تامي الشيخ عليفيرجينيا وولف

ترجمة: تامي الشيخ علي


"إلى سِسي مِلَر". ملتقطاً دبّوسَ الزينةِ المصنوعَ من اللؤلؤ والقابعَ بين مجموعةٍ من الخواتم ودبابيس الزينة على منضدة صغيرة في غرفة استقبال زوجته، قرأ غيلبرت كلاندُن الإهداء: " إلى سِسي مِلَر، مع حُبّي".

من خصائص آنجِلا المميَّزَةِ أن تتذكّر حتى سِسي مِلَر، سكرتيرتها. مع ذلك، فكَّرَ غيلبرت كلاندُن مرةً أخرى كم كان غريباً أنها تركتْ كلَّ شيءٍ في ترتيب هائل: هدية صغيرة من نوع ما لكلِّ واحدةٍ من صديقاتها، حتى لكأنها كانت قد تنبَّأت باقتراب أجَلِها. ومع ذلك، كانت موفورةَ الصحّةِ تماماً حين غادرتِ المنزلَ ذلك الصباح، قبل ستة أسابيع، واجتازتْ حافَّةَ الرصيفِ في بيكاديلي فأزْهَقَتِ السيارةُ روحَها.

كان ينتظر سِسي مِلَر. كان قد سألها الحضورَ إذ شعر أنه مدينٌ لها، بعد كلِّ السنين التي قَضَتْها معهما، برمز التقدير هذا. أجَلْ، تابعَ التفكيرَ، فيما كان يجلس هناك منتظراً، كان أمراً غريباً أنَّ آنجِلا تركتْ كلَّ شيءٍ في ترتيب هائل. كانت كلُّ صديقةٍ قد تُرِكَ لها تذكارٌ من عاطفتها. كلُّ خاتمٍ، كلُّ عِقدٍ، كلُّ علبةٍ صينيَّةٍ صغيرةٍ، وكانت مولَعَةً بالعُلبِ الصغيرة، كانت تحمل اسماً عليها. وكانت لكلٍّ منها ذكرى بالنسبة إليه. هذه كان قد أعطاها إيّاها. وهذا، الدولفين المطليّ بالمينا ذو العينين الياقوتيّتيْن، كانت قد انقضَّتْ عليه متلهِّفَةً في شارعٍ خلفيٍّ في مدينة البندقية. كان في ميسوره تذكُّرُ صيحة بهجتها الصغيرة. أما له، بالطبع، فلم تترك شيئاً على وجه الخصوص، اللهم إلا إذا كان الأمر يتعلّق بيوميّاتها. خمسة عشر كتاباً مُجَلَّداً بتجليدٍ أخضر كانت تنتصب وراءه على منضدة كتابتها. منذ أن تزوَّجا كانت تواظب على كتابة يوميّاتها. وبعضٌ مِنْ - لم يكن في مقدوره أن يسمّيها مشاجراتهما - فلنقل مشاحناتهما الطفيفة القليلة للغاية، كانت حول هذه اليوميات. عندما كان يدخل عليها ويجدها تكتب، كانت دائماً تغلقها أو تضع يدها فوقها وكان في مقدوره سماعها تقول: " لا، لا، لا. ربّما بعد موتي". وهكذا خلَّفَتْها له كَتَرِكَةٍ منها. كانتِ الأمرَ الوحيدَ الذي لم يكن مُشْتَرَكاً بينهما حين كانت على قيد الحياة. بّيْدَ أنه كان دائماً يعتبر أن من البديهيّ أنها ستُعَمِّرُ أكثرَ منه. ولو توقَّفَتْ لحظةً واحدةً وأعمَلَتْ تفكيرها فيما كانت مُقْدِمَةً عليه، لكانت الآن في عِدادِ الأحياء. غير أنها كانت قد خَطَتْ مباشَرَةً فوق الحاجز الحجري للرصيف نحو الشارع، على حدِّ ما قال سائق السيارة في التحقيق. لم تُعْطِهِ فرصةً للتوقُّف. وهنا قطَعَتْ عليه تفكيرَهُ أصواتٌ تعالَتْ في القاعة.

قالت الخادمة:

- الآنسة مِلَرْ يا سيدي.

دخلتْ. لم يكن قد رآها لوحدها قطّ طيلة حياته، ولا دامعة العينَيْن طبعاً. كان الحزن قد ألمَّ بها أيّما إلمام. ولا غَرْوَ. فقد كانت آنجِلا بالنسبة إليها أكثر من ربَّةِ عمل بكثير. كانت صديقة. وفكّرَ في قرارة نفسه، وهو يدفع كرسيّاً إليها ويطلب منها الجلوس، أنه يصعبُ أن ترى فيها ما يُميِّزها عن أية امرأة أخرى من مثيلاتها. كانت ثمة آلاف من سِسي مِلَر، نساء ضئيلات القامة مُتَّشِحات بملابس سوداء رثة يحملن حافظات أوراق. بَيْدَ أن آنجِلا، بعبقريّتها في التعاطف، كانت قد اكتشفتْ كلَّ الخِصالِ الحميدةِ الموجودة في طبيعة سِسي مِلَر. كانت نموذجَ التعَقُّلِ مُجَسَّداً، صَموتاً للغاية، وموضعَ ثقةٍ إلى حدٍّ بعيدٍ، وفي وسع المرء أن يخبرها بأيِّ شيءٍ وما إلى ذلك.

لم يكن في مقدور الآنسة مِلَر التحدُّثُ في بداية الأمر. جلست هناك تجفف عينيها بمنديلها. ثم بذلت جهدَها للتحدُّثِ قائلةً:

- اعذرني سيّد كلاندُنْ.

فتمتمَ بما معناه أنه طبعاً يتفهّمُ الموقف. كان الأمر طبيعيّاً فحسب. كان في مقدوره أن يحزر مدى ما كانت زوجتُه تعني بالنسبة إليها. قالت وهي تُجيلُ الطَّرْفَ حولها:

- لقد كنتُ في غاية السعادة هنا.

واستقرَّتْ عيناها على منضدة الكتابة الموجودة ِ وراءه. كان هذا هو المكان الذي كانتا تعملان فيه سَوِيَّةً، هي وآنجِلا، إذ كان لآنجِلا نصيبُها من الواجبات التي تُلقى على عاتق زوجة سياسيٍّ بارز. وكانت خيرَ عَوْنٍ له في مِهْنَتِه.  ولطالما أبصرها وسِسي جالستَيْنِ إلى تلك المنضدة، وسِسي أمام الآلة الكاتبةِ وهي تُدَوِّنُ الرسائلَ التي تُمليها عليها آنجِلا. ولا ريبَ في أنَّ الآنسة مِلَر كانتْ تفكّر بذلك أيضاً. والآن، كانَ كلَّ ما يتحتَّمُ عليه القيامُ به إعطاؤها دبّوسَ الزينة الذي ترَكَتْهُ زوجتُهُ لها. وبدت هذه الهدية غير مناسبة إلى حدٍّ ما. ربما كان أجدى بها لو تركت لها مبلغاً من المال، أو حتى الآلة الكاتبة. بَيْدَ أن ذلك هو ما كان موجوداً: " إلى سِسي مِلَر، مع حُبّي". تناول الدبّوسَ وأعطاها إيّاه مع الكلمة الصغيرة التي كان قد أعدَّها. قال إنه كان يعرف أنها ستُقَدِّرُهُ حقَّ تقديره، فلطالما ارتَدَتْهُ زوجتُه. وردَّتْ وهي تأخذه، وكأنها هي أيضاً كانت قد أعدَّتْ على وجه التقريب كلمةً، قائلةً إنه سيكون دائماً من ممتلكاتها الثمينة. كان يتصوَّرُ أنّ لديها ثياباً أخرى لو وَضَعَتْ عليها دبّوساً من اللؤلؤ فلن يبدو غير مناسبٍ تماماً. كانت ترتدي المعطف الأسود الصغير والتنورة اللذين كانا يبدوان بذلة مهنتها النظاميّة. ثم تذكَّرَ... كانت في ثياب الحِداد بالطبع. كانت لها، هي أيضاً، مأساتها، فقد توفي أخٌ لها كانت قد كرَّسَتْ له نفسها، وكان ذلك قبل وفاة آنجِلا بأسبوع أو أسبوعَيْنِ فقط. هل كانت وفاته جرّاء حادث؟ لم يكن في وسعه التذكُّر. كلُّ ما تذكَّرَهُ هو آنجِلا تُخبرُه بذلك. آنجِلا، بنزعتها المميَّزَة إلى المشاركة الوجدانيّةِ، كانت في غاية الاضطراب. أثناء ذلك كانت سِسي مِلَر قد نهضتْ. كانت ترتدي قفّازَيْها. كان من الواضح أنها شعرتْ بضرورة ألّا تُثقل عليه. بَيْدَ أنه لم يكنْ في وسعه أن يدعها تغادر دون ذِكْرِ شيء عن مستقبلها. ماذا كانت خططها؟ هل كانت ثمة أية طريقة يمكنهُ بموجبها إسداءُ العَوْنِ لها؟

كانت تحدّقُ إلى المنضدة، التي كانت تجلس إلى آلتها الكاتبة الموضوعةِ عليها، حيث تقبع اليوميّات. ولأنها كانت تائهة في ذكرياتها عن آنجِلا لم تُجِبْ  في الحالِ على اقتراحه بوجوب إسداء يد العَوْنِ لها. وبدت للحظةٍ أنها لم تعِ ما قال. لذلك كرَّرَ قائلاً:

- ما هي خِطَطُكِ آنسة مِلَر؟

فهتفتْ قائلةً:

- خِططي؟ أوه إنها على ما يُرام يا سيّد كلاندُن. أرجوك لا تضايق نفسَك بي.

ففَهِمَ من ذلك أنها ترمي إلى القول إنها ليست في حاجة إلى مساعدة ماليّة. وأدرك أنه كان يَحْسُنُ به أن يعرض أيَّ اقتراح من هذا القبيل في رسالة. كلُّ ما كان في مقدوره القيام به الآن هو القول وهو يشدُّ على يدها:

- تذكّري، آنسة مِلَر، أنه إن كانت ثمة أية طريقة يمكنني بموجبها أن أسديَ لكِ العَوْنَ، فسيكون ذلك مدعاةً لسروري.

ثم فتح الباب. وللحظةٍ توقفتْ على عتبته وكأنّ فكرةً طارئةً كانت قد خَطَرَتْ ببالها على حين غِرَّةٍ، وقالت وهي تنظر إليه مباشَرَةً للمرة الأولى:

- سيد كلاندُن. إذا كان ثمة ما يمكنني القيام به، في أي وقت، لأسدي لك عَوْناً، فتذكّر أن ذلك سيكون مدعاةً لابتهاجي، كُرْمى لزوجتك.

وللمرة الأولى، أدهَشَهُ التعبير الحاني والباحث في الوقت نفسه الذي ارتسم في عينيها.

ومضتْ بعد أن قالت ذلك. كانت كلماتها والنظرة التي رافقتها خارج نطاق توقّعاته. وكأنها، على وجه التقريب، كانت تعتقد، أو تأمل، أنه سيحتاجها. وخامَرَتْهُ فكرة غريبة، وخيالية ربما، فيما كان يعود إلى كرسِيِّه. أكان من الممكن، طيلة تلك السنوات كلِّها التي قلّما لاحظها فيها، أنها كانت، على حدّ تعبير الروائيِّيِن، تُكِنُّ له هوىً في نفسها؟ لَمَحَ صورته في المرآة حين مرَّ أمامها. كان عمرُهُ يُنيفُ على الخمسين، بَيْدَ أنه لم يكن في مقدوره الكفُّ عن الاعتراف بأنه لا يزال، كما أرَتْهُ المرآةُ، رجلاً متميِّزاً للغاية.

قال نِصْفَ ضاحك: "يا لَسِسِي مِلَرْ المسكينة!". لَكَمْ كان سيودّ مشاركة هذه النكتة مع زوجته! والتفتَ إلى مذكَّرَاتِها على نحوٍ غريزيّ. قرأ وهو يفتحها عشوائيّاً: " بدا غيلبرت في غاية الروعة." وبدا ذلك وكأنها أجابت على سؤاله. طبعاً كانت ترمي إلى القول إنك جذّابٌ للغاية في نظر النساء. وطبعاً سِسِي مِلَرْ شعَرَتْ بذلك أيضاً. وتابع القراءة: "كم أحسُّ بالفخر لكَوْني زوجتَهُ!". ولقد كان دائماً في غاية الفخر لكَوْنِهِ زوجَها! ولطالما، حين كانا يتناولان العشاء خارج المنزل في مكان ما، نظر إليها عَبْرَ المائدة وقال في دخيلة نفسه: إنها أجمل امرأةٍ هنا. وتابع القراءة: في تلك السنة الأولى كان مُرَشَّحاً لعضويّة البرلمان. وكانا قد قاما بجولةٍ في منطقة ناخبيه. "عندما جلس غيلبرت، كان التصفيق هائلاً. ونهض الجمهورُ بأكمله وغنّى (لأنه رجلٌ طيّبٌ إلى حدٍّ بعيد). وعجزتُ عن التحكُّمِ في مشاعري". تذكَّرَ ذلك أيضاً. كانت جالسة على المنصَّةِ بقربه، ولا يزال في مقدوره أن يُبْصِرَ تلك النظرة التي رَمَقَتْهُ بها، وكيف كانت عيناها مُغْرَوْرِقَتَيْنِ بالدموع. وبعد ذلك؟ قلب الصفحات. كانا قد ذهبا إلى مدينة البندقيّة. واستعاد ذكرى تلك العطلة السعيدة بعد الانتخابات. "تناولنا المثلوجات في مقهى فلوريان" (1). ابتسم. كانت لا تزال طفلة جدّاً. كانت تعشق المثلوجات. "سرَدَ لي غيلبرت تقريراً ممتعاً للغاية عن تاريخ مدينة البندقيّة. أخبرني بأن الأدواج (2)......... ". كانت قد كتبت كلَّ ذلك بخطِّ يدها الشبيه بخطِّ تلميذة مدرسة. إحدى متع السفر مع آنجِلا هي أنها كانت توّاقةً للغاية إلى التعلُّم. واعتادت القولَ إنها كانت جاهلةً إلى حدٍّ مريع، وكأن ذلك لم يكن من  مُقَوِّمات سِحْرِها. وبعد ذلك، فتح المُجَلَّدَ التالي، كانا قد عادا إلى لندن. "كنتُ جِدَّ متلهِّفة لتَرْكِ انطباع طيِّبٍ عنّي، فارتديتُ ثوب زفافي". كان في مقدوره الآن أن يبصرها جالسةً قرب السِّير إدوارد العجوز، منتزعةً إعجاب ذلك المُسِنِّ المرعب، رئيسِه. وتابع القراءة على جناح السرعة وهو يقوم بتركيب المَشَاهِدِ مَشْهَداً إثرَ مشهدٍ مِنْ نُتَفِها المُشظّاة.

"تناولنا العشاء في مجلس العموم، ثم ذهبنا إلى حفلة مسائية في لاف كروفز. وسألتني الليدي  (ل) إن كنتُ قد أدركتُ حجم المسؤولية الملقاة على كاهلي باعتباري زوجة غيلبرت؟". ثم مع مرور السنين، تناول مُجَلَّداً آخر من منضدة الكتابة، كان انهماكُهُ بعمله قد ازداد باضطرادٍ. وكانت هي، بالطبع، وحيدةً في أغلب الأحيان. ولشدَّ ما كان يحزُّ في نفسها، على نحو واضح، أنهما لم يكونا قد رزقا بأطفال. ووَرَدَ في إحدى التدوينات" لَكَمْ أتمنّى لو كان لغيلبرت ابن!". وكان من الغرابة بمكان أنه هو نفسه لم يتحسَّرْ على ذلك قَطّ. كانت الحياةُ زاخرةً للغاية، وغنيَّةً للغاية كما كانت. في ذلك العام كان قد أُعطيَ منصباً ثانويّاً في الحكومة. مجرَّد منصب ثانويٍّ، بَيْدَ أنّ تعليقها كان: "أنا واثقة تمام الثقة الآن أنه سيصبح رئيسَ وزراء". في الواقع، لو كانت الأمور قد جرَتْ على نحوٍ مختلفٍ لكان من الممكن أن يحصل ذلك. وتوقّف هنا ليتفكّر في ما كان يمكن أن يحصل. كانت السياسة قماراً، فكَّرَ مَلِيَّاً، غير أن اللعبة لم تنته بعد. ليس في سِنِّ الخمسين. أدارَ عينيه بسرعة فوق المزيد من الصفحات المُتْرَعَةِ بالصغائر، الأمور اليوميّة السعيدة التي لا تحمل أية أهمية، والتي كوَّنَتْ حياتَها. تناول مُجَلّداً آخرَ وفتحه على نحوٍ عشوائيّ. " يا لي من جبانة! لقد تركتُ الفرصةَ تضيع مرة أخرى. بَيْدَ أنني أحسستُ أنه من الأنانية أن أُثْقِلَ عليه بأموري الخاصة ولديه ما لديه من المشاغل. وصرنا قلَّما نقضي مساءً لوحدنا". ماذا يعني ذلك؟ أوه. ها هو التفسير. إنها تشير إلى عملها في منطقة الـ "إيست إند". "استَجْمَعْتُ شجاعتي وتحدَّثْتُ مع غيلبرت في نهاية المطاف. كان في غاية اللطف وفي غاية الطيبة. ولم يُبْدِ أيَّ اعتراض". تذكَّرَ تلك المحادثة. كانت قد أخبَرَتْهُ بأنها تشعر بأنها عاطلة للغاية وعديمة النفع للغاية وتمنَّتْ أن يكون لديها عملٌ خاصٌّ تقوم به. كانت تودُّ القيام بعملٍ ما - وتذكَّرَ كيف احمرَّ وجهها خجلاً على نحوٍ فاتنٍ للغاية حين قالت ذلك وهي جالسة على ذلك الكرسيِّ بالذات - لمساعدة الآخرين. كان قد مازحها بعض الشيء. ألا يكفيها عملاً الاعتناءُ به والاعتناءُ ببيتها؟ مع ذلك، إذا كان العمل يسلّيها فبالطبع لا اعتراض لديه. وماذا كان؟ في مقاطعة ما؟ في لجنة ما؟ فقط كان لزاماً عليها أن تقطع الوعدَ على نفسها بألّا تُسْقِمَها بالعمل. وهكذا بدا أنها كانت تذهب إلى "وايت تشابل" كلَّ أربعاء. وتذكَّرَ كم كان يكره الملابس التي كانت ترتديها في تلك المناسبات. بَيْدَ أنها كانت قد أخذت الأمر على محمل الجدِّ تماماً، كما بدا. كانت يوميّاتُها مُتْرَعَةً بإشارات مثل هذه: "رأيتُ السيدة جونز...لديها عشرةُ أطفال...زوجُها فَقَدَ ذراعه في حادث...بذلْتُ قُصارى جهدي لإيجاد عمل من أجل لِلِي." وواصلَ تَخَطِّي الصفحات. وطفقَ تكرارُ اسمه يقلّ. ففَتَرَ اهتمامُه. ولم تَعْنِ له بعضُ القطعِ المُدَوَّنَةِ  أيَّ شيء. على سبيل المثال: " حدثتْ مناقشة حامية عن الاشتراكية مع ب.م." مَنْ كان ب.م.؟؟ واستغلق عليه إلى ماذا يرمز هذان الحرفان الاستهلالِيَّان(3). وافترض أنها قد تكون امرأةً ما قابلتها في إحدى لِجانِها ربّما. " شنَّ ب.م. هجوماً عنيفاً على الطبقات العليا....رجعتُ مع ب.م. بعد الاجتماع وحاولتُ إقناعَه. غَيْرَ أنَّه ضيِّق الأفق للغاية." إذن كان ب.م. رجلاً (4). ومن دون ريب واحداً من أولئك "المفكّرين"، كما يُسَمُّون أنفسَهم، بالغي العنف، كما قالت آنجِلا، وضيِّقي الأذهان. كانت، كما هو واضح، قد دَعَتْهُ إلى المجيء ومقابلتها. "جاء ب.م. إلى العشاء. وصافح ميني.!". وأعطت علامةُ التعجُّبِ فَتْلَةً أخرى للصورة الذهنيّة التي رسمها في خياله. بدا أنّ ب.م. لم يكن معتاداً على خادمات الضيوف في البيوت. كان قد صافح ميني. لعلّه كان واحداً من أولئك العمال الودعاء الذين يفصحون عن آرائهم في صالونات السيّدات. كان غيلبرت يعرف هذا النمط  ولا يُكنُّ مَيْلاً إلى هذه العيّنة الشخصيّة أيّاً كان ب.م. وها هو ذا يظهر مرّة أخرى: "ذهبتُ مع ب.م. إلى برج  لندن. قال إن الثورة قادمةٌ لا محالة. وقال إننا نعيش في جَنَّةِ الحمقى". كان ذلك هو تماماً نوع الأشياء التي سيقولها ب.م. كان في مقدور غيلبرت أن يسمعه. وكان في مقدوره أيضاً أن يراه بوضوح تام. رجلٌ قصيرُ القامة وبَدِينٌ، بلحية خشنة وربطة عنق حمراء، ويرتدي، على شاكلة أمثاله، بدلةً من التويد (5) ، ولم يعمل طيلة حياته قطّ يوماً واحداً بأمانة.  بالتأكيد كان لدى آنجِلا الحسُّ لإدراك مراميه الخَفيَّة؟ تابع القراءة. "قال ب.م. أشياء لا يمكن قبولها البتّة عن.....". كان الاسم مَشْطوباً بحرص.

