د. أمير جبار الساعدي
د. محمد فتحي عبد العال
عدوية الهلالي
سلس نجيب ياسين
حسن حاتم المذكور
علي علي
ا. د. فاروق مواسي
احمد بلقاسم

المثقف في حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي (27): المرأة ومعاناة التشريع

majed algharbawi5sara falihaldaboniخاص بالمثقف: الحلقة السابعة والعشرون من الحوار المفتوح مع ماجد الغرباوي، رئيس مؤسسة المثقف، وفيها يجيب على (ق2) من أسئلة الكاتبة والفنانة التشكيلية سارة فالح الدبوني.

 

 س63: سارة فالح الدبوني: نعلم جميعاً بأن المرأة العراقية تحديداً كانت الضحية الأولى جراء الحروب المتتالية التي انهالت على البلد إبان النظام السابق وما تلاها من أحداث وحروب، تركتها ضحية التعب والضياع والقهر والألم مما ضيق دورها الفاعل الذي كان لابد لها أن تلعبه الى جانب الرجل في بناء البلد. فكيف يمكنها بنظركم تتجاوز هذه المحن لتعود المرأة العراقية عضواً فاعلاً في بناء العراق الجديد؟!

ج63: ماجد الغرباوي: حقيقة مرة، فالمرأة العراقية تحمّلت وما زالت القسط الأكبر من تداعيات الحروب والأحداث المأساوية التي اجتاحت البلد، وتركت آثارا نفسية واجتماعية وأخلاقية وثقافية واقتصادية، غيبّت دورها في بناء البلد، لتنشغل بآلامها ومعاناتها ومحنتها. فالحروب تركت المرأة تواجه الحياة لوحدها، فوجدت نفسها أمام حزمة مسؤوليات عليها القيام بها بمفردها، في ظل انعدام الأمن والضمان الاجتماعي، وضمور الخدمات، والعوز المادي، والفقر الاقتصادي، وفقدان الزوج والأبن والأهل، مع انتشار مروّع للجريمة والفساد، وانهيار الدولة العراقية ومؤسساتها. فكيف يمكنها القيام بواجبها إلى جانب الرجل في بناء بلدها، وهي مثقلة بهموم وآهات لا تتوقف؟. فعودتها مشروطة باستعادة وضعها الطبيعي بعد التخلّص من مسؤوليات طارئة لكنها ظلت تلاحقها حدَّ الإرهاق، وتسوية مشاكلها والتخفيف من أعباء التزاماتها الاجتماعية والأسرية. وهنا يأتي دور الدولة في تخفيف معاناتها المادية والأمنية، من خلال دوائر الضمان الاجتماعي والصحي، وتوفير الخدمات. وإعطاء الأولية في الوظائف العامة للمرأة الكفوءة، وتأهيل القطاع النسوي تعليميا، وثقافيا، عبر مراكز مهنية وفنية.

فالمرأة العراقية منكوبة، ولا يمكن معالجة مشاكل هذا العدد الكبير من النسوة بمعزل عن الدولة وخدماتها. كذلك ينبغي للمجتمع القيام بمسؤولياته تجاه المرأة من خلال جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، بل كافة أبناء الشعب، كلا حسب قدرته وطاقته. فتخلي المجتمع عن مسؤولياته الإنسانية محنة ثانية للمرأة المنكوبة، خاصة مع هذا العدد الكبير من الأيتام، والنساء العوانس. وينبغي إبعاد المرأة عن الخطاب الديني، التراثي الذي يحط من كرامتها باسم الإسلام وشريعته، لاستعادة وعيها، وتنمية ثقافتها، كي تتأهل لمستوى حضاري أرقى. فالمسؤولية أولا عليها في تجاوز مِحَنها وعذاباتها، كي تستعيد حضورها وتساهم في بناء بلدها.

