د. قاسم جمعة
رشيدة الركيك
د. صادق السامرائي
سلس نجيب ياسين
جميل حسين الساعدي

هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

بتاريخ 2011 / 11 / 6، نشرت صحيفة الحوار المتمدن الغراء في العدد: 3538، حوارا صحفيا مع الاستاذ الجيلاني الهمامي رئيس المؤتمر الوطني لحزب العمال الشيوعِي التونسي في حوار مفتوح مع القارئات والقراء حول موضوع: "إن عالما آخر أفضل ممكن ... عالم خال من استغلال الانسان للانسان" .

وقد قمنا بالرد على ما تكهن به الجيلاني بما يخص موضوع الربيع العربي وما اعتبره "أنها قضية باب الحرية الذي انبلج منه النور أمام شعوبنا":

ألاستاذ جيلاني الهمامي:

تحية ...

جميل أن نحلم، وجميل اكثر ان تكون احلامنا كبيرة، كبر استحقاقاتنا في الحياة التي لم نبالي بها يوما بعد أن أستمرأت أنفسنا الاضطجاع في كهوفنا المنسية، نعب كؤوس الخدر ونتبادل طقوس الكسل والسبات. ويحلوا لنا الاقتداء ببعضنا البعض من ارهابيين ومجرمين وقتلة . نتعلم منهم فنون ذبح الحقيقة والاحتفاء بالقوة الغاشمة وسحق الكلمة الحرة واستمزاج الرأي. وبقينا هكذا في كهوف عزلتنا عن العالم، يفرض علينا الغرباء اجنداتهم ويوصدوا علينا ابواب الحرية . وخلف الاستار، يواصلون قهقهاتهم عن همجيتنا وافعالنا الشنيعة لاوطاننا وما كفرنا به من عشقنا للارض والانسان .. نعم، يا سيدي العزيز، لقد كنا كل ذلك، وما نزال كما عهدتنا، نقتل انبيائنا ونفتري على الواقع .

فأين هذا العالم الذي رسمته لنا ريشتك الحالمة، بينما انت واحدا منا، وتعلم اننا قد سئمنا حتى احلامنا وأمانينا. وأجبني بربك :

كيف تحركت هذه الجماهير في بلداننا العربية، ومن كان وراء حراكها؟ من يقودها والى اين يقودها؟ ما هي مصادر ثقتها بمن يقودها؟ ومن نصبهم عليها؟ وما هو هذا العالم الاخر الذي ولد بمخاض الجماهير التي تجهل اتجاه بوصلتها الايديولوجية والسياسية بعد، حتى تعتقدون أنه سيفرش الارض بالرياحين والزهور من اجل انساننا العربي؟ وهل تعتقدون ان من خسروا مواقعهم وامتيزاتهم ومصالحهم سوف يتهادنوا او يتفاوضوا او سيلقوا باسلحتهم؟ خذ العراق مثلا يا عزيزي، وما ذا يحصل فيه منذ 2003، وسترى انك تحلم وتبالغ قليلا في أمانيك . أليس ما يجري في العراق مثلا يحتذى به عن اجرام دول الجوار العربية التي اشترت بعض ذمم العراقيين لتفجر العنف الطائفي حتى هذه اللحظة وقتل شعبنا؟ ربما هذه أماني العقيدة الشيوعية التي انهارت ولم تقطفوا من ثمارها سوى التشتت والصراعات السياسية . وربما هو مجرد حنين وعودة الى رفض الواقع عن طريق مشاكسة النفس حينما ترفض الاذعان والاقتناع بتبريرات ذاك السقوط المدوي للعقيدة. ولكننا سنظل نتطلع الى الحرية في كل اوطان شعبنا العربي، ولا نتمنى أن نرى انهارا اخرى من دماء اخوتنا تسيل في أوطان عربية كما نراها ما تزال تسيل في العراق بسبب بعض الانذال من عراقيين وعرب. نريد الحرية للجميع،  ولكن نريدها بدون اجندات اجنبية، ولكن، هل سيتحقق حلمنا هذا؟

أعتقد ان علينا ان نتمهل وننتظر ولا نقفز هكذا مرة واحدة الى الخاتمة . فالمشهد سيطول يا صديقي، ولكل حدث ثمن، (ولكل نبأ مستقر، وسوف تعلمون). وشكرا . (1)

