ملف: المرأة والمجتمع .. الطموحات والقابليات

مستقبل المرأة بعد الربيع العربي .. تساؤلات مشروعة

 abdulkhaik husanلمناسبة اليوم العالمي للمرأة بودي ان اطرح السؤال التالي: لماذا المرأة في الشعوب العربية - الإسلامية، دون غيرها من الشعوب، بقيت معزولة عن النشاط العام وينظر إليها نظرة دونية؟

السبب في رأيي كما يلي:

للجغرافية دور مهم في التطور الحضاري وحركة التاريخ والثقافة الاجتماعية (culture). فلو تأملنا المفاهيم والقيم الاجتماعية والدينية والسياسية وغيرها، لوجدنا أنها وليدة الظروف البيئية، والتي بدورها تقرر طريقة معيشة الناس، وعلاقاتهم الاجتماعية، والبحث عن الأمان من الكوارث الطبيعية، أي كما قال كارل ماركس: "ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، وإنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم". لذلك فالظروف البيئية الأوربية الغنية لها دور مؤثر في خلق حضارة إنسانية تختلف كلياً عن الحضارة التي أنتجتها مجتمعات شبه الجزيرة العربية الصحراوية القاحلة. ولأسباب تشريحية وفسلجية، جعلت الطبيعة الرجل أقوى عضلياً من المرأة التي تخصصت بالحمل، والولادة، ورعاية الطفل إلى أن يقوى ويشتد عوده فيعتمد على نفسه.

إن كسب الرزق في الماضي، (وإلى الآن في المجتمعات المتخلفة)، يعتمد كلياً على القوة العضلية، سواء في خوض الحروب بين مجموعات بشرية كالغزو عند القبائل العربية (البدو) في الماضي، أو مجتمعات الصيد وجمع العلف (hunters-gatherers) في مرحلة المشاعة البدائية، ومواجهة الحيوانات الشرسة وقسوة الطبيعة، ففي جميع هذه الحالات كان كسب الرزق يعتمد على القوة العضلية التي هي أقوى عند الرجل مما عند المرأة. لذا فجذور الإجحاف الذي لحق بالمرأة في جميع الحضارات، والصورة النمطية المسيئة لها في جميع المجتمعات البشرية يعود إلى طرق كسب العيش. ولذلك صارت المرأة تعتمد في كسب معيشتها على الرجل مقابل تنازلها له بالقيام بخدمته وإشباع حاجته الجنسية، وإدارة بيته، ورعاية أطفاله وإطاعة أوامره. وفي هذه الحالة ففي المجتمع الذكوري "الرجال قوامون على النساء"، وهم الذين يخلقون القيم والمفاهيم التي تخدم مصالحهم، وتكرس تفوقهم، وتحط من مكانة المرأة. فمثلاً ربطوا الشرف بعفة المرأة كدليل على إخلاص المرأة للرجل لكسب ثقته بها للتأكد منها أنها أمينة على أمواله ومصالحه.

ففي المجتمع البدوي كانت المرأة معرضة للسلب والاختطاف والأسر إثناء الغزوات القبلية، فتؤخذ عنوة ضمن الغنائم المادية الأخرى، و تستخدم كجارية وملك اليمين لمن اختطفها، أو تباع في أسواق النخاسة كوصيفة أو جارية، تجلب العار على العشيرة الخاسرة. لذلك صارت المرأة وفق القيم العربية البدوية "عورة". وهذه المفاهيم والقيم اقتضت تغطية جسم المرأة، ومنها جاء الحجاب والنقاب، وحبسها في البيت "وقرن في بيوتكن".

ولما جاء الإسلام في القرن السابع الميلادي لم يستطع تغيير القيم البدوية كلياً بل تبنى معظمها وخفف من وطأتها بعض الشيء، ولكن على العموم فإن معظم التعاليم الإسلامية هي مقتبسة من القيم البدوية التي كانت سائدة في الجزيرة العربية قبل الإسلام. فمثلاً تغير اسم الغزو إلى فتوحات إسلامية، والسلب والنهب أطلق عليهما غنائم الحرب "الجهاد"، ومنها النساء حيث يتم توزيعهن على "المجاهدين" بعد أن يرسلوا خمسها إلى الخليفة وفق الآية (فأن لله خمسه).

