كاظم شمهوديذكر ان عبد القادر الرسام عندما حل في بغداد قادما من مدينته ميسان كان كثير ما يتردد على المقاهي ليعمل بعض الدراسات السريعة والمقتضبة حول الاشخاص المتكئين هنا وهناك، ومشاهد من المقهى والحركة في الشارع والمناظر المحيطة بها. وكان لا يقبل ان ينظر اليه احد اثناء الرسم للحفاظ على سر عمله حتى ينتهي منه كليا، هذه الاسكيجات كان يجمعها ثم يذهب الى ورشته وينفذها على شكل لوحات زيتية كبيرة.

2248 عبد القادر الرسام 1وكانت هذه الطريقة في الرسم منتشرا في القرن التاسع عشر عند بعض عظماء الفن الاوربي مثل جوزيف ترنر 1775-1851 حيث كان يسجل في كراسته العوارض الطبيعية المختلفة للبحر والعواصف والسحاب وغيرها، ثم يعود الى مرسمه ليرسمها بالزيت. وكذلك جون كونستابل 1776-1837 الذي يعتبر من عظماء مصوري اوربا في رسم المناظر الخلوية، واوجين ديلاكروا 1798-1863 زعيم المدرسة الرومانسية، وفان كوخ 1853-1890 صاحب المدرسة التعبيرية وكوربيه -1877-1819 مؤسس المدرسة الواقعية والذي كان عبد القادر متأثرا به. هؤلاء هم اساتذة عبد القادر الرسام والذين تأثر بهم..و كان الجيل الثاني من الرواد مثل فائق حسن وحافظ الدروبي وجواد سليم وغيرهم كانوا يرسمون كلهم على طريقة عبد القادر الرسام الذي شاعت اعماله في كل انحاء العراق.

Detail of a photograph with the Society of the Friends of Art

قالوا في حق عبد القادر.

يقول جبرا ابراهيم جبرا في كتابه الفن والفنان (ظهر في اوائل القرن عدد من الرسامين الهواة اشهرهم عبد القادر الرسام الذي كان ضابطا في الجيش العثماني.. فان ان نعتبره عن حق ابا الرسم المعاصر في العراق) ولكن مع الاسف لم يهتم المسؤلين به في ذلك الوقت حيث يذكر انه كان في أخر ايامه يعيش وحيدا ومعه خادمه وان راتبه التقاعدي لا يكفي لسد حاجاته الظرورية، مع ذلك كان بمثابة الكعبة التي تتجه اليها كل عيون الفنانين الشباب والمقففين. حيث كان بيته يغص باصحابه الضباط القداما والفنانين وتلك الدردشات الثقافية والفنية وكأن بيته تحول الى مركز ثقافي. ويذكر حافظ الدروبي بانه كان في يوم من الايام هو وجواد سليم في زيارة الى بيت عبد القادر (كنا في بداية عهد الرسم وقدم لنا هو الكثير من النصائح والارشادات واخبرنا بضرورة السفر الى الخارج)

2248 عبد القادر الرسام 4اما شاكر فقد كتب عن حياته في كتابه- فصول من تاريخ الحركة التشكيلية في العراق، وخصص له حوالي ثمانية صفحات للحديث عنه وعن الجيل الثاني الذي كان متعلقا به بشده حيث يعتبره الامام للفن العراقي المعاصر (فانه كان يحور من العالم الذي يرسمه ليبدو عالما من البراءة والنبل والسكون المطبق وكأنه بذلك يرسم بروحية نحات سومري كالذي نحت لنا تمثال جوديا)

اما بقية النقاد والكتاب العراقيين فلم يذكروا عبد القادر الرسام الا ببضعة اسطر ويمرون عليه مر الكرام اما عدم امتلاكهم مدونات كافية عن حياته او تعمدا لكونه من ارض الجنوب.. بينما الفت كتب كثيرة عن حياة الجيل الثاني من الرواد ووضعت عليهم هالات قدسية واعتبرهم البعض بمثابة آلهه واصحاب مدارس فريدة.

و يذكر عطا صبري (ان في العهد العثماني كانت الاقلية النادرة تتذوق الفنون على نطاق ضيق ومحصور في الطبقة المترفة... ومن ابرز الفنانين في تلك الفترة عبد القادر الرسام حيث كانت صوره الزيتية منتشرة تقريبا في اكثر بيوتات بغداد الشهيرة..)

و قال فيه جواد سليم (اتخذ هوايته بما يشبه الاحتراف فلا عجب ان كان اول من لقب بالرسام لغزارة انتاجه واعتكافه على الرسم).

2248 عبد القادر الرسام 3

المرحلة الواقعية والانطباعية

كان اسلوب عبد القادر انقلابا وثوريا على التقاليد الفنية الموروثة في الشرق في ذلك الوقت وكأنها ثورة بيكاسو على المدرسة الكلاسيكية القديمة (وقد ذكرنا ذلك سابقا) وهو اسلوب المحاكات المنظبط وربما ان الدروس العسكرية التي تعلمها في الكلية الحربية الصارمة وتعلمه الرسم فيها اعطت ذلك الاختيار والصفة المميزة لاسلوبه، ثم تحرر من هذا الانضباط عندما اصبح عن قرب من المدارس الاوربية مثل الواقعية والانطباعية فتأثر بهما، علما ان تركيا كانت تحتل بعض الدول الاوربية الشرقية وانها كانت متأثرة بالفن الاوربي، حيث استقدم بعض السلاطين العثمانيين عدد من الرسامين الايطاليين للعمل في البلاط..

عندما نتأمل اعمال عبد القادر كأننا نعيش في رحاب المدرسة الانطباعية ويحضر امامنا مونيه وسيزان ورينوار وذلك الجمال الذي تعكسه تلك الطبيعة الخلابة. وكان شعور الناس في زمن عبد القادر يتعاطف مع الحياة الطبيعية والواقعية والريفية لما توحي به من شاعرية وما كان لها من اثر صحي طيب، كما ان الشعراء لم يتخلوا عن ذلك المزاج الذي يشدهم الى الرعاة والفلاحين والنساء الريفيات.. وكان عبد القادر مثقفا وناضجا وكانت دوافعه تتجه نحو التغيير والاصلاح خاصة في الوجهتين الفكرية والفنية ولهذا كان جل الرواد يجتمعون معه ويستمعون الى نصائحه وارشاداته. ومن اجمل اعماله مثل لوحة ابقار على شطئ دجلة حيث تبدو فيها المياه هادئة والاشجار باسقة يضفي عليها اللون الاخضر بجميع درجاته وتلك الابقار السائرة مع راعيها.. وكأنها عبارة عن نافذة خلابة يطل بها الفنان على عالم الطبيعة وجمالها الفطري الذي يعكس لنا كل ما وجدناه في المدرسة الانطباعية وثورتها على المدارس القديمة.

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودفي عام 1922 زار الملك فيصل الاول مع المستشارة الثقافية المس بيل بعض النشاطات الفنية والصناعية برفقة- الباشا نوري سعيد .حسب ما جاء في مذكرات بيل ...كما تشير كذلك عن زيارة الملك الى بعض المعارض الفنية وان هناك رسامين لهم اعمال مميزة وبارزة .... ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لاتذكر اسماء هؤلاء في تاريخ الفن العراقي؟ واين هم؟ .. فاذا كانت اربعة قرون مضت من الحكم العثماني على العراق كانت مجهولة الثقافة والفن فهل يعقل ان مطلع القرن العشرين خالي من التدوين والمؤرخين.؟ انا اعتقد انه يمكن البحث عن هؤلاء الفنانين العراقيين من خلال السجلات الحكومية مثل وزارة التربية والتعليم سواء كان ذلك في سجلات العهد العثماني او العهد الملكي العراقي، ويمكن البحث عن ذلك ايضا في مكتبة طوب قابي في اسطنبول.

الريف في اعمال عبد القادر

2230 عبد القادر 1كانت ولازالت اعمال عبد القادر الرسام تذكرنا بالحس الريفي والفلاحي والفطرة والطيب الذي كان يلازم اهل قلعة صالح والعمارة، وتلك الاراضي الزراعية الخضراء والبيئة الجميلة والخيال الابداعي الواسع الذي يضفي على اعماله بحيث تشعر ان عبد القادر ينتمي الى الريف بكل جوارحه ومشاعره اكثر من المدينة. وكيف لا وهو ولد وعجن في تلك التربة الحضارية السومرية .

و من الملاحظ ان عبد القادر في اخر ايامه كان يضع على راسه السدارة الفيصلية او البغدادية ومن المحتمل انه كان يرتدي الغترة والعقال عندما كان في مدينته الريفية قلعة صالح وهو تقليد سائد في تلك المناطق، ثم لبس الطربوش العثماني (الافندي)، ثم استبدله في السدارة عندما حل في بغداد . ويذكر ان الملك فيصل كان في زيارة الى ايطاليا، وقد زار معمل لصناعة السدائر بصحبة ماسوليني، فطلب ان تستورد بعضا منها وكان اول من لبسها هو الملك فيصل وكانت ذات لون اسود وعالية الشكل لها اخدود من الاعلى، ثم لبسها الوزراء، بعد ذلك عممت على الجيش والشرطة واخذت حجما صغيرا . وقد لبسها كبار رجال الدولة ومثقفيهم مثل الشاعر الرصافي والزهازي وعلي الوردي وغيرهم .

2230 عبد القادر 2

اختفاء اعمال عبد القادر

يذكر ان متحف الرواد سابقا كان يقع في شارع الرشيد في بناية قديمة يعتقد انها تعود الى عبد الرحمن الكيلاني النقيب 1841-1927 رئيس اول وزارة عراقية بعد تنصيب الملك فيصل الاول وكان يشغل ايضا نقيب اشراف بغداد، ويعود في نسبه الى الرسول –ص- . بعد ذلك اصبحت البناية منتدى المسرح العراقي، وكان المتحف يضم - 72 - لوحة تمثل خيرة اعمال عبد القادر الرسام ، كما كانت له اعمال اخرى محفوظة في متحف الفن الحديث كولبنكيان . وفي عام 2003 بعد سقوط النظام اختفت هذه الاعمال مع غيرها من اعمال الفنانين الرواد والتي تعد بالمئات .. ويذكر انه في عام 1940 عاد جواد سليم الى بغداد وقطع دراسته من ايطاليا بسبب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وقد دعى اصدقاءه من الفنانين والمثقفين الى الاجتماع به لمناقشة تطورات الاحداث العالمية وانعكاساتها على فتوة الفن العراقي المعاصر .. ويذكر ان بيت جواد كان مزينا بلوحات عبد القادر حيث اطلع عليها الحاضرون وتم الاحتفال بعودة جواد وكذلك بمعرفة اعمال عبد القادر، ولكن اين اصبح مصير هذه الاعمال؟ .. بعض النقاد يذكر ان الحاضرين عرفوا اعمال عبد القادر لاول مرة من خلال جواد سليم، ويقارنون ذلك بما حدث لبيكاسو مع الفنان الفرنسي الفطري هنري روسو عندما قدمه لاصدقاءه في احتفالية خاصة ومن ذلك الحين اشتهر روسو .. انا اعتقد ان هذه المقارنة غير موفقة فعبد القادر كان معروفا في الوسط الحكومي والثقافي من خلال تاريخه المجيد كرسام في الدولة العثمانية وقد اكتحلت عيون العراقيين برسومه وتصاويره الزيتية التي كانت تزين القصور العثمانية وبيوت الاغنياء والباشوات وكذلك الصور الشخصية والمناظر الخلابة التي تمثل الريف وحقولها والجبال والانهار والاماكن المقدسة بمنائرها وقبابها الخضراء . وكان معروفا في الوسط الاجتماعي قبل ان يلد الجيل الثاني من الرواد، وكذلك كان معروفا بين اصدقاءه الضباط الذي درسوا معه في اسطنبول ثم اشتغلوا في السلك التعليمي في بغداد مثل الحاج محمد سليم ابو جواد ومحمد صالح زكي وعاصم حافظ وغيرهم .

نبض العراق

2230 عبد القادر 3كان عبد القادر الرسام مشغولا في رسم الطبيعة وحبه لها بينما كان الفنان الغربي مشغولا في تحليل الالوان وتفكيك الاشكال واحالتها الى سطوح وخطوط والغاء المنظور والبعد الثالث وبالتالي كان عبد القادر يمثل نبض الطبيعة العراقية وضميرها الحي . ومن خلال رؤية اعماله يمكن ان نعيد ذكريات تلك الحقبة بعاطفة كبيرة ونستعيد مشاهد الماضي الجميل وعندما نتأملها كانها طبيعة ناطقة حيث نشعر بحركة الاشجار واصوات الماشية ورجة الماء وحركة الناس .. هذه الفضاءات تقدم لنا الاندماج الكامل للفنان مع الطبيعة وحبه لها . ويذكرنا ذلك بجماعة باربيزون الذين خرجوا ليرسموا الطبيعة كما هي حيث تجمعو في قرية باربيزون الفرنسية عام 1830 التي تبعد عن باريس حوالي 48 كم وكان من مصوريها كورو وميه وروسو فقد رسموا الغابة والسماء والبحر والشجر وكانوا قد عملوا على تمثيل عناصر الطبيعة بدقة واقعية والتركيز على الناحية الجمالية .

كانت رؤية عبد القادر للحياة والموضوعات اخذت شكلا مخالفا لثورة لفن الحديث الذي ساد عصره فكان همه التعبير عن الواقع كما هو، يضاف الى ذلك امتازت اعماله بالبراءة والرقة حيث يقدم لنا صورا عاطفية حية عن المجتمع العراقي في ذلك الوقت ويذكرنا برسوم الواسطي ونقله لنا حياة وتقاليد المجتمع العباسي من قوافل الجمال ومجالس الطرب ودروس العلماء وترويض الخيل والعمارة العباسية وطرز الملابس الفضفاضة الى غير ذلك . وكأن عبد القادر الرسام امتدادا لحركة مدرسة بغداد في التصوير والى ذلك المفهوم الفني القديم في نقل الواقع الاجتماعي كما هو ولكن كل له عصره وطريقته واسلوبه وفهمه لذلك الواقع.

 

د. كاظم شمهود

 

كاظم شمهودكان عبد القادر الرسام من التيار الاول الذي وضع الاسس الحقيقية للفن العراقي المعاصر ولو ان الممهد الآخر لتاثيرات الفن الاوربي هو نيازي مولوي بغدادي الصوفي الذي ظهر في نهاية القرن التاسع عشر حيث كان رساما وخطاطا ومزخرفا ويعتبر حلقة وصل ما بين رسوم المنمنمات الشرقية وما بين رسوم اللوحات بالاسلوب الاوربي الذي بدا ينتشر في الاوساط الثقافية في العراق .. ولكن يضل عبد القادر خير ما يمثل فن الرسم على الطريقة الاوربية في العصر العثماني وبداية الحكم الوطني في العراق فهو يؤلف جانبا مهما من جوانب المناخ الفني في العراق بمواضيعة وبيئته وتاريخة واشراقة الوانه حيث دون مشاهده بالوعي الحسي والعاطفي . والى الجانب ذلك هو ركوبه الاسلوب والتقنية الاوربية الواقعية الحديثة، وكان التأثير الاوربي قد دخل الى المجتمع العراقي وحبب هذا اللون من الفن وترجيحه على الفنون التقليدية المحلية خاصة بعد احتلال العراق من قبل الانكليز .

البعد الفلسفي في اعمله

2214 ميساني 2اكتشف عبد القادر ان التقاليد الفنية المحلية لا يمكن ان تحقق طموحات وتطلعات الجيل الجديد وان هناك خلل في حرية التعبير الفني وفي نفس الوقت هناك ضرورة للتغيير بوعي محلي وعالمي والتعرف على صميم الفكر الانساني المعاصر بمعنى التواصل مع التراث والحضارة الجديدة التي سادت الغرب .

وكان الفن الاوربي قد خضع الى الفلسفة والنقد وظهرت نشاطات وتجمعات جديدة حكمتها ظروف حركة التغيير مما ادى ذلك الى ظهور مدارس ومذاهب فنية حديثة اعتمد بعضها على نظريات فلسفية اغريقية قديمة واخرى حديثة مثل الفلسفة الوجودية لسارتر والعقلية لديكار والفكر الاشتراكي لماركس وعلم النفس لفرويد .

2214 ميساني 1

و قد تعامل عبد القادر في لوحاته من وجهة النظر الحديثة في التعبير الفني والتي كانت تمثل التغيير الهائل في تفكير الفنان العراقي الحديث فقد كانت مواضيعه تكرس للصور الشخصية والمناظر الطبيعية والريف العراقي والمواقع الآثارية وكانت تنفذ بحساسية بصرية عالية وميل عاطفي كبير . وكانت الواقعية تمثل جزء من حياة الناس وهي غير قابلة للتغيير بسهولة وبالتالي كان عبد القادر هو بمثابة استجابة للذوق العام الجديد في ذلك الوقت، وكان برناردشو والفيلسوف الروسي تولستوي وغيرهم قد وجهوا الاذهان الى تلك الجوانب الاجتماعية واحترام اذواق الناس وان الفن هو عبارة عن واسطة الاتحاد بين البشر حيث يجمعهم معا عن طريق ما بينهم من المشاعر المشتركة . 

2214 ميساني 4فلوحات عبد القادر قائمة بمظهرها الملموس على النظرية الواقعية التي رسمها كوربيه. وانه كان يتفاعل مع الواقع العراقي الموضوعي وما يحدث فيه من تجديد وتغيير فمفرداته الفنية ماخوذة من الطبيعة كالاشجار والانهار والعمارة والآثار والاسواق والشمس والضوء وغيرها وكل هذه العناصر تساهم في بناء لوحته في اطارها البيئي والتاريخي. واتذكر قول للفنان الفرنسي ديلاكروا بان الطبيعة هي قاموس الفنان .. وكانت هذه الثقافة هي السائدة في القرن التاسع عشر وكان من اعمدتها سيزان وكوربيه ومانيه وبودلير وغيرهم .

كان عبد القادر ومن خلال محله ومرسمه في بغداد وتدريسه للطلبة هو بمثابة تأسيس اول اكاديمية مصغرة للفنون في العراق الحديث، وكانت تجربة رائدة لتربية الذوق العام ورفعه الى مستوى صف المدارس الاوربية الحديثة . وقد اثرت هذه الحركة المبكرة الجديدة على الشباب من هوات الفن فانتظم الكثير منهم تحت لواء هذه المسيرة الخلاقة والتي تعد بحق حركة ثورية وانقلابا على كل التقاليد الفنية الموروثة القديمة والاتجاه نحو الفنون الاوربية ومدارسها الحديثة فاصبح التأثير والتأثر من سمات تلك المرحلة .

2214 ميساني 3

رسام الجيش

من تقاليد القرون السابقة كان هناك للرسامين دورا مهما في مرافقة الجيوش ورسم وتسجيل الاحداث العسكرية من معارك ومعسكرات وتحركات قطعات الجيش وغيرها وهو بمثابة المصورين والصحفيين في زمننا الحاضر في تغطية الاحدات في العالم .. وينقل لنا التاريخ بان الفنان الفرنسي جاك لويس دافيد 1748-1825 زعيم المدرسة الكلاسيكية الجديدة ومن عظماء الفنانين الذين انجبتهم فرنسا كان يرافق جيوش نابليون لرسم وتسجيل الاحداث العسكرية .

كان عبد الفادر الرسام يعتبر رسام الدولة العثمانية حيث كان يطلب منه رسم معسكرات وتحركات القطعات العسكرية بين المدن والنواحي المختلفة بالاضافة الى رسمه المناظر والرسوم الشخصية للولاة والقادة، هذه الحركة والتنقل اكسبته ثقافة معرفية واسعة بطبيعة جغرافية اهل العراق من اريافه ومدنه وانهاره وجمال طبيعتها وتقاليدها فازداد حسا وعاطفة وحبا للرسم، فكان غزير الانتاج لا يضاهيه احد . ويذكر ان احد القادة العسكريين الاتراك لما راى نبوغ وتفوق عبد القادر في الرسم على غيره ساعده في منحه اجازة لزيارة المتاحف والمراكز الفنية والثقافية في ايطاليا وفرنسا وانكلترا والمانيا ومصر وغيرها، وبهذا يعتبر عبد القادر الرسام اول مبعوث عراقي يرسل الى الخارج للاطلاع ودراسة الفنون الاوربية . // ... وسنكمل مشوارنا مع عميد الفن العراقي المعاصر في الحلقة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

2215 كفاح عبد الكريم 1تخوض الفنانة التشكيلية كفاح عبد الكريم حمّاد من قرية المقيبلة في مرج ابن عامر، تجربتها مع الفن واللون والشكل، لتقدم لنا لوحات فنية تعبيرية مستوحاة من الطبيعة والمكان وجغرافيا الوطن والواقع الحياتي، تتشكل فيها مفردات ومعانٍ وعناصر تشكيلية ترسمها بروحها ومشاعرها وإحساسها المرهف وفكرها الراقي.

وفي جولة مع تجربتها ينتابنا هاجس الدهشة ووعي الجمال، ونقف أمام فنانة لها مكانتها الفنية في مجال التشكيل. فالرسم موهبتها منذ الصغر، وتأخذ حيزًا واسعًا ومساحة شاسعة من حياتها، ودأبت خلال السنوات الماضية على تطوير وإثراء موهبتها بالرسم المستمر والمتواصل بوتيرة عالية، ما اكسبها خبرة ومهارة مكنتها من اثبات حضورها ومكانتها في المشهد الفني التشكيلي الفلسطيني في هذه البلاد.

2215 كفاح عبد الكريم 2

وكفاح حمّاد فنانة صنعت لنفسها عالمًا خاصًا، ولها بصمة تميزها من خلال رسوماتها التي توحي بالجمال والروعة، وتبرع في رسم الوجوه (بورتريه) والملامح والأشخاص والمناظر الطبيعية، وتحول حالات الحزن والفرح إلى إنتاج وتشكيل فني. 

2215 كفاح عبد الكريم 3

واللوحة تحلق بكفاح حمّاد إلى أماكن مختلفة وفضاءات رحبة، وهي بالنسبة لها تحمل في طياتها الكثير من المغامرة. إنها ميدان للفن والجمال واكتشاف اللون، وتساعد في خلق مساحات واسعة للخيال والأفكار، وكل لوحة تعتبر احساسًا وانفعالًا بحد ذاته، تسطر فيها مشاعر وحالات يومية وهواجس وهموم ذاتية وعامة تترجمها بلوحاتها بكل الصدق والعفوية.

2215 كفاح عبد الكريم 4

تحية للصديقة الفنانة التشكيلية كفاح عبد الكريم حمّاد، متمنيًا لها المزيد من العطاءات والإبداعات الفنية والنجاحات في مجال الفن التشكيلي، ولها التألق الدائم.

 

 كتب: شاكر فريد حسن 

 

 

مصدق الحبيبمن أجمل لوحات المدرسة الكلاسيكية الرومانسية الفرنسية وأبلغها تأثيرا على المشاعر لوحة "دفن أتالا"   l’ enterrement d’ Atala  للفنان الفرنسي آن- لوي جيروديه (1767 – 1824)  Anne-Louis  Girodet  التي رسمها عام 1808 عن مشهد من رواية الاديب الفرنسي شاتوبريون   Chateaubriand الموسومة "أتالا " والمنشورة عام 1801.

وأتالا هي الفتاة الشابة الجميلة المولودة لأم فرنسية وأب هندي أحمر والتي تحكي الرواية قصة حبها العظيم لشاب من الهنود الحمر اسمه شاكتا  Chactas انقذته من الموت بعد ان كان على وشك ان يشنق من قبل غزاة القارة الاوربيين في أمريكا في القرن السابع عشر. ينتاب أتالا شعورا قويا باللاجدوى وهما في حماية احد القساوسة المبشرين، الاب أوبري، فترى نفسها ممزقة بين حبها اللاهب لشاكتا وبين وفائها لعهد قطعته لأمها بأن تبقى عذراء طاهرة تكرس حياتها لدين امها المسيحية . وبعد يوم متعب طويل ينتصر في رأسها شعور العدمية فتقدم على الانتحار، ويصبح على شاكتا والقس أن يدفناها في كهف قريب.

