ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

المثقف العربي وبناء الواقع الحديث

يُشتق مفهوم المثقف من مصطلح الثقافة، والأخير ينتمي إلى ذات الحقل الدلالي الذي ينتمي إليه مفهوم الحضارة، لكن الثقافة مرتبطة بالدور الفردي، في حين أن الحضارة مرتبطة بالدور الجماعي الأممي[1]. فللمثقف وظيفة فردية إبداعية، ومفهومه من المفاهيم الحديثة التي شهدت الكثير من إختلاف الآراء وتباينها. إذ يُقصد به تارة مَن له العمل الفكري في قبال الأعمال اليدوية، وهو بهذا يشمل أهل الإختصاص وغيرهم من ذوي الإهتمام بالقضايا العلمية والمعرفية. كما يُقصد به تارة ثانية ذلك الذي يحمل معارف وعلوماً ذات علاقة بقضايا المجتمع العامة. فالطبيب والمهندس والفيزيائي وغيرهم من ذوي الشهادات العلمية الطبيعية لا يعدون من المثقفين، بينما يعد الفقهاء ومنتجو الآراء والأفكار السياسية ومن على شاكلتهم ضمن هذه القائمة، إذ لهم معارف عامة ذات علاقة بقضايا المجتمع. والبعض يرى أنه لا بد للمثقف من عنصرين تكوينيين: أحدهما الدرجة العلمية العالية، كشهادة الدراسات العليا التي تجعل من الدارس يمتاز بمعرفة مميزة. والثاني المعرفة الحديثة المعتمدة على العلوم والآداب الحديثة، وأُشرط لذلك أن يكون المثقف حاملاً للغات الأجنبية لأهميتها البالغة؛ بإعتبارها لصيقة بتلك المعارف ومدخلاً لها، أو على الأقل ‹‹التعلق بقراءة المترجمات››. وهذا يعني أن الفقيه والعالم الديني لا يعدان من ذوي الثقافة؛ لافتقارهما للعنصر التكويني الثاني عادة[2].

والواقع نحن إزاء ‹‹كائن›› يتصف بمواصفات موضوعية نطلق عليه (المثقف). وما ذُكر سلفاً لا يعد شرطاً ضرورياً في تكوين ما يُفهم من هذا الكائن. نعم لا بد من أن يكون المثقف حاملاً لمعارف متعددة مختلفة، وأن هذه المعارف ليست بمعزل عن قضايا المجتمع العامة، وتمتاز بأنها تعتمد بدرجة كبيرة على الواقع وكذا العقل بما لهما من دور تكويني، وقد يضاف إليهما مصادر معرفية أخرى كتلك المستمدة من الوحي أو النص. فالثقافة بهذا المعنى ظاهرة واسعة التحقق في عالمنا اليوم، سواء نتج ذلك عن الدراسات الأكاديمية مباشرة أو بفعل الجهود الذاتية للأفراد. لكن المهم هو أن لا تنحصر المعرفة بحدود التخصص، بل تمتد إلى ضروب مختلفة من المعرفة مع القدرة على التفكير والتمييز بكل ما له علاقة بالأفكار ذات الصلة بالمجتمع.

ولإيضاح هذا الأمر علينا أن نبحث عن كيفية نشأة هذا الكائن الحديث - كظاهرة عامة - والإنقسامات التي حلّت في أوساطه. فالذي يلاحظ بوضوح أن هذا الكائن بجميع توجهاته وتياراته إنما يعد إفرازاً من إفرازات تطورات الواقع. فهو مدين بوجوده وحضوره إلى الجامعات والمعاهد العلمية الحديثة. فهذه الحواضر تشكل الرافد الرئيس لما يستحضره المثقف من معارف وثقافة، بحيث يمكن القول إن نشأة المثقف وتاريخه يعبّران تعبيراً مطابقاً عن نشأة هذه المؤسسات وتاريخها. الأمر الذي يكشف عن أن البناء المعرفي الذي تتشكل به هذه الهياكل العلمية لا بد من أن تضع بصماتها الشاخصة في البنية العقلية لوعي المثقف الباطن. وبالتالي فلكي نحدد طبيعة هذه البنية لا بد من أن ندرك سلفاً خصائص البناء المعرفي الذي تمتاز به تلك الهياكل. وليس من الصعب تحديد طبيعة هذا البناء، إذ الميزة الرئيسية لوظيفة التشكيلات العلمية الحديثة هي أنها تمارس آلياتها المعرفية بالخوض في القضايا التي يكون فيها ‹‹الواقع›› هو الرافد الرئيس بمختلف أشكاله وصنوفه. لهذا فإن البناء المعرفي لهذه المؤسسات هو بناء ذو طبيعة واقعية ممزوجة بما يناسبها من التحليل العقلي. ويترتب على ذلك أن البنية المعرفية للعقل المثقف تصبح مطبوعة بالطابع الواقعي مع اصطباغها بصبغة التحليل العقلي أو العقلائي.

هذا هو المثقف بصورة عامة، ويلاحظ أن في تركيبته عدة عناصر ضرورية يمكن إجمالها على الشكل التالي:

1ـ يتصف المثقف بأنه ذو قدر واسع من الإطلاع والمعارف الفكرية المتنوعة. وبالتالي فإن مفهوم المثقف يقف في قبال مفهوم المختص نسبياً. فالمختص صاحب علم ذي موضوع محدد، وله منهجية دقيقة وصارمة بفعل الصنعة العلمية، أما المثقف فصاحب معارف لا تتحدد بموضوع معين بالذات، ولا تحمل منهجية دقيقة كتلك التي تفرضها الصنعة العلمية والتخصص. مما يعني أنه بقدر ما يضيق الموضوع لدى المختص؛ بقدر ما يتسع - في القبال - لدى المثقف ليشكل موضوعات متنوعة عديدة. وبعبارة أخرى، إن معارف المثقف تعبّر عن مبادرات فردية لم تتحدد ضمن أُفق علمي تخصصي ذي مناهج وقواعد معرفية معينة. فهي بالتالي ليست كالمعارف التخصصية الناتجة عن الهيئات العلمية العامة.

