د. زهير الخويلدي
حسن حاتم المذكور
فاطمة الزهراء بولعراس
د. رائد الهاشمي
د. محمد فتحي عبد العال
د. صادق السامرائي

انقلاب مصر .. هل هي عودة التحالف العسكرتاري – العلمانوي؟

idrees jendariمنذ ما عرف، تاريخيا، بثورة الضباط الأحرار (1952) في مصر وما تلاه من انقلابات عسكرية، في العراق وسوريا واليمن وليبيا والجزائر، كانت المعادلة السياسية السائدة تقوم على أساس تحالف إيديولوجي بين العسكرتاريا والقوى العلمانوية، ذات النزوع اليساري والليبرالي والقومي، بهدف التأسيس لأنظمة شمولية مطلقة في المنطقة العربية .

وقبل الدخول في اختبار هذه الفرضية، لابد أولا من توضيح مقصونا من مفهومين أساسيين:

1- العسكرتاريا: لا نقصد، بهذا المفهوم، مؤسسة الجيش، بالمعنى الديمقراطي الذي يحدد وظيفته في حماية حدود البلاد والدفاع عن سيادة الدولة في مواجهة التهديدات الخارجية. ولكن، نقصد به ذلك التحول الذي حدث على مستوى العقيدة العسكرية، وقاد الضباط إلى التحول لفاعلين سياسيين يمتلكون إيديولوجيتهم الخاصة التي يقدمونها كبديل للمشاريع والرؤى السياسية السائدة. وقد كانت ثورة الضباط الأحرار في مصر شاهدة على هذا التحول.

2- القوى العلمانوية: لا نقصد، بهذا المفهوم، دعاة الفكر الليبرالي الحديث، الذين يناضلون من اجل الفصل بين السلطتين المادية والروحية، ويؤمنون بالديمقراطية، كتعددية واختلاف وتداول سلمي على السلطة، ويدافعون عن حقوق الإنسان، بطابعها الإنساني الخالص من نوازع الإيديولوجيا والمذهبية والعرقية. إن العلمانوية صفة تطلق على خليط إيديولوجي غير متجانس، يجمع أقصى اليمين بأقصى اليسار، ويجمع الفاعل القومي  بالفاعل العرقي. لكن، المشترك بين هذه التيارات، التي قد تصل حد التناقض أحيانا، هو استيراد أنماط فكرية وسياسية جاهزة بهدف زرعها في التربة العربية، لكن عملية الاستيراد هذه تعاني من فقر معرفي مدقع. فهي بقدر ما تعاني من ضبابية في علاقتها بالفكر الغربي، فهي كذلك تعاني من عمى إيديولوجي، في علاقتها بمقومات خصوصيتها الحضارية.

لقد عاش العالم العربي على وقع هذا الزواج الكاثوليكي، لعقود، وهذا ما أدى إلى كوارث سياسية فادحة، حيث تراجعت الطموحات الديمقراطية، وتم فسح المجال أمام الأنظمة الشمولية، التي وظفت العنف الرمزي بطابعه الإيديولوجي والعنف المادي بطابعه العسكري-الأمني، بهدف المحافظة على وضعية السطاتيكو التي تخدم مصالحها الفئوية الضيقة . ولعل ما ميز هذا التحالف، هو افتقاد طرفيه للشرعية الشعبية نظرا للغياب المضاعف لحضور هذه القوى، فهي ليست امتدادا إيديولوجيا لفئات واسعة توجد في المجتمع تقوم بدعم خياراتها، بل هي قوى فرضت نفسها من خارج الحراك الاجتماعي، باعتبارها وصيا يوجه هذا الحراك عن بعد. ولذلك، فإن سيطرة هذا التحالف على السلطة، لعقود، لم يمكنه من اكتساب شرعية شعبية تمكنه من الائتمان على مستقبله السياسي.

