علي رسول الربيعيتُثير مسـألة الحداثة الغربية وعلاقة العالم غير الغربي معها نقاشا مستمرُا وطُرحت حولها رؤى  كثيرة ومناهج عديدة؛ كذلك هناك دراسات وصفية وتحليليلة كثيرة عن تاريخ الحداثة واصولها، وافكارها ومدارسها، ومفكريها. سوف لن أتناول ايً من هذا. لكن ساقوم أبتداءً، من موقع التفكر في السياقات التاريخية والأطر الفكرية للحداثة، بنقد الآراء التي تواجه التقاليد المحلية المتعددة بحداثة غربية واحدة لأدافع عن فكرة أمكانية وجود انماط أو خيارات أخرى من الحداثة، وجود انماط من حداثات عديدة داخل العالم الغربي وخارجه. ثانيًا، آمل أن أقدم فكرة تقريبية عما يعنيه أن يكون هناك أمكانية لأنماط أو اشكال عديدة من حداثات حقيقية أخرى غير الحداثة الغربية الواحدة السائدة. أخيرًا، الفت النظر الى الحذر من الخلط بين أنماط الحداثات العديدة وبين ما أسميه خليطًا من الحداثة الغربية الرفيعة التفكير وتقليدًا محليًا جامدًا بالقدر نفسه.

فهم الحداثة

أبدأ بالتمييز بين طريقتين لفهم صعود الحداثة، ووجهتا نظر مختلفتين حول كيف يختلف التكوين الاجتماعي الحديث عن سابقاته، أسمي أتفاقا مع الفيلسوف، تشارلز تايلور، الأول النظرية الثقافية، والثانية النظرية الثقافية للحداثة.[1] لايحتاج تفسير التحول من مجتمع ما قبل حديث إلى مجتمع حديث، على أساس الفهم الثقافي، إلى أيً اشارة إلى المقولات الثقافية؛ بينما المطلوب بالنسبة للنظرية الثقافية للحداثة أن تستحضر الثقافة لوصف وتفسير التحول المجتمعي.

هناك صعوبة المضي قدمًا  في النقاش دون توضيح معنى مصطلح "الثقافة" المراوغ رغم أن الأمساك به بشكل تام ونهائي بعيد المنال. نقصد بـ " الثاقفة "هنا تكوينًا فكريًا معقدًا، وهو مجموعة من الأفكار والصور التي تحول كائنات بيولوجية إلى بشر تعيش وتختبر حياة ذات معنى. إنها شبكة من التفاهمات والتمثيلات حول الذات وعلاقتها بأنفسنا والعالم الطبيعي، وتشمل مفاهيم الخير والشر، الصواب والخطأ، الفضائل والرذائل، إلخ. إن ثقافتنا هي التي تقرر ما إذا كنا ننظر إلى الطبيعة على أنها مقدسة أو ذات مغزى جوهري، ومتخلصة من السحر والوهم أم لا. فالثقافة هي التي تحدد إلى أي مدى ننظر إلى أنفسنا كأفراد وكذلك القيمة التي نضفيها على شخصياتنا أيضًا. بمعنى، تكون أشكال الأجسام البشرية متطابقة من الناحية الفسيولوجية في كل مكان، لكن يعتمد على الثقافة كيف تقدم نفسها، وما هي الأعمال التي تؤديها، وكيف ترتبط ببعضها البعض. ونظرًا لأن الثقافة شبكة معقدة من الصور والأفكار والمفاهيم، فهي موجودة  في كل مكان يوجد فيه الانسان. يُعتقد على نطاق واسع لا يمكن أن توجد الأفكار والتمثيلات إلا في اذهان الناس فقط. لكن هذا ليس صحيحا. فعلى الرغم من أن الثقافة أفكار، إلا أنها ليست ذهنية ولا توجد إلا في رؤوس الناس فقط. صحيح أنها موجودة في الذهن، ولكن بصرف النظر عن وجودها في الحالات والأنفعالات الجسدية، تتجسد في الممارسات الجماعية أيضًا. تتولد الثقافة وتتغذى من المجتمعات ويوجد الكثير منها كمعرفة عملية وغير واعية ويفترض مسبقًا أنها الخلفية الأساسية للتمثيلات الأكثر وضوحًا التي شكلها قسم من تلك المجموعة.

نظريات الحداثة الثقافية

يمكن تفسير الانتقال إلى الحداثة، من قبل النظريات الثقافية، دون اللجوء الى الثقافة بالمعنى المبين أعلاه. يوجد مثال على هذه النظرية في مقدمة كارل ماركس لنقد الاقتصاد السياسي. اقترح ماركس، في واحدة من أكثر المقاطع شهرة في أدب العلوم الاجتماعية، نظرية من مرحلتين للتحول الاجتماعي والتاريخي، والتي يتم بموجبها تحديد التغيير في البنية الفوقية القانونية والسياسية والأيديولوجية للمجتمع عن طريق تغيير أكثر جوهرية في علاقات الإنتاج التي هي، بدورها، دالة على طبيعة قواها المنتجة. المقصود من المصطلحين الرئيسيين، "القوى المنتجة" و"علاقات الإنتاج"، امتلاك مضمون ثقافي. إن السمة المميزة للمجتمع الحديث، بوصفه "حديث"، هي مستوى عالٍ من القوى الإنتاجية ونوع من التنظيم الإنتاجي الأنسب للحفاظ على هذا المستوى من الإنتاجية. يصبح المجتمع حديثًا عندما يكتسب التكنولوجيا المتقدمة، وتتجاوز إنتاجيته عتبة معينة. لا شك أن الحداثة لا تستنفد بالتكنولوجيا المتقدمة ونمط معين من الاقتصاد، لكنها تتبع هذا التغيير التكنولوجي لأن التحول الثقافي، أي التغيير في كيفية تصور الذات والعالم والقواعد التي تحكمها هي مجرد ظاهرة ثانوية التكنولوجيا الحديثة والبنية الاقتصادية المصاحبة لها. ليس التفسيرات الثقافية الأخرى غير شائعة في العلوم الاجتماعية، فيمكن، على سبيل المثال، تعريف المجتمعات الحديثة بالتصنيع والتحضر، أو فهمها من حيث بعض الممارسات السياسية والإدارية، أو تصور أنها جزء من عقلانية مفيدة أو مزاج علمي.

تشترك جميع النظريات الثقافية في سمات اساسية تتمثل في التمييز الحاد بين الثقافة من ناحية ونظام للتكنولوجيا / المؤسسات الاقتصادية والسياسية من ناحية أخرى. واسمحوا لي أن أسمي هذا النظام المحدد ثقافياً بالمجمع التكنولوجي المؤسسي أو مجمع تكنولوجيا المعلومات. يشكل، على سبيل المثال، المستوى العالي من التكنولوجيا، والاقتصاد الرأسمالي، والدولة البيروقراطية معًا مثل هذا المركب من تكنولوجيا المعلومات.