في الحقيقة، ان للاعلام الغربي اعتباراته السلبية ونظرته غير العادلة لما يخص حراك الشارع العربي باعتقاده ان ظاهرة الربيع العربي او غيرها، أنما لا تستحق سوى اللعنة. فسواءا قام الشارع العربي بانتفاضة من اجل حريته أم لم يقم، فأن ذلك الحدث سيبقى بنظر ذاك الاعلام، أما "غير منطقي"، أو"عدواني" أو لامبالي" بل ويولد "ميتا". وانه نادرا ما يفرض نفسه كتعبير عن الرأي العام والمشاعر الجماعية، مثل ما هو حال نظيره الغربي . اذ ينظر إليه في المقام الأول ككيان مادي، وقوة غاشمة من خلال التعبير عن أعمال الشغب والعنف . إذ ليس هناك سوى فرصة ضئيلة جدا لاعتبار الشارع العربي ظاهرة مألوفة لدى المجتمع الغربي. ومن خلال هذا الفهم، يصبح الربيع العربي امتدادا لمفهوم آخر سيئ السمعة، منسوبا للعقل العربي بالذات، حيث يتم التعامل معه من خلال الثقافة والسلوك الجماعي له والذي للأسف قد تم استيعابه من قبل بعض النفوس العربية.

ومشكلة الشارع العربي، تكمن في خياله العنيف، عندما تتعرض مصالحه للخطر أو عندما يتم تعطيل الاستراتيجيات الكبرى. فالشارع الذي ينقل الشعور الجماعي ليس بمشكلة، لأن الولايات المتحدة غالبا ما تستطيع تجاهله تماما . وتصورات من هذا القبيل في الحقيقة تساعد واشنطون في نهجها في الشرق الأوسط - ضاربة عرض الحائط الرأي العام العربي وبدعم لا غبار عليه وعلى نحو متزايد لاسرائيل وهي مستمرة في تفكيك السلطة الفلسطينية، وفي نفس الوقت، شن الارهاب على العراق" . (2)

فبعد عامين من الثورات الشعبية لتونس ومصر والتي سجلت بداية الربيع العربي، لا تزال الولايات المتحدة تواجه مهمة صعبة تتمثل في وجوب صياغة استراتيجية جديدة لشرق أوسط جديد. فبينما سقطت الأنظمة في تونس ومصر وليبيا في نهاية المطاف، ظل النظام السوري لبشار الاسد متشبثا بالسلطة بدعم من ايران وروسيا والصين وحزب الله، ولكن بحلول تبدوا قاتمة. فلقد قام الاسلام السلفي بذبح الشعب والقوات الحكومية تحت نوع من تجاهل ضغط الجهات المحلية والإقليمية والدولية. وفي هذه الأثناء، راحت ايران تنظر الى الربيع العربي كمزيج من فرص وتهديد، وعلى طول الخط، أبدت مقاومة لمطالب دولية شديدة لانهاء برنامجها لتخصيب اليورانيوم. وفي العام الماضي، أظهرت العناوين الرئيسية لصحف العالم، احتمالات التصعيد بين ايران مع اسرائيل وبدعم من الولايات المتحدة، بينما تركت العلاقة بينهما وإلى حد كبير، لما تتمخض عنه الاحداث .

وكان المراقبون السياسيون في ألشرق الأوسط مأخوذين بأحداث مطلع العام 2011 من اجل التوصل الى فهم عميق وشامل لصحوة هذا الربيع العربي . وعما اذا كانت الظاهرة قد تتحول إلى أهم الحركات الجيوسياسية لهذا الجيل . حيث ان الاحتجاجات ولدت من الظلم والقهر الاجتماعي والاقتصادي واندلعت في جميع أنحاء الشوارع في تلك المدن، وظلت الاضطرابات الشعبية تتحدى ردود فعل الشرطة العنيفة لدكتاتوريات راسخة راحت تهوي كاوراق الخريف . فكيف يمكن لكل هذا أن يحدث؟ وماذا سيكون عليه المستقبل؟، وما هي التداعيات المحتملة للولايات المتحدة وبقية العالم في الوقت الذي لا تزال المنطقة التي تشتعل فيها هذه الاضطرابات، تقع في صميم المصالح القومية للولايات المتحدة؟

