ملف - المبدع محمد خضير بين رؤيتين ..

ملف: المبدع محمد خضير بين رؤيتين (5) محنة الورّاق .. مراجعات غير مطمئنة لعالم القاص محمد خضير

ryad_alasadiكتب الشاعر السوري ادونيس ذات مرة في وصف الكتابة على أنها حمض نووي يجتاز الحاليين ليصل إلى السادة الأسلاف، وهي في هذا المنظور تعدّ فعلا لا مهرب منه بالنسبة لأولئك الوراقين

 الذين أُخذ الحمض النووي من ظهورهم: إنهم الأسلاف في النهاية، وليس ما هو قائم.. وليس ما هو ضاغط على الحياة الإنسانية أيضا، فلا حلّ إلا في الورق، والورق وحده غالبا: مهنة قد تجلب مزيدا من الخبز أحيانا فلم تعد مواقف زوجة سقراط صحيحة في عصر دهاقنة النفط والأمراء من رعاة الثقافة!

ربما لم يعد محمد خضير - بعد تجارب كتابية طويلة وشبه متنوعة- صاحب "الرقم القياسي" في قراء النخبة الأدبية والثقافية في العراق إلى حدّ ما - كما كان في عقد السبعينات من القرن الماضي- وتلك مسألة تؤرق القاص الكبير الذي تحول إلى (وراق) بعد سلسلة من المعاناة الكتابية، وبعد أن كونت (كراسة كانون) - للوراق محمد خضير!- والتي أريد لها أن تكون (رواية حداثوية) فضيحة فنية.. ربما يعود ذلك إلى تغيير الرؤى الكتابية للكاتب وكثرة تجاريبه القرائية بعد أن غادر الحياة المرئية إلى اللامرئية، بعد مجموعته القصصية المهمة (في درجة45مئوي) ليكتب من قراءاته فحسب؛ وبما يؤدي إلى تماس شراري مع تجارب كتابية عالمية مختلفة (تناصات وتلاقحات!)، فضلا عن الاطلاع الدائم على مدارس نقدية عالمية متنوعة تترى على حياتنا الثقافية من حين لآخر. ثم محاولاته شبه الدائمة في التفلت من (قبضة) معينة للتحول إلى قبضة أخرى. فيظن القاص محمد خضير غالبا أن (القبضة) القادمة حلم آخر، أكثر منها قبضة (واقعية)، وهي أكثر راحة من غيرها: هكذا يخيل له لأول وهلة يجلس فيها وسط عالم يهطل بالأمطار الحامضية، لكنه لا يلبث بعد مدة من الزمن، غير طويلة، حتى يكتشف بلادة الأصابع الضاغطة على رقبته وقلبه والمغمضة لعينيه غالبا في النهاية كتب محمد: ليس ثمة عالما (مأنوسا):" إنهما عالمان متجاوران، جيشان أسطوريان، ممدودان بخرافات لا إنسية" هكذا يفترض محمد خضير العالم ليقسمه ببلطة الميناتور: عالم يسكن فيه مع ثلة من الوراقين - غير الأسوياء عقليا أحيانا- في (مشاغل) مختلفة الأقاليم والجنسيات، كوسموبوليتي، وعالم تسكنه الوحوش الآكلة للحم البشري من العضويين القدامى: المتمركسين و(القومجيه) و(المتأسلمين) مقابل عالم من المتعولمين - طبعا- الذين يرفضون العضوية الوطنية الطبيعية حتى! ولذلك تبقى مجرد (أحلام × أحلام!) إذ ليس ثمة معقولية فنية في ذلك؛ لأن العالم واحد مهما حاولنا تجزئته في أذهاننا الصحية أو غير الصحية.

ورغم ذلك فإن خضير لم يجرب قبضات السادة الشرطة السرية القوية دائما السابقة والحالية - على حدّ علمي!- إذ لا تسامح مع الهاربين من القبضات طوال التاريخ الإنساني. من هنا فإن الخروج عن البناء الجمالي لعالم (قبضاوي) غير منظم ووضعه في سيناريو سرد (فيلم ورقي) جيد وجديد بمقاييس (سد فيلد)(*) وحائز على جائزة عالمية كالبوليتزر أمر صعب المنال دائما بالنسبة لقاص يسكن مدينة أقل ما يقال عنها أنها قرية قروسطية كبيرة، إن لم يكن التفلت مغامرة غير محسوبة النتائج على مستوى الجمال والفن والرؤية. 