تفسيرات النظريات الثقافية

تسفر النظرية الثقافية،عن ثلاثة تفسيرات مختلفة. التفسير الأقوى، المرتبط بالماركسية المبتذلة ومنظري التحديث البسيطة  الذي يقول: أن مجمع تكنولوجيا المعلومات هو ما يشكل الحداثة وله أولوية سببية صارمة، ويتبعه التكوين الفكري بمجرد ظهوره بالضرورة. ليس للثقافة أي فعالية سببية ضمن هذا المخطط. علاوة على ذلك، يجب على كافة المجتمعات عبور هذه العملية بمنطق صارم مع  القليل من الخيارات. لا بد أن يتأثر كل مجتمع، عاجلاً أم آجلاً، أولاً بمركب تكنولوجيا المعلومات هذا، وعندما يحدث ذلك، لابد أن يكتسب "نظرة حديثة". تحتوي هذه النظريات على تكهنات جذرية لكافة المجتمعات البشرية: سوف تمحي الحداثة جميع الاختلافات الثقافية والحضارية لإنتاج توحيد عالمي.

وهناك تفسير ثان يلقي بظلاله على التحيز الغائي القوي للأول لكنه يحتفظ ببقية النظرية. يواجه كل مجتمع خيارًا وجوديًا من وجهة النظر هذه: فعليه إما اختيار الحداثة أو رفضها. إذا اختار المجتمع ذلك، فسيكون قد اختار الحزمة بأكملها؛ ولا يمكنه التراجع بمجرد أن يسير فيها. نظرًا لأن التوقعات تتبع مجمع تكنولوجيا المعلومات، فإن اختيار أحدهما يعني أيضًا اختيار الآخر.

تولد هذه التفسيرات ارتباطًا وثيقًا بما أسميه الأيديولوجيات المزدوجة للحداثة والتقليد. تظهر هذه الإيديولوجيات بشكل خاص عندما يُنظر إلى الحداثة بوصفها هجوم على  جماعة تجد صعوبة في التعامل مع تكنولوجيا المعلومات المعقدة، وهو أمر شائع في المجتمعات التي يغلب عليها الخضوع لتقاليد محلية تعتقد أنها مطلقة الصحة وذات قيمة وصلاحية كونية. تشترك أيديولوجيات الحداثة والتقليدية في الكثير على الرغم من الاختلافات فيما بينها. يعرّف الإيديولوجي الحداثي التقاليد بوصفها نقيض الحديث، وليس من المستغرب أن يجدها بلا قيمة. ترد إيديولوجيات التقليد على الحداثيين بالاسلوب نفسه؛ حيث ينظر الحداثيون الى التقليديين بوصفهم عبدة اعْمِياءَ للماضي، غارقون بشكل غير عقلاني في ممارسات اجتماعية هرميًة تتعارض مع الحرية الفردية. بينما ينظر التقليديون إلى الحداثيين على أنهم لا قيم لهم ينتقلون من رغبة عابرة إلى أخرى، يؤلهون العقلانية الأداتية، ويتغاضون عن الأهمية الأكبر والأعمق لعالمهم الحي المُعاش. ومع ذلك، يشترك كلا المنظرين في الفهم نفسه لكيفية تحول مجتمعات ما قبل الحديثة ودخولها إلى الحداثة. إنهم يقبلون الحداثة كظاهرة غير ثقافية في الأساس. إنهم، في الواقع، يؤيدون التفسير نفسه للنظرية الثقافية للحداثة.

ينتج عن التفسير الثالث للنظرية الثقافية ما أسميه خليطًا من الحداثة والتقاليد. يحافظ هذا التفسير، مثل التفسيرين الأولين، بصرامة على التمييز بين مجمع تكنولوجيا المعلومات والثقافة. ومع ذلك، فإنه يرفض غائية التفسير الأول والرابطة السببية بين مجمع تكنولوجيا المعلومات والثقافة التي يجيزها التفسير الثاني. فمن الممكن، من وجهة النظر هذه، الوصول إلى مجمع تكنولوجيا المعلومات دون الأسس الثقافية المرتبطة به. يُنظر إلى هذا النظام المعقد والثقافي على أنهما منفصلان وغير مرتبطين سببيًا. إن هذا الرأي جذاب بشكل لا لبس فيه لأنه يوفر مزيجًا سريعًا من التقاليد والحداثة. ونظرًا لأنه يتم تعريف الهوية الثقافية من حيث التقاليد المحلية بدلاً من مجمع تكنولوجيا المعلومات، فإنه لا يُنظر الى هذا الحل "الترقيعي" بوصفه هجوم على المجتمعات غير الغربية. بل على العكس تماما، فقد يتم طرحه بأعتباره مثالا يستحق السعي والمتابعة. تعد حيازة مجمع تكنولوجيا المعلومات مصدرًا للتمكين، الذي يُعتقد أنه صفة مهمة للغاية لعلاقات القوة الحقيقية في العالم المعاصر. يمكن لكل مجتمع غير غربي أن يكون حديثًا وتقليديًا في آن واحد، ويستمد قوته من أفضل ما في العالمين. لا يبدو أن استراتيجية تأكيد الذات هذه تمنح التمكين دون الإضرار بالهوية المحلية فحسب، بل إنها تضعف التعارض بين "حداثتهم" و"تقاليدنا" أيضًا. إن الأمثلة التي تتبادر إلى الذهن هي السهولة الواضحة التي يرغب فيها قسم من المجتمعات التقليدية الحصول على المزيد من الطاقة النووية أو امتلاك تكنولوجيا معلومات عالية في الوقت الذي يطالب فيه اللباس التقليدي للمرأة.

قال عالم الاجتماع البارز سرينيفاس أنه قابل شخصًا لم ير أي تناقض في قيادة الجرافة لكسب قوته والانغماس في السحر الأسود التقليدي من أجل سعادته.[2] كان هذان القطاعان من حياته منفصلين تمامًا. يسهل العثور على أمثلة لأشخاص يحملون مواقف دينية سحرية تجاه التكنولوجيا التي يعملون فيها. ويوفر استخدام التكنولوجيا الحديثة لنشر وجهات النظر غير الحديثة مثالاً آخر.

إن كثيرا ما يكون هناك ارتباك وعدم تمييز بين هذا الخليط من الحداثة والتقاليد، بما في ذلك "تحديث التقليد" وبين معنى الحداثة الأخرى لكنها في الحقيقة ليس حداثة أخرى أو بديلة. وهذا لسبب لا لبس فيه، كما هو الحال في أي خليط، وهو الجمع بين الحداثة الغربية وتقليد محلي.

ألخص ذلك بالقول: إن النظرية الثقافية للحداثة منفتحة على ثلاثة تفسيرات، اثنان منها يولدان أيديولوجيات الحداثة والتقليدية، والثالث ينتج حلًا خليطًا غالبًا ما يتم فيه الخلط بينه وبين الحداثة الأخرى.

باختصار، تفرز النظرية الثقافية حداثة "سامية"، وتقاليد راسخة، ومتشددة بالقدر نفسه، وحل هو عبارة عن خليط يجمع بين الاثنين. يعرّف كل من هذه التفسيرات التحديث بالتغريب.

