 مقاربات فنية وحضارية

قصر طوب قابي والمخطوطات الاسلامية

1304 شمهود 2يعتبر قصر طوب قابي من اقدم البلاطات العثمانية حيث كان مقرا للسلاطين منذ عام 1465 الى عام 1856م وفيه مسجدا يسمى اغلار يحتوي على مكتبة تضم على آلاف المخطوطات المصورة والتي لاتقدر بثمن. وتحتوي مكتبة طوب قابي على 21438 كتابا و18622 مخطوطا بجميع اللغات، كما يذكر ان هناك 13.533 لوحة منمنمة داخل المخطوطات والكتب والالبومات، وتتألف من 451 مجلدا تعود الى الفترة المحصورة بين القرن الثاني عشر والثامن عشرم.

وقد جمعت هذه المخطوطات من دول العالم الاسلامي في ايام سيطرة العثمانيين عليها خاصة الدول العربية والتي افرغوها من ارثها الحضاري والثقافي والفني تماما، بل حتى النسخ الاولى من القرآن الكريم التي خطها بعض الصحابة مثل الامام علي-ع- وعثمان بن عفان وغيرهم، فقد حملوها معهم الى اسطنبول. ويقال ان هناك آلاف المخطوطات قد تلفت اثناء النقل وغرق بعضها في البحر.. وهذا يذكرنا ايضا بحملة نابليون على مصر عام 1798 حيث جلب معه اكثر من 500 عالم بجميع الاختصاصات انيطت اليهم نقل الآثار والعلوم والمخطوطات المصرية الى باريس، منها - حجر رشيد – والذي نقشت عليه علوم المصريين القداما بثلاثة لغات قديمة، غير ان هذا الحجر وقع بيد البريطانيين عندما استسلمت القوات الفرنسية الى البريطانية عام 1801 م، ثم نقل الحجر الى المتحف البريطاني ولازال معروضا فيه، وقد حل شيفرة اللغات العالم الفرنسي شامبليون عام 1822 م.

1304 شمهود 1

و كانت عادة الامبراطوريات التي قامت في العالم القديم هو اهتمامها في عواصمها وترك باقي المدن، فكانت دمشق عاصمة الدولة الاموية وبغداد عاصمة الدولة العباسية والقاهرة عاصمة الدولة الفاطمية وهكذا. وقد اهتم الخلفاء والملوك بهذه العواصم واهملوا غيرها. وكان المغول والتيموريون قد اهتموا بعواصمهم مثل تبريز وسمرقند وهراة، وكان التطور العمراني والثقافي قد اصابها، وجلبوا اليها خيرة المصورين والنقاشين والمزخرفين والمذهبين والمجلدين والخطاطين وغيرهم. وكذلك ينسحب هذا على الامبراطورية العثمانية التي اهتمت بعاصمتها اسطنبول وتركت باقي الولايات والمدن العربية تحت التخلف والفقر منها العراق.

1304 شمهود 3ولهذا ليس غريبا ان تتوقف الحياة الثقافية والفنية في العراق وتخلو البلاد من المكتبات و المصادر العلمية والادبية، فكان الطلبة عند دراساتهم وبحوثهم العلمية والفلسفية عليهم ان يشدوا الرحال الى اسطنبول حيث توجد هناك المكتبات العامة التي تحتوي على آلاف المخطوطات الاسلامية والعربية من علمية وادبية وفلسفية وفقهية وغيرها. ولهذا كان العراق شبه فارغ من المكتبات العامة ما عدا بعض علماء الدين الذين يحتفظون بعدد كبير من المخطوطات الفقهيه والعلمية في بيوتهم الخاصة مع ذلك تعرض بعضها الى الحرق.