2ـ إن إطلاع المثقف الواسع يؤهله لأن يمتلك القدرة على الإدراك النظري فهماً وتأسيساً. أيّ أنه يمتلك المقدرة على فهم ما يُطرح من النظريات الفكرية العامة، كما له القابلية على الإبداع النظري من تأسيس المفاهيم والمناهج والمذاهب المعرفية العامة.

3ـ إن معارف المثقف مستمدة في الأساس من النظر والإطلاع على شؤون الواقع وممارسة التحليل العقلي. وبالتالي فإن المثقف ذو مقدرة عالية على النقد والتفكير والتمييز بين الآراء التي لها علاقة بالواقع ومجرى الأحداث العامة.

4ـ ينصب إهتمام المثقف على قضايا المجتمع، بإعتباره كائناً معرفياً فاعلاً يمكنه أن يؤثر في حركة الوسط الذي يتفاعل معه بما يبتكره من أفكار وما يقدّمه من معارف، ومن ثم بما يساهم به في صنع الرأي العام؛ لكونه يوجّه خطابه إلى الجمهور. فهو من هذه الناحية لا يقع ضمن طبقة سياسية أو إجتماعية أو إقتصادية محددة في قبال نظيراتها في المجتمع، بل يمكن لبعض من أعضاء تلك الطبقات أن يشكلوا فئة ثقافية، كما ويمكن أن ينتموا إلى نفس الرؤى الثقافية رغم وجود الإختلاف الطبقي بينهم. وواقع الأمر أن الشرط المشار إليه حول إهتمام المثقف بالمجتمع إنما يعبّر عن الحالة الطبيعية من إرتباط المثقف المعرفي والمتعدد الوجوه بقضايا الواقع، فمن مقتضيات هذا الإرتباط أن يكون الفرد في تواصل مع القضايا التي هي أكثر إثارة ومساساً وتشويقاً، وأقصد بها قضايا المجتمع العامة، وبالتالي يصح نعته - كما هو معروف – بالداعية الحامل لآيديولوجيا معينة تتضمن تصوراً وموقفاً محددين من الأحداث والأوضاع الخارجية العامة.

على أن هناك درجات متفاوتة من المثقفين يمكن إجمالها بنوعين متميزين؛ أحدهما ذلك الذي تكون له المقدرة التامة على التنظير وابتكار الأفكار وإنشاء المذاهب والمناهج، ويمكن أن نطلق عليه (المفكر). أما النوع الآخر فهو لا يمتلك مثل هذه الخصوصية، إنما له القدرة على التمييز وتبني ما يطرقه النوع الأول من أفكار ومذاهب بحسب ما يرد في نفسه من إقتناع وتصويب. وبين هذين النوعين ثمة درجات متفاوتة غير محددة من الأصناف الوسطى.

إذاً فنحن أمام طبقتين متميزتين من المثقفين، إحداهما نطلق عليها طبقة المفكرين أو المنظّرين، وهم الذين يمثلون الرؤوس العليا من الثقافة، أما الأخرى فهي طبقة المثقفين العاديين.

بهذا يصبح المثقفون في مجتمعنا منقسمين إلى تيارين رئيسيين واسعين، أحدهما يلتزم بمبدأ الإسلام ويعمل على حمل المشروع الديني وهو المثقف الديني. والآخر على خلافه ليس له علاقة بالمشروع الديني، إسلامياً كان أو غيره، وهو المثقف العلماني. فالفارق بين التيارين يتحدد بحسب الموقف من الدين كمشروع يراد له التطبيق على العلاقات الإجتماعية. ويمكن لحاظ هذا الفارق على الصعيدين الآيديولوجي والمعرفي، إذ ما يحرك هؤلاء هو غير ما يحرك أولئك، كما أن توليد المعرفة والقيم المتبناة مختلفة بينهما. مع هذا فهناك إطار مشترك يجمعهما في توليد المعرفة هو الإطار الثقافي ولو بمعناه العام من الإحتكام الرئيس إلى الواقع والعقل الإنساني، بغض النظر عن الإعتراف أو عدم الإعتراف بوجود مصدر آخر غيبي يعمل على رفد المعرفة الإنسانية؛ طالما أن هذه الأخيرة لا تأتي ولا ينبغي أن تأتي على حساب المعرفة الأولى.

وقد تأثر كل من المثقف العلماني والديني بالحضارة الغربية والتحديث الجديد غاية التأثر، بل إن وجودهما يدين إلى عملية التحديث والإحتكاك بالغرب، وما زالا يعملان تأثراً بهذا الإعتبار خلافاً للفقيه الذي غلب عليه التحفظ.وإذا كانت مهمة الفقيه هي الحفاظ على ما كان أمام تيار النهضة والتحديث والتغريب؛ فعلى خلافها كانت مهمة المثقف العلماني، وذلك أما بهجر ما كان من تركة بلا إعادة إحياء، أو بربط التحديث بالتراث ربطاً ضعيفاً؛ إعتماداً على المفاهيم المستوردة من الغرب كالحرية والتقدم والعقلانية وما إليها. فما يفكر به العلماني هو جعل التنمية الإجتماعية والإقتصادية والسياسية قائمة على مفهوم المواطنة أو القومية كضرورة لا غنى عنها في النهضة المنشودة، وكان أبرز وأقدم من يمثل هذا الإتجاه آنذاك هو مدرسة بطرس البستاني.في حين كانت مهمة المثقف الديني هي التوفيق بين التركة الموروثة وبين الواقع الجديد، مع تغليب هذا الواقع، أو الإلتفاف عليه من منطق أن ما انتجه الغرب من علم وثقافة إنما أخذه عن المسلمين وقام بتطويره ومن ثم تمّ ما أطلقوا عليه النهضة الغربية الحديثة.