فالصحوة العربية تعطي دروسا واسعة وبليغة من خلال تحليل الجوانب الرئيسية لاضطرابات الشرق الأوسط، كاتجاهات الرأي العام في "الشارع العربي"، ودور وسائل الاعلام الاجتماعية والتكنولوجيا، والظروف الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية، وتأثير الإسلاميين في كل من مصر وليبيا وسوريا، وأثر سياسي النظام الجديد على عملية السلام العربية الاسرائيلية وغيرها من احداث الساعة.

ومن اجل مواجهة التحديات الهائلة للتعبير عن أهداف الشارع العربي، قام النشطاء العرب ومن خلال وسائل جديدة بربط أهداف المعارضة وحملات المقاطعة، بالانترنت الناشط وبشكل مباشر (استخدام تكنولوجيات الاتصالات الالكترونية لوسائل الاعلام الاجتماعية، وخاصة تويتر والفيسبوك واليوتيوب، والبريد الإلكتروني) . (2)

فالربيع العربي قد برهن من خلال نتائجه، أن الشعوب وفي جميع الاقطار العربية تتطلع وبقوة لنيل حرياتها، وأن الديمقراطية والحرية ليست قيما مقتصرة على الغرب وحده. وهذا أصبح واضحا، من خلال احتجاجات تلك الشعوب في شوارع العديد من بلدان الشرق الأوسط، والتي هي تطلعات عالمية لشعوب مختلفة في أنحاء العالم. كما وانها بعد كل ذلك، المسؤولية ألاخلاقية للمجتمع الدولي في تعزيز وترسيخ إيمان التطلعات من أجل الحرية، وردم الهوة في سوء الفهم بين شعوب دول الربيع العربي. كما وكانت أيضا مسؤولية المجتمع الدولي في السيطرة على سير الحراك السياسي لترسيخ الديمقراطيات الناشئة من اجل نشر وعي أفضل لأدوار كل منهم حسب قدراته لخلق عالم أكثر أمنا.

ولكن نتائج الآثار المترتبة على ظاهرة الربيع العربي، اثبتت فشلها فشلا ذريعا في قطف ثمار ثوراتها، بسبب ان الغرب الذي كان يفترض به ان يكون راعي الإصلاحات السياسية والترويج للوسائل الديمقراطية، وخصوصا أن تنظيم القاعدة المتحالف مع التيارات السلفية ومنذ فترة طويلة يقوم ينشر الارهاب من اجل اقامة نظام سياسي يقوم على تفسيرالشريعة الإسلامية، كان على الغرب ان يقطف ثمار النتائج قبل الجميع ويقوم بدعم الاسلام المتطرف في ومصر وسوريا وليبيا واليمن . وبذلك، فان الغرب هو المسؤول عن فشل الربيع العربي وجعل تنظيم القاعدة يستمر بتمثيل التهديد ألاكبر للأمن العالمي الان وفي المستقبل المنظور .

لقد كان تأثير الربيع العربي الذي بدأ في أوائل عام 2011عميقا ومثيرا للجدل في عدة بلدان عربية، حيث تبنت تلك الشعوب وسائل التحدي السلمية من خلال التظاهرات والاحتجاجات الكبرى بهدف فرض تحولات سياسية واجتماعية واطلاق الحريات الديمقراطية والعدالة الاجتماعية نتيجة ما كانت تواجهه شعوب تلك البلدان من صعوبات اقتصادية وعدم الاستقار السياسي تحت جور حكامهم . والامر الاهم في كل تلك التحولات السياسية، أنها كانت قد حققت انتصاراتها عن طريق الاحتجاجات السلمية، وليس بعمل عسكري أو تدخلات اجنبية كما هو المتعارف عليه في طريقة الاطاحة بالانظمة العربية، الامر الذي اضطر الحكام العرب الاخرين من الاذعان الى القيام باصلاحات سياسية .