2212 Atala Girodet

يصور جيروديه ببراعة ساحرة طهارة أتالا وعفتها وجسدها المتلألئ تحت خيوط شمس الاصيل  النافذة الى الكهف في مشهد مؤلم يهم فيه الرجلان بانزالها الى القبر، بينما يتشبث شاكتا بساقيها ولايريد ان يواريها تحت التراب، ولسان حالها يردد جملة من الرواية مكتوبة على جدار الكهف: ها أنذا قد ذبلت كما تذبل الازهار وذويت كما يذوي العشب ويصفر عبر الحقول".

 

مصدق الحبيب

كاظم شمهوددأب بعض النقاد والمؤرخين لطمس وتشويه هوية جغرافية عبد القادر الرسام والاكتفاء بكونه من مواليد بغداد وانه كان ضابطا في الجيش العثماني، اما تفاصيل بداية حياته وطفولته الاولى ومراسيها فقد اغفل عنها او شطبها البعض اما تعمدا او جهلا .

اسمه الحقيقي عبد القادر عبد الرحمن ولد في قضاء قلعة صالح من مدينة ميسان عام 1882و توفي عام 1952 في بغداد، وقد كشفه المؤرخ الميساني جبار الجويبراوي عندما كان مهتما بدراسة تاريخ التعليم في ميسان بين اعولم 1917 و1958 . وقد وجد ملفا عن المعلمين في قلعة صالح عام 1916، ومن هؤلاء المعلمين وجد اسم الرسام عبد القادر وكان يلقب بالالماني لانه كان يمشي على غرار مشي الالمان العسكرية ..

2210 عبد القادر الرسام 1في بداية حياته دخل الكلية الحربية في الجيش العثماني في اسطنبول واثناء ذلك درس فن التصوير على يد اساتذة الرسم هناك حوالي عام 1904 وعندما تخرج عين ضابطا في قضاء قلعة صالح في ميسان، وهناك تزوج من فتاة من اهل المنطقة وانجب منها بنته الوحيدة - فريحة –

وعندما انتصر الانكليز على العثمانيين في العراق واحتلوا اراضيه اختفى عبد القادر من مدينته لفترة من الزمن خوفا من الانكليز ثم ظهر وفتح له محلا في قلعة صالح لبيع ورسم الصور الشخصية . وفي عام 1916 فتحت الحكومة مدرسة للتعليم في القضاء واحتاجت عدد من المعلمين من ابناء المنطقة فتقدم عبد القادر لها وعين معلما لتدريس مواد الرسم والجغرافية والتاريخ، وظل يعمل فيها حتى عام 1939 ثم نقل الى العمارة .. وفي عام 1940 احيل على التقاعد .

وعندما قبلت ابنته فريحة في دار المعلمات في بغداد اضطر عبد القادر الى الانتقال من العمارة الى بغداد مع اسرته .

2210 عبد القادر الرسام 2

بدايات شهرته

و في بغداد استاجر محلا وعرض فيه اعماله الفنية للبيع والتي نفذها سابقا في مدينته العمارة وكانت هذه الاعمال قد نالت رضى واستحسان اهل بغداد والاجانب، وكان ذلك بداية لتوسع علاقاته وسمعته فسمي بعبد القادر الرسام، وقد انهالت عليه الطلبات في رسم الصور الشخصية والمناظر والجداريات منها جدارية لسينما رويال في بغداد ثم اصبح يرسم لها مانشيتات الافلام التي تعرض فيها . وقد اسس عبد القادر مرسما او ورشه لتعليم الرسم في بغداد وانظم اليه عددا كبيرا من الشباب الهواة منهم الرواد من الجيل الثاني الذين اسسوا معهد الفنون الجميلة والتجمعات الفنية كفائق حسن واكرم شكري وحافظ الدروبي وجواد سليم وعطا صبري وعيسى حنا والحاج محمد سليم ومحمد صالح زكي وعاصم حافظ وغيرهم حيث كانوا يلتقون معه ويتعلمون وينهلون من معارفه وتجاربه العملية والنظرية التي تعلمها في اسطنبول والانفتاح على الفن الاوربي الحديث، وكان بعضهم يدرسون مادة الرسم في المدارس والبعض الاخر كانوا قد درسوا الرسم معه في اسطنبول . وبهذه الطريقة اخذ عبد القادر يثير الحماس وينشر الوعي الفني و الثقافي بين افراد الطبقة الواعية والمثقفة التي كانت تتعطش لمعرفة ما يحدث في اوربا من تطور في حركة الفن . ثم ساهم في تأسيس اول تجمع فني في العراق عام1941 اطلق عليه اسم جماعة اصدقاء الفن ضم الجيلين الاول والثاني وكان يتزعمهم عبد القادر الرسام .

2210 عبد القادر الرسام 3

في الكلية الحربية

عندما كان عبد القادر يدرس في الكلية الحربية في اسطنبول كان في نفس الوقت يتعلم الرسم على يد اساتذة اكفاء في الفن والتاريخ وكان التدريس اكاديمي ضمن المناهج الجارية في اوربا ومنها الاسلوب الواقعي والذي كان منتشرا في باريس في ذلك الوقت، حيث اسس كوربيه 1819- 1877المدرسة الواقعية وقد فتح نظرية غير مالوفة من قبل وهي نظرية الواقعية والتي اعتنقها الفكر الاشتراكي في روسيا في بداية الثورة واسسوا عليها المدرسة الاشتراكية في الفن . وقد اكد كوربيه على رسم الاشياء كما هي في الواقع دون اللجوء الى الخيال او المثالية . وقد تأثر عبد القادر بهذه المدرسة الاوربية، وكان يطلب منه وهو في الجيش برسم المشاهد العسكرية من فرسان وخيول وخيام ومعسكرات وصور شخصية وغيرها وكان معه مجموعة من الضباط العراقيين الذين درسوا الرسم ايضا في اسطنبول .

ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الاولى وسقطت الدولة العثمانية عاد هؤلاء الضباط الرسامين الى بغداد ليشكلوا الطليعة الاولى في تاسيس الفن العراقي المعاصر الذي اخذ يستمد طرازه وتقنياته ومفاهيمه الفكرية والفلسفية من الفن الاوربي، فاخذوا يمارسون الرسم على الحامل والذي كان غير معروفا ومالوفا يومذاك . وكانت مواضيعهم تختصر على المناظر الطبيعية والاسواق ومناظر نهري دجلة والفرات ورسم الشخصيات وغيرها .

2210 عبد القادر الرسام 4

مميزات اعمال عبد القادر

امتاز اسلوب عبد القادر بالواقعية ورصد العالم الخارجي واجادة التعبير عنه باتقان مبدا المحاكات في رسوم الاشخاص والمناظر الطبيعية، وفي اسلوبه ايضا نجد شيئا من الانطباعية ويسوده احيانا البدائية والفطرية، وكان غزير الانتاج لا يكل ولا يمل من الرسم، وقد تأثر به معظم الجيل الثاني من الرسامين الذين كانوا يدرسون في معهد الفنون الجميلة امثال فائق حسن وجواد سليم وحافظ الدروبي واسماعيل الشيخلي وغيرهم، ويذكر اسماعيل الشيخلي بان فائق كان يدرسهم الاسلوب الواقعي متأثرا باسلوب عبد القادر الرسام في معهد الفنون الجميلة ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الثانية وجاء للعراق ثلاثة رسامين من بولونيا 1943 وكانوا تلاميذ الفنان الفرنسي الانطباعي بونار طلب فاءق من الطلبة تغير الاسلوب الواقعي الى المدرسة الانطباعية .

و كان عبد القادر شديد العناية باشكاله والاهتمام بتفاصيل الاشياء مثل رسم الاشجار والترع وضفاف الانهار والحيوانات الماشية والاثار والقباب والمنائر والفلاحين .. وكانت الوانه ساطعة مضيئة جميلة حساسة بحيث يستطيع المشاهد من معرفة وقت او زمان رسم اللوحة .. وهو ما يذكرنا بمونية صاحب المدرسة الانطباعية الذي كان اهتمامه بالضوء والظل كبيرا بحيث يرسم الموضوع او المنظر نفسه عدة مرات في اوقات مختلفة من النهار ..

يضاف الى ذلك ان عبد القادر نقل لنا كيفية الرسم على القماش واعداده وتحضير الالوان بطرق علمية حديثة تعلمها عندما كان يدرس في اسطنبول وكذلك استخدام الخامات التي تدخل في تحضير اللوحة والرسم عليها وهو بهذا المسعى خلق حركة جديدة تعتمد على الذات .. وكلنا يتذكر في نهاية الستينات من القرن العشرين حيث كان يوجد هناك محل واحد في بغداد لبيع الالوان والفرش والاستاندات والكانفاس وغيرها . وقبل هذا التاريخ كان غالبية الفنانين العراقيين يسافرون الى الخارج لشراء مواد الرسم، فكان ذلك الشح في المواد خلق ازمة وعطل الكثير من انشطة الرسامين وتوقفهم عن ممارسة الرسم . // .. سنكمل مشوارنا مع مؤسس الفن المعاصر في الحلقة القادمة .

 

د. كاظم شمهود

 

 

كاظم شمهودذكر المؤرخون بان صناعة فن التصوير كانت منتشرة قبل وبعد الاسلام فكانت كنائس اليمن والشام والعراق ومصر مليئة بالرسوم الجدارية الدينية، كما كانت قصور الامراء والملوك تعج بالزخارف والتصاوير مثل قصري الخورنق والسدير في العراق (الحيرة) والاول بناه النعمان بن امرأ القيس في القرن الرايع ميلادي وكان هذا القصر عنوان حضارة ومجد عربي خالد . والثاني يقال انه بناه اللخميين المناذرة .

2202 الرسم عند العرب 1(و يمكن الاطلاع على كتاب – قصور العراق العربية والاسلامية – للمؤلف طالب علي الشرقي- 2001) . وقد كان اعيان وامراء اهل العراق قد قلدوا قصور ملوك الفرس مثل طاق كسرى الموجودة حاليا آثاره في المدائن، حيث قلدوها من ناحية العمارة المترفة والزخارف والفسيفساء والجدران المصورة بالاصباغ المدهشة، وقد بلغت حدا كبيرا من الترف وفخامة الجمال ومظاهر الراحة والمصابيح المذهبة والسجاجيد البارعة والمطرزة .. كذلك شيدت قصور في اليمن مثل قصر غمدان في صنعاء الذي يعد من عجائب قصور العرب قبل الاسلام وقد سكنه آخر ملوك اليمن سيف بن ذي يزن وهدمه الخليفة عثمان بن عفان ويقال انه نقل حجارته لبناء المسجد النبوي؟ . وذكر ابن الكلبي بانه وجدت عبارة بالخط الحميري (غمدان هادمك مقتول) فهدمه عثمان فقتل . وكان هذا القصر مزينا بانواع الرسوم والزخارف . وكان يتكون من سبعة طوابق وترى اضويته ليلا من مسافات بعيدة ..

2202 الرسم عند العرب 2كما يذكر ان الصور كانت منتشرة في المدينة (يثرب) في زمن الخليفة عمر بن الخطاب مثل منزل ياسر بن نمير خازن بيت المال، كما ان مبخرة الخليفة عمر بن الخطاب التي يستخدمها في المسجد كانت مزينة بالصور الآدمية .. وغيرها من الامثلة

و كان الخليفة عثمان بن عفان هو اول من سمح ببناء القصور وان الناس تشجعت على ذلك في عهده وتحولت الحياة الى ترف وغنى وزخرف وزينة . وشيد معاوية بن ابي سفيان قصرا على غرار قصور الروم من ترف وابهه واقيمت به الحفلات الغنائية وضرب الدفوف . ثم بنى خلفاء بني امية القصور الخيالية وكانت مزينة بالتصاوير . وذكر ان عبد الله بن زياد والي البصرة بنى قصرا سماه الابيض وقد زخرفت حيطانه بالصور الحيوانية وملئه ايضا بالريش والطنافس . وقد ورد ذكر بعض هذه المعلومات في كتاب - تاريخ الاسلام - للدكتور حسن ابراهيم . وفي زمن الدولة الاموية شاع الطرب والغناء، ومن اشهر المغنين هو طويس حيث كان ينقر بالدف ويغني شعر الغزل والحب . وينقل المؤرخون بعض الاشعار التي يغنيها :

يا خليلي نابني سهدي       لم تنم عيني ولم تكد

وهو – تناهى فيكم وجدي  وصدع حبكم كبدي

فقلبي مصعرا حزنا    بذات الخال في الخد

فما لاقى اخو عشق   عشير العشر من جهد

2202 الرسم عند العرب 3

و في زمن الخليفة الاموي عبد الملك بن مروان / 86 هجرية (706 م) كانت خيام الحجاج الاغنياء مزينة بالصور الآدمية .. كما كانت الصور منتشرة على الاقمشة التي ترد من اليمن وعلى الادوات المنزلية وستائر المنازل .

وكانت مظاهر النشاط الفني ايضا مرتبطة بالعمارة الاسلامية ففن الفسيفساء والصور الجدارية كانت تغطي جدران وسقوف قصور الخلفاء ومنازل الامراء والاعيان مثل قصير عمرة وقصر الحير الغربي وقصر المشتى ، وقد وجت جدرانها مزينة بانواع الصور الآدمية والحيوانية منها صور عارية ... اما في العصر العباسي فكانت الاباحية قد انفتحت على مصراعيها ولم يعد هناك خجل او خوف من مسألة التحريم . وكان قصر احد الخلفاء العباسيين مزينا برسوم قصة يوسف وزليخة، كما ان قصر الجوسق في سامراء كان مزينا بصور الراقصات .. ونذكر بعض الابيات التي يرد فيها التصوير والاباحية للشاعر ابو نواس .

تدار علينا الراح في عسجدية   حبتها بانواع التصاوير فارس

قرارتها كسرى وفي جنباتها    مها تدريها بالقسي الفوارس

فللخمر ما ذرت عليه جيوبها    وللماء ما دارت عليه القلا نس

و من ناحية تاريخية يذكر القرآن الكريم بان التماثيل كانت تصنع في زمن النبي سليمان- ع - للزينة ورمزا للقوة والشموخ، ويذكر انه كانت تصنع تماثيل للاسود وتوضع في مداخل القصور او المدينة، ولكنها عندما عبدت كسرت هذه التماثيل .. وكان هناك من العلماء من فهم التحريم على انه منصبا على العبادة فقط فكل نمط من انواع التصوير والذي تكون غايته العبادة من دون الله فهو محرم سواء كان آدميا او حجرا او شجرا، فقد كان هناك اقوام قبل الاسلام تعبد الشجر (شجرة الايكة) والحجر (الانصاب)، وبالتالي فان صناعة التصوير من اجل المتعة والرفاهية والتعبير غير محرمة عند البعض ..

2202 الرسم عند العرب 4

و يذكر ان العالم ابن خلدون كان واسع الفكر ومتنور بحكم احتكاكه بالفكر الغربي عن طريق الاندلس، وقد ذكر بان التحريم يقتصر على تصوير الذات الآلهية فقط . ومثال على ذلك ما رسمه مايكل انجلو 1475 م في كنيسة بطرس حيث رسم الله على شكل رجلا ضخما متربعا على كرسي العرش تحيط به الملائكة والانبياء، وهذه اللون من العمل التجسيمي لله يعتبر محرما في الاسلام على اطلاق . اما غير ذلك فيعتبر جائزا عند البعض مثل شيخ الازهر محمد عبدة حيث قال : (لا مانع من التصوير طالما ان هناك متعة ومنفعة للمسلمين) .

ورغم ظهور التحريم والشك في مصادره وغموض تأويل الاحاديث والايات القرآنية الا أن صناعة التصوير بقت مستمرة دون توقف . وكان الخطاطون والمزوقون لهم القدرة والمهارة العالية في تصوير الكائنات الحية مثلما هو في (الارابسك) وغيرها وكان النساخون والخطاطون هم في الحقيقية مصورون ممتازون وكانوا يقومون بتصوير وتزويق وزخرفة المخطوطات ولكنهم يفضلون ان يذكروا كخطاطين وليس كمصورين خوفاً من غضب الفقهاء المتعصبين .

الحقيقة نحن اليوم نعيش مع عقل انساني متفتح ناضج يقيس ويحلل الامور دون خوف او خجل ولا يمكن قبول الروايات ذات النزعة الخرافية . فلا يمكن وضع هالة قدسية على كل من هب ودب من عاصر او شاهد او سمع من بعيد عن الرسول –ص- ان يدخله الله الجنة .. فالناس تقاس بصدق اعمالها ونواياها وليس بالصحبة او القرابة وبالتالي فقد كان التصوير وتشييد القصور واللهو وشرب الخمر منتشرا في العراق وبلاد الشام والجزيرة العربية والشواهد المادية الاثرية نجدها بكثرة ماثلة امامنا اليوم، بل ان انحراف بعض رجال الدين قد انكشف بعدما امسكوا بالسلطة والمال وهو خير دليل على اننا يمكن ان نرى الماضي من خلال الحاضر.

 

د. كاظم شمهود

 

جمال العتابييحاول الفنان ضياء حسن أن يبني عالمه الخاص الذي يحمل سمات شخصيته وهو يحكم الصلة بين إتجاهين في أسلوب أعماله التشكيلية، لا تناقض بينهما، احدهما يكمل الآخر، في النهاية يمنحان الفنان معاً قدرات الإيماء، لبلوغ جوهر الخطاب الفني إجمالاً.

المنحى الأول في إسلوب ضياء يتمثل في الكشف عن كيان الحرف والكتابة، وكل ما يتعلق بهذا الرمز اللغوي، معتمداً على تطلعاته الفنية المعاصرة، وإنطلاقاً من إحساسه بجمالية الحرف نفسه، كأساس، وإلى المقطع والنص الحروفي، وغالباً ما يستخدم ضياء الخطوط المغربية، لتأثره بأجواءالثقافة في المغرب العربي، كونه أكمل دراسة الدكتوراه في الفن بإحدى الجامعات التونسية، وهو منحاز في كشوفاته الذاتية الى ليونة الحرف المغربي واستجابته للون، وعدم السكون، في خلاف مع الحرف المشرقي، إذ يعتقد ضياء انه حرف جامد وصلب.

ان استلهام الحرف في الفن الذي ظهر منذ العصور القديمة، في النحت السومري البارز، منذ ذلك التاريخ، إستطاع الفنان أن يكتشف صياغات جديدة هي في أصلها ضرب من أساليب التعبير، ضمن مناخ الإنساني والإجتماعي والروحي والعاطفي معاً.

إن جودة وجمال تشكيلات ضياء، تكمن في إستخدام الخطوط كوسيط ينقل عبره للمتلقي ما تحمله تلك التشكيلات اللونية من معانٍ، بإعتبارها وحدات تجريبية مستقلة قائمة بذاتها لها من الطاقات ما يجعل منها إسلوباً ينفرد به ضياء حسن يخرج به عن الأشكال التقليدية في إستخدام الحرف إلى أفق عصري جديد، ولغة تعبيرية جديدة تستوعب الوجود بمعناه الزماني والمكاني معاً. لغة تنشد الحقيقة من منطق واقعي، إن استلهام الحرف، ولاسيما الآيات القرآنية في أعمال ضياء، هو أول الطريق في التصوف الفني إذا جاز لنا هذا التعبير، لان الفكر الصوفي بدوره ينزع نحو الحقيقة.

في المنحى الثاني من اسلوب الفنان حسن، نتوقف عند توظيف الحرف توظيفاً معمارياً، أو هندسياً، ونقصد هنا إستخدامه الخطوط المستقيمة، والأقواس والمنحنيات، ان حقيقة جمال الأشياء تكمن في تصميمها، وان أكثر الذين فهموا التصميم على حقيقته هم الفنانون ومهندسو العمارة، إن ضياء يخوض غمار هذا الميدان، ولديه من المقومات التي تقوده نحو وحدة الموضوع، والتنسيق اللوني، ووحدة النظام، فضلاً عن التنويع، وهي عكس التكرار الممل، ان وراء هذه الأعمال عقل منظم، ، هذا ماتوحي به تلك الصرامة والدقّة في التخطيطات، انه يلجأ الى نقل أجزاء من أشكال الطبيعة، أو أية حركة إنسانية كنقطة بداية، سرعان ما تتحول إلى قيم لونية، وتكوينات تنبض بالحياة والحب والعناق.

في هذا المنحى الأسلوبي يمكن ان نصنّف أعمال ضياء ضمن ما يعرف بالفن التجريدي الهندسي، الذي يقوم على التنسيق في الإيقاع والتوازن اللوني، بما يشعرنا بقوة البناء وتماسكه، فالتجريد حركة، ومفهوم الحركة ليس مطلقاً، انه مرتبط بالهندسة متأثرٌ بها، الخطوط تتلاقى، وتتباعد، وتنسجم، وتتلاحم في صراع مدهش كصراع الحياة نفسها، تنطلق مستقيمة أو منحنية، لينة حانية، تتداخل وتتشابك مثل أفرع شجرة ضخمة. في شد هائل يعبر عن القوة والرشاقة، مما يدفع عين المتلقي أن تجوس فيها مستكشفة إيقاع الخط النفسي، وإنسجامه الفني والشكلي.

ان استقصاء آليات العمارة الهندسية، قادت ضياء الى إكتشاف أساليب تقنية معينة، شاعرية في جوهرها، واصبح بإمكانه أن ينقل الى الورق أو القماش صوراً مدهشة ومثيرة لأفكاره ورغباته، بحبكة عالية، وكأنه نسّاج، أوخياط ماهر، الشكل لديه واضح ومصمم، لا تجريد مطلق، ولا هندسة مطلقة، انه مجاورة لونية لتكوين جديد بولادة جديدة. لعالمه الجميل الذي يصنعه.

وعلى الرغم من ان ضياء لم يخترع أشكالاً هندسية جديدة، لكنه على دراية بجمال الخطوط، والإحساس العالي باللون، فتميز من تحقيق قدر عالٍ من المتعة البصرية، لتكوينات متعانقة يشيدها ضياء بتأنٍ وصبر، فيها إستعادات لرموز عميقة وشيقة في آن واحد.

ما من فنان سلك هذا الطريق دون إخلاص، لفنه ومواقفه الجدلية، فالفنان ضياء حسن يحمل شهادة الدكتوراه في علوم وتقنيات الفنون، شارك في معارض جمعية التشكيليين العراقيين لعدة دورات، كما شارك في معارض تشكيلية عربية في تونس والجزائر، وأسهم في تصميم وتنفيذ العديد من المطبوعات، والشعارات والماركات للمؤسسات العلمية والثقافية.