ومن ضمن المخطوطات الموجودة هناك 600 مخطوطة تحتوي على رسوم منمنمة لاشهر رسامي ذلك الوقت منهم : احمد مرسي، رئيس عبدالحي، شيخ سلطان محمد، محمد صياح كالم، كمال الدين بهزاد، بيري رئيس، حيدر رئس المعروف (نيجاري)، نقشي، ولفني وغيرهم. وضمن كنوز المتحف توجد صورة شخصية للسلطان محمد الفاتح رسمها المعماري سنان بك وكان يشغل رئيس النقاشين في البلاط – نقش خانة – علما ان محمد الفاتح استقدم الفنان الايطالي بلليني ورسم له صور شخصية عام 1479 – 1480 وفي زمنه بدأت التأثيرات الفنية الاوربية تدخل البلاط السلطاني، ومن ثم على الفن الاسلامي بعدما كان الفنان المسلم يقتصر عمله على تزويق المخطوطات بالرسوم التوضيحية.. ثم انتشرت الرسوم الشخصية في زمن السلطان سليم الثاني وحضيت برعاية القصر وكان من اشهر الرسامين الاتراك في رسم الصور الشخصية هو حيدر رئس المشهور بنيجاري.

ويعتبر المصور- بيري رئس- من اشهر رسامي الخرائط حيث يوجد له رسم لخريطة العالم نفذت عام 1513م كما توجد له خرائط اخرى عن حوض البحر المتوسط ومدنها وموانئها وتمتاز بالتفاصيل الدقيقة وله كتاب اسمه – كتاب البحرية – وقد اعترفت منظمة الامم المتحدة للثقافة والعلوم بأهمية اعماله واعلنت عام 2013 عام بيري رئس.

ومن الكنور ايضا هناك 1600 مصحف يعتقد ان سبعة منها تعود للخليفة عثمان بن عفان وتسعة تعود الى الامام علي – ع – واثنين الى الحسن والحسين ومنها يعود الى القرن الاول الهجري وقد خط بعضها من قبل خطاطين مشهورين.

وتوجد نماذج اخرى من المصاحف خطت بيد ابن البواب عام 1018 م وكذلك لاشعار سلامة بن جندل ومخطوط آخر لاشعار خمسة نظامي كنجوي – يعود تاريخه الى 1481 نفذ بخط نستعليق.

1304 شمهود 4

كما قام الخطاط - ياقوت المستعصمي- بصيانة وتذهيب وخط عدد من المصاحف وكذلك قام بالمثل الخطاط -عبدالله الصيرفي- في القرن الر ابع عشر. وكذلك- ارغون كاميلي - خلال عهد السلطان سليمان في القرن السادس عشر ويعتبر مخطوط كتاب الحشائش اقدم مخطوط في المكتبة حيث يؤرخ عام 1131 م.

كما نجد من اقدم المنمنمات في كتاب مرقع الفاتح (البوم الفاتح) حيث تبين لنا كيف تطور فن المنمنمات حتى وصل الى عصره الذهبي في زمن السلطان سليمان القانوني 1520 – 1566 وقد ظهر في زمنه كثير من الرسامين المعروفين مثل : حيدر رئس والنقاش عثمان الذي يعتبر من اكثر المتشددين في الالتزام بالتراث الفني التركي.

وكان – مرقع الفاتح – يحتوي على رسوم تمثل حياة السلاطين وحروبهم واحتفالاتهم ومواضيع الصيد والصور الشخصية.

ومن ابرز المخطوطات التي حضيت بأهمية كبيرة في التزويق هو مخطوط –السورنامه – ويضم 437 صورة نفذها النقاش عثمان وتلاميذه وكان عثمان يشغل رئيس مرسم البلاط – نقش خانه – في زمن السلطان مراد الثالث عام 1582 م وتمثل الصور احتفالات السلطان بختان ولده محمد في عام 1582 وبعد غياب عثمان انفتح الباب لدخول التأثيرات الفنية الغربية وقد لاقت دعما كبيراً من السلطان مراد الثالث وغيره من سلاطين بني عثمان وفي نفس الوقت بدأ الفن الاسلامي بالتراجع والانحدار... وقد حول القصر والمكتبة اليوم الى متحف يعتبر ضمن لائحة التراث العالمي منذ سنة 1985.

 

د. كاظم شمهود

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4885 المصادف: 2020-01-20 01:41:12