مقاربات فنية وحضارية

صبيح كلش.. الإنسان ببعديه.. تكثيف الحرف العربي في فضاء ملوّن

24 صبيح كلشالمقدمة: المتابع لتجربة الفنان صبيح كلش خلال العقود التي قدم فيها منتجه عبر المعارض الشخصية في مسيرته الفنية، تتكون الملاحظة في ذهنه التي سيظل يتابعها بعين الرائي من خلال لوحاته، أنه يلاحق هاجسا ً إنتظم مع حياته وظل يشكل البعد الفكري لأعماله السابقة واللاحقة، ويسير بتوازي مع التطورات التقنية والإبداعية في الخط واللون لأعماله التشكيلية الحداثوية، وفي عموم التحولات التي انزاحت بها إشتغالاته عبر الزمن، التي حاول فيها أن يكون متوازنا ً في التحول والتغيير، وقام بالسير بخطوات مبرمجة للوصول إلى حالة من التكثيف لإبراز وتفجير القيم الجمالية في لوحته، في ظل نص ملازم لتطلعاته الفكرية، من خلال فهم الواقع والدفاع عن الإنسان من جور الإنسان، عبر زمن ليس بالقصير ليتعالق مع الرؤية الفكرية التي اشتغل عليها، إلا أنه ظل ملتزما لبعض الخطوط والأبعاد في لوحته التشكيلية، طور فيها، أضاف، لكنه ظل متمسكا ً في الأبعاد الأساسية التي تمثل حراكه الرئيسي في بناء اللوحة وانشائها، وهو ما سيوقفنا على تحولاته الفكرية والتقنية، في تتبع الواقع عبر مراحل تتابع زمني، وإعطائها رؤى لونية وتقنية مدروسة تستجيب اللوحة لما تمثلت به تحولاته الفكرية ورؤيته الفلسفية، من الواقعية التعبيرية إلى التعبيرية التجريدية، وإلى التجريدية التعبيرية وصولا لبعض الأعمال الأخيرة التجريدية الخالصة، والفنان كلش يتحرك بحذر في التحول والتغيير في أنشاء لوحته، لأننا نرى كثيرا ً من الفنانين الذين أستهوتهم اللعبة، تحركوا بسرعة نحو التجريدية الخالصة، من دون امتلاك الرؤى التي تمنحها التجريدية الخالصة للفنان، عالم مغاير في الرؤية والرؤيا، وفي فهم العالم الواقعي والافتراضي، فوقعوا بمعرفتهم أو من دون أدراك، في التكرار والاستنساخ، وهذه المسألة أصبحت ظاهرة في الفن الحديث، ساعدت ونمتها الأسواق الرأسمالية، في فترة ظهور منهج ما بعد الحداثة، الذي أنقسم إلى قسمين، ما بعد الحداثة التي تروج له الأسواق الرأسمالية، وما بعد الحداثة برؤى فنية مواكبة لتطورات العصر، وما أحدثته التطورات في تكنولوجيا الإتصال والمواصلات وعموم الانساق الحياتية والعلمية، من دون الإنزلاق في ترهات ما تطرح الرؤية السوقية في (ما بعد الحداثة الرأسمالية). بإلغاء البناء التقني للفنان، وأن كل شخص يمكن أن يكون فنانا ً، ويعلن عن نفسه في السوق.