لا شك أن التطور الذي لاح تاريخ الإسلام لم يفرز من المشاكل الضخمة مثلما افرزها الواقع الحديث. فما حدث من اهتزاز يوم وصلت قوافل الهجمة الغربية على بلادنا منذ قرنين قد حوّل ما كان ‹‹مهملاً›› في السابق إلى ‹‹ماكنة تشغيل››. فقد أحدث الإستعمار في نفوس المسلمين الوعي الذاتي، إذ كان ذلك الحدث اعظم تطبيق للقاعدة النفسية التي مؤداها: ‹‹لتعي ذاتك عليك النظر إلى الغير››. وهذا ما حصل! وهو ان المسلمين قد أدركوا ذاتهم التي أُهملت لقرون من الإنحطاط عبر النظر إلى ‹‹الآخر››. وبذلك تشكّلَ عصر جديد افتتحه مجموعة من العلماء والمفكرين من أمثال الطهطاوي ومحمد عبده والكواكبي وغيرهم. إلا أنه لما جاء متأثراً بالحضارة الغربية وكرد فعل عليها فقد اختلف جذراً عما قبله من عصور، فقد تشكلت العصور السابقة معرفياً – في الغالب - بفعل عوامل داخلية صرفة لا علاقة لها بضغط الحضارة الخارجية. لهذا لم تسفر المشاكل القديمة عما نسميه اليوم بإشكالية (التراث والحداثة) رغم الإنفتاح على العالم الغربي (الإغريقي) خلافاً لما حصل في العصر الجديد. فالاتصال الحديث بالعالم الغربي جاء من موقع الضعف والحاجة، وهو ما جعل عصرنا مضطرباً إلى غاية الحدود.

لقد كانت هناك اشياء مهملة قد برزت يوم التصادم مع حضارة الغرب منذ مطلع القرن التاسع عشر فأخذت بناصية التفكير وما زالت تمد يد التوجيه إلى العقل العربي والإسلامي. إذ ظهر على السطح مشاكل في الصميم تندرج ضمن ورقة جامعة هي ‹‹حقوق الإنسان العامة››. وقد تجلت هذه الإشكالية في كثير من الابعاد، كالتعليم والحرية والمرأة والدولة والدستور والقومية والمواطنة والشورى والديمقراطية والمساواة والعدالة وغيرها من الابعاد ذات العلاقة العامة بالإنسان العربي والمسلم. فمن الواضح ان هذه القضايا تعد جديدة ولم يكن لها تاريخ سابق على عصر ما يسمى ‹‹النهضة الحديثة››. إذ كانت المشاكل المتداولة قديماً تتعلق بالصلة التي تربط بين الخالق والمخلوق، عبر ورقة جامعة هي ‹‹نظرية التكليف››، وهي التي استقطبت - في الغالب - النظر إلى (حق الله) أو (حق الطاعة) مثلما استقطبت ‹‹حقوق الإنسان العامة›› النظر إلى (المصلحة الإنسانية). وبحسب إشكالية التكليف كان الهم القديم يتحدد بتعيين الواجبات الشرعية وأصول الديانة والفرقة الناجية وما إلى ذلك مما له علاقة بنظرية التكليف. كما كانت الممارسة العلمية الإسلامية تتخذ سبيل التعالي والنظر إلى فوق منهجاً لتديين الواقع حسب الشعار القائل: ‹‹إنما أُمرنا أن نأخذ العلم من فوق››. في حين أخذ الأمر مع الوعي النهضوي اتجاهاً معاكساً ولو ضمن حدود. إذ ظهرت تيارات عديدة تريد ان تجعل لنفسها سلوكاً معاكساً لسلوك ‹‹تديين الواقع›› ولو بنسب متفاوتة.