 

جمال العتّابي

 

 

مصدق الحبيبهي اسلوب فني في التشكيل والادب والموسيقى، ارتبط بالايديولوجية الاشتراكية السوفيتية واصبح الاسلوب الرسمي الشائع في الفنون والآداب خلال الحقبة السوفيتية، اعتبارا من تأسيسه عام 1932 ولغاية انهيار النظام السوفيتي عام 1991. كما ساد هذا الاسلوب ايضا في عموم دول المعسكر الاشتراكي والصين، خاصة بعدالحرب العالمية الثانية. وتجدر الاشارة هنا الى ضرورة التمييز بين هذه الواقعية الاشتراكية والواقعية الاجتماعية  Social Realism، حيث يتعرض المفهومان للخلط احيانا. 110 الواقعية الاشتراكية 1

يهتم اسلوب الواقعية الاشتراكية بالتصويرالواقعي لحياة عامة الناس في جميع نشاطاتهم اليومية واماكن عملهم ومشاعرهم، ويركزعلى تصوير حياة الكادحين والفقراء والعمال في مصانعهم والفلاحين في مزارعهم والجنود في ثكناتهم والطلاب في مدارسهم وكذلك يصور مشاعر هؤلاء مع عوائلهم وفي افراحهم واحزانهم. وبذلك نكاد لا نجد أيا من مظاهر الترف في حياة الطبقات العليا وقصور الملوك والامراء وسهراتهم وحفلات صيدهم وبذخ نسائهم، كما نراها غالبا في فنون وآداب الواقعية الكلاسيكية. ويمكن القول ان الواقعية الاشتراكية أقلعت بالثقافة من قصور النخبة وحطت بها وسط تجمع الناس العاديين. 110 الواقعية الاشتراكية 2

في عام 1932، وقد مضى على تسلم ستالين السلطة ثمانية اعوام، اصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي المشروع الشامل لاعادة بناء المؤسسات الثقافية والذي استلزم حل جميع المؤسسات والجمعيات والتجمعات والنوادي الثقافية القائمة آنذاك واخضاع جميع النشاطات الثقافية الى سلطة مركزية تمثلت بكيانات الاتحادات المهنية الفيدرالية للفنانين والادباء والتي اخذت على عاتقها تعميم مفهوم "الواقعية الاشتراكية" في الثقافة بدلا من "الكلاسيكية البروليتارية" القائمة آنذاك.  واستنادا الى ماجاء في كتاب آيگور كولمستاك "الفن التوتاليتاري" المنشور عام 1990، فان مفهوم الواقعية الاشتراكية كان قد تمخض عن الاجتماع السري الذي انعقد بين ستالين وعدد من الفنانين والادباء في بيت مكسيم گوركي بتاريخ 26 اوكتوبر عام 1932. وكانت قوات الحرس الخاص قد استدعت ليلا ذلك النفر المختار من المثقفين ونقلتهم الى بيت گوركي دون ان يعلم احد اي شئ مسبق عن مكان الاجتماع ومن يحضره ومالغرض منه. وقد تفاجأ الحضور بظهور ستالين من خلف ستائر غرفة الجلوس وقيامه بترؤس الاجتماع معلنا بان الغرض من ذلك اللقاء هو الاستئناس برأي المثقفين من اجل تحديد الاتجاه الاساسي الذي يريده الحزب للثقافة السوفيتية الجديدة.  وبذلك فقد وضعت الصيغة الاولى لمنهج الواقعية الاشتراكية في الاداب والفنون اثناء ذلك الاجتماع . الا ان مفهوم الواقعية الاشتراكية الدقيق بقي غامضا للجميع لفترة سنتين بعد استنباطه، ولم يجرؤ احد على الاستفسار عن معناه الحقيقي او كيف يتسنى للمثقف ان يقدم انتاجه حسب هذا المفهوم. واخيرا انبرى اندريه جدانوف المستشار الثقافي للنظام الى القاء الضوء على معنى الواقعية الاشتراكية مستعينا بتعاليم وملاحظات ستالين الشخصية . 110 الواقعية الاشتراكية 3

كان ذلك في الاجتماع الموحد الاول لاتحادات ادباء الجمهوريات السوفيتية المنعقد عام 1934.  وقد جاء في تعريف جدانوف بان "الواقعية الاشتراكية تتمثل اولا بمعرفة الفنان او الاديب لمحيطه واستعداده لتجسيد ذلك الواقع ،  ليس بالشكل المدرسي الجامد، وليس كحقيقة موضوعية مجردة، انما تجسيدا للحياة الحقيقية بطورها الثوري الخلاق الذي يتزاوج فيه التراث الاصيل مع مهمات الثورة الاشتراكية العظيمة، بحيث يكون الهدف هو تعليم الجماهير وتثقيفها بروح الطبقة العاملة الكادحة وتنويرها بسناء النظام الشيوعي الخالد"( Golomstock, 90 ).  وهكذا فقد اصبح الهدف المركزي للآيديولوجيا الشمولية في الثقافة هو الزام الفنان او الاديب بان ينظر الى الواقع الذي يصوره بعين الحزب من اجل تجسيد الصيغة الثورية لذلك الواقع، الامر الذي لايمكن وصفه إلا بكونه احادي المنظور!! ولكن هذه الميزة لم تكن بعيب في ظل الفلسفة التوتاليتارية اذ ان جدانوف كان قد قال بصراحة:

"في ظل صراع الطبقات التي تحسمه الثورة لصالح الطبقة البروليتارية، لابد ان تكون فنوننا وآدابنا منحازة ولايمكن لها ان تكون غير سياسية".

 وهذا يشابه لما ردده ايضا هانز شم وزير الثقافة الاول في الحكومة النازية حين قال:

"عند الكلام عن ثقافتنا، لايمكن لنا ان نكون موضوعيين، لاننا ألمان الى العظم"!!. 110 الواقعية الاشتراكية 4

وهكذا تركزت الثقافة الآيديولوجية الواحدة الموجهة التي لايقوى ان ينتقدها او يهملها او يعارضها اي احد. بل اصبحت لزاما على الجميع. ومن يجرؤ ان يختلف، فإنه سيخسر صراع البقاء لامحالة! . وكانت اول حملة للتصفية الجسدية للفنانين والادباء غير المرغوب فيهم  تلك التي شنها الكساندر كيرامسوف عام 1938من داخل اتحاد الفنانين ضد مجموعة ضمت عددا من اعضاء الاتحاد الرسميين اضافة الى عدد آخر من غير المنظمين الى الاتحاد. 110 الواقعية الاشتراكية 5

 وكان كيرامسوف، العضو المتنفذ في الاتحاد، قد صرح علنا ودون اي تردد بانه "لابد من التخلص من العناصر المغرضة التي تتحرك في الوسط الفني من امثال اعداء الشعب وعملاء الفاشية، واخص بالذكر جلاوزة تروتسكي وبخارين وكترسنايبس" . وقد تلتها حملات اقسى واشمل واكثر تنظيما راح ضحيتها العديد من المثقفين كما حدث عامي 1940 و 1953، ومابعدهما. (الحبيب، الفن والحرية والابداع، 2007،  ص118-119) في عهد لينين وما قبله، لم تكن الانشطة الثقافية ملزمة باسلوب معين انما اتصفت بشيوع اساليب مختلفة وفي الحقيقة انتشرت عبرها اساليب الفن والادب الحديثة التي شاعت في أوربا عند مطلع القرن العشرين، والاكثر من ذلك ان الرواد الاوائل في الاسلوب التجريدي مثلا كانوا من الفنانين الروس كفاسيلي كاندنسكي وكشميرماليفتش وناتاليا كونجروفا وميخائيل لاريونوف. فكان من الممكن تمييز مجموعتين رئيسيتين من المثقفين: التقليديين والمحدثين. في حكم ستالين الذي بدأ رسميا عام 1924 بدأ المحدثين يفقدون مواقعهم على خارطة الثقافة الوطنية شيئا فشيئا الى ان فقدوا اي موضع قدم بعد عام 1932 لتختفي ملامح نشاطهم الفكري بعد الاعلان عن المنهج الجديد، الواقعية الاشتراكية. وهكذا تشتت هذا الفريق بين من هجر البلاد وبين من تدجن بموجب ماهو واجب. 110 الواقعية الاشتراكية 6

ولو وضعنا البرابوگاندا الغربية التي احطت من قيمة الواقعية الاشتراكية وجردتها من كل ماهو جيد من خلال التركيز على انها نتيجة للقسر والارهاب الثقافي الذي مارسته السلطات السوفيتية، سنكون عند واجب الموضوعية، خاصة اذا انتبهنا لها من الناحية الفنية البحتة وتأملنا الجمال الباذخ في نتاجها الثقافي. فموضوعاتها نبيلة دأبت على تصوير قيمة العمل وقداسته كواجب وطني، ومجدت السعي المثمر والتعاون، والتزمت بالنظرة التفاؤلية وآمنت بالمستقبل الافضل للاجيال، وتمسكت بالارض والوطن الواحد وسعت الى تثوير خيراته، وجعلت من الوطنية واجبا مقدسا، واشاعت المحبة والتعاون والخير للانسانية جمعاء. كل ذلك جسده الفنانون بطرق ساحرة موظفين فيها رموزا رائعة جليلة كسعة وثراء الحقول السابحة بضوء الشمس وزهو ونضارة الازهار في المشاتل ونقاء الثلوج على التلول وقوة المكائن وصلابة الحديد وعناد الصخور وابتسامة الوجوه المنتصرة القانعة، وألفة العائلة الحميمة.

نعم انها فن امتزجت فيه الايديولوجية. ايديولوجية حزب حاكم واحد يحقق اهدافه باسلوبه التوتاليتاري المعروف الذي نقل الفنون والآداب من كونها ترف ثقافي الى وسيلة تعليمية تنويرية أو سلاح ضد الجهل والخيانة والشرور. 110 الواقعية الاشتراكية 7

أنا شخصيا ارفض فكرة الفن الايديولوجي مهما كانت وجهته واهدافه طالما انه مفروض فرضا على المجتمع لكنني لا اتردد ان افتش عما يكون جيدا فيه واعتز به.  كما انني اتخذ ذات الموقف مع الثقافة الليبرالية الحرة التي تتضمن ايضا الصالح الذي يكتسب الاعتزاز والطالح الذي يستحق الرفض. خلال سني الحرب الباردة والى اليوم تنازع المعسكران الشرقي والغربي واساء كل منهما الى الآخر بنفس القدر فورثت الاجيال غسيل الادمغة الذي لابد لنا من ان نوضح سيئاته فنضع خطواتنا على طريق الموضوعية التي سترشدنا الى التقييم الصحيح الحق دون الانجرار الى الولاءات السياسية او الدينية او العنصرية.

 

ا. د. مصدق الحبيب

 

 

شعلان الدراجيالتي لاتزال تنبض بالحياة ..

في معرضه الشخصي الأخير، (أشياء تشبه الرسم)، أقام الفنان حامد سعيد معرضاً شخصياً في جمعية التشكيليين العراقيين في البصرة، الذي جاء تزامناً مع ملتقى الهايكو والنص الوجيز الذي أقامه أتحاد الأدباء والكتاب بتاريخ 24 /12/ 2020 .

جاء هذا المعرض نتاج لتجارب عدة تم الخوض فيها تقنياً ولونياً وشكلياً لتأسيس شكلاً خاصاً في الترميز المتداول لكل أشكال وأنظمة اللوحة التشكيلية، والذي بإمكانه أن يحمل مفهوماً خاصاً، أقرب الى مخزون: الطفولة، والقرية، وما تحمله المدينة في طياتها من متاهات ودهاليز، وتعقيدات وتحديات أرى أن بوسع الفنان الظفر ببلورة أتجاه تشكيلي ينأى بنفسه عما تناوله الاخرين من تجارب اتجاهات فنية. تمثل مزاجه وهويته واسلوبه الخاص في التعبير عن الذات في خضم واقع فني تتصارع فيه الأفكار والقيم الفنية (الفن للفن) والإنسانية  (الفن للإنسانية) التي  تعالج وتتبنى واقعاً قد يكون محورياً يدور حول موضوعات او مضامين واتجاهات فينه نتيجة لحركة التاريخ و الأنسان .

تناول الفنان في معرضه الأخير موضوعات تعبيرية وأقحم نفسه في مدرسة فنية (التعبيرية بمختلف اتجاهاتها) تتجاذب فيها الأفكار والقيم التشكيلية محلياً وعالميا والتي قطعت شوطاً ولا يستطيع فيه أحداً الخوض في غمارها إلا من أمتلك خبرة واسعة وتجارب فنية عديدة تؤهله لوضع موطئ قدماً له في هذا التزاحم والصراع المستمر في البحث عن هويته التي تميزه عن الأخرين .. وحامد سعيد قد نجح في هذا الاختبار الجديد الذي خاض غماره في هذه التجربة الفنية من خلال معرضه الأخير وتبنيه  للمدرسة التعبيرية  .. والتي ربما قد يجتهد الكاتب ويسميها (بالتعبيرية الغرابية) .

109 حامد سعيد 1

 والوهلة الأول عندما يشاهد المتلقي لوحات الفنان حامد يتبادر الى الذهن أنه يقرأ قصة أو رواية للكاتب الكولومبي الحائز على جائزة نوبل للآداب، غابرييل غارسيا  ماركيز وما تتضمنه من شحنات فنية وأسلوب ادبي خارج عن مألوف وفي أطار غرائبي يشد المتلقي، ويأخذه الى أبعاد وأفق بعيداً عن واقعه الذي يعيشه، والغوص في عقله الباطن لتقمص حالة من المتعة والخيال المفرط والذي له دلالات واقعية تضعه أمام مسؤوليته التاريخية والحياتية تجاه محيطة ومجتمعه.

وهنا أيضا أستشهد بقول الكاتب العراقي البصري محمد خضير حينما قال بخصوص معرض حامد سعيد: أن تترك هذه الاعمال  في وعي متلقيها انطباعاً منفرداً يوازي الانطباع الموحد لدى قارئ قصة قصيرة ...للكاتب الرائع أدغار ألن بو .

 وهذا ما فعله الفنان حامد سيعد في معرضه الأخير (أشياء تشبه الرسم) . حيث يشاهد المتلقي مينة حامد سعيد التي تعج بالرموز والحركة والألوان التي تنساب بطريقة تتناغم مع ذوق المتلقي وتشده اليها وكأن هناك علاقة أزلية بين اللوحة والفنان والمتلقي... طيور بوضع يختلف عما نشاهده، زوارق وانهار، أزقة وبيوت.. وكأنه يجسد الحالة التراثية  لمدينته (البصرة) والحلم الذي يراوده في خلق حالة من الوعي المجتمعي والتطور الجمعي  لما تعانيه هذه البقعة من (الأرض).. (الطين) والتي وصفها الفنان في دليل معرضه:

نتألم كثيراً ..

ننزف طيناً أسمراً ..

يصنع منه الصيادون ..تمثالاً ..

تغطيه السماء اللاهبة..

نجفُ كالأنهار ...

تلك المدينة التي تطفو على صفيح الصراعات ... والحروب .. والاستحواذ على تاريخها ونهب ما تحتويه من قيم مادية ومعنوية  من قوى داخلية وخارجية تكالبت وتضامنت على انتزاع روح مدينته ووضعت تابوتاً مرصعا بالذهب الزائف أمامه ... لوأد كل ما تبقى له من أمل وكبرياء والذي يشكل حاضراً مؤلماً له ولجيله ولأجيال من بعده ..

109 حامد سعيد 2

لكن أصرار الفنان وتمسكه بحلمه ورؤيته الفنية في احدى لوحاته (ملعب لكرة القدم) التي يصور فيها بعفوية مفرطة التي أعادتنا الى بواكير الطفولة الأولى .. لتشاهد وتسمع ضجيج الأصوات والحركة التي توحى للمتلقي أن الفنان يؤمن دون شك بأن مدينته التي عانت ظروفاً استثنائية ... لا تزال تنبض بالحياة والديمومة والأمل .

أستخدم الفنان حامد سعيد في معرضه أشياء تشبه الرسم مادة الاكرليك والأحبار وجعل اللوحة أقرب ما تكون الى السطح المستوي وتجا وز بذلك العمق وتزاحم الالوان وكثرتها ... ليعطي انطباع مقصود، بحرفية عالية وتفرد بعفوية اللوحة .. وشحن النسق الطفولي بتعبيرية .. وقد ساعد المتلقي في فهم اللوحة والغوص في خباياها ... وكذلك أبتعد في أعماله ...عن جدار وحروفية والعفوية الطفولية (وخربشات) الاطفال .. عند، شاكر حسن ال سعيد ... وكذلك أبتعد عن التعبيرية الالمانية لدى ستار كاووش والوانه الصارخة والمتناسقة في نسق هرموني وشخوصه والرموز التشكيلية المتشابكة ...

ساهم الفنان حامد سعيد في وضع بصمة فنية واعطى انطباع بان العمل الفني ليس له حدود وللفنان حرية التعبير في الفضاء الذي يسرح فيه فكره وعقله الباطن وإعادة مخزون الذاكرة بطرق فنية تشكيلية وإبداعية  قد تترك بصمة جمالية في ذهن المتلقي ...

نأمل ان يتحقق المشروع الفني وما يحمله الفنان من تداعيات وقيم تشكيلية وقد تساهم في خلق حركة تشكيلية وفنية رصينة لمعالجة قضايا المجتمع وما يعانيه من ازمات ووضع حلول لها من خلال تبني مبدأ الفن للإنسانية، ان يكون الفن مفتاحاً لهذ التوجه الإنساني.

وأخيراً أستشهد بقول لبيكاسو عندما أسأله النازيون من رسم هذه اللوحة (يقصدون الغورنيكا) قال: أنتم من رسمها .

 

بقلم : شعلان الدراجي

كاتب من العراق / البصرة

 

قراءة لتجربة الفنانة الإيرانية "شيرين نشأت" من خلال عملها التنصيبي "مناجاة النفس"

اغتراب الهوية في غربة الجسد

أثّرت الأوضاع السياسية المحتقنة والأزمات المتعاقبة التي مرّ بها معظم بلدان العالم على ممارسات الفن المعاصر، مما دفع ببعض الفنانين طرح هذه الإشكاليات في منجزاتهم البصريّة وفي أعمالهم التشكيلية، خاصة موضوع أزمة الهوية والذاكرة الجماعية والفردية وعلاقتهما بالمكان والزمان. كل هذه التساؤلات المطروحة لدى الفنان التشكيلي المعاصر تتخذ معظمها من الجسد نقطة انطلاق في ممارساته الفنيّة، تنوعت بين تنصيبات الفيديو والتصوير الفوتوغرافي، والعروض الأدائية، والرسم التشكيلي. لقد طرأت على العالم بفعل الحداثة تحولات ألحقت تغيرات عميقة بالجسد في كل من المجتمعات الشرقية أو الغربية على حد سواء وانتشرت العديد من المفاهيم المرتبطة بالجسد، ونشأت ذاتية خاصة بكل فرد فظهر الإنسان غير متوافق مع واقع الحياة المعيشي، ذلك الواقع الذي أمسى أشد تعقيدًا يوما بعد يوم، وعلى الإنسان المعاصر أن يجاري هذا الواقع قبل أن يسبقه ويصبح غريبا عنه، وأصبح مفهوم الاغتراب مشاعا خاصة لدى الفنان الشرقي المعاصر نتيجة اختلافه في الرؤى والمواقف عن الآخرين وتحول الفنان الفرد لحالة ذاتية انعكست على رؤاه وعلى أعماله الفنية المعاصرة.

من هنا تتنزل قراءتي لتجربة الفنانة الإيرانية "شيرين نشأت"، ولدت هذه الفنانة في مدينة قزوين سنة 1957، وترعرعت في عائلة منفتحة على الغرب، حيث قام والدها بإرسالها إلى الولايات المتحدة الأمريكية لإكمال دراستها في سنة 1974، لم تتمكن من العودة إلى إيران لمدة 11 سنة تقريبا. حصلت في تلك الفترة على درجة البكالوريوس من جامعة كاليفورنيا بيركلي سنة 1983، ودرست الفن في لوس انجلس وبعدها عملت في محل تجاري للفن والعمارة. بينما كانت "شيرين نشأت" غائبة عن إيران كانت الثورة الإيرانية الإسلامية التي اندلعت عام 1979 قد حوّلت البلاد من الثقافة الفارسية إلى الثقافة الإسلامية، هذا التحول الجذري غيّر كل معايير الحياة في إيران وعرفت البلاد جدلية كبيرة من ناحية الرفض والخضوع. وبعد هذا الانفصال، عادت الفنانة إلى وطنها لأول مرة بعد الثورة في سنة 1990 لتصطدم هناك بالواقع، كانت هذه الصدمة نقطة تحول فاصلة وحازمة في حياتها، حيث غيرت بالأساس علاقتها بوطنها لأنها لم تتحمل ذاك الوضع التي آلت إليه بلادها وخاصة التحول الجذري لمكانة المرأة بعد الثورة فإختارت حينها العيش في المنفى، أصبحت "شيرين نشأت" معروفة دوليا في عام 1999 عندما فازت بالأسد الذهبي في بينالي البندقية.

وبالتالي، هاجرت الفنانة الإيرانية "شيرين نشأت" موطنها نحو الولايات المتحدة في عمر مبكر وقبل الثورة الإيرانية أي في فترة حكم الشاه حيث كانت هناك نسبة لا بأس بها من الحرية للمرأة المنفتحة على الفن والثقافة مقارنة بحاضر المرأة الإيرانية اليوم التي ترزح تحت مجموعة من القيود، لذلك نجد في لغة فنها نوعا من خطاب تصادمي تمرّدي على واقع بلادها.

فضلت "شيرين نشأت" العيش في الفضاء الغربي بالولايات المتحدة كنوع من الهروب من الواقع الرّاهن في وطنها، عرفت هذه الفنانة فضاءا جديدا وعاشت نوعين من الغربة، غربة الغرب وغربة الشرق، بما أنها اتبعت منهجا فنيّا فرض عليها العيش في المنفى فلم يعد الوضع باختيارها بل مفروضا عليها، وحول هذا الموضوع صرحت الفنانة في إحدى المحاضرات التي قامت بها عن موقفها تجاه موطنها قائلة:

"وجدت البلاد عقائدية تماما، والتي لم أتعرف عليها بعد، أكثر من ذلك أصبحت مهتمة جدا عندما كنت أواجه معضلاتي الشخصية والأسئلة، أصبحت مغمورة في دراسة الثورة الإسلامية، كيف في الواقع أنها حوّلت بشكل لا يصدق حياة المرأة الإيرانية. لقد وجدت هذا الموضوع من النساء الإيرانيات مثيرا للاهتمام للغاية. بطريقة ما المرأة في إيران تاريخيا تجسد التحول السياسي.(...)، من خلال دراسة امرأة يمكنك قراءة تركيبة وفكر البلاد، لذلك كوّنت عمل لمواجهة الأسئلة التي واجهتها في حياتي الشخصية(...)."[1]

وبالتالي اتسم فنّها منذ ذلك الحين بهذه التداعيات والمفارقات الحاصلة في بلادها -  وهي من بلاد المنفى -  حاولت الفنانة الإيرانية منذ ذلك الوقت أن تترجم هذه التداعيات تشكيليا وفنيّا.

كان جلّ تركيزها على الجسد الأنثوي حيث جعلته مركزا للإفصاح عن متناقضات الحالة الفكرية والسياسية والدينية والاجتماعية في العالم الشرقي وفي إيران بالخصوص. فكان الجسد حاضرا فاعلا متفاعلا معا في كل عمل فني تقدمه، تنطلق منه لتعود إليه، صورته "شيرين نشأت" نافذة تفتح على العديد من المفاهيم والأبعاد، فهي تتساءل عن دور المرأة في المجتمع الإسلامي مدركة بذلك التوتر القائم بين الهوية التي تحركها دوافع الاهتمامات الفردية والهوية الثقافية الجماعية التي تنتسب إليها.

ولهذا، فإن سؤال الجسد يعتبر مدخلا هاما لفهم العديد من العلاقات، إذ تشكل العلاقة مع الجسد علاقة مع الذات، أي ذات الفنانة المبدعة التي عرف جسدها حالة النفي والاغتراب، وكذلك تشكل علاقة مع الآخر بما أنها تخاطب من خلال جسدها وجسد الموديلات المتقبل، وبما أنها تعرض أعمالها في فضاء الغرب الذي يعتبر المحور المركزي حيث تُبنى العديد من المواقف الفكرية والتمثلات الإيديولوجية والإيهامات، فتكون هذه العلاقة ترجمة لهذه التجاذبات بين ذات الفنانة وبين الآخر. بما أن الجسد هو المجال حيث يتواجه الاجتماعي والفردي، الطبيعي والثقافي، النفسي والرمزي.[2]

وبتحليل أعمال الفنانة المغتربة "شيرين نشأت" وجدنا أن خطابها الفنيّ يعكس اغترابا مزدوجا، اغترابا في داخل وطنها وخارجه، اختارت حياة المهجر لا عن طواعية بل مضطرة إلى ذلك، لرفضها سياسة بلادها تجاه المرأة، ولعدم توفر الحرية في تقديم فنها وعروضها، لهذا السبب اختارت حياة المنفى، لشساعة مساحة الحرية المتاحة للفنان الشرقي في الفضاء الغربي مقارنة بالضغوط التي يتعرض لها في موطنه الأصلي، وبالتالي يجد الفنان نفسه في هامش العلاقة بين ثقافتين وبين شقين دون أن يتموضع أو يستقر في أي منهما.