وبالتالي، فعودة المرأة اجتماعيا، ومشاركتها للرجل في بناء بلدها يتوقف على أطراف ثلاثة: الدولة، المجتمع، المرأة. فمشكلتها ليست شخصية يمكن تسويتها وتجاوز تحدياتها بمعزل عن بيئتها الاجتماعية، فهي تعيش وضعا عاما محكوما بظروف البلد، وانهيار الأمن والدولة، مع استمرار العنف، وضمور الخدمات والأمن.

 

س64: سارة فالح الدبوني: في ظل الطروحات التي تصدر من بعض السياسيين المُتأسلمين للحد من دور المرأة وللحط من قدرها والتقليل من شأنها وإرساء مفاهيم خاطئة عنها واصفين إياها بشكلٍ غير مُباشر بالضعف وبأنها مسلوبة الإرادة وغير جديرة بالثقة..! ماهي الحلول التي يمكن من خلالها قلع تلك الأفكار المسمومة التي تحط من قدر المرأة في وقت يكون فيه العراق أحوج ما يكون إلى جميع الأيادي الفاعلة بنسائه ورجاله؟؟!

ج64: ماجد الغرباوي: ليست معاناة المرأة مقتصرة على موقف المتأسلمين فقط، بل تعاني المرأة من قيم اجتماعية، قبلية، ذكورية، سلطوية، قابعة في أعماق العقل العراقي، وهي قيم متوارثة تاريخيا. فلا يمكن تصحيح نظرة الرجل للمرأة ما لم تفكك تلك القيم ويعاد بناء العقل العربي عامة والعراقي خاصة وفق قيم إنسانية، بعيدا عن ثقافة الذكورة والعنف والتسلط. فمثلا الملازمة بين المرأة والقصور الذاتي واضحة في نظرة الفرد والمجتمع، وطريقة تعاملهما، وأسلوبهما في مخاطبتها. فتجد النظرة الدونية تتقافز عبر كلماتهم ونظراتهم لا شعوريا. فالرجل لا يحتاج ما يفسر خطأها، لأنه ملازم لكينونتها. وهي نظرة عامة، يعي دلالتها المتلقي. ولا يمكن التخلّص منها، ما لم يتخلَ المجتمع عن ثقافته وقبلياته وأحكامه الجاهزة عن المرأة، عبر نقد متواصل ينهض به المثقفون المستنيرون، من السيدات والسادة، من خلال كل الوسائل المتاحة: (الكتابة، الأدب، الفن، السينما، المسرح، وسائل التثقيف العامة). كما ينبغي للدولة نقد تلك الثقافة واستنبات ثقافة أخرى عبر المناهج الدراسية، ووسائل الاتصال الحديثة. وهذا يحتاج إلى وعي متقدم بالمرأة وأهمية مكانتها الاجتماعية. فتجد نصف المجتمع معطّلا أو مشوّها بسبب ثقافة سقيمة لا تغادر وعي الفرد والمجتمع..

 

س65: سارة فالح الدبونيِ:ِ مارأيكم باقتراح برلماني يدعو للتعدد رغماً عن الزوجه الأولى وإقصاء رأيها تماماً، ويطالب بعودة أحكام النشوز، بعد طمرها منذُ عقود، ونحن اليوم في العام السابع عشر للقرن الواحد والعشرين؟؟!!!!

وتحيةٌ وتقديرٌ واحترام لشخصكم الموقر استاذنا الفاضل الكبير ماجد الغرباوي..

ج65: ماجد الغرباوي: في السؤال أكثر من نقطة، ينبغي مقاربتها:

 أما بالنسبة لمقترح تعدد الزوجات، فهي دعوى لرفع الحظر عن تعدد الزوجات، الذي تم بموجب تشريع برلماني مسبق. فالأصل هو التعدد ضمن القانون العراقي قبل حظره. وسيرفع لوجود من يؤمن بتعدد الزوجات، وهم الأغلبية. فكل شيء يتحرك قانونيا في ضوء الشريعة الإسلامية، لأنها أحد مصادر التشريع في الدستور الحالي. مع وجود بند يمنع أي تشريع يتعارض مع أحكام الإسلام. ويقصد بالشريعة خصوص الآراء الفقهية. وهي منحازة للتعدد مطلقا. ولا يشترطون إذن الزوجة الأولى وإرضائها إلا من باب الإحسان. والأمر ذاته ينطبق على أحكام النشوز.