لقد واجه الأزهر منذ بداية ما يسمى بالنهضة الحديثة صراعاً حول تجديد الدراسات الإسلامية وعلى رأسها الدراسات الفقهية، إذ شهد هذا الجامع مخاضاً من النزاع الداخلي حول مسألتي التحديث والتقليد، وقد تمثلت الخطوة الأولى للتحديث بمدرسة الشيخ حسن العطار التي استهدفت القضاء على الثنائية التي تجعل القديم على قدمه والحديث على حداثته، أيّ القضاء على الثنائية بين المؤسسات الدينية والمدنية. وهي الثنائية التي خلفتها فترة القرن التاسع عشر على يد محمد علي في مصر، سواء في التعليم أو القضاء أو الإدارة أو القانون أو الإقتصاد أو غيرها. الأمر الذي تبلور بعد قرن من الزمان إلى الإشكالية المعروفة بـ (التراث والحداثة). وجاء بعد مدرسة العطار دور محمد عبده الذي لم يكتفِ بالدعوة إلى إصلاح الأزهر تعليمياً، بل زاد على ذلك الدعوة إلى فتح باب الإجتهاد والإستفادة من العلوم الحديثة، فأفضى الحال إلى نزاع شديد داخل الأزهر وخارجه. إذ كانت علوم الأزهر قاصرة على علوم الدين واللغة وبعض العلوم الأخرى؛ كعلم الكلام والفقه ومصطلح الحديث والتفسير والأخلاق والنحو والصرف والمعاني والبيان والعروض والقافية والمنطق والحساب والجبر. وبفعل حركة الشيخ محمد عبده تمّ ادخال علوم الطبيعة والكيمياء والهندسة والجغرافيا والتاريخ وما إليها. لكن ما لبث أن تخلى الأزهر عن العلوم الحديثة بعد الشيخ المذكور حتى ظهرت حركة الشيخ المراغي التي دعت إلى إصلاح الأزهر وفتح باب الإجتهاد؛ مستفيدة بذلك من علوم العصر. وقد حققت هذه الحركة إعادة تنظيم الأزهر ونقله إلى نظام الجامعات الحديثة، رغم ما لقيته من معارضة شديدة بهذا الصدد. لهذا أعلن المراغي في مذكرته التاريخية (5\8\1928) قائلاً: ‹‹إن العلماء في القرون الأخيرة استكانوا إلى الراحة وظنوا أن لا مطمع لهم في الإجتهاد فأقفلوا أبوابه ورضوا بالتقليد وعكفوا على كتب لا يوجد فيها روح العلم وابتعدوا عن الناس فجهلوا الحياة وجهلهم الناس، وجهلوا طرق التفكير الحديثة وطرق البحث الحديث، وجهلوا ما جدّ في الحياة من علم وما جدّ فيها من مذاهب وآراء. فأعرض الناس عنهم ونقموا على الناس فلم يؤدوا الواجب الديني الذي خصصوا أنفسهم له، وأصبح الإسلام بلا حملة ولا دعاة بالمعنى الذي يتطلبه الدين››. ثم أنه إعتبر مهمة العلماء شاقة تتطلب الكثير من المعارف والتي منها ‹‹معرفة طرق البحث النظري وطرق الإقناع، ويتطلب فهم الإسلام نفسه من ينابيعه الأولى فهماً صحيحاً، ويتطلب معرفة فقهه وآدابه، والتاريخ العام وتاريخ الأديان والمذاهب، وتاريخ التشريع وأطواره، ويتطلب العلم بقواعد الإجتماع››. ولما أُعيد المراغي إلى المشيخة (عام 1935م) بعد استقالته (عام 1930م) أكد في حفل تكريمه على العمل لازالة أو تقليص الفوارق المذهبية وإنهاء الطائفية.

لقد حقق مشروع المراغي إعادة تنظيم الأزهر في هيكلته إلى شكل من أشكال نظام الجامعات الحديثة، فقد قسّم دراساته العليا إلى ثلاثة أقسام، لكل منها كلية خاصة، وهي الشريعة واللغة العربية وأصول الدين، فضلاً عن وجود أقسام أخرى للتخصص. وشمل إصلاحه تنقيح المواد التدريسية، ومن ذلك أنه طالب بدراسة القرآن والسنة دراسة شاملة، وتهذيب العقائد والعبادات ونفي ما استجد فيها من بدع، كما طالب بدراسة الفقه دراسة حرة تخلو من التعصب المذهبي، وضم إلى ذلك الدراسة الخاصة بمقارنة الأديان، وكذا دراسة أصول المذاهب قديماً وحديثاً. وطبقاً لهذا النهج تحوّل الأزهر إلى جامعة كبرى لتخريج أساتذة في علوم اللغة والدين والقضاء. ثم أُضيف إلى ذلك دراسة اللغات الأجنبية (عام 1935م)، وهي الإنجليزية والفرنسية والفارسية واليابانية والصينية[3].

ومع ان الوعي النهضوي حمل إحساساً حول المفارقة الخاصة بالتحديث والتقليد، ومن ثم محاولة القضاء على هذه الثنائية، إلا أنه ولّد شكلين من العلاقة بالواقع كثيراً ما كانا يتداخلان إلى حد يصعب التفريق بينهما، وذلك كالتالي:

1ــ العلاقة التي عبّرت عن المفارقة بين الفهم التقليدي للإسلام ومفرزات الواقع الغربي.

2ــ العلاقة التي عبّرت عن المفارقة بين ذلك الفهم ومتطلبات الواقع الخاص للمجتمعات الإسلامية وحاجاتها الحديثة.