ولكن النجاح النسبي للربيع العربي ظلت اهدافه مصدر نزاعات شديدة بين المراقبين الأجانب، وبين القوى العالمية – ألولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، والتي كانت تبحث عن وسائل للاستفادة من تغير الخارطة في الشرق الأوسط، الامر الذي أحدث فترة من التحولات غير المستقرة، في كل من تونس ومصر واليمن، في حين كانت نتيجة سوريا وليبيا ان كل منهما دخل حربا اهلية . فالمشكلة الكبرى، ان هذه الشعوب المنتفضة، لم تكن لتملك القيادات التي يمكن أن تخطط لانتقالها التدريجي والعقلاني في تلك التحولات . فكان الشعب المصري والشعب التونسي على سبيل المثال، يعمل كل منهما لاسقاط الرئيس واعلان الانتخابات الحرة، ولكن، لم يكن لديهما فكرة عما يجب عمله من الخطوات اللاحقة . كما وكانت هناك أيضا دعوات ملحة لمزيد من العدالة الاجتماعية، ولكن، وكما هو معلوم، انه لا يمكن تطوير الاقتصاد بعصا سحرية. فالجماعات والنقابات اليسارية أرادوا أجور أعلى على عكس ما كان يجري من صفقات الخصخصة والمراوغات. بينما كان يطالب الآخرون ادخال اصلاحات ليبرالية لإفساح المجال بشكل أكبر للقطاع الخاص. كما وكان بعض الاسلاميين المتشددين كانوا يولون اهتماما أعظم لتطبيق المعايير الدينية الصارمة والمتشددة. فجميع الأحزاب السياسية قدمت وعودا للمزيد من فرص العمل ولكن لا أحد من هؤلاء كان قادر على وضع برنامج للسياسات الاقتصادية بشكل عملي . (3)

 فعلى الرغم من تناقض الخطاب السياسى الأمريكى المعادي للتطرف الدينى، قامت الأدارة الامريكية بدعم الاخوان المسلميين في مصر وتمكينهم من المجيئ للحكم . فمصالح الولايات المتحدة تأتي في المقام الاول ولا تبالي من اجل مصالحها، ان تقوم بدعم اكثر الحركات الدينية تطرف، وهذا ما حصل مع الدعم الامريكي لحركة الشيشان من اجل طرد القوات السوفياتية من افغانستان. والشئ ألاكيد هو استعداد الولايات المتحدة، للتضحية بالديمقراطية أين ما كانت إذا كان في اسقاطها تحقيقا لمصالحها .

وعليه يصبح من الواضح، أن من مصلحة الولايات المتحدة ألتي تدرك ان حركة الاخوان المسلمين فى مصر هي نظام مؤهل لتنفيذ بعضا من اهدافها حينما تقرر أن تقوم بتعبئة شعبية لتحقيق تلك الاهداف التي تستطيع السكوت عنها حركة الاخوان وحدها. فمن بين تلك الاهداف، وكما يعتقد الكاتب المصري جلال أمين، اشعال الفتنة الطائفية في المنطقة العربية بين السنة والشيعة وتقسيم الشعوب العربية الى دويلات، أو اجراء بعضا من الترتيبات الجديدة في سيناء على حساب الشعب المصري. أو حتى، منح اسرائيل فرصة في جعل القضية الفلسطينية اكثر تدهورا وتدمير ما تحقق من مكاسب ضئيلة وشكلية من الامم المتحدة . (4) .

 فعندما تهاوت الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الاوسط، كان من السهل رصد الروابط المشتركة فيما بينهم، ولكننا نجد أن الثورات الشعبية للربيع العربي والتي اسقطت تلك الدكتاتوريات، لم تكن تسير للاسف على درب واحد أو تبدي نوعا من التفاهمات فيما بينها . فمصر وللاسف، اجتاحها التطرف الديني من خلال وصول الاخوان المسلمون الى سدة الحكم، بينما انزلقت كل من سوريا وليبيا نحو الحرب الطائفية . ولكن، وفي جميع الاحوال، كان ينبغي على جميع دول الربيع العربي، التفاعل والمشاركة البناءة والتنسيق فيما بينها ومع المجتمع الدولي لنيل الاعتراف بالانظمة الجديدة. كما وبغض النظرعن اي شيئ اخر، كان ينبغي على دول الربيع العربي الاستمرار في الانفتاح على الدول الديمقراطية والشعوب التي تمتلك قيما ديمقراطية. حيث كان هناك الكثير مما ينبغي القيام به لضمان الحفاظ واستمرار الحراك لهذه الدول المتحررة في اتجاه ايجابي، وبما يجعل كل منهم مكملا للآخر .