أما في المجتمعات الحديثة، فحصلت التغييرات في وسائل كسب العيش حيث اعتمدت في معظمها على العقل والثقافة والمعرفة والتخصص في مختلف المجالات، مثل الطب والهندسة والعلوم والفنون وغيرها بدلاً من الغزو والأعمال الشاقة التي تحتاج إلى استخدام القوة العضلية. وفي هذه الحالة فقد أثبتت المرأة أنها لا تقل عن الرجل في المجالات العقلية والثقافية، وبالتالي فبإمكانها كسب معيشتها وتحقيق استقلاليتها الاقتصادية عن الرجل. ولكن النظرة الدونية في المجتمعات العربية بقيت لحد الآن، وهي تركة الموروث الاجتماعي البدوي وامتداد للماضي السحيق، إذ لا يمكن التخلص منها بسرعة. وقد وصف المؤرخ الإنكليزي أرنولد توينبي البداوة بأنها (حضارة متجمدة). ولهذا السبب نرى الشعوب العربية التي ضربت القيم البدوية جذورها في العمق بثقافتها الاجتماعية الموروثة (culture) هي من أكثر الشعوب مناهضة للحضارة الحديثة، وتعلقاً بالماضي وتقديسه، خاصة في مجال حقوق الإنسان، والموقف المعادي للمرأة وحقوقها في المساواة مع الرجل.

 

المرأة والاصلاح الديني

لا شك ان الإصلاح الديني يؤثر ايجابا في التحولات الاجتماعية التقدمية، وبالأخص في الموقف من المرأة. كذلك ما يجدر ذكره هو، أن النصوص الدينية المقدسة يجب أن تفسر وفق سياقها التاريخي، فمعظمها نزلت لحل مشاكل معينة لها علاقة بزمان ومكان فترة نزول تلك الآيات القرآنية والأحاديث النبوية.

لقد بقيت المجتمعات الأوربية راكدة تراوح في مكانها لألفي سنة، ولم تنهض إلا بعد إجراء الإصلاحات الدينية في أوائل القرن السادس عشر على يد المصلح الفرنسي جون كالفن، والألماني مارتن لوثر، تزامناً مع حركة النهضة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، والتي مهدت بدورها لحركة التنوير على أيدي الفلاسفة الإصلاحيين في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ولكن المشكلة أن الإصلاح الديني في البلاد العربية يسير ببطء شديد، وأحياناً تراجع، فرغم أنه بدأ في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين على يد المصلحين: جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وعلي عبدالرازق، ورفاعه الطهطاوي، إلا إن حركة الإصلاح هذه أصيبت بنكسة، وحتى بردة إلى الوراء بتأسيس المملكة السعودية المتحالفة مع حركة الوهابية المتزمتة والتي تسعى لإعادة المجتمع إلى القرن السابع الميلادي. وكذلك ظهور الثروة النفطية التي مكنت المملكة في نشر التشدد الديني الوهابي وتأسيس حزب الأخوان المسلمين في مصر عام 1928 على يد الشيخ حسن البنا. ومن مصر انتشرت الحركات الدينية بتمويل السعودية والدول الخليجية الأخرى فيما بعد. وهذه الحركة الدينية المدعومة بالبترودولار تسببت في عرقلة الإصلاح الديني وبالتالي حصلت ردة حضارية في الشعوب العربية والتي كانت المرأة من أكبر ضحاياها.

إن التطور الهائل الذي حصل في تكنولوجية الاتصالات (الانترنت والفضائيات) والمواصلات، والثورة المعلوماتية، والاختلاط بين الشعوب، ساعدت على إيقاظ الوعي لدى الشباب العربي، فكانت حصيلتها ثورات الربيع العربي، والمطالبة بالديمقراطية، وحقوق الإنسان، ومنها حقوق المرأة ودورها في المجتمع. وفي جميع الأحوال لابد وأن تواجه ثورات الشباب معوقات كثيرة، ومحاولة تأخير تحقيق أهدافها، ولكن المهم أن رحلة الألف ميل قد بدأت بالخطوات الأولى، ولا يمكن إعادة الجنِّي إلى القمقم كما يقولون.