أجد الأجواء التشريعية تتجه صوب فرض أحكام فقهاء المذاهب الإسلامية على القوانين العراقية. فقد طالبت بعض الجهات قبل فترة تطبيق: "قانون الأحوال الشخصية الجعفرية". و"قانون القضاء الجعفري الشرعي". وستتواصل المطالب حتى يطمئن الإسلاميون من أداء رسالتهم الدينية بفرض أحكام الشريعة الإسلامية. فهم أساسا لا يؤمنون بالديمقراطية وما يتمخض في ظلها من قرارات، ويرفضون أي تشريع وضعي، ويحصرون التشريع في منطقة الفراغ بالفقيه. ينسب لأحد مراجع الشيعة، وهو الشيخ اليعقوبي، كلاما صريحا عن موقفهم من الديمقراطية، إذ يقول: (حينما نطالب بالانتخابات لادارة العملية السياسية فلا بد ان نلتفت الى هذه الحقيقة المهمة بأن هذه الطريقة ليست هي القاعدة في حكم الأمة المسلمة وإنما هي الاستثناء الذي نلجأ إليه عند وجود المانع من اجراء القاعدة كأكل الميتة الذي يحل عند الضرورة). فهم مضطرون حتى حين.

نعود لتعدد الزوجات، بحثا عن مبرراته. فهل التعدد مشكلة أم حل من وجهة نظر إسلامية وقرآنية؟.

 الدين لم يفرض تعدد الزوجات، وآياته تسعة للحد من إسراف الرجل على حساب المرأة والبيت والعائلة. فينبغي قراءة الآيات في ضمن سياقها التاريخي، وفي ضوء خلفيتها الاجتماعية مقارنة بما قبل الإسلام. فتحديد عدد الزوجات ليس مشكلة، مع أصلة التعدد، بل هو جزء من أعراف وتقاليد المجتمع العربي. والعلاقة بين الرجل والمرأة مرت بأدوار مختلفة عبر التاريخ، فكان التعدد نصيب الرجل، والمرأة تحتفظ بعدد من الأزواج، تارة يكونون أخوة، كما في الملحمة الهندية الشهيرة " بمهابهاراتا". وأيضا هناك تعدد الزوجات وهو الأصل في جميع الشعوب، ثم اختص الرجل بزوجة واحدة، ضمن سياقات التطور الاجتماعي، في بعض المجتمعات التي تلتزم التعاليم المسيحية.

لا ريب أن السعادة تتحقق مع امرأة واحدة يحبها الرجل وتحبه. ولا شك أن المرأة لا تطيق أي شريك، سواء امرأة أخرى أو جارية. والشريكة تفسد الود والحب وتنغّص حياتها. غير أن نظرة الإسلام تمتد لتشمل المجتمع بكل تفاصيله، وما دام تصدى لتقديم نظام يعالج مشاكل الإنسان وحاجته، فحري به أن يقدّم معالجة كاملة وللجميع على السواء.

الإسلام لا يتنظر للطبيعة البشرية، ويسعى لتهذيبها وضبطها، وهو بصدد معالجة حالات تعتري الرجل، من أجل مجتمع نظيف، عفيف، حينما لا يرتوي جنسيا، أو يواجه منغصات في معاشرته، أو زوجته مريضة، قد تعاني برودا جنسيا، أو بلغت سن اليأس، خاصة المبكر. وهي حالات كثيرة. كما هناك مشاكل اجتماعية، تطالب بحلول منصفة، كالعنوسة، وشحة الرجال بسبب الحروب، أو الأرامل في ريعان الشباب. وهناك جشع الرجل وعينه التي تمتد لكثيرات. كل هذه الأمور تحتاج إلى معالجات جذرية، كي يحافظ الرجل على عفته وصلاحه واستقامته، فالتشريع يقرأ في إطار الهدف الكلي للدين، ويبدو مشوها عندما يقرآ بمعزل عنه، وعن خلفيته الاجتماعية والثقافية. فلماذا نرتضي السبل المنحرفة، ونرفض الطرق السليمة لحل الأزمات؟. صحيح ما من حل إلا وفيه تبعات، وجور، لكن التشريع ينحى باتجاه العدالة وليست المساواة لتعذرها في هذه الحالات.