آثار الربيع العربي المترتبة على سياسة الولايات المتحدة ومصالحها:

 أظهر الربيع العربي القوة المحدودة للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأثبت أنه لم تعد للولايات المتحدة الهيبة أوالموارد للسيطرة على شؤون الشرق الأوسط منذ انسحاب بريطانيا من شرق السويس في عام 1971. فلا الولايات المتحدة ولا أوروبا لديها الموارد المالية اللازمة من اجل معرفة التوقعات الكبيرة في بلدان الربيع العربي الأخرى سوى في أدوار هامشية، وإن كان من المتوقع أن سيكون لأمريكا استثمارات كبيرة في المستقبل من أماكن أخرى، وخاصة دول الخليج والصين، تلك الدول التي لا تشترك بنفس القدر من اهتمام الغرب في تعزيز القيم الديمقراطية.

وما يتعلق في جوانب الإصلاح السياسي والاقتصادي، فإنه كان يحتم على الادارة الامريكية ألانتظار لترى ما ستكون عليه طبيعة النظم السياسية الديمقراطية التي ستظهر بعد الانتخابات في تونس ومصر وليبيا. ومع ذلك، كان على أمريكا أيضا الاخذ بالاعتبار بعض التطورات القريبة المؤكدة منها مثلا:

 أولا، توقعها أن الانتخابات سوف تزيد الأحزاب الإسلامية قوة، كما وأن سبق أن حصل في تونس، بفوز حزب النهضة المعتدل الاسلامي. وثانيا، اعتقادها أن الديمقراطية سوف تمنح الحكومات العربية استقلالا أكثر عن نفوذ الولايات المتحدة عليها، ولكن على المدى الطويل، ان الولايات المتحدة ستتمكن من الاستفادة من مجالات جديدة من المصالح والقيم المشتركة مع الحكومات العربية.

 أما فيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط، والاحتمالات الفورية، فأنها كانت أسوأ من ذي قبل وخصوصا بالنسبة لاسرائيل . فقد أثار الربيع العربي المخاوف الاسرائيلية في ان المنطقة التي استمرت مستقرة نسبيا في العقدين الماضيين تحولت ضدهم. حيث وجدت الحكومة الإسرائيلية نفسها أكثر عزلة من أي وقت مضى، بينما وجد الفلسطينيون طاقة جديدة، ولكن من الواضح أنه لم يتم استثمارها في التقدم نحو تسوية تفاوضية مع إسرائيل.

وفي مجال الطاقة، فخلال احداث الربيع العربي وبعده، أعلنت السعودية والمنتجين الرئيسيين الآخرين القدرة على تعويض الاضطرابات الناجمة عن الأحداث الليبية. واظهرت نتائج الاحداث، أنه على المدى الطويل، فان الطلب العالمي على الطاقة يتطلب تطوير احتياطيات الطاقة في العراق وإيران، وهما ثاني وثالث أكبر احتياطي في العالم. أما بالنسبة للولايات المتحدة، فأن تكنولوجيا الصخر الزيتي والطاقة المتجددة ستوفر فرصة لتقليل الاعتماد على النفط المستورد. كما ويبقى التقسيط والحفاظ على المتوفر، هو الوسيلة ألافضل في عدم هدر النفط . كما ويبقى التزام الولايات المتحدة القوي لأمن الخليج أمرا حيويا لاستقرار سوق النفط في المستقبل المنظور. (6)

