 قراءات نقدية

سيميائية النص الشعري في: تيمَّمي برمادي للشاعر يحيى السماوي

يوسف عبودبلغ النضج الفني في المجموعة الشعرية (تيمَّمي برمادي) للشاعر يحيى السّماوي، مداه الأقصى، حيث تُعّدْ هذه المجموعة هي الخامسة والعشرون من إصداراته الشعرية، خلال مسيرته في بناء وتكوين وتشكيل النص الشعري، فقد تضمنت تلك النصوص رؤىً وصوراً وإيحاءات وإشارات ورموزاً ودلالات تدخل في بنية النص،لتحيله الى حالة من التدفق الواعي بإنسيابية وإيقاع وموسيقى تهز وجدان المتلقي وتسحبه الى أتونها دون أن يعكر صفو هذه الرحلة أي عائق أو تعثر أو هفوة أو وقفة تعيق هذا التدفق،وسوف نكتشف أن بناء النص لدى الشاعر تأثر بشكل ملفت للنظر، بحياة الشاعر وتجاربه وفكره ورؤاه وثقافته وتجربته الطويلة، وهو يشبه (أي النص الشعري) بالنسيج المتداخل من ألوان عديدة تشكل هذه التراكيب التي تعبر عن صفاته وسلوكه وطبيعته وتأملاته، منها:الوطن، الغربة، عشق المرأة حد الوله، الشعور بالحرمان الكبير الذي يصل الى أنه لا يرتوي بالماء لأطفاء ظمئه، ولكن برشفة من شفتيها، وهي عنصر التفاعل الذي يشده نحو حب الحياة،ونجد أيضاً كبر السن وهناك مواطن كثيرة من النصوص تشير الى مايحدث للإنسان عندما يتجاوز الستين من عمره، وما يحصل له من متغيرات تجعله يقترب الى النهايات وهي معروفة، الموت، القبر، والتي أشار لها الشاعر في بعض من نصوصه، كما نجد الأشارة الى الطفولة رغم بلوغ العمر عتيا، وفي حالة قد تكون متفردة يوظف الشاعر النصوص القرآنية وهي لا تشبه التناص، بل أنها تدخل ضمن النص لتتوحد مع المفردة والثيمة ووحدة الموضوع لنقلها من حالة الاستماع إليها الى واقع عملي تطبيقي، كما سوف يمر ذكره في تحليلنا هذا، ونجد السّماوة مسقط رأس الشاعر حاضرة في تلك النصوص، واعتمدت بنية العنونة التي وسمت بها المجموعة (تيمَّمي برمادي) الرؤية الشاملة لتلك النصوص، كونها لم تكن مختارة لواحدة من النصوص، بل أنها دعوة لسيدة القلب والحياة أن تتيمم بهذا الرماد، الذي يعني الكثير، هو الإنكسارات النفسية العميقة، هو الإحباطات الكبيرة التي لحقت به، هو رحلة الحرمان والغربة، هو النهايات، وهوإطلالة هذا الركام الكبير من العمر، وهو أيضاً تجربته الشعرية الكبيرة، أما عناوين النصوص، فقد إختيرت أغلبها من متن النص، من الوسط، أو البداية، أو النهاية، وهي في أحيان كثيرة الرؤية الشمولية للنص، كما إننا سوف نجد الومضة الشعرية التي تنتمي الى القصيدة العمودية وليست الى قصيدة النثر، كما أن الشاعر يستحضر الحضارة السومرية لتكون واحدة من الركائز المهمة التي تشكل بناء النص الشعري، و نكتشف ذلك من أول قصيدة في هذه المجموعة والتي خلت من الإهداءات والتقديم والمقدمة التي وجدها الشاعر زوائد لا تخدم النص الشعري، ولا تساهم في عملية التعاشق المطلوب بين النص والمتلقي، ليعطيه فرصته الطيبة في السياحة في عالم الشعر دون دخيل، وتلك القصيدة هي (ميلاد):

تغدو الملاكُ السومريَّةُ شهرزادَ

تقصُّ بالقُبُلاتِ ليْ

قصصاً

عن الضِلَّيلِ صارَ مؤذِّناً

ومُبشَّراً بالعشبِ باديةَ السماوةِ

والرُّبى بالإخضرارْ

 

وتزفُّ للكهفِ البشارةَ

بالمدى النشوانِ..