يطمح الذكرعادة إلى إباحية جنسية، يعاشر من يشاء ويهجر من يشاء من النساء .. بينما الإسلام يكافح من أجل مجتمع نظيف، مجتمع عفيف، مجتمع خالٍ من الفساد والإباحية لتفادي مفاسد أخلاقية واجتماعية وصحية جمة. إذا لابد من حل متوازن، يحفظ سلامة المجتمع، ويلبي حاجات الاضطرار، فتعدد الزوجات تفرضه الضرورة أحيانا، لكن بشروط أشبه ما تكون تعجيزية. وعندما تدفع الضرورة الرجل للزواج بثانية، لا شك أن زوجته الأولى تتفهم موقفه وحاجاته، فهي لا تحقد عليه، خاصة إذا كانت تحبه حقيقة.

أما في حالات الترف، وعدم الحاجة سوى الدافع الجسدي، فهذا اللون من الزواج اضطهاد على حساب الزوجة الأولى ومشاعرها، ويتعذر معه شرط العدالة في التثنية. ولا نجازف إذا قلنا بحرمته، ولو بعنوان ثانوي، في ضوء الآية الكريمة. ووفقا لمبادئ القرآن الكريم في العدل والإحسان، وحرمة الاضطهاد والاعتداء.

ثمة قضية أخرى، صحيح أن الغرب لا يسمح بتعدد الزوجات لكن يسمح للرجل ريادة دور الدعارة، ولا يحق للزوجة إقامة دعوى قضائية بتهمة الخيانة الزوجية. فتفشت الرذيلة بشكل رسمي، وتفككت العائلة، وعاشت المرأة حرمانا عاطفيا، يضطرها التلفت يمينا ويسارا، بينما الإسلام وضع حلولا مقيّدة عندما رفض السلوك المنحرف. فالغرب يعترف بحاجة الرجل للجنس، ويعترف أن الزوجة قد لا تشبع رغباته الجنسية، لذا غض الطرف عن ممارسته للجنس خارج إطار الزوجية.

ما أريد قوله، إن التعدد موجود في كل العالم بصور شتى. غير أن الإسلام قننه وضبطه في حالات الضرورة، وليس مطلقا. قال تعالى: "فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً". وفي آية أخرى: "وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا". فالعدل كما جاء في السؤال قد يكون شبه مستحيل، لذا استفاد من هذا الشرط من أفتى بعدم جواز الزواج بأكثر من واحدة. ولعله حكم صائب لولا الآية التالية التي رتبت حكما آخر مع عدم تحقق العدل وهو أن لا تترك الأخرى كالمعلقة، فتهمل إهمالا كليا، لتفادي السلوك العدواني. وتعود الآية تحث على الصلح مما يوحي ان القرآن مع زوجة واحدة في كل الأحوال. وليس الصلح سوى تجنب التورط بزواج ثانٍ. وهذا يؤكد شرط الضرورة فيه.

فالتشريع إذاً قنن سلوك الرجل بعدد من الزوجات، للحد من تماديه، بعد أن كان قبل الاسلام ينكح ويتزوج ما يشاء بلا رادع شرعي أو أخلاقي، وطالما يكون التعدد على حساب باقي الزوجات ومختلف حقوقهن. فجاءت الاية: (َانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً) لكن بشرط صارم كما تقدم، أن تتحقق العدالة. وكلمة "ما طاب" هنا ليست للتعدد فلا يستفاد منها الحث على التعدد، وإنما للنساء. أي ما طاب من النساء، فهي صفة لنوع المرأة. فالمحصلة النهائية زوجة واحدة، وشرط التعدد تعجيزي، وقد يذهب الفقيه المنصف لحرمة التعدد لولا آيات أخرى تؤكد جواز التعدد، كآية عدم جواز الجمع بين الأختين: (وَأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ). وآية: (وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَ‌صْتُمْ). إضافة إلى سيرة الرسول، الذي تزوج أكثر من واحدة في وقت واحد. وخصوصيته في العدد لا في أصل التعدد، فإنه عام، شامل، له ولغيره.