فيما يتعلق بالإرهاب، فانتفاضات الربيع العربي أكدت على إن الفلسفة الإسلامية المتطرفة واستخدام العنف، هو السبيل الوحيد لتحقيقها التغيرات الاجتماعية. ففي الواقع، إن حركات الربيع العربي التي كانت في البداية موجهة نحو القيم العالمية وبجذور في الطلب على الوظائف والعدالة والكرامة،  كما وانها ليست بعيدة في الروح عن الحياة والحرية والسعي لتحقيق السعادة، فان التحالفات بين الحركات السلفية وتنظيم القاعدة، اكدت على ان العنف هو الوسيلة والحل الوحيد في السيطرة على الاوضاع وتحطيم النظم الديمقراطية. إذ لا تزال التيارات السلفية والقاعدة، تحاول تدمير العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها من اجل فرض ما يسمى الدولة الاسلامية في تلك البلدان التي يحاول بعضها نشر مبادئ الديمقراطية من خلال الانتخابات الحرة واطلاق الحريات السياسية الاخرى كالتعبير عن الرأي وحرية الصحافة وغيرها كما هو الحاصل الان في العراق. ولكن الارهاب والاضطرابات السياسية لا تزال توفر فرصا للمتطرفين الإسلاميين، من خلال نشر العنف واثارة الاحقاد الطائفية كوسيلة في محاولات لاسقاط تلك النظم الديمقراطية كما في العراق او للسيطرة على الأرض كما في اليمن .

وعموما، فأن ما كان يؤمل من الربيع العربي والانتفاضة الجماهيرية العربية الكبرى لشعوب تلك البلدان، أن تكون نتائجه كفاتحة لعصر جديد من اجل إعادة ترتيب الأوضاع ورسم الخطوط العريضة لمستقبل عربي ديمقراطي، لكن، ارهاب التيارات السلفية كان بالمرصاد لتلك الجماهير في كل من سوريا ومصر وليبيا واليمن ليضع حدا لامال تلك الشعوب في الحرية واقامة النظم الديمقراطية . وان كانت آلافاق المستقبلية تؤشر استمرار عدم الاستقرارولفترة طويلة في منطقة الشرق الاوسط، تبقى امكانية تحول الشرق الاوسط وعلى المدى البعيد نحو تحرر وديمقراطية أكبر، من ألامور الاكثر احتمالا .

وختاما، أن المشكلة التي واجهت تحرر الانظمة العربية من خلال الربيع العربي، كانت وقوف التيارات السلفية بوجه الجماهير المنتفضة والسيطرة على قياداتها ومركز قرارها، ومن ثم تحويل المسيرة والاهداف الديمقراطية الى ما يخدم ايديولوجية التطرف الاسلامي، ورفضها إنشاء المؤسسات الليبرالية أوايجاد حلول للمشاكل الاقتصادية. وإن كانت التوقعات تشير الى استمرارعدم الاستقرار، وتزايد نفوذ البلدان التي لديها موارد لدعم سياساتها واستمرار دورها ألاساسي، تبقى على المدى البعيد احتمالية أن تصبح المبادئ الديمقراطية وألمساءلة والعدالة أكثرازدهارا، من خلال مجيئ حكومات ستكون قادرة على العمل من اجل حياة أفضل لشعوبها وأقل اسائات لما يتعلق بحقوق الإنسان وكرامته .

 

أ . د . حسين حامد

صحيفة المثقف

7-7-2013

 

للاطلاع على ورقة الملف والمحاور المقترحة:

المثقف تفتح ملف: هزيمة الإسلام السياسي أم هزيمة الديمقراطية؟

 

للاطلاع على مقالات الملف

ملف: مستقبل الديمقراطية

 

.....................

ألمصادر :

 الحوار المتمدن ألعدد : 298503 " إن عالما آخر أفضل ممكن ...عالم خال من الاستغلال"  . (1) .11/12 / 2011 .

(2) Asef Bayat. The "Street" and the Politics of Dissent in the Arab World. Published in MER226 .

 (3)Primoz Manfreda. Definition of the Arab Spring، Middle East Uprisings in 2011.About.com.Middle East Issues- 2012.