21 صبيح كلش

روح العصر وبناء الإنسان

قبل أن نلج في تقنية كلش، فإننا نقف أمام تجسيده للنص الذي بنى فلسفة لوحته عليه، ففي كل تجاربه منذ كان اللون البنفسجي يهيمن على بقية الألوان في لوحته، بنوع من الفرح والانتشاء، والجسد الإنساني بعضلاته المفتولة وبراعة التشريح الذي يشكل المساحة التي يرتكز عليها بناء اللوحة، فانه كان يستخدم هذه التقنيات لإبراز الثيمة التي استحوذت على بنائه الفكري ومنطلقه الفلسفي كما سبق القول، النضال من أجل حرية وسعادة الإنسان، والدفاع لكشف الظلم الواقع عليه عبر الخط واللون، لقد اندمج منذ بواكير شبابه في البحث عن الخلاص، عبر البحث عن أسباب آلام الإنسان ومعاناته، هذه الفكرة التي جعلها العنصر الأساسي في نضاله من اجل رفض العبودية والذل للإنسان، كانت في السابق تظهر في أعماله بصورة مباشرة، من خلال التشخيص، ولكنه زاول التسلسل والتدريج، ليجعل التشخيص يتوارى خلف قوة الخط واللون، لإعطاء موسيقى في حركة اللوحة ما بين اللون والخط وهوامش ظلالية لأشخاص أو طبيعة صامتة، تغيب خلف المساحات اللونية، وهي تقنية تواكب تطلعات الفن الحديث، لإبراز اللون على حساب التشخيص.

22 صبيح كلش

الصياغة اللونية تمحو النص…

مع التكثيف الذي عالج الفنان الرؤية التشكيلية للوحته في أعماله المتأخرة، أندمج في تعبيرات ذاتية، استطاع اللون من الهيمنة على المساحة الأكبر من اللوحة، وقد ظهرت هذه التقنية، خلال فترة ما بعد الحداثة التي اجتاحت عالم الفن، ما بعد منتصف القرن العشرين، والتي منحت الفنان مساحة أكبر للتحرك على ظهر لوحته، ولكن ظل هاجس الفنان في كيفية توصيل الفكرة أو النص لعين الرائي، خصوصا في عالم الشرق لأحداث الاندماج العاطفي والاندهاش الجمالي في تبني النص بدون التجسيد، وهي النقطة التي ارتكزت عليها أعمال الفنان صبيح كلش، خلال مسيرته المتأخرة، وهنا نجد كثافة المعالجة اللونية بديلا عن التشخيص لإبراز نص يحتوي على عنصري الفكرة والجمال، باللون وقوة الخط، ومثلت إعماله هذه الانطلاقة لأحداث الصدمة في الرؤية البصرية بين مركزية اللوحة، وتفرع المركز إلى مراكز، وكما يراها الناقد فضل خلف جبر في معرض تحليله للوحة، ” الاجتياح/ Invasion” يكتب لتحليل عملا واحد ولكنه، يعطي تصورا عاما ً لبقية أعمال كلش مع اختلاف الرؤية البصرية، في التقنية والنص لكل لوحة على إنفراد، ” الهدوء الظاهري الذي يشيع في فضاء اللوحة يعمل بمثابة آلية من آليات الخداع البصري. فما أن تستسلم عيناك منجذبة لسحر التوازنات البصرية حتى تلتقي بعيني الثور! من هنا تبدأ رحلة قراءة وتأويل اللوحة من جديد.”، وقد تحققت هذه الرؤية من خلال التقنية اللونية، التي أستطاع الفنان من وضع الألوان المتضادة في تقابل جريء، الكتلة منفصلة ولكنها تخضع لوحدة الموضوع، فالألوان الحارة التي أخذت مساحتها في لوحته… الأحمر وتدرجه، البرتقالي و الممزوج بالأرجواني، مع تأكيد اللون الأسود بحديته وكونه لون فاصل، لكنه استطاع من تحييده، ووضعه ضمن الاندماج الكلي لتوازن الشكل العام للوحة. ووازن بين الألوان الحارة، أمام الألوان ذات الطبيعة الباردة، الأصفر بتدرجاته والتحامه مع اللون الأحمر لإنتاج ما يخفف حدية اللون الأحمر، واللون الأزرق وتدرجه لإيجاد مساحة للون الأرجواني والأخضر، والمساحات التي يتداخل فيها اللون الأبيض، في هذه الاشتغالات، وهو ما يجعلنا أن نقول: لا يمكن إغفال دراسة، التشفير والرموز في لوحته السابقة والحالية، التي عمل على أن يكون المحتوى العام للنص قابل للتأويل على ضوء حركة اللون والخط، وبها إستطاع أن يمنح العمل ذو البعد الواحد، ثلاثة ُ أبعاد. لم يخرج كلش عن بناء اللوحة على اسس أكاديمية، بالرغم من الانتقال إلى ضفة الحداثة وما بعد الحداثة، فما زالت لوحته ترتكز على بناء هندسي، وقاعدة تحمل هذا البناء، بعيدا ً عن الانفعالات الذاتية، فهو بناء مدروس، مركزية البؤرة، على الرغم من تشظيها إلى بؤر متعددة، ولكنها تعود لوحدتها في انسجام لوني، تتخلله هذه الموسيقى اللونية التي تتمتع بها أعماله المتأخرة، ولهذا فهو يهتم بتوازنات الكتلة والفضاء، وما سماها الناقد فضل خلف (التوازنات البصرية)، هي في الحقيقة التوازن العام للوحة، بين الكتلة والفضاء، وأدراك أبعادهما داخل بناء اللوحة، في كيفية رؤية المساحات اللونية الباردة، في مواجهة الألوان الحارة.