" أخبرتُهُ بأنني لن أصغي إلى أية شتيمة أخرى عن .....". ومرّةً أخرى كان الاسمُ مَمْحُوَّاً. أكان من المحتمل أن يكونَ الاسمُ اسمَه؟ ألذلك السبب غطَّتْ آنجِلا الصفحة بمنتهى السرعة عندما دخل؟ شكَّلَتِ الفكرةُ إضافةً إلى كُرْهِهِ المتنامي لـ ب.م. أبَلَغَتْ به الوقاحةُ حَدَّ تناولِ سيرَتِهِ في هذه الغرفة بالذات؟ لِمَ لَمْ تخبرْهُ آنجِلا بذلك قَطّ؟ لم يكن من سجاياها أن تخفي عنه أيَّ شيء. كانت نموذجَ الصراحة مُجَسَّداً. قلب الصفحات مُلْتَقِطاً كلَّ إشارةٍ إلى ب.م. "أخبرني ب.م. بقصة طفولته. كانت أمُّهُ تعمل في تنظيف البيوت. وعندما أفكّر في ذلك أكاد لا أقوى على الاستمرار في العيش في هذه الرفاهية. ثلاثة جنيهات ثمناً لقبّعة واحدة!". ليتها كانت قد ناقشتِ الأمرَ معه، بدلاً من إرباك رأسها الصغير المسكين بأسئلةٍ يصعبُ للغاية فهمُها بالنسبة إليها! كان قد أعارها كتباً. كارل ماركس، الثورة القادمة. وطفق الحرفان ب.م. ب.م. ب.م. يتكرّران مرّةً تِلْوَ أخرى، ولكنْ لمْ يكنِ الاسمَ الكاملَ قَطّ؟ كان ثمة رفعُ كلفةٍ وأُلفةٌ في استخدام الحرفَيْنِ الاستهلاليين وهو ما يخالف سجايا آنجِلا تماماً. هل كانت تدعوه ب.م. في حضوره؟ وتابع القراءة. "جاء ب.م. على غير انتظار بعد العشاء. ولحسن الحظّ كنتُ بمفردي." كان ذلك قبل عام فحسب. "لحسن الحظّ"- لماذا لحسن الحظّ؟ - "كنتُ بمفردي". أين كان تلك الليلة؟ راجَعَ التاريخ في دفتر مواعيده. كانت ليلة العشاء في المانشن هاوس. وب.م. وآنجِلا كانا قد قضيا المساء بمفردهما! حاول أن يتذكّر ذلك المساء. هل كانت مستيقظةً تنتظره حين عاد إلى البيت؟ هل كانت الغرفة تبدو كما اعتادت أن تكون؟ هل كان ثمة كأسان على الطاولة؟ هل كان الكُرْسيّان قد أُدْنِيَ كلٌّ منهما إلى الآخر؟ لم يكن في وسعه أن يتذكّر شيئاً. لا شيء على الإطلاق، لا شيء باستثناء كلمتهِ التي ألقاها في عشاء المانشن هاوس. وازداد استعصاءُ الوضْعِ بِرِمَّتِهِ على التفسير بالنسبة إليه. استقبال زوجته رجلاً مجهولاً لوحدها. لعلَّ المُجَلَّدَ التالي يُفسّرُ. وعلى جناح السرعة حاول الاستغاثة بآخر مجَلَّدات اليوميّات، المُجَلَّدِ الذي تركَتْهُ دون أن تنهيه قبل موتها. وهناك، وفي الصفحة الأولى بالذات، كان الرجل الملعون مرّةً أخرى. "تناولتُ العشاء لوحدي مع ب.م. أصبح شديد الاهتياج. قال إنّ أوَانَ أن يفهمَ كلٌّ مِنّا الآخر قد حان. حاولتُ دَفْعَهُ إلى الإصغاء. غير أنه لم يكن في وارد ذلك. وهدَّدَ أنني إن لم......". كانت بقيَّةُ الصفحة مشطوبةً. كانت قد كَتَبَتْ على الصفحة بأكملها "مِصْر. مِصْر. مِصْر." لم يستطع فهم كلمة واحدة، ولكنْ قد يكون هنالك تفسيرٌ واحدٌ فحسب: كان ذلك الوغد قد طلب منها أن تصبح خليلَتَه. وحدهما في غرفته! اندفعتِ الدماءُ إلى وجه غيلبرت كلاندُن. طفق يقلب الصفحات بسرعة. ماذا كان جوابها؟ كان الحرفان الاستهلاليّان قد توقفا، وتحوّلا ببساطة إلى "هو" الآن. " جاء هو مرّةً أخرى. أخبرتُهُ بأنني عاجزة عن الوصول إلى أيِّ قرار. وناشَدْتُهُ أن يتركني." كان قد فرض نفسه عليها في هذا المنزل بالذات. ولكنْ لِمَ لَمْ تخبرْهُ؟ كيف تأتّى لها أن تتردّدَ لحظةً؟ ثمّ: "كتَبْتُ له رسالةً". ثمّ تُرِكَتِ الصفحاتُ  خاليةً من الكتابة. ثمّ كان هذا: " لا جوابَ على رسالتي." ثمّ المزيد من الصفحات الخالية من الكتابة، ثم هذا: "لقد نفّذَ تهديدَه". وبعد ذلك - ماذا حدث بعد ذلك؟ قلب صفحةً إثر صفحة. وكانت كلُّها خالية من الكتابة. ولكنْ كانت هنالك، في اليوم السابق لوفاتها بالذات، هذه التدوينة: "هل أملك الشجاعة للقيام بذلك أيضاً؟"

كانت تلك النهاية.

ترك غيلبرت كلاندُن المُجَلَّدَ ينزلق إلى الأرض. كان في مقدوره أن يراها أمامه. كانت واقفةً على حافة الرصيف في بيكاديلي. عيناها مُحَدِّقتان، وقبضتاها مُطْبَقَتان. وها قد أتتِ السيّارة...

لم يَقْوَ على احتمال ذلك. وكان لزاماً عليه أن يعرفَ الحقيقة. فَخَطا خطواتٍ واسعةً نحو الهاتف.

"الآنسة مِلَر!". كان ثمة صمت. ثم سمع أحداً ما يتحرّكُ في الغرفة. وأجابَهُ صوتُها أخيراً: "الآنسة مِلَر تتحدّث".

فهَدَرَ بصوتٍ كالرعد سائلاً:

- مَنْ هو ب.م.؟

كان في مقدوره أن يسمع ساعة الحائط وهي تُتَكْتِكُ على رفِّ موقدها، ثم تناهت إلى سمعه تنهيدةٌ طويلة ٌوعميقةٌ. ثم قالت أخيراً:

- كان أخي.

كان أخاها. أخاها الذي قتل نَفْسَهُ. وسمع سِسِي مِلَر تسأل:

- هل ثمة أي شيءٍ في ميسوري أن أشرَحَه؟

صاح قائلاً:

- لا شيء. لا شيء.

كان قد استلم تَرِكَتَه. كانت قد أخبَرَتْهُ بالحقيقة. كانت قد نزلت عن حافة الرصيف لكي تنضمَّ ثانيةً إلى حبيبها. كانت قد نزلت عن حافة الرصيف لكي تفرَّ منه.

***

.................. 

(1). مقهى فلوريان: افتتح هذا المقهى أبوابه في مدينة "البندقية" عام 1720، ويعتبر أقدم مقهى فيها وفي العالم. اشتهر في ما بعد بضخامته وفخامته وزبائنه المتميّزين، وكان في عِدادِ مَنِ ارتادوه على نحو متكرّر الشاعر والسياسي الإنكليزي جورج غوردون بايرون (اللورد بايرون)، والروائي الفرنسي مارسيل بروست والروائي الإنكليزي تشارلز ديكنز. (ويكيبيديا).

(2). الأدواج: جمع دوج وهو القاضي الأول في البندقية وجنوا في إيطاليا (المورد).

(3). الحرفان الاستهلالِيَّان: الحرفُ الأوَّلُ من الاسم، والحرفُ الأوَّلُ من الكنية. (المترجمة).

(4). عندما قرأ غيلبرت في اليوميّات: حاولتُ إقناعه (tried to convince him)، غَيْرَ أنه ضيِّق الأفق للغاية ( But he is so narrow-minded)، عرف من الضميرين him و he أن المقصود رجلٌ، وليس امرأةً كما كان قد افترض، لأن الفعل في اللغة الإنكليزية لا يدلّ على كَوْنِ الفاعل مُذكَّراً أم مُؤنَّثاً. (المترجمة). 

(5). التّويد: نسيجٌ صوفيٌّ خشنٌ (المورد).

 ................

فيرجينيا وولف (1882- 1941):

روائيّةٌ وقاصّةٌ وناقدة ٌ أدبيّةٌ وكاتبةُ مقالاتٍ وناشطةٌ في مجال حركات التحرّر النسائيّة، تُعتَبَرُ واحدةً من أهمِّ مؤلّفي القرن العشرين الحداثيين، ورائدةً في استخدام تيّار الوعي كوسيلةٍ سرديَّة.  

ولدتْ باسم فيرجينيا ستيفن عام 1882، في عائلة ثريَّةٍ، في ساوث كِنْزِنْغْتِن، لندن، وعلى مقربة من حديقة هايد بارك،لأبوين هما ليزلي ستيفن (1904-1832) وزوجته الثانية جوليا جاكسون دَكْوورث (1895-1846). وكان ترتيب فيرجينيا السابعة في عائلة مدمجة من أصل ثمانية أطفال، أربعة من زواج أبيها وأمِّها، وأربعة من زواجَيْنِ سابِقَيْن لكلٍّ منهما، فقد كان لأبيها ابنة واحدة من زواج سابق، وكان لأمها ثلاثة أطفال من زواج سابق. وقد عاش الأطفال الثمانية معاً تحت سقفٍ واحد في بيت والد فيرجينيا، الذي كان كاتباً ومؤرخاً وكاتبَ مقالاتٍ ومتسلقَ جبالٍ بارزاً وفيلسوفاً ومثقفاً أصدر "المعجم القوميّ لِلسِّيَرِ الذاتيةِ"، وكان صديقاً لعدد من مشاهير الأدباء، ومنهم هنري جيمس وماثيو آرنولد وجورج إليوت (وهو الاسم المستعار الذي اتَّخَذَتْهُ الروائية والشاعرة والصحافية والمترجمة الإنكليزية ميري آن إيفانس 1819-1880 للكتابة).

أما والدتها، جوليا جاكسون دَكْوورث، فتنحدر من أصول أنكلوهنديّة مرموقة، وانتقلت إلى إنكلترا مع والدتها ولها من العمر سنتان حيث قضت معظم سنواتها المبكرة مع خالتها، سارة، التي أنشأت برفقة زوجها  صالوناً أدبياً وفنياً وأصبحت جوليا بفضلِهِ على تواصل مع الكثير من رسامي حركة "ما قبل الرفائيلية"، مثل  إدوارد بيرين-جونز، والذي عملت معه كـعارضة. كما عملت ممرضة وأولت شؤونَ الفقراء والمرضى الاجتماعيةَ الأولويّةَ في لائحة اهتماماتها الشخصية، وعُرف عنها قيامُها بالأعمال الخيرية.

في هذه البيئة ذات الخلفية المُطَهَّمَةِ والمتنوّرة بالثقافة ولدتْ فيرجينيا.

بَيْدَ أن نَشْأتها، وإن لم تَخْلُ من المتع الطفولية في حينها، كانت مشوبة بسلسلة متلاحقة من خيبات الأمل والصدمات المريرة، التي أربكَتْ وَعْيَها النقيَّ ودَفَعَتْها أحياناً إلى حدود التشتُّت الذهني والاضطرابات العقلية، مُذِ اكتشفتْ بدايةً أن والدها، على ثقافته الواسعة، كان يرسل الذكور في العائلة إلى المدارس والجامعات، فيما كانت الإناث يتلقّيْنَ العلم في البيت، فشعرت بدونيّة المرأة، رغم أنه أعطاها وأخواتها الحرية التامة ودون قيد أو شرْطٍ في استخدام مكتبته الضخمة، وشجّع فيرجينيا على الكتابة حين لمس استعدادها النفسي لذلك، وهي تَدينُ له بالكثير من ثقافتها وشخصيتها الفكرية في هذا الصدد. وزاد من حدّة صدماتها تعرُّضُها للتحرُّش الجنسي من قِبَلِ أخَوَيْها غير الشقيقَيْنِ جيرالد وجورج دَكوورث. ومع وفاة والدتها عامَ 1895، وَصَلَتْ فيرجينيا إلى أوَّل انهيار عصبي. وبعد عامَيْنِ من ذلك توفيت أختُها غير الشقيقة، ستيلا دَكْوورث، والتي كانت بمثابة الأم لفرجينيا.  

ومع ذلك، أتيح لفيرجينيا الالتحاق بقسم الفتيات في كلية الملك (كِنْغْزْ كوليج) في لندن، حيث درست الكلاسيكيات والتاريخ (1901-1897) وأصبحت على تواصل مع أوائل النساء الإصلاحيات لحركة التعليم العالي للنساء وحركة حقوق المرأة. وقد تركَ إخوتُها، الذين تعلموا في جامعة كامبريدج الشهيرة، ووجودُ مكتبة أبيها الضخمة، بالغَ الأثر عليها وعلى أختها الكبرى فانيسا. وبدأت فيرجينيا الكتابة بشكل احترافي عام 1900.

توفي والد فيرجينيا عام 1904 بعد معاناته البطيئة من إصابته بسرطان المعدة، وكانت وفاته نقطةَ تحول مهمة في حياة فيرجينيا وأختها فانيسا ستيفن، وسبباً في حدوث انهيار عصبيٍّ آخر لفيرجينيا. بعد ذلك بيع منزل العائلة، وانتقلت فيرجينيا مع أختها الكبرى فانيسا وأخيها الأكبر ثوبي وأخيها الأصغر إيدريان إلى العيش في منزل في بلومزبيري، ومن هناك، وبالتعاون مع أصدقاء أخويها المثقفين تم تكوين "مجموعة بلومزبري" الفنية والأدبية الشهيرة.

وفي عام 1906 توفي أخوها ثوبي ستيفن بعد إصابته بالتيفوئيد أثناء إجازةٍ في اليونان.  

 في عام 1907، تزوجت أختها فانيسا الرسام كلايف بيل ليصبح اسمُها فانيسا بيل وغدت رسامة ومُصمِّمَة حداثية. وفي عام 1912 تزوجت فيرجينيا المُنَظِّرَ السياسي والناقد ليونارد وولف وهكذا أصبح اسمها فيرجينيا وولف. وفي عام 1917، أسستْ مع زوجها دار نشر "هوغارث"، التي قامت بنشر معظم أعمالها، كما نشرت أعمال كُتّابٍ آخرين ذائعي الصيت، منهم الشاعر تي إس إليوت (الذي حاز جائزة نوبل للشعرعام 1948)، والروائي إي إم فورستر (والذي رُشِّح لنيل جائزة نوبل مرّاتٍ كثيرةً بيد أنه لم يَنَلْها)، وكاثرين مانسفيلد، وغيرهم، كما نشرت ترجمة الأعمال الكاملة للعالم النفسي ذائع الصيت سيغموند فرويد.

ولم تتوقف نوبات الانهيار العصبي التي كانت تنتاب فيرجينيا، ومحاولاتها الانتحار أكثر من مرّة. أدخِلَتْ مَصَحّاً عقليّاً وتمّ تشخيص حالتها على أنها اضطراب وجداني ثنائيّ القطب، والذي لم يكن له أي علاج ناجع في ذلك الوقت. وتحت وطأة نشوب الحرب العالمية الثانية (1939-1945) وتدمير منزلها في لندن والفتور الذي استُقْبِلَتْ به السيرة الذاتية التي كتبتها عن صديقها الراحل روجر فراي، انتابتها حالة اكتئاب شرسة أقوى من سابقاتها. وفي 28 مارس/آذار 1941 كتبت رسالة وداعية لزوجها ليونارد وولف، وارتدت معطفها وملأته بالحجارة وألقتْ نفسها في نهر أوز القريب من منزلها. ولم يُعْثَرْ على جثّتها إلا في 18 أبريل/نيسان 1941. وفي 21 أبريل/نيسان تم إحراق جثمانها، ونُثِرَ رمادُهُ تحت شجرة دردار في حديقة منزلها، مونكس هاوس، في قرية رودْمِلْ سَسِكْسْ.

من أعمالها: "غرفة يعقوب" (رواية 1922)، "السيدة دالاوي" (رواية 1925)، "إلى المنارة" (رواية 1927)، "أورلاندو" (رواية سيرة ذاتية 1928)، "الإثنين أو الثلاثاء" (قصص 1921)، "القارىء العادي" الجزء الأول 1925، و"القارىء العادي" الجزء الثاني 1932 (مقالات نقدية)، "غرفة خاصة بالمرء" (مقالات نسوية 1929).

 

 

جميل حسين الساعديأوراق عراقية (1)

 البحث عن الأصدقاء

بقلم د. نبيل ياسين

ترجم النص إلى الألمانية:

جميل حسين الساعدي


Irakische Blätter

Die Suche nach den Freunden

Dr. Nabil Yasin

Aus dem  arabischen Text übertragen von

Jamil Hussein Al-Saadi

 

Wo sind meine Freunde?

Wie plötzlich verwandelte sich diese Stadt, die so

sehr von Freundschaft erfüllt war? Die Wundervollen

Nächte und die vielen Unterhaltungen dieser kleinen Stadt,

die in ihrem Herzen der Welt nahe und in ihrem Leib fern

von ihr war, diese schöne Stadt, wie schnell

verwandelte sie sich in eine Wüste … in schweigende

Ruinen, die von Leidenschaften, freundlichkeit und Wörtern leer sind.

Und was bleibt jetzt noch von ihr?

Jeden Tag wurden die Türen ihrer Häuser hinter

einem ausgewanderten Freund geschlossen. Ich frage mich:

Wo sind meine Freunde? Sie zogen fort mit den

weiß gefiederten Störchen, weit fort von den

Minaretten und Kirchen Bagdads. Es wurden immer

weniger; und eines Tages … war keiner mehr da.

so begann die Einsamkeit.

Und die, die blieben …, sie verschwanden in den

Gefängnissen. Wer von ihnen wieder herauskam,

konnte seinen Weg nicht mehr weiter gehen. Du

konntest ihn nicht erreichen. Wie Mäuse huschen wir

durch die Straßen, um einander zu sehen.

O dieser klare Himmel, unter dem wir voller

Freude die Abende des Sommers verbrachten.

Wer entfachte den gelben Sandsturm und rief die

finsteren Wolken herbei, um uns in enge und

bedrückende Zufluchtsstätten zu vertreiben? Wir

tragen unser Elend … die Gewalt … den Terror …

die Folter auf unseren Rücken. Im Vortragssaal zeige

ich einen Film über meine Freunde …, und ich sehe

sie einsam und allein schnellen Schrittes durch die

trostlosen und öden Hauptstädte hasten. Das schöne

Europa ist zu ihnen wie eine junge Frau, die in ihren

Armen zu einer Greisin wird.

Wer ließ das Ungeheuer auf die Heimat los und

brachte es dazu, den jungen Irak zu zerreißen?

Wenn ich mir jeden meiner Freunde vorstelle,

wenn ich auf unsere Städte, Straßen und Häuser

schaue, und wenn ich die Lieder unsere Kinder

höre, dann spüre ich, wie groß unsere Liebe

füreinander ist. Meine Seele belebt sich, um sofort

zu ersticken.

Ich bin aus der Vergangenheit vertrieben worden,

um jetzt ängstlich nach dem Klappern der Hufe zu

lauschen. Heute … in der Gegenwart …, wo jeden

Moment ein Reiter über mich herfallen kann. Ich

wurde vertrieben … von Seele zu Seele … von

Körper zu Körper … von Bagdad nach Bagdad …

vom Irak in den Irak … vertrieben von meinem

Haus zu meinem Haus … von Frau und Kindern zu

Frau und Kindern.

Wie in den Stunden nach einem Unglück, da

sitzen die Mütter mit den Händen vor ihren

Gesichtern und schauen mit Tränenerfüllten Augen

auf all das Elend, das über sie hereingebrochen ist.

Doch ich schreie sie an: Hat man euch nicht gesagt,

der alles zerstörende Orkan würde nie kommen?

Hat man euch nicht gesagt, dass ihr niemals eure

Söhne verlieren werdet? Und von überall schlagen

Peitschen auf unsere nackten Körper ein.

Was geschah dann? Wir irrten in der Heimat

umher um dieser Heimat willen und wir

vagabundierten in der Fremde wegen ihr. Das Elend

vervielfachte sich und das Verderben war überall.

Jene tragen die Schuld an der Katastrophe,

welche sie herbeiführten und jene, die den Blick von

ihr abwandten und die Decken über die ahnungslos

Schlafenden zogen, als ich in der Nacht sagte: Sie

werden kommen – Wer hat es dir gesagt? – Keiner,

doch meine Seele warnte mich vor den Tritten der

Unterdrücker, denn sie ist wie Beduine, der sein Ohr

auf die Erde legt, um den Schritten des Feindes zu

lauschen. Und so sagte meine Seele: Diese Nacht

werden sie kommen. Steig auf deinen schwarzen

Hengst und verschwinde aus dieser Stadt voller

Angst!

Was sagen die Dichter n der Fremde: Alle Dinge

verändern sich und werden fremd. Doch ich frage:

Hat sich der Baum verändert, den du vor deinem

pflanztest, so dass es nicht mehr derselbe Baum ist,

der noch gestern dort stand? Doch ich bin es, der

anders geworden ist, der ihn auf eine neue Art und

Weise anschaut, bei der er sich verändert.

Und was ist mit den übrigen Dingen?

Ich war bemüht, mich zu überzeugen, dass der

Baum der Unterdrückung ausgesetzt war. Er

veränderte sich und wurde zu etwas mir nicht

Vertrautem. So verwandelten sich alle Dinge –  das

Haus … die Straße … die Sonne … die Sterne des

Nachts … das Sofa … die Bücherregale … die

Straßenlaterne … die Haustür … die Fassaden der

Häuser … die Zeitungskioske und die Morgenröte,

in der wir aufstehen.

Wir, zu denen der Lärm und das Geschrei der Welt

drang.

Wir, welche die unglückliche Heimat aufrütteln

Wollten.

Wir, die nicht wussten, was Tod bedeutet, haben ihn

kennengelernt.

Wir sahen die Verletzten neben uns

zusammenbrechen.

Wir traten plötzlich auf das Schlachtfeld und aus

allen Richtungen wurde auf uns geschossen.

Wir, die nie zuvor den Tod gesehen hatten, sahen

nun den Tod unserer Heimat und wir eilten atemlos

zur ihr, um sie zu neuem Leben zu erwecken. Wie

bei einem Ertrinkendem wischten wir den Schaum

von ihren Lippen und ertrugen das schreckliche

Bild der in unseren Armen sterbenden Heimat  …,

mit zitternden Herzen und bebenden Lippen wollten

wir sie wieder zum Atmen bringen.

In jenen Augenblicken, am von Sturmflut und

Orkanen heimgesuchten Strand des Irak, inmitten

zertrümmerter Fischerboote, sahen wir um uns

herum einen schwarzen Wall. Es waren die langen

Mäntel der Mütter, die sich an der Küste

versammelten, um auf Nachrichten über ihre Söhne

zu warten, welche auf hoher See vom Orkan

überrascht worden waren. Wo waren die Kapitäne

der zerstörten Schiffe? – Sie haben sie im Stich

gelassen, um selbst an das rettende Ufer zu

gelangen.

Ich vertraute auf das Vergessen, und das machte

Mich einsam. Doch wie konnte ich mit den

Freunden zusammen sein, wenn sie alle fort sind.

Soll ich das Vergessen für mich nehmen als

Talisman für diejenigen, die noch in meinen

Erinnerungen leben? Doch wir blieben allein und

schutzlos dem Sturm ausgesetzt. Ja, du bleibst

allein … ganz allein … du bleibst in der

Vergangenheit. Du lebst in der längst zugrunde

gegangenen Vergangenheit. Wir wollen uns so

leicht in uns selbst zurückziehen, wie wir in unsere

Wohnungen eintreten. Doch die Einsamkeit wurde

zu einem Schild, wie es die Freunde gewesen

waren.

Wer zwang uns in diese Isolation, wer zwang

uns unter das Joch der Armut? Wer lehrte uns, die

engen Gassen mit unseren Träumen zu erweitern,

in ihnen Straßen und Häuser zu bauen, Gärten

anzulegen und Glockentürme zu errichten, die alle

nur in unserer Einbildung existieren? Wer brachte

uns bei, die Nacht zu fürchten und wer sagte uns,

dass die Sonne so sengend sei? Wer wollte uns

glauben machen, dass die Freunde, die auf der zur

Wüste gewordenen Erde umherirren, gestorben

sind, als sie aus der ihnen fremd gewordenen

Heimat flohen?

 

.....................

نبيل ياسينالبحث عن الأصدقاء

 بقلم د. نبيل ياسين

أين أصدقائي

كيف، فجأة، تحولت هذه المدينة، التي تعج بالصداقات والليالي.

والاحاديث، هذه المدينة الصغيرة، القريبة من العالم في قلبـــها..

البعيدة عنه في جسدها، كيف تحولت فجأة الى صحراء! الــــــى

خرائب خالية من الصبابات، والود، والكلمات؟ ماذا تبقى فــــي

المدينة اذن!

كل يوم، كانت أبواب البيوت، تغلق وراء صديق يهاجر..

واسأل نفسي: اين أصدقائي!

لقد هاجروا. مع اللقالق البيضـــــــاء.. بعيدا عن المنائــــــر

والكنائس في بغداد.. ويبدأ العد التنازلي! وذات يوم.. يصــــــل

الى الصفر.

وينطلق صاروخ الوحدة!

الذين ظلوا، غيبتهم السجون. وحين خرجوا لم يكن بإمكانهم

ان يواصلوا صداقاتهم. ولم يكن بامكانك أن تصلهم.

وكالفئران. كنا ندرج فوق الأرصفة لكي نرى بعضنا.

أيتها السماء الصافية، التي كنا نحيي أماسي الصيف تحتك

مسرورين.. من الذي أيقظ العاصفة الرملية الصفراء، لكــــــي

تدفعنا الى الملاجئ الضيقة الساخنة.

هكذا عشنا اذن..

نحمل وحشتنا فوق ظهورنا الضعيفة بفعل القهر، والارهاب،

والطراد، والسجن.

وفي صالة روحي. أعرض فيلما عن أصدقائي..

واراهم واحدا، واحدا. يغــــذون الخطى، فـــــي براري

العواصم وصحاريها.. أوربا الجميلة كامرأة، تغدو خرائب

تحت ارجل ارواحهم التعيسة.. فمن الذي أيقظ سرطان الوطن،

وجعله ينهش جسد العراق الفتي؟ وحين أستعرض أصدقائي،

واحدا، واحدا، وابصر المدن، والشوارع ووالبيـــــــوت،

وأناشيد اطفالنا ووأغاني حبّنا، اضئ الصالة واطفئ الروح.

أخرج من الماضي، لأرهف أذني، الى وقع حوافر الحاضر،

الذي يمكن أن يداهمني فارسه في أية لحظة.

طريد. من الروح الى الروح. من الجسد الى الجسد.

من بغداد الى بغداد. من العراق الى العراق.

طريد من البيت الى البيت.. من الزوجة والولد، اليهما.

من الأم. اليها. ومثل ساعات تعقب كارثة. تجلس الأمهات،

وأيديهن على خدودهن. وينظرن، بعينين حزينتين الى ألآثار.

وأقول لهن بأ على صوت:

من الذي قال لكن ان العدو أقوى، ويجب ان نلوذ بالفرار!

من أقنعكن بنعمة العيش تحت سمـــــــاء ملبدة بالغيوم، وأبعد

عنكن شبح العاصفة! من قال لكن: لن تفقدن ابناءكن أبدا..

فيما الأعداء. يلوحون بسياطهم، واجسادنا عارية.

وماذا حدث الآن!

تشردنا في الوطن من أجل الوطن. وتشردنا خارج الوطن

من أجل الوطن. صار البؤس مضاعفا، والتعاسة سميكـــة

مثل جلد تمساح.. والكارثة يحمل وزرها الجميع: الذيـــــن

نفذوها، والذين ابعدوا شبحها وأحكموا الغطاء على النيام.

وأقول:

هذه الليلة سيأتون!

من أخبرك؟ لا أحد! لكنّ روحي تستيقظ على مطارق

القمع. انها كالبدوي. تضع أذنها فوق الأرض، وتتسمـــع

لوقع الخطــــوات..

لقد قالت روحي: الليلة سيأتون.

وهكذا، عليك أن تركب حصان الظلمة، وتقطع بريّــة

المدينة، المليئة بالأدغال.

ماذا يقول الشعراء في الغربة! لقد تغير كل شئ، وصار

غريبا.. ومغتربا، واسأل:

هل تغيرت الشجرة التي تنتصب أمام بيتك! كلا. إنها

نفس الشجرة التي كانت قائمة بالامس..

ولكنها تغيرت. ها انني أبصرها بشكل آخر. ما الذي

تغير فيها. ما الذي غيرها! كنت أجهد في أن أقنع نفسي

أن الشجرة قد تعرضت للقمع. الشجرة! أجل. الشجـرة

تعرضت للقمع. لأنك وأنت ترى الشجرة تكــون رؤيتك

قد تعرضت للقمع. وتغيرت الشجرة ووصــارت شيئــا

آخر. خرجت من الالفة. وهكذا تغير كل شئ: البيت.

والشارع والشمس. ونجوم الليل.الاريكة ورفوف الكتب.

المصباح وباب الدار. واجهات البنايات وأكشاك الصحف.

والفجر الذي تستيقظ فيه.

نحن الذين كانت تتناهى إلينا، صرخات العالـــــــم.

فنصرخ أيضا.. في قلب الوطن المفجوع، صرنـــــــا

نصرخ بالثأر. نحن الذين لم نكابد الموت. صرنا نتعرف

عليه. وصرنا نشهد لحظات الاحتضار. صرنا نـرى

الجرحى يسقطون قريبا منّا.. وبين أيدينا. لقــد دخلنـا

المعركة فجـأة. واندلعت علينا النيران من كلّ اتجاه..

نحن الذين لم نر الموت. رأينا موت الوطن. وهرعنا

اليه وبشفاهنا المجروحة، وبأنفاسنا التعبى، نجهـــد

في أن نمنحه قبلة الحياة. وكغريق، رحنا نخرج الزبد

من شفتيه. وحملنا هـول رؤية الوطن يموت بيــــن

أيدينا.. ما كنا نملك غير قبلة الحياة. وبقلوب صارخة.

وحناجر متوترة. كنا نطلب اليه أن يتنفس. في تلك

اللحظات. وعلى شاطئ العراق المرتــــــج بالامواج

والعاصفة، وأخشاب المراكب المحطّمة، كنا نــــرى

سياجا أسود يتدور علينا: عباءات الامهـــات اللواتي

تجمعن على الساحل ينتظرن أخبارا عن ابنائهنّ،الذين

داهمتهم العاصفة في عرض البحر

أين ربابنة المراكب المحطّمة. لقد تركوا الدفّة للرياح..

اني اثق بالنسيان. وهكذا، صرت وحيدا.. ولكـن

كيف أتحّصن ضد الجماعة وهي غائبــــة. هـــل أحمل

نسيانهم على أنه تميمة الآخرين، الذين يعيشون معـي

بذكراهم؟

لقد بقينا وحيدين امام الزوبعة. أن تبقى وحيــدا:

يعني أن تبقى أعزل. ان تكون وحيدا: تكون مخترقا.

أن تبقى وحيدا: تبقى في الماضي. وفيما بعد.

صرنا ندخل في الوحدة. كما ندحل في بيوتــــنا..

وصارت الوحدة سلاحا. كما الجماعة. ولكن مـــن

دفعنا الى هذه العزلة. ومن ضرب حولنا طوق الفقر

من الناس والأحاديث. والأشياء المشتركة الصغيرة

والكبيرة! من علمنا أن نوسّع الحجرات الضيقـــــة،

بالاحلام. ونبني فيها الحدائق، والشوارع، والبيوت.

ونجعل في أبراجها ساعات للمواعيد..

من علمنا. ان نحكم العداء لليل. وان تكـــــون

الشمس محرقة لهـــذ الحدّ ؟

من ألقى في روعنا. انّ الأصدقاء الذيـــــــــــن

يهيمون في براري العالم. ماتوا. حين خرجوا من

مــن باب الوطن المغلق ؟

***

......................

(1) هذا النص من تأليف الدكتور نبيل ياسين وهو يعود الى فترة السبعينات، من القرن الماضي، وقد صدر في كتيب يحمل عنوان (أوراق عراقية). لقد تركت الجزء الأخير من النص وبعض السطور في الوسط وحذفت ما أشرت اليه من النصين.. العربي والألماني، لاعتقادي أنّ ذلك لا يعني القارئ الألماني، ولا يؤثر على محتوى النص، وقد أحيط الدكتور نبيل ياسين علما بذلك،. كما انني

تصرفت في ترجمة جملة، من أجل تقريبها الى فهم القارئ الألماني. والجملة هي: وهكذا، عليك أن تركب حصان الظلمة وتقطع بريّة المدينة، المليئة بالأدغال..

 

نبيل ياسين

 

عادل صالح الزبيديغريغوري اور

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 

حين تكون خائفا

حين تكون خائفا

فانك خائف

من شيء.

حين تفزع،

فانك تفزع

من لا شيء

(هكذا يقول

الفيلسوف).

 

2252 غريغوري اورلا يمكن

للاشيء

أن يكون مرعبا.

ولكن لا تشعر

بالحيرة:

الصفحة البيضاء في كتاب

ليست لاشيء.

 

إنها شيء

ينتظر الحدوث،

إنها المحبوبة

وهي تمسك أنفاسها

تأمل منك أن تكتب او تتصل.

***

....................

غريغوري اور: شاعر اميركي من مواليد مدينة اولباني بولاية نيويورك لعام 1947 وتلقى تعليمه في كلية آنتيوك وفي جامعة كولومبيا. يعمل استاذا للأدب في جامعة فرجينيا ومحررا للشعر في مجلة تصدرها الجامعة واستاذا للكتابة الابداعية بعد تأسيسه برنامجا لها في عام 1975. نشر اور احدى عشرة مجموعة شعرية من بين عناوينها: (احراق الأعشاش الفارغة) 1973، (تجميع العظام) 1975، (المنزل الأحمر) 1980، (مدينة الملح) 1995، (البومة المحبوسة في قفص) 2002، و(نهر داخل نهر) 2013. كما نشر عددا من الأعمال النقدية وكتاب مذكرات.

 

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: يانوش بيلينسكي

ترجمها عن المجرية: عامر كامل السامرائي


لا شمس. لا قمر.

ولا طفولة.

والأهم لا أرض، أرض وطن.

 

لا نعش ولا دار

لا مهد ولا سرير ممدود.

تنوع الموت فوق رؤوسنا.

 

إن عشت فعلى رأس إبرة،

أما سلامنا، فليس أكثر

من جناح طائر ارتخى،

أو كبرقع عرس تهدل،

أو حتى قبل أن يتهدل

علق برأس مسمار.

 

تأرجح.. 

 كلنا يتأرجح

ما عادت لدينا حتى مقبرة.

***

 

خيري حمدانأندريه الأسدي

ترجمة: خيري حمدان


 

СЕЌАВАЊЕ (REMEBRANCE)

ذِكرى

امرأتانِ متّشحتانِ بالسوادِ رفعتا أيْديهما إلى السماء

كأنّهما تُمسكانِ بكتابٍ

تذرفانِ الدمعَ هامستان

يتذرّعنَ للسماءِ راجياتٍ نزرًا من الهدوء

ما تيسّرَ من السكينةِ للراقدينَ

في الطريقِ إلى كربلاء.

**

НИЕ ПОЕТИТЕ (WE THE POETS)

نحنُ الشعراء

نتلاعبُ بذاتِ الوتيرةِ على حسابِ النحوِ والقواعد

نتلاعبُ بالأحاسيسِ على حسابِ الجبرِ والإحصاء

نتراهنُ على اللحظةِ وارتقاءِ الروحِ

ننسى الماضي ولا اسمَ للغدِ

نقذفُ حجرا نردٍ أبيضانِ في وجهِ الأبديّة

وننتظر. 

**

БЕГАЛЦИ (REFUGEES)

اللاجئون

(سلامٌ عليكِ يا أوروبا)

حصىً كالأنيابِ في طيّ الأقدامِ

والعرقُ قد تيبّس تحتَ الآباطِ

هناكَ حيثُ يلتصقُ الذبابُ الظمئُ

وتراهم ماضونَ قدمًا

يَسْتَرْجِعون في أفواهِهِم لقمةَ الخُبزِ اليابِسَةِ

يرطّبونَها بالمطرِ

وبحشاشةِ القلبِ يمضُغونَها

ليواصلوا السبيل،

إلى هناكَ، حيثُ يخاطبُ الحمامُ الأبيضُ

باللاتينية سدّةَ السماءِ.

**

 

THE BLACK POEM / ЦРНА ПЕСНА 

القصيدةُ السوداء

دائمًا سوداءَ

للأسودِ في الأسودِ

تنفرجُ

كدمعةٍ في العتمةِ

أو وشاحًا للنجومِ

السوادُ هو ساحةُ البيت

آمالُه

أعمدةُ روحِهِ السوداءَ

كأنّهُ سيلٌ يجري تحتَ الأرضِ

أوراقُ شجرٍ أسودَ َ

فراشةٌ سوداءِ

ترفرفُ عتمةً

شيءٌ ما أسودَ في راحةٍ سوداءَ

يستريحُ في ظلّ الكلمةِ

تومضُ ابتسامتُهُ البيضاءَ لوهلةٍ

لتخلّفَ كنهَها حبرًا أسود. 

***

.................

 * أندريه الأسدي: ولد الأديب المقدوني أندريه الأسدي في لندن عام 1996، أنهى دراسته العليا من معهد الاقتصاد العالي في جامعة القديس "كيريل وميتودي" في العاصمة المقدونية سكوبي. صدر له العديد من دواوين الشعر أهمّها: رقصة منتصف الليل 2014، تحت مخلاة الدرويش 2018، هندسة سماوية 2019. نال السعدي جائزة لأول مجموعاته القصصية تحت عنوان "الماضي الآخر". شارك في العديد من القراءات الشعرية في جمهورية مقدونيا الشمالية كما شارك في مهرجان الشعر الشهير "ستروغا".

 

عادل صالح الزبيدياليزابيث بيشوب

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


قريبين قريبين طوال الليل

يظل العاشقان.

يتقلبان معا

في نومهما،

قريبان كأنهما ورقتان

في كتاب

تقرآن بعضهما

في الظلام.

كل منهما تعرف

كل ما تعرفه الأخرى،

تحفظه عن ظهر قلب

من رأسه حتى أخمص قدميه.

***

.......................... 

2240 اليزابيث بيشوباليزابيث بيشوب (1911-1979): شاعرة أميركية من مواليد مدينة ووستر بولاية ماساتشوستس، تلقت تعليمها في كليتي وولنت هيلز وفاسار. تميل بيشوب الى صقل وتشذيب شعرها فهي بذلك شاعرة مقلة إذ يبلغ مجموع ما نشرت خلال حياتها 101 قصيدة صدرت المجموعة الأولى منها في عام 1946 بعنوان (الشمال والجنوب)، ثم صدرت مجموعتها الثانية بعنوان (قصائد: الشمال والجنوب/ربيع بارد) في عام 1955 لتنال عنها جائزة البوليتزر. وفي عام 1970 صدرت أعمالها الكاملة لتفوز بجائزة الكتاب الوطني. قصيدتها التي نترجمها هنا كتبتها عن عيد الحب.

 

عامر كامل السامرائيللشاعر المجري: إشتفان شينكا

ترجمها عن المجرية:

عامر كامل السامرائي

لا زلتُ إلى اليوم

أرى في الليل عينيكِ يا أمي المسكينة،

حين كنتِ تنحنين وتجلسين بجانبي

تحت الأشجار المدوي حفيفها،

ثُمَّ نركض معاً بلا ضجيج

نحو المعجزة التي كانت تتأرجح

منذ زمن بعيد

حيث اختفى طبع قدم والدي

في التراب، في البراعم،

خلف عروش الذرة،

قبل هبوب العاصفة ...

انظري الآن

ها أنا أركض مرة أخرى

باحثاً عنكِ،

أنتِ التي تخلفتِ عني بعيداً،

لم يبق لي إلا هذا الخريف.

وحدي ألتحف وجه أجدادي،

حيث تنام الأشجار والقلوب وآذان النوم.

***

11 نوفمبر 1934

..............................

نبذة عن الشاعر:

ولد الشاعر إشتفان شينكا في 24 سبتمبر من عام 1897 في عائلة تعمل في رعي الأغنام، وقد أشتغل هو أيضاً في نفس المهنة.. نشرت له أول قصائده في مجلة ذات طابع "عرقي". تعهدت المدرسة النحوية في مدينة سيكهالوم بنشر ديوانه الشعري الأول (ترانيم عند البوابة الشرقية) عام 1934.

عبّر في قصائده عن مطالب فقراء الفلاحين، وعن معاناته وخيبات أمله السياسية، وغياب الإصلاحات الاجتماعية، مما دفعته إلى اليأس والمرض..

نجد في دواوينه زخارف من الطقوس السحرية القديمة والمعتقدات والعادات الشعبية التي تظهر بؤس الفلاحين الفقراء بجلاء.

لقد أثقلت أسطورة الفلاحين والأيديولوجية العرقية أيضاً سيرته الذاتية. توفي الشاعر عام 1969. بعد وفاته ب 21 عام وبالتحديد في عام 1990 منح جائزة كوشوت لايوش، والتي تعتبر إحدى أكبر الجوائز الأدبية في المجر.

 

نزار سرطاويروبرت فروست

ترجمة: نزار سرطاوي


الوردة وردةْ

وعلى مر الأعصُر كانت دومًا وردة 

لكن النظرية هذي الأيام تنصُّ على

أن التفاحة وردةْ

والكمثّرى والبرقوقة

أيضًا في ظَنّي. 

لا يعلم إلا الخالقُ 

ماذا بعُد سيُدعى وردة

أما أنتِ فطبعًا وردة

لكنك كنت دوامًا وردة

.................

 

The Rose Family

Robert Frost

 

The rose is a rose,

And was always a rose.

But the theory now goes

That the apple's a rose,

And the pear is, and so's

The plum, I suppose.

The dear only knows

What will next prove a rose.

You, of course, are a rose -

But were always a rose.

 

......................

روبرت فروست

يحتل الشاعر الأميركي روبرت فروست مكانةً مرقومةً في الأدب الأميركي. ومع أنه ينتمي إلى فترة الحداثة، فقد أشار بعض النقاد إلى أنه يقف في منتصف المسافة بين الشعر الأميركي في القرن التاسع عشر والحداثة. إذ يجد القارئ في شعره بعض الخصائص التي تنتمي إلى القرن التاسع عشر ويلاحظ انتهاجه نهجًا يعزز هذا القول، وكذلك يجد الكثير من اتجاهات الحداثة التي برزت عند الشعراء الذين عاصرهم فروست. وبينما يلاحظ نفرٌ من الدارسين تشابهًا بينه وبين رواد المدرسة التصويرية، مثل عزرا باوند وإيمي لويل، وذلك من خلال مصطلحات الحداثة التي يستخدمها ومن خلال أسلوبه المباشر و نزوعه إلى الاقتصاد في التعبير، فإن آخرين يرون أن شعره لا يظهر فيه ذلك الانقطاع عن أساليب شعراء القرن التاسع عشر الذي يظهر عند بعض معاصريه مثل إليوت وستيفانز وسواهما. صحيح أنه يبتعد عن الأشكال التقليدية والقوافي المنتظمة، لكنه في الوقت عينه لا يبتدع أساليب جديدة ولا يخوض في التجريب.

ومن ناحية أخرى فقد حظي فروست بتقدير كبير نظرًا لما يبرز في قصائده من تقديرٍ عميق للعالم الطبيعي وإحساس بتطلعات الإنسان. ولأن فروست استوحى تصويره للغابات والنجوم والبيوت والجداول من الحياة اليومية، فإنّ أسلوبه في تناول موضوعاته جعل من السهل على القراء متابعة الحقائق العميقة التي يتحدث عنها دون تعقيد أو حذلقة.

ولد فروست في 26 آذار / مارس 1874في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا. توفي والده وليام فروست، الذي كان صحفيًا، عندما كان روبرت في الحادية عشرة من عمره. بعد وفاة الأب تابعت أمه الاسكتلندية الأصل عملها في التدريس لإعالة أسرتها. عاشت العائلة في مدينة لورنس بولاية ماساشوستس مع جد فروست لأبيه، الذي وفر لحفيده تعليمًا جيدًا. وفي عام 1892 أنهى فروست تعليمه الثانوي ودرس في إحدى الكليات لبضعة أشهر. بعد ذلك، وعلى مدى السنوات العشر التالية عمل في مهن عديدة، كان من بينها تدريس اللاتينية.

عمل فروست مدرّسًا، واستمر في الكتابة وفي نشر قصائده في المجلات. في عام 1895 تزوج من إلينور وايت، زميلته في التدريس سابقًا، وأنجبا ستة أطفال. ما بين عامي 1897 و 1899 درس فروست في جامعة هارفارد، لكنه تركها دون الحصوله على شهادة جامعية. انتقل بعد ذلك الى نيو هامبشاير حيث  عمل إسكافيًا ومزارعًا ومدرسًا.

في عام 1912 باع فروست مزرعته وسافر مع زوجته والأربعة الصغار من أطفاله إلى إنكلترا. وهناك نشر مجموعة قصائده الأولى، "وصية صبي"، تلتها مجموعته الشهيرة "شمال بوسطن"  عام 1914.

بعد عودته إلى الولايات المتحدة في عام 1915 مع عائلته، اشترى فروست مزرعة بالقرب من فرانكونيا في ولاية نيو هامبشاير. وفي وقت لاحق عمل في كلية امهيرست (1916-1938)، وبعض جامعات ميشيغان. وفي عام 1916 أصبح عضوا في المعهد الوطني للفنون والآداب. وفي العام نفسه ظهرت مجموعته الشعرية الثالثة.

في عام 1938 توفيت زوجته، كما خسر اربعة من أطفاله. فقد أصيبت اثنتان من بناته بانهيار عصبي، وانتحر ابنه كارول. وقد عانى فروست نفسه من الاكتئاب. وزاد من معاناته شعوره المستمر بالشك في ذاته فيما يتعلق بالرغبة في الفوز بجائزة نوبل للأدب.

بعد وفاة زوجته، تعلق فروست بزميلة سابقة له في التدريس تدعى كاي موريسون. وقد استخدمها سكرتيرة ومستشارة له.

في عام 1957 سافر فروست إلى انجلترا مع لورنس طومبسون، الذي أصبح فيما بعد كاتب سيرته. و في عام 1961 شارك في حفل تنصيب الرئيس جون كينيدي حيث ألقى قصيدتين من شعره.

سافر فروست عام 1962 إلى الاتحاد السوفياتي بوصفه عضوًا في مجموعة النوايا الحسنة. وقد تحدث مطولا مع رئيس الوزراء نيكيتا خروتشوف.

نال فروست العديد من الجوائز والمكافآت من مؤسسات سياسية وأكاديمية. وعند وفاته في 29 كانون الثاني / يناير 1963، كان فروست يعتبر أمير الشعراء غير الرسمي للولايات المتحدة.

بهجت عباسما يأتي به السيلُ

للشاعر حمودي الكناني

ترجمها الى الألمانية:

د. بهجت عباس


 

Was der Strom bringt

Dichter: Hammoudi El-Kenani

Übersetzer: Bahjat abbas

Jene war ihr Anfang;

Täuschende Parolen,

Verblasste falsche Versprechen.

Gibt es für einen Weg, den sie gingen,

Ein Ende und einen Führer,

der sie zum Abgrund führt?

Vielleicht überquerten sie, alle

Von hier oder von dort,

Aber du und ich bleiben noch,

Einer Spur zu verfolgen, sie sagen;

Es sei der Weg zur Güte.

Bloß eine Spur.

Wir bleiben noch ihr Dasein zu zeichnen;

Gesichter ohne Gesichtszüge,

Augen ohne Köpfe,

Köpfe ohne Staturen,

Wann dann blassen sie in ihre

Seelen Gewissheit,

Von ihren Pulsen die Blitzen,

Aus ihrem Blut die Wärme,

Aus ihren Augen die Visionen

und sagen die Wahrheit?

Nichts jemals ......!

Du und ich sind uns einig aber sie nicht.

Sie passten die Gelegenheit in unserer

Abwesenheit ab und lauerten.

Elend für ihr verhasstes Lauern!

Eines Tages werden sie zurück sein,

Wie sie waren,

Jämmerlich konkurriern sie mit uns

auf unserer ehrbaren Armut!

Und dann steigen die braunen Vorderarme empor,

Brünetten und Blondinen tanzen,

Begrüßung auf ihre ewige Niederlage

.............................

ما يأتي به السيلُ

للشاعر حمودي الكناني

كانت تلك بدايتُهم

شعاراتٌ خادعةٌ

وعودٌ كاذبة باهتة

فهل لطريقٍ سلكوه

نهايةٌ ودليل يقودهم الى الهاوية ؟

هم لربما عبروا جميعا

من هنا  او من هناك

اما أنت وأنا ما زلنا

نقتفي اثراً  يقولون

إنّه الطريق الى الصلاح

مجرد اثرٍ لا غير

ما زلنا نرسم كينونتهم

وجوها بلا ملامح

عيونا بلا رؤوس

هاماتٍ بلا قامات

فمتى إذن  ينفخون

فيها من روحهم اليقين

من نبضهم البروق

من دمهم الدفء

من أعينهم الرؤى ويصدقون ؟؟

لا شيء أبدا ......!

أنا وأنت متفقان تماما

 هم لا شيء،

لكنهم تحينوا الفرصة في غياب منا

 وتربصوا

تعسا لتربصهم الممقوت

يوما  ما سيعودون كما كانوا

بائسين يزاحموننا

على فقرنا المحترم !

وعندها ترتفع الزنود السمر

وترقص السمراوات والشقراوات

احتفاء بهزيمتهم الابدية !

 

 

جمال ابو زيدترجمة: جمال أبو زيد

6- الدبُّ والثعلب

تفاخر دبٌّ أمام ثعلب ذات مرة بأنه يُكِنُّ حبّاً جمّاً للجنس البشريّ، منذ أن اتّخذ مبدأً ألّا يأكل جثة. أجاب الثعلب: " أتمنى من السماء أن تشوّه الموتى لا الأحياء".

**

7- المرأة والدجاجة

كان لدى أرملة ٍ دجاجةٌ تبيض كلَّ يومٍ، وحَسِبَتْ أنها إن أعطت الدجاجةَ المزيد من الشعير، فسوف تبيض مرّتَيْنِ في اليوم. وهكذا، زادتْ حصّةَ الدجاجة ِ على هذا الأساس، غير أن الدجاجة سَمنَتْ ولم يعد في مقدورها حتى أن تبيض بيضةً واحدةً في اليوم.

**

8- الجديُ الواقف على سطح البيت

 رأى جديٌ، كان قد انتهى به التجوال إلى سطح بيت، ذئباً يمرّ تحته فطفق يهينُه ويسخر منه، فأجابه الذئب: " يا أيُّهذا الواقفُ هناك! لستَ أنتَ مَنْ يتهكّمُ عليَّ، بل المكان الذي تقف عليه".

**

9- الثعلب الذي لم يكن قد رأى أسداً من قبل قطّ

كان ثمة ثعلب لم يكن قد رأى أسداً من قبل قطّ. غير أنه قابل بالمصادفة ذات يوم أحد هذه الحيوانات وجهاً لوجه. وكان، في هذه المناسبة الأولى من نوعها، في غاية الرعب إلى حدِّ أنه شعر بأنه سيموتُ من الخوف. والتقى به مصادفةً مرة ثانية، وكان مرتعباً هذه المرّة أيضاً ولكن ليس إلى الحدِّ نفسه من الرعب الذي استبدّ به في المرة الأولى. بَيْدَ أنه حين قابله في المرة الثالثة، استجمع شجاعته في الواقع ليدنو منه وطفق يحادثه من غير كلفة.

**

10- البغلة

بدأت بغلةٌ، كانت قد سَمنَتْ جرّاء تناولها الشعير، تشعر بالمرح قائلة لنفسها: " أبي حصانٌ سريعُ العَدْوِ وأنا أشبهه في كلِّ شيء". بَيْدَ أنها ذات يوم ٍ كانت مرغَمَةً على خوض سباق. في نهاية السباق بدَتْ كالحة الوجه وتذكّرَتْ أن أباها كان في الواقع حماراً.

***

 

نزار سرطاويرضا الدين ستالين / بنغلادش

ترجمة نزار سرطاوي


ذاتَ يوم كانت العيونُ المراهقةُ أنهاراً صافية

هاهي الآن طافحةٌ بالقمامة

انكمشتْ إلى ما تركه القادة والممثلون والبيروقراطيون من فتات

ذكرياتُ المراهقة أنقذتني من أن أفقد رؤيتي

تأتي المدرسة منذ الطفولة فتمعنُ في تشريح الحاضر

النهر الأخضر يمد عنقه ليدعوَني أن أسبح فيه

السماء الخضراء تُمسِّد رأسي بلمسةٍ مهدئة

فترةُ ما بعد الظهيرة الخضراءُ تقدم لي الماء البارد

في الليلة العاصفة تسقط النجوم الزرقاء من السماء

عبر سلسلةِ الأحداثِ قطعةً فقطعة

يمكن للمرء أن يصل إلى شبابه

من أجل عصير النخيل جعلتُ عينيّ على أفق الشتاء

حيث تجلس المئات من طيور البلشون

المئات من البلشون في الزي المدرسي الأبيض

أيامٌ عديدة مرت دون أن أسمعَ كلماتِ الغربان الفيدية * 

وفجأة ينقطع الصمت اللامتناهي

وتتردد صرخاتُ الحمامة الثكلى

ثمّة مروحيةٌ تحوم وهي تنظر إلى الأسفل

أتذكر طائر الرفراف

لنعيش في هذه المدينة نحتاج إلى أن نُبدّلَ مشاعرنا 

عيونٌ مترعةٌ بالصيام والأكل

وتُسْمَع مباركة الشيطان

الذاكرة ُقاتلٌ صامت

لكن كي أنجوَ من الجحيم

أمسكُ بيده مرةً بعد أخرى 

..........................

Dissection2218 رضا الدين استالين

Rezauddin Stalin

 

Once the adolescent eyes were clear rivers

Now they are full of litter

They have shrunk to leftovers of leaders, actors and bureaucrats

Adolescent memories rescued me from losing vision

School from childhood comes forth by dissecting the present

The green river urges me to stretch his neck

The green sky gives a soothing touch on my head

The green afternoon offers me cold water

In the stormy night blue stars fall from the sky

In morsel throughout the series of events

One can reach to his youth

For palm juice many times I kept my eyes on the winter horizon

Where hundreds of white egrets are sitting

Hundreds of egrets in school white dress

Many days have passed without hearing ravens’ Vedic words

Suddenly infinite silence breaks

And resounds the cries of childless dove

A chopper is hovering looking down

I remember the Kingfisher

To live in this city needs altering of passion

Eyes full of fasting and eating

Satan's blessing is heard

Memory is a silent killer

Yet to survive hell

I hold his hand again and again

............................

* الكتابات الفيدية نسبة إلى نصوص الفيدا الدينية القديمة في الهند، وهي باللغة السريانية.

* رضا الدين ستالين: هو أحد شعر بغلاديش البارزين. ولد في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1962 في مدينة جيسور. حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد ودرجة الماجستير في العلوم السياسية من جامعة دكا. شغل منصب نائب مدير معهد نازرول لمدة 35 عامًا. تُرجمت قصائده إلى العديد من اللغات العالمية. وهو أيضًا مذيع تلفزيوني وشخصية إعلامية معروفة في بنغلاديش. كذلك فهو مؤسس ورئيس مركز الفنون المسرحية، كما يشغل منصب كبير المحررين في منظمة ماجيك لندن الأدبية.  وقد أصدر أكثر من 100 كتاب.

حصد الكثير من الجوائز الأدبية منها: جائزة دارجيلنغ ناتو تشوخرو (1985)، جائزة أكاديمة بنغالا (2006)، جائزة مودهاشودهان دوتا (2009)، جائزة ترونغو وجائزة نادي الكُتّاب وكلاهما من ولاية كليفورنيا الأميركية (2012)، وجائزة سيتي ألاندا آلو (205)، جائزة مؤسسة الصحفيين في المملكة المتحدة (2018)، وجائزة أمير شعراء طريق الحرير الصينية (2020).

 

صالح الرزوقخاقاني شيرواني - ميشيل كواي

ترجمة: صالح الرزوق


 

استيقظ أيها القلب!

هذا تحذير، فانظر بحذر.

استيقظ!

فكر بقوس طيسفون

وحكايته الحرجة.

توقف لحظة أمام طيسفون،

على ضفاف نهر دجلة.

اسمح لدجلة آخر

أن يتدفق من عينيك،

و يروي تراب طيسفون.

دجلة ينوح

ويذرف المئات من تيارات الدم الشبيهة بدجلة

تيارها الحار من دموع عاطفية

تتدحرج من بين الرموش.

وعندما تطفو الفقاعات

وترتمي على ضفاف دجلة،

تحرق بحرارة زفراته العاشقة

شفته.

اشهد على قلب دجلة،

وهو يحترق بنار الندم.

هل سمعت بمياه

تشويها ألسنة اللهب؟.

اذرف دموعك على ذلك النهر مرارا وتكرارا،

قدم الهبة من عينيك،

فالنهر منح قبلك هباته للمحيط.

ها هي الأنفاس الباردة على شفتي دجلة

تلتحم مع قلبه الملتهب،

وتجعل نصفه متجمدا،

ونصفه الآخر محترقا.

 

بعد فك سلسة

عدالة طيسفون،

كبلت الأغلال النهر،

وتدحرجت المياه بحنق وهياج.

 

لتناد، بين حين وآخر، على القوس

بلغة الدموع،

لربما تسمع الجواب

بأذن قلبك.

وكل قلعة حصينة بوجه المعارك

ترشدك وتنصحك.

اسمع الصوت القوي

وهو يردد كلماته في أعماق قلبك.

ويقول: "أنت مصنوع من التراب

وأنا الآن غبار تحت قدميك.

فلتتقدم فوقي بخطوتين أو ثلاث

ولتذرف بعض الدموع.

قسما بالله، نعيب البومة الشئيمة

يثقب دماغي. فلتبك يا وردة الماء،

ولتخلصيني من أوجاعي.

نعم، لماذا عليك أن تستغربي؟.

في مروج الكون،

البومة تقفو أثر العندليب،

والرثاء يعقب أثر الأغنية العذبة".

“أنا بلاط العدالة،

ولكن هذا الإجحاف يهزمني.

أي مهانة ستحل إذا

على بلاط الظلم الغاشم؟.

يبدو أن قوس كواكب السماء

قد تداعى

سواء بأمر من سيد السماء

أو بفعل دورة الزمن وحده”.

 

أنت تسخر من عيني،

قائلا“لماذا هذا البكاء؟”.

 ولكن يجب على الدموع أن تنهمر لخلاص العيون

التي لا تدمع في هذا المكان.

 

والمرأة الشمطاء ذات الشعر الأبيض في طيسفون

ليست أفضل من عجوز الكوفة،

ولا غرفتها الضيقة أفضل

من فرن امرأة الكوفة.

هل تعلم ماذا عليك أن تفعل؟

لتجعل طيسفون متعادلة مع الكوفة.

اصنع موقدا

من صدرك المشتعل

وأطلق الأمواج المتلاطمة من عينيك.

 

ها هو القوس نفسه

ومن غبار عتباته

هيأت معرض لوحات

من وجوه الرجال، وعلقتها على جدارك.

 

وها هي الصالة نفسها

التي اجتمع فيها الكثير من حكام العالم،

وفيها كان ملك بابل عبدا،

وملك تركستان حارسا.

 

وها هي المقصورة نفسها،

واسعة جدا حيث أن أسد الغاب الهصور المرسوم على ستارتها

يمكنه أن يشن هجوما

على أسد السماء.

 

تخيل ذلك كما كان،

انظر له بعين خيالك -

قاعة سلاسل العدالة

وما يقابلها في الميدان.

 

ترجل أيها الفارس!

كن بيدقا،

وضع قلعتك على اللوح الأرضي،

وشاهد نعمان يموت - وتدوسه

أقدام

الفيل.

لا، لا -

انظر للفيلة السفاحة،

للملوك مثل نعمان،

الذين

سحقتهم

فيلة

تمر ليلا ونهارا،

كما سحقهم زحف الوقت الغاشم.

