 مقاربات فنية وحضارية

عودة الآثار الفنية الى اهلها

كاظم شمهودعندما بدأت الحرب الاهلية الاسبانية عام 1936 قام الجمهوريون بنقل آلاف الاعمال الفنية من متحف البرادو في مدريد الى المتاحف الاوربية بحجة بحثا عن الامان والرعاية وذلك لكي تكون بعيدة عن كوارث الحرب، ولكن يبدو في الحقيقة كانت نية وغاية الجمهوريين هو بيع هذه الكنوز والتراث الفني الاسباني على المتاحف والمؤسسات الفنية في اوربا وذلك لتغطية نفقات الحرب الباهضة امام زحف جيش فرانكو وحلفاءه الالمان، وقد اشارت الى ذلك صحيفة الوطن الاسبانية el pais، حيث يعقد هذه الايام مؤتمرا في مدريد بمناسة الذكرى ال 80 لعودة الاعمال الفنية الى اسبانيا.. من جانب آخر قام الجمهوريون باحراق الكنائس وقتل العدد الكبير من القساوسة ؟، وكانت هذه المعابد بمثابة متاحف حيث تحتوي على اثمن واغنى اللوحات والمنحوتات التي يعود بعضها الى فناني عصر النهضة، كما يذكر ان متحف البرادو في مدريد قد تعرض سقفه للحرق . وكان رئيس المتحف في ذلك الوقت يدعى فرانثيسكو خابير سانجث حيث امر عام 1936 بانزال الاعمال والقطع الفنية الثمينة وحفظها في الطابق الاسفل من بناية المتحف خوفا عليها من الحرق والسرقة والتلف ..

1194 بابل 1

وعندما نشبت الحرب العالمية الثانية عام 1939 واخذت الفيالق المقاتلة الالمانية بقيادة هتلر تتقدم على بعض الدول وتحتلها مثل هولندا وفرنسا وغيرها، خلق ذلك هلع واضطراب وخوف عند المسؤلين في المتاحف الاوربية ولهذ اخذوا تجربة الجمهوريين الاسبان حيث بدأوا بنقل تراثهم الفني الى اماكن بعيدة عن كوارث الحرب وقنابلها المدمرة ووضعوها في اماكن اكثر امانا وحفظا كالانفاق والسراديب وغيرها، بعضهم نقلها الى دول ومدن اخرى لم تشترك في الحرب وكانت تعد بالآلاف، وكانت جيوش النازية عندما غزت هولندا وفرنسا حرقت ونهبت الكثير من المتاحف ونقلت بعض الاعمال الفنية المعتبرة الى المانيا، وعندما سقطت المانيا بيد الحلفاء وانتحار هتلر، وجدوا آلاف الاعمال الفنية محفوظة في اماكن خاصة تابعة بعضها الى هتلر ومساعديه وغيرهم . ويذكر ان هتلر كان في شبابه رساما، وقد شاهدت له بعض الاعمال في متحف طهران الحديث .

1194 مصر 1

عودة التراث الى اهله:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عادت الكنوز الفنية الاسبانية الى متاحفها قادمة من متاحف اوربا عابرة الحدود الفرنسية محمولة بواسطة شاحنات كبيرة، وكان من ضمنها اعمال الرسام المعروف فيلاسكس مثل لوحة – الاميرات – وكانت قادمة من فينا، كما كانت هناك اعداد هائلة من اللوحات في هولندا يقدر عددها ب 30،000 قطعة فنية وكانت مطوية باعتناء ودقة متناهية . اما اللوحات التي هربها الجمهوريون الى جنيف فتعد بالآلاف، وكان الجمهوريون قد تعهدوا بعدم عودة اللوحات الى اسبانيا ما دام فرانكو في الحكم، ولكن الحكومة السويسرية قد اعترفت بحكومة فرانكو وبالتالي كان لزاما عليها اعادة الاعمال الى اسبانيا خوفا من بيعها او تلفها . وفي نفس الوقت طلب بيكاسو بعدم اعادة لوحة جرنيكا الى اسبانيا حتى يذهب حكم الدكتاتور فرانكو . وفعلا عادت جرنيكا الى اسبانيا عام 1981 بعد موت فرانكو في زمن حكم الاشتراكيين واستقبلت في المطار استقبال الابطال المنتصرين وعمل لها استعراض حرس الشرف .

1194 مصر 2

اهمية التراث عند الامم

كثير من النقاد في الفنون التشكيلية وكذلك الادب يخلط ما بين الحداثة وما بعد الحداثة وربما متأتي ذلك من عدم اطلاعه جيدا على مفهوم المصطلحين وقد شاهدت احد النقاد وهو يعرض عملا حداثويا ويسميه ما بعد الحداثة وانجر خلفه عدد من المثقفين .. ومن الواجب علينا التنبيه الى ذلك للتذكير لعلها تنفع . الحداثة هي حركة ظهرت في بداية القرن العشرين وتمثلت في جماعة الدادائية والمستقبلية وقسم من جماعة السريالية وجماعية الفوضوية، وغالبا ما يكون هؤلاء من اليساريين، وان كان لها جذور تاريخية قديمة خاصة في الادب، وتهدف هذا الجماعات في ادبياتها هو الغاء التراث برمته وحرق المتاحف والمكتبات وعدم الاعتماد عليه في المنجز الفني والادبي، وانما العودة الى الطبيعة والخيال .. بينما ما بعد الحداثة فهي تعتبر التراث العمود الفقري للعمل الفني والادبي والعودة اليه يعتبر مصدر من مصادر الالهام والابداع والتطور، كالمدرسة الاشتراكية .

ونستطيع ان نلمس في ذلك التراث الفني القديم انه لم يكن فقط مصدرا للمتعة والزينة فحسب وانما الى جانب ذلك فهو هوية الشعوب وتاريخها وثقافاتها وتقاليدها ابتداءا من الحياة البدائية البسيطة حتى يومنا هذا وما حفلت به تلك الحضارات من منجزات علمية وفنية وادبية والتي اصبحت لنا ينابيع فياضة نتسقي منها مبتكراتنا وابداعاتنا الحديثة، وهي سجل حافل بالوثائق المصورة والمكتوبة وقد وصلت الينا نتيجة للحفاظ عليها ومراعاتها من التلف والضياع، ووضعها في متاحف ومراكز خاصة لتكون عبرة لاول الالباب .

1194 بابل 2

تراثنا في ضياع

عاد التراث الاسباني الى متاحفه وساهمت اوربا كلها في عودة تلك الكنوز الفنية النادرة، ولكن ياترى هل عاد التراث العراقي او المصري الى اهله؟ بعدما تعرض للنهب والسرقة من قبل الغزاة الاوربيين والسراق المحليين خلال تاريخنا الطويل؟ اليوم تعج المتاحف الاوربية بتراث الشرق واصبح مصدرا ثقافيا واقتصاديا كبيرا تعيش عليه تلك الدول ..

يذكر المؤرخ والناقد الانكليزي هربرت ريد بان التراث الفني اكثر اهمية من الاقتصاد والفلسفة ولهذا نرى ان الشعوب والامم المتحضرة قد حرصت كل الحرص على الحفاظ عليه وعدم المساس به لانه يمثل هويتها وعمقها التاريخي وتطلعاتها الى مستقبل افضل (وفي قصصهم عبرة لاول الالباب) .

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4788 المصادف: 2019-10-15 01:02:20