وقلما يدلي القاص محمد خضير برؤيته حول ما يدور من أوضاع في هذا العالم المتسارع الغريب الذي نحاول ككتاب أن نجعل منه منظما ومفهوما إلى حدّ ما، ولا يعود مثل هذا الأمر إلى (عجز) الكاتب عن المتابعة لما هو حاد وشاذ ومهلك في عالمنا المتوحش، بل إلى رغبته الجامحة أحيانا في أن يكون واحدا من أولئك البوذيين المتأملين الجدد أو الزهاد الساكنين حيث يسكن حدائق من الأفكار (الوجوه) التي قد تغوص في عالم صوفي أيضا، دون أن يمتلك القاص عدته وعتاده الكافيين للغوص في ذلك الاوقيانوس المتلاطم إلا رغبة في التفلت من قبضة سابقة  – كمهرب من الواقعية الحادة التي عرف بها- وقد نصب القاص نفسه بستانيا مخدرا ليتجول بحرية في حدائق مزيفة من ورق.

وقبل أن تكون تلك التجارب قريبة من قلعة الأحداث الرهيبة والجسام التي تضغط عليه يوميا ليتحول غير مأسوف عليه إلى (مهارب) غير مطمئنة ومخطط لها سلفا لسبر عوالم ورقية لا نهاية لها ولا بدّ منها أحيانا في تلك المنهجية المغرية؛ فيحاول محمد خضير في كل رحلة من رحلاته السندبادية أن يكون بعيدا عما هو مألوف وجار ومحتمل من أجل السيد التجريب والتجريب وحده للتفلت من القبضة دائما.

وفي مقالة القاص محمد خضير: خارج العاصمة: المثقف اللاعضوي (اللامنتمي) تطرح المحاولة في إزاحة المثقف العضوي دون أن يقدم توصيفا علميا واضحا له ثم أنه بعد كل تلك الجرأة غير المعهودة عن القاص محمد خضير يكتب:" ما الحل لإزاحة هذه الإشكالية الشبحية؟" فالرجل ببساطة بعد أطروحة مهمة لا حلّ لديه!! وبلا إجابات مطمئنة وغير واضحة أيضا. فالكاتب نفسه ينهي رؤاه بتساؤل.. ومن الغريب أن القاص خضير يرى أن المثقف العضوي خارج التاريخ؟! في حين إن المثقف العضوي – كما أرى- يتعكز على التاريخ والتراث دائما. ويثير استعمال العضو والعضوي إشكالات كثيرة على مستوى الاستعمال اليومي حتى يتغافل عنها القاص: العضو بالطبع في- البداية- ذلك الكائن المرئي في الشارع كما أنه في الوقت نفسه الكائن الذي تخرج منه كائنات بالتزاوج أيضا.. وهو بالطبع لا يؤنث حتى في المخاطبات الرسمية.. فالعضو في جماعة أو حزب أو جهة الخ..  ولا علاقة مباشرة بين الكيمياء العضوية والكيمياء اللاعضوية طبعا: إنها محض مصادفة اصطلاحية ليس إلا.. لكن ثمة علاقة مباشرة بين الانتماء واللاأنتماء في الوقت نفسه. لا يمكن لأي إنسان أن يكون لا منتميا (غير عضوي) لشيء في هذا العالم؛ مثل هذا الكائن يعد أسطوريا، كم أنه ليس بالضرورة أن يكون المنتمي مجرد ترس في آلة إعلامية ضخمة؟ وما محاولات كولن ويلسون التي أثرت بقوة في جيل الستينات والسبعينات العراقيين إلا طريقة في النظر إلى العالم (كبحوث) غير مدققة غالبا بالنسبة لكتاب ورائين من طرز خاصة؛ وهي بالطبع لا يمكن أن تكون (مشروعات) كتابية في القرن الحادي والعشرين.

ثم يتحول الانتماء لدى محمد خضير إلى غول أفلاطوني تأكل رؤوسه كبار المثقفين والمفكرين في ملحمة دموية مروعة ليستشهد بموقف الشاعر الكبير سعدي يوسف في(الشيوعي الأخير): هذا العمل الذي كوّن ضجة كبيرة لما تزل أوارها قائمة. لكن شهادة الشاعر سعدي يوسف لا تطوح بالعضو المنتمي طبعا بمقدار ما هي إدانة خجولة لأولئك الذين أحالوا الأدب والفن إلى مطايا للايدولوجيات الشمولية. المسألة ليست بهذا التقسيم بين العضوي واللاعضوي بل بين ما هو إنساني وما هو غير إنساني ولا يجدر بأحد ما – مهما كان وراقا حاذقا- حصر الأعمال الفكرية في خانة معينة مغرقة بالذاتانية.    

أنت تستطيع ثلم أنف تمثال موسى، ولكن..

ـــــــــــــ

(*) سد فيلد: سيناريست ملهم وهو يعد واحدا من أهم من كتبوا في مجالهم. للمزيد من العلومات ينظر: كتابه: السيناريو، ترجمه سامي محمد.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1135 المصادف: 2009-10-14 12:25:51