النظريات الثقافية للحداثة

ترفض النظريات الثقافية للحداثة التمييز بين الثقافة ومركب تكنولوجيا المعلومات. وجدت أن التمييز بين المؤسسات والثقافة غير مستدام. على أقل تقدير. لكن لما ذلك؟ لأن المؤسسات هي ممارسات ملزمة أو مقيًدة بقواعد. وأن جميع الممارسات، بما في ذلك التي تحكمها قواعد محددة، تتشكل جزئيًا من المعتقدات التي يشير بعضها بشكل مباشر أو ضمني إلى القيم التي تعطي هذه الممارسات اتجاهًا معياريًا – وهو سبب وجودها، ووجهة نظرها. وهناك فهم محدد للذات من قبل المشاركين فيها على القدر نفسه من الأهمية للممارسات الاجتماعية. باختصار، لن تكون ممارسة معينة كما هي بدون وجهة نظرها الداخلية أوفهمها الذاتي. إنه لمن الضروري كما في ممارسة التصويت أن يتم التوصل إلى قرار أو إصدار حكم. ومن الأهمية بمكان أن يرى الناخبون أنفسهم كذوات قادرة على اتخاذ خيارات معقولة أيضًا. بدون وجهة نظرها هذه والفهم الذاتي، يضع الناس علامة على ورقة ولكن لا يصوتون. يكشف كل هذا عن ادعاء مألوف في العلوم الاجتماعية التأويلية بأن الممارسات الاجتماعية لها مغزى.

والآن، يعني هذا القول اعتراف بالصلة بين المؤسسات والتكوينات الثقافية ذات الخصوصية. وبعد كل شيء، ليست الثقافة سوى شبكة من المعاني التي تغذي كلاً من فهم الذات وغاية الممارسات. إننا نشيرعند الحديث عن مجموعة محددة من الممارسات الاجتماعية  إلى أنظمة ثقافية معينة أيضًا. إن هذا صحيح، إلى حد ما، حتى بالنسبة للتقنيات لأنها تنطوي أيضًا على بعض مفاهيم وأغراض ذاتية خاصة وليست ثقافة محايدة على الإطلاق كما تبدو. إذا كان كل هذا صحيحًا، فلا يمكن تعريف الحداثة من منظور ثقافة معقدة محايدة لتكنولوجيا المعلومات فقط. إنها بالضرورة نظام ثقافي / معياري يشمل مجمع تكنولوجيا المعلومات. لذلك يرتبط مجمع تكنولوجيا المعلومات من الناحية المفاهيمية بنظرة ثقافية وأخلاقية، بالنسبة للنظرية الثقافية. لا يعني هذا أنه يجب عليهم تشكيل نظام متماسك بإحكام معًا، كما هو الحال في العلاقات في المنطق الشكلي. ولا حاجة لأن تكون هذه العلاقات سببية. إنها علاقات أكثر مرونة، مثل الخيوط الضعيفة لشبكة او نسيج (و بالمناسبة هذاهو السبب في أننا كثيرًا ما نشير إلى الثقافة على أنها شبكة). وأعطي أمثلة على ذلك. يفترض مشروع العلم الحديث بأكمله كما أشار إليه ماكس فيبر على أنه خيبة أمل العالم، أي تشيوءه. ويتطلب فهم خلفية العلوم الطبيعية أن العالم الطبيعي يتكون من كيانات منفصلة بدون هدف أو معنى جوهري. ويكمن المعنى في الذوات المنفصلة عن العالم الخارجي حصريًا من الآن فصاعدًا. ينطوي هذا الفصل الجذري بين الذات والأشياء على موقف من درجة معينة من التحكم الأداتي في الطبيعة وإخضاعها. إذا لم يكن الغرض من الطبيعة خاصًا بها لإنه  مستمد من البشر بالكامل ، فيمكن للبشر أن يعطيه أي غرض يراه مناسبًا. وإذا لم يظهر أي غرض  فيها أو لها، وإذا كان الأمر كذلك، فيمكن التأثير فيها والتلاعب بها حسب الرغبة، بل حتى يمكن تدميرها. إن البشر فقط بوصفهم يمتلكون هذا النوع من الذاتية الحديثة يمكنهم إنتاج العلم والتكنولوجيا. أنظر مثلا الرأسمالية، وهي نظام اقتصادي مصمم لتوليد الأرباح، يعتمد تحقيق هذه الغاية باستمرار الادخار وإعادة الاستثمار في الإنتاج، والذي يكون بدوره ممكنًا عندما يتم تقليل الاستهلاك والإشباع للرغبات فقط. لا يمكن أن يعمل هذا النظام إلا من قبل أنواع معينة من الناس، على سبيل المثال، من قبل أولئك الذين يجب أن يعيشوا دون التخلي عن العالم وفقًا لأخلاق ضبط النفس على الرغبة والعاطفة، أيً عليهم اتباع ما أسماه فيبر بالزهد الدنيوي الداخلي.

يبدو للوهلة الأولى، يجب أن تكون الحداثة غربية بشكل لا مفر منه بالنسبة للنظريات الثقافية. إنها ولدت في الغرب، ويجب أن تظل مرتبطة به. إذا كانت التكنولوجيا والمؤسسات الاقتصادية قد نشأت في الغرب، فيجب أن تكون الثقافة التي ارتبطت بها منذ ولادتها كذلك. وإذا كان الأمر كذلك، يبدو أننا نصل إلى النتيجة نفسها التي توصلت إليها النظريات الثقافية القائلة بوجود حداثة غربية فريدة واحدة فقط. وإن الطريق الوحيد للتحديث هو التغريب بالنسبة للمجتمعات غير الغربية.

لكن هذا الاستنتاج حول النظريات الثقافية للحداثة خاطئ. لا تحتاج النظريات الثقافية إلى الاعتقاد بأن الحداثة ظاهرة فريدة وشاملة وغربية لا مفر منها. ما تم ترسيخه وتقريره حتى الآن هو: أن الحداثة في الأصل، نظام ثقافي معقد، كانت غربية بشكل حصر لكن لم يثبت أنها يجب أن تظل غربيًة. من المؤكد أن هذه النقطة حول الأصول الغربية للحداثة تفرغ  أو تخض من خطوة أخرى لتأكيد الذات من جانب المجتمعات غير الغربية أي من الممكن أن تنبت الحداثة في أماكن مختلفة إما في وقت واحد أو في أوقات مختلفة. يمكن لكل مجتمع، من وجهة النظر هذه، أن يكون حديثًا دون أن يكون غربيًا لأن كل مجتمع له مسار إلى حداثته الخاصة، ويحمل في ذاته بذور حداثته الفريدة.[3] ونظرًا لأن النظريات الثقافية تشير ضمنيًا إلى الأصول الغربية الفريدة للحداثة، فإنها تدحض الرأي القائل بأن مناطق مختلفة من العالم قد طورت مفاهيمها المميزة والفريدة من نوعها للحداثة. ومع ذلك، فهي متوافقة تمامًا مع الفكرة القائلة بأن الحداثة نشأت في الغرب، وانتقلت إلى أجزاء أخرى من العالم. ويتفق معها الرأي القائل بأن الحداثة الغربية قد تغيرت في رحلتها إلى أجزاء أخرى من العالم من خلال اتصالها بالتقاليد الثقافية غير الغربية. لقد تغيرت الحداثة حتى داخل المنطقة الجغرافية المسماة الغرب، أي أوروبا وأمريكا الشمالية بمرور الوقت. تطورت الحداثة الأخرى داخل الغرب وخارجه، أي الحداثة التي تتحدى  وتختلفت عن الحداثة الغربية المبكرة، بمرور الوقت.