ويلاحظ أن العامل المشترك في شكلي العلاقتين الآنفتي الذكر هو الفهم التقليدي. أما الطرف الآخر من العلاقتين فهو متغير، إذ تارة يعبّر عن افرازات الواقع الغربي، وأخرى عن متطلبات الواقع الخاص للمجتمع الإسلامي. لذلك حصل التداخل والالتباس بين الواقعين، بحيث كثيراً ما اشتبه على الباحثين أمرهما. فقد تكون الحاجة مناطة بالواقع الإسلامي الخاص ويظن أنها مزيفة ومستوردة من الغرب. أو على العكس قد تكون العلاقة نابعة من افرازات الواقع الغربي وخصوصياته الذاتية لكن يظن أنها تشكل حاجة فعلية للواقع الإسلامي. وتتجسد المفارقة لدى بعض النهضويين ممن حاول تشخيص ما عليه واقعنا من تخلف. ولعل المثال البارز بهذا الصدد هو ما انتهجه قاسم أمين في دعوته إلى تحرير المرأة المسلمة. فهو وإن شخّص في الكتاب الذي أصدره بعنوان (تحرير المرأة) عام 1899م ما عليه واقع المرأة من تخلف وإبتعاد عن جوهر ما يريده الشرع لها وما يناسب وضعها الخاص، إلا أنه عاد واستبدل المنظار بنموذج غربي في كتابه اللاحق الذي أصدره بعد عام واحد من الأول، وهو بعنوان (المرأة الجديدة). فقد كان الكتاب الأول يعبّر عن حاجة ملحة لتغيير وجهة النظر السائدة حول طبيعة المرأة وكيفية حجابها وما يترتب عليه من عوائق حضارية. وتعد هذه المشكلة من المشاكل الحقيقية التي واجهها عصر الوعي النهضوي. إذ كان الوضع الإجتماعي متدهوراً داخل مصر وخارجها، وكان هناك اجحاف لحقوق المرأة؛ كما في منعها من التعليم والكتابة بحجج الإعتماد على بعض الاثار من النصوص، وكان أول من بدأ الصراع حول هذه المشكلة هو رفاعة الطهطاوي حتى تُوج أخيراً على يد قاسم أمين. فقد سبق للطهطاوي أن أكد في كتابه (المرشد) على ضرورة تعليم المرأة، وردّ على الشبهة الدينية التي تنهى عن تعليمها بحجة أنه من المكروهات لها، كما ردّ على إعتبار طبعهن المكر والدهاء والمداهنة، وكذا عدم الإعتماد على رأيهن لعدم كمال عقولهن[4]. وقد انساق قاسم أمين في هذا الإتجاه من الدفاع عن الحقوق المهضومة للمرأة وأتم المشروع بالدعوة إلى جملة من الحقوق الشرعية؛ كحقها في جواز الكشف عن الحجاب، ويقصد به كشف الوجه والكفين، وكذلك الطلاق أمام القاضي والمساواة ومنع تعدد الزوجات[5]. وآزره في كل ذلك الشيخ محمد عبده، حتى قيل أنه كتب بعض فصوله ذات العلاقة بالاستدلالات الفقهية، أو على الأقل كان له دور في مراجعتها. وقد واجه قاسم أمين حول كتابه (تحرير المرأة) هجمة من الاعتراضات إعتبرت اليوم غير مبررة بأصل المبحث، وهو الحجاب، إذ لم يقصد فيما طالب به سوى كشف الوجه والكفين؛ معتمداً في دعوته بما لا يخرج عن الطريقة المألوفة في إبراز الأدلة الفقهية لصالح وجهة نظره التي غدت اليوم سائدة فعلاً. إذ قال في هذا الصدد: ‹‹سبق لي البحث في الحجاب بوجه إجمالي في كتاب نشرته باللغة الفرنساوية.. ربما يتوهم ناظر أنني أرى الآن رفع الحجاب بالمرة. لكن الحقيقة غير ذلك، فانني لا أزال أدافع عن الحجاب وإعتبره أصلاً من أصول الآداب التي يلزم التمسك بها. غير أنني أطلب أن يكون منطبقاً على ما جاء في الشريعة الإسلامية.. هو الحجاب الشرعي، وهو الذي ادعو اليه، كشف المرأة وجهها وكفيها. ونحن لا نريد أكثر من ذلك››[6]. لكن لكثرة ما واجهه من ضغط واتهام واعتراض فإنه فاجأ الجميع بما أقبل عليه في كتابه الآخر (المرأة الجديدة)، إذ لم يأتِ على شاكلة ما قصده في الكتاب الأول، كما لم يأتِ للتعبير عن حاجة فعلية لواقع المرأة المسلمة، وإنما رهن إعتبار الحاجة وتشخيصها بالنظر إلى الواقع الغربي، فصرح بالمطالبة بأن تقتدي المرأة المسلمة في سفورها بمثل ما فعلته المرأة الغربية إذا ما اريد لها الإصلاح ومن بعدها المجتمع المسلم، وتمنى ان يتحقق تخفيف الحجاب وذهابه شيئاً فشيئاً إلى التلاشي[7]. وقد فُسّرت هذه المطالبة لدى البعض بأنها جاءت كرد فعل غاضب لإغاضة من وقفوا ضده واتهموه على كتابه الأول، إلا ان ذلك لا يعفي حالة الخلط بين التعبير عن الحاجة الفعلية لواقع المجتمع المسلم، والصورة المستوردة عن الواقع الغربي وخصوصياته.

يظل ان الواقع الغربي لما كان مفعماً بالقوة والتكثر والحيوية؛ فكثيراً ما احتل ان يكون الطرف المقابل لمستلزمات الفهم التقليدي، مع تذويب المتطلبات الخاصة بواقع المجتمعات المسلمة. لذلك كان مدار الخوض في الإشكالية التي سادت بعد منتصف القرن العشرين حول التراث والحداثة؛ مستلهماً من العلاقة بحداثة الغرب دون تمييز بين الخصوصية الغربية والعمومية الإنسانية. إذ جرت محاولات للتوفيق بينهما تعكس الصلة بين التقليد السلفي ومنتجات الحضارة الغربية، ومن ثم أصبحت المتطلبات الإجتماعية لواقعنا منقادة – في كثير من الأحيان – بتلك المنتجات دون مراعاة لإختلاف الخصوصيات والحيثيات بين الواقعين.