ينبغي التنبيه أن آية التعدد جاءت في سياق الزواج من نساء اليتامى، حيث كان الرجل يستغل ضعفهم، فيسرق أموالهم أو يستبدلها بالأدنى، ويتزوج ما شاء من نسائهم، بشكل يرهقه التعدد ماليا فيقصّر في حقوقهن. لارتفاع النفقات بارتفاع عدد الزوجات، فطالبته الآية حينما لا يكون قادرا أن يكتفي بالأربعة، وحينما يعجز عن العدل فواحدة. فالتعدد يتطلب شرطين: الأول الإمكانية المادية القادرة على تسديد نفقات العائلة، والعدالة التي يتوقف عليها توازن علاقة الرجل بزوجاته. والا فواحدة. (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا). فتقيد النساء باليتامى. والانصراف لغيرهن ليس ظاهرا، كما ذهب لذلك كثيرون.

الإسلام لا يريد  أن يكون كالديانات التي تحرّم تعدد الزوجات فتجد الرجل مسكونا بالخيانة، والتعدد اللامشروع كما تقدم، بل أن نسبة الخيانة الزوجية بوتيرة تصاعدية خاصة بعد تطور وسائل الاتصال الحديث وسهولة الالتقاء عبر الشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الاجتماعي، أو التواصل عبر الهواتف النقالة، والمحادثات عبر الميسنجرات، ودور الدعارة، والعلاقات المنفتحه بالشارع والعمل والدراسة. لكن لا أحد ينتقد هذا التعدد، ويعتبرونه حقا طبيعيا، بينما ينتقد الاسلام لأنه اعترف بهذه الحالة وقننها، واعترف بضعف الرجل، وحاجته في بعض الظروف لامرأة ثانية، فبدلا من الإباحية المطلقة والتمادي، وما يترتب عليهما من مفاسد اجتماعية وصحية واقتصادية قنن علاقته بالمرأة. لكن للاسف المقاييس الاخلاقية تغيرت.

صحيح أن شراهة الرجل لا حدود لها، والمتمادي لا تحده الحدود، ولا تؤثر به الأخلاق. لكن الأمر يختلف من إنسان إلى أخر. والحلول لا تعني عدم الاستثناء.

ثمة سؤال: هل نجح تعدد الزوجات في الحد من إباحية الجنس قبل الإسلام؟ وماذا عن حرية التمتع بملك اليمين والإماء بلا قيد ولا شرط من حيث أعدادها؟ وكيف نفهم عقود الزواج المختلفة التي ظهرت فيما بعد، كالمسيار والمتعة ؟ أليست هذه إباحية واضحة، وخروج صريح على التعدد المحدود بأربعة؟

ثمة فرق بين الزواج والجنس كحاجة غريزية، فطرية لدى البشر جميعا. وعندما ندقق في سياق الآيات، نجد الشريعة اهتمت بخصوص الزواج، كمنظومة علاقات اجتماعية، تترتب عليها حقوق والتزامات. ولم تهتم بالجنس باعتباره متحققا تلقائيا. فالزواج أكثر من الجنس وعدم ممارسته لأي سبب، لا يفقد العلاقة الحميمة، والترابط الأسري مصداقيته. فهو مجموعة حقوق وواجبات، والتقنين ضمان لهما. وهو نوع من الحماية عندما ألزمت الشريعة الزوج بالإنفاق، وتوفير ظروف العيش الكريم لنسائه وعياله. فالتشريع كان ناظرا للحقوق والواجبات، لحماية النساء وذات الكيان الاجتماعي، وليس ناظرا لخصوص الجنس. لذا يستطيع الرجل ممارسته مع زوجاته ومع ملك يمينه "الجواري" في آنٍ واحد. وهذا اعتراف صريح بحاجة الرجل للجنس، لأسباب تتعلق برغبته وطبيعته وشبقه، وطاقته الجنسية، وتنوع الإثارة، وغير ذلك. إضافة لابتذال الجنس في مجتمع العبيد آنذاك. فالإسلام نجح من خلال تشريعاته في تقنين الزواج، وتوفير الحماية اللازمة للزوجة، كي لا تخسر حقوقها.