طورت الشعوب في الغرب الجغرافي، من خلال العمل على طرق مختلفة للابتعاد عن ماضيهم  حداثاتهه الآخرى. لقد تولدت مفاهيم مختلفة عن التنوير، وتطورت حركات مناهضة للتنوير مثل الرومانسية، وبُذلت عدة محاولات إبداعية للتوفيق بين الرومانسية وتقاليد التنوير؛ باختصار، لا يمكن مساواة الحداثة الغربية بأي مفهوم واحد للتنوير. ظهرت الحداثة الأخرى في المجتمعات غير الغربية، عندما حاولت الشعوب غير الغربية التحرر ليس فقط من النظم والممارسات السابقة ولكن من قيود صيغة معينة من الحداثة الغربية المفروضة عليهم أيضًا.

بمجرد قبول فكرة أن الحداثة نشأت في الغرب ولكنها هاجرت إلى مكان آخر، هناك ثلاثة احتمالات مختلفة تتنافس. أولاً، فشلت الحداثة عند وصولها في أن تترسخ لأن النظم الثقافية غير الحديثة كانت راسخة بعمق، ومرنة للتغيير، ولا يمكن استبدالها بسهولة. ثانيًا، وجدت الحداثة الغربية مكانًا آمنًا ومستوعبًا في هذه المجتمعات بسهولة. فساعد عدد من الآليات على مرورها بسلاسة. كان هناك تحول تدريجي أما بالمحاكات العمياء أو الإغواء المطلق. شملت المؤسسات التي حصل فيها هذا على نطاق واسع البيروقراطية والقوات المسلحة ومراكز التعليم الحضرية. بالإضافة الى أنه تم تبني التغريب لأسباب ذرائعية بحتة أيضًا. لقد بدأ شيء مشابه لهذه العملية في وقت مبكر في أواخر القرن السابع عشر كما حصل في الدولة العثمانية ومصر والهند.[4]

كان هناك سبب أوآخرلأستيعاب للحداثة الغربية في بعض مجتمعات العالم غير الغربي. فربما تضمنت الحداثة الغربية العديد من العناصر التي تتوافق مع البنى الأسطورية العميقة داخل الحضارات غير الغربية. وإذا كان لأي سمة من سمات الحداثة الغربية بنية عالمية أعمق على عكس الاختلافات السطحية فإن استيعابها كان مجرد إجراء شكلي.[5] أخيرًا، هناك احتمال ثالث وهو: عندما بدأت الحداثة الغربية في التفاعل مع الأنظمة الثقافية المحلية، بدأ شيء مثل الثقافة الهجينة أو التركيب في الظهور عن طريق التكيف الإبداعي، والذي لا يمكن العثور على نظير له في الحداثة الغربية ولا في التقاليد المحلية الأصلية. تشبه هذه الظواهر الجديدة الكيانات الغربية الحديثة والتقليدية ويمكن الخلط بين إحداهما والأخرى ولكنها تهرب من الشبكة التفسيرية والخطاب المتعلق بكليهما. تنتمي هذه المجموعة من الظواهر المطورة حديثًا، والتي تم تشكيلها من قبل الأنظمة الثقافية الغربية الحديثة والأنظمة التقليدية المحلية الأصلية، إلى ما يمكن تسميته بالحداثة  الأخرى أو نمط اخر من الحداثة.

لكن من المهم إعادة التأكيد على الاختلافات بين الحداثة الأخرى (أو الحداثات الأخرى) والمزيج  المكون من الحداثة الغربية والتقاليد  المحلية الأهلية.

نشير إلى نقطتين إضافيتين. أولاً، لا يعني التغيير البنيوي تحولاً شاملاً. فقد تكون الممارسة حديثة مع الاحتفاظ بعناصر تقليدية، مثل الممارسة التقليدية التي تحتفظ بهويتها الأساسية على الرغم من أنها استوعبت بعض العناصر الحديثة. ما يهم هو الشكل الثقافي الأساس. فإذا تغير ذلك، لا يحدث السطح الخارجي فرقًا كبيرًا في هويته. على سبيل المثال، تغيير الموقف تجاه أنواع معينة من الملابس أو الأطعمة أنه مجرد  تغيير سطحي. قد يرفض الشخص أكل أنواع معينة من اللحوم الحمراء إما لأنها محظورة تقليديا أو لأسباب صحية. عندما لا يؤكل لحم  على اساس الصحة، تغير في الشكل الثقافي الأساسي لحظر أكل ذلك الحم. ثانيًا، يمكن العثور على دليل التغيير في الشكل الثقافي الأساس من خلال فحص طبيعة أو عادات  المجتمع وأعتقاداته الراسخة. لا تحدث التغييرات الثقافية الأساسية عندما يقول الناس أنهم أصبحوا مختلفين أو عندما يتم تغيير معتقداتهم ولكن تحدث مع تغيير في الفهم المدرج في ممارساتهم الاجتماعية.

من الواضح أيضًا لا تزال  تمثل الحداثة الأخرى على الرغم من اختلافها جذريًا عن التقاليد الأصلية والحداثة الغربية السائدة صيغة من الحداثة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن أي نقاش حول الحداثة الأخرى ( أو الحداثات)  يطرح بطبيعة الحال السؤال: ما هي الحداثة؟ ما هو الشيء المشترك بين كل الحداثات؟ ليس من السهل الإجابة عن السؤال، لكن سأقدم وجهة نظري الأوليًة حوله. يجب تحديد أي حداثة بالميزات التالية:

1- قبول درجة معينة من عدم سحرية الطبيعة.

2- ميل واضح لتجنب المعاناة والرغبة في الرفاهية المادية.

3- اعتماد مبادئ مختلفة لتحديد الهوية الذاتية للأفراد والجماعات التي ينتمون إليها، وبالتالي توليد أنواع جديدة من الهويات الجماعية والفردية التي تنطوي علاقتها على شكل من أشكال الحرية للأفراد.

4- شكل من أشكال المساواة بين الأفراد والجماعات.

5- القبول بأن الأختلافات بين الأفراد والجماعات أمر حتمي ومعقول. في الواقع، يمكننا القول، (2) - (4) وربما (5) يشكلون معًا الفكرة الحديثة للعدالة الاجتماعية.

