 X50 سم وهي تشتمل على لوحات لبلدات سورية وأماكن دمشقية كانت تتردد عليها فيرجيني مثل "حديقة التجارة"، "مركز المدينة"، "البزورية"، "كسب"، "صلفنة"، إضافة إلى مَشاهِد أحبّتها مثل النافورة، شرفة دمشقية، النارنجة، مجنونة وما إلى ذلك.

ما يميز أعمال هذه الفنانة الشابة هو ثيماتها المكانية، وتقنيتها العفوية السلسة، وتفجّر ألوانها الشرقية الصريحة التي تخطف القلوب قبل الأبصار وهي تذكِّر ببعض أقطاب حركة "كوبرا" أيضًا وآخرين يتصفون بنزعتهم الطفولية الجريئة في الخطوط والتكوينات والألوان مثل فنان البوب آرت ديفيد هوكني الذي تكتظ لوحاته بالألوان الصارخة التي تغيّر مزاج المتلقي وتبعث في نفسه الفرح والنشوة القصوى.

تحتاج أعمال الفنانَين منهل عيسى ونزار صابور إلى قراءة نفسية للعمل الفني فقد بذل الإثنان جهودًا مضنية في إنجاز أعمالهما الفنية التي تحتاج إلى بعض المفاتيح لسبر أغوار الموضوعات التي يجسّدانها على السطوح التصويرية فثمة رؤىً وأفكار عميقة في كل عمل فني وثمة تخطيط مدروس يسبق تنفيذ هذه الأعمال الفنية التي سيترسخ بعضها في ذاكرة المتلقين حتمًا.

 

لندن: عدنان حسين أحمد

 

 

khadom shamhod2يذكر ابن خلدون في كتابه - مقدمة ابن خلدون - بان الفن وتأثيره على النفس لا يقل عن سطوة السيف وقدرته على التأثير في نفوس الرعية .. والفن الكاريكاتيري هو فن تعبيري ضاحك ساخر ناقد وتذوقه ورسمه جزء من مفهوم الحرية في التعبير والنقد والفكاهة والامتاع .

وحرية التعبير والمعتقد شرعتها الانظمة الديمقراطية الحديثة، كما وردت ايضا في القرآن الكريم (لا اكراه في الدين) . وخلال القرون الماضية ظهرت عدة حركات فكرية منها التفويضية والتي نادت بها جماعة المعتزلة . وكذلك جماعة الجبرية . وجماعة الامر بين امرين التي انطلقت من مفهوم الآية الكريمة (وما رميت اذ رميت ولكن الله رمى) . وغيرها من الحركات التي ناقشت حرية الانسان في الافعال والمعتقد .

عراقة فن الكاريكاتير:

الفن الكاريكاتيري فن عريق وقديم وقد سجلت الحضارات الاولى حضوره الى جانب الفنون  التشكيلية الاخرى وقد اخذ في تلك العصور مفهوم الاسطورة والخرافة، كأن تتركب الصورة او العمل النحتي من رأس انسان وجسم حيوان . وكان ذلك يعتبر من المعتقدات الدينية في تلك الحضارات القديمة، ولكن بمفهومنا اليوم هو نوع من الكاريكاتير الساخر . وقد وجد رسم في زمن الفراعنة يمثل غراب يتسلق على سلم يعود الى خمسة آلاف سنة قبل الميلاد، كم عثر على رسم في روما يمثل المسيح –ع- مصلوبا ولكن برأس حمار ويعود تاريخه الى ما بين 85 و95 ميلادية . وكان فن الكاريكاتير في زمن الاغريق مهمشا ومشاكسا حيث يذكر ان ارسطو نعته (بالفن البشع) كونه يخرج عن القيم الجمالية للشكل التي وضعها فلاسفة الاغريق في ذلك الوقت . وبعد عدة قرون تطورت المفاهيم وتغيرت الاذواق فدخل الكاريكاتير الحياة الاجتماعية . وكما كان فن الكاريكاتير والسخرية موجودا في الرسم فهو ايضا موجودا في الادب والشعر، فالاول يرسم صورة منظورة على الورق والآخر يرسمها في الخيال عبر الكلمات . والمعنى والهدف واحد. وكانت كتب الادب العربي مليئة بالنوادر والهزل والسخرية والفكاهه.

وهي كثيرة ومعروفة ..

ارى ثم وجها شوه الله خلقه

فقبح من وجه وقبح حامله   / الحطيئة

كاريكاتير اليوم:

و قد شهدت اوربا والعالم العربي في العصور الماضية نهضة كبيرة في فن الكاريكاتير. وكانت بداية اول ظهوره في اوربا على يد الفنان دافنشي 1503 . وبعد اختراع الطباعة عام 1452 وو صول الورق الى اوربا من الشرق عن طريق الاندلس، ظهرت الكتب والمجلات والصحف ومنها ما اختص بالرسوم الكاريكاتيرية الساخرة والضاحكة . فظهرت صحيفة في فرنسا تدعىRire  ريري سنة 1824، وظهرت اخرى في المانيا تسمى سيميليثيو سيمون Simplicissmus عام 1896، وفي روسيا ظهرت صحيفة كرولوديل عام 1922 Krolodil وفي الولايات المتحدة ظهرت صحيفة نيويورك 1924 The new yorke . كما ظهر عدد من الفنانين الكبار الذين مارسوا الفن الساخر مثل الفنان الفرنسي دومير 1808 الذي كان يرسم في صحيفة جاريباري عام 1832، والفنان الانكليزي وليم هوغار الذي يعتبر من اعظم فناني اوربا في ذلك الوقت 1697، والفنان الاسباني فرانثيسكو غويا 1746. صاحب رسوم النزوات وغيرهم.