23 صبيح كلش

الرموز والتشفير…

يلجأ الفنان صبيح كلش، إلى إدخال رموزه من الطبيعة الصامته والحيوانات، بقصدية واضحة، فكل العناصر التشخيصية التي يدخلها تحمل صفة الصلابة والقوة، الثور بما يمثله من حالة الرعب إذا هاجم، والصخرة بصلابتها إذا إحتك بها أو احتكت بشيء، وبعدها يدخل عامل اللون ليوضح الحالة مع الألوان الحارة، الأحمر الأسود، الأرجواني، البرتقالي. ثم يعكس وجهة نظره في الكتلة المقابلة لكتلة القوة والصلابة، التي تحمل الخوف والرعب، من دون التحول عن الرؤية البصرية لعموم اللوحة، فالنظر إلى الكتلة المتناظرة والتي يسود فيها الطمأنينة والسلام، الأبيض والأزرق بما تحمله هذه الألوان من الهدوء والراحة النفسية، ولكنها كتلة أقل فاعلية في الرؤية البصرية، أمام جبروت القوة والاضطهاد في الكتلة الأكبر والأساس، وتساعد مساحات اللون للسماء أو الفراغات حول وبين الكتلة على سطح اللوحة في تكريس هذه الرؤية وترسيخ العلاقة بين طرفي المعادلة في النص، اللوحة عند الفنان صبيح متعددة الرؤية البصرية ولكنها تجتمع في المركز الذي شظاه للوصول إلى النص الذي يشتغل عليه، وهكذا تلتئم العناصر لتوصل لنا من خلال القيم الجمالية ما يريد أن يقوله لنا، وعندما يستعيض عن الحيوانات ذات القوة للتعبير عن الاضطهاد، يقدم في لوحته حيوات اقل شأنا ً، ولكنها أخبث مضرة، الذبابة أو الغراب، لتلتئم مع الجانب المظلم في النص.