6- وجود درجة معينة من قدرة الشخص على فحص شاعره وردود فعله ودوافعه (= أسباب التمثيل) وكيف تؤثر هذه الأشياء على ما يفعله أو يفكر فيه في موقف ما، وبالتالي التساؤل النقدي.

7- الاعتقاد بأن البنى الاجتماعية تعتمد على الفاعليًة البشرية إلى حد ما على الأقل.

تفرز هذه السمات معًا أو تفترض مسبقًا مفهومًا معينًا عن الذات وكيفية ارتباطها مع الذوات الأخرى ومع بالعالم الطبيعي. يولد هذا معًا إمكانية التوافق مع مجموعة محدودة ولكن واسعة من الترتيبات المؤسسية أيضًا. توفر الحداثة الغربية السائدة تفسيرًا واحدًا لهذه المجموعة المعقدة من الميزات. المطلوب أن تفسرها الحداثات الأخرى وتوضحها بشكل مختلف، وتخصيص أوزان مختلفة لكل منها.

النقاط الأخرى الجديرة بالذكر لتوضيح موقفي هي: أولاً، أعتقد أن أي تشكيل اجتماعي غير غربي قد استجاب للحداثة الغربية في كل من الطريق الثلاث المذكورة سابقًا. ويتضمن ايً تشكيل اجتماعي غير غربي معاصر على مجموعة من الممارسات غير الحديثة التي لم تتأثر الى حد كبير والتي أظهرت مرونة ملحوظة في التغيير بالإضافة إلى مجموعة من الممارسات الحديثة ذات الطابع الغربي تمامًا. بالإضافة إلى هذه المجموعات - وهذا هو المضمون الرئيس لهذه المحاولة- فأنها تتضمن مجموعة  مميزة عن الحداثات الأخرى. فمن وجهة نظري، ليس كل سمة مهمة من سمات المجتمعات غير الغربية يمكن فهمها بوصفها تعبر عن منظور حداثة فريدة تمامًا.  بدلاً من ذلك ، فإن وجهة نظري هي: لطالما حجبت إعادة النظر في سمات مجتمعنا من حيث الفصل المباشر بين التقاليد الغربية الحديثة / التقاليد المحلية الأهلية الأصلية، وجود مجموعة ثالثة مهمة في المجتمعات غير الغربية أيضًا. ثانيًا، لا يلزمني أي مما قلته حتى الآن بإصدار حكم قيمي قوي على أي من هذه المجموعات الثلاث. ليس من نطاق هذا  الطرح هنا الإسهاب في الحديث عن الخير أو الشر الموجود في هذه  المجموعات. على أي حال، لا الحداثة الغربية ولا التقاليد المحلية الأصلية جيدة أو سيئة بالكامل. وينطبق الشيء نفسه على الحداثات الأخرى.

أنه من الشائع عن الحداثة الغربية السائدة أنها فتح فضاءات تحررية غير مسبوقة ولكن كذلك أشكال جديدة من السجن. يترافق مع رفض الحداثة للتسلسل الهرمي مع بعض الأشكال غير المقبولة للتمايزات والتسويات وعدم المساواة. وكما تهتم الحداثة بتجنب المعاناة وبالرفاهية المادية لكنها ولدت اهتمامًا مفرطًا بالراحة المادية وعززت الخوف العصبي من أي ألم أو معاناة. لقد شجعت الاستقلالية الفردية ولكن البحث عن الذات بلا رحمة أيضًا. شددت على الحاجة إلى أن تكون عقلانيًا ولكنها عززت أشد أشكال التفكير الأداتي في الوقت نفسه.  لقد أنقذت الأفراد من خلال فتح مساحة خاصة لهم من التدخل الاجتماعي المستمر ونظرة بالمراقبة الدائمة من قبل المجتمع، ولكن جعلتهم غير مكترثين بالشأن العام أيضًا. لقد ولّدت أشكالًا جديدة أكثر انفتاحًا من الانتماء، لكن أنتجت استبعادات جذرية وكراهية للأجانب كذلك. إن هذه الطبيعة المتناقضة هي سمة من سمات الحداثة، أبتداءً من الحداثة الغربية المبكرة إلى تجسيداتها اللاحقة. وينطبق ذلك على الحداثة عندما وصلت إلى شواطئ المجتمعات غير الغربية أيضًا. وكما نعلم جميعًا، حتى الحداثة الاستعمارية كان  لها وجه نعمة، فقد زرعت بذور التحرر حتى عندما كانت منشغلة في خنقنا.

هذه لحظة مناسبة لتوضيح موقفي التقييمي لمواجهة ما أسميته حل "المزج أوالخليط". بمعنى، إن الخليط أمر حتمي ومرغوب فيه. إنه أمر لا مفر منه لأن البشر مخلوقات معقدة ذات احتياجات ورغبات متنوعة لا تهتم كثيرًا بشأن الاتساق والترابط أنها تهتم أكثرفي كيفية تلبية هذه الاحتياجات والرغبات. يميل الناس إلى استكشاف جميع أنواع المصادر المتنوعة. لذلك لا يمكننا الاستغناء عن  المزيج  أوالخليط. تزدهر حياة الإنسان من خلال الخليط هذا، لأن يصبح التفاعل والتبادل الثقافي من دونه مستحيلاً. يبدأ كل اقتراض ثقافي على شكل خليط. ومع ذلك، قد تكون الخلطة هي أيضًا نتاج لدرجة ما من قصر النظر وبالتالي، عدم التفكير والضحالة المصاحبة له. والأسوأ من ذلك، عندما تكون الأمور المخلوطة متعارضة بشدة وفي صراع عميق  فأنها تفصل المجتمعات والأفراد عن بعضهم البعض ما لم يتم على مستوى مختلف آخر، تشكيل ظاهرة جديدة تؤدي إلى تهدئة التوتر داخل كيانات ممزوجة أو مُرقعة سابقًا. ، لا تستطيع الخلطات بحكم طبيعتها التوفيقية بين الصراعات العميقة داخل الكيانات المنفصلة التي يتم تجميعها عرضيًا بشكل أو بآخر. لذا، يجب أن نبحث في مكان آخر للحصول على حلول دائمة تلبي أعمق احتياجاتنا.

ثالثًا، ليس لدي فكرة ثابتة عن الحداثة الأخرى، بل عن أي حداثة أخرى. قد تكون الحداثة الأخرى ظاهرة محلية للغاية، داخل مدينة على سبيل المثال. إذا كانت هناك حداثة باريسية، فلماذا لا توجد حداثة في القاهرة وبغداد والشام؟ قد يكون لها انتشار وطني. على سبيل المثال، إذا كان هناك حداثة يابانية، فمن المؤكد أنه يمكن أن تكون هناك حداثة عربية أيضًا. في الواقع، قد تتواجد العديد من الحداثات العربية أو الآسوية أو في أماكن أخرى. أخيرًا، قد يكون هناك وجود عالمي حقيقي لحداثة مختلفة عن الحداثة الغربية السائدة.