وطبقاً لهذه العلاقة وخلال عصر الانبهار؛ أصبحت المفاهيم الغربية تعبّر عن مفاهيم إسلامية أصيلة. فالديمقراطية أخذت تُفهم بالشورى، والإشتراكية أخذت تُفهم بالعدالة الإجتماعية، والرأي العام بالإجماع وهكذا، وقد استمر الحال على ما عليه حتى نهاية الستينات من القرن الماضي، ثم ظهرت خلال الثمانينات فترة ما يسمى بالصحوة الإسلامية، وفيها دعت حركاتها إلى تبني الهوية الإسلامية مع نقد مفاهيم الغرب ومفرزاته، لكن الأمر لم يدم، إذ إضطرت العديد من التيارات الإسلامية إلى العمل على التكيف مع بعض المنجزات الغربية في واقع مفعم بالتوتر، لا سيما ما يتعلق بالديمقراطية على الصعيد السياسي. واليوم نجد لها رواجاً متسعاً لدى الحركات الإسلامية، بعد أن كانت تمثل فكراً منحرفاً لا يتناسب مع الفكر الديني.

يبقى أن أصل التضاد بين الرؤية الغربية والرؤية الإسلامية التقليدية هو ان الرؤية الأولى قامت على إعتبار الواقع، متخذة إياه محوراً للتفكير والتنظير، لكنها في الوقت نفسه أبعدت النظر عن كل ما يتجاوز الواقع من أمور الغيب والميتافيزيقا، وهو ما جعلها تفصل بين الحقين الإنساني والإلهي، فعولت على الأول ولم تتقبل الآخر، وبذلك صنعت إشكالياتها بالنظر إلى ما يتطلبه ذلك الحق، وأفرزت جملة من الحقوق متأطرة بثلاثة أساسية عرفت بالحرية والأخاء والمساواة. وهي وإن تطورت فعلاً عبر النظر للواقع والحق الإنساني، لكن تنصلها عن الحق الإلهي جعلها لا تعير أهمية للمسؤولية الأخلاقية العامة واستعاضت بدل ذلك بفكرتها عن القانون المدني وطريقتها البراجماتية، لذلك فشلت في تجسيد المبادئ التي روجت لها، بل ووظفتها لأجل الهيمنة والإستعمار.

أما الرؤية الإسلامية التقليدية فقد راهنت على النظر إلى فوق ومن ثم تمسكت بنظرية (حق الله) أو (حق الطاعة)، ومع أنه كان من المفترض أن يولد هذا النظر طريقاً لخلق ضمير ديني مليء بالشعور الباطني من حمل المسؤولية إتجاه كل شيء، خلاف الضمير المقنن بلوائح القوانين الخارجية كما هو الحال لدى الغرب لإعتبارات القطيعة التي أحدثها مع الغيب والتزامه بالنظر إلى الواقع فحسب، لكن النتيجة كانت معكوسة، إذ كان المفهوم الخاص بحق الطاعة ضيقاً للغاية، بل إنه جاء خلاف الحق المتعلق بالإنسان ومصالحه، فكان النظر لحق الطاعة هو نظر قائم على التعبد الصرف، وأن هذا التعبد كان يتضمن المفاهيم الخاطئة حول نظرة الدين للواقع والإنسان. وبذلك أصبحت الرؤية التقليدية أسوء بكثير من الرؤية الغربية وأخطر منها. وأقل ما يمكن أن تؤدي به هذه الرؤية هي محاولة استصحاب الماضي بكل نزاعاته الضيقة قسراً وجعله هدفاً للتحقيق بلا مستقبل، وبحسب المثل الصيني فإنها تكون متجهة بظهرها إلى المستقبل. وهنا تأتي مهمة المثقف الديني لإصلاح هذه الرؤية واعادة قراءة الإسلام بما يتناسب مع متطلبات الواقع وحاجاته.

على أن للإنسان روحاً حضارية لا تعبّر عن مجرد ثقافة ما قبال ثقافات مختلفة، بل الأهم من ذلك أنها تولد إحساساً وجدانياً إتجاه جملة من القيم، وهو إحساس مركب تنصهر فيه خلاصة روح العصر برمته. فهو مركب متفاوت النسب من الإحساس إتجاه القيم؛ كالدين والوطنية والقومية والطائفية والحزبية والأخلاق والجمال والعلم والمال والحياة والموت وغير ذلك. فلما كان لكل إنسان إحساسات معينة ازاء تلك المعاني؛ فإن مجموعها يعبّر عن إحساسه الوجداني المجمل وروحه الحضارية العامة. وبهذا التحديد تتفاوت العصور حول خصوصية ذلك الإحساس والروح العامة، فربما يطغى على الإحساس روح القومية أو الدين أو الطائفية أو الحزبية أو هجائن زوجية متفاوتة التركيب. فمثلاً إذا ما كان أغلب عصور ما قبل الوعي النهضوي يشهد الروح المذهبية، وهي إحساس بالإنتماء المذهبي وجعله المثل الأعلى في الحياة؛ إعتماداً على النظر الفوقاني من البحث عن ‹‹الفرقة الناجية›› وسط فرق الضلال والهلاك، فإن الروح التي سادت خلال قرني الوعي النهضوي قد أخذت تنحرف كثيراً عما كان. إذ مرت بأدوار مختلفة، تارة بدور الإحساس بالروح القومية وأخرى الحزبية والوطنية وثالثة بالإسلام مع ضميمة بقاء شيء من الروح المذهبية، أما الروح الإسلامية الصرفة فهي غريبة على واقعنا حتى يومنا هذا.