لقد أصبح التشكيل العربي المعاصر يحمل توجهاً وجودياً في طرحه لإشكاليات العصر، فقد أصبح الخطاب الفنيّ كشفاً لحقيقة الجسد المهمش والمُنعزل والمُغترب، وفي كافة الحالات التي تجعلهُ يعيش محنة البحث عن الوطن وعن الهويّة والتمرّد على الواقع والرحيل إلى المجهول، فالجسد هنا هو رمز للذات الإنسانية ولا معنى للوجود من دونه.

"إن الجسد هو الحاضر الغائب، إنه في آن واحد محور إدراج الإنسان في نسيج العالم، والمرتكز الذي لا بد منه لكل الممارسات الإجتماعية. "[3]

إن الحديث عن المنفى ليس من الأمور التي يسهل علينا طرحه لأنه تجربة ذاتيّة ونفسيّة، لا يستطيع أن يعبر عنها سوى الشخص الذي عاش محنة الاغتراب ولوعة الاشتياق إلى الوطن. تجربة المنفى هي معاناة يومية يعيشها الشخص المنفي في كل لحظة يتذكر فيها غربته وحياته المهمشة زمانيا ومكانيا، فأعمال الفنان المنفي تحمل في طياتها خطابا تجاذبيا وتراجيديا بين الذاكرة والجسد، الأولى تشدّ ذات الفنان نحو ماضيه في شكل رموز وصور هي كل ما تبقى في ذاكرته من ماضيه ومن حياته الحميميّة، أما الجسد فيشدّه نحو الحاضر حيث يعيش الجسد المغترب في سياق شروط ووضعيات جديدة لا يمكنه الاندماج فيها بعمق بعد أن خرجت حياته كلها من نسيج الاستقرار والطمأنينة. فكلما زادت وطأة المعاناة والإحباط من حياة المنفى على الجسد المغترب، شكلت الذاكرة مهربا وملجأ للشخص المنفي.

ولذلك يتخذ المنفى لدى "شيرين نشأت" بعدا إشكاليا، هي ككل فنان مهاجر أو منفي تحمل بداخلها إحساس بالحنين والفقد لذكريات وتشعر بالعزلة والغربة، فتحيل هذا الإحساس الكامن بداخلها إلى مكان وزمان معينين هما جزء من ذاكرتها الجمالية، وتقع ترجمتها في أعمالها الفنيّة، محاولة بذلك إبراز هويتها المسلوبة منها، لتمتزج هذه الحالة الشعورية بثقافة بصرية معاصرة.

كانت "شيرين نشأت" تدرك أن مصيرها في المنفى قد حُسم ولا تستطيع العودة إلى الوراء كما أنها لا تستطيع أن تنسجم كليّا في الفضاء الجديد ولم يبق أمامها سوى التشبث باختلافها وفرادتها، ولذلك اختارت أسلوبا خاصا ومتفردا لذاتها كفنانة بصريّة وتشكيليّة، ولعل عملها "مناجاة النفسsoliloquy" انعكاس لمعاناتها، حيث قامت بهذا العمل سنة 1999 وهو تنصيبة فيديو ثنائي الإسقاط جرى تصويره بين تركيا والولايات المتحدة.

ليس هذا أول عمل فني تقوم "شيرين نشأت" بإنجازه خارج بلدها الأصلي، فكل أعمالها صُورت في تركيا وفي المغرب وفي كل مكان يشبه في بعض تفاصيله المعماريّة والثقافيّة إيران، هذه هي ضريبة الفنان والمثقف المنفي عن وطنه، وحول هذا الموضوع تقول:

"كنت الدخيلة التي كانت قد عادت إلى إيران لإيجاد مكاني، ولكن لم أكن في وضع يسمح بأن أنتقد الحكومة أو إيديولوجية الثورة الإسلامية(...) لذلك أصبح فني نوعا ما أكثر إحراجا، أصبحت سكيني أكثر حدّة، ولقد وقعت في حياة المنفى، أنا فنانة رحالة، أعمل في المغرب، في تركيا، في مكسيك، في كل مكان أذهب إليه لجعله إيران. "[4]

غيرت "شيرين نشأت" في هذا العمل التقنية التي كانت تعتمدها سابقا وهي تقنية الأبيض والأسود، حيث أدخلت في "مناجاة النفس" اللون، ليمثّل هذا التغيير التحول الرئيسي الأول للغة البصرية لديها. يستعرض هذا العمل المقسم على شاشتين متقابلتين حياة امرأة في فضاءين، الفضاء الشرقي والفضاء الغربي، بين معمار تقليدي ومعمار حديث، وتجسد هذا الدور الفنانة الذي كان حضورها بشكل متزامن في كلتي الشاشتين.

يظهر على الشاشة الأولى الفنانة "شيرين نشأت" وهي تنظر من النافذة التي تطل على بيوت ومسجد، في حالة من التأمل والانسجام مع المناظر الخارجية، وبالتزامن مع هذا المشهد تقوم الفنانة بنفس الفعل في الجهة المقابلة مع اختلاف الأمكنة، لتقف وتطل من النافذة المفتوحة على مباني شاهقة وبنفس الحالة الأولى. ثم وبشكل متواز تخرج الفنانة من المكانين المتواجدة فيهما، فتتّبع الكاميرا تحركاتها وهي في الشاشة الأولى تتجول عبر الأزقة الضيقة حتى تجد نفسها في النهاية في ساحة مكتظة بالنساء والرجال، وهم في زيّهم الأسود لتختلط بهم وتقوم معهم بحركات وطقوس غريبة.

وفي المشهد الموالي يظهر طفل وهو يتقلب على الرمل، صُوِر بتقنية الأبيض والأسود وكأنه يجسد كابوسا لطفل عاجز غير قادر على النهوض. تدرك الفنانة الإيرانية في النهاية عدم قدرتها على التعايش معهم والتأقلم مع البيئة التي تمثلها وهي البيئة الشرقية أو بالأحرى البيئة الإيرانية بعد الثورة، فتقرر بعد ذلك الانسحاب والهروب، لتركض لاهثة عبر البهو نحو السطح، وهناك تقوم بغطس رأسها في إناء مليء بالماء ثم تقوم بسكبه على جسدها. في نهاية المشهد، تبرز "شيرين نشأت" وهي تركض متجهة نحو الصحراء لتبتعد وتتلاشى شيئا فشيئا.

أما بالنسبة إلى الشاشة المقابلة، تظهر"شيرين نشأت" وهي تقود سيارتها في شوارع نيويورك ثم تدخل بعد ذلك إلى مكان عام مكتظ بالناس وتقف وهي في حالة من التأمل والذهول وكأنها تبحث عن شيء ما وسط هذا الاكتظاظ الشديد في ذلك المكان، ثم بعد ذلك تخرج من هناك متجهة نحو الكنيسة، لتجد الراهبات وهن يقمن بطقوسهن بثياب بيضاء بينما "شيرين نشأت" بالرداء الأسود الإيراني. استخدام اللون الأبيض لراهبات والأسود للفنانة يحمل في طياته تعبيرا مجازيا ورمزيا يتمثل في نظرة الراهبات إليها الرافضات لها، لتخرج الفنانة بعد ذلك من الكنيسة مسرعة نحو طريق خال من المارة ويوجد به سور مرتفع جعلته "شيرين نشأت" حاجزا بينها وبين العالم الغربي.

"مناجاة النفس" هو عمل مشحون بالعواطف وانفعالات الفنانة، إحساسها بالنفي والعزلة، كما يحمل هذا العمل أبعادا دينية وروحيّة عبر الأصوات المنبعثة من الكنيسة وصوت الأذان المنبعث من المسجد، كما قامت "شيرين" في هذا العمل بالمزج بين عالمين عالم شرقي وعالم غربي. وبين ثقافتين في فضاء العرض، ولكن الشخص واحد هي الفنانة التي تعيش حالة من التمزق، والتشظّي بين هذين العالمين، حالة من التجاذب والتفاعل، مما نتج عن ذلك علاقة تناسجية، تواصلية وجدالية، بقدر ما تثبت الشاشتان في فضاء العرض وجود مسافة فيما بينهما، فإنهما وفي نفس الوقت تجعل قطع المسافة ممكنا وتحقيق التواصل يسيرا. وفي هذا السياق يقول الكاتب الفلسطيني "إدوارد سعيد" في كتابه "المثقف والسلطة":

"(....) وهكذا فإن المنفي يقع في منطقة وسطى، فلا هو يمثل تواؤما كاملا مع المكان الجديد، ولا هو تحرر تماما من القديم فهو محاط بأنصاف مشاركة، أنصاف انفصال، ويمثل على مستوى معين ذلك الحنين إلى الوطن وما يرتبط به من مشاعر وعلى مستوى آخر قدرة المنفي الفائقة على محاكاة من يعيش معهم الآن، أو إحساسه الدفين بأنه منبوذ. ومن ثم يصبح واجبه الرئيسي إحكام مهارات البقاء والتعايش هنا، مع الحرص الدائم على تجنب خطر الإحساس بأنه حقق درجة أكبر مما ينبغي من الراحة والأمان"[5]

إنها معاناة المثقف البعيد عن وطنه وأهله، ولعل هذا ما يفسر تلك النظرات الحائرة والحزينة المنبعثة من عيون "شيرين نشأت"، فلقد ارتكز عملها على نظرات العين حيث تؤدي دور الكاميرا التي تدعو المشاهد لتتبعها والانسجام معها، كما تخترق بنظراتها فضاء العرض نحو الشاشة المقابلة والعكس بالعكس وكأنها تبحث عن ذاتها، عن هويتها، بعين مستسلمة وتائهة وفي عزلة ملفوفة بصمت جارح وتوحّد غريب. هناك قوة إيحائية من خلال نظراتها المشحونة بالعواطف والأحاسيس وبالحزن وبالأسى.

ربطت "شيرين نشأت" هنا بين التجربة الحسيّة الذاتية والتجربة الإستيطقيّة في سيرورة هذا العمل، الذي يعبر بدرجة أولى عن ذاتها وعن تجربتها الخاصة في ثقافتين مختلفتين، فهي هنا تطرح مفهوم الغربة والعزلة التي تشعر بهما سواء في العالم الشرقي أو في العالم الغربي، لتعبر عن ثقافتها المزدوجة، وهذه من بين الأسباب التي جعلت من مبدأ الازدواجية حاضرا وفاعلا في منجزها البصري عبر ثنائية الإسقاط (double projection) التي أثارت تواصلا خياليا بين الشاشتين، كما عملت على تشظي حاسة البصر عبر زمنين متداخلين.

تحاول الفنانة إعادة تأويل معاني وجودها ومصيرها الذاتي فى اتجاه الخلاص من آلام المنفى أو التخفيف منها قدر المستطاع وذلك عبر خلق عملية ترحال مزدوجة بين هذين العالمين فى محاولة يائسة لامتلاك أحدهما أو التموضع والاستقرار في أحد المكانين، إلا أنها تدرك في النهاية بأن مصيرها هو خارج المكان.

ما لاحظناه في تنصيبات الفيديو لدى "شيرين نشأت" هو غياب الكتابة التي احتلت مكانا بارزا وفاعلا في صورها الفوتوغرافية خاصة في سلسلتها "نساء الله"، فالكتابة بالنسبة إليها هي تعبير عن كسر حاجز الصمت وتجسيد صوت شاعري أنثوي وفكر داخلي، ربما في أعمال الفيديو لم يعد هناك حاجة تدعو لتوظيف الكتابة، بما أنها اعتمدت على أصوات الطبيعة والموسيقى لتصبح لغة جديدة من إبداعاتها، فالموسيقى تحدد عالمية الأعمال وتزيل كل الحواجز الثقافية.

اعتمدت على الوسائل والتقنيات التكنولوجية المعاصرة، ليتولد الإبداع الخيالي ويختلط بالمشاعر والأحاسيس لديها، فيكون العمل الفني هو الملجأ الذي تبحث عنه "شيرين نشأت"، حيث نتلمس الجانب الحسي والروحي، كمنفذ لتتصالح من خلاله مع إرثها وهويتها التي مزقته السياسة والدين السياسي.

بعض الصور المسترسلة من تنصيبة الفيديو "مناجاة النفس"

الشاشة عدد1                مقابل               الشاشة عدد 2

 2100 نشأت

مقال بقلم: الباحثة إيمان ريدان، من تونس

......................

[1] http://www.ted.com/talks/lang/ar/shirin_neshat_art_in_exile.html

[2] David le breton, la sociologie du corps, puf 2éme Ed, 1994 ; p 118

[3]  دافيد لوبروتون، "انتروبولوجيا الجسد والحداثة"، ترجمة محمد صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1997، ص 123

[4] http://www.ted.com/talks/lang/ar/shirin_neshat_art_in_exile.html

[5]  إدوارد سعيد، "المثقف والسلطة"، ترجمة د. محمد عناني، رؤية للنشر والتوزيع 2006. صفحة 95

 

ناجي ظاهريُعلي الفنان الروسي فاسيلي كاندنسكي (1866- 1944)، في كتابه المعروف عالميًا "الروحانية في الفن"، من شأن الروح في عمق العمل الفني الجدير بهذه الصفة، ويرى ان ما يُبطنه العمل الفني هو الاهم، مؤكدًا أن الفن يوحي في العادة ولا يُصرّح.

صدر هذا الكتاب عام 1911 وتُرجم الى العديد من لغات العالم، على اعتبار انه يمثل التبرير النظري لظهور المذهب التجريدي في الفن التشكيلي، وقد صدرت الترجمة العربية لهذا الكتاب عام 1994 بتعريب فهمي بدوي. تقديم الفنان محمود بقشيش . تعقب وملاحظات د. صبحي الشاروني.

يُقسّم كاندنسكي كتابه إلى فصلين اثنين، وقد جاء الاول تحت عنوان: في الجماليات.. حركة المثلث. ثورة الروح والهرم. فيما حمل الفصل الثاني عنوان: فن التلوين. سيكولوجية اللون. لغة الشكل واللون. النظرية. وينهي كاندنسكي كتابه بخاتمة تلخيصية.

الكتاب رغم محدودية عدد صفحاته. 132 صفحة من القطع الصغير بما يشمل المقدّمات والتعّقيبات، يتضمّن الكثير من الاستطرادات، كما يقول بقشيش في تقديمه له ايضًا، إلا أن الافكار الرئيسية فيه شفّافة تبدو في البداية غامضة.. وتتضح كلّما توغّلنا في قراءة صفحات الكتاب.

يوجّه كاندنسكي نقدًا شديدًا الى الفنانين التقليديين، ويمهّد لثورته الفنّية التجريدية، بتوجيه سهام نقده إلى كل ما هو مكرّر ومعاد وتقليدي، وهو يفعل ذلك دون الانتقاص من قيمة فنانين مُجدّدين على طريقتهم مثل الفرنسي المبدع بول سيزان، ويوجّه سهام نقده أيضًا لمدعي الفن الذين يقدّمون اعمالهم الفنية حسب الطلب بلغة عصرنا، كما ينتقد اولئك الكسالى الذين لا يُرهقون انفسهم بقراءة متعمقة تحتاج إليها لوحة تجريدية تضمّنت العديد من الاشارات واحتاجت، سبرًا لاغوارها، إلى قراءة متأنية وخاصة.

يربط كاندنسكي في اكثر من واحدة من فقرات كتابه بين الفن التشكيلي وبين الموسيقى بطريقة عضوية حتى انه يرى ان هناك صعوبة للفصل بين الفنين، اما فيما يتعلّق بالألوان والتلوين وسيكولوجيتيهما، فإنه يقدّم اجتهادات خاصة يطلق خلالها على كل لون صفة ومعنى..

2072 كاندنسكي

يذكر ان تاريخ الفن التجريدي يعود إلى الفترات الاولى للإبداع الفني الانساني، غير ان التجريدية كمدرسة فنّية حديثة قائمة بذاتها، جاءت خطوة متقدمةً على التكعيبية مثلًا، ففي حين ان التكعيبية اكّدت أهمية هدم الاشكال واعادة بنائها بصورة جديدة تسعى إلى تفكيك الاشكال المنحنية إلى اصولها المستقيمة عبر تحويل كل الخطوط إلى مستقيمات وكل الحجوم إلى مكعبات ضمن محاولة لإعادة بناء الاشكال وبعثرتها ومن ثم رسمها من عدة زوايا في لوحة واحدة.. فقد سارت التجريدية خطوةً ابعد فابتعدت عن المظهر الواقعي للأشكال والعناصر، متعمّدة البعد عن الواقع ورافضة تناول اي شيء واقعي، فالفنان التجريدي في عرف التجريديين، يبدأ عمله من الذهن، مبتدعًا اشكالًا والوانًا يحرص ألا يكون لها اي ارتباط بالواقع.

في تعقيب د. صبحي الشاروني على هذا الكتاب، يعرب عن تحفّظه على تقريب كاندنسكي بين الموسيقى والفن التشكيلي، رائيًا انه لا يمكن ربط نوع من الفنون، مثل الرسم بالموسيقى، لأن الرسم في هكذا حالة سيكون تابعًا للموسيقى، وهذا ما لا تقبله خصوصية النوع الفني. أما فيما يتعلّق باجتهادات كاندنسكي فيما يخص الالوان والتلوين، فإن الشاروني يتوصل بعد مقارنة صارمةٍ في تعامل الشعوب مع الالوان واختلاف الفتها لها، ان كاندنسكي إنما عبّر عن ذائقته الخاصة ولم يعبّر عن قاعدة عامة. الشاروني يقدّم احترامه الشديد لحرية الفنان التشكيلي ويثمنها عاليًا. ويدعو الفنانين المصريين تحديدًا، للإجابة عن السؤال الملح وهو: هل ما تنتجونه مناسب للعصر الحاضر.. وهل انتاجكم في خدمة الفن.. أم انكم ترسمون لأجيالٍ قادمة لم تولد بعد؟.. ويستشهد في نهاية تعقيبه برأي لناقد فنيّ المانيّ زار القاهرة، في اواسط التسعينيات.. وقال للفنانين هناك. إنكم. بحاجة إلى الفنون التشخيصية بعد قرون عاشتها بلادكم داخل الرقش والزخرفة، بعكس اوروبا التي تحتاج حاليًا إلى الاشكال اللاموضوعية في الفن، بعد ان عاشت قرونًا طويلة لا تشاهد من الاعمال الفنية غير الاشكال الانسانية.

 

ناجي ظاهر

 

 

شكري عزيز أي حضور وأي تفاعلية

 تقديم: يعد فن النحت من الآليات والوسائل التعبيرية الفنية في تعامله مع المادة، الكتلة، والشكل، لتختلف فيه المواضيع المطروحة بحسب التمشي الفني المعتمد، فتتنوع الأساليب والتقنيات كما من المواد والخامات خدمة للموضوع والذي يتوزع بين التشخيص والتجريد.

فالنحت شكل تعبيري داخل الفضاء وبروز فيه كشكل تفاعلي مفضي للقراءة والفهم بحسب ما تمنحه العناصر المكونة لهذا الأخير.

من هذا الإطار، تعبير عن شكل الحضور في المنحوتة وماهيتها داخل الفضاء، إلى جانب أغراضها المعرفية والفكرية كما من طرحها الجمالي شكلا ومضمونا. فإن تنوع التعبيرات والمواضيع النحتية مع انفتاحها على عناصر تكنولوجية، يمكن لها أن تسهم في دعم الممارسة الفنية وتفتح لها مجالا أرحب في أبراز الرؤية التشكيلية في حد ذاتها.  فالمنحوتة بوصفها شكل تعبيري وأثر فني محمل بالفكر ومستوعب لامتلاءات الفنان، هي أيضا حضور في الفضاء على اختلاف تحديداته (مغلق، مفتوح)، أي حضور كشكل تفاعلي داخل الفضاء أو بروز وتعيين فيه. فالنحت أسلوب والمنحوتة نتيجة تستقرئ في فضائها كبنية متكاملة وهو ما يمكن أن نعبر عنه بأسلوب وطريقة العرض التي تكسبها دلالتها الخاصة سواء في ذاتها أو في تفاعليّتها داخل الفضاء.

من هنا طرح لشكل المنحوتة وأغراضها الفنية والتعبيرية، والتي تحمل للقراءة الجمالية وتموقعها في صيرورة الفن وراهنيته كفكر وممارسة، وأيضا إلى قيمة الفضاء وخصوصيته كحاضن للمنحوتة سواء في شكله المحايد أو التفاعلي معها، وهو المجال الذي يطرح عبره استدلالات العمل النحتي كأثر وكموضوع، أي حضور وأي معنى ؟، كما من أهمية ودور الفضاء في شكله العام في تحقيق غاية الأثر الفني في حد ذاته وبروزه لتكتمل الصياغة الفنية ولتقبل بتفاعلية لدى المشاهد عبر استقراءات الفضاء ومكوناته. إن هذه العلاقات بين المنحوتة في شكلها العام والفضاء في شكله الخاص، يمكن أن تثير الجدلية القائمة الآن في علاقة بالفضاءات العمومية في تونس، وتموضع المنحوتات أو المجسمات فيها، مما يطرح أسئلة عن قيمة العمل الفني النحتي، أي حضور؟ وأي تفاعلية في علاقة بالفضاء كمحقق لهذه الأخيرة؟ وأي أبعاد فكرية وفنية وجمالية تتحقق عبر هذه العناصر؟.

عبر هذه التحديدات الأولية تتنزل الإشكالية التالية:

جدلية حضور العمل النحتي في الفضاء العمومي، بين انفتاح الرؤية والقراءة الجمالية، وضياع الفكر وتشويه المضمون.

حدود البحث:

تتمثل حدود البحث، في قراءة العلاقة الكامنة بين العمل النحتي أو المجسم بالفضاء العمومي كحاضن لهذا الأخير عبر بعض النماذج، كعناصر متكاملة أو متنافرة، ومنه إلى بيان المتغيرات الممكنة فيهما والمانحة لقراءة فتقبّل جديد ومتغير.

أهداف البحث:

يهدف البحث إلى دراسة أشكال حضور العمل النحتي والمجسمات في الفضاءات العمومية، واستبيان مدى تحقق القيم الفنية والجمالية والفكرية، إلى جانب تحديد بعض الإشكالات المتعلقة سواء بماهية العمل النحتي، أو الفضاء العمومي كراهن.

1- المنحوتة: شكل تعبيري دلالي:

"فن التحت هو أحد جوانب الإبداع الفني، وهو فن تجسيدي يرتكز على إنشاء مجسمات ثلاثية الأبعاد، كما أنه تنظيم منسق للكتل الموجودة في فضاء حقيقي، والعناصر التشكيلية في النحت هي "الكتلة-الفراغ- الخط- النسيج" وعلى إثره فإن وظيفة النحات هي تنظيم هذه العناصر في تكوين موحد، ويبدأ التنظيم لدى النحات بالمادة سواء كان حجر أو خشب أو طين أو غيرها من المواد، تمر بعمليات متعددة قبل أن تتخذ شكلها النهائي والذي هو نهاية العمل المنجز" .