لم يكن في نيتي تقديم إدانة شاملة لتقاليد المجتعات غير الغربية أوماقبل الحداثة  أو الحداثة الغربية. إن هذا المقال هو نداء للاعتراف بالحداثة الأخرى وأمكان اشكال نشؤها التي قد  لا يلاحظها أحد بسبب سيطرة إطار مبسط  يفصل بشكل ثنائي على خيالنا ،يقسم عالمنا إلى الحداثة الغربية والتقاليد المحلية الأصلية. أصبح هذا الإطار الراسخ الآن عادة معطلة للعقل، يمنعنا من رؤية الأشياء كما هي. سيكون هذا المقال قد حقق هدفه إذا كان، ولو بطريقة صغيرة، قد ساهم في تحريرنا من هذا الإطار المحدود.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

......................................

[1] Charles Taylor, 'Two Theories of Modernity', Public Culture, vol. II, no. l,1999, pp. 153- 74.

[2]  M.N. Srinivas, Social Change in India, New Delhi: Orient Longman, 1966, pp. 54-5.

[3] هناك وجهة النظر تقول أن المجتمعات غير الغربية طورت حداثاتها المبكرة  ولكن تم ايقاف  مساراتها، أو أحبطتها، أو اغتصبت من قبل الحداثة الاستعمارية الغربية ، أنظر:

Sanjay Subrahmanyam, 'Hearing Voices: Vignettes of Barly Modernity in South Asia, 1400-1750', Daedalus, vol. 127, no. 3, 1998, pp. 75-104.

[4]  Misra, B., Modernization of Indian Tradition,Rawat Publications, 1988, p. 89.

[5]Ashis Nandy, The Tao of Cricket: On Games of Destiny and the Destiny of Games, New York: Viking, 1989.

 

محمود محمد عليكتب الفيلسوف الإنجليزي "برتراند راسل" Bertrand Russell رسالة  في غاية الروعة عن العلاقة بين المنطق والتصوف؛ حيث عقد فصلاً هو من أجود ما كتب في حياته الفلسفية، أراد أن يميز بين قطبى الرحى في حياة الإنسان الثقافية الذين هما بصورة مجملة التصوف في ناحية، ومنطق العقل في ناحية أخرى، ففى الحالة الأولى يكون الإدراك مباشراً وبغير مقومات، وفى الحالة الثانية الإدراك قائم على " التحليل "، بينما يرفض أصحاب الحالة الأولى كل ضروب " التحليل "، وأطلق " راسل " على بحثه ذاك عنوان " المنطق والتصوف " Mysticism & Logic، ثم جعل العنوان نفسه عنواناً لكتاب يضم ذلك الفصل من فصول أخرى، وإنه لما يفيدنا في هذا المقال أن نوجز ما قاله " راسل " فى العلاقة بين المنطق والتصوف " ؛ يقول " رسل " : لقد سار الإنسان في محاولته أن يتصور العالم من حيث هو كل واحد مدفوعاً بدافعين مختلفين كل الاختلاف، وقد يتلاقى هذان الدافعان معا في إنسان واحد، وقد لا يتلاقيان، فأولهما هو الذى يحفز الإنسان إلى النظر إلى الوجود نظرة المتصوف، وأما الثانى فيحفزه إلى النظر بوسيلة العقل نظرة العلماء، ولقد استطاع أعظم الرجال أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الأول وحده . كما استطاع أيضاً أعظم الرجال أن يبلغوا قمة العبقرية بالدافع الثانى وحده . ولكن أعظمهم جميعاً هم أولئك الذين اجتمعت لهم عناصر المعرفة العقلية، وعناصر الإدراك الصوفى في آناً معاً .

ويوضح برتراندراسل ذلك قائلاً:" تطورت الميتافيزيقيا، أو محاولة إدراك العالم ككل بوسائل الفكر، منذ البدء عبر وحدة وتصارع دافعين إنسانيين، أولهما يحث الناس على التصوف، فيما يحثهم الثاني على العلم . لقد حقق بعض الأفراد ما هو عظيم ضمن الدافع الأول وحده، فيما حققه البعض الآخر عبر الدافع الثاني وحسب : فإذا أخذنا " ديفيد هيوم" مثلاً، كان الدافع العلمي عنده هو الغالب دون منازع، فيما نجد عند " بليك " العداء حيال العلم يتعايش مع رؤية صوفية عميقة . لكن الأفراد الأكثر عظمة والذين هم الفلاسفة كانوا يشعرون بحاجة لكل من العلم والتصوف : فمحاولة خلق تناغم مّا بين الاثنين ـ التي وسمت حياتهم، والتي يجب أن تكون دائماً كذلك، بما فيها من توقد غير مستقرـ هي التي جعلت الفلسفة تبدو، بالنسبة لبعض العقول شيئاً يفوق بعظمته العلم والتصوف " .

ثم يعطينا برتراندراسل أمثلة للخصائص التي تميز دافِعيْ العلم والتصوف مأخوذة من حياة فيلسوفين عظيمين امتزجت حياة كل منهما بقوة بما أنجزه . هذان الفيلسوفان هما هيرقليطس وأفلاطون ؛ حيث  يقول ": لقد كان هيرقليطس، كما يعرف الجميع، يؤمن بمقولة التدفق الشامل: الزمن يبني جميع الأشياء ويحطمها. ومع أنه ليس من السهل معرفة كيف توصل إلى آرائه، إذ لم يبق لدينا منه سوى شذرات، يمكننا القول إن بعض ما قاله يوحي بأن المراقبة العلمية كانت ينبوع آرائه. يقول: " الأشياء التي يمكن أن تُرى، أو أن تُسمع، أو يتم تعلمها هي التي أُثمنها أكثر" إن لغة كهذه هي لغة أمبيريقية، تشكل فيها المراقبة الضمان الوحيد للحقيقة. وكذلك قوله إن " الشمس جديدة في كل يوم"، واحدة من تلك الشذرات ؛ تكشف بوضوح، رغم طابعها المُتناقض، أنها كانت تستلهم التفكير العلمي، فمما لا شك فيه أن هيرقليطس، عبر ذلك الحكم، كان يحاول تحاشي صعوبة فهم كيف أن الشمس بمقدورها التحرك من الشرق إلى الغرب. ولا بد أن تكون المراقبة العيانية أيضاً هي ما أوحى له بنظريته المركزية، القائلة بأن النار هي الجوهر الوحيد الثابت والذي تمر بفضله جميع الأشياء المرئية عبر مراحل. ففي الاحتراق نرى تحول الأشياء التام، فيما يتصاعد اللهب والحرارة في الهواء ثم يتلاشيان. يقول "هذا العالم، والذي هو واحد بالنسبة للجميع لم يصنعه أي من الآلهة أومن البشر، لكنه كان دائماً، وهوالآن، كما سيكون دائماً، من صنع النار الحية، ثمة مكيال يُضئ، فيما يخمد مكيال آخر. تحولات النار هي، قبل أي شئ آخر، بحر؛ ونصف البحر أرض، ونصفه الآخر زوبعة تبقى هذه النظرية، رغم أنها قد أصبحت مرفوضة من قبل كل العلوم، علمية في روحها. كذلك يبقى علمياً حكمه الشهير الذي يستشهد به أفلاطون " لا يمكننا النزول مرتين في النهر الواحد؛ لأننا ننزل دائماً في مياه جديدة" . غير أننا نعثر أيضاً على حكم آخر ضمن تلك الشذرات " نحن نهبط في النهر الواحد ولا نهبط ؛ لأننا موجودون وغير موجودين"