إن اباحة الجنس خارج إطار العلاقات الزوجية كان محصورا بملك اليمين "الجواري"، كواقع اجتماعي كان سائدا قبل الإسلام. والعاجز عن الزواج مطالب بالعفة والصبر، (وليستعفف الذين لا يجدون نكاحًا حتى يغنيهم الله من فضله). وللزاني المتمرد على شروط الزواج عقوبة الرجم. فلا اباحية مطلقة، لولا زواج المتعة، الذي جاء بعد اندثار مجتمع العبودية، ليشرعن اباحية متعة جنسية، ضمن شروط سهلة متهاودة تبيح ممارسة الجنس بأقصى مدياته. بدلالة الآية: (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمَّى فَآتَوْهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً). دون التدقيق في أسباب نزول الآية والظروف التي سمحت بهذا القدر من ممارسة الجنس؟ وهل حقا ما زال موضوع الحكم فعليا ليكون الحكم فعليا مطلقا؟ هذا الذي يهرب عن جوابه الفقهاء، هذا هو المسكوت عنه، والمتستر عليه، من خلال تشبث مرير بإطلاق الآية. فالآية نزلت في ظرف استثنائي، في مقطع زمني محرج، يتعذر معه الزواج ضمن شروطه، فربما أُخذ الحكم على نحو القضية الخارجية، فينتفي الحكم بانتفائها، فما عادت الضرورة ذاتها. خاصة للمتزوج، مع عدم وجود مانع من مواقعة زوجته. قد تضطر الظروف الأعزب العاجز عن الزواج لعقد زواج مؤت (المتعة)، لكن لماذا يباح للمتزوج التمادي بممارسة الجنس على حساب زوجاته باسم الدين والتشريع؟.

فالجنس حاجة فطرية، تؤثر سلبا على سلوك الإنسان حينما تغلق بوجه جميع الأبواب، خاصة في الظروف الاستثنائية، فيلجأ لأساليب منحرفة، وينزلق في متاهات الرذيلة، ويبقى مرهقا نفسيا، يلاحق فريسته، وهي تنتظره. فلماذا يسكت المجتمع عن ممارسة الحرام والرذيلة ويرفض تقنين العلاقة بين الذكور والأناث، فتبدو علاقات طبيعية، اجتماعية مفعمة بالحب والوداد، تمتص الكبت، وتبعث الطمأنينة والاستقرار النفسي عند الشباب من كلا الجنسين؟. فالفقهاء مطالبون باعادة النظر في العلاقات الاجتماعية بين الشباب، وعدم الجمود على حرفية النصوص، ما دام في التشريع متسع لصياغة علاقات عفيفة. فكم من عقدة شخصية وراءها جوع جنسي. وكم من توتر نفسي سببه كبت مرير.

إذاً، فتعدد الزوجات، حل لمشاكل شخصية واجتماعية، من أجل مجتمع متوازن يحفظ حقوق الجميع، ولم يفرض الدين الزواج بثانية وثالثة ورابعة. ويمكن للرجل الاكتفاء بزوجة واحدة يبقى سعيدا معها، مع إمكانية ممارسة الجنس بطرق شرعية، عندما تحاصره ظروفا استثنائية، فيتمتع بامراة وفق شروط فقهية صحيحة، كالمتعة. فهو زواج يشترط فيه العقد مع بيان المهر والمدة، ولا يؤثر على تعدد الزوجات، ولا يشترط مكوث الزوجة معه في داره. فليست هناك التزامات وحقوق واسعة كالزوجة، سوى ممارسة الجنس. فيحافظ على زوجته وبيته، ويخفف من حدة شبقه الذي تعذر اشباعه لأي سبب كان. فالتمتع طارئ، لا يؤثر على علاقة الزوج بزوجته، وقد تقدم أن الزواج كيان أسري اجتماعي، أوسع من ممارسة الجنس، لذا تجد الرجل يبحث عن امرأة تفرض احترامها، وتكون له زوجة وسكنا وحرثا، وأمّاً لأطفاله، وراعية لبيته، وشريكته في حياته، تستوطن قلبه، وتكون موضع سره وتقديره.