عبر هذا التحديد لمفهوم النحت، إحالة لدور المنحوتة المنجز في كونها شكلا من أشكال التعبير، ذات معنى ورسالة، لتُقبَل بتحديدات جمالية وفكرية شكلا وأسلوبا. فهي مجال تواصلي اتصالي، والذي يفرض مضمون، فمتقبل لهذا المضمون. من هنا إحالة إلى الدور الذي يمكن أن يلعبه النحت في ترسيخ الحاضر وتسجيله في علاقته بالمعاش، وما يمكن أن يفرزه من انتاجات تجمع الأسلوب والمضمون بمتغيراتهما ضمن المسار الفني بشكل عام. ففي التعبير هنا عن النحت، بما هو تعامل مرتبط بالتقنية والمادة، بحسب زاوية معالجة الموضوع، إنما يمنح مجالا أرحب للتعبير، ومن هذا الإطار محاولة لاستبيان مدى حضور النحت في الفضاءات العمومية، في تونس، أي حضور للمنحوتات؟، وأي دلائل تعبيرية في علاقة بفضاء عرضها؟.

فبالعودة إلى ما تزخر به البلاد التونسية من تراث هام (مادي ولا مادي)، يعكس تعاقب الحضارات وخصوصياتها، ليكون مسجلا في المكان والزمان، ومتناقلا كفكر بين الأجيال. يمكن أن يكون كمجال تنبع منه الرؤية الفنية في علاقة بالمنحوتات أو المجسمات في الفضاءات العمومية. هذا التنوع في الموروث، وبتوزعه على عدة جهات بالبلاد، إنما يوفر أرضية عمل لاستيعاب هذا التنوع في المجال الفني والتشكيلي، وتطويعه كسياق تعبيري جمالي. فالفن عموما يمكن وصفه بمقياس للشعوب في مدى تطورها اجتماعيا، اقتصاديا وثقافيا ...، بوصفه انفتاح على الداخل والخارج، وكما يرى الفيلسوف المعاصر إروين إيدمان بأن طبيعة الفن هي " تغيير الحياة وتقديم خبرة جديدة حولها، فالفن هو الإسم الذي يطلق على العملية الكلية الخاصة بالذكاء، والتي من خلالها تقوم الحياة التي تعي شروطها جيدا بتحويل هذه الشروط إلى تفسير يثير الإهتمام على نحو كبير".  هذا السياق في مدى انفتاح الفن عموما والنحت خصوصا كمنجز فني، يفرض عدة توجهات في الممارسة الفنية في حد ذاتها لتتحدد خصائص المنجز الفني والذي يمكن أن يتوزع بين النقل المباشر للموروث، والذي يمكن أن يتنزل في باب الحرف التقليدية، واستيعابها كمنجز فني، أو بنقلها إلى مجال الفن التشكيلي عبر استغلال خواصها شكلا أو مضمونا.

إن هذا التوجه في الممارسة التشكيلية وخصوصا منها النحتية، بين النقل أو الاستيعاب للموروث، كما من مجاوزتهما كتحقيق لدلائل تعبيرية راهنة بحسب توجه فني معين، إنما يفرض معاينة ومتابعة للتجربة ذاتها، حتى تتحدد ملامحها في صيرورة الفن ضمن شكل من أشكال المقاربة الفنية فكرا وممارسة.

هذه التحديدات الأولية، في علاقة بشكل الممارسة الفنية النحتية، ومرجعياتها الفكرية الممكنة، إنما يفتح التعبير عن أطر الممارسة وخصائصها، سواء في كونها تسجيل أو تأريخ لحدث ما على اختلاف زمانه، ضمن طرح فني لا ينفي النقل المباشر للحدث وإنما يخرجه في شكل فني يعكس قيما فلسفية، جمالية وفكرية ...، أو في مجاوزة هذا التوجه ليحيل التعبير عن الممارسة الفنية الخاصة  والخالصة، سواء في شكلها العام أو الراهن بحسب الموضوع المطروح، لتتجلى القيم العميقة للفن كتعبير والية تخاطب واتصال فتواصل مع المشاهد.

هذا التنوع في المرجعية الفنية المعتمدة، إنما يؤسس لثراء في الممارسة التشكيلية وتنوعها عموما، كما يمكن أن يحقق جملة من الامتلاءات الفكرية والتي تترسخ بالنقد وبتراكماته. هذا المسار الذي يوائم بين المنجز الفني وما يمكن أن يطرحه من فكر، إنما يقيم الدليل على أهمية التطرق إلى القيمة التعبيرية للعمل الفني في كل تجلياته، وفي كل مراحله سواء في الإنشاء أو العرض والتقبل.

من هذا السياق، وعبر تحديد القيمة التعبيرية للعمل الفني عموما وأغراضه خصوصا، كشكل من أشكال التعبير، كما من الدور الذي يمكن أن يلعبه ثقافيا، اجتماعيا، اقتصاديا ... ، إنما من أجل استبيان مدى تحقيق بعض المنجزات الفنية النحتية لهذه الأغراض، بناءا على منهج القراءة لها إنشائيا، فكريا، فلسفيا وجماليا، إلى جانب بعض التحديدات الأخرى سواء في العرض أو التقبل، وهو المجال الذي سوف يتم تحليله بناءا على مفهوم فضاء العرض، والتقبل.

2- الفضاء العمومي: الفضاء المغلق والفضاء المفتوح

يعتبر الفضاء في عمومه إطارا لظهور الشيء وبروزه كما من تعيينه، بحيث تتحدد أبعاده بناء على خصوصية الفضاء ومكوناته.

من هذا الإطار محاولة لاستبيان خصوصية الفضاء العمومي كحاضن للعمل النحتي، والذي يمكن أن تتبدل فيه القراءة سواء للفضاء أو للعمل النحتي عبر العلاقة المحدثة بينهما، سواء بالاتصال والتواصل، أو الحياد، أو النفور.

فالفضاءات العمومية متنوعة، بين الحدائق العامة، المتنزهات، مفترق طرقات، الفضاءات الخاصة بالمؤسسات العمومية على اختلافها...، هذه الفضاءات تتوزع بين فضاءات مفتوحة وأخرى مغلقة، مما يفتح عدة توجهات في إنشاء العمل النحتي وموضوعه. فهي تساهم في تأمين أرضية عمل وفضاء عرض للعمل النحتي، لتخلق به ديناميكية للفضاء بتحقيق خصوصية المكان، وهو ما يمكن التعبير عنه ببصمة وطابع المكان.

هذا التواشج بين الفضاء والعمل النحتي، إنما يفتح لميلاد منهج تأريخي للفضاء العمومي بصفة عامة، وللجهة الحاضنة له بصفة خاصة، حيث يصير رمزا، فأثر واقع ومطبوع في المكان والزمان، وهو ما يمكن التعبير عنه بإمكانات استثمار العمل النحتي وخصوصياته حتى يصير انعكاسا ثقافيا، معرفيا، محمل بأبعاد جمالية، تسهم في الارتقاء بالذائقة الفردية والجماعية لما تحمله من مضمون فني واجتماعي، بعيد كل البعد عن الإسقاطات الهجينة والتعبيرات المبتذلة والركيكة شكلا ومضمونا. فهو الإطار الذي يمكن أن نعبر فيه عن مكانة الفن التشكيلي عموما والنحت خصوصا في تونس، أي حضور؟ وأي تقبل؟

والذي يقابله تحديد لخصوصية الفضاء كحاو للعمل، فهل تتوفر فيه شروط عرض العمل الفني؟ .

يعد الفضاء ركيزة أساسية لحضور العمل النحتي وتقبله، سواء كان فضاء مفتوح أو مغلق، وبه تتحقق القراءة فالفهم والتأويل لخصوصيات المنجز الفني، حتى يصير نوع من الانفتاح على أساليب جديدة في قراءة الفضاء في حد ذاته، ومدى استيعابه لمضمون المنجز الفني شكلا وأسلوبا. فهو مجال تتحدد فيه أهمية الفضاء وقيمته، كما من قيمة المنجز الفني، كشكل تكاملي أو كنفور وعدم تراكب، وهو المجال الذي يمكن أن نعبر فيه عن مدى تأثير الفضاء في العمل الفني سواء بالإيجاب أو السلب، وكذلك الشأن بالنسبة للفضاء في علاقته بالعمل كجدلية تأثر وتأثير.

في هذا السياق، يمكن أن نحدد قيمة الفضاء وموجبات التأثير السلبي على العمل النحتي والعمل الفني عموما، بحسب تحديد مكوناته وخصائصه. فيمكن أن يحمل الفضاء عديد الدلالات، والتي يستسقيها من مكوناته، حيث يمكن أن تضحى هذه المكونات عائقا بصريا للمنجز الفني مما يؤثر سلبا في عملية تقبل العمل ويفقده قيمته، وهو المجال الذي يمكن أن نعبر عنه بالفضاء الفوضوي الذي يحمل العمل لتلك الفوضى، فيصبح جزء منها.

من هذا الإطار، استبيان للتوجهات الفنية والتعبيرية الممكنة في علاقة بالفضاء، سواء في كونها مستمَدّة لمضمونها وموضوعها من داخل تلك الفوضى حتى تساؤل الفضاء عينه بمكوناته، ضمن إخراج فني يعكس عمقا دلاليا وطرحا فنيا خاصا، فكرا وممارسة، والتي به تتحدد أطر التجربة الفنية وتموضعها في صيرورة الفن، لتفتح بذلك آفاق جديدة للفضاء وللتجربة الفنية عموما، أو في كونها إسقاط فضياع داخل الفضاء بغض النظر عن قيمتها المثلى لو وجدت كشكل مفرد في فضاء دون شوائب، يخدم بروز العمل وظهوره.

هذه التوجهات في علاقة بقيمة الفضاء، والطروحات الممكنة في علاقته بالمنجز الفني، إنما تؤكد في عمومها على ضرورة الموائمة بين فضاء العرض والمنجز الفني، سواء في كون الفضاء موضوع للعمل أو في كونه مجرد حامل له،  لتختلف التوجهات والتحديدات فنيا، فكرا وأسلوبا، وهو ما من شأنه أن يخلق مسارين في العملية الفنية، مسار مرتبط بولادة العمل من داخل خصوصية الفضاء، ومسار آخر يُحمل فيه العمل إلى الفضاء بوصفه حامل له، وهو ما يعيدنا إلى بداية التحليل في علاقة بمضمون العمل الفني، والنحتي خصوصا، أي حضور؟ وأي تفاعلية؟.

3- حدود الفضاء أم حدود المنجز:

بالعودة إلى بعض النماذج النحتية أو المجسمات المُنصّبة في بعض الفضاءات العمومية لبعض جهات الجمهورية التونسية، قراءة لشكل العمل وحضوره، ومدى استيعابه للمضمون الفكري والجمالي في علاقة بالطرح التشكيلي في حد ذاته، كما من آلية الاتصال والتواصل داخل الفضاء، وما يمكن أن يمنحه من استدلالات في كيفيات الإنجاز وفروعه.

هذا المنطلق في التحليل، عبر المعاينة لبعض النماذج من المنجزات النحتية، إنما يفتح القراءة أولا على قيمة المنجز في حد ذاته، كما من دراسة الفضاء الحاوي لهذا الأخير. فبعض هذه النماذج المنصبة في بعض الفضاءات العمومية، والتي تم اختيار البعض منها (كما هو مبين في صور الأعمال)، إنما تفتح جملة من الإشكالات المتعلقة بحدود المنجز في حد ذاته، حدود في الشكل والمضمون كما من الإخراج. فهذه الأعمال تفتقر لرؤية تشكيلية خالصة فكرا وأسلوبا، ولكل ما يمكن أن يحمله العمل الفني من أبعاد جمالية، فلسفية، كما تم تقديمه سابقا. لتضحى عائقا بصريا، وإشكالا في الذوق وكما جاء في كشاف "اصطلاحات الفنون" للتهانوي بأن "الذوق قوة إدراكية لها اختصاص بإدراك الكلام ومحاسنه الخفية،"  وكما اقترحه أيضا "ماير" في وجود مكونين في عملية التذوق: أحدهما هو الذكاء الجمالي « Aesthetic Intelligence » ، وهو مرتبط أكثر بعمليات الإدراك، وقد تصوره ذا جذور وراثية إلى حد كبير، أما الآخر فهو الحكم الجمالي أو الذكاء التقويمي  « Evaluative Intelligence »، وقد تصوره مكتسبا ومتعلما وراجعا إلى الخبرة إلى حد كبير" .

عبر هذه التحديدات المفهومية، يعاد التساؤل عن واقع المنجز النحتي بوصفه مضمون فكري مدرك، ومدى تحققه في الواقع المرئي والملموس، ليحيل بدوره إلى منحى التقبل المفضي للحكم الجمالي.

فهذه السلبيات التي تطرحها المنجزات المنصبة في الفضاءات العمومية (النماذج المختارة)، تقر بحدود المنجز كنشأة وكبداية، مما يفصله عن مسار التحليل لحدوده  ضمن مسار التحليلي الجمالي والفكري ...، فالحدود هنا أضحت حدودا فكرية، شكلية، تقنية ...، تميت المضمون، لتميت الذوق وتسهم في تشويه الفضاء على اختلاف علله، وهو ما يمكن أن نعيده لإشكالية الذوق ولمنهج وعملية التذوق بوصفها ارتباطا بالإدراك في معناه العميق، فــــ"من خلال الإدراك تكون هناك إحاطة بالمدركات (بصرية، سمعية ... إلخ)، ثم تكون هناك محاولة للتمييز بين هذه المدركات أي تحليلها إلى مكوناتها الأساسية ثم إعادة تركيبها في مكون كلي جديد" .

فهذه النماذج للمجسمات النحتية، على اختلاف أشكالها، إنما تعكس ترجمة سطحية لما يمكن أن تتميز به جهة معينة من خصوصيات على اختلاف المجالات، على عكس ما يجب أن تكون عليه كواجهة أو كصورة مميزة لها ضمن طابع جمالي خاص. هذا النقل البديهي والسطحي في موضوعات المجسمات، يعكس بدوره جملة من الإشكالات والأسباب المفضية لهذه النتائج، ومنها:

أ-  تغييب أهل الاختصاص: الفنان/النحات.

إن تغييب الفنانين والمختصين في مجال النحت، وتكليف "مقاولي الفن بالنيابة"، من شأنه أن ينتج مثل هذه المنجزات، والتي تفتقر إلى رؤية فنية، شكلا ومضمونا، وتسهم إلى حد كبير في نقل مضامين جوفاء بصورة جرداء، إلى جانب عدم الاهتمام بأبسط مقومات عرض المنجز الفني.

 فبالرغم من تعدد الجامعات في مجال الفنون والحرف وما تكوّنه من دفعات طلابية، إلى جانب ما تزخر به البلاد من مكونين ومختصين في مجال النحت، يتم تغييبهم وتجاهلهم في غالب الأحيان، ليتم الاستعانة بغير المختصين، وهو ما يعكس واقعا سلبيا في التعامل مع الفنان عموما، والنحات خصوصا كشريك طبيعي في رهانات البناء الثقافي والاجتماعي ... .

ب- الإشكال المادي وأطر إنجاز العمل بين الرؤية السطحية وتفريغ المضمون.

يعتبر العائق المادي، من المؤثرات على قيمة المنجز، لما يمكن أن يطرحه من تغييرات على هيأة العمل ومواده، كتغيير قصري يؤثر بدوره على مضمون العمل الفني ويفرغه من محتواه الأصلي. فهذا التأثير يرتبط أساسا بمنهجية العمل وصيرورة ولادته، ليصير محكوما بالمادة في أدنى مستوياتها، ليس من باب الضرورة الفنية وطرحها الفكري أو الجمالي، وإنما من باب التجريد والتفريغ للمحتوى.

فهذا التوجه في تنصيب الأعمال لغرض التزويق وملئ الفراغات بطريقة مبتذلة، يؤثر سلبا على مسار العملية الإبداعية، مما يفتح الباب أمام أطراف غير مختصة وبخلفية انتهازية، هدفها تحقيق فائدة ربحية دون التطرق إلى قيمة المنجز في حد ذاته، وهو ما يمكن وصفه بالصفقات المشبوهة، ليصير تعميق لمشهدية سيئة في الفضاء الحاوي للعمل.

 أما في جانب ثان، وفي ظل محدودية الإمكانات المادية لبعض البلديات، تبرز بعض المبادرات، سواء للمجتمع مدني أو للأفراد، من أجل التدخل في بعض الفضاءات وانجاز مجسمات باجتهادات خاصة ومحدودة، يمكن لها أن تأثر سلبا في العملية الإبداعية، بالرغم من الحركة الإيجابية في السعي لضرورة التغيير والمشاركة في صياغة  ملامح جديدة لفضاءات مفقرة بصريا.

هذه الاجتهادات والمبادرات، يمكن البناء عليها عبر التأطير والتوجيه، ومن خلال الاستناد والاستئناس بآراء المختصين وتدخلاتهم كما من تجاربهم. فهذه التمشيات في معالجة الفضاءات العمومية في مسار عملية الانجاز لمنحوتة أو مجسم، يجب أن تحتكم لجملة من الشروط حتى ترقى لتكون آلية اتصالية تواصلية ذات مضمون ورؤية فنية وجمالية، تسهم إلى حد كبير في ضمان التغيير وتحقيق أبعاد التعبير كعمق فكري يضمنه الأسلوب.

ت- المنجز وحدود الفضاء:

بالرغم من شساعة مضمون الفضاء كمفهوم في شكله العام، إلا أنه يبقى رهين التدخلات الممكنة فيه، أي في وصف الحالة بين الحاوي والمحتوى، كما من دلائلهما عبر هذا التصاهر وفي مدى تحققه في الواقع كغاية وكغرض. من هذا الإطار، تعبير عن مدى تلاؤم المنجز الفني عموما بالفضاء المنصب فيه، والذي يتأسس بالضرورة عبر دراسة مدى التكامل بينهما والروابط الممكنة عبر هذا التصاهر. من هذا الجانب، إحالة لمحدودية الفضاء في احتضان المنجز، كنوع من التنافر سواء في الشكل أو المضمون، كما من المؤثرات السلبية الممكنة التي يمكن أن تستقرئ عبر هذا الإسقاط، وهو ما يحيلنا إلى التعبير عن اجرائيات العرض في المنجز الفني في علاقة بالفضاء، ومحدوديتها، مما يؤثر سلبا على تقبل العمل وقراءته.

ث- محدودية الصيانة والمتابعة:

إن محدودية الصيانة للمنجز الفني، تفقده قيمته الأصلية، وتكرس منهجا سلبيا في تقبل العمل وقراءته جماليا وفكريا، كما يمكن أن تعكس مدى الوعي الفردي والجمعي بضرورة الفن وبآلياته التعبيرية، وهو ما من شأنه أن يقيم دليلا عن مدى ارتقاء الشعوب ثقافيا، اجتماعيا واقتصاديا، كمقومات منعكسة في ظواهر اليومي فعلا وممارسة.

ج-  الإستراتيجيا السياسية والرؤية المستقبلية للواجهة الثقافية:

 غياب لنظرة آنية ومستقبلية في علاقة بدور الفن ثقافيا، اجتماعيا، اقتصاديا، حتى ترقى إلى مستوى تجذير الهوية والثقافة في المجتمع بشكل فني راق فكرا وأسلوبا، تعد من أساسيات تهميش الدور المنوط بالفنان ومنجزه على اختلاف مجالاته. ففي علاقة بالمجال التشكيلي عموما، تكاد تكون الإستراتيجيات منعدمة أو برامج فضفاضة لا تمت للواقع بصلة، حيث تنحصر في إطار التظاهرات الاحتفالية الوقتية  بالتوازي مع أحداث وطنية، لتنتهي بانتهاء زمن التذكير بذلك الحدث. لتكون حينا آخر مجرد خلفية لصورة جماعية افتتاحية هي بالأساس دعائية سياسية بعيدة كل البعد عن مضمون المنجز الفني.

         

خاتمة

تتعد الأساليب الإنشائية للمنجزات النحتية، وتنفتح على جملة من الآليات المعاصرة خدمة للفكرة ولكيفيات المعالجة فالبناء. هذا الانفتاح يمكن له أن يمنح مجالا أوسع للعملية الإبداعية بشكل عام، ويفتح الباب أمام الفنان بشكل خاص في تضمينه لرؤيته الفنية بأسلوب مجدد يضمن تحقق غايته المنعكسة في الأثر الفني. فالفن فكر وأسلوب، حامل لأبعاد جمالية متجذرة في تمفصلات المنجز كشكل وكمادة، ويتحقق بتقبل وقراءة هذه المكونات ضمن إطار منفتح على المكان وفي الزمان.

هذه التمشيات الممكنة في المسار الفني والإبداعي، تخلق جملة من الطروحات الفكرية والجمالية، مانحة بذلك آليات للقراءة، فالفهم والتقبل بالنسبة للمشاهد، وهو ما يمكن أن يحمله المنجز الفني ويولده من مثيرات تسهم إلى حد كبير في تأمين هذا المسار التفاعلي ومدى تحقيقه لجملة هذه الفروع المفهومية. فعبر هذه التحديدات، تبرز قيمة المنجز الفني في حد ذاته، وتتحدد أطره وإمكاناته، والتي يجب أن تُضمَن في مسار التجربة الفنية كقراءة خاصة بالفنان في بداياتها، لتصير مشتركا جمعيا منفتحة على التأويل والنقد.

إن النماذج المقدمة في التحليل، يمكن اعتبارها دليلا مرئيا، يسهم في إدراك مدى الوعي بضرورة الإبداع ومدى الارتقاء بالذوق، فتضحى إطارا كشفيا لتمفصلات عملية التدخل في الفضاءات العمومية بجوانبها السلبية، حتى تكون منطلقا في فهم "ميكانيزمات" التفكير وطرق التغيير. فهذه النماذج "العينات"، تم التطرق إليها بوصفها "ظاهرة" تُوجب الدراسة، وليس في أصل العمل كنموذج فني يطرح بدائل إنشائية أو جمالية.

فهذه النتائج والإشكالات، وفي مجاوزتها تحليليا وبنيويا، تقيم الدليل على ضرورة الانفتاح على تجارب فنية ونحتية مهمة في البلاد، يمكن لها أن تسهم في الارتقاء بالذائقة، كما من تأسيس خطاب جمالي وفكري عميق يكون محور العملية التواصلية والاتصالية ويضمن خصوصية المكان في الزمان.

 

د. شكري عزيز من تونس

................................

الهوامش:

1- ناثان نوبلر، مدخل إلى تذوق الفن والتجربة الجمالية، دار المأمون للنشر والترجمة، بغداد، 1987، ص 71.

2- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة، العدد267، الكويت، 2001، ص 27.

3- التهانوي، محمد على بن علي، كشاف اصطلاحات الفنون، المجلد الأول، القسم الثاني، طبعة كلنكة.

4- Lindauer,M.(1981). Aesthetic Experience : a Neglected Topic in the psychology of arts. In: D.O’Hard (ed) Psychology and the Arts. N.J The Harvester Press. 29-75.

5- شاكر عبد الحميد، التفضيل الجمالي، دراسة في سيكولوجية التذوق الفني، عالم المعرفة، العدد267، الكويت، 2001، ص 31.

 

حاتم جعفرعنوان المقال أعلاه، كنت قد إستقيته أو باﻷحرى إقتبسته من بين ثنايا اللقاء التلفزيوني الذي سنأتي عليه تفصيلا. وتعليقا عليه نقول، هو يحمل الشيء وضده، لكنهما، وهنا الطرافة في اﻷمر،سيلتقيان عند نقاط بعينها، من بينها وفي مقدمتها هي قدرة الفنان العالية على رسم ما يبعث على الراحة وتطيب له النفس، كذلك على ما سيحدثه من بهجة وغبطة من لدن المتلقي، وسيبدو ذلك جليا حين تسقط عيناك على منجزه الفني، والحديث هنا عن تلك اللوحات الفائقة التعبير، وبريشة أجزم أنَّ ماسكها قد نجح في أن تكون طوع أنامله، متحكما في وجهتها وبرشاقة المتمكن والعارف بمفاتيح فنّه وفي سبر أغوارها.

في ذات الوقت وعلى الإتجاه اﻵخر ولنسميه المعاكس أو الضد، فسيسجل بلا شك لصاحب المعرض والمناسبة، والذي هو محور مقالنا، نجاحه وبإمتياز في إختراق أحاسيس ومشاعر زائريه ورواده، وأن يخلق منهم مزاجا وأرضية مناسبة بل وخصبة، ستدفع بهم ودون إرادة أو تحكم ﻷن يَأنٌوا كما يَأنٌ ضحايا أعماله، ولعل لوحاته التي عُلِّقَتْ على جدران المعرض خير دليل على ذلك. إذاً ففي الحالتين إستطاع سيروان باران أن يحلِّقَ بنا ويأخذنا الى عالمه، أينما يشاء ووقتما يشاء وبلمسات فنيةساحرة.

وعن اللقاء الذي أجري مع الفنان وما يمكن تسجيله من إنطباعات كنا قد خرجنا بها، فلا بأس من إيجازها وعلى الشكل التالي: منذ اللحظة اﻷولى لبث الشريط، لوحظ بأنّ ردة فعل مقدم البرنامج، كانت بحق ملفتة للنظر. وعن تفسيرنا لهذه الحالة نقول: انها جاءت على هذا النحو لِما ضَمَّهُ وما أحدثه المعرض من مفاجئآت لم يكن ليتوقعها (مقدم البرنامج) أو تخطر على باله، ظنا منه بأن ما ستراه عيناه من رسوم ولوحات وأخواتها، سوف لن تخرج في مستواها أو تبتعد كثيرا عن تلك الصورة أو ذلك اﻷداء النمطي لعديد المعارض الفنية، التي سبق له أن زارها، والتي ربما، نقول هنا ربما، لم تتوفق في إيصال رسالتها وعلى النحو الذي إبتغته وما خططت له، هذا ما أرجحه وأميل اليه.

وبعيدا عن تقدير الحالة وشكل قراءتها، فقد نجد من بينكم مَنْ يختلف معنا في تقييمنا هذا ولعلكم وجدتم فيه بعض مبالغة. وقطعا للإجتهاد وما يترتب عليه، فسنمضي الى وصف ما شاهدناه ومن على شاشة التلفاز، ولكم ما لكم من رأي ووجهة نظر: كأنه وأقصد هنا مقدم البرنامج وعلى حين غفلة اجتاز برزخا ليدخل عالما جديدا آخر، لم يكن قد وطئه في أيامه السالفات، لذا تألفه مشتتا، هائما، محتارا في قراءته وفي استيعابه للمشهد وأي من التعليقات ستناسبه. أو ربما ضربته نشوة عطر مفاجئة لم يشم أريجها من قبل. وهناك احتمال ثالث، فربما عثرت قدماه بباقات نضرة من زهرة الإقحوان، كانت قد إفترشتْ طريقه، إحتفاءا به، ومنذ قطعه للخطوة اﻷولى، حتى أجبرته على التوقف مندهشا وللحظات عن مواصلة مشواره. وتعليقا على ذلك وبالإتساق مع ما شاهده وأعجِبَ به، فقد إقترح مقدم البرنامج أن يتحول هذا المعرض الى متحفٍ دائم، بأبواب مشرعة لزائريه.

وما يمكن تسجيله أيضا، وعلى غير عادته في تقديمه للبرنامج ولضيوفه، والتي كثيرا ما تبدأ بتعريف المتلقي وبكلمات مكثفة معبرة عمن سيكون جليسه، هادفا الى تكوين فكرة كافية عن الشخص الذي يُنتظر ظهوره بعيد لحظات ومن على الشاشة الصغيرة، فقد حَمَلتْ هذه المرة محيا أحمد الزين، الإعلامي اللبناني المعروف ومقدم برنامج روافد من على قناة العربية، علامات تراوحت بين الذهول والإنبهار، حتى سينتابك إحساس ومن حيث لا تدري بأنَّ ردات فعله قد تسللت وإنتقلت اليك وأصبتَ بعدواها، بخفة وراحة، أنت الذي حسبت نفسك مشاهدا ومتابعا حياديا عتيداً للبرنامج، أو هكذا يُفترض. إذاً وما دام الحال كذلك وقياسا على ردة فعل المقدم، فقد وجدت نفسي أمام خلاصة مفادها: من غير المستبعد أن يكون الشخص الذي سيتم تقديمه، ليستحق فعلا المتابعة والإنتباه، وكان اﻷمر حقا كذلك، ومنذ لحظات البث اﻷولى للبرنامج.

سيروان باران، هذا هو اسم الضيف، أرجو أن تحفظوه جيدا. وللتعريف به ولطالما فات المقدم أن يتوقف عنده وإن بِشكلٍ مختصر، فهو رسام عراقي، ولد في بغداد في النصف الثاني من ستينات القرن المنصرم، عاش ونما وكبر شأنه هناك. ومن تأريخها إستمد قوة حضوره وزهوه. طاف كالطير بين درابينها وأحيائها، وأتمنى أن تكون الشعبية والعتيقة من بينها. أجزم بأن أنامله وذائقته الفنية قد تتلمذت وجاءت بمثابة الصدى لما حفره وثبت أسسه اﻷولون من كبار التشكيليين العراقيين. وإذا كان لنا من إستذكار لبعض من أسماء ذلك الرعيل، فسيحضر هنا وبإقتدار عالٍ نوري الراوي وفائق حسن وكاظم حيدر ومحمد غني حكمت والدروبي والشيخلي وأسماء كبيرة وكثيرة أخرى، إستطاعت ومن خلال إمكانياتها وطاقاتها الفنية الفذة أن تمد خيوط تأثيرها وألوانها لتعبر حدود وطنها، حتى باتت تشكل علامة فارقة، يشار لها وبجُل الإحترام والتقدير والعرفان، وذلك حين  يدور الحديث وفي ساحات اﻷلق البعيدة عما حققه رواد وسدنة الفن التشكيلي العراقي.

وكي لا نذهب بعيدا عن موضوعنا، فضيف برنامج روافد وعلى أرجح تقدير وفضلا عما اكتسبه من أبناء وطنه من الفنانين من خبرة، فقد توقف طويلا وبما لا يدع مجالا للشك عند مدارس الرسم المعروفة عالميا وبكل مسمياتها. لذا ومن خلال اسلوبه والذي تجلى في اللوحات التي تم عرضها ومن إحدى صالات بيروت، عاصمة الحب والجمال، فمن غير المستبعد أن يكون قد شرب من هذا النهر وذاك، حتى تشبع منها وارتوى، ليستقر أخيرا على ما يعتقدها أكثرها تعبيرا وإنسجاما وما يجول بخاطره وأفق مخيلته، فاﻷهم بالنسبة له ووفقا لطريقته وأسلوبه في الرسم، هو التقرب أكثر من ذائقة المتلقي وأن يصطحبه معه ويحلقا سوية حيث أماكن الجمال، شريطة أن لا يهوى بلوحته حتى تفقد قيمتها الفنية، أو يحسبها حكرا على فئة دون أخرى.

انه بإختصار ومن خلال اﻷعمال التي هي موضع حديثنا، فقد جسَّد ما دار في خلد أي فنان ملتزم، استطاع الوصول الى غايته بأشد أشكال التعبير بساطة، بعد أن وظَّفَ ومرَّ بما يمتلكه من ذخيرة، تمثلت في تجارب ومدارس فنية عديدة، كان من بينها بكل تأكيد التجريدية والتكعيبية والواقعية وما الى ذلك، حتى خرجت من بين يديه هذه الحصيلة وهذا العطاء. انه وبهذا المنحى سيلتقي أو يشبه كثيرا ما يجنح اليه كاتب النثر أو سمّه النص وبطريقة محترفة، متمكن من أدواته كذلك. فلكي يصل الى أدق أشكال التعبير وأكثرها حُسناً ورشاقة، فسينتقي من بين كم المفردات والصور التي بين يديه وحافظته، تلك الكلمات التي سيجد فيها القارى ما يمكن أن نطلق عليها بالسهلة العذبة أو الممتنعة كما يحلو للبعض تسميتها، لكنها في ذات الوقت ستنطوي على أشد أشكال التعبير دلالة، وحيث أرادها الفنان أو إن شئت سمّه الكاتب.

تراوحت رسوماته  وأعماله عموما بين الهم وما يجاوره، والحديث هنا تحديدا عن معرضه الشخصي الذي شاهدناه عبر قناة العربية. فمساحة اللوحة عنده واسعة اﻷبعاد، تحمل بين ثناياها ما يشير الى وضوحها ومباشرتها، ولا أستبعد أن يكون الفنان قد تعمَّدَ إتباع هذا اﻷسلوب، كي يبعد فكرة التأويل التي قد تراود البعض، ليقطع بذلك عليهم طريق التخلي عن تحمّل المسؤولية، خاصة من قبل أولئك الذين يسعون عامدين الى التخفيف أو التقليل من حجم المأساة وصولا الى طمس معالمها.

إذن خرجت من بين يدي الفنان واحدة من أهم الرسائل لما تحمله من أهداف وعلى العالم أن يصغي اليها، فمساحة الخراب قد طالت كل وطنه، أكلت من البشر أكثر من الحجر، وسيروان في عمله هذا قد وجد نفسها أمام خيار واحد لا شريك له، فهو الحامل  على كتفيه هموم وتطلعات شعب، كانت وما إنفكت تتقاذفه المحن، مما سيدفعه للدفاع عنه  وبكل ما أوتي من قوة ومقدرة، فالجرح لم يتوقف نزيفه وبـ(سخاء) وأينما ولّى وجهه ومن غير حساب، وهنا سيأتي السؤال: مَنْ سيوقف هذا النزف، إن لم يكن لأصحاب الجمال ومعابده دورا ونصيبا؟

أرتأى مقدم البرنامج أن يكون اللقاء بالفنان العراقي سيروان باران على جزأين، اﻷول منه جاء تحت مسمى (جمال مؤلم). بهذا العنوان وأكاد  أجزم بأنه قد حمل بأمانة ما تضمنه المعرض وما هدف اليه. وإذا ما أردنا التحدث عنه وبشيء من التفصيل، فسنقف مذهولين أمام إحدى اللوحات، والتي جسَّدتْ بضربات لا تخطئها العين ولا الضمير، صورة ذلك الإنكسار الشامل والمرعب، الذي بدا واضحا على وجوه شخوصه. ولم يكتفِ الفنان بذلك، فعن ذات اللوحة ومن خلال بعض الضربات والحركات الفنية التي لجأ اليها، فستجد نفسك أمام مجموعة من الجنود، يمثلون مختلف مكونات المجتمع العراقي وبأعمار متفاوتة، تراوحت الفوارق بينهما كما الفارق بين الإبن وأبيه، ليقودك الى إستنتاج لا لبس فيه، فالشعب كل الشعب كان الضحية، ومسحة اﻷلم والخذلان وآثار الهزائم الكبرى والمتراكمة، مثَّلت الجامع والقاسم المشترك اﻷعظم.

وفي مكان آخر من المعرض وأثناء تجوال مقدم البرنامج وتطوافه بين أجنحته، فقد توقف طويلا، لينبهر مرة أخرى، أمام نصبٍ يمثل شخصية اﻷسير، كانت أنامل سيروان قد نُحتَته وصاغته ليستجيب وحجم الوجع الذي يعاني منه. هذا ما بان من خلال الحركات الظاهرة على أجزاء بارزة من جسده، والإشارة هنا بشكل خاص الى حالتي الشد والتوتر، الباديتان على يدي الضحية وعلى أنحناءة ظهر،ه التي توحي باليأس وفقدان اﻷمل. فضلا عما أضفاه الفنان من لمسات ملفتة على الجزء الظاهر من وجه الضحية، ليكون بذلك قد إستكمل فكرة الإنكسار الجسدي على الرغم من أنَّ عينيه كانتا معصوبتين. وثانيا وهذا هو اﻷهم في تقديري، محاولة الفنان الإشتراك ومقاسمة العذاب الذي يعاني منه الضحية وفي لحظات شديدة القسوة كالتي يمر بها، وقد تجلى ذلك في الإيضاحات والشروحات التي كان يسهب بها لمقدم البرنامج، كذلك في ملامح وتقاطيع وجهه، فإذا ما إنهزم جسد اﻷسير (ولا زال الرأي لسيروان) فليس بالضرورة أن تُهزَم روحه. لذا، إستطرادا وإستكمالا للفكرة اﻵنفة، فربما إنتابت الفنان وفي لحظة ما، أن يضفي على تقاطيع وجه ضحيته ما يوحي بكبرياءه وتماسكه وبأسه، وأن يكون كذلك رابط الجأش، متماسك جلد، إذ هي معركتهما (هو والضحية) قبل أن تكون معركة مُشعليها، أو لنسميها هي لحظة مواجهة، طرفاها الفنان وضحيته من جهة، ومَنْ يؤسره ويُصفِّدُ معصميه ويُعصبُ عينيه من جهة أخرى.

تأريخ بلاده، لم يكن غائبا عن ذاكرته، فإليه يعود وعليه يُوقف أعمدة أعماله، فهو الثابت وهو اﻷساس ومنه يستمد أفكاره، وكلما أراد زخما أو دفعة أو حزمة ضوء، ستجده مقلِّبا صفحات تلك الحضارات التي مرَّت على بلاده، ليستمد منها العزيمة، ولتزيده فخرا وإبداعا وولاءا لوطنه. وفي مثيولوجيا الشعوب (علم اﻷساطير)، هناك كم هائل من المعتقدات والعادات، الغنية والثرية. وأهل العراق القديم وبمختلف الحضارات التي تعاقبت على حكمه، لهم من هذا الإرث الكثير بل والقدح المعلى، ولا أظن أنَّ هناك خلافا أو شكًا في هذا. فما من زاوية الاّ وحفروا فيها، وما من قِيمٍ وطقوس الاّ ودونوها، حتى أمست مرجعاً للشعوب اﻷخرى، إذ هي تعود اليه وتستعين به كلما إقتضى الحال وضاقت بهم السبل والمنافذ، فمن بين يديه خرجت العديد من الحلول، واستطاع حل العديد من اﻷلغاز المستعصية وفك أصعب العقد.

أخيرا، ومن بين أعماله وبالإتساق مع إرث بلاده، فهناك نحت لِقاربٍ أو كما يسميه أهلنا في الجنوب بالطرّاد، كان قد جسَّده الفنان سيروان باران، بجودة ودقة عاليتين، مستعينا ما استطاع ببعض المواد القريبة في تكوينها وشكلها، مع طبيعة المواد التي جرى إستخدامها في العراق القديم. ففي تقاليد أهل الرافدين وكما جرت العادة وحين يتوفى شخص ما، أن يسجى في قارب، ذو حجم مناسب، ثم يوضع بعناية فائقة على سطح الماء ليطفو به ويأخذه مجرى النهر بإنسيابية وهدوء، ليستقر أخيرا في منطقة يعدّونها أكثر أمنا وأمانا، ليدشن بذلك حياة أخرى، أملا في أن تكون أكثر راحة وسكينة عن تلك الفترة التي قضاها في حياته اﻷولى. انَّ طقسٍ كهذا، لا يبتعد كثيرا عن فكرة الخلود في حضارة وادي الرافدين وعن ثالوثها، الوركاء، أنكيدو وجلجامش. وهذا تفصيل آخر سنتركه ﻷصحابه ومَنْ هم أجدرُ منّا فيه.

 

حاتم جعفر

السويد ـــ مالمو

 

 

كاظم شمهودكتب الناقد والمؤرخ الانكليزي هربرت ريد يقول: (اصبح الفرس في الحقيقة شعبا من الفنانين المأجورين والرحل، وكان الحكام يشجعون فيهم الحس الجمالي،  وان كان في الاغلب لا يتمتعون هم انفسهم بهذا الحس الجمالي، وارسل الفنانون الفارسيون  الى كل جزء من  المستعمرات العربية، فمن حدود الهند في الشرق الى اسبانيا غربا الى افريقيا في الجنوب، وحيثما حلوا كانوا يحملون معهم  تقاليدهم ومغالاتهم الشديدة في التعبير عن  حركات  الحيوانات ومزخرفاتهم الخشبية (الارابسك) ومنسوجاتهم المزخرفة بالورود، وحيثما غرسوا تلك التقاليد، نما فن محلي وطني يستقي الهامه من الدين المحلي او من  القومية، ثم يمتزج هذا الفن  معهم  او يمتزجون هم معه، فهذا الفن الذي ندعوه فارسيا اذن، هو اكثر الفنون انتشارا في كل مكان، فقد تسرب تأثيره الى العالم المتمدن كله …)

ولهذا نجد الفن الفارسي اكثر انتشارا من غيره فقد تسربت تأثيراته الى جميع انحاء الامبراطورية الاسلامية واتخذ طابعاً دولياً وكان الفنانون الفارسيون هم فنانون ينتمون الى جنس واحد هو (الآري) وانهم عثروا على منابع  فنهم في اواسط اسيا الغامضة وفي اثناء تجوالهم وعلى امتداد نفوذهم جعلوا منه اسلوباً عالمياً مؤثراً على معظم الفنون الاخرى في ذلك الوقت .

1976 رسم 1

مدرسة تبريز

1976 رسم 2وظهرت في زمن الصفويين مدرسة تبريز أبهة وعظمة البلاط والقصور الجميلة وكان الشاه طهماسب 1524 م رساماً بارعاً تعلم الرسم على يد المصور  المشهور  سلطان محمود، وقد  أسس مجمعاً فنيا في البلاط يشرف عليه المصور المعروف جلال الدين  بهزاد وقد تجمع فيه كبار وخيرة المصورين من كافة انحاء الامبراطورية، وكان المصورون يقلدون مصوري البلاط في تبريز وقزوين .  ويعتبر عصر طهماسب عصر الثقافة والفن والتنوير، وقد ارتفع شأن المصورين والمزوقين والخطاطين في عهده فغدت القصور والحدائق والعمائر مشرقة وابهة وجمال، وتزين الناس بالملابس الفاخرة وعمت مجالس الطرب والشرب ، كما اصبح بعض المصورين اصدقاء وندماء للسلطان . وكانت الصور تمتاز بالدقة والالوان الزاهية والهدوء وتوزيع الاشكال بعناية فائقة وذوق راقي .

واشتهر في هذه الفترة من المصورين: آغا ميرك، سلطان محمد، مظفر علي، محمدي، سيد مير نقاش، شاه محمد، دوست محمد، وشاه قولي التبريزي . ويعتبر آغا ميرك من افضل المصورين بعد بهزاد . وكان مخطوط – المنظومات الخمسة – للشاعر نظامي الذي عمل للسلطان طهماسب بين اعوام 1534 و1539 قد اشترك في تزويقه عدد كبير من المصورين الايرانيين منهم الذين ذكرناهم سابقا، وتعتبر صور هذا المخطوط من اروع ما انتجته المدرسة الصفوية في الفن، وقد برز بعد بهزاد ايضا سلطان محمد وكان قد شغل رئيس مجمع الفنون الجميلة في تبريز، كما برع في تصميم الاشكال الحيوانية والنباتية على الاقمشة والسجاد والقاشاني، ويذكر ان اجمل صور سلطان محمد هو ما وجد في مخطوط من ديوان حافظ، تمثل مشهد طرب ورقص وشرب وسكر .

ويذكر ان بعض المخطوطات التي صورت في مدينة هراة استمر المصورون في تزويقها عندما انتقلوا الى العاصمة الجديدة تبريز، وظهر ذلك في مخطوط مير علي شيرواني والذي كتب في هراة عام 1527 وهو اليوم محفوظ في مكتبة باريس. وامتازت الرسوم الصفوية بوجود العمائم التي تخرج منها قطعة حمراء مثل العصا واصبحت علامة وميزة تشير الى المدرسة الصفوية .

1976 رسم 3

وفي زمن الاسرة الصفوية كانت هناك حرية في رسم الاشخاص وزخم في الزخرفة والالوان وتنوع في درجاتها وكانت هذه الزخارف من القوة ظلت هي الدافع المسيطر على مشاعر واحاسيس الفنان الذي لم يكن مغرورا اًوانانياً كما كان  موجوداً عند الفنان الغربي فقد كان صائغاً لاشياء نافعة من الفخاريات والمنسوجات او الكتب المصورة، ويقول  المفكر والناقد الانكليزي هربرث ريد: (ان أعمال الفرس هي من اكثر الشعوب عرفها العالم من ناحية الحساسية والثقافة).

1976 رسم 4

وبذلك يعتبر الفن الفارسي دون منازع، الفن البارز والاول في الفن الاسلامي خاصة في القرن السادس عشر ميلادي حيث وصل الى قمة جماله وجودته على يد المصور كمال الدين بهزاد في مدينة هراة ثم تبريز في زمن الدولة الصفوية .

 

د. كاظم شمهود

 

 

شكري عزيز تقديم: يعد الوسيط آلية تواصلية بين عنصرين أو شيئين، كنوع من التوليف أو النقل، وفي التعبير عن الوسائط الفنية هنا، إنما هو الإطار الذي تتوفر فيه آليات تعبيرية بها وساطة أو توظيف لعناصر تعبيرية ذات خصوصية، بحيث تختلف ماهيتها وماديتها بحسب غاية التعبير في حد ذاته وأسلوبه، وأغراضه الفنية.

فعديد التوجهات والتجارب الفنية، عمدت إلى استعمال وسائط تعبيرية، من أجل تحقيق امتلاء مفهومي وحسي، منعكس بصريا كشكل من أشكال التعبير والإبداع. حيث أن التخلي عن موضوعية أو سطحية العمل الفنّي والانزياح إلى الجوهر والمضمون من أكثر المقومات التي ساهمت في انقلاب المنهج البنائي الإنشائي للممارسات التشكيلية، الذي آل إليه القرن العشرين نتيجة التفاعل الكامل مع المعاصرة، ومنه إلى بروز العديد من الطرق الأداتية المتنوعة، والتقنيات التشكيلية، والأساليب التعبيرية المعاصرة لزمانها والعاكسة له.

1941 برنار مونينو 1

برنار مونينو، مرحلة تسجيل الأثر

لقد أوجد الفنان مجموعة من المفاتيح التشكيلية والجمالية الجديدة، قام باختيارها لإيجاد سبل في كيفية طرح أو إخراج الوضعية المشكل من المخاض الفكري، إلى الفضاء الخارجي المفتوح. هذه المفاتيح هي تلك الطرق الإنتاجية والإنشائية التي ينتقيها حسب ما تقتضيه الوضعية، فهي السبيل لإبراز المفاهيم الجديدة والمعاصرة، التي يريد أن يضعها في الواجهة عبر الإنتاج التشكيلي. من هذا الإطار يأخذ الوسيط أهميته، كجدلية قائمة تفتح مناقب البحث والتمحيص في الامتلاءات المفهومية، وهو المجال الذي تتنزل فيه تجربة الفنان الفرنسي، "برنار مونينو" كمحور اشتغال بوسائط تشكيلية مختلفة، منها حركة الريح، التسليط الضوئي ...

فماهي تجليات حضور الوسيط في تجربة الفنان مونينو؟

ومدى انفتاح الوسيط التشكيلي على جدليات جمالية، فكرية وفلسفية؟

1- الوسيط وانفتاح آليات التعبير:

إن التعبير عن الوسيط، طرْحٌ لعددٍ من الجدليات والإشكاليات، حيث يمكن اعتباره مفهوم شامل لكونه مدرج تقريبا في جل الأعمال التشكيلية، خاصة في الفن المعاصر، أين تعدد وتنوع. كما أن الوسيط لا يمكن فصله عن المسار الزمني للفن، فهو النّواة الأولى في انبثاق ما يسمّى بتاريخ الفن، وبالتالي وبحكم صيرورة هذا الأخير، فهو يقتضي الاستبدال أو التحول والتطور. كما يمكن أن تفتح جدلية مرتبطة بالجانب البنائي والحسي في الممارسة التشكيلية، والمرتبطة بمورفولوجيّة الوسيط في حد ذاته على المستوى المادي، الشكلي والفيزيائي.