 جلال أمين، الاخوان والامريكان، جريدة الشروق، 14 كانون اول 2012 (4)

(5) Allen L. Keiswetter .The Arab Spring: Implications for US Policy and Interests. Middle East Institute، JAN 13، 2012

  

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأستاذ الدكتور حسين حامد المحترم
إنها الأسئلة ذاتها التي أكرر طرحها في مقالاتي فأنا مثلك ألبسني التناسق والتقارب والطريقة وحتى الداعمين والمؤيدين والمروجين الشك والحيرة، ولطالما سألت: كيف صدف وان تطابقت رؤى الجماهير في كل بلدان (الربيع العربي) وكيف تأتى لقطر أن تقيم أجمل العلاقات مع إسرائيل وتدعم الأخوان والتيار السلفي الجهادي؟
قد لا اتفق معك في قولك: "فانتفاضات الربيع العربي أكدت على إن الفلسفة الإسلامية المتطرفة واستخدام العنف، هو السبيل الوحيد لتحقيقها التغيرات الاجتماعية" من حيث الجزئية لا الكلية فالكلية التي اتسمت بالعنف والفوضى كطريق أوحد للتغيير متفق عليها ولكن الإسلام السياسي المتطرف لم يكن في الواجهة ولم يتحمل أعباء التغيير وإنما كان يترصد النتائج ليقز على الانتصار ويسرقه، نعم تأثرت الجماهير العربية بالروح العدوانية التي يحملها التيار السلفي، ولكن هذا لا يكفي وحده دليلا، فالعنف أحد اهم طباع العرب على مر التاريخ، لقد شاهد قبل أيام قيام شباب الأخوان بإلقاء بعض الأطفال من أسطح بناية شاهقة، وشاهدت الجيش الحر يلقي بموظفي البريد من على سطح البناية الشاهقة وشاهدت قيام رجال الأمن الصدامي يلقون بعض المعتقلين العراقيين من على سطح بناية شاهقة وهم مكبلوا الأيدي والأرجل. ما القاسم المشترك بين هذه الوقعات الثلاث التي حدثت بتواريخ متباعدة يا ترى؟
رأس الحسين بن علي وأصحابه قطع وحملت على الرماح وبقيت ثقافة قطع الرؤوس ناشطة عبر التاريخ، وفدائيوا صدام قاموا بقطع رؤوس بعض البغايا بالسيوف، وتنظيم القاعدة قطع آلاف الرؤوس في العراق بالسيوف، والجيش الحر كان ولا زال يقطع الرؤوس، والأخوان في مصر قتلوا الشيخ حسن شحاته وأصحابه بالسيوف وسحلوهم في الشوارع، ما القاسم المشترك؟
أشرت في موضوعك إلى: "أن المشكلة التي واجهت تحرر الأنظمة العربية من خلال الربيع العربي، كانت وقوف التيارات السلفية بوجه الجماهير المنتفضة والسيطرة على قياداتها ومركز قرارها" فهل يعني ذلك التيار الراديكالي الإسلامي ينتهز الفرص ليسرق جهد الآخرين دون حياء؟
التغيير الذي حدث في مصر هل يعني فشل الإسلام السياسي، وهل سينسحب هذا الفشل على تونس وليبيا؟
خالص مودتي

This comment was minimized by the moderator on the site

أخي العزيز الاستاذ صالح الطائي المحترم

أسعدنا مروركم الكريم ومداخلتكم القيمة حول المقال ، وباعتقادي أن انتفاضات الربيع العربي أكدت عمليا على إن الفلسفة الإسلامية المتطرفة واستخدام العنف، هو السبيل الوحيد لتحقيقها التغيرات الاجتماعية بدليل ما يحصل في سوريا الان وما حصل بنطاق واسع في ليبيا واليمن ومصر. ففلسفة العقيدة الاسلامية المتطرفة لا تمتلك التفسيرات الصحيحة للعقيدة الاسلامية بسبب انها تركز على الالتزام الحرفي بالنص القراني ، وهذا ما يبيح للتيارات السلفية والقاعدة تبرير العنف لفرض ما يسمى"بالدولة الاسلامية " .
فالارهاب والاضطرابات السياسية هي المناخ الملائم لتوفير فرصا لهؤلاء المتطرفين الإسلاميين، من خلال نشر العنف واثارة الاحقاد الطائفية كوسيلة في محاولات لاسقاط تلك النظم الديمقراطية كما في العراق او للسيطرة على الأرض كما في سوريا وليبيا واليمن .
ويعتبر الإخوان المسلمون، احد اقوى الاحزاب الدينية الأيديولوجية والأكثر تأثيرا في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين في الشرق الأوسط ، من ناحية الاحياء الروحي الملهم، والإسلام السياسي، لجماعة الإخوان والذين يمثلون التشدد الإسلامي والذي يصل إلى حد الإرهاب.
فقد تأسست جماعة الإخوان في مصر في عام 1928 من قبل حسن البنا (1906-1949). وكانت أهدافها الأصلية تتركز على الامور الخيرية والروحية، مع التركيز الشديد على القدرة على التواصل لنشر الكلمة ، ولكن سرعان ما أصبحت قوة رجعية في مواجهة العلمانية وعلى النمط والأوروبي والغربي في الشرق الأوسط. وقد نمت جماعة الإخوان في مصر إلى منظمة كمظلة للمنظمات الإسلامية في سوريا (حيث تم سحق الإخوان في مجزرة بالآلاف في مدينة حماة في شهر فبراير 1982)، والسودان، الأردن، الكويت، اليمن، ليبيا والعراق.

ومن خلال ما يسمى التوجيه الاستشاري وسياسة الخضوع التام للزعيم، كان "السيد حسن البنا" المؤسس للحركة ، قد أصدر حكما مطلقا، في ان لا تسامح ولا حلول وسط مع المجتمع العلماني حتى انه اعتمد بعضا من ميزات المجتمعات العلمانية لنشر أفكاره ونشاطه السياسي . كما وقام بأشراك وسائل الإعلام واطلق تهديدات إعلامية إلى "محاربة أي سياسي أو منظمة لا تعمل لنصرة الإسلام واستعادة مجده."
ولكن حركة الإخوان لم تتجه للعنف والتطرف حتى تم استبدال البوصلة الإيديولوجية التي وضعها البنا وظهور "سيد قطب" في نهاية المطاف لدمج الحركة مع تنظيم القاعدة وحركة طالبان. وحتميا، أثارالإخوان على نفسهم ردة فعل من قبل الأنظمة المهددة من قبل الحركة. ففي مصر، تم استمالة جماعة الإخوان بالتناوب وقمعها من قبل الأنظمة المتعاقبة من جمال عبد الناصر وأنور السادات وحسني مبارك. وقد تم اغتيال البنا نفسه في عام 1949.
فالسلفيون يختارون تفسيرات للقران الكريم لما يعتقدونه أنها أوامر الخالق سبحانه للانسان للعمل بشريعته ، ولكنهم في الوقت نفسه ، فأن مسألة وجوب ألتزام المسلم بطاعة أوامر الله جل وعلا من خلال الصدق في الايمان من خلال حب ألانسان لأخيه الانسان وعمل الخير لوجه الله تعالى سواءا أكانت هذه ألاخوة في الدين أوفي الانسانية ، فان هذه القيم الربانية ، لا تجد لها مكانا في الواقع العملي والتجارب الحياتية القائمة على سلوك التطرف في العلاقة مع المسلمين وغير المسلمين .
نعم ، فالسلفيون ينتهزون الغرص للسطو على جهود الاخرين ، وما حصل في ليبيا وتونس واليمن وغيرها ، كان سطوا في وضح النهار على الجهود الكبيرة الت كان الربيع العربي قد انتفض من اجلها . فالتيارات المتشددة أيضا قد كفرت بأوامر الله تعالى . كفروا بالدين من خلال خروجهم على الاسلام وأعتناق المذهب الوهابي العنصري الكافر والذي يعمد الى تحريف القيم والمبادئ الاسلامية كحركة راديكالية تقوم على التطرف والارهاب بغرض تحريف قيم ومبادئ ألاسلام والافتراء على الدين وتشويه القيم الايمانية وبما يتعارض مع احكام مبادئهم . وسلوك النظام السعودي تجاه العرب والمسلمين في العراق بعد 2003 ، وبحجة مقاتلة المحتلين ألامريكان والهمجية واللاإنسانية التي مارسوها ضد شعبنا في تبني ألارهاب وتصدير الآلاف المتطرفين السلفيين -- الاصوليين من الوهابيين ، كانت خير مثال على اسفافهم في افترائهم على الدين ، بعد أن رأوا في تدمير العراق عملا بطوليا وباسم الاسلام، وتحالفاتهم مع فلول البعث الفاشي. وتقبلوا كل التقدير .

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2498 المصادف: 2013-07-08 01:25:25