والرجل السعيد من اكتفى بزوجته، وحافظ على عفته وعفافه، وعدم الانزلاق في مزالق الجنس التي لا تخلو من رذائل، ويمكنه افراغ شهوته في بيته، حينما يتخلى عن مراهقته، وشغفه. وما تقدم هي حلول للاستثناء.

وتبقى السعادة مع زوجة واحدة، يلتقيان على الحب، وعذوبة الشوق ترسم ملامح الغياب. المهم أن لا يتحول الجنس إلى مشكلة تشل حركة الفرد، وتعيق تطوره.

 

............................

للاطلاع على حلقات:

حوار مفتوح مع ماجد الغرباوي

للمشاركة في الحوار تُرسل الأسئلة على الإميل أدناه

almothaqaf@almothaqaf.com

 

 

تعليقات (5)

  1. صال الرزوق

موضوع الحلال و الحرام ضمن الجماعات الإسلامية شبه متفق عليه. و توجد المكروهات و المقبولات. لكن هذا يصلح حين كطانت الدولة الإسلامية في أوجد مجدها. فالتشريغع و الفقه تطور في تلك الفترة و ليس في فترات الانحطاط و الهيمنة و الانتداب. حيث دخلت مستجدات قد تلغي الكثير من وجوه الاجتهاد الحسن و المستقبح منها على حدسواء.
و دخلت أيضا مشكلة الجماعات الإسلامية التي تعيش في ظل و كنف دولة غير مسلمة. ناهيك عما يجري من مخالفات لوجه الطبيعة. مثل ثنائي الجنس و غيره.
هذا يبيح لنا إعادةو النظر في الدسيتور الإسلامي غير لالمكتوب. و تأتي جهود الأستاذ الغرباوي و أمثاله في هذا الإطار.
و هو شيء له مبرراته و دواعيه.
عموما المرأة ليست كائنا فضائيا و لا حشرة لنتعامل معها كإلهة أو كمصدر للرذيلة و الحرام. و لذلك من الممكن أن يكون في ههذ الفترة مسألة الزواج بأربعة مشكلة اجتماعية. و لا سيما أن البيوت في معظم الحالات تتألف وسطيا من ثلاث غعرف. أين ستجتمع الضرائر. و كلمة ضرة بحد ذاتها توحي بالضرر و القذى.
و شكرا.

 

لا مفر من اعادة النظر في التشريعات الخاصة بالمراة، وفهم أسبابها وفعلية موضوعاتها وشروطها وغاياتها، وفقا لمقاصد الشريعة. فالاتجاه المتطرف ما زال يكرس احكاما تاريخية كاسترقاق النساء، او الحط من مكانتهن، ويحكم بقصورهن ويملي عليهن قناعاته. نامل في تظافر الجهود لعلنا نضيء ظلمة النفق الحضاري. تحياتي لمشاركتك الاستاذ د. صالح الرزوق

 