والليل المؤبَّدِ

بالنهارْ

2153 يحيى السماوي

وفي قصيدة (وادي زهور اللوز) نجد هذا النسيج حاضراً يمثل التكوين والتشكيل لهذا النص، الطفولة، الكهولة، لغة النصوص القرآنية،بإشاراتها السيمائية، والعشق الذي يجعل الحياة بستاناً من الزهور:

عَجَباً عليّ

رجعتُ في "الستين"

طفلا

 

أصحو

لأقطف من حقول الصدر

تفّاحاً

ومن وادي زهور اللوز أرتشف الندى

فأنامُ مقروراً

سريري غيمةٌ

ووسادتي عشبٌ وريحانٌ

ودفلى

 

جَرَّبتُ أنْ اختارَ غيرَكِ

قبلةً لِصلاةِ عِشقي

فإستدارَ إليكِ قلبي والمُصَلّى

 

أما الومضة الشعرية (صُبّار الألم) التي تتناول موضوع الندم بالرؤية التي يقدمها الشاعر بشكل مثير للإهتمام:

قالتْ ستندمُ

ليس تدري أنني أدمَنتُ

صُبّارَ الندمْ

 

أمضيتُ عمري

أزرعُ الأملَ الجميلَ

وما حصدتُ

سوى الالمُ

وفي قصيدة (إستجداء) نكون فيما ذهبنا إليه في بحثنا النقدي هذا، حول مساهمة النص القرآني في تشكيل النص الشعري، وتحويله من آية مسموعة الى واقع تطبيقي يدخل في متن النص:

ورغيفاً من عناقٍ

دافئِ الجمرِ

بتوليِّ التنانيرِ

يقيني من ذئابِ الزمهريرْ

 

فأنا

أوصى بي اللهُ

يَتيمٌ وغريبٌ وأسيرْ (*)

ويضع إشارة (*) لنقرأ في الهامش الإشارة الى قوله تعالى (ويطعمون الطعام على حبه مسكيناً ويتيماًوأسيراً)

وفي قصيدة (قطوف ليست دانية) نكتشف الإشارات السيمائية بتأثر النص الشعري بالنص القرآني من خلال بنية العنونة وكذلك متن النص:

حتى إذا نادى الآذانُ

إلى صلاةِ الفجرِ

أغواني نُعاسكِ بإقتطافِ

التينِ والتفاحِ

من حقلِ الأنوثةِ

وإرتشافِ ندى زهورِاللوزِ

خالطهُ شذاكْ

وفي الومضة الشعرية (ومضة) التي نكون فيها مع الأعمى الذي لايجد في حياته جدوى، وهي دلالة رمزية لواقع الحياة التي لا نجد فيها ما يمكن ان يثير معالم الفرح، إذ نجدها صحراء قاحلة لا جدوى منها:

قالَ ليّ الأعمى

أنا

أرضٌ يبابٌ

 

ليس يعنيني إذ أشرقتِ الشمسُ

أو البدرُ عن الشرفةِ

غابْ

 

ما الذي تخسرهُ الصحراءُ

إن جَفَّ السرابْ

 

أما قصيدة (قناعة) فأنها رؤية لإكتفاء الحبيبين ببعضهما حد التوافق والانسجام، مستحضراً المثل الشعبي الذي إستُقيَ من موروثنا (وافق شنن طبقة):

فأطعميني صَحْنَ لثمٍ

إنني بتُّ قنوعاً

جشعي لا يتعدى شفتي

والحَدَقةْ

 

فسأرضى بالندى من زهرةِ اللوزِ..

ومن فردوس واديكِ البتوليّ بِشمّ الزنبقةْ !

 

إنني شنٌّ

فكوني طبقةْ

وفي قصيدة (ليس يعنيني الذي قيل) فنكون مع حالة النهايات التي تحدثنا عنها، وكيف تكون مشاعر الكهولة وتأثير سني العمر، التي تتمثل بعلاقة هي أشبه بنفاذ صبر من كل شيء، فهو يريد أن يغلق الابواب والشبابيك، ولكن يبقي قلبه ينبض حباً ليس بعنفوان الشباب:

أغلقي بابكِ

والشباكَ والتنُّور والمِكحَلةَ

اليقظةُ..

والحُلمَ الخيالْ

 

فأنا

أغلقتُ أبوابَ جوابي

وشبابيكَ السؤالْ

 

ليس يعنيني الذي قيلَ

عن الصَّب الفراتيَّ

وما سوفَ يقالْ

وفي قصيدة (ياجبل العمر) نكون مع تلك المجسات التفاعلية التي تثير القلق والخوف من تداعي العمر، وبلوغ قمته كما يصفه النص، إلآ أنه واقصد في ذلك الرجل الكهل الذي رسم ملامحه الشاعر، أن يبلغ قمة العمر، يريد أن يبقى مع الربيع، مع الزهور، مع الرياحين، مع العشق الأخضر، ويحافظ على محبوبته:

يا جَبَل العمرِ

ألا تعرفُ من وسيلةٍ

تمنعُ خطوي من وصول القمّةْ ؟

 

أريد أن أبقى مدى الدهرِ على السفح مع الأنهارِ

والأشجارِ والأطيارِ والأوتارِ

والكأس التي خَمرتُها تحيلُ كهفي غيمةً

مع التي قميصها

شَقَّ ستارَ الظلمةْ

 

فأرضعتني قُبلاً

ووسَّدتُ فمي مرايا الجيدِ

فانزلقتُ نحو الحَلّمَةْ

المجموعة الشعرية (تيمَّمي برمادي) للشاعر يحيى السّماوي، هي خروج من قيود السياقات الفنية لصناعة القصيدة الشعرية وما تفرضه من سطوة تعيق حرية الإنطلاق والتدفق ، والتي إمتلك ناصيتها الشاعر وسبر أغوارها، الى حيث المعالجات الفنية الجديدة التي تضمنت هذا النسيج الرائع من المحاور والافكار والمؤثرات الذهنية والثقافية وتجارب الحياة، وتجربة رحلته الطويلة مع الشعر.

 

يوسف عبود

.......................

* من إصدارات مؤسسة المثقف في سيدني استراليا، ودار تموز - ديموزي دمشق لعام 2018

* فصل من كتاب (تفاعلات النص الشعري الحديث) إصدار الورشة الثقافية عام 2020

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (2)

This comment was minimized by the moderator on the site

الأخ الأديب الناقد القدير أ. يوسف عبود : تحاياي ومحبتي وودي ..
شكرا لتوسيمك مجموعتي بوسام دراستك النقدية الثرة ، مع تمنياتي لحقول أبجديتك بالمزيد من بيادر الإبداع .

يحيى السماوي
This comment was minimized by the moderator on the site

قراءة نقدية تلخيصية هادفة لبعض تمظهرات الشعرية الحديثة في تجربة الشاعر المبدع الكبير يحيى السَّماوي الثرة في ديوانه المائز بجمالياته العشقية الدالة على عتبة ثريا النص ((تيمَّمي برمادي))...فتحيةً للأستاذ الناقد على رؤيته النقدية الفاحصة..
ومبارك من القلب لشاعرنا المبدع الكبير يحيى السماوي على مشروعه الثقافي الآيروتيكي الروحي الذي يميز هذا الديوان ويوشمه فتحاً بسيمائية التجديد الفكري الشعر العربي الحديث.

د. جبّأر ماجد البهادلي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 5246 المصادف: 2021-01-15 08:45:02