 مقاربات فنية وحضارية

ديناميكة الحركة في الفن الثابت .. الفنان جليل علوان والتجربة الرائعة في الديناميك

الموضوع: الموت وانتقال الروح

التكنيك: مشهد درامي على لوح ثابت

 

مفهوم الموت عند الفنان علوان

بين العالم المادي والعالم الروحي الميتافيزقي تتجلي المفاهيم والطروحات الفكرية حول مفهوم الموت والخلود عن البشر فالانسان المادي عموما قد تخلى

عن قلقه الميتافيزيقي حول الخلود الابدي اذ انحصرت الرؤيا عندهم، على المدارك الحسية سواء بجانببها الشعوري او اللاشعوري ضمن مفاهيم الادراك الحسي لهذا اصبح الموت لديهم نهاية غير مشكوك فيها اي نهاية تنطلق مع الحس الطبيعي ومدى التفاعل مع المادة والخضوع المطلق لقوانين الطبيعة والكون لهذا يؤمن و بستسلم للموت باعتباره حقيقة بايلوجية مجردة من الروح ترتبط بفاعلية الزمن وجريانة الذي لا يقهر بل انه يقهر كل المكنونات الحية ضمن سقوف زمنية مختلفة قد تطول او تقصر تبعا لطبيعة الكائن والظروف المحيطة به. أما الإنسان الروحي الذي عززت الأيديولوجية الدينية مكنوناتة الشعورية واللاشعورية عبر الفطرة ذاتها والتربية الروحية عبر نصوص رمزية تشرح الحياة الثانية والخلود الابدي عبر تفاصيل دقيقة ترتبط بالعقاب والثواب وتفاصيل عديدة ومتنوعة تزيد من القلق الانساني والخوف من الموت و الحصول على الخلود الابدي على حد سواء   ولهذا نجد ان التباين في الفكر هو من يحدد طبيعة التباين ومفهوم الانسان حول موضوعة الموت و من خلال المنطلق الثاني في مفهوم الموت يطلق الفنان علوان في تجسيد الموضوعة -الموت- والارتفاع بالكائن البشري من العالم الارضي الفاني الى عالم الخلود الابدي عبر عالم الجن وعالم الملكوت حسب التفسير الديني لمفهوم العوالم الاربع اذ ان لمجرد رفع جثة المتوفي من سطح الارض كما جسدها الفنان كي يعطي لنا الانطباع بان الجثة قد انتقلت الى عالم ميتافيزقي قد لا يدركة الا اصحاب النظرة الروحية او الدينية بشكل عام لهذا كان التجسيد البصري الذي اعتمدة الفنان وبااسلوب تقني قد اوحى لنا بطبيعة الانتماء ومفهوم الموت عند الفنان علوان - اي الخلود في الحياة الابدية اي ما بعد الموت عبر تعبير مادي للجثة التي تخلوا من اي معالم او دلالات في الاحياء عن هويتها المادية الا انها لا تتخلى عن هويتها الجغرافية - العراق- عبر الاشكال المرافقة وهن من النسوة العراقيات بازياءهن وحركاتهن عند مرافقة الميت وبهذا فاننا نستطيع من خلال هذه المعاني الدلاالية للازياء والحركة ان نحدد البعد الجغرافي للجثة وهو العراق الذي يعاني اليوم واحدة من اخطر المجازر الانسانية لابادة الكائن البشري عبر القتل المنظم للجماعات الارهابية واذنابها المختلفة حتى اصبح الموت ظاهرة عامة تنتاب الشارع العراقي في كل لحظة وفي كل مكان عبر جرائم مختلفة ومتنوعة في اساليبها الاجرامية لم ولن تشهدها البشرية من قبل وبهذه الاساليب البشعة

 72-jaleelalwan

العلواني والتكنيك الدرامي للوحة الثابتة

كما يقال لدى علماء الاجنماع بان الانسان ابن بيئتة يؤثر ويتاثر بها الا اننا نضيف لها عنصرا اخر وهو التربية وكل ما تحملة من معني ودلالات ومفاهيم سواء على المستوى الفردي والاسري والاجتماعي والتي من خلالها تحدد طبيعة الوعي على مستوى الافراد والمجتمع على حد سواء لان البيئة وحدها قد تعطي لنا حالتين مختلفتين من الوعي وضمن الاسرة الجينية الواحدة - واخرجنا من الطيب الخبيث ومن الخبيث الطيب- لهذا نجد بان التربية هي العمود الفقري لبناء الوعي على مستوى الافراد والمجتمع عموما وبما ان الفنان المبدع يتمتع بقدرات حسية وعقلية مختلفة عن اقرانة ويحاول ان يترجم تلك القدرات بالفن لان الفن يتجاوز مفهوم المحاكاة للواقع بل انه مزيج بين محاكاة الفنان لمكنوناتة الداخلية ومحاكاة الوافع الذي يعيش في كنفة كي برتقي بالمجتمع من حالة الى حالة اخرى- اعطني خبزا ومسرحا اعطيك شعبا مثقفا - وبهذا المنطلق قدم لنا العلواني عمل دراميا عن الشهادة وباسلوب فني استاتيكي متميز اذ اراد ان يقول للمشاهد ان الشهيد ينتقل بروحة وجسدة من الحياة الدنيا الى حياة الخلود الابدي وهي ترجمة حقيقة للقران الكريم والكتب المقدسة لان الشهيد قد قدم عمل يخلده في الدنيا والاخرة وهي افكار ومناهج وطرق انسانية سبق ان طرحها كلكامش قبل اكثر من 6000 ق م

حول مفهوم الخلود الابدي اذ اكتشف كلكامش ان الخلود الحقيقي والابدي للكائن البشري يكمن من خلال العمل وما يتركة الانسان من اثر ما بعد الموت كخلود الشهيد الذي ضحى بحياتة من اجل اهلة وارضة وعرضة والتي ترجمها الفنان عبر الموضوعة والتكنيك البصري حتى جعلنا امام ايقونات بصرية تتحرك تكسر الجمود في اللوحة الاستاتيكية وكاننا امام مشهد درامي تصاحبة الموسيقى والمؤثرات الصوتية المنطلقة من اصوات النسوة التي ترافق الشهيد تلك الاصوات التي تشعرك بحركاتهن واصواتهن عبر الظلال وتدرجات اللون الاسود المختلفة لكل منهما والتي تضفي على الحزن الم اخر عبر الايماءة والحركة في الاجسام الثابتة للنسوة اذ ان كل حركة منهما تحمل معنى ودلالالة وكل دلالة ترتبط بالمدلول وما بين الدال والمدلول يكمن المعنى الدرامي للمشهد المتحرك ضمن اجواء قدسية تشم فيها الرائحة والصوت والمؤثرات لمعنى ودلالات الشهيد والذي زاد من قدسية العرض هو اختيار اللون الاصفر والممزوج قليلا باللون البرتقالي الذي غطى معظم اللوحة وهو اختيار جدا موفق للفنان سواء في المعنى والدلالة لهذا اللون او من خلال توظيف الحركة الظلية للاشكال على تلك الخلفية التي جاءت منسجمة في التعبير والحركة والدلالالة والمنسجمة مع غطاء الشهيد الفضي ذات الضربات اللونية الصفراء والممزوجة مع البرتقالي

اذ استطاع الفنان علوان ان يقدم لنا عملا ابداعيا متميزا حول موضوعة الشهيد وباسلوب درامي مسرحي ايقوني لا يخلوا من الحركة والموسيقى والمؤثرات عبر اللوح الثابت والاستاتيكي سلمت الانامل وسلم الفكر والاسلوب للفنان المتالق جليل علوان

        

د. طارق المالكي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3060 المصادف: 2015-01-20 23:41:21