لكن، التحولات التي عاش العالم العربي على وقعها،  منذ سقوط جدار برلين واندفاع الطموحات الديمقراطية إلى السطح في أمريكا اللاتينية وأوربا الشرقية، هذه التحولات كانت تبشر، منذ البداية، بإفلاس هذا التحالف. وقد ظهرت بوادر هذا الإفلاس في العراق، حيث تمكنت الإرادة الشعبية من زعزعة أسس النظام الشمولي البعثي، وذلك رغم ما أبداه من تماسك مصطنع زكاه من خلال شعارات وطنية وقومية ذات طموحات توسعية. وبعد سقوط النظام البعثي في العراق، كان صدى الإفلاس ينتشر في المنطقة العربية انتشار النار في الهشيم، الأمر الذي يجعلنا نفترض أن البذور الأولى للربيع العربي تم زرعها قبل عقدين من الزمن تقريبا ! لكن عملية الإنبات امتدت إلى حدود المرحلة الراهنة، حيث ما زالت قوة المد الثوري تضرب الأنظمة الشمولية بنفس القوة والعزيمة. لذلك، يمكن أن نعتبر أن الربيع العربي، عند انطلاقه، كان يستهدف تحقيق غايتين:

• أولا، إرجاع العسكر إلى ثكناتهم للقيام بوظيفتهم العسكرية، بحماية الحدود وتحصين سيادة الدولة ضد التدخلات الخارجية، مع إفساح المجال أمام الفاعلين السياسيين للتنافس على كسب الإرادة الشعبية، التي يمكنها وحدها أن تقودهم إلى الحكم، وهذا طموح ديمقراطي مشروع كرسته الممارسة الديمقراطية عبر العالم، حيث لا يسمح للجيش بالتدخل في الشؤون السياسية، فهو وسيلة في يد القائد السياسي يوظفها للدفاع عن المصالح العليا للوطن.

• ثانيا، ربط الشرعية السياسية بالامتداد الشعبي، فالفصيل السياسي الذي يمتلك تجذرا شعبيا هو الذي بإمكانه الوصول إلى الحكم، أما الفصيل الذي لا يمتلك هذا التجذر فعليه بالعمل البنيوي المرحلي لتحقيق الامتداد الشعبي الذي يمكنه من التداول السلمي على السلطة. وهذا كذلك طموح ديمقراطي مشروع، حيث تعتبر صناديق الاقتراع، الحكم الموضوعي الوحيد الذي بإمكانه إعلان فوز أو خسارة فصيل سياسي دون غيره.

لقد كانت البوادر الأولى، بعيد الانتخابات التي تم تنظيمها في دول الربيع العربي، توحي بأن الغايتين معا في طريقهما إلى التحقق. ففي مصر وقف الجيش على الحياد وأشرف على نقل السلطة إلى رئيس مدني منتخب، ونفس الشيء حدث في تونس واليمن. كما أن الفاعلين السياسيين، باختلاف إيديولوجياتهم، توافقوا على المنهجية الديمقراطية كحكم بينهم، ولذلك تم الاعتراف بالتتويج الانتخابي لفصيل الإخوان المسلمين في مصر، وفصيل النهضة في تونس. لكن، التحالف العسكرتاري-العلمانوي، الذي كان المتحكم الوحيد في مقاليد الحكم قبل الربيع العربي، كان يتعامل مع التوازنات القائمة كمرحلة عابرة، ستقود بالضرورة، في النهاية، إلى عودة هذا التحالف إلى مواقع المسؤولية. وقد كان الرهان واضحا، على إفشال التجربة الديمقراطية الوليدة عبر وضع الحواجز، سياسيا واقتصاديا، أمام الفاعل السياسي الجديد لمنعه من التحرك بحرية، وذلك بهدف إفقاده الشرعية الشعبية، من خلال عرقلة العملية التنموية، التي تعتبر السند الأساسي لنجاح التجربة الديمقراطية، فلا يمكن للفاعل السياسي الجديد أن يحافظ على الشرعية الشعبية، التي حصل عليها انتخابيا، في ظل وضع تنموي متردي .

الحالة المصرية، اليوم، بعد الانقلاب الذي قاده التحالف العسكرتاري-العلمانوي، تؤكد، بشكل جلي، صحة الفرضية التي انطلقنا منها في البداية. فنحن رغم اختلافنا مع التوجه الإيديولوجي الإخواني، فإن هذا لا يمكنه أن يقف حاجزا بيننا وبين ما نعتبره واقعا موضوعيا، يتطلب من الباحث جرأة علمية وشجاعة أدبية قصوى للاعتراف بحقيقة ما يجري على أرض الواقع.