إن اعتماد الوسيط هنا، ليس بوصفه إشارة إلى ما يعرف بــ" Multimédia" أي الوسائط المتعدّدة، والذي ظهر سنة 1965 كمصطلح لوصف عرض مسرحي، جمعَ بين الموسيقى والسينما والفن الأدائي والإضاءة، أو كما يرمز إلى استعمال عدة أجهزة إعلام مختلفة لحمل المعلومات أو ذات الصلة بالحاسوب، بل كتعبير عما يمكن أن يوظّف في إنشائية العمل الفنّي، وكما ورد في معجم لسان العرب لابن منظور، الذي يطرح أصل كلمة الوسائط بما "هي جمع الوسيط ومنها الوسيلة والوسائل وهي في الأصل ما يتّصل به إلى الشّيء ويتقرّب به إلى الغير".  ومنه إلى دراسة العلاقة القائمة بين هذا المفهوم والفن التشكيلي المعاصر، من خلال قراءة واستبيان تجربة الفنان الفرنسي "برنار مونينو" .

1941 برنار مونينو 22برنار مونينو، ذاكرة ريح، 2010:

آثار تسجيلات حركة الريح على محامل البلور

فالوسيط، يمكن اعتباره ومن خلال ما تقدم ذكره، المحرك الأساسي لبداية العمل الفني ونشأته، من خلال مكوناته وتكويناته، وهذا يدل على حضوره داخل منظومة التكوين ووجوده داخل العمل، ولما يمكن أن يتصف به كمجموعة من الوقائع والأحداث، أو باعتباره المادة القابلة للتشكيل والإدلال.  فبماديته يحتل المقام الأول، ليساهم في إثراء و ظهور أقسام تاريخيّة متعددة ومتنوعة في الفن، كشكل من أشكال الانفتاح على العالم وعلى راهنية الأشياء وماهيتها كوجود، "وفي العمل الفني تظهر حقيقة الموجود، وتقف في نور الوجود، فيحصل وجود الموجود على لمعانه وبريقه الخاص، وعلى ذلك فماهية الفن إنما هي حقيقة الموجودات التي تحدث في العمل الفني" .  فالوسيط يحدّد الدّلالة، الرّمز، المعنى، الذي يكون دائما في حالة تكوَن وتجديد، لأن الوسيط مقترن بالمعاش "vécu"، وما هو موجود. فهو الفاصل الذي يتحدّد بموجبه العمل الذي يوجد في علاقته بالفضاء، الحركة والمكان والزّمان كوحدة متكاملة متواشجة.

في هذا المجال، وفي التعبير عن الوسائط الفنية، إحالة إلى تجربة الفنان الفرنسي "برنار مونينو"، لما تتضمنه من آليات تعبيرية تخرج عن السائد وتبحث في التشكيل من ناحيته التوليفية لما هو باطن في مادية الأشياء. ففي تجربته الفنية "ذاكرة ريح" والتي قام بها سنة 2010، إنما هي كشكل تعبيري عن إمكانات بناء الأشكال عبر الطبيعة، ومنها التشكيل بالريح.

فالطبيعة بحسب الفنان "برنار مونينو"، هي ليست آلية إنتاجية للأشكال، أو اللامتناهي للأشكال فقط، وإنما هي إنتاج للصور، فالظل والانعكاس هي في حد ذاتها صور. فمن خلال شفافية البلور كمادة مستعملة، وكذلك إلى كل التحاليل في عملية  العرض، كان "مونينو" يعاين  ويستغل خصوصية الظلال، كبنى تركيبية وكشكل في الرسم، فتصبح الريح كمنتج لللامتناهيات التركيبية كرسوم متشكلة تعكس خصوصية الزمان والحركة وطاقة الطبيعة ضمن توليف خاص.

انطلق عمل "مونينو"، بتركيز حاملات لصفائح بلورية معالجة بدخان أسود، ووضعها على أطراف أوراق نبات في فضاء مفتوح، ومن خلال الحركة التي تقوم بها الأوراق عبر تأثير الريح فيها، فهي تقوم بتسجيل هذه الحركة على المساحة السوداء كتسجيل خطي محكوم بقوة الريح واتجاهاته. هذه التجربة التي أنتجت تواشجا خطيا، كنوع من الكتابة أو الرسم التجريدي، ولكن تكمن الجدلية هنا في كيفية تصوير الريح أو مكاشفته في كونه غير مرئي، أي في تشكيل الريح كطاقة طبيعية، ذلك أن هذا التسجيل هو عبارة عن حدوثية تنكشف نتائجها العينية كشكل من أشكال الكتابة والرسم. إنها جدلية تبحث في إمكانات تصوير اللامرئي، أو في تطويع الطاقات الخفية فيه، عبر استدلالات وسائط تشكيلية تجريبية، تباشر مضمون البحث ودلالاته الفكرية والمفهومية.

لقد عَمد الفنان إلى معالجة هذه النتائج والآثار، عبر عرضها من خلال أخذ هذه المحامل من البلور والحاملة هي في حد ذاتها لنتيجة الحركة للريح، وقام بتسليط الضوء عليها لتكون منعكسة على شاشات أو على الحائط.

1941 برنار مونينو 3(الآثار المنتجة وحدوثية الفعل على المسطح)

هذا العرض الذي قام به، يمكن اعتباره منحى في استبيان اللا متناهي في التشكيل عبر الريح، كما جاء في تسمية عمله الفني "ذاكرة الريح"، فهي كقصيدة منظومة ليس بشكلها الشعري وإنما في سياقها التأليفي، فهي نوع من المتغيرات اللامتناهية علما وأن رسوماته غير متكررة.

إن رسومات "مونينو" المعروضة، يمكن اعتبارها كنوع من المكاشفة والمصاهرة بين طاقات طبيعية، لكشف تشكلاتها الممكنة، من إطارها البسيط والعادي إلى إدراك الماورائيات وأشكال حضورها. هذه الطاقة التي ترسم حاضرها دون تكرار سابقها، والتي تخط زمنية هذا الحضور بكل ما في المعنى من تجرد، حتى تعزلنا عن عالم التشخيص لنغوص في عالم الكشف والتصوّر لما هو غير مألوف.

يمكن أن تكون هذه الآثار في ظاهرها خربشات بسيطة، عفوية، صدفوية، ولكن في ربطها بمضمون وآليات البحث تكون جدالا مفهوميا محملا بالدلالة، ومبحثا في ماهية الأشياء، وفي تصورنا لها من زاوية جديدة. هذه النتائج التي تحصل عليها الفنان، تعد كانكشاف خطي بمسايرة تقنية، ويمكن أن ترى كاللاشيء، ولكن اللاشيء هو البداية بل هي البداية النقية.

في إطار ثان، وفي عملية اعتماد الفنان "برنار مونينو" لمفهوم التسليط الضوئي على المحامل البلورية المسجلة لآثار الريح، وعرضها على شاشات، إنما هو كإطار تبليغي وبياني لمنهج المعاينة التجريبية، ولمضمون الوسيط التشكيلي (الريح)، كما من التعامل مع الضوء كوسيط ثان، لإدراك هذه الانتاجات ضمن مسار تقني كشفي، وهو ما يخول القول بأن "التقنية هي إنتاج بمعنى انكشاف لا إنتاج بمعنى صنع" .

عبر هذا الاستدلال لمفهوم التقنية في معناها الكشفي، وفيما تحويه من وسائط، إنما إحالة للقيمة التجريبية في الممارسة التشكيلية، كمسار تجريبي مفهومي، يقيم جملة من الجدليات سواء جمالية، فلسفية... وكمجال تتحدد به أطر المعرفة وآفاقها.

1941 برنار مونينو 4

2- الوسيط مسار تجريبي وتوليفي:

يخوّل الوسيط بوصفه منهج استردادي وتجريبي، من استبيان مدى خضوع المتلقّي وتقبله للتّجربة بمعرفة الدّوافع والظّواهر، التي أدّت إلى ظهور دلالات ذات معاني تشكيليّة. فالمعرفة هي هدف الباحث وغاية المتلقّي، وهي لا تكتمل إلاّ بوجود الوعي التّجريبي عند المتقبّل، ومنه إلى كيفيّة الرّبط بين النّتائج والكيفيّات.

إن طريقة تعامل المتقبل مع آليات التحليل والفهم للآثار، وزاوية رؤيته لها، يمكن أن يحدث بحسب خصوصيّة كل تجربة فنية في تضمينها بالكل، كمنهج استدلالي واستقرائي. حيث أنّ المنهج الاستدلالي يتمثّل في مبدأ الانتقال من الكليّات إلى الجزئيّات، وفيه يربط العقل بين المعطى أو المقدّمات والنّتائج وعلل وجودها، حسب المنطق والتأمّل الذّهني، كالأعمال ذات أسلوب التّصوير الضّوئي، أمّا المنهج الاستقرائي وهو يمثل عكس المنهج السّابق، حيث يبدأ بالجزئيات ليصل منها إلى الكليّات، أي الضّوابط والأسس التي تتبلور في الأعمال ذات اللّون الواحد (صور عرض رسومات الريح).

إن هذا التمشي، يعتمد على التحقّق بالملاحظة المنظّمة، الخاضعة للتجريب والتحكّم في المتغيّرات المختلفة، وهذا بالطّبع على رابط بمجموعة من التّقنيّات المصمّمة بدقّة، والعلاقات القائمة بامتياز بين الوسائط. هذه الخواص التي تتميّز بها مجموعة من الإنتاجات الفنيّة لبرنار ذات الطّابع الاختزالي، المفاهيمي، التي تساءل العلاقة القائمة بين الفكر العقلاني والأسلوب الظّاهري. فهو المجال الذي ساهم من خلاله في بلورة مقاصده، وتحويل عرضه إلى أروقة كشفية معرفيّة، تحاول تفسير بعض الظّواهر الطّبيعيّة لتحمل بعدا تمثيليّا. حيث أنّه ومن خلال المنهج المتّبع يقوم بتمثيل بعض الظّواهر الطّبيعيّة بطرق تقنيّة بحتة، وهذه الأخيرة ليست إلا النّظم المتّبعة لنجاح عمليّة التّجسيد أو التّمثيل للضّوء ومؤثراته و"التّمثيل قد يكون قريبا، في شكله العقلي، من النّسخة أو الصّورة الأصليّة، أي إنّه أكثر قربا من الخصائص العيانيّة والملموسة(...)".  فتتكوّن الظاهرة الضّوئيّة بشكل حسّي وملموس، ومن ذلك، فإنّ الفنان يقوم بتشكيل المحتوى العيني للفكرة، بأن يجعلَ الفكرة وهي بالطّبع مجرّدة ماثلة، أو تبدو كما لو أنّها شيء عيني نستطيع رؤيته رؤيةً عينيّة.

1941 برنار مونينو 33عرض رسومات الريح:

الآثار الحركية على المحمل

إن الجدير بالذّكر هنا، أنّ عمليّة التّمثيل أو الاستحضار، والمقصود بها استحضار الفكرة التي تنساق نحو محاولة تمثيل الضّوء، لا يمكن أن يكون مباشر بحكم أنّ الضّوء شيء محسوس وليس ملموس، فيترتّب عن ذلك أنّ التّمثيل هو عمليّة إبدال أو تعويض، وهذا ما يِؤكّده شاكر عبد الحميد في كتابه عصر الصّورة بأنّ "التّمثيل هو العمليّة التي يحلّ من خلالها شيء محلّ شيء آخر، أو يرمز إليه كبديل له. وعمليّة التّمثيل قد تكون خريطة عقليّة مباشرة لموضوع معيّن، أو قد تكون رمزا عقليّا له في شكل صورة، أو فكرة، أو قد تكون عمليّة تجريد عقليّة للخصائص المميّزة له" .

نتبيّن من هنا أنّ الممارسة التشكيلية، هي عبارة عن نموذج حامل لمجموعة من القواعد المنظّمة، لتُنبني منها إشكاليّة المراوحة بين حضور الشّيء وغيابه عبر الأثر. وهو ما يحيل التعبير عن مفهوم الاستعارة في كونه أحد دلالات التّمثيل، في جعل شيء حاضر ينوب عن شيء غائب... أي كل ما يمكن أن يكون قابلا للتّأويل.

فالفنون البصريّة، تتميّز بدورها كعنصر حامل لنسيج من العلامات، للتّعبير عن شيء متمثل، ذي دلالة، والمقصود هنا بالتّمثّل لا أن نشاهد صور وأشياء، بقدر ما ندرك ونشاهد رؤية الفنّان الخالصة، أي الفكرة الغائبة التي سيتمّ استحضارها من خلال ملكة الإدراك للمتقبّل، كما من كيفيّة التعامل مع الوسائط المتآلفة على المستوى الذّهني وشكل حضورها. فالأعمال المرئيّة، فكرة يعمل الفنّان على بلورتها وتمثيلها بأساليب ومناهج وتقنيّات مواكبة للتّغيّرات الحضاريّة والتطوّرات العلميّة والتّكنولوجيّة، التي كانت حافزا لحثّ الباحث على التّجريب ومواكبة مناهج العلوم، والتي أصبحت موازية لمتطلّبات الحياة اليوميّة.  فقد تختلف وتتنوع الأساليب الفنيّة من حقبة إلى أخرى، وقد تتطوّر مع تطوّر الشّكل، إلا أنها تبقى كمجال لتحقيق التّواصل بين الباث والمتقبل ضمن شكل مفاهيمي، دلالي ومنه إلى المعرفي.

يعد إذن الوسيط التشكيلي، امتدادا لما يخالج الباحث من إحساسات فكريّة وحسيّة تجاه ذاته والطّبيعة، وما يرادف هذا المفهوم من معاني ومجالات كالعالم الطّبيعي، العالم الفيزيائي والعالم المادّي، وما يترتّب عنه من أشياء مصنّعة يتمّ اتخاذها أيضا من ركائز الفن التّشكيلي الذي يفسّر بدوره اختلاف، وتنوّع الأساليب الفنيّة عبر العصور وبين الأزمنة.

إذن فالوسائط التّشكيليّة، هي المفاتيح التي يلجئ إليها الفنان في كلّ تجربة، حيث تعد مجالا لإظهار المفاهيم الجديدة أو الظّواهر التي يريد  أن يضعها في المقام الأوّل، كما هو الشأن في تجربة "برنار مونينو" واعتماده  للوسائط التّقنيّة وفي تجلّيها كلغة تواصليّة اتصالية.

فلإن كانت تجربة الفنان برنار مونينو، شكلا من أشكال المسائلة لمادية الاشياء في الطبيعة وتوليف لاشكال حضورها، إلا أنها يمكن أن تعد كبحث عن الحقيقة والوجود بتمظهراتها المختلفة وبطرحها الجمالي الخاص، " فإن الحقيقة هي قبل كل شيء حقيقة الوجود، والجمال لا يوجد بمنأى عن الحقيقة، وبعبارة أخرى، فإنه عندما توجد الحقيقة في العمل الفني، فإن "المظهر" بوصفه وجودا للحقيقة في العمل الفني يعبر عن "معنى الجمال" بحيث تتأكد الصلة بين "الجميل" و"الحقيقة" .

عبر هذه التحديدات المفهومية، يمكن أـن تقرئ تجربة مونينو كتجربة باحثة في الظواهر ومادية الاشياء بما هي موجودات، ومنها إلى تمحص مفهوم الحقيقة المنعكس في الاثر، هذا الاثر "البكر"، والذي يعزل دلائل مكان وزمان، لينتج مكانا وزمانا متجدد.

 

 

د. شكري عزيز / تونس

......................

المراجع:

- صفاء عبد السلام على جعفر، الهيرمينويطيقا "تفسير" الأصل في العمل الفني، دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2000.

- شاكر عبد الحميد، عصر الصّورة، السّلبيّات والإيجابيّات، عالم المعرفة، الطّبعة الثّالثة والأربعون، مطابع السّياسة، الكويت، 2005.

- ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب،افريقيّة أنفو للتّوزيع، دار صادر،بيروت 2000.

- مارتن هيدجر، التقنية، الحقيقة، الوجود، ترجمة محمد سبيلا و عبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان

الهوامش:

1- ابن منظور الإفريقي المصري، لسان العرب،افريقيّة أنفو للتّوزيع، دار صادر،بيروت 2000.

2-  برنار مونينو، فنان تشكيلي فرنسي،ولد في 15 ماي 1949، في فاي، وهو أستاذ في مدرسة الفنون الجميلة في نانت سنة 1994، وهو حاليا أستاذ في المدرسة الوطنية العليا  للفنون الجميلة بباريس.

3- صفاء عبد السلام على جعفر، الهيرمينويطيقا "تفسير" الأصل في العمل الفني، دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2000ص، 76.

4- مارتن هيدجر، التقنية، الحقيقة، الوجود، ترجمة محمد سبيلا وعبد الهادي مفتاح، المركز الثقافي العربي، بيروت، لبنان، ص54.

5- شاكر عبد الحميد، عصر الصّورة، السّلبيّات والإيجابيّات، عالم المعرفة، الطّبعة الثّالثة والأربعون، مطابع السّياسة، الكويت، 2005

ص 67 .

6-  نفس المرجع ص 67 .

7- صفاء عبد السلام على جعفر، الهيرمينويطيقا "تفسير" الأصل في العمل الفني، دراسة في الأنطولوجيا المعاصرة، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2000ص، 76.

 

كاظم شمهودمنذ منتصف القرن التاسع عشر بدات البعثات الاجنبية خاصة الاوربية تحل في ارض الرافدين مدفوعة بحب الاستطلاع والبحث عن جذورهم واصولهم التاريخية القديمة يضاف الى ذلك انها ارض الانبياء والديانات السماوية، وقد ثبت لهم ان الكتب المقدسة غير قادرة على اعطاء الحقيقة وانها يطغي عليها طابع العنصرية ومليئة بالاساطير والخرافات والتي لا يقبلها الفكر الانساني والعقل المعاصر. وننقل مثالا لنص واحد من تلك الخرافات .

(فالآن ان سمعتوا لصوتي وحفظتم عهدي تكونوا لي خاصة من بين جميع الشعوب فان لي كل الارض وانتم تكونون لي مملكة كهنة وامة مقدسة) – سفر الخروج الاصحاح التاسع-5-6 – ولهذا يعتبر الكتاب المقدس كتاب موجه الى شعب بعينه ويعتبر اليهود انفسهم شعب الله المفضل وانه هو الاههم وحدهم وانهم شعبه المختار وبقية الشعوب عبيد لهم ..

يذكر الدكتور فالح مهدي في كتابه – البحث عن جذور الآله الواحد – ان عدد كبير من المفكرين يعتبرون العهد القديم كتب على يد اكثر من محرر بل ساهم في صياغته عدد كبير من الصعب احصائهم في عصور مختلفة امتدت الى خمسة قرون .

1926 المعراج 1

المصدر العلمي للتاريخ

لقد سجل الاوربيون السبق في التنقيبات والحفريات في ارض الرافدين وكان التنافس على اشده بينهم وكانهم جماعات الباحثين عن الذهب في امريكا. حيث بدأت حمى الذهب في كاليفورنيا في عام 1848 مع اكتشاف جيمس مارشال الذهب في بعض مجاري الأنهار في كاليفورنيا. وقد هرع الآلاف واستقلوا القطارات والعربات والسفن وحتى ساروا على الاقدام من قارتي أمريكا والعالم القديم طمعا في الحصول على ثروة الذهب ... وهذا ما حصل في بلاد الرافدين حيث هرع الاوربيون للبحث عن . المصدر الاساسي للتاريخ وهو الآثار السومرية القديمة التي موجودة ومطمورة تحت التراب وهي ثروة اغلى من الذهب .

كيف يدون التاريخ

1926 المعراج 3لقد اطلعت على كتب بعض المؤرخين العرب والمسلمين مثل تاريخ الطبري الجزء الاول والمسعودي واليعقوبي وابن الاثير، كما قرأت كتابين للدكتور خزعل الماجدي وطه باقر وزهير صاحب وفؤاد سفر وغيرهم وكان الهدف هو التحقيق ومعرفة تاريخ الامم السابقة العتيقة التي ظهرت قبل التدوين والتاريخ، وقد وجدت ان هؤلاء ينقسمون الى قسمين:

1 – القداما وهم الطبري وغيره وجدتهم ينقلون نقلا مباشرا عن كتب اليهود، حتى انه ورد عن ابن عباس الذي كان يطلق عليه (الحبر الاعظم) كان يسأل كعب الاحبار (والذي هو يهودي الاصل والذي اسلم بعد ذلك في زمن الخليفة عمر) عن الامم السابقة وينقل عنه . كما وجدت ان السيد الطباطبائي في كتابه- الميزان – ينقل بعض الروايات اليهودية عن قصص الانبياء ثم يعلق عليها ويقول (انها لا يعول عليها كثيرا لانها تتنافى مع المنطق العقلي للقرآن) وانها اسرائيليات . ولهذا كان المؤرخون المسلمون القداما يعتمدون على كتب التوراة في تسجيل الحوادث وتاريخ الامم الماضية . وان التوراة بدورها كانت تنقل عن الاساطير السومرية والبابلية والآشورية القديمة وبالتالي تكون الحصيلة للمنظومة المعرفية عندنا اليوم هو ما يوجد في كتب مؤرخينا والذي اكثره اساطير وخرافات ولا يعول عليها كثيرا .

2 – القسم الثاني هم العلماء والمحققين الآثاريين العلمانيين الذين يعتمدون في تدوين التاريخ على ما كشف من الآثار المادية المنتشرة في ارض الرافدين والمطمورة تحت الارض منذ آلاف السنين . وعندما نقرأ كتب علماء الآثار سواء الاجانب ام العرب نجد تناقضات لا تحصى في الترجمة والتأويل للنصوص السومرية والاكدية ..

ولكن كيف كان ينظر السومريون الى انبياء عصرهم ؟ وكيف حولوهم الى ملوك واساطير وآلهة ؟ لنأخذ مثلا على ذلك النبي ادريس –ع-

1926 المعراج 2

ادريس في الاساطير السومرية:

جاء اسم ادريس في اللغة السومرية هو - انمين دور انا – ويكتب ايضا –انميدور انكي وفي العبرية –خنوخ – وعند المصريين القداما - هرمس – وارميس باليونانية . كما جاء في القرآن باسم ادريس . ويعتبر انمين دور انا الملك السابع في التاريخ السومري قبل الطوفان وحكم في مدينة سيبار . وقد وصف بانه اله وابن الاله انكي، وانه من العباد الكهنة والحكماء والعلماء في الطب والفلك، ولهذا جاء في التراث السومري كملك وليس نبي . اما في القرآن فقد جاءت قصته بانه من العباد الصالحين وان الله رفعه الى السماء العليا (ورفعنانه مكانا عليا)، كما ذكرت التفاسير قصص عن حياة ادريس –ع- منها انه، كان هناك ملك قد غضب الله عليه فكسر جناحه ورماه في احد الجزر فلما ظهر ادريس طلب منه الملك ان يشفع له عند الله ان يرد عليه جناحه ففعل ادريس ورد الله للملك جناحه ثم قال الملك لادريس ما حاجتك حتى اقضيها لك، قال اريد ان ارى ملك الموت لارى متى اجلي، فحمل الملك ادريس على جناحه وطار به الى السماء الرابعة وتركه عند مطلع الشمس، ثم ذهب الملك وسأل ملك الموت عن اجل ادريس فقال له سيموت في مطلع الشمس، ولما رجع الملك الى ادريس وجده ميتا .