وفي عالمنا العربي ظهر عدد من الفنانين في مجال الكاريكاتير فاقوا فناني الغرب كما ظهرت مجلات مختصة بفن الهزل والفكاهه . وكانت اول صحيفة عربية مختصة بالكاريكاتير ظهرت في مصر في 21/3/ 1877 اسمها –ابو نظارة زرقاء – وكان قد رسم بها عمالقة الفن المصري مثل: رخا، عبد السميع، صاروخان، صلاح الليثي، ثم جاء من بعدهم: صلاح جاهين، البهجوري، اللباد، حجازي، طوغان .. وغيرهم . كما ظهرت في نهاية القرن التاسع عشر في مصر مجلتي الصباح وروز اليوسف وكانتا ميدانا جميلا لظهور عددا كبيرا من فنانين الهزلي والسخرية .. وفي سوريا ظهرت اول صحيفة للهزل في 2 / 4/ 1909 اسمها – حط بالخرج – حيث رسم فيها عدد ممتاز من فناني الفكاهه منهم توفيق طارق، علي الارناؤط، ثم جاء من بعدهم علي فرزات، ياسين خليل وغيرهم .. وفي العراق ظهرت اول مجلة للفكاهة هي - حبزبوز عام 1931 ورسم بها رواد الفن العراقي مثل فائق حسن، عطا صبري، سعاد سليم، عبد الجبار محمود .. وغيرهم ثم ظهرت بعد ذلك عدد من المجلات الفكاهية مثل: قرندل، الحصون، الوادي، الزهراء، وغيرها ورسم بها كل من غازي عبد الله وحميد المحل . ويعتبر غازي عبد الله مؤسس المدرسة العراقية لفن الكاريكاتير .. بعدهم ظهر الفنان بسام فرج 1964 ورسم في عدد من المجلات العراقية منها، المتفرج، الفكاهه، القنديل، وغيرها .. ثم جاء من بعدهم كوكبة جديدة من رسامي الكاريكاتير ذو مستوى راقي وممتاز ويملك تقنية حداثوية عالية . اما ناجي العلي الفلسطيني فكان واحد من ابرز رسامي الكاريكاتير الناقد والساخر في عالمنا العربي وقد اشتغل في عدة صحف وتناقلت رسومه معظم الصحف العربية ثم استشهد .. واما فن الكاريكاتير في بقية الدول العربية فقد ظهر متأخرا ..

الفن الناقد والساخر:

يعتبر فن الكاريكاتير اكثر الفنون فهما وشعبية وانتشارا واكثرها تأثيرا ونقدا في المجتمع . وقد تعرض من جراء ذلك كثير من الفنانين الى السجن والاعتقال وحتى القتل .. واليوم اصبح فن الكاريكاتير اكثر سطوعا وفعالية نتيجة لسهولة توفر وسائل النقل من صحافة وانترنيت وتلفزيون وغيرها يضاف الى ذلك فان فن الكاريكاتير متعة وجمال وفكاهه يدخل احيانا السرور الى نفوس الناس .. وبما ان احد مهام فن الكاريكاتير هو النقد وتقييم الاعمال لهذا على الفنان ان يفيض حباً وجمالاً واحتراماً للاخرين في حالة ممارسة ذلك . مهما كانت أفكارهم وطرز حياتهم التي يتبعونها في أعمالهم، فالاساس في التقييم هو ان لا يخرج من حيث التحليل والنقد عن أطاره العام والاحترام والانصاف والحق . فالسخرية والتجريح من المحرمات وعلى الفنان الناقد الانصاف وسلوك الاسلوب العلمي والعقلاني ومراعات قواعد النقد . وقال تعالى " (فاذا الذي بينك وبينه عداوه كأنه ولي حميم)

القيم الجمالية في الكاريكاتير:

لا يعني ان القيم الجمالية تكمن فقط في المحاكات والموضوع كما هو عند الناقد والمفكر الانكليزي راسكين، وان الخط واللون وطاقاتهما الجمالية ليس لهما دورا في الفن . حيث يؤكد كثير من النقاد على ان هناك ما لا ينضب معينه من القيم الجمالية النوعية التي تقوم على الانحراف والمبالغة سواء كان في التخطيط او التلوين او التشكيل او العفوية، بما يختلف عن اوضاع اشكال الطبيعة او المحاكات . ونجد فيها احيانا متعة روحية ساحرة نابعة من الذات قد تفوق اعمال المحاكاة . وبالتالي نجد القيم الجمالية النوعية موجودة في كل ركن من اركان الفن سواء كان في فن الكاريكاتير او فن المحاكات. وقد صدر لنا كتابا في هذا الحقل تحت عنوان – فن الكاريكاتير –لمحات عن بداياته وحاضره عربيا وعالميا -2003 .

 

د. كاظم شمهود