ويري راسل أن مقارنة هذه العبارة الصوفية، بتلك التي يذكرها أفلاطون، العلمية، تظهر إلى أي حد يتزاوج فيه الدافع الصوفي بالدافع العلمي في نظام هيرقليطس. فالتصوف، في جوهره، شئ أكثر من محض توتر أوسع وأعمق في الإحساس حيال الطريقة التي يجري بها فهم الكون؛ وهذا الإحساس قد أدى بهرقليطس، على أسس علمه، إلى ذلك النوع من الأقوال الغريبة والمؤثرة عن الحياة والعالم، كقوله : الزمن طفل يلعب بالنرد، القوة الملكية هي قوة الطفل. فالمخيلة الشعرية، لا العلمية، هي من يقدم الزمن باعتباره سيداً طاغياً يتحكم في العالم، بكل ما ينطوي عليه الطفل من طيش ولا مسؤولية . والتصوف أيضاً هو ما جعل هيرقليطس يؤكد على وحدة المتناقضات : " واحد هما الخير والشر"، كما يقول: كل الأشياء عند الرب لطيفة وخيرة وعادلة، لكن البشر يحسب البعض منها خاطئاً والبعض الآخر صحيحاً. ترتكز أخلاقية "بيليك وهيرقليطس " على الكثير من التصوف. صحيح إن التحديد العلمي هو الذي ألهم حكمه التالي : طبع الإنسان هو مصيره ؛ بيد أن المتصوف وحده منْ يمكنه القول : "تساق كل بهيمة بالصفعات إلى المرعى، وكذلك : يصعب نزاع المرء مع رغبة قلبه. كل ما يُرغب الحصول عليه، يتم شراؤه على حساب الروح، وأيضاً : "الحكمة واحدة. إنها معرفة الفكرة التي تُرَص فيها الأشياء بعضها ببعض .

ويزيد راسل في مضاعفة الأمثلة، فيقول :"  ثمة مقاطع عند أفلاطون –من بين تلك التي تُبين الجانب العلمي من عقله- تشير إلى معرفته الواضحة بذلك الأمر. أكثر تلك المقاطع أهمية هو ذلك المقطع الذي يشرح فيه سقراط، الذي كان شاباً، نظرية الأفكار لبارمنيدس. فبعدما أوضح سقراط أن هناك فكرة للخير، لكن ليس ثمة من فكرة لأشياء كالشعر أو الطين أو القذارة، ينصحه بارمنيدس بالمضي وأن لا يزدري حتى بالأشياء الوضيعة. وقد كشفت تلك النصيحة عن الطبع العلمي الأصيل. إذ لا بد من تركيب الرؤية الصوفية للواقع السامي للخير مع هذا الطبع اللامتحيز، إذا ما كانت الفلسفة تطمح في تحقيق أعظم ممكناتها. بيد أن إخفاقها على هذا الصعيد هو ما جعل الفلسفة المثالية هزيلة، فاقدة للحياة، وبلا مادة. فعن طريق التزاوج مع العالم يمكن لمُثلنا جلب ثمارها : لكن إذا ما انفصلت عنه، فستظل تلك المُثل عارية. غير أن التزاوج مع العالم لا يعني القيام به عبر مثالية تهرب من الواقع، أو تعلن بدءًا بأن على العالم التطابق مع رغباتها

ثم  يدلل " راسل " على ذلك ببارمنيدس الايلى الذى يصف تصوفه بأنه تصوف منطقى ظهر عند كثير من المتصوفة الميتافيزيقيين من يوم " بارمنيدس " إلى " هيجل " وتلاميذه المحدثين وأساسه هو أننا لا نعرف اللاوجود وما لا نعرفه ليس موجوداً ؛ يقول رسل :"  كذلك فإن لبارمنيدس نفسه نوعاً من التصوف الخاص، المُثير للاهتمام، والذي كان يستولي على فكر أفلاطون ؛ أي التصوف الذي يمكننا تسميته بـ " المنطقي"، ما دام يتجسد عبر نظريات في المنطق. فكما هو واضح يجد هذا الشكل من التصوف، بالقدر الذي يتعلق فيه الأمر بالغرب، جذوره عند بارمنيدس، كما أنه يستحوذ على طرق تفكير المتصوفة الميتافيزيقيين الكبار منذ أيامه وحتى هيجل ومريديه المعاصرين. فالواقع، مثلما يقول، لم يُخلق، ولا يمكن تحطيمه، ولا تغييره، أو تجزئته؛ فهو مُثبت ضمن حدود سلاسل كاملة القدرة، لا بداية له ولا نهاية؛ ما دام المجئ إلى الوجود والخروج منه قد تم إبعادهما عنه، وأزالهما عنه الإيمان الحقيقي. فالمبدأ الجذري الذي يوجه بحثه قد عبر عنه بحكم يمكن أن يجد مكانته عند هيجل : “لا يمكنك معرفة ما هو غير قائم -أمر مستحيل- وليس بمقدورك النطق به؛ ذلك لأنه شئ واحد ذلك الذي يمكنه الوجود وما يمكن التفكير به أيضاً لا بد من أن يكون ما يُقال وما يفكر به موجوداً، ذلك لأنه قادر على أن يكون، وليس من الممكن لما هو غير كائن أن يكون”. تنتج عن هذا المبدأ استحالة التغيير، لأن ما جرى في الماضي يمكن قوله، وهو ما زال قائماً تبعاً لذات المبدأ "

ويستطرد راسل قائلاً:" إن أحد الجوانب الأكثر إقناعاً في التجلي الصوفي هو الوحي الظاهري بوحدة جميع الأشياء، وذلك ما ولد مذهب وحدة الوجود في الدين والتوحيد في الفلسفة. ثمة منطق متقن، كان قد بدأ مع بيرمنيدس وبلغ ذروته عند هيغل وأتباعه، قد تطور تدريجياً، للبرهنة على أن الكون هو كلية واحدة لا تتجزأ، وما يظهر وكأنه أجزاء له، إذا ما تم التعامل معه باعتباره جوهراً يتمتع بالوجود الذاتي، ما هو إلا وهم. فالإيمان بوجود واقع يختلف تماماً عن عالم الظاهر، واقع واحد، لا ينقسم ولا يتغير كان قد أُدخلَ على الفلسفة الغربية من قبل بارمنيدس ليس لأسباب صوفية أو دينية، على الأقل اسمياً، ولكن على أسس الحجة المنطقية القائمة على استحالة اللا-وجود، وبأن غالبية النظم الميتافيزيقية اللاحقة كانت حصيلة لتلك الفكرة "