من هنا أعتقد من المفيد الاعتماد على القوانين والشرائع الدولية التي أصدرتها منظمات الأمم المتحدة مثل: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، واتفاقية منع التمييز ضد المرأة وغيرها، التي صادقت عليها الحكومات العربية، ولذلك فهي (الحكومات العربية) ملزمة بتطبيقها. كذلك يمكن البحث في النصوص الدينية والعثور على الكثير مما يخدم موقفنا، والاستناد عليها لمحاربة التمييز ضد المرأة. فعلى سبيل المثال لا الحصر، ليس في القرآن أي نص يفرض الحجاب والنقاب، وكذلك قضية تعدد الزوجات، حيث وضع الإسلام لها شروطاً تعجيزية غير قابلة للتطبيق، إذ جاء في الآية الكريمة: "وانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاثى ورباعى، وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة". وفي آية أخرى: "ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم". واعتماداً على هذه النصوص يمكن النضال من أجل منع تعدد الزوجات، فشرط العدالة بين النساء واجب، ولكن في نفس الوقت لا يمكن تحقيقه حتى مع الحرص عليه. كذلك من المفيد فتح حوارات مع رجال الدين الإصلاحيين مثل الشيخ حسن الترابي من السودان، والشيخ أحمد القبانجي من العراق وغيرهما كثيرون، وإبراز دورهم في الإعلام وتشجيعهم في السير بهذا المنهج، مع تجنب استفزاز المشاعر الدينية للمسلمين. لأن أي استفزاز يؤدي إلى الضد من المبتغى، أي إلى المزيد من التعصب والتخندق في الخندق الديني المتزمت.

 

الاصلاح التركي والربيع العربي

هناك انباء عن مبادرة  "حزب العدالة والتنمية" الإسلامي التركي مفرحة جداً وخطوة مهمة في طريق الإصلاح، خاصة وأن هذا الحزب هو إسلامي. وعليه يجب الاستفادة من هذه المبادرات باستخدامها للضغط على الأحزاب الإسلامية العربية لتأخذ من الحزب الإسلامي التركي الحاكم قدوة لها، والسير قدماً على هذا المنهج إذا ما أرادت هذه الأحزاب كسب شعوبها، وإظهار الإسلام بالوجه الإنساني المشرق لمواجهة ما سبَّبه التطرف الإسلامي الوهابي المتمثل بمنظمة القاعدة الإرهابية التي شوهت صورة الإسلام، وجعلت من الإسلام أيديولوجية للإرهاب، ومعادي للحضارة الإنسانية، وشوهت صورة المسلمين في العالم.

وعندما نعود الى  موضوع المرأة والربيع العربي يجب أن نعرف أن الذين قاموا بثورات الربيع العربي هم شريحة من الشباب المتعلمين، العلمانيين وأغلبهم من العاطلين عن العمل، وغير منتظمين في أحزاب سياسية، ولا ثقة لهم بالأحزاب العلمانية التقليدية، يسارية كانت أم يمينية، لأن هذه الأحزاب في رأي شباب الثورة لا تختلف عن الأحزاب الحاكمة المستبدة، وهم يعرفون أن سبب معاناتهم هو فشل الحكومات العلمانية المستبدة في حل مشكلاتهم وبالأخص الاقتصادية والاجتماعية. وقد شاركت المرأة المتعلمة في هذه الانتفاضات بنشاط على أمل تحقيق طموحاتها في المساواة في الحقوق والواجبات. ولكن تبيَّن أن هذه الشريحة المتعلمة العلمانية الواعية لا تشكل غالبية الشعب. إذ أثبت التاريخ أنه كلما تفاقم الظلم والتخلف ينتشر معه الإيمان الديني الساذج ومعه تتفشى الخرافة. واستفادت من هذا الوضع الأحزاب الإسلامية التي روَّجت لشعارها المعروف: (الإسلام هو الحل). حقيقة أخرى جديرة بالذكر، وهي أن الديمقراطية تعني حكم الأغلبية التي تفرزها صناديق الاقتراع مع حق الأقلية في مواصلة نشاطها بحرية لطرح مشكلاتها، وكسب المزيد من الأنصار لها على أمل أن تكسب الأغلبية في الانتخابات اللاحقة.