إن أول ما يجب أن نعترف به، هو أن حزب الحرية والعدالة فصيل سياسي شرعي، قدم مرشحه الذي هو (محمد مرسي) إلى الانتخابات، وهذه العملية الانتخابية اعترف بشفافيتها كل الفاعلين السياسيين، بمختلف أطيافهم الإيديولوجية، وقد تم الإعلان، بشكل دستوري، عن اسم الفائز بالانتخابات، وتم تحديد فترته الانتخابية وتحديد صلاحياته الرئاسية بمنطق الدستور. لذلك، وجب فسح المجال أمام الرئيس المنتخب لتطبيق برنامجه الانتخابي خلال الفترة التي يحددها الدستور، وبعد ذلك يجب محاسبته، عبر الآليات الديمقراطية الانتخابية، وكذلك عبر الآليات القانونية القضائية.  هذا، يحيلنا مباشرة إلى وضعية الفصائل المعارضة، التي تمنحها المنهجية الديمقراطية حق الاعتراض وتقديم المشروع البديل، لكن كل ذلك تحدده آليات دستورية وقانونية واضحة. فالمنهجية الديمقراطية بقدر ما تضمن للمعارضة حق الاعتراض وتقويم المشاريع السياسية والاقتصادية، فهي كذلك تمنعها من عرقلة العمل الحكومي والتشويش عليه، خدمة للمصالح العليا للوطن.

عندما نعود إلى الحالة المصرية، نجد مؤسسة الرئاسة، التي تمثل الأغلبية، قد ظلت محاصرة من كل جانب، ولم يفسح أمامها المجال لتنفيذ برنامجها الانتخابي، فقد وصل التشويش إلى درجاته القصوى، واتخذ، في أغلب حالاته، طابعا إيديولوجيا فجا، لا يستجيب للمصالح العليا للوطن بقدر ما يسعى إلى خدمة أجندة فئوية ضيقة. لقد كانت المعارضة موجهة، بشكل دقيق، ضد حضور جماعة الإخوان المسلمين في الحياة السياسية، باعتبارها فصيلا سياسيا منبوذا، لعقود، ولا تنسجم أجندته السياسية مع التوجهات الإيديولوجية لمن يعتبرون أنفسهم البديل المفترض ! لذلك، نجد أن الرهان الحقيقي، الذي وضعته المعارضة نصب أعينها، هو إسقاط الرئيس (محمد مرسي) ومن خلاله جماعة الإخوان المسلمين، وباعتبار أن الغاية تبرر الوسيلة، من منظور ميكيافيلي انتهازي، فإن التفكير في التحالف مع العسكر لإسقاط (حكم الإخوان) ظل حاضرا، منذ البداية، ولا تهم الضرائب التي يمكن أن يدفعها الشعب المصري، ومن خلاله التجربة الديمقراطية في العالم العربي، باعتبار أن التجربة المصرية تحضر كنموذج قابل للتعميم على مختلف الأقطار العربية.

إن ما يجري الآن في القطر المصري الشقيق، من انقلاب على الشرعية الشعبية، يذكرنا بالماضي السياسي المتردي، في العالم العربي، هذا الماضي الذي صنعه الفاعل العلمانوي في تحالفه مع العسكر، بهدف تعويض الشرعية الشعبية التي يفتقدها، لأنه بدل أن يعترف بمحدودية حضوره الشعبي ويتوجه إلى صياغة المشاريع الاجتماعية التي تخدم الشعب والدولة، فهو يفضل أقرب الطرق وأسهلها، من خلال تحالف الإيديولوجيا مع البندقية. وهذا، لا يمكنه أن يحقق المصالح العليا للوطن، وفي نفس الآن لا يخدم المصالح الفئوية الخاصة للفاعل العلمانوي، على المدى البعيد، لأنه يقدم صورة سيئة جدا عن نفسه وكذلك عن التصور الفكري والسياسي، الذي يحمله ويسوقه بشكل انتهازي يطبعه التزييف والتزوير .

إن الخطر الحقيقي، الذي يشكله التحالف العسكرتاري-العلمانوي، يتجاوز الإطاحة بالرئيس المنتخب (محمد مرسي) ويتجاوز كذلك تهميش جماعة الإخوان المسلمين، إنه خطر ماحق يهدد القيم الديمقراطية الوليدة في الثقافة العربية، ويفتح المجال واسعا أما قيم الفكر المتطرف والمنغلق، الذي يشكك في المبادئ السياسية الحديثة، ويعتبرها آلية للسيطرة على الشعب من طرف فئات لا تمثله. ولذلك، فإن البديل المحتمل هو الفوضى الخلاقة، بالمعنى الغربي، والمدمرة في علاقة بالواقع العربي.