ويتبين مما سبق ان التحولات التي حدثت في عصر الوعي النهضوي مقارنة بما قبلها هي تحولات جذرية. فهناك تحول من جهة روح العصر، إذ كانت الروح فيما قبل الوعي النهضوي تتجلى بالبحث حول إشكالية (حق الله) أو (حق الطاعة)، بينما في عصر الوعي النهضوي أصبحت تدور حول إشكالية (حق الإنسان) أو (المصلحة). كما كانت الروح الحضارية للإنسان في الأولى روحاً مذهبية تتجلى بأقصى أبعادها في إتباع ‹‹الفرقة الناجية›› وسط فرق الضلال، بينما هي في الثانية متوزعة بين جملة أرواح أبرزها الروح الإسلامية - الممذهبة - والقومية والوطنية. كذلك إن الإشكالية التي كانت تعالجها في الأولى هي إشكالية (العقل والنص)، بينما أخذت في الثانية تتحول بشكل أو بآخر إلى إشكالية (الواقع والنص). وايضاً فإن طريقة السير الفكري في الأولى كانت تنزيلية هدفها ‹‹تديين الواقع›› باضفاء صبغة الدين على الواقع وجعل الدين واقعاً، بينما هي في الثانية تصعيدية هدفها ‹‹توقيع الدين››، بإضفاء صبغة الواقع على الدين أو جعل الواقع ديناً.

***

إن من الطبيعي أن تواجه أيّ نهضة صراعاً وجدلاً بين خط يريد إبقاء كل ما كان على ما كان، وبين رفض مضاد لما كان، وبين محاولة تجديد وإصلاح ما كان لما ينبغي أن يكون. إن مثل هذا الصراع قد حصل منذ ظهرت وتبينت معالم ما يسمى ‹‹النهضة الحديثة›› في بلادنا الإسلامية والعربية. فهذه الخطوط هي ما مثلت اتجاهات كل من الفقيه والمثقف العلماني والديني. وقد شهد محمد عبده على أن جسم الأمة الاسلامية في عصره كان منقسماً بين فئتين عظيمتين هما ‹‹طلاب علوم الدين ومن على شاكلتهم، وطلاب فنون هذا العصر ومن هو في ناحيتهم››، لذلك جاءت دعوته مخالفة لكل منهما[8]. وأحياناً يُخيّل للبعض في بعض الفترات أنه لا يجد بين الناس في الغالب إلا صنفين: متدين جاهل أو عاقل متهتك. وكما أنشد أبو العلاء المعري بيتاً من الشعر:

إثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دين، وآخر دين لا عقل له

وكأن الحلقة المفقودة هي حلقة المثقف الديني الذي بوسعه أن يشكل وسيطاً بين الطرفين المتضادين، وأن يكون جامعاً لجملة من إعتباراتهما. ومع ذلك فقد أظهر المثقف الديني رواجاً وإتساعاً؛ لا سيما في العقود الأخيرة، تارة بنحو من الإستقلالية الفكرية، وأخرى عبر التنظيمات السياسية وكذلك الحركات الثقافية.

لقد أفرز الواقع الحديث الكثير من المشاكل وجعل الصراع مستعراً بين الإتجاهات الثلاثة الآنفة الذكر، وهو صراع ليس بمستوى واحد. فالصراع بين اتجاهي الفقيه والمثقف العلماني هو صراع خندقين متضادين لا يجمعهما جامع. أما الصراع مع المثقف الديني فهو صراع قابل لأن يتنوع بحدود وسطية لا تتناهى، فقد يقترب هذا المثقف من الفقيه إلى الدرجة التي يصبح فيها ضمن خندق واحد ضد المثقف العلماني، كما قد يقترب من المثقف العلماني إلى الدرجة التي يصير فيها ضمن خندق واحد ضد الفقيه، كما قد يتباعد عن هذا وذاك بلا حدود، وهو كلما اقترب من أحد الخندقين السالفي الذكر كلما تباعد في الوقت ذاته عن الخندق الثاني، والعكس بالعكس. فللمثقف الديني صور وسطية كثيرة، وبالتالي تبرز المشكلة المتعلقة بالنموذج المثالي المطلوب لهذا المثقف، فهل يتحقق المطلوب باقترابه من الأول أم الثاني أم يبقى في الوسط المتعادل وإلى أيّ حد؟

والوسط بهذا الاعتبار قابل لتقمص سلوك المفكر الحر؛ فيحمل قلقاً فكرياً وحرية نسبية قد ينطبق عليه ما يصدق في الفيزياء الجسيمية من مبدأ الإرتياب (عدم اليقين) لهايزنبرغ، حيث لا يمكن تعيين موضع الجسيم واندفاعه معاً، فتحديد أي منهما يكون على حساب الآخر، وكلما كانت محاولتنا للكشف عن ذلك أكبر؛ كلما كان جهلنا به أعظم. وطبقاً لهذا المبدأ يصعب تصنيف المثقف المشار إليه؛ لما له من قابلية على التغير والتذبذب داخل مساحة الوسط التي يتحرك ضمنها، فأي تصنيف له في خانة محددة او قائمة معينة انما تكون على حساب الدقة في قابليته على التغير، كما أن أي تحديد لهذه القابلية انما يكون على حساب الدقة في تصنيفه فعلاً. فهو المفكر الحر!

ومع أن القرن التاسع عشر شهد سطوة الفقيه بإعتباره امتداداً طبيعياً لقرون ما قبل الوعي النهضوي، إلا أن قانون الحياة يميل إلى الوسط الذي يقف برجل يسندها إلى التراث، وأخرى نحو الحاضر والمستقبل. فهو القنطرة التي تعمل على تقليص التباعد بين الإتجاهين المتطرفين.