وبطبيعة الحال، المرأة في المجتمعات العربية والإسلامية تمثل الحلقة الأضعف، لذلك يحاول الإسلاميون مصادرة حقوقها باسم الدين والدين منهم براء. أعتقد أن خيبة أمل المرأة من ثورات الربيع العربي هي مؤقتة، وانتصار الإسلاميين في تونس ومصر هو بداية هزيمة ساحقة لهم في المستقبل القريب. والسبب هو أن مشاكل هذه الشعوب كبيرة جداً وعلى رأسها الانفجار السكاني والتدهور الاقتصادي، والبطالة والتصحر، وليس لدا الإسلاميين أي برنامج علمي واقعي لحل هذه المشاكل، بل ستتفاقم أكثر وأكثر بسبب حكمهم، لذلك فانتصار الإسلاميين هو بمثابة بداية الهزيمة لهم ودق المسمار في نعش الإسلام السياسي. وبهزيمة الإسلام السياسي ستنصر المرأة في تحقيق حقوقها السياسية والاجتماعية.

 

المرأة والقوانين الوضعية

في هذه المناسبة أود الحديث عن معاناة المرأة في ظل بعض القوانين الوضعية، فمثلاإن القوانين التي تحرم المرأة غير المسلمة المتزوجة بمسلم ظالمة بحق الإنسانية، وخاصة بحق الطفل والأم غير المسلمة. وقانون الأحوال الشخصية التونسي الذي صدر في عهد الرئيس الراحل بورقيبة، وقانون الأحوال الشخصية رقم 188 عام 1959 في عهد حكم الزعيم عبدالكريم قاسم في العراق، كان قد حقق نقلة نوعية تقدمية وإنسانية في هذا المجال. والتخلي عن هذا القانون في تونس يمثل ردة حضارية مخزية وفي منتهى البشاعة. لذلك فإذا ما ألغت الحكومة التونسية الجديدة هذا القانون فالمطلوب من العلمانيين مواصلة النضال الدؤوب وتحشيد الرأي العام الوطني والعالمي لمنع هذا الاجراء الجائر. إن حضانة الطفل من حق الأم في جميع الشرائع الدولية إلى أن يبلغ الطفل سن الرشد أي 18 سنة كما في معظم الشعوب، وحينها من حقه أن يستقل كإنسان بالغ يقرر ما يخصه بنفسه وبإرادته الحرة.

أما فيما يخص الإرث، فمن حق الزوجة، المسلمة وغير المسلمة أن ترث زوجها في حالة وفاته. وأي قانون يخالف هذا فهو قانون مخالف لحقوق الإنسان. ونفس الكلام يقال فيما يخص شهادة المرأة في المحاكم، فالمرأة أصبحت اليوم عالمة وطبيبة ومهندسة...أسوة بالرجل، لذا يجب مساواتها بالرجل في جميع الحقوق والواجبات.

لذا بالتأكيد (ان وضع نهاية للأحكام الشرعية القديمة التي فقدت صلاحيتها) هو الحل الصحيح. إذ لا يمكن معاملة المرأة بعد أن حققت البشرية كل هذا التقدم في القرن الحادي والعشرين بقوانين عصر البداوة قبل أكثر من 15 قرناً، حيث كانت المرأة تعامل كبضاعة بلا روح لإشباع حاجة الرجل الجنسية وغيرها. بينما اليوم أثبتت المرأة أنها لا تقل عن الرجل كفاءةً في جميع المجالات العلمية والعملية، لذلك يجب أن تنال من الحقوق أسوة بالرجل. وعليه، فأي قانون يخالف هذه الحقوق يجب وضعه على الرفوف العالية ضمن كتب التراث، أي من المخلفات القديمة التي عفا عليها الزمن، ولأغراض أكاديمية فقط.

 

عبدالخالق حسين

كاتب عراقي مقيم في بريطانيا

 

خاص بالمثقف: ملف: المرأة والمجتمع ... الطموحات والقابليات

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2376 المصادف: 2013-03-08 11:50:27