ثم يؤكد رسل أن :"  المنطق الذي تم استخدامه للدفاع عن التصوف يظهر بأنه خطأ في المنطق، وهو معرض للنقود التقنوية، وذلك ما قمت بشرحه في مكان آخر. لن أكرر هنا تلك النقود، ما دامت طويلة ومعقدة، لكني سأحاول القيام بتحليل للحالة الذهنية التي تولد عنها ذلك المنطق الصوفي. يتولد الإيمان بواقع مختلف تماماً عمّا يظهر للحواس بقوة لا تقاوم في بعض الأمزجة، والتي هي مصدر غالبية التصوف والميتافيزيقيات. فحينما يتغلب مزاج كهذا، ينتفي الشعور بالمنطق، وبالتالي فإن أكثر المتصوفة إندفاعاً لا يستخدم المنطق، بل يسعى مباشرة للكشف عن رؤيته الداخلية. غير أن التصوف المدفوع إلى هذا الحد قلما نعثر عليه في الغرب. فعندما تتواصل قناعة بمثل هذه القوة الانفعالية، يبحث الفرد المُمارس للتفكير عن أسس منطقية لصالح الإيمان الذي يجده في نفسه. لكن عندما يكون ذلك الإيمان قائماً سلفاً، سيكون هذا الفرد منفتحاً حيال أية أرضية توحي بنفسها ".

وأخيراً يري رسل أن :"... المتناقضات المُبرهن عليها بصورة واضحة ضمن منطقه هي في الحقيقة متناقضات التصوف، وتشكل الهدف الذي يعتقد بأن على منطقه بلوغه، إذا ما أراد له أن يكون منسجماً مع رؤيته الداخلية. وقد كان الناتج المنطقي هذا سبباً في جعل غالبية الفلاسفة عاجزين عن وضع العالم العلمي والحياة اليومية ضمن اعتباراتهم. فلو كانوا مهتمين بأخذ ذلك في نظر الاعتبار، لكان في مقدورهم، ربما الكشف عن الأخطاء التي يتضمنها منطقهم، غير أن غالبيتهم لا تعير اهتماماً لفهم عالم العلم والحياة اليومية، بل تدينه باعتباره غير واقعي لصالح عالم “حقيقي” يقع فيما وراء الحواس. بمثل هذه الطريقة تمت مواصلة المنطق من قبل أولئك الفلاسفة الكبار والذين كانوا من المتصوفة. لكن ما دام التعامل مع المألوف قد أُخذَ كونه ضامناً لتلك الرؤية المُفترضة للانفعال الصوفي، فقد جرى تقديم عقائدهم المنطقية بنوع من الجفاف، وتم احتسابها من قبل مريديهم وكأنها مستقلة عن أي تجلّ مُفاجئ كانت قد انبثقت عنه. ورغم ذلك ظل أصلهم مُلتصقاً بهم وبقوا، لكي أستعير كلمة نافعة من “سانتيانا”، “خبثاء” إزاء عالم العلم والحس العام. بهذه الطريقة وحسب يمكننا التعامل مع ذلك الرضا الذي قبل بموجبه الفلاسفة تناقض عقائدهم مع جميع الحقائق العلمية العامة التي تبدو أكثر استقامة وجدارة بالإيمان. يُظهر المنطق الصوفي، كما هو الأمر في الطبيعة، حالات الخلل المُتأصلة في كل ما هو خبيث. إن الدافع المنطقي، الذي لا يمكن الشعور به عندما يهيمن المزاج الصوفي، يعاود التأكيد على نفسه ما إن يتلاشى ذلك المزاج، ولكن مع الرغبة في الاحتفاظ بتلك الرؤية المُضمحلةِ، أو على الأقل البرهنة على أنها لم تكن سوى رؤية داخلية، وبأن ما يناقض ذلك الدافع ما هو إلا وهم. إن نشوء منطق كهذا لا يخلو من المصلحة، فهو يستلهم كراهية معينة حيال العالم اليومي الذي يسعى لتطبيق نفسه فيه. من الطبيعي أن لا يؤدي موقف كهذا إلى الوصول لأفضل النتائج. فكل واحد يعرف أن قراءة مؤلف ما من أجل دحضه وحسب ليست بالطريقة الصحيحة لفهمه؛ كما أن قراءة كتاب الطبيعة ضمن الاعتقاد بأن كل شيء فيها وهمي هي بالدقة ما لا يوصل إلى الفهم. فإذا كان منطقنا يجد العالم اليومي مفهوماً، لا ينبغي أن يكون عدائياً، بل يجب عليه استلهام قبول أصيل له، بطريقة لا نعثر عليها عادة عند الميتافيزيقيين ".

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط.

 

 

محمد كريم ابراهيمما هو الحب بالضبط؟ ما هو هذا الشعور الذي يجعلنا منجذبين للأقرباء والغرباء؟ السؤال الذي حير الفلاسفة والعلماء منذ نشأة الحضارات، ولا يزال يحيرنا حتى في عصر ما بعد الحداثة، في عصر العلم والمعلومات. كيف نستطيع أن نطورها ونخلقها في الآخرين متى ما شئنا؟ وكيف يمكننا أن نكسرها فيمن لا نريد لهم الخير؟ السؤال الذي ألهم العديد من السحرة والمشعوذين وعلماء الخيمياء سابقاً للأحتيال على الناس الفضوليين من أجل المال. لكننا نريد أن نعلم في هذا المقال بالضبط ما هو مجموع الذي قاله الفلاسفة عن الحب؟ وما الذي توصل إليه العلم حتى الآن؟

يمتلك الناس اليوم وجهات نظر متناقضة للحب، فتارة يعتقدون بأن الحب هو دائماً ما يكون جيداً ويؤدي إلى تحقيق منفعة للمجتمع ويقوم بربط أعضاءه ويساهم على فهم الآخرين لأفراده، ويبعدهم عن الكراهية والغضب وإقامة المجادلات والحروب. فلدينا عدة نصوص وكتب وأفلام ومسلسلات تظهر الجانب الإيجابي من الحب وكذلك نسمع قصص حقيقية كثيرة عن الحب في عصرنا المعاصر تشرح تأثيرات الإيجابية للحب على المرء والمجتمع.

وتارة أخرى يعتقدون بأن الحب غير عقلاني وسيئ، حيث يمكن أن يؤدي إلى الغيرة والحسد ويجعل الواقع في فخه يتصرف بطريقة غير منطقية، ولدينا أيضاً العديد من القصص على مر العصور، والعديد من الأفلام والمسلسلات الأخرى التي تشرح كيف يتصرف هؤلاء "الواقعين في الحب" بشكل ينافي عادات المجتمع ويقومون بأفعال يضرهم ويضر طرف الآخر وبالتالي يضر المجتمع ككل، مثل قيام المحب بقتل حبيبه أو حبيبته، أو حