 مقاربات فنية وحضارية

الفنان العراقي المُبدع .. إسماعيل الترك - الراحل الذي لم يَرحل

zouher sahebإن الفن ليس إلا أسلوب حياة، وأسلوب حياة الإنسان، عبارة عن عمليتي انعكاس وخلق لاينفصمان. فالإنسان ليس مُنعزلاً، وعندما تواتيه فرصة التَفتّح والانطلاق، فانه يتحّول الى عالم صغير، يحمل في طياته ثقافة الجنس البشري السابقة له، أما حاضره، فيتمثل في (تواجد) عصره في كيانهِ.

ولد إسماعيل التُرك في البصرة عام 1934، وتوفي ببغِداد في تموز 2004، وخلال سنيه السبعين، لم يقدم لنا صورة منقولة او مثالية لعصره، كما لم يُشوهّه ايضاً . لقد استوعب قوانينه العميقة لا احداثه الطارئة، وراى ان من الممكن خلق عالم بديل آخر بقوانين أخرى، وبث الحياة في كائنات تنتمي الى جنس مجهول، والتي تميزت بقدرتها الهائلة على إثارة الأسئلة والتحديات، وهذه (الصورة) لم تترك الإنسان على حالهِ، بل اضافة إليه جديداً.

ان تأسيس هندسة لفهم نصوص (اسماعيل الترك) الفنية الابداعية، توجب الحفر في مناطق النصوص من الداخل. فغالباً ما تحقق التاريخية نظم الاشكال الفنية، بفعل قولبتها بقبضة الزمن المُحكّمة. الا ان مُبدعات (الترك) التشكيلية، ليست من هذا النوع. انها تَشكّلات وجدت شكلانيتها بذاتها، وشيدت تاريخها من رسوخها. فهي نوع من قراءة التاريخ بدلالة الفن وليس العكس.

واذ تُقيم ابداعات (اسماعيل) فهماً للتاريخ بدلالة الفن، فان الفنان – الترك- قدم للإنسانية والذائقية المعاصرة، فهماً للفن من خلال الفن ذاته. ذلك ان منحوتاته ورسومه، هي بنيات من عناصر شكلية، تنتظم داخل انساق خاصة، يفرض الفكري فيها على نظم العلاقات تنظيماً ليس تمثيلياً، فالتشكيل عند (الترك) قد تَحّول من وسيط تمثيلي لمدلولات محددة، الى انساق خاصة تكتسب دلالاتها من علائقها الداخلية، انه الفن العظيم الذي ينفصل بالذات عن الطبيعة كالنار والأدوات.

ان ارادة الخلق في ابداعات (الترك) الفنية،هي التعبير المتضايف لعلاقة الفنان بالعالم المحيط. فبعد عودته من ايطاليا بعد انهاء دراسته العليا، وهنو يعمل كالمُبشّر لتأسيس وعي جمالي لفن النحت، وفي مجتمع غابت في ثقافته الجمالية دلالات التمثال حينذاك. فكان الصراع بين تحدٍ عن الذات من جهة، وملابسات الظروف الموضوعية من جهة اخرى . فمن صفات (تماثيل) - الترك - انها تخبئ في مكانها التوتر والتناقض . فهي لا تُبدع من معاناة هيمنة ضغوط الوقائع فحسب، بل لابد لها من عمليات (تركيب) ذهنية. ذلك ان تماثيل الواسطي والرصافي والكاظمي هي منحوتات ( مدينة)، تُبلغ عن فكرة الشعر والفن، بدلاً من تجسيد الشخصيات، فتحول الرصافي الى مشروع قصيدة، والواسطي الى سطح تصويري . فالتشكيل (الموضوع) هنا غير مقروء، لكنه جميل مثل (البلورة). ان هذه الابداعات في بنية الفن. كالشعر بالنسبة للنثر، والموسيقى بالنسبة للأدب، انها بمثابة انطلاق الى (إبصارات) ابعد مدى.

ان اليات فهم (اسماعيل الترك) لموروثه الحضاري، تكمن في استقدام الماضي الى ميكانيزمات الفهم المعاصر، وليس بالذهاب اليه. ذلك انه فهم حركة الاساليب على انها نوع من التحولات الثقافية بصدد الكيف، باعتبارها تقع ضمن التجربة والخبرة الانسانية . ومن هنا كان يدعو الى متحفه الخيالي الذي يجتمع فيه القديم والحديث على انهما وسائل للإنسانية، كي يشيد اسلوبه (العراقي) في الفنون التشكيلية.

700-zuhir

اكتسب اسم (الترك) مثل استاذه جواد سليم، هالة اسطورية في بنية الفكر الانساني. وهو اهل لها دون ريب، فلا شيء يستطيع ان يحل محل بداهته وحدوسه، وهذه هي بنية الابداع في الفن. انها ذات مظاهر وخصوصيات (فردية وتفرد) على مَرّ التاريخ. ذلك ان التماثيل السومرية، قد بثت الرغبة في ذات (اسماعيل الترك) ان يدخل سر الحياة، وان يتَعقّب دروب الطاقة الخلاقة في الوجود. وان يبتكر ليس ابتداء من الواقع المنظور، بل اتفاقاً مع حقيقة اكثر عمقاً . وهنا يبرز نوع من القصدية بين المنحوتات السومرية وتماثيل (الترك) البرونزية العديدة، في تحطيم انظمة الصور الأيقونية كقيم بنائية مادية، متحولاً لبنية فكرية تسقط الصور الذهنية، ولكن كدلالات ذات مغزى اسطوري. انها ابداعات تُسخّر الاشكال والمقاييس لا كأدوات بل كحلول، لا كوسائل بل كغايات.

ان دلالة تمثال المتعبد السومري ليست الا فكرة (التَعبد) اما صورته عند (الترك) فتتلخص في تعبيرها الخيالي.. وكي يتضايف هذا الوجهان في منحوتاته ورسومه، ينبغي تحويل الموضوع الى شكل فني. بحيث لا يكون القصد ان تمثل هذه الاشكال ذاتها بما فيها من خصوصية فردية، بل تكون اشارة الى (العراقية) وتلميحاً اليها. لقد امتصت ذهنية (اسماعيل الترك) المُبدعة المُؤولة مقولة الموضوع امتصاصاً، واعادت اخراجها وفق نظام الشكل (الحداثوي)، ذلك ان هيمنة (التجريد) على انساق العلاقات الشكلية في المنحوتات السومرية، يجد تحققهُ في تمثال (الترك) – الرجل والديك- ليحقق انفتاح (الدال) نحو تعددية قراءة (المدلول). انها اشكالية التواصل الى اللازمن.

ووفقاً لأليات منهج (التواصل) كانت التماثيل الرافدينية شكلانية صرفة، وكأنها نُحتت من دون خامات، ذلك ان بنية (التراشح) بين (الترك) ورافدينيته، كانت تُفعّل دائرة التأمل الذهني للتماثيل، لتجسد فكرة (الصُلب) اكثر من الايحاء بفكرة اللحوم البشرية. فالتأويل هنا هو استخلاص دلالات غير متوقعة ولمسة من الجمال يحققها (الفنان) بالتقارب الشاعري بين اشياء عادية جداً، تنتزع من اغراضها التقليدية، لتتحول الى استعارات شكلية. مُؤسساً نصه (المُؤسَسّ) بقلب نظام المعادلة في اليات تلقي الفنون الرافدينية. فبدلاً من هيمنة الروحي على بنية التماثيل السومرية. أخرَجها (الترك) بأنظمة شكلية ابداعية معاصرة، بعد تخليصها من آنية احساساتنا، وانية العالم الشخوصي والمادي معاً. وهي آفاق تبدا بتأكيد الوجود الانساني بوساطة الانسان نفسه، وبتأكيد حقه في ايجاد حقيقة اخرى خارج حدود الطبيعة، بل وتجاوزها اعتماداً على قوانين خلق اخرى، وفق مقاييس جمالية، ومعايير حكم جديدة.

وبفعل انكماش التعبير في منظومة رسوم ومنحوتات (التُرك) على الحياة الداخلية لذات الفنان المُبدع، والتي تتجاهل العوالم الخارجية، يبرز نوع من القصدية الواعية والمستندة الى الخيال والارادة والوجدان، في تحطيم المنظومة الواقعية لأنظمة الصور الشكلية، بغية التغلغل بما هو انفعالي لكشف مشكلات الذات الانسانية . فهنا يمكن رصد نوعاً من النزعة العاطفية في رسوم (الترك) حلت محل المذهب العقلاني، ترجح خطاب الذات المنفعلة على حساب الواقع، وفي ذلك نوع من الجدل بين الحسي والحدسي لتجاوز معايير الصور المرئية.

انه الفنان (الترك) نفسه المُقَّدم على هيئة عمل خلاق، يعبر به عن سعادته الداخلية، وبنوع من النزعة الابداعية غير التسجيلية التي سعت في نظم الاشكال، الى اختزال الظواهر المرئية، لتأكيد استقلالية الاشكال الخالصة. انها ذات (فناننا) المُبدع، وهي تفرض نظاماً على الاشكال وتقصي من بنائياتها ما هو زائل في رؤية الاشكال، متوصلة في ذلك الى اسلوب يُتيح للفنان مزيداً من الحرية للايفاء بحاجاته النفسية، وتاويل ما لا يُحصى من خصوصياته الذاتية. ذلك ان تعبيرية (الترك) تقوم على اعادة بناء العالم في حالته السرية الداخلية، بحيث لم يعد لطبيعة الاشياء من دلالة الا بقدر ما تتحول لتعكس وضعاً انسانياً.

فقد كان اللون في (جرافيكيات) اسماعيل الترك، اصطلاحياً، وهو يؤسس مفهوماً في بنية الفكر العراقي المعاصر، ويعمل على احالة مظاهر العالم العابرة والفردية الى (اصطلاحات) ثابتة..فكانت دلالة اللون ايحائية اكثر منها مشابهة للتجربة الخارجية، مع طرح الحلول القائمة على تركيبات لونية منفصلة عن اية (حكائية). وهي بنيات تقود نحو التبسيط في الاشكال والمساحات الملونة، والالتصاق بالتسطيح والتخلي عن التدرجات اللونية والمظاهر القصصية، لتحقيق نوع من (الأرابسك) الذي لا تحّده حدود المساحات المُتاحة للرسم.

ولعل في نظام اشتغال سطوح (ابداعات) التُرك الجمالية، وبما يجتازها من مناطق امتصاص وعكس للضياء، وتفاوت ملامس مساحتها . نوعاً من تجزئة عناصر الصور المرئية واعادة تركيبها لتفعيل قوة التعبير في فعل الاحساس، بدلاً من الاذعان الى ما تفرضه المراقبة البصرية . وفي ذلك تحريراً كاملاً للفن من ماديته. فهو لم ينسخ الموضوع كما هو في الواقع بل يؤوله نحو الجوهر. فالحقيقة لم تكن في حواسه بل في حدوسه الفكرية. ومن هنا (فَرضَ) على مادة الموضوع (النص) تقصياً للجواهر الفكرية، وبذات الوقت اثار الاهتمام بتفعّيل (التقنية) وسمات الاشكال التعبيرية.

ابدع (الترك) مشهد سطح القبة (المُتحرك) في نصب الشهيد بتقنية اشبه ببناء الاعمال الجدارية العظيمة. فقد غلف سطحها بقطع تتواصل مع حجر اللازورد الازرق اللون عند السومريين . فالمنجز التشكيلي هنا، يقدم خطابه المعلن بصدد التقنية، ورمزية اللون. ذلك ان مفهوم اللون يعمل بفاعليته على تحويل مظاهر العالم العابرة والفردية الى ثوابت متحركة. فهنا تحول اللون الى ظاهرة عقلانية والى ابتكار (عَلامي) يُعبر عن ذهنية كاشفة مؤولة. طرحت الحلول القائمة على تكاملات لونية منفصلة عن أي تمثيل صوري تشبيهي، فالأزرق اللازوردي في نصب الشهيد يعلن عن رمزيته القدسية من سومر وحتى رسوم الواسطي في العصر العباسي، وصولاً الى زرقة (السبع عيون) في بيوتنا المعاصرة. وذلك يدعو البصيرة الى رسم خطوطه في منطقة المُتخيل حيث المطلق في فضائه اللامحدود.

فقد كان لنصب الشهيد، بنية اسطورية وهو يُجسد علاقات سحرية بالوجود. ولم يكن لهذا المنطق الاسطوري ان يتحول الى فن، لو لم يكن مرتبطاً بقدرة (اسماعيل) الابداعية، ذلك ان الاعمام الرمزي في تحويل المفاهيم الى رموز، والتجريد الذهني الى اعمام فني. جعل المنطق الاسطوري فناً اسطورياً في هذا النصب الحضاري العظيم. فكان تحقيق لوجود ساعٍ الى الاكتمال، وجود ينخلق، وجود يَصير في الفن وجوداً فعلياً.وهذه (الخصيصة) (الاسماعيلية) في الفنون، لا تجعلها مفارقة لعالمها الواقعي، بل تكسبها ارتقاء من (رؤية ) المألوف الى معنى من معاني (الُرؤُيا).

ومع اننا لن (نُجبر) تماثيل (الترك) الابداعية على قول ما لا تريد قوله، ولن نُحّملها ما لا يوجد فيها، وكذلك لن نفرض عليها وجهة نظرنا المُسبقة. وبالمقابل فأننا لن (ندفن) انفسنا فيها. ذلك ان منحوتات (اسماعيل) ترينا شيئاً نبصره بالعين مع شيء ندركه بالبصيرة، فهي تجمع بين البصر والبصيرة. وان عبقريته لتنسج الحياة والفن، والتمثيل والتعميم في نسيج واحد. وبهذا الكيف الابداعي قدَّم (الترك) لإشكالات الفكر الانساني حلولاً واكتشافات مهمة في مجالات التشكيل (فالفوتوغرافيا) لم تكن تعني له بشيء. ذلك ان محدوديتها التشبيهية كانت تتعارض مع أيدولوجيته (الحداثوية) اللازمانية واللامكانية، فأصبحت موضوعة التماثيل عنده محض وسيلة لابداع علاقات شكلية تجريدية، فالمثير في الموضوع لا اهمية له في منحوتاته، والاشتغال يكمن بالقصيدة ذاتها أي بتوافق الكلمات والصور وتناغمها الدائم. انه فعل المبدع في ايجاد قراءة (رياضية) للنص، بدلاً من الثقل العضوي لتماثيل الباروك.

وبدراسة تحليلية تتحرى آليات احالة (الموضوعات) الى أنظمة شكلية في فخاريات ورسوم ومنحوتات (اسماعيل الترك). تُظهر ان آليات الاداء (العقل واليد) تُفعّل نوعاً من الكشف التجريدي في تركيب الهيئات وذلك (بتقشير) اغلفة الاشكال المتتالية وصولاً للبنيات الشكلية المحضة، مدركاً ان قيمة الشكل في هيكله العظمي، وان وجوده في ذاته، لا في تماثله مع الواقع، فالهندسة في مُبدعات (الترك) مثل القواعد في الكتابة نتيجة ارقام او نسب تشكل توازناً بالتوازنات، فأسست اشكاله انزياحها في تاريخ الفن العراقي المعاصر بدلاً من صناعة التاريخية لها.

وتجاوز (الترك) في ابداعاته الفنية دائماً (القصصية) وعمد الى التركيز على بلاغة التكوين وصيغته الهندسية، ذلك ان نظام الشكل عنده كان ثمرة لجهود فكرية وتقنية منظمة . غادرت دائرة المضمون الاخلاقية لحساب التبشير ببنائيات جمالية. لم يُركّز فيها الفنان على الشيء ذاته بل على الترتيب الشكلي المستقل لهذا الشيء. فابدع صوراً تتصف بالبناء الاصطلاحي وليس بالطابع العضوي البصري. انه يشير الى دلالة (يُفترض) بالصورة ان توقفها في الوعي، لتقف كالترحاب امام النور.وفي ذلك ابتكار لنوع من التحليل النفسي في رسوم الشخصيات، والتي لم يقف عندها (الترك) بتسجيل المظاهر السطحية، فهو يشعر ويسجل ما يختفي داخل القلوب.

واخيراً فان الخيالي في تاريخ (اسماعيل الترك) هو اكثر من مجرد خيالي . انه يشغل الوجود الانساني على كل اصعدته وفي كل مستوياته، ولأننا لا نَفعل سوى ان نتلقى الاحساس وان نُصفّق . فأننا نشارك عبر (العلامة) التي يوجهها الينا الخيالي في مجتمع آتٍ لا يمكننا الإمساك به.

 

د. زهير صاحب

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3123 المصادف: 2015-03-25 00:59:39