 

كم من ملك فيل سفاح

احتمى بالقلعة

في لعبة شطرنج القدر؟.

كم مرة

واجهوا كلمة كش ملك،

بإذعان؟.

 

الأرض ذاتها ثملة،

ليس بالخمرة،

ولكن بدماء قلب أنو شروان

التي شربها بكأس مقدسة منحوتة من جمجمة هرمز.

 

عدد من المقولات الحكيمة

كانت مرئية فيما مضى،

منقوشة على تاجه.

والآن تتوارى في داخل ذلك الدماغ

مناقير

مئات العقبان.

الملك واليوسفي الذهبي،

برويز والأعشاب الذهبية،

كلها رحلت مع الريح.

ودون إنذار

كلها ألقيت

وسويت بالأرض.

 

في كل حفلة،

برويز يمرر أعشابه الذهبية،

ويخبر الجميع

أن يغنموا بعض الكنوز

من هذا الثراء.

 

برويز خسر أمامنا الآن!.

فليخمد ذكر ذلك الخاسر.

أين الأعشاب الذهبية التي كانت على طاولة المائدة؟.

تعال نترنم

بهذه الكلمات المختارة:

كم بقي وراءهم…

 

أنت تسأل:أين ذهب أولئك الملوك

الآن؟.

بطن الأرض المنتفخة

حبلى بهم، للأبد.

حقا، الأرض الحبلى

يلزمها عصور لحمل الثمار.

زرع البذار سهل،

لكن الولادة صعبة.

 

الخمرة

تتدفق من الكرمة،

فهي قلب الدماء العذبة.

وكرز زراع الخمور

يعصر من دم وعظام برويز.

هذه الأرض قتلت

جسم عدة طغاة.

 ولكن الوحش ذو العين المحمرة

لم يرتو أبدا،

وهذه الساحرة العجوز ذات الشعر الأبيض،

الأم ذات الصدر الأسود،

تهيء دم قلوب الأطفال

لتلون خديها.

 

خاقاني يتوسل ليتعلم

درس وعظات هذا البلاط

وهكذا من اليوم فصاعدا

سيتسول الملوك على عتبات دارك.

 

وإذا بحث، اليوم،

متشرد عن معونة من السلطان، في الغد السلطان

سوف يبحث عن معونة

عند عتبات باب المتشرد.

وإذا كانت المؤونة لطريق مكة

متوافرة في كل بلدة،

احمل مؤونتك إلى طيسفون

على سبيل هبة من أقدام شروان.

لكن كل حاج إلى مكة يحمل حجرة

من أوحال وادي جمرا،

فاحمل حجرتك من طيسفون

ولتكن من أوحال سلمان.

 

انظر إلى هذا المحيط الذي لا يتسع له بصرك!

إياك أن  تعبره قبل أن تحصل على جرعة.

لا يمكن لأحد أن ينصرف عن نهر

مثل هذا،

يشبه المحيط،

وهو عطشان.

 

والأشقاء الآتون على الطريق

يحملون معهم التذكارات.

هذه القصيدة

هدية

لقلوب البشر.

لاحظ السحر

المتغلغل في الشعر

هو من صنيع أحمق له قلب المسيح،

ومعتوه له روح حكيمة.

***

 الترجمة العربية صالح الرزوق - المصدر: ريبيكا روث غولد (برمنغهام - المملكة المتحدة).

2216 طاق كسرى

قوس طيسفون (طاق كسرى) في العراق المعاصر 

نوستالجيا عميقة، حزن، ورغبة لتسهيل مرور دروس التاريخ كلها مجمعة بهذه القصيدة التي وضعها خاقاني، الشاعر الفارسي من القرن الثاني عشر والمولود في أذربيجان (كما تسمى اليوم). تأثر خاقاني بزيارة لبقايا القصر الساساني في طيفسون وكتب مرثية للقوس المسحور والغامض الموما له أعلاه.

القوس هو كل ما تبقى من العائلة الوثنية العظيمة الأخيرة التي حكمت فارس العظمى بين 224 - 651. وقبل الفتوحات الإسلامية كانت الإمبراطورية الساسانية بمجدها تمتد من أواسط آسيا والباكستان في الشرق وحتى مصر وبلاد الشام والأناضول في الغرب. وكانت الإمبراطورية معروفة باتساعها وطبقتها البيروقراطية  المتماسكة، وتفوقها في تنظيم الدولة. وقد كانت مثالا للمحاكاة والاحترام حتى القرون الوسطى، وبعد فترة طويلة من تفكك الإمبراطورية. وكان الساسانيون، والملك أنوشروان بشكل خاص، معروفين بعدالتهم، وهو ما تجده مذكورا عدة مرات في القصيدة. والحقيقة أن العدالة كانت محترمة وبمقدور كل مواطن أن يشد سلسلة الجرس أمام باب البلاط ليطلب مقابلة الملك.      

في رثائه  الإمبراطورية الساسانية المفقودة، يأسف خاقاني لفقدان نظام حكم عظيم. ولكن رثاءه ليس مجرد حنين إلى العائلات السابقة، بل  يعمل على عدة مستويات رمزية. يعتمد خاقاني على التقليد العريق للقصيدة الشعرية عند العرب والذي عادة ما يبدأ مع الذات الشعرية - وتحيل  دائماً إلى عاشق خائب - يدخل مباشرة للإعراب عن افتقاد محبوبته. وعادة ما يكون هذا الحزن الغامر ناجماً عن إحساسه بما تبقى من خبائها الذي رحلت عنه (أطلال). وبنفس الطريقة يحزن خاقاني على ما تبقى من إرث ملموس للملوك الساسانيين، تماماً كما يحزن العاشق في هذا الشعر التقليدي. ومع أن هذه العلاقة الرمزية تكون مرئية بسهولة عند  أي قارئ / مستمع فارسي متعلم،  فهي أقل ظهورا وقوة في شخصنة خاقاني البارع لنهر دجلة واعتباره بديلا عن المحبوبة. فالنهر في تعرجاته و منعطفاته، وعاطفته الملتهبة للبلاط الذي يتدفق بمحاذاته،  يعكس العاطفة التي تنبع من مرأى الأطلال. ثم تتابع القصيدة بعد هذه الصور الافتتاحية لتعبر عن بالغ يأسها، وتحاول أن تقنع القارئ أنه من المهم أن نتعلم من دروس التاريخ. لا شك أن خاقاني يحثنا على ملاحظة الأجل المحدود والهشاشة التي هي من طبائع الأمور في كل شيء - وهذا يتضمن أيضا الإمبراطوريات الهامة.

...........................

* الترجمة الإنكليزية والتعقيب:  ميشيل كواي Michelle Quay - جامعة شيكاغو (اختصاص أدب فارسي)

النص الفارسي لقصيدة خاقاني شرواني (توفي 1190)

هان ای دل عبرت بین از دیده عبر کن هان ایوان مدائن را آیینهٔ عبرت دان 

 یک ره ز لب دجله منزل به مدائن کن وز دیده دوم دجله بر خاک مدائن ران 

 خود دجله چنان گرید صد دجلهٔ خون گویی کز گرمی خونابش آتش چکد از مژگان 

 بینی که لب دجله کف چون به دهان آرد گوئی ز تف آهش لب آبله زد چندان 

 از آتش حسرت بین بریان جگر دجله خود آب شنیدستی کاتش کندش بریان 

 بر دجله‌گری نونو وز دیده زکاتش ده گرچه لب دریا هست از دجله زکات استان 

 گر دجله درآميزد باد لب و سوز دل نیمی شود افسرده، نیمی شود آتش‌دان 

 تا سلسلهٔ ایوان بگسست مدائن را در سلسله شد دجله، چون سلسله شد پیچان 

 گه‌گه به زبان اشک آواز ده ایوان را تا بو که به گوش دل پاسخ شنوی ز ایوان 

 دندانهٔ هر قصری پندی دهدت نو نو پند سر دندانه بشنو ز بن دندان 

 گوید که تو از خاکی، ما خاک توایم اکنون گامی دو سه بر مانه و اشکی دو سه هم بفشان 

 از نوحهٔ جغد الحق ماییم به درد سر از دیده گلابی کن، درد سر ما بنشان 

 آری چه عجب داری کاندر چمن گیتی جغد است پی بلبل، نوحه است پی الحان 

 ما بارگه دادیم، این رفت ستم بر ما بر قصر ستم‌کاران تا خود چه رسد خذلان 

 گوئی که نگون کرده است ایوان فلک‌وش را حکم فلک گردان یا حکم فلک گردان 

 بر دیدهٔ من خندی کاینجا ز چه می‌گرید گریند بر آن دیده کاینجا نشود گریان 

 نی زال مدائن کم از پیرزن کوفه نه حجرهٔ تنگ این کمتر ز تنور آن 

 دانی چه مدائن را با کوفه برابر نه از سینه تنوری کن وز دیده طلب طوفان 

 این است همان ایوان کز نقش رخ مردم خاک در او بودی دیوار نگارستان 

 این است همان درگه کو را ز شهان بودی دیلم ملک بابل، هندو شه ترکستان 

 این است همان صفه کز هیبت ار بردی بر شیر فلک حمله، شیر تن شادروان 

 پندار همان عهد است از دیدهٔ فکرت بین در سلسلهٔ درگه، در کوکبهٔ میدان 

 از اسب پیاده شو، بر نطع زمین رخ نه زیر پی پیلش بین شه مات شده نعمان 

 نی نی که چو نعمان بین پیل افکن شاهان را پیلان شب و روزش گشته به پی دوران 

 ای بس پشه پیل افکن کافکند به شه پیلی شطرنجی تقدیرش در ماتگه حرمان 

 مست است زمین زیرا خورده است بجای می در کاس سر هرمز خون دل نوشروان 

 بس پند که بود آنگه بر تاج سرش پیدا صد پند نوست اکنون در مغز سرش پنهان 

 کسری و ترنج زر، پرویز و به زرین بر باد شده یکسر، با خاک شده یکسان 

 پرویز به هر بزمی زرین تره گستردی کردی ز بساط زر زرین تره را بستان 

 پرویز کنون گم شد، زان گمشده کمتر گو زرین تره کو برخوان؟ روکم ترکوا برخوان 

 گفتی که کجا رفتند آن تاجوران اینک ز ایشان شکم خاک است آبستن جاویدان 

 بس دیر همی زاید آبستن خاک آری دشوار بود زادن، نطفه ستدن آسان 

 خون دل شیرین است آن می که دهد رزبن ز آب و گل پرویز است آن خم که نهد دهقان 

 چندین تن جباران کاین خاک فرو خورده است این گرسنه چشم آخر هم سیر نشد ز ایشان 

 از خون دل طفلان سرخاب رخ آمیزد این زال سپید ابرو وین مام سیه پستان 

 خاقانی ازین درگه دریوزهٔ عبرت کن تا از در تو زین پس دریوزه کند خاقان 

 امروز گر از سلطان رندی طلبد توشه فردا ز در رندی توشه طلبد سلطان 

 گر زاده ره مکه تحقه است به هر شهری تو زاد مدائن بر سبحه ز گل سلمان 

 این بحر بصیرت بین بی‌شربت ازو مگذر کز شط چنین بحری لب تشنه شدن نتوان 

 اخوان که ز راه آیند آرند ره‌آوردی این قطعه ره‌آورد است از بهر دل اخوان 

 بنگر که در این قطعه چه سحر همی راند مهتوک مسیحا دل، دیوانهٔ عاقل جان

 

عامر كامل السامرائيللشاعر الأمريكي: كارل ساندبرج

ترجمها عن الإنكليزية: عامر كامل السامرّائي


يا ترى بماذا يفكر الجلاد

عائدا من عمله مساءً إلى البيت؟

وحينما يجلس مع زوجته وأطفاله

لتناول خليط اللحم والبيض وفنجان القهوة،

هل يا ترى يسألونه كيف كان يومه

وهل سار كل شيء على ما يرام،

أو إنهم يتحدثون عن موضوع آخر،

عن الطقس، أو عن كرة البيسبول، أو السياسة،

أو عن العناوين الهزلية في الصحف

أو عن الأفلام؟ هل ينظرون إلى يده

وهو يمدها للقهوة أو لخليط اللحم والبيض؟

وماذا لو قال الصغير:

أبي لنلعب لعبة الحصان إليك هذا الحبل

فهل سيجيبه مازحاً:

رأيت اليوم ما يكفي من الحبال؟

أم أن وجهه سيتألق فرحاً ويقول:

يا له من عالم جميل ورائع نعيشه

وإذا ما طلَّ البدر ذو الوجه الأبيض

من خلال النافذة حيث تنام طفلة -الجلاد-

وتخالط سناه مع اذنها وشعرها

بماذا سيشعر حينذاك؟ أكيد أن الأمر هين له.

فكل شيء هين للجلاد،

أعتقد.

***

 

.................

نبذة عن الأديب

ولد كارل ساندبرج عام 1878 في كوخ صغير من ثلاث غرف في جاليسبرج، إلينوي، وهو الطفل الثاني للمهاجرين السويديين أغسطس وكلارا ساندبرج. ترك المدرسة بعد الصف الثامن وعمل في وظائف عديدة وغريبة مثل توصيل الحليب، وعامل في معمل للطوب، وتلميع الأحذية في فندق، وذلك لمساعدة والديه في إعالة الأسرة

 بعد عودته من الحرب الإسبانية-الأمريكية إلى وطنه، التحق بكلية لومبارد. وأثناء وجوده هناك، جذب انتباه البروفيسور فيليب جرين رايت، الذي لم يشجع كتابته فحسب، بل دفع أيضاً ثمن وطبع أول مجموعة شعرية، وكان ذلك في عام 1904.

غالباً ما نجد أشعاره تتحدث قضايا العمل وحياة الفلاحين والسياسية التي عايشها بشغف وبشكل مباشر طوال حياته. غالباً ما تتشابك كتاباته مع المشهد المألوف لمحنة الطبقة العاملة، والتي تتجلى بوضوح في قصيدتي "أنا الشعب، والغوغاء".

 

صالح الرزوقبقلم: سكاوت ساترفيلد

ترجمة: صالح الرزوق


 

تراب أحمر. على امتداد أميال. لا شيء غيره يحاصر المطعم في وسط أرض قاحلة مهجورة في أريزونا. هذا المطعم المحاصر بالتراب كان مكانا مثاليا لأشياء عارضة غريبة. ففي داخله خمس مقصورات طعام خاصة من الفينيل الأحمر ملوثة بسجائر تحترق وبقع صلصة بندورة. وتخفي الأثلام بين مقاعد الفينيل أطعمة مقلية فاسدة وبقايا من جلد بشري ونمل ووقت.

هناك طاولة مغطاة بالموكيت، نظيفة، ولكن ألوانها باهتة بسبب مرور السنوات. وسوزان المرأة العجوز الواقفة خلف الطاولة مثلها، لونها باهت، ويستحيل تنظيفها. كانت الأسرار تجلل سوزان من رأسها لأخمص قدميها.

في معظم الأيام يتواجد زبون واحد في المطعم وتراه جالسا لوقت غير محدد. كانت سوزان تخدم جمهورا مطيعا يترك بقايا قليلة من حياته في هذه الفراغات البينية. وهي تصغي وتراقب، دون أن يلاحظها أحد، منسية، وخلف طاولة المبيعات، كما لو أنه هناك جدار بينها وبين الحاضرين، كما هو الحال في غرفة الاعتراف. كانت تشاهد أشخاصا يتشاحنون بغضب لا تدرك مصادره، ورأت أشخاصا يتخبطون في دورات المياه لممارسة الحب، وقابلت أشخاصا مهجورين في العراء بلا عائلة أو عاشق أو أصدقاء. حتى دون أمل ولا رغبة بالحياة.

كان بحوزة سوزان رقم سيارة أجرة، وقد ثبتته بمسمار على الجدار في نهاية المكتب. الإنسان المهجور يحتاج دائما لسيارة أجرة لشحنه إلى حياته المدنية، وهو ثمن اللعنة التي لا ترعاها عين الرب الساهرة.

2211 scoutفي إحدى المرات راقبت سوزان رجلا ترك طفلا وراءه. طلب الرجل من الصبي أن يذهب للحمام ليغسل يديه اللزجتين بالشراب. وحينما اختفى الصبي، نهض الرجل، ووضع ورقة من عشرين على الطاولة، وغادر. غطى معطف جديد من الغبار نوافذ المطعم عندما انطلقت سيارته من موقف السيارات. وبعد أن عاد الولد، قدمت له سوزان كوكتيل الحليب مجانا، وطلبت الشرطة. وجاؤوا بعد ما يزيد على ساعة وحملوا معهم الولد. ولا تعلم سوزان ماذا جرى له أو لوالده إن كان أباه.

تؤدي سوزان واجبها من وراء المنصة بصمت. هي لا ترقى للحكم على الآخرين - على الأقل ليس علنا. والتزمت بحدود التلصص. وكلما زاد هدوؤها، كلما ارتفع صوت الأسرار في داخلها.

اليوم، اثنان احتلا إحدى مقصورات الطعام.

هما الزبونان الوحيدان في المطعم.

اسم المرأة أماندا، ولكن الرجل لا يعرف اسمها.

وقامت أماندا بعملها، وهو ما تتقنه. ولا تزال مستمرة به منذ عشرة سنوات وأصبحت امرأة غنية منه. وهذا الرجل الجالس قبالتها هو آخر واجب لها قبل التقاعد. فقد بلغت 35 عاما. كانت أماندا تفكر بالتقاعد كلما تسنت لها فرصة للتفكير بسيرتها المهنية. وهي فرص لا تزيد على لحظات عابرة. هناك بيت في كوزوميل قامت بتجديده وإعادة تهيئته. هناك امرأة جميلة بانتظارها وسط رمال بيض. وهي تفكر بالمارغاريتا، والنقود، والمرأة، والبيت، والرمل، والشمس. ثم تناست صوت الأخلاق.

رشفت أماندا القهوة السوداء، مع ملعقتي سكر. فعلت ذلك بحرص لتحافظ على شفتيها الليلكيتين. كان شعر أماندا قصيرا مثل رجل. وهي ترتدي ثيابا قطنية مريحة تمنحها حرية الحركة دون أن تكون فضفاضة. وتبدو بها مثل لوحة بورسلان ولكنها تترك لديك الانطباع أنه أنت من سيكسرها.

أما الرجل المقابل لها كان بشعر طويل، مثل النساء. وهو أشقر ولماع، ومغبر وأجعد. ويبدو مثل متشرد لو لا الثياب التي ارتداها، وهي قميص خفيف من القطن وجينز، ومكوية دون تجاعيد. ولم يكن قادرا على الحركة بحرية مثل أماندا. اسم الرجل هو بول، ولكن في آخر خمسة عشر عاما، كان يدعى 397 “ثلاثة - تسعة - سبعة”. هذا بعد أن قتل فتاة وأمها في صبيحة حارة من أيام تكساس قبل ستة عشر عاما، هكذا أصبح الشخص رقم ثلاثمائة وسبعة وتسعين المحكوم بالإعدام في الولاية.

ولكن بول ليس من النمط العنيف حقا. وفي ذلك اليوم، قبل سنوات عديدة، كان الطقس كما يتذكر ملتهبا، ثم وجد أمامه البنت القتيلة، بعد ذلك أمها. ميتة بجوارها. كان يعمل بخدمتهما. منحته الأم عملا وهو تشذيب المرج، وتنظيف البركة، أشياء من هذا النوع. وكان متشردا، وبعد أن حصل على العمل، توقف عن تسول الطعام بعرض الطريق. والحق يقال كان بول عاملا نشيطا، ومهذبا. ينظر لجهة مختلفة كلما تعرت المرأة أمامه لتسبح في البركة. كانت تحضر له كأسا طويلة من الليمون وترغمه على شربها حتى آخر قطرة دفعة واحدة أمامها، ويدها ممدودة لتستعيد كأسها الفارغة. وهذه الحركات السخيفة التي تنم عن الغطرسة تختفي كلما حضر زوجها أو ابنتها. ونادرا ما يتواجد زوجها في البيت، وكان لا يعني بول بشيء، وكان بول سعيدا بتجنبه. ولكن البنت تأتي يوميا بعد دوام المدرسة، ودائما أثناء وقت انشغال بول. وأحيانا تنضم لأمها وله وهما في الباحة.

كانت فرصة مرحة طيبة. ثم جاءت البنت في أحد الأيام للبيت باكرا، وكان الطقس حارا، والشمس ملتهبة للغاية...

بعد ست عشرة سنة، حينما حان وقت إعدام بول، ظهرت هذه المرأة، هذه الصورة الغامضة ذات الشعر الأحمر الجالسة أمامه على الطاولة، وحملته في سيارتها، وقادته لمكان مجهول لا يعلم به غير الله.

لا يزال بول يلوم الحر. ألقى قطعة من همبرغر الجبنة في فمه. ووجد صعوبة بابتلاعها. فهو لم يتناول طعامه منذ عدة أيام. وراقبته أماندا، كانت تعتقد أن الرجال يبدون أحيانا مثل حيوانات كاسرة. غير أن ترويض الحيوانات أسهل من ترويض رجل.

انتهى بول من طعامه ومال نحو تاج الدخان الذي يأتي من سيجارة محترقة. ونظر للمرأة بابتسامة رضا.

قال:” شكرا لك”. وارتعش صوته قليلا. فهو لم يتكلم منذ أمد طويل.

ردت بصدق:” ليس عليك أن تشكرني”.

تلاشت ابتسامته قليلا. وزحف شيء في عينيه، شيء داكن، ربما الخوف. وكان يبدو كأن سوزان تأتي من وراء ستارة غير مرئية. سلمت الفاتورة إلى بول. وابتسمت أماندا للنادلة العجوز كأنها شمس مشرقة وقالت: "آه. شكرا لك. سأتكفل أنا بها”. وأخرجت بطاقة بلاتينيوم من محفظتها.

 قالت سوزان:”لا نقبل البطاقات هنا”. وردت على ابتسامتها بمثلها فمن عادتها أن تعكس مشاعر الآخرين كالمرآة.

قالت أماندا:”ما من مشكلة”. ومدت يدها إلى حقيبتها وأخرجت محفظة من الجلد الأسود. وبحثت بين عدة فواتير قبل أن تسحب ورقة من مائة، وقدمتها لسوزان بيد ماهرة. وبصوت أنعم من السابق قالت للنادلة أن تحتفظ بباقي الحساب لنفسها. ولكن لم ترتسم الابتسامة على مرآة سوزان. وقالت: “شكرا لكرمك يا سيدتي. هل من شيء آخر يمكنني أن أخدمكما به؟. شيء يفيدكما في طريق العودة؟”.

قالت:” شكرا لك.  سنغادر حالا”.

وافقت سوزان بحركة من رأسها. وعادت لموضعها وراء المنصة، ودست المائة في مريولها.

نظرت أماندا إلى بول. وغاضت الابتسامة من وجهها. وأشارت برأسها للنافذة، تدعوه للتحرك. وتبعته وهو يغادر المطعم. وحينما اقتربا من هوندا رمادية، دخلت موستانغ حمراء براقة إلى باحة سيارات من ثلاثة مواقف.  وطار الغبار أمام وجه بول. وقفز رجل متوسط العمر من السيارة، وقال بصوت مرتفع:” آسف!”. وهرع نحو المطعم.

قال بول متهكما:”لا بد أنه جائع”.

ونفضت أماندا التراب الأحمر عن بلوزتها البيضاء. وجلست وراء المقود بينما احتل بول المقعد الخلفي. فكيس ممتلئ بالدراق شغل المقعد الأمامي.

ضغط قلب سام على رئتيه وهو يسرع من جانب الاثنين. وذهب للنادلة العجوز وقال:”أريد طعاما فورا، أي شيء، أي شيء تحضيره سريع”.

لم تكن سوزان متسرعة. وأخذت وقتها بفرم شرائح فطيرة البقان. وبعد دقيقة، سكبت له كوبا من القهوة. حمل سام كلاهما إلى المقصورة البعيدة عن المدخل. ولم يأكل. حطت ذبابة على الفطيرة الحلوة بهوادة. ونظر سام باهتمام من النوافذ المغبرة. كان قلب سام يدق، ورئتاه تنقبضان. كان يهبط من مكان شاهق، من بهجة عارمة امتدت لشهر وجعلته يتخيل أشياء لا يمكنه التعبير عنها، ويشعر بأمور لا يفهمها، ويقول كلاما لا يتكلم به في الأحوال العادية. كان سام بحاجة للمزيد من هذه المشاعر، لكن انتهى وقته. ما كان عليه أن يتناول الأقراص، وهو يدرك ذلك. ولكن الشاب سبقه إليها على مرأى منه، ابتلعها قبله وأمامه. وأحب الشاب الحبوب السود وتأثيرها وابتسم ابتسامة كسولة وأخبره كم أسعدت أيامه، رسمت له نجوما في السماء في سقف بيت والده. وفي إحدى اللحظات انتصب انتصابا مخيفا. وأمسك عن الضحك وهو يقول إنه لم يشعر بالانفعال هكذا منذ شهور. واستطرد كثيرا. وهو يضحك من انتصابه الهائل، ويمأمئ عن النجوم، كأنه يكلم سام وأشخاصا خياليين. وزعم أنه يستطيع أن يفعل أي شيء، ولكن كل ما يريده الآن أن يجلس هكذا ويستمتع بهذه المشاعر.

لم يكن سام سعيدا هكذا لفترة طويلة.

والآن، بعد شهر وعدد كبير من الأقراص، نفد مخزونه. وبدأت يداه ترتعشان. وساقاه ترتبكان. وجفناه يطرفان. أصبح دمه نظيفا وعاديا بمرور الوقت.

ظهرت سيارة في نهاية شريط الطريق البراق وأسرعت نحو المطعم. نبح كلب. وجلس سام منتصبا، وطرف بعينيه عدة مرات، ووضب ياقته بزرها المغبر، وأخيرا جرع رشفة من قهوته الخفيفة الدافئة. وخرجت من السيارة امرأة ترتدي رداء حفلات أخضر  براقا التمع في شمس أريزونا الساطعة. كان شعرها أسود ويغطي كتفيها العاريين. وحملت معها كلبا صغيرا بنيا بلون الكاراميلا. لم يحرض سوزان هذه الأناقة. وتقدمت المرأة اللؤلؤية نحو المطعم وجلست أمام سام.

قال لها:”مرحبا يا لو”.

ردت:” مرحبا يا سام. كيف حالك اليوم؟”.

“أنا بخييير”.

ران الصمت، ثم همس سام:”حسنا. واجهتنا في تولسا بعض المشاكل”.

“تولسا؟. أخبرني ماذا حصل في تولسا يا سام؟”.

قال وهو يتحاشى نظرتها“حـ...حسنا. لم يمكنني نقل المدخرات”.

تنهدت وقالت:”كم بقي معك؟”.

“خمسة”.

سألته وكان صوتها ناعما:”أنت تعلم معنى ذلك؟”.

نظر سام نحوها بعينين واسعتين وقال:”كلا”.

هزت لو رأسها وقالت:”بل نعم، أنا أخشى أن هذا هو الحال. أنت وقعت عقدا، ولا يمكنني أن أفعل شيئا حيال ذلك”. وتزايدت ارتعاشات سام. وتشكلت الدموع في عينيه.

وضحكت لو قائلة:” آه، لا تفعل ذلك من فضلك!. أنت تعلم أنني عاجزة عن أي شيء. لا تبدأ بالبكاء يا سام. لقد خرج الأمر من بين يدي الآن. وأنت متأكد”.

واصل سام بكاءه. فقالت:”لا بأس. حسنا. شكرا لخدماتك. سأنصرف الآن. لدي حفل غداء في ألبوكويركيو، ولا يمكنني أن أتأخر”.

نهضت وأذنا الجرو منتصبتان. وقبل أن تبتعد، طلبت منه بقية ما لديه من حبوب. قدم لها سام زجاجة بلاستيكية في داخلها خمسة أقراص سود. وغطت لو فمها بيد ذات أظافر حسنة التشذيب والطلاء وقالت ساخرة بدهشة:”هل هذا كل شيء؟. أنت لم تبتلعها يا سام. أليس كذلك”.

ونظر سام للذبابة فوق فطيرته وقال:”أنت متأكدة أنني فعلت”.

وتصلب صوت لو وهي تقول:”فعلت كل شيء بمشيئتك”.

قال:”من فضلك اسمحي لي بواحد. من أجلي”.

تأملته لو، وتأملت الزجاجة، ونظرت لكل قرص. وغادرت المطعم، ودخلت في سيارتها، وقادتها بعيدا. نظر سام لقهوته الباردة، كانت بلا سكر، وفكر ربما الأمر ليس سيئا جدا. ولم يلمس فطيرة البقان، وأسقط ورقة من خمسة دولارات على المنضدة أمام سوزان، وزمجر وهو يغادر نحو سيارته. وقادها لمسافة ميلين بعد المطعم، بما يكفي ليختلي بنفسه. وكان جهاز التسجيل يعزف أغنية لو ريد “تقدم على الضفة المتوحشة”. وكان التراب الأحمر يحاصره. لن يمر أحد من جواره قبل ساعة. ثم صوت معدني. واختفى صوت البنات الملونات...

انفجار سيارة في الصحراء حادث سريالي.

وهذا ما حصل: بعد دقيقة بقي لدينا معدن محمر، دواليب مطاطية، مقاعد من الجلد، وسائق، ورعب، وعرق، وموسيقا. في اللحظة التالية، كل ما تبقى كومة من الخردة المعدنية الملتهبة، وصيوان أذن ممزق، وصدى متجمد. ما تبقى انصهر، تمزق، تشتت، وتطاير بعيدا ولمسافة واسعة، إفطار من الجحيم.

نظرت سوزان من وراء حصالة النقود وهي تسمع الصوت. وانتظرت دقيقة قبل أن تعيد الفطيرة غير المأكولة إلى مكانها في الواقية الزجاجية التي تحمي الوجبات الكاملة من الصحراء.

سكاوت ساترفيلد  Scout Satterfield شاعرة وقاصة أمريكية من سان أنطونيو و تعيش حاليا في ناشفيل. تعمل محررة في “بوستسكريبت أون لاين”.  القصة مترجمة من مجلة بوستسكريبت، عدد 30، ضمن محور خاص بعنوان :”العمل”.

 ***

 

نزار سرطاويبرويز شهريار

ترجمة نزار سرطاوي


 

شفتان قرمزيتان

همستا شيئًا في أذنيّ بلا كلمات

شيء تحرّك في قلبي 

فتفتّحت في الطين أزهارٌ شبيهة اللوتس

لمحتْ عيناي

خنفساءَ سمراءَ مضيئةٌ تلامس البراعم

أحسّت البراعمُ بدفء اللمسات

ففتحتْ أعينها

الأشعة الذهبية راحت تدغدغ الفراشات

ففردت أحواضَ أجنحتِها 

الطائراتُ الورقيةُ المربوطةُ بِبَكرة 

انطلقت تحلقُ في الفضاء

قوةُ شدٍّ مركزية حلّت في الخيط

فارتفع إلى أقصى حدود مرمى البصر

اتسعتْ خيمةُ السماء

وانحنتْ الغيومُ إلى الأسفل

إلى أن لامست عذريةَ التلال

وعلا

صداحُ الماء  المتدحرجِ

وأقبلَ جدولُ ماءٍ صغير 

يشقُّ الأرضَ الهـشّـة هناك

وبعد هُنيهَاتٍ

شاهدَ الأفقُ في الفضاء

سربًا من طيور الكركي البيضاء تنداح في طيرانها

وتذوب جميعًا في الأجواء 

وشرعت السماء تمطر قططًا وكلابًا

وعلى حين غرّة، امتلأ كل شيءٍ بقطرات الماء

كانت لحظاتُ الخلقِ تلك

أشبه بمفاجأةٍ  تبعث البهجة

***

 

..........................

 

2204 برويز شهريارThe Moments of Creation

Dr. Perwaiz Shaharyar

 

Scarlet lips

Silently whispered something in the ears

Something stirred in the heart

Some lotus-like bloomed in the distant mud

Eyes saw

Shiny dark beetle touching) the buds

The buds with the warmth of touches

Opened their eyes

Butterflies by the tickling of golden rays

Opened wide their pans of the wings

Kites began flying higher in the sky

Tied with spinner

Some Centre-petal force took place in the thread

Up to the maximum limit of sight

The tent of sky stretched over all in all

The cloud by bending down

Touched the virginity of the hills

In such a manner

The chirping sounds of rolling water were heard

A tiny spring of water

Came out breaking open the brittle soil around

And then, with the passage of the moments

The horizon witnessed on the sky

A flock of white cranes made a curve out of their fly

And dissolved in the atmosphere, all in all

Then, it rained cats and dogs

Suddenly, everything was filled with the water drops They were something like a pleasant surprise

Those moments of creation

 

.............................

الدكتور برويز شهريار: شاعرٌ وقاصّ هندي مُجاز في اللغة الإنكليزية مع مرتبة الشرف من جامعة رانتشين ويحمل شهادة الدكتوراه في الآدب من جامعة دلهي. عمل محررًا في المجلس الوطني للبحوث التربوية والتدريب التابع لوزارة التربية والتعليم الهندية. 

يكتب شهريار الشعر والقصة القصيرة منذ عام 1980. صدر له ديوانان شعريان ومجموعتان قصصيتان، كما صدرت له أربعة كتب في النقد والبحث في مجال القصة. وقد عمل في وزارة التربية مديرًا للمطبوعات، وهو حاليًا عضو في الهيئة الاستشارية للمجلس الوطني الهندي للكتاب. يمارس القراءة والكتابة في اللغات الثلاث الرئيسة في الهند: الإنكليزية والهندية والأوردية. كتب ما ينوف على 100 بحث ومقالة. كذلك شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات على المستويين الوطني والدولي. كرمته المؤسسات الأكاديمية في كل من دلهي، وأتار براديش، وبيهار، تقديرًا لمساهماته الأدبية.

كتب شهريار في أدب الأطفال. وقام بترجمة أربعة كتب لصالح المجلس الوطني للبحوث التربوية والتدريب إلى اللغة الأوردية. وقد تكفل المجلس الوطني للكتاب بطباعة كتاب الأطفال الذي ألفه. أما القصة التي كتبها للأطفال فقد اختيرت للقراءة الإضافية في اللغة الهندية وذلك من قِبَل الهيئة الاستشارية للمجلس الوطني للكتاب.

يشرف شهريار على إنتاج الكتب المدرسية في كافة المواضيع وصولًا إلى المرحلة الثانوية العليا في الهند وفي المدارس الهندية في السعودية ودول الخليج العربي. كما يقوم بالتنسيق مع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والإلكترونية في الداخل والخارج المتعلقة بالمناسبات الخاصة التي ينظمها المجلس.

 

 

حاتم حميد محسنشعر: كافالوسكي

ترجمة: حاتم حميد محسن


هم نخبة من الرجال المبدعين البيض،

أخطاؤهم السياسية مدعاة للخجل.

بنوا عظمتهم على العبودية،

كانوا ذكوريين ومتحيزين جنسيا حتى النخاع،

هم مجّدوا المحارب،وحاربوا بلا هوادة.

كانوا قساة وعادة ما احتقروا الرحمة كضعف.

ومع ذلك – وبعد كل ذلك

نحن لانزال مسحورين بالشظايا المتطايرة لعالمهم الصغير ومنذ وقت طويل. لماذا؟

ربما نرى فيهم انعكاسا،

كمرآة قديمة متصدعة،

نفوسنا الجوفية،

ألهنا الدايونسي المكبوت فينا

الانغماس والهوس في السلطة والعنف.

وفي النهاية،وبالنسبة للعديد منا،

هم أسلافنا الثقافيين

ومهما حاولنا الهروب او التبرؤ منهم،

فنحن نحمل بصمات جنونهم وعبقريتهم.

لكي نفهم طبيعتنا المتنافرة

نحن يجب ان نحتضنهم.

العودة لليونان

هي عودة لجذورنا.

ولكن هناك شيء آخر.

في فجر الحضارة،

في زاوية صخرية وقاسية من العالم،

وسط العنف والهيمنة التي

ازدهرت في كل مكان،طار الوعي الانساني

على أجنحة رقيقة من الشعر

والفلسفة،وفي لحظة موجزة وجميلة

ألقى المحاربون أسلحتهم

وبدأوا البحث عن الحقيقة والخير والجمال

من خلال الدراما والحوار والنقاش

هم حلموا بحلم الحكمة،

والفضيلة والديمقراطية

يحلّقون عاليا بجناح العقل،

يقاومون حدود ما يمكن ان يكون عليه البشر.

هم بنوا معابد الجمال

وقصائد الحب، خلقوا الفلسفة التي

سعت لمعرفة الذات،خلقوا العلوم

التي سبرت أغوار السماء والارض.

ولكن بعد كل ذلك عادت طبول الحرب من جديد.

فجأة انتهى كل شيء.

هم لم يتمكنوا من العيش في الحلم الذي حلموا به .

هذه هي المأساة والمفارقة فيهم.

***

 

عادل صالح الزبيديالشاعر: حيان شرارة

ترجمة: عادل صالح الزبيدي


 أنشودة الى المنزل المهجور

ايتها الريح وأيها المطر،

ها هي مفاتيح

المنزل—

باب مفقودة،

نافذتان محطمتان.

 

ايتها الطيور، لك غرفة

ذات إطلالة—غرفة النوم،

التي كانت يوما

تحجب القمر والنجوم

عن النظر.

 

ايها النمل والديدان،

الشهود الكبار الحزينون،

لكم العشب الذي لم يتم جزه،

الباحة التي كساها العشب

لترثوهما مرة أخرى.

 

وأنت أيتها الأوراق التي تدور

عبر أرضيات متغضنة

أرجوك خذي

صوت أبي

الذي يهمس

 

عسى أن تعيش الى الأبد،

عسى ان تقبرني.

***

 

.................

حيان شرارة: شاعر أميركي عربي من مواليد مدينة ديترويت لعام 1972 من أبوين هاجرا من لبنان. درس علوم الحياة والكيمياء في جامعة وين ستيت ونال شهادة الماجستير من جامعة نيويورك، إلا انه انتقل الى تكساس عام 2006 ليحول تخصصه الى الأدب فنال شهادة الدكتوراه في الأدب والكتابة الإبداعية من جامعة هيوستن. نشر ثلاث مجموعات شعرية هي (يوميات الكيميائي) 2001، (حزن الآخرين) 2006، و(شيء مشؤوم) 2016. في ملاحظة له عن قصيدته هذه يشير الشاعر الى الاستعمال العامي لكلمة "تقبرني" في اللهجة اللبنانية والتي تعبر عن تمني قائلها لمن يحب ان يعيشوا بعده لصعوبة احتمال العيش بعدهم  ان ماتوا هم قبله، وهي كلمة يستعملها عادة الآباء والأجداد للتعبير عن حبهم للأبناء. اما المنزل فهو منزل الشاعر في ديترويت حيث نشأ وترعرع.

 

نزار سرطاوي(قصة قصيرة) 

شيرزود آرتيكوف

ترجمة: نزار سرطاوي

صحوتُ فجأةً من نومي. كان الصباح قد حلّ. أحدهم يناديني بصوت عالٍ يأتي من الشارع.

قلت مُرحّبًا وأنا أفتح البوابة وأرى جاري يرتدي ملابس غير مناسبة: عمي نورمات. 

قال على عجل: أنا... أنا... أنا أنادي عليك منذ وقتٍ طويل. البرد شديد. فلنذهبْ الى الداخل.

كان العم نورمات في السبعين من عمره، رجل نحيف وضئيل للغاية، لم يسقط  شعر رأسه. عاش كما يعيش المتسولون. توفيت زوجته منذ سنواتٍ طوال، وتركتْه وحيدًا مع طفلتيه. لم يكن له أقارب يزورونه ويعتنون به سوى هاتين الابنتين. 

كان ممثلاً لم يلعب طوال حياته سوى أدوار ثانوية، رجلًا عاديًّا تحوّل حلمه في تجسيد شخصيات شكسبير على المسرح إلى رغبةٍ وصلت حد الهوس. هذا الرجل الذي كان الدور الوحيد المهم الذي أدّاه على المسرح هو شخصية بوبتشينسكي في مسرحية "المفتش الحكومي"* كان صادقًا متحررًا من العناد المتجذر في كبار السن، حسنَ النية مفعمًا بالحيوية. في تلك السنّ، لم يكن ثمّة ما يريده من الحياة، ولا ما يشكو منه من القدر. لكن لسببٍ ما، وعلى الرغم من خبرةِ أربعين عامًا، لم يكن لديه الإحساس بالثقة بالنفس على المسرح، ولذا فإنه على ما يقولون، لم يتمكن من أداء دور الملك العجوز لير في مسرحية شكسبير الشهيرة. قال وهو يعدو أمامي إلى داخل الغرفة بسبب البرد، ليستدفئ بجوار الموقد: لم يسِرِ الأمر على ما يرام. لم يكن مناسبًا. قلت لنفسي حينَها: كيف يمكنني أن أتدرب هكذا في المساء؟ لا بد  أن أتدرب في الصباح، أن أستيقظ مبكرًا. أظن أن هذا هو القرار الصحيح. ففي الليلة الماضية أعدت مونولوغ الملك المسكين في المشهد الأخير أربع مرات. لم يكن ناجحًا، وفي هذا الصباح كان أداءُ عبدِك المتواضع أفضل بكثير. قال ذلك وهو يفرك يديه معًا.

2195 شيزروفتابع الجار حديثه: هل يمكنني أن أجلس على الكرسي؟

 ويبدو أن الدفء انبعث في جسده  فابتعد عن الموقد.

- أنظر! كنت أجلس هكذا، بقامة غير منتصبة، بل منحنية قليلًا لأن الملك لير يجلس هكذا. فهو عجوز منهك. يداه لا تكفّان عن الارتعاش. لذا لا يستطيع أن يعانق جثة ابنته بقوة. وزيادة على ذلك فإنّه يفتح عينيه على وسعهما، ولا يريد أن يصدق أنها بلا حياة.

فتح عينيه كما يريد، وأخرج قطعة ورق مجعدة من جيب سترته. وأخيرًا اتخذ وضع الملك لير وراح يتلو مونولوغًا حزينًا وهو يلقي نظرة خاطفة على قطعة الورق.

- لدي بعض نقاط الضعف التي عليّ أن أعالجها، قال وقد أنهى المونولوغ

- في الغالب سأضطر إلى العمل على هذا المشهد الأخير. هذا هو الجزء الأصعب.

نهض عن كرسيه، مشى نحوي ونظر حوله بخجل وهمس: حتى كبار الممثلين بالكاد يستطيعون أداء هذا المشهد الأخير. عليَّ أن أكون جادًّا بشأن المونولوغ وأن أتعلمه. إلأ أن أحمل معي مونولوغات مكتوبة؟ إن عدت إلى المسرح اليوم أو غدًا، فليس من سبيل إلى قراءة المونولوغ من ورقة .

فرك صدغه وأخذ نفسًا.

 - لا بد لي من حل هذه المشكلة. من الأفضل أن أذهب إلى البيت.

على عجل أعرب عن امتنانه لي أنني شاهدت البروفة. ثم أمسك ورقة المونولوغ في قبضة يده وانطلق خارجًا من الغرفة.

بعد ذهابه خرجت مرتديًا ملابس دافئة. قضيت اليوم كله أعمل في مكتبة المدينة. تصفحت بعض الكتب، وجمعت معلومات لورقة بحث أكتبها عن أدب أميركا اللاتينية. وحين عدت إلى المنزل في المساء، قابلت عمي نورمات ثانيةً عند البوابة. كان يضرب بقبضته على البوابة وقد نفذ صبره. كان يرتدي الملابس نفسها كما قبل ساعتين.

قال عندما رآني: آه، لستَ في المنزل؟ 

أجبت وأنا أشير إلى الكتب: ذهبتُ إلى المكتبة.

قال متجاهلاً الكتب: ذهبتُ إلى المسرح اليوم. أردت أن أتحدث مع المخرج عن العودة إلى العمل. انتظرت خارج مكتبه لفترة طويلة، لكنه لم يظهر. غدًا سأفعل. ساذهب مرة أخرى. سأخبره أنني قررت العودة إلى العمل: سألعب دور الملك لير.

حين مررت ببيته في اليوم التالي انفتحت النافذةُ المطلةُ على الشارع  فأحدث إطارها صريرًا وأطلّ العم نورمات.

- صرخ ملوحا بيده:  جاري! التقيت بالمدير الليلة الماضية: لقد حضر. أخبرته عن نيتي. استمع إليّ باهتمام وتحدث بإطراء عن عودتي. لكن يبدو أنه تمّ تأجيل الوظيفة لأمدٍ طويل لأنه لا يوجد مكان شاغر في المسرح حاليًّا. قال إنه سيُبلِغني هاتفيًا بمجرد توفر شاغر.

خلال الأيام الثلاثة اللاحقة، لم يخرج العم نورمات لرؤيتي. وحين التقيته أخيرًا، بدا في غاية الانزعاج. راح يكرر بلا توقف: أوغاد، أوغاد!

جلس بجانب الموقد كعادته. كان يكثر من الإيماء أثناء حديثه.

- ابنتاي هنا!

كانت في صوته نبرة غضبٍ غريبةٍ عن طباعه.

- أخبرتهما أنني سأعود إلى المسرح، لكنهما لم توافقا على فكرتي. قالتا إنني كبرتُ ولم أعد أقوى على العمل كما كنت من قبل. قالتا إنه ليس في استطاعتي أن أعمل الآن. لا، هذا لن يحدث! إنه الوقت المناسب لأداء دور الملك لير. وعمري الآن مناسب. الملك لير كان عمره حوالي سبعين عامًا.

فجأة نهض، وراح يذرع الغرفة جيئةً وذهابًا ويداه خلف ظهره.

قال: لقد رأيتَ بنفسك، أليس كذلك؟ وقف فجأة أمامي.

- لقد رأيتَ أن في مقدوري أن ألعب دور الملك لير، وقد درستُ حالته العقلية بعمق. لقد سمعتَ بأذنيك كيف كنتُ أقرأ المونولوغ بصورة مُعبّرة. وهما لم تريا ولم تسمعا. ابنتاي ملأتا روحي غمًّا بكلماتهن القاسية.

نظرتُ إلى الأعلى وقد شتّتَتْ ذهني أوصافُ لوحةٍ لوجه ماريو بينيديتي. ** كان ذلك جزءًا من عملي الأكاديمي.

لم يكن في وسعي أن أعمل حين  كان العم نورمات في حالة توَتّر بالغ. في تلك اللحظة كان الماء يغلي في الإبريق الكهربائي، فأعددت الشاي.

قال العم نورمات: الشاي يرفع ضغط الدم.

لم يكن عطشانًا فوضع الكأس على حافة النافذة.

قلت وأنا أكرع الشاي مرةً واحدة: عمي، ربما أن ابنتيك تقولان الحقيقة. ثم نظرتُ بأسفٍ إلى حثالة الشاي التي تركتها في قاع الكوب.

نظر إلي العم نورمات بحزن: إنهما لا تعرفان أي شيء.

هذه هي المنطقة التي كنت أستأجر فيها مكانًا لأعيش فيه. كانت زياراتي لوالديّ تتأخر أحيانًا بسبب العمل في المعهد، حيث يستهلك العمل في مجال العلم الكثير من الوقت. لكنني منذ أخذت إجازةً من عملي في القسم، أصبح لدي ما يكفي من الفرص لأزورهما أكثر من ذي قبل.

حين شعرت أن العم نورمات هدأ قليلاً قلت: غدًا سأذهب إلى القرية، سأزور والديّ ليومين أو ثلاثة، وربما لأسبوع.

أومأ برأسه وكأنه يقول حسنًا.

- حتى ذلك الحين سيكون مدير المسرح قد اتصلّ بي.

مكثت في القرية مدة أسبوعين. أيام يناير الباردة بدتْ أشدّ برودةً هناك. واصلت عملي البحثي دون أن أغادر البيت بسبب البرد. كانت الأيام مملة. عمدت إلى ترجمة قصص بينيديتي إلى اللغة الأوزبكية. تساقطت الثلوج بكثافة في اليوم الذي عدت فيه إلى المدينة فغرقَتْ في الثلح حتى الرُكَب. كانت الطرق زلقة. لم يكن المشي وحده خطيرًا، بل كانت قيادة السيارة كانت خطيرة كذلك. كنا نتحرك ببطء شديد، حتى بدا كما لو أن عداد السرعة في سيارة الأجرة معَطّل نظرًا للسرعة البطيئة.

عندما ترجَّلتُ من السيارة قريبًا من منزلي، لاحظت وجود سيارة إسعاف على القرب من بوابة العم نورمات، ولم يكن السائق يتحرك. كان مُتَكوّمًا فوق عجلة القيادة. بعد حين خرج أحد المسعفين من المنزل حاملاً في يده حقيبة أدوات طبية، وجلس على المقعد الأمامي. تحركت العربة ببطء على الطريق. بعد أن دفعتُ الأجرة لسائق التاكسي، ذهبت إلى بيت العم نورمات. عندما دخلتُ، كانت ابنته الكبرى زريفة تستخرج الماء من البئر، وألقتْ عليّ التحية. استفسرتُ عن أحوالها وصحتها، ثم دخلتُ البيت. كان العم نورمات مستلقيًا على سريره، يحدّقُ في السقف ورأسه مغطى بضمادةٍ بيضاء.

قالت زريفة: بالأمس كان في حالةِ سُكْرٍ شديد، وانزلق على الثلج فأصيبُ في مؤخرة رأسه.

جلستُ على كرسي بجانب السرير بعد أن ركنتُ أمتعتي بعيدًا.

قال العم نورمات عندما رآني: لم يتصل بي المخرج من المسرح بعد.

 

ساد الصمت لبرهةٍ قصيرة. جلتُ بنظري في أنحاء الغرفة. كان الموقد مشتعلًا. ثمّة خِزانة مائلة تحتوي على نحو دزينتين من الكتب، وسريرٌ زنبركي، وكرسيٌّ قديم، وجهازُ هاتفٍ قديم، وبجانبه زجاجةُ نبيذٍ فارغةٍ على عتبة النافذة، وكومة من الملاءات والمحاقن المستعملة المتناثرة هنا وهناك. كانت الغرفة شديدة البرودة.

عندما رأني العم نورمات أحضرُ للموقد حطبًا من الفناء، قال بقلقٍ: جاري! ألقِ نظرة على الهاتف، هل السلك مفصول؟

قلت وأنا ألقي نظرةً سريعةً على الهاتف: لا، كل شيء على ما يرام. أشعلت الفرن بعود ثقاب.

قال بارتياح كبير وقد طمْأنَتْه إجابتي: أوه، حسنًا! إذا اتصل المدير سيرن الهاتف.

سرعان ما سخن الموقد وراح الخشب يطقطق وانتشر الدفء في الغرفة. لابد أن زريفة رأت الدخان المنبعث من الموقد فدخلت الغرفة لتستدفئ.

قال العم نورمات حين خرجتْ ابنته إلى الفناء بعد أن شعرَتْ بالدفْ: لقد حفظتُ خطبَ ومونولوغاتِ الملك لير جميعًا عن ظهر قلب. 

لم يستطع أن يهزّ رأسه بسبب إصابته. فأدار عينيه وهو يتحدث.

- ومع ذلك، لم أتلق أي اتصال من المسرح. أنتظرُ كل يوم. ليس ثمة أخبار.

بعد قليل غفا العم نورمات. من الجليّ أن المسعف أضاف حبوبًا منومة عندما أعطاه حقنة التخدير. ذهبت سميرة، ابنة العم نورمات الصغرى، إلى حافة النافذة بمجرد دخولها الغرفة ومزقت الملاءات المتناثرة إلى أشلاء. وحين انتهت، جلستْ على حافة السرير حيث كان والدها يرقد.

قالت وهي تقترب من العم نورمات بعد أن استيقظ: لا بد أن تذهب إلى المستشفى دون أي جدال.

نظر العم نورمات إليها مندهشًا ثم إلى ابنته الكبرى التي أحضرت الشاي إلى الغرفة.

- لا أريد الذهاب إلى المستشفى. سأتلقى مكالمةً من المسرح قريبًا.

هزت ابنتاه رأسيهما. عندما سمعتا كلماته.

- قالت سميرة وهي تطلق آهةً عميقة: لن يتصلوا... أتعرف لماذا لا يتصلون بك؟ لأنهم لا يحتاجون إليك. هناك العشرات من الممثلين في المسرح يمكنهم لعب دور الملك لير. وهم جميعًا موهوبون أكثر من الآخرين. لن يمنحك المخرج الدور، بل سيعطيه لهم. لم يمنحوك دور البطولة حين كنت تعمل هناك. هل تعتقد أنهم سيعطونه لك الآن؟

زريفة، الابنة الكبرى، قالت بصوتٍ عالٍ من عتبة الباب:  ما تقوله شقيقتي صحيح... طوال حياتك كنت تحلم أن تلعب دور الملك لير. لقد أفنيتَ الكثير من حياتك وشبابك في سبيل هذا الحلم. لم يتحقق، لم يكن هذا قدرك. الآن تقدم بك العمر... لم تعد في سنٍّ يسمح لك أن تركض وراء حلم.

تنهد العم نورمات بعمق قابضًا على حافة السرير بكل ما أوتي من قوة: أنتما... كلاكما... اخرجا من الغرفة.

بعد أن غادرتا رقد بهدوء، ولم يرفع عينيه عن الباب. عندما تحدث، لم أستطع أن أُميّز فيما إذا كان يتحدث إلى نفسه أم إليّ.

- مرتْ حياتي، ليس في الجري وراء حلم، بل في مكابدة رعاية ابنتيّ. كان زملائي جميعًا يأتون إلى المسرح في الصباح بملابس نظيفة وشعرٍ مُرجّل، بينما كنت آتي بثيابي البالية ولحيتي التي تظل بدون حلاقة لأسابيع. فلم يكن لدي الوقت ما يكفي لأعتني بمظهري. لقد توليتُ رعاية ابنتيّ يوميًا بسبب مرض زوجتي. أعتني بهما وانظفهما وأطعمهما وأخذهما إلى روضة الأطفال والمدرسة وأساعدهما في حل واجباتهما المنزلية حين يصيبهما المرض، وأمكث معهما في المستشفى لبضعة أيام. ولذلك لم أتمكن من العمل في المسرح كما كنت أحلم. كنت موهوبًا أيضًا. لكن العناية بابنتيّ كانت تأخذ الكثير من الوقت. عند تقديم مسرحيةٍ على المسرح كان مدير المسرح كثيرًا ما يُوبخني، ليس لأنني لم أستطع أداء الدور المنوط بي بصورة مثالية فحسب، بل لأنّني لم أكن قادرًا حتى على حفظ نصوص الشخصيات. لم أكن أتعب على نفسي كالآخرين. لم أقرأ الكتب، ولم أطور قدرتي على الحديث. لأربع وعشرون ساعةً في اليوم كنت لا أفكر إلّا في ابنتيّ. توقفوا عن إعطائي الأدوار. غدوت في نظر المخرج المسرحي سيّءَ السمعة باعتباري ممثلًا يفتقر إلى الكفاءة، لا يصلح لأي دور، ليس عنده أي حسٍّ بالمسؤولية على الإطلاق، وتم إقصائي وتجاوزي في توزيع الأدوار قبل الأداء، ولم ألعب أي دور منذ شهور. تم تكليفي بأدوار من حينٍ لآخر وبشكل غير متوقع، لكنها كانت أدوارًا ثانوية في أعمال صغيرة لا تتمتع بشعبية، مجرد أعمالٍ عارضة لا تتجاوز سطرين أو ثلاثة.

كان العم نورمات صامتًا يحدق باكتئاب في الهاتف. توقفت الدموع في عينيه وتجمعت ثم سحّت على عظام وجنتيه.

قال وهو يغمض عينيه: لم أقضِ حياتي جريًا وراء حلم.

      لا بد أن الخشب الموجود في الموقد قد احترق الآن، لأن حرارة الموقد انخفضت كثيرًا. أحضرتُ حزمة أخرى من الحطب من الفناء.

فيما كنت أشعلها، فُتح الباب، وظهر المسعف الذي رأيته في الصباح على عتبة الباب.

قال لسميرة ملتمسًا لنفسه العذر: حاولنا نقل والدكِ إلى المستشفى، لكنه رفض أن يذهب بنفسه.

ردت الابنة وهي تنظر بحرج إلى السرير، حيث كان والدها يرقد: الرجل يغدو متقلبًا جدًا عندما يشيخ. 

حمل الرجلان العمَّ نورمات بعناية على نقالة. لم يُبدِ أية مقاومة. بل لم يفتح عينيه. ذهبتُ إلى النافذة، وقفتُ وحيدًا لبعض الوقت في وسط الغرفة. كانت قصاصات من الأوراق التي كُتبت عليها مونولوغات وخطوط الملك لير مبعثرةً عند عتبة النافذة، بعضها ملقى بجانب زجاجة نبيذ ومِحقنة، والبعض الآخر وراء الهاتف. شعرت بالرغبة في تهوية الغرفة وترتيبها قليلاً. عندما رأيتُ زريفة تقف على العتبة، خرجتُ إلى الممر. وقفتُ هناك متأملاً وأنا أتكئُ على الحائط. فجأةً رن جرس الهاتف. بعد هنيهة سمعت صوت زريفة وهي ترفع السماعة: هل أدخلتم والدي المستشفى؟ ها أنا أقوم بتهوية الغرفة، الرائحة تنبعث في كل مكان.

***

 

........................

شيرزود آرتكوف: كاتب قصص ومقالات ومترجم من أوزبكستان وأحد الفائزين بجائزة "إقليمي اللؤلؤي" للأعمال النثرية. ولد في مدينة مارغيلان عام 1985. تخرج من معهد فرغانة للبوليتكنيك عام 2002. صدر له كتاب بعنوان "سيمفونية الخريف" في عام 2020. ينشر أعماله في الصحافة المحلية، وكذلك ينشر في المجلات الالكترونية الروسية والأوكرانية مثل "كاميرتون" و "توبوس" و "أوتوغراف". كما نشرت قصصه مجلات ومواقع أدبية في العديد من دول العالم كالولايات المتحدة والصين والهند وباكستان وألمانيا والسعودية ومصر واليونان وإسبانيا وإيطاليا والأرجنتين والمكسيك وسواها.

هوامش

* مسرحية "المفتش الحكومي للكاتب الروسي الأوكراني نيكولاي غوغول (1809 -1852)

** ماريو بينيديتي صحفي وروائي وشاعر من أورغوي في أميركا الجنوبية (1920 – 2009).

 

 

صالح الرزوقبقلم: ريبيكا روث غولد

ت: صالح الرزوق


 

حضورهما معا كان مثل قصيدة لكافافيس. عندما تعانقا، تحول الزمان لفضاء مضغوط، والفضاء تحول إلى زمان. وكل قهر وتخاذل لفهما بعمق، وسقط أحدهما في ثنايا عواطف الآخر، وترك انطباعا يشبه بلوزة قديمة تشعر لارتدائها بالراحة حتى لو آلمتك، وليس مثل قميص جديد فضفاض. وعندما يكونان معا، تغيب العوائق التي تقف في طريق لقائهما دون إنذار. والجدار العازل ينهار ويتداعى، ويصبح ممارسة الحب ممرا ممهدا للتكوين، وسبيلا يحول كلماتهما إلى علقة ومضغة مخلقة، شيء - ليس كاملا، فقط كتلة كلمات، أو قشرة سطحية للوعي - ولكن يبقى على هذا الكوكب بعدهما.

قالت له في إحدى المرات:”لا أرغب أن أموت”. كانا يسيران على طول القناة في أمستردام، والشمس تتراكم فوق الأفق بطبقات وسلسلة من السحب تعلو في السماء. ثم أردفت:”أريد أن أعيش للأبد. ويدك تقبض على يدي”.

لم يرد. لم يكن لديه شيء يعرب عنه. كانا مجرد مخلوقين داخل قصيدة كافافيس، التي يتذكر بها الجسد نصيبه من الحب، وكيف يمنح نفسه لهذا الغرام، كما لو أنه لا يوجد عودة للوراء، وأن الحركة المسموح بها للأمام، باتجاه الهاوية. ولا يسع الكلام أن يكون مفيدا إلأا بتجميد لقائهما داخل المساحة الزمنية، ومنحه مظهرا متماسكا هو بحاجة له. كان حبهما مثاليا، في هذا الوجود، ولا تستوعبه أية لغة.

وأحيانا كانا يتبادلان الكلام بالشعر. وفي بعض الأوقات يلزمان الصمت التام. ويميلان لتتبع الملامح الأساسية لوجه كل منهما في خطوط يد الآخر. وأحيانا يختبئان عراة تحت الغطاء، مثل أولاد يهربون من أبويهما.  وفي مناسبات غيرها يقرآن معا، ويترلان بنعومة، الكلمات التي تبرق وتشع على الصفحة. وتبدو كل فقرة، بطريقة أو أخرى، كأنها عنهما حصرا.

2194 rebeccagouldكانا يتشاركان شريحة رقيقة وبراقة من الوقت، وانعكاسات النور الخاطف على سطح الماء: وكانت القبلات الأولى على ضفاف الدانوب، ثم خلال عبور جسر التيمز، أوهما ينظران لمياه السين ويتماسكان بالأيدي. كذلك حام نوتردام فوقهما وقمته مجللة بسواد فاحم.

ولكن انعقدت أواصر الحب بينهما مع شيء آخر: تلاقي الأفكار، والاندماج الثقافي، وبهذه الطريقة مزق كل منهما الحجاب الذي يخفي جسد الآخر أو تكلم بلسانه.

وذلك الكلام - المخلص - تغلغل في روحيهما. وفاضت العاطفة الحارة على الصفحة، وضمنت اتحادهما، وأقامت جسرا فوق المسافة الغائبة. وشعر كل منهما بكل لمسة حب كانت تعيد للعالم الواسع والفسيح شيئا من هباته. ثم كل على حدة ومعا تكفلا بتقديم أشياء لا يمكن أن تولد ما لم يتجاوزا هذه المعابر والممرات. ولمع البرق على سطح الماء حينما حدقا به معا.

وحينما كانا منفصلين، تعلمت كيف تحتمل غيابه. ليس لأنها غير مغرمة به، ولكن لأن زمام غرامها ليس بيدها. ولم تحتمل الجروح المفتوحة التي أصابت قلبها، وأصبحت مناطق ضعف فيها. وعذبها عجزه عن تخفيف جروحها، والعناية بها حتى تشفى بمعونة من عاطفته الفياضة كلما احتاجت له.

وهناك أوقات أيضا يكون فيها غائبا ولو أنه موجود، وهي الأوقات التي تفشل فيها كلماتها بالنفاذ إلى روحه. وبما أنه أنفق كل حياته في معارك تدور ببلدان نائية، لم يتمكن من ملاحظة ندوب معاركها. كانت حروبها تبدو صغيرة بالمقارنة مع حروبه. وكان معجبا بها. وأحيانا كان يعاملها مثل رب معبود وليس كمحبوبة، هذا هو الانطباع الذي تشكل لديها. وقالت له في عدة مناسبات: الوثنية دائما وقت مستقطع من الحياة. أو أنه تزوير وخداع. ولكنه لم يتأثر بقولها. فأردفت: إن الشعور بالعزلة وهي وحدها، أبسط من العزلة التي غرقت بها بعد أن بحثت لديه عن العزاء والصداقة دون فائدة.

وفي كل لقاء روحي مشترك، كانت النجوم تقف، وتكتب عليهما لعنة الوداع الأبدي غير المعلن عنه.

وقالت له، مجددا، بعد عامين من علاقتهما:”لا أريد أن أموت”.

في هذه المرة، كان للكلمات معنى مختلف عن معناها عند قناة أمستردام، مع أن الكلمات هي، هي نفسها.

ثم أصيبت بالسرطان، وانتشر بسرعة غير متوقعة. وأخبرها الأطباء أنه أمامها أقل من عام واحد. بالإضافة لذلك، لم يكن معها كلما احتاجت له. ولم يمكنه حل لغز ندوب معركتها، ولم يفهم لماذا هي مخلوق متألم. لقد عشقها ولكن بأسلوب خاطئ. كما لو أنها شخصية موجودة في كتابه المفضل، أو ممثلة في مسرحية يألفها، جزء - محبوب ومتخيل - من ثنايا خياله، الذي يولد مع ممارسة الحب.

وبالموت، اتحدا مجددا، مثلما هو حال قصيدة كافافيس.

***

 

.......................

ريبيكا روث غولد Rebecca Ruth Gould: كاتبة وأستاذة جامعية أمريكية. تعمل بتدريس الحضارة الإسلامية والأديان المقارنة في جامعة برمنغهام، غرب إنكلترا. لها عدة مجموعات شعرية وقصصية آخرها “غرباء عشاق”. ستصدر في صيف عام 2021. وهذه القصة من هذه المجموعة. وتمت الترجمة بالاتفاق مع الكاتبة. وبتصرف بسيط اقتضاه الفارق الشعري والفلسفي بين اللغتين.

 

صالح الرزوقيصعدون إلى القمر ولكن يبدو أنهم غير مهتمين بدقات القلب البشري

بقلم: مارلين مونرو

ترجمة: صالح الرزوق


(ملاحظة من المحرر: في الخامس من شباط 1961، أودعت المطلقة حديثا، والمجهدة عقليا، مارلين مونرو، وبرعاية من الدكتورة ماريان كريس، في مصحة باين واتني للأزمات العقلية في نيويورك. وأقامت في غرفة مصفحة لمدة أربعة أيام فقط بعد تدخل مشكور من زوجها الثاني جو ديماجيو. وفي الأول من آذار كتبت مونرو - التي كانت تتعافى في مستشفى نيو يورك - رسالة من ست صفحات لطبيبها النفسي الآخر، الدكتور رالف غرينسون، وتكلمت فيها عن محنتها. وبعد عام وجد غرينسون، للأسف، مونرو ميتة في بيتها في لوس أنجليس).

........................

1 آذار 1961

الآن فقط حينما نظرت من نافذة المستشفى إلى الثلج الذي كان يغطي كل شيء، لاحظت فجأة أن كل شيء مثل غطاء أخضر أبكم. العشب، والشجيرات دائمة الخضرة الهزيلة - كانت الأشجار تعطيني القليل من الأمل - مع ذلك كانت الأغصان الواهمة والعارية تمنحني وعدا بربيع قادم، وربما هذا الوعد ينطوي على القليل من الأمل.

هل شاهدت “الناشزون” بعد؟. كيف كنت أرى الشجرة عارية وغريبة في نفس الوقت. لا أعلم إن كانت تبدو هكذا على الشاشة - لا أحب بعض اللقطات المختارة التي وظفوها. وحينما بدأت بكتابة هذه الرسالة سقطت أربع قطرات دمع بهدوء. ولا أعرف بالضبط ما هو السبب.

كنت أمس مستيقظة طوال الليل كالسابق. أحياناً أتساءل ما الفائدة من الليل والتوقيت الليلي. فهو تقريبا غير موجود عندي - كل شيء يبدو وكأنه يوم واحد طويل، يوم طويل وفظيع. على أي حال، فكرت في أن أكون إيجابية حياله وبدأت في قراءة رسائل سيغموند فرويد. عندما فتحت الكتاب لأول مرة رأيت صورة فرويد في الداخل مقابل صفحة العنوان وانفجرت بالبكاء - بدا مكتئبا جدا (ولا بد أن الصورة مأخوذة قرابة نهاية حياته)، فقد توفي وهو رجل خائب - ولكن الدكتورة كريس قالت إنه كان يعاني من ألم جسدي عضال وهو ما نما لعلمي من كتاب جونز - ولكن أيضا يمكنني معرفة ذلك بالاحتكام لغريزتي التي أثق بها ومن ملامح وجهه اللطيف والكئيب. يكشف الكتاب (على الرغم من أنني لست متأكدة ما هي الرسالة التي يجدر بنا نشرها) أنه لم يكن متصلبا!. أعني أن فكاهته اللطيفة والمحزنة وحبه للسعي كان أبدياً وجزءا لا يتجزأ منه. لم أقطع شوطا طويلا معه لأنه في نفس الوقت كنت أقرأ السيرة الذاتية الأولى لشون أوكيسي - (هل أخبرتك كيف كتب قصيدة لي ذات مرة ؟). في النهاية - قلقت من هذا الكتاب كما هو متوقع لو صادفتك أمور من هذا النوع.

2182 monreلم يكن هناك تعاطف معي في باين ويتني - وتركت عندي أثرا سلبيا جدا - فقد سألوني بعد أن أودعوني في “زنزانة” (أعني علبة إسمنتية وما شابه ذلك) عما إذا كنت أعرف شيئا عن المرضى المضطربين والكآبيين (علاوة على أني شعرت كأنني في سجن من السجون لجريمة لم أقترفها. اللإنسانية هناك متعمقة. وسألوني لماذا لا أشعر بالسعادة برفقتهم). كان كل شيء مغلقا عليه بالقفل والمفتاح. (أشياء مثل الأنوار الكهربائية، وأدراج خزانة الزينة، والحمامات، ومستودعات الثياب، والقضبان التي تدعم النوافذ - كان للأبواب نوافذ ويمكن رؤية المرضى طوال الوقت للمراقبة، وأيضا، كان العنف والعلامات التي يتركها لا تزال على الجدران من جراء مرضى سابقين). أجبت قائلة:”حسنا، أكون معتوهة لو أحببت هذا المكان”. ثم تناهى لسمعي عويل نساء من زنزاناتهن- وهن نساء تصرخن لأن الحياة بلغت درجة لا يمكن احتمالها على ما أعتقد - وكان في أوقات من هذا القبيل، على ما أظن، يحضر إليهن طبيب نفساني ويجاريهن بالكلام والملاطفة. ربما ليخفف مؤقتا من بؤسهن وألمهن. وعلى ما أظن (الأطباء) سيستنتجون شيئا ما من ذلك - ولكن كانوا يربطون كل شيء بمصدر واحد وهو الكتب التعليمية - وكم استغربت من ندرة المعلومات التي يعرفونها. ربما يمكنهم اكتشاف المزيد من الاطلاع على معاناة البشر الأحياء - كان لدي إحساس أنهم يهتمون بالسيطرة على المريض، وهم لا يطلقون سراحه إلا بعد أن ييأسوا منه. ثم طلبوا مني الاختلاط مع البقية، وأن أشترك بالعلاج المهني (ع. م.). قلت:”وما هو؟”. قالوا:”الخياطة أو لعب الضامة، أو حتى الورق وربما الحياكة”. وحاولت أن أبين لهم أن هذا هدر للوقت فقط، غبار يلوث اليدين فقط. فقد كانت مثل هذه الأمور بعيدة عن ذهني تماما. سألوني بعد ذلك لماذا أنا مختلفة (عن بقية المرضى). وحزمت رأيي: لو أنهم بهذا الغباء يجب أن أقدم لهم ردا بسيطا. لذلك قلت:”هذا ما أنا عليه وحسب”.

في أول يوم “اختلطت” مع مريضة. سألتني لماذا أبدو حزينة، واقترحت أن أتصل بصديقة لأخفف من وحدتي. أخبرتها أنهم أنبأوني أنه لا يوجد هاتف في ذلك الطابق. وبالإشارة للطوابق، كانت كلها مغلقة - لا أحد يمكنه الدخول أو الخروج منها. صدمتها بكلامي حتى ارتعشت وقالت:”سأقودك لهاتف حالا” - وبينما كنت أنتظر بالطابور ليحل دوري باستعمال الجهاز لاحظت وجود حارس (فقد كان يرتدي بذة رمادية)، وحينما اقتربت من الجهاز مد يده وقال بصلابة:”الهاتف غير مسموح لك”. بالمناسبة، كانوا يعتزون أنه لديهم هنا جو منزلي أليف. سألتهم (الأطباء) على أي أساس بنوا قناعاتهم. أجابوا:”حسنا، الطابق السادس مشهور بالسجاد والأثاث الحديث”. وعلقت فورا:”حسنا، مهما قدم المصمم من ديكور داخلي - لا بد من توفير النقود السائلة له”. كنت أقصد ضمنا باعتبار أنهم يتعاملون مع بشر لماذا لا يستطيعون أن يفهموا الحالة الداخلية للكائن البشري.

وكان يبدو أن الفتاة التي دلتني على الهاتف ضعيفة وسطحية. وقالت بعد أن منعني الحارس بيده الممدودة “لم أعتقد أنهم يتصرفون هكذا”. ثم أضافت:”أنا هنا بسبب ظروفي العقلية - قطعت حنجرتي عدة مرات وقطعت شرايين معصمي”. - وأضافت بلغ عدد المحاولات ثلاث أو أربع مرات.

انبعث رنين معدني jingle في ذهني:

واتربط ذلك بالعبارة التالية بطريقة لاشعورية :”الرنين يعني تلامس المعادن mingle - ولكن كيف يكون لدي تلامس وأنا مولودة وحيدة وأعيش بعزلة تامة”.

آه، حسنا. الرجال يصعدون إلى القمر ويبدو أنهم غير مهتمين بقلب بشري حي ينبض. يمكن للإنسان أن يتغير لكن هذا غير مؤكد - بالمناسبة، ذلك هو الموضوع الأصلي للـ “الناشزون” - ولم يفهم أحد هذه الفكرة حتى هذه اللحظة. وهذا جزئيا، برأيي، يعود للتبدلات في النص المكتوب، وبعض التغييرات في الإخراج و....

في وقت لاحق كتبت:

أعلم لن أكون سعيدة ولكن يمكن أن أمرح!. أخبرتكم أن كازان قال كنت أبهى بنت قابلها في حياته، وصدقوني كان يعرف كثيرات. غير أنه أحبني لعام واحد، ومرة هدهدني حتى غرقت بالنوم ليلا بعد المرور بفورة غضب. واقترح كذلك أن أخضع للتحليل، ولاحقا طلب مني أن أتعاون مع معلمه لي ستراسبيرغ. هل كان ملتون من كتب يقول:”السعيد لم يولد قط”. وأعلم أنه على الأقل يوجد طبيبان مختصان بالأعصاب، وانشغلا بالبحث عن مقاربة إيجابية للاضطرابات النفسية.

هذا الصباح. 2 آذار

مجددا لم أرقد في الليلة الماضية. نسيت أن أخبركم أمس بشيء ما. عندما أودعوني في أول غرفة في الطابق السادس لم أكن أعلم أنه طابق الصحة النفسية. وقالت الدكتورة كريس إنها ستزورني غدا. وجاءت الممرضة (بعد حضور الدكتور، طبيب الصحة العقلية) للفحص الفيزيائي، وتضمن ذلك معاينة الصدر خشية وجود أورام. وحاولت أن أمنعه لكن ليس بعنف. وحاولت أن أعرب عن رأيي: أن الطبيب الذي وضعني هنا، والحقيقة أنه رجل غبي وأحمق يدعى الدكتور ليبكين، فعل ذلك قبل ثلاثين يوما. ولكن عندما جاءت الممرضة لاحظت أنه لا توجد وسيلة، جرس أو زر موصول بمصباح، لاستدعاء الممرضات. وسألتها عن السبب وعن أشياء أخرى، فقالت لأنه طابق الصحة النفسية.

وبعد أن غادرت ارتديت ثيابي، وبعد ذلك التقيت مع الفتاة التي دلتني على الهاتف. كنت أنتظر عند باب المصعد، وكان يشبه بقية الأبواب وله قبضة لتفتحه، لكن يختلف بشيء واحد أنه بلا أرقام (لم يضعوا له رقما). وتكلمت مع الفتاة وأخبرتني عما فعلته بنفسها ثم عدت أدراجي لغرفتي ولدي قناعة تامة أنهم كذبوا علي بما يخص الهاتف. وجلست على السرير أفكر بهذا الوضع الذي ورطوني به، وكيف أتصرف لو كنت أرتجل دورا في تمثيلية من هذا النوع. كانت أفكاري مثل عجلة لها صوت صرير وتحتاج للزيت. وأعترف أن الصرير كان مرتفعا ولكن الفكرة كانت واضحة فقد اشتركت في فيلم يدعى “لا ضرورة لقرع الباب”. حملت كرسيا خفيفا وضربت به الزجاج، وكان هذا صعبا لأنني لم أكسر شيئا من قبل. ثم تهشم الزجاج. وكنت بحاجة لعدة ضربات للحصول على قطعة زجاج - وأسرعت بحمل الزجاج في يدي وجلست على السرير بانتظار حضورهم. وعندما وصلوا قلت لهم:” لو أنكم ستعاملونني كمجنونة سأجرح نفسي كمجنونة”. أعترف أن ما حصل بعد ذلك كان صعبا ولكن سبق أن فعلته في الفيلم باستثناء أنني استعملت في التمثيل حد الشفرة وليس شظايا الزجاج. وألمحت إذا لم يطلقوا سراحي سألحق الضرر بنفسي - وكان هذا أبعد شيء عن ذهني في تلك اللحظة. وكان الدكتور غرينسون يعلم أنني ممثلة ولا يمكن أن أتعمد ترك أثر واضح أو أي تشويه. كنت متألمة فقط. وحينما حاولت أن أضر نفسي، في وقت آخر، فعلت ذلك بحذر باستعمال عشرة حبوب مخدرة (سيكونال) وعشرة حبوب منومة (تيونال)، وقد ابتلعتها بمتعة (هذا ما شعرت به حينها). ولم أتعاون معهم بأية طريقة لأنه لم يكن بمقدوري الثقة بتصرفاتهم. وطلبوا مني الانصراف بهدوء، لكن رفضت التحرك، وبقيت على السرير حتى تعاون أربعة للقبض علي، امرأتان ضخمتان ورجلان ضخمان، وحملوني للطابق السابع بالمصعد. كان يجب أن أقول على الأقل أنهم تحلوا بالأخلاق وحملوني ووجهي نحو الأسفل. بتعبير آخر لم يكن وجهي للأعلى. وكنت أبكي بصمت طوال الطريق ثم أودعوني زنزانة أخبرتكم عنها وتلك المرأة الثور الضخمة التي أشرت إليها، قالت لي:”اغتنمي الفرصة واحصلي على حمام”. أخبرتها أنني للتو اغتسلت في الطابق السادس. قالت بعناد:”ما أن تبدلي الطابق عليك الاغتسال مجددا”. كان الرجل الذي يدير المكان، وهو من نمط مدراء المدارس الثانوية، مع أن الدكتورة كريس تشير له باسم “الملاحظ”، وكان مسموحا له أن يكلمني وأن يستجوبني مثل محلل نفسي.

أخبرني أنني مريضة جدا جدا، وكنت فتاة مريضة جدا جدا لسنوات عديدة. كان يقلل من شأن مرضاه، وسأخبركم، لاحقا، ماذا كان يبغي منهم. سألني كيف يمكنني العمل وأنا مضطربة. وتساءل هل لذلك علاقة بعملي. وكان شديد الصلابة وواضحا بطريقة كلامه.

وعمليا كان يقرر ولا يستجوب، وعلى هذا الأساس قلت:”ألا يعتقد أيضا أن غريتا غاربو وشارلي شابلن وربما إنغريد برغمان كانوا مضطربين عندما كانوا يقومون بأدوارهم. وقلت هذا يشبه أن تسأل هل لاعب الكرة ديماغيو يمكنه قذف الكرة حين يكون مكتئبا. يا للسخافة.

والآن أغتنم الفرصة لأقول: لدي أخبار طيبة. شيء شبه طيب. لقد خدمت شخصا. وادعى أنني كنت نافعة له. وهو جو. فقد قال إنني حافظت على حياته حينما نصحته بالطبيب النفسي، وقالت الدكتورة كريس إنه رجل لامع، تعني الطبيب. وقال جو إنه خنق نفسه مستعينا برباط حذائه بعد الطلاق. ولكنه أضاف لو الأمر بيده لطلق نفسه، فهو رجل لا يحتمل. وفي ليلة عيد الميلاد أرسل باقة زهور من نوع بوينسيتا. وعندما سألت ممن هذه الزهور فقد فاجأتني. (كانت صديقتي بات نيوكومب حاضرة) - وكانت الزهور وصلت حديثا. قالت:”لا أعلم، لكن البطاقة تحمل عبارة: مع أفضل تمنياتي، جو.

أجبت قائلة:”حسنا. ليس هناك غير جو واحد”. ولأنها ليلة عيد الميلاد اتصلت به وسألته: لماذا أرسل لي الزهور. قال: أولاً لأنني ظننت أنك ستتصلين بي لتشكريني. ثم قال، بحق الجحيم من لديك سواي في العالم. وقال: إنني كنت زوجك ولاحظت أنك بلا أقارب. وحياتك تخلو منهم أصلا. وطلب مني أن أحضر لأشاركه الشراب حالما يمكنني. قلت له: إنني أعرف أنك لا تشرب - فقال: إنه الآن يشرب قليلا - قاطعته بقولي: يجب أن يكون المكان مظلما جدا جدا إذا. فسألني: ماذا كنت أفعل ليلة عيد الميلاد. قلت له: لا شيء. رافقت صديقة. ثم طلب مني أن أسمح له بزيارة. وكنت سعيدة لأنه سيأتي. لكن قلت له كما يقتضي الواجب: حالتي كئيبة ومضطربة. ولكن بطريقة أو بأخرى كنت سعيدة بزيارته المزمعة.

والآن أعتقد أنه يجدر بي أن أتوقف لأنه لدي مشاغل أخرى. وشكرا لإصغائكم ولوقتكم الثمين.

مارلين م.

ملاحظة: هناك شخص ما كلما أذكر اسمه تعبس وترفع شواربك، وتنظر نحو السقف. احزر من يكون؟. كان (بالسر) صديقا معطاء جدا. أعلم أنك لن تصدق هذا لكن يجب أن تثق بغرائزي. لقد كانت علاقة عابرة وسريعة. لم يسبق لي أن فعلت ذلك من قبل، ولكن الآن تورطت بهذا التصرف – لكنه غير أناني على الإطلاق في السرير.

لم أسمع شيئا من إيف – ولا مانع لدي بذلك لأنني أحمل هذه الذكريات الحساسة والقوية والرائعة.

والآن أوشك على البكاء..

من مفكرة الممثلة الراحلة مارلين مونرو/ المصدر: فوكس بيوبولي.

***