لقد كانت السمة البارزة في الإتجاه الوسط هي العمل على تطويع التراث والنص الديني إلى ما يخدم مصالح الحاضر، بفعل الضغوط التي فرضتها الحاجات الزمنية وتطورات الواقع. لكن حيث لم تكن هناك قواعد تضبط هذا التطويع وعلاقته بالواقع لذا فالصراع يبقى مستمراً، فما ان يطرأ تحول ظرفي جديد حتى يتحول بعض من الإتجاه الوسط إلى إتجاه قريب من أحد الطرفين المتضادين، وهو ما يستدعي الصراع مع الوضع الجديد. وهنا تضيع حالة الوسطية خلف الصورة الزئبقية للمثقف الديني. فمثلاً أن كلاً من محمد عبده وتلميذه رشيد رضا يمثلان الإتجاه الوسطي للمثقف الديني، لكن بينهما تباعداً واضحاً، وهو أن رشيد رضا أقرب إلى عقلية الفقيه مقارنة باستاذه الشيخ، حتى قيل أنه قد تراجع إلى السلفية بعد وفات شيخه مطلع القرن العشرين. أما الذين تتلمذوا على رشيد رضا وتأثروا به فقد كان الكثير منهم أكثر منه قرباً إلى عقلية الفقيه السلفية وأشد إبتعاداً عن عقلية الشيخ الإمام الإنفتاحية، وعلى رأس هؤلاء محررو مجلة (الهدي النبوي) السلفية. وإلى هذا اليوم ليس من الممكن معرفة حدود الوسطية التي تطلقها الإتجاهات الدينية على نفسها رغم إختلافها وتفاوت حالاتها الزئبقية.

إذاً فالنهضة الحديثة، مضطربة فلا هي تقليدية صرفة ولا هي تجديدية، إذ تارة تتخذ صورة التجديد وأخرى صورة التقليد وبتبريرات مختلفة، قرباً وبعداً من طرفي التضاد. ولا شك أن هذا الإضطراب لا ينتهي ما لم يُتفق على نسق مناسب تتم فيه عملية تقنين وتقعيد العلاقة بين النص والواقع، وذلك بأخذ إعتبار حالة الجدل المتولدة من عملية التوفيق بين هذين العنصرين. فمن افرازات الصراع الدائر بين الإتجاهات الثلاثة ظهور بعض الإشكاليات النظرية التي طبعت فترة النصف الثاني من القرن العشرين. فقد أخذت الإشكالية التي أُطلق عليها (التراث والحداثة) أو (الاصالة والمعاصرة) مكانة من العقل العربي الإسلامي لم تأخذه أيّ إشكالية أخرى خلال قرني الوعي النهضوي. وهي إشكالية تعبّر عن الصراع بين الإتجاه الذي لجأ إلى التراث لاسقاطه على الحاضر، والإتجاه الذي لجأ للحداثة الصرفة ليصبغ الماضي كله بها، أو يتركه وشأنه، وكذا الإتجاه الوسط الذي وقف بين الأمرين ليوفق بينهما. ورغم أن هذه الإشكالية قد طوعت في الغالب نحو ايجاد مخرج وسط لعملية توفيقية بين طرفي التراث والحداثة إلا أنها مع ذلك ظلت دائرة في حلقة مفرغة لا تحرك ساكناً، والمتوقع أنها ستظل كذلك ما لم يتم تجاوزها كلياً. فالأسئلة المطروحة التي تتكرر مثل: كيف نتعامل والى من نلجأ ؟ إلى التراث والأصالة؟ أم إلى الحداثة والمعاصرة؟ أم لا بد من التوفيق أو التلفيق بينهما؟.. فهذه الاسئلة ليس لها عند التحقيق من معنى ما لم تتم دراسة أمرين معاً: فمن جهة لا بد من تحديد الطريقة الصالحة لفهم الإسلام، إحتكاماً إلى علم يعتني بالجانب المنهجي لهذا الفهم. كما لا بد من البحث في الواقع وحيثياته. إذ التراث المقصود به أساساً هو الإسلام ذاته كدين، والحداثة المقصود بها ما نعيشه من حاضر بكل ما يزخر به من منجزات وافرازات. وبالتالي فإن عمليه حياكة غزل خيوط الطرفين التي افرزتها تلك الإشكالية، إنما تعني محاولة التوفيق بين الدين والواقع؛ بين الإسلام الذي نتعبّد به، والواقع الذي نعيشه.

 

..........................

[1] دنيس كوش: مفهوم الثقافة في العلوم الاجتماعية، ترجمة منير السعيداني، مراجعة الطاهر لبيب، منظمة العربية للترجمة، بيروت، الطبعة الأولى، 2007م، ص19، عن مكتبة الموقع الإلكتروني: www.4shared.com.

[2] برهان غليون: تهميش المثقفين ومسألة بناء النخبة القيادية، دراسة ضمن: المثقف العربي همومه وعطاؤه، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، 1995م، ص91.

[3] أنور الجندي:الفكر العربي المعاصر، ص 64 و117 و150 وما بعدها.

[4] الفكر العربي المعاصر، ص510 وما بعدها.

[5] قاسم أمين: الأعمال الكاملة، تحقيق محمد عمارة، دار الشروق، الطبعة الثانية، 1989م، ص119ـ120.

[6] قاسم أمين: الاعمال الكاملة، ص350ـ355.

[7] المصدر السابق، ص512.

[8] الأعمال الكاملة للامام محمد عبده، حققها وقدم لها د. محمد عمارة، المؤسسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، الطبعة الثانية، 1980م، ج2، ص318.

 

خاص بالمثقف

..........................

عودة الى ملف

ملف: المثقف والانتخابات .. الدور والمسؤوليات

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2763 المصادف: 2014-03-30 10:35:49