1926 المعراج 4هذه القصة نجدها ما يشابهها في اسطورتين سومريتين مدونة على عدد من الالواح الطينية السومرية التي كشفها علماء الآثار، الاولى هي ان ايتانا كان احد ملوك سومر كانت زوجته مصابه بالعقم فشكى وضعه الى اله الشمس اوتو، فنصحه الاله بان هناك نبات في السماء العليا عند الاله الاكبر - آن – هو من يحل مشكلة الاخصاب، ولكن عليه قبل ذلك ان يذهب الى نسر في الوادي مكسورة اجنحته عليه ان يضمدها ويصلحها وهو يحمله بعد ذلك الى السماء العليا وفعلا تم ذلك وحمله النسر السماوي الى الاله - آن - او انو، وبالتالي حصل على نبات الاخصاب . وفي هذه الرحلة الفضائية يصف لنا ايتانا كيف يرى الكرة الارضية من علو وهي صغيرة وكأنه وصف لاحد رجال الفضاء في عصرنا الحاضر .

اما القصة الثانية فهي تشيه الاولى من ناحية المضمون وتختلف نوعا ما في الصيغة السردية، حيث يذكر بان الاله آدابا ابن انكي كان في مركب يصطاد السمك فهبت عليه الريح القوية فضربها وكسر جناحها . ولما علم الاله- آن – بذلك الحادث طلبه للاستفسار فصعد آدابا الى السماء العليا لمقابلة الاله الاكبر - آن -، ولكن لا نعرف كيف صعد اي بأي وسيلة . .

ان الرحلات الى الفضاء في القرون السابقة كانت واردة في الكتب السماوية المقدسة مثل رحلة الرسول محمد –ص- الى السماء السابعة، وكذلك ذكر القرآن ان الله رفع عيسى –ع- الى السماء العليا حيا .

اذن ما جاء في الاساطير السومرية هي ربما حقائق محورة اخذت صفة الآلهه وانها تمثل الخط الرسمي للدوله ومصالحها وليس المعارضين لها، كما ان التدوين الذي وصلنا على الالواح الطينية كان بيد كتبة الكهنة والملوك . وان الانبياء كانوا يمثلون الخط الشعبي الذي كان مبعدا ومحاربا وليس بيده شئ .. ولهذا اعتقد ان علماء الآثار لازالوا غير قادرين على حل رموز الماضي ودراسة تاريخ الانبياء واسمائهم ومقارنتهم بالملوك السومريين والبابليين والآشوريين وغيرهم .. نعم هناك محاولات لذلك ولكنها قاصرة ويشوبها الغموض حيث لازالت لم تتخلص من روايات الكتب المقدسة القديمة مثل التوراة والتي لا يعول عليها ..

يقول الدكتور خزعل الماجدي حول ترجمات علماء الآثار (هنا يكمن الخطأ في النقل واعادت بناء الثقافات السابقة حيث تجري التحويرات عن قصد من اجل تعزيز السردية الجديدة للشعوب الجديدة كي تحل محل الثقافات القديمة ولكي تساهم في دحرها) .

 

د. كاظم شمهود

 

 

ضياء محسن الاسديلو أريد دراسة أي شخصية لزاما علينا معرفة كل الجوانب المحيطة بها والظروف التي نشأت فيها والبيئة الاجتماعية والأسرية والفكرية وانحدارها الطبقي والمؤثرات النفسية التي ساهمت في بناء هذه الشخصية ليتسنى لنا معرفتها والإحاطة بها وإنصافها سلبا وإيجابا حيث نستطيع أن نكون فكرة واضحة لـتأريخها وتأثيرها في مجتمعها تجنبا من بخس حقها وخصوصا إذا كانت شخصية لها مكانتها وتأثيرها في التأريخ ومن هذه الشخصيات المطروحة الآن بين طيات كتب الكتاب والمؤرخين للسير التاريخية هي الشخصية التي أحاطها الغموض والتلاعب في شخصيتها والافتراء عليها وهو الملك البابلي الآكدي -  نبوخذنصر- الذي ترك بصمة واضحة في تأريخ العراق والعالم الحاضر والماضي وما زالت شواهده حاضرة لحد الآن .لهذا نبدأ بهذه الشخصية منذ نشأتها وارتباطها بأرض بلاد الرافدين ولو بدأنا أولا أن ملوك بابل وآشور هي من أسرة واحدة انحدرت من بلاد وحضارة اليمن العربي وتابعت نزوحها إلى شبه الجزيرة العربية وشواطئ الخليج العربي وصولا إلى جنوب العراق وحتى شمالا منه من قوم الملك العربي تُبع وأبنه أسعد بن تُبع وأولاده حيث ترعرعت هذه الأسرة على التوحيد والإيمان بوحدانية الله تعالى وإيمانهم بالديانة اليهودية الموحدة لله تعالى بعدما أعتنقها الملك تُبع وجاء بها من الشام ومن ذُريته (شرحبيل) أو ما يسمى (شوبرليت) وسميه بعدها ب(آشوربانيبال) كما ذكره الدكتور المؤرخ (طه باقر) رحمه الله .حيث كان يتبع الديانة التوحيدية في مملكة الكلدانيين وهو الذي كسا الكعبة المشرفة بالذهب لأول مرة في تأريخها مع أبنه حسان الأول كما أورده المؤرخ (أغاثيوسيوس) اليوناني وقد ذكر المؤرخون على أن الكلدانيين موطنهم الأصلي هو شواطئ الخليج العربي بين عُمان وجنوب العراق سابقا كما أورده الأستاذ – أحمد سوسة – أو شبه الجزيرة العربية كما ذهب إليه الباحث (فيليب دوغورتي) ودخولهم العراق خلال الألف الأولى ق.م ويميل الباحثون أنهم كانوا يدينون بالنسخة الإغريقية للإنجيل.

وكانوا على مقربة من شبه الجزيرة العربية التي كانت ديانتهم هي عبادة الأصنام والوثنية التي جاء بها عمرو بن لحي لشبه الجزيرة العربية وهذه الأصنام كانت بالنسبة لهم ما هي إلا واسطة للوصول إلى الله تعالى مع معرفتهم به سبحانه تعالى كما ورد في القرآن الكريم (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله فأنى يؤفكون) وكذلك (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) هذا أذا سلمنا جدلا أن البابليين قد تأثروا بهم بحسب مجاورتهم الجغرافية بين بلاد النهرين والجزيرة العربية واستيطانهم بجوار الصابئة المندنائية التي كانت تؤمن بأن الله تعالى موجود في الضمير والوجدان والعقل وروح الإنسان وفي كل شيء حي وغير حي وفي كل مكان وهذا هو أقرب معنى للتوحيد والاستسلام لله تعالى وحده كما ذكره (أبي الحسن علي المسعودي) في مروج الذهب . وقد ذكرهم الباحث (جواد علي) والمؤرخ (سامي سعيد الأحمد) حيث أعتبرهم عربا نزحوا من أرض اليمن العربية وأيدها بأدلة وكتابات أثرية ورُقم سبئية وعربية جنوبية عُثر عليها في مباني الملك البابلي (نبوخذنصر)  .

وقد ذُكر أن قبيلة نبوخذنصر الآرامية خرجت من شبه الجزيرة العربية سنة 1500 ق.م واستقرت في سوريا أولا سنة 700 ق.م مؤسسة الدولة الآشورية ثم نزحوا إلى الجنوب من العراق ثم اتجهوا شمالا منه إلى بابل كما ذكره الأب (أنستاس الكرملي) وبذلك يعتبرهم عُربا . ويُذكر أن الديانة البابلية هي عبادة كل الظواهر الطبيعية للكون والأجرام السماوية ويعتقدون بأن هناك قوة خفية تسيرها لا تُرى بالعين لذلك يؤمنون بالقوة الخفية لهذه الظواهر والأجرام وليست الظواهر بعينها كما يُشاع عنهم وكانوا يعتقدون أنهم خُلقوا من طينة الأرض والاعتقاد بالحياة الآخرة والحياة بعد الموت أي فكرة البعث بعد الموت وكذلك انفصال الروح عن الجسد بعد الموت .

أما ما ذُكر عن الملك البابلي من جانبه الأول وهي الحقائق التاريخية وهي كما أسلفناها والجانب الثاني من وجهة أعدائه اليهود بعد سبيهم مرتين وهو ما يسمى بالسبي البابلي وحقدهم عليه وافترائهم وكذبهم عليه في كتبهم ومعتقداتهم الدينية وما زالوا يثقفون أبنائهم وأجيالهم القادمة على حقدهم على العراق خاصة كما ذكره سفر التكوين والتوراة المحرفة لديهم نتيجة للعقاب الذي أنزله الله عليهم لقتلهم الأنبياء والرسل على يد هذا الملك العادل . فمن هو هذا الملك البابلي وشخصيته

نبوخذنصر

أسمه بختنصر أو بختر شاه باللفظة ال(آكدية) أسقط مملكة أورشليم القدس عام 597ق.م أولا والثانية عام 587 ق.م ويدل معناه بالآكدية نبوكودورو أصور أي (نابو حامي الحدود) ومعنى بختنصر (سعيد الحظ) أمتاز بالتسامح الديني وحرية الفكر والحرية الدينية كان يحترم آلهة الغير كان فاتحا وليس غازيا كان يعتمد على مستشاريه وخصوصا النبي دانيال بعدما أتى به من القدس وجعله مستشارا له في الأمور الدينية وله مقولة مشهورة (الكبرياء الزائدة مدمرة للنفس) كان عسكريا بارعا أعتبره كثيرا من المؤرخين أنه ملك عادل يعبد الله تعالى حكم البلاد 43 عاما ومما يزكيه  هو قول الله تعالى في كتابه القرآن الحكيم كما أورده في الآية ( فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار....) حين وصفه بعباد لنا وهذا يدل على أنه عبد ممن يوحد الله تعالى بعدما سلطه على اليهود انتقاما منهم لقتلهم الأنبياء والرسل والتغطرس على غيرهم .

أما من الجهة الثانية فقد كتب حوله ممن عاده وهم اليهود وشوهوا صورته في كتبهم الدينية ومعتقداتهم وما انفكوا يمارسون الكذب والتدليس في حقيقة شخصيته انتقاما منه لسبيهم مرتين وينصبون العداء له وللعراق جميعا ولبابل في أعلامهم وثقافتهم حيث اتهموه بالجنون لسبع سنين  قبل وفاته وكما جاء في سفر التكوين أنه أسلم لله على يد نبي الله دانيال عليه السلام لتفسير حلم للملك نبوخذنصر .وخلاصة القول ومما تقدم من طروحات وتناول للمعلومات حول هذه الشخصية التاريخية نصل إلى حقيقة مفادها أن هذه الشخصية صورها لنا كمسلمين هو القرآن الكريم المصدر الموثوق للعالم بأنه عبد من عباد الله الصالحين الموحدين لربوبية الله تعالى الخالصة بعدما قرن وصفه بعبد إلى أسمه تعالى وقال عباد لنا والمنسوب إليه هو الله تعالى وهذا التقصي والبحث عن هذه الشخصية الآكدية وامتدادها العائلي الديني إلا وجهة نظر تزيل كثيرا من غبار الافتراء والانتقاص من قبل أعدائه وباب الإنصاف له من خلال الغوص في أعماق الحقائق التاريخية التي تنصف كثيرا من الشخصيات المظلومة.

 

ضياء محسن الأسدي

 

لوحات للوجوه والنسوة والمشاهد.. حيث الرسم ابراز للرؤى والمشاعر والخيال..

لو أن للفن بدايات وتلمسات تبتكر نظرات الكائن تجاه ذاته والعالم وهو يلهج بالنشيد والأغنيات الضاجة بالحلم.. نعم للفن حكاياته الأولى.. للرسم والتلوين بدايات هي الرغبات والحنين أخذا بناصية الأمل المبثوث في الدواخل.. ومن تلوينات الأمل هذا نجد السلام.. السلام بكل عناوينه المقيمة في الانسان.

هكذا كانت حكاية الحلم مع الأنامل وهي تمسك بالأقلام ترسم الأمل المفعم بالسلم وما يعنيه ذلك من هيئة حمامة باذخة ترمز للحرية.. هي حرية منشودة في أرجاء الكون تناغما مع الأغاني العالية.. تلك الأغاني التي تقولها البراءة في عنفوان بهائها الوجداني والفكري.. انها لعبة الرسم الأولى بما يشبه الخربشات التي كانت بمثابة الحلم المتحدي والمكلف..

1911 سنية اسماعيل

حكاية البداية هنا تعني الكثير.. انها الرغبة في الاختلاف من المنطلق وفي مقتبل من العمر والتجربة.. انها المجازفة بالدرس لأجل الرسم والخروج المغادرة لأجل التلوين ليصير الأستاذ الذي أخرج الرسامة الهاوية والموهوبة من درس ذلك اليوم المشجع الأول والدافع باتجاه الاكتشاف والقول بالموهبة وبما يعني ميلاد رسامة وقدومها الى كون التلوين على مهل وبذلك يصر على نشر الخربشات الأولى على صفحة الجريدة.. والرسمة هي حمامة السلام التواقة للحرية نهجا وفكرة وحياة.. ويحدث ذلك في أواخر ثمانينيات القرن الماضي.. انه الاعتراف والاقرار بموهبة فهمت خربشاتها في أول الأمر على أنها تمرد وخروج عن الدرس وضوابطه.. انها لحظة حاسمة صار الرسم معها حب وهيام ومسار طويل.. والمحصلة كان لا بد من حدوث ذلك لاكتشاف موهبة في سنوات الشباب حيث عالم الرسم شواسع للرغبات والآمال والهواجس.. هي الخطى الأولى تجترج من الحياة تلويناتها وعناوينها الكبرى حيث القول بالرسم بداية وملاذا في آن واحد.

هكذا ندخل عوالم الشغف بالفن التشكيلي.. عوالم التلوين في هذه المساحة من حالات الابداع والامتاع.. عوالم الفنانة التشكيلية سنية اسماعيل التي قدمت خلال السنوات الأخيرة عددا من لوحاتها من خلال المعارض ومنها المعارض الجماعية وآخرها في رواق السعدي بضاحية قرطاج وضمن معرض " نساء 2020 ".. انها فسحة أخرى في عالم التلوين حيث تقول الرسامة سنية ".. بالنسبة لي الرسم هو القدرة على ابراز مشاعري وافكاري الفنية بطريقة لا يمكن تفسيرها في حيز مجرد من الكلمات. أرى جمال الفن في الفرح والنشوة والحزن والظلام.. ولو كان بإمكاني ان أرسم رؤيتي للفن لرسمت آلاف اللوحات لأنه ببساطة مزيج من العواطف والرؤى والمشاعر والتخيلات والإلهام..".

هكذا كانت بداياتها لتظل وفية لها في هذه العلاقة بالرسم الذي تعتبره ترجمان حالات وأحاسيس وأشواق تجاه الذات والآخرين والعالم..

هناك وجوه ترسمها الفنانة سنية اسماعيل لتبرز تفاصيلها التي هي عبارات لونية تشير للحالات في تنوع أحاسيسها واعتمالاتها.. هناك لوحات فيها وجوه نساء باللباس التقليدي وبشيء من الزخرف قولا بالتراث والجمال وبالأنثى عنوان تلوين واحتفاء.

الطبال..لوحة بها تلوين لمشهدية فلكلورية حيث يبرز العلم التونسي فكأن الرسامة سنية اسماعيل تأخذنا الى عالم من البهجة المفعمة بالنشيد في مساحة من الوجد والقول بالحالة التونسية في ضرب من الاحتفاء بالهوية والخصوصية.

عدد ىخر من اللوحات فيها الألوان بمثابة سمفونيات يجمع بين ولع الفنانة سنية بممكنات اللون وما يحيل اليه لحظة التعاطي مع القماشة.. لحظة الرسم بما هو عبارات في دواخل الذات تذهب بها الفنانة الى العالم قولا وكشفا.. انها لعبة التلوين كمجال للتعبير والافصاح والذهاب الى ما يشبه الغناء.

انها وهي ترسم تحرص الفنانة سنية اسماعيل الى أخذنا الى حيز من عالمها الملون لتبرز وفاءها لحادثة البدايات.. لتكشف شيئا من مضيها الجاد مع التلوين الى الآفاق والأقاصي لترسم المرأة والمشاهد والوجوه وهي منشدة الى البياض تلونه مثل انشدادها الأول للورقة تفعل فيها فعلها البريء من خربشات وغيرها حيث كانت الحمامة والسلام على سبيل الذكر..هذه حالة من حالات الفن بما فيها من نبل وبراءة وغرام تجاه الابداع ومشتقاته ومنها الرسم.

هذا وتواصل الفنانة سنية اسماعيل هذه الرحلة الفنية التي كانت هواية لتدعمها بالتعلم والسعي للتمكن أكثر من المتطلبات الفنية والضوابط وما به يكون الفن فنا والرسم بالخصوص لعبة باذخة.

و في برنامج الفنانة سنية اسماعيل المزيد من العمل على انجاز لوحات فنية فيها الاضافة فضلا عن الحضور الفني من خلال العمل على اعداد معرض فني تشكيلي خاص تواصلا بين تجربتها والمتقبل حيث المعرض بالنهاية هو مرآة أخرى للفنان بصفة عامة ليرى ذاته وأعماله وتجربته من خلال عيون الآخرين..الذين يتلقون الفن ويزورون المعارض ويهتمون بالفن التشكيلي.

في لوحات سنية اسماعيل تنوع واشتغال دقيق خاصة في تلوينات الوجوه ولعل الرسامة في قادم أعمالها الفتية تأخذنا الى عوالم أخرى من تجارب الفن التشكيلي فالفنان عامة يرنو للتنوع وللمغامرة وللتجريب قولا بالتجدد والابداع..

 

شمس الدين العوني

 

كاظم شمهودكان اللون الازرق مقدسا عند اهل الرافدين لاعتقادهم انه حجر كريم محاط باسرار الهية وقد ظلت اهميته عالقة بالفكر الانساني الديني في العصور التالية واستخدم كأسلوب فني يربط مكان العبادة ولون السماء.. كما اعتقدوا بان اللون الازرق يطرد الشرور والحسد ولهذا نرى ابواب المدن السومرية والبابلية مغطات ببلاطات الخزف والتي يطغي عليها اللون الازرق مثل باب عشتار.. وانعكس وتجسد هذا المعتقد على الحجر والخرز والسبح فكانت - ام سبع عيون – عند البابليين لها دور وقائي في دفع الشرور او الاشعاع المنبعث من العين الحاسدة حتى يتشتت الى سبعة اقسام ويفقد قابليته على الاذى. وهذا يعني ان البابليين قد كشفوا الطيف اللوني الذي يتكون من سبعة الوان قد سبقوا به العالم اسحاق نيوتن 1642 م .....

اما العين الحارسة فجائت من الآله - حروس – ذو العين الزرقاء وهو اله السماء والنور والخير عند المصريين القدماء ومن هنا جاءت الكلمة العربية - حارس – وكان اللون الازرق في عقيدة المصريين مرتبط بزرقة السماء التي تسبح فيها الشمس والتي هي مقر وعيش الآلهة والتي تحمي الانسان وتباركه.. وانتقلت هذه المعتقدات الى الاحجار الكريمة والخرز  من جيل الى آخر حتى يومنا هذا حيث نرى اهلنا في العراق خاصة الجنوب يعلقون على مداخل الابواب وعلى جبهات الاطفال الخرز الزرقاء  او ما يسمونه الشذر والعيون المفتوحة الزرقاء وعلى صدور النساء واصابع الرجال بقصد طرد الشر والحسد...

1899 اللون الازرق 3

وهي معتقدات قديمة تعود الى اهل الرافدين القدماء.. وكان العرب يتشائمون من اللون الازرق ويعدون الروم اعداء لهم لان الوان عيونهم زرقاء. كما ان حكاية - زرقاء اليمامة – التي يقال انها كانت لها قوة بصر خارقة وتستطيع ان ترى على مد مسيرة يومين. وفي احد الايام  نظرت من اعلى احد البنايات واخبرت قومها بان هناك عدو قادم يزحف عليهم فلم يصدقوها... فداهمهم العدو وخرب بلادهم وكانت النتيجة كارثية كبيرة على قومها رغم انها نصحتهم. فاعتبروها شوئم وشر. واليوم لازال هذا المعتقد يردده البعض عندما يرى احدا غاضبا يقول عنه امزورق (امزورك).

الخزف الاسلامي

1899 اللون الازرق 1عندما ظهر الفنان المسلم كانت لديه خلفية حضارية وتجربة راقية عريقة متكاملة في التعامل مع الطين حيث مكنه هذا من خلق انواع جديدة تمتاز بالريادة والسبق والرقي في مجال الخزف.. وكانت صناعة الخزف في العصر الاسلامي قد فضلت على غيرها من اواني الذهب والفضة بعدما ظهرت احاديث نبوية تحرم استخدامها وذلك لما لها من انعكاسات لمظاهر الترف والبذخ والعلو على الآخرين.

و قد ابتكر الفنان المسلم نوعا من الخزف يتسم برقته وشفافيته بحيث يمكن النظر من باطن الاناء لترى اليد الموضوعة خلفه، كما قام باول تجربة ناجحة فيما يطلق علية- البريق المعدني الخزفي – وهي تجربة رائدة لم تكن مألوفة سابقا حيث استعمل الصبغ الذهبي ذي البريق المعدني بدلا من صفائح الذهب. وقد ابتكرها اهل العراق واستعملوها في رسم الزخارف على الاواني الخزفية ثم انتقلت الى مصر. وفي المتحف الاسلامي في القاهرة نماذج من هذا النوع.

1899 اللون الازرق 2وتعددت اساليب انتاج الخزف كما تعددت الزخارف التي يزين بها هذا الانتاج فاستخدم الرسم بالالوان تحت الطلاء الزجاجي الشفاف كما استعمل التذهيب فوق الطلاء وكذلك الحفر والتخريم والمينا فظلا عن البريق المعدني الذي يميز الخزف الاسلامي عن غيره وقد تألق في العصر العباسي. وعثر على نماذج منه في مدينة سامراء والفسطاط في مصر..

وعبر الخزف الاسلامي الى اوربا عن طريق الاندلس وانبهروا به وظهرت مصانع راقية في الاندلس زمن العرب واشتهرت مدن طليطلة وبلنسية وطلبيرة في صناعته. وكان يسمى في الاندلس azulejo وهي كلمة متأتية من اصل عربي يعني - زليج - او زليق من يزلق – وهو اشارة الى نعومة وبريق سطح الخزف خاصة الكاشاني... او ربما تحريف من لازود – ويسمى في مصر زليزلي وفي اليابان يسمى فرفوري من مدينة فرفور وقاشاني نسبة الى مدينة قاشان في ايران.. وغيرها من الانواع. وقد زرت بعض المدن الاندلسية والتي لازالت صناعة الخزف فيها متوارثة ومنتعشة مثل مدينة طلبيرة Talavera حيث نشاهد لوحات قطع السيراميك تزين جدران المقاهي والمنازل والمسطبات في الساحات العامة وكذلك الاواني والتحفيات التي تباع في المحلات للسواح، وايضا يوجد هناك في المدينة متحف خاص للخزفيات (السيراميك) وفيه نرى تاريخ هذه الصناعة ونماذج مادية منها، منذ تاريخ العرب والمسلمين. ولازالت آثار المسلمين موجودة في المدينة القديمة من اسوار وابواب وعمارة مدجنية كابراج الكنائس وغيرها.

1899 اللون الازرق 4

وقد تطورت الزخارف في طرق تنفيذها وظهرت عليها مختلف المواضيع وباشكال هندسية ونباتية وحيوانية واشكال اسطورية وغيرها كما اصبحت صناعته خاضعة لابتكارات الفنان وابداعاته وذوقه. واصبح مفخرة من مفاخر الفن الاسلامي حيث صنعت به الاواني والاوعية والبلاطات المزججة التي حلت محل الكلس والجص وغيرها من اكسية الابنية.. كما عمد بعض الفنانين الى بناء لوحات جدارية كبيرة من بلاطات الخزف وبتعبيرية غاية في الجمال والابداع..

 

د. كاظم شمهود