الحرف العربي ومدخلات الرؤية الجمالية

امتازت لوحات الفنان صبيح كلش، عبر مسيرته بإظهار الحرف العربي بكثافة في لوحاته بإشكال مختلفة ومساحات متعددة، مجسدا رؤية، في تجسيد تطلعاته الفكرية عبر اللوحة الصامتة من خلال اللون والخط ليجعلها تنطق، وتتحرك إمام الرؤية البصرية للمتلقي، يقول فيها الناقد ناصر أبو عون ” صبيح كلش يحيلنا تاريخيا إلى الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد مبدع فكرة مدرسة البعد الواحد الذي أكَّد على: ” أن تحقيق البعد الواحد بواسطة الحرف العربي هو نزعة تأملية لوجود الذات الإنسانية عند مستوى الوجود الكوني ”، حيث وجد في الحرف العربي القيمة التشكيلية القادرة على بناء كيان جمالي تجريدي. ”، أن ما يتحدث عنه الناقد ناصر أبو عون، هو مرحلة بدء الولوج في الرؤيا الصوفية للفنان صبيح كلش، فهل نعتبر إن البناء والتشييد الذي كون وحدات العناصر المتآلفة، والتي يعتبر فيها الحرف العربي مكملا لذات اللوحة، أو في بعضها وحدة منفصلة ؟، خلفية أو منفصلا عنها، لأننا إزاء أعمال يتكرر فيها احتشاد الحرف العربي، آية قرآنية قصيدة أو مأثور بصوره المفردة أو ضمن بناء لغوي،، ومن الرؤية البصرية العامة للوحة يتكون الحرف من منظور اكتمال البناء أن كان في المقدمة بكثافة اللغة الشعرية، أو خلفية مفرغة لظهر العمل، وهو ما يجعلنا نقول أنه نجح في توظيف الحرف وجعله أحد العناصر الرئيسية للعمل، ولم يكن الحرف وسيلة في داخل اللوحة، أنما قيمة جمالية مقصودة لإظهار جماليته وما فيه من قدرات جمالية في الرؤية البصرية في البناء العام للوحته، وبما يمتاز به الحرف العربي، في الليونة التي تساعد على التحوير وبناء الشكل، وزخرفته بمتواليات لا نهاية لها، وهي تكملة لابتكارات الفنان الإسلامي في العصور المتقدمة، التي امتاز بها الفن الإسلامي وتجريداته فيما بعد. أن التحولات في النص والتقنية، لدى الفنان جرته إلى الرؤى الصوفية في تحرير الإنسان من ذاته، والتحول نحو المطلق في بناء العلاقة الإنسانية بين الفنان والمتلقي، ولكن استمرار شده النفسي نحو الواقع الأليم الذي يعيشه إنسان عصرنا أو بلده العراق، يعيد ترتيب الأفكار لدمج الروح الصوفية التي تظهرها الطاقة اللونية في لوحته، وبين النص للنضال من أجل الإنسان والانحياز له، وهذا ما يجعل الفنان صبيح كلش يحتل مساحة في الساحة التشكيلية العراقية والعربية، وينظر لتجربته التي تتطور، وتتحور وتنمو فكريا ً وتقنية، بعين الاهتمام، كواحدة من التجارب المهمة في الحركة التشكيلية العراقية والعربية.

صبيح كلش

• صبيح كلش جبر المحمداوي.

• ولد في مدينة بغداد عام 1948

• بكالوريوس رسم – كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد. 1974 – – دبلوم عالي في الرسم – المدرسة العليا للفنون الجميلة (البوزار) باريس – فرنسا. -1981/ ماجستير في الرسم -جامعة السوبربون – باريس – فرنسا. -1983/ دكتوراه في تاريخ الفن المعاصر – جامعة السوبربون- باريس – فرنسا. -1989/ عضو برابطة الفنانين الدولية. -1970/

• عضو نقابة الفنانين العراقيين. -/ عضو جمعية التشكيليين العراقيين./ عضو الرابطة الدولية للفنون التشكيلية (اليونسكو).-1973/عضو فخري في الجمعية العمانية. -2000

• المعارض الشخصية: له سبعة معارض شخصية / قاعة براتسلافا 1970 قاعة البوازر –باريس 1981 قاعة كولومب- باريس1938 قاعة حوار –بغداد1996? قاعة المعرض الدائم الاردن 1999 قاعة بلدنا-الاردن 2000 قاعة الجمعية العمانية- سلطنة عمان 2005. قاعة أكد . بغداد 2014. تونس 2014

• اغلب المشاركات:- مشاركة في معرض الفن العراقي المعاصر/باريس 1976 تونس1993? عمان 1994 لندن 1990./ مشاركة في معرض بغداد العالمي الاول للفن التشكيلي للاعوام/1968 1988./ معرض رابطة الفنانين الدولية – براغ. -1974/ معرض الشباب – باريس. -1979/ معرض الفنانين العرب – فرنسا. -1980/ معرض موناكو – فرنسا. -1984/ معرض وكالة الغوث الدولية – لندن. -1991

 

مؤيد داود البصام

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4284 المصادف: 2018-05-29 03:58:12