و لعل ما يجب على الفاعل العلمانوي أن يدركه، لتجاوز زواجه الكاثوليكي مع العسكر، هو أن الفاعل الإسلامي الحركي هو، أولا وأخيرا، ابن البيئة الثقافية والسياسية العربية، ولذلك فمن حقه أن يمارس اختلافه شريطة التزامه بمبادئ الديمقراطية. أما أن نحتكم إلى ضغائن الماضي لتوجيه الحاضر والمستقبل، فإن هذا لن يعود بالنفع على أي فاعل سياسي، بل سيشجع على انتشار التطرف الديني والفوضى السياسية.

 

بقلم: د. إدريس جندا ري- كاتب وباحث أكاديمي

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور ادريس جنداري المحترم
بالرغم من جدية موضوعك ومصداقيته إلا اني أراك في بعض الأحيان تقفز فوق النتائج لتثبت نظريتك وحديثك عن التحالفات وهو ما يستحق المناقشة، ولاسيما وانك أكدت في اكثر من مكان من موضوعك على شرعية حكم الأخوان دون أن تتطرق إلى المآسي الكبيرة التي أدخلوا المجتمع المصري في اتونها، قد اتفق معك ان هناك تعاونا ولا أسميه تحالفا بين قوى داخلية وخارجية هدفها إسقاط تجربة الحكم الإسلامي عن طريق وضع المعرقلات في الطريق ولكن الرضوخ لهذه المعرقلات يثبت الفشل السياسي الذي لا يستقيم معه نمو البلد وتطوره، فضلا عن أن الأعمال القذرة التي قام بها أتباع الأخوان والتي حجمت النشاط الثقافي والفني والاقتصادي في البلد أسهم من جانبه في دعم النشاطات المعادية لهم.
من ينظر إلى البلدان التي مر بها الربيع العربي والتي اتبعت النظام الديمقراطي الذي أدى إلى صعود التيارات السلفية يجد تشابها في المشاكل والخيبات فهل معنى ذلك انهم لم يستوعبوا الديمقراطية بعد أم ان مشروع الحكم الإسلامي غير قادر على قيادة البلدان في العصر الراهن، وهو سءال مهم جدا تجاوزته ولم تجب عليه.
أشكرك على هذا المجهود القيم والمبارك واتمنى التواصل والتفاعل علنا نخرج بمحصلة نحولها إلى منشور يوزع في وطننا العربي كرسالة محبة من المثقفين العرب للجماهير العربية.
خالص مودتي

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ صالح الطائي، شكرا على تفاعلكم مع المقال
اسمح لي أن أؤكد لك أني و أنا أتابع أحداث الشقيقة مصر كنت أشعر بالخذلان الذي يمكن أن يصيب آمالنا في الديمقراطية و التحرر .
أنا لا أدافع عن الإيديولوجية الإخوانية لأني من أشد منتقدي الفكر السلفي النصي و لي جولات طويلة النفس مع السلفيين في موقع الحوار المتمدن على طول سنوات . و لكن ما دفعني إلى إلى الكتابة في هذا الاتجاه هو أن الديمقراطية كل لا يتجزأ فقد كان من الواجب ان نفسح المجال أمام المشروع الإسلامي ليكشف عن أوراقه و يطرح خياراته، ثم تتم مواجهته انتخابيا عبر إقناع الشعب بفشله و تهافت أطروحاته . أما أن يتحالف دعاة الليبرالية و اليسار و القومية مع العسكر فهذا ما لا يجب على شرفاء الفكر و الثقافة أن يقبلوا به لأنها بداية الخراب الذي سيأتي على الأخضر و اليابس، و لنا عبرة في التاريخ العربي الحديث، فقد تم ربط أفكار في غاية الحداثة و التقدمية بالمشروع العسكري فكان مصيرها الفشل و في الأخير لما أتيحت الفرصة الانتخابية النزيهة تم تتويج المشروع الإسلامي . ما اخاف منه هو أن تكون سنة 2013 شبيهة بسنة 1952 و لذلك سيفرض علينات أن ندور في حلقة مفرغة تجسيدا للفكرة النيتشوية حول العودة الأبدية !!!!

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2497 المصادف: 2013-07-07 12:57:23