هو امرٌ لاجدالَ فيه ان الاسلام هو الديانة الوحيدة التي تضمن حقوق المرأة كاملةً عبر النصوص والاحكام الواضحة لكن المشكلة تكمن في طريقة تطبيقِ تلك الشرائع التي نصها الباري في كتابه المجيد.. فلكل زمنٍ مبادئه وحاجاته.. فحين ننادي بحرية المرأة ورفع الغبن والاضطهاد عنها لايعني هذا ان نعمل توأمة مع دول الغرب بما يخص المرأة وحرياتها.. ولكن ان تضمن كافة حقوقها وسط طبيعة مجتمعها وتثقيف الوسط بكل مايخصها هذا امرٌ كافٍ بلا شك..
ولكن.. وللاسف.. لازال التطبيق للاحكام الالهية المختصة بالمرأة من قبل الاسلاميين يعاني نوعاً من القصور .. فلو اخذنا مسألة التعدد والنشوز على سبيل المثال..سنرى بان المقترح الجديد الذي يتم مناقشته برلمانياً في الوقت الحالي ينص على عدم الاضطرار اساساً لاخذ رأي الزوجة في حال التفكير بالزواج باخرى.. فهو ليس مضطراً للتبرير اساساً لها ومجرد كون هذا الامر حقٌ الهيٌ منصوصٌ له يجعلها ملزمة بتطبيقه له وان تكون امام الامر الواقع..!!!
ولو فكرت بطلب الطلاق يفرض عليها حكم النشوز قسراً وتكون ملزمة بدفع مؤخر صداقها له كاملاً وتحرم من الزواج لسبع سنوات من بعده..!!!!
هذا المقترحُ يعد جائراً فمامن امرأة ملزمة بالبقاء مع زوجها رغماً عنه وقد وضح تعالى هذا المبدأ بشكل واضح حين قال (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ)..فاجبار المرأة بتقبل الامر الواقع وتحمل الزوج وزوجته الاخرى رغماً عنها او ابتزازها بمستقبلٍ بائس ينتظرها هذا امرٌ خطير بل وكارثة تؤدي الى بث الكره ضمن العائلة الواحدة..!
يفترض بالتعدد ان يكون حلاً لمجتمع بمشاكله كافة.. مجتمعٍ ملأته الارامل والمطلقات.. لا تفشياً لمطلقاتٍ من نوعٍ آخر سيواجهن نظرةً مجتمعيةً جديدة اكثر خطورة من سابقاتها بصفتهن محكوم عليهن بالنشوز مسبقاً..!
ممتنةٌ جداً لكم استاذ ماجد الغرباوي لوقتكم وجهدكم واجادتكم الرد بحيادية مطلقة..
لكم جل الاحترام والتقدير..

 

شكرا للاسئلة التي حرضتني على الاجابة. ما تمر به المرأة يبدو أسوء مما كانت عليه مع وجود من يسعى لقمعها، وسلبها ما حصلت عليه ولو كان رمزيا، بل يريد معاقبتها حينما تتمرد على قراراته وقرارات فقهاء لا يفقهون من الدين سوى حرفية النصوص. وهذه كارثة حقيقية. تمنياتي لك الاستاذة القديرة سارة فالح الدبوني وشكرا لمشاركتك في الحوار من خلال اسئلتك القيمة

 
  1. صالح الرزوق

ربما لا داعي لتكرار نفس الفكرة مرتين، انما ارى ان الشرع الاسلامي هو علاج لمشاكل اجتماعية و نفسية تعطل تطور الحياة و من هذه القضايا موضع المرأة في الأسرة و المجتمع،
فإذا كان الأحمام في القرآن و التعليمات في السنة النبوية محدودة في حينها بتقديم خطوط عريضة لمجتمع ناشئ، ان الكم الهائل من الاجتهادات و الاستطرادات تراكمت بين عصر بني أمية و اخر سلطان عثماني،
و هذه فترة صعود يتخللها هبوط و سبات وجيز، و بالتالي كانت تتكلم عن المسألة من وجهة نظر امة غالبة و مسيطرة و منتشرة بقوة السيف و السلاح،
لكن بعد الحرب العالمية الاولى سقطت الامبراطورية و اصبحنا تحت دولاب قطار العالم السريع، و هذا يعني ان العلاج ستكون له استراتيجية متبدلة تعبر عن حاجة المغلوب و ليس الغالب و المجزأ و ليس ابن الامبراطورية و المستورد و ليس المصدر،
و شكرا،

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4056 المصادف: 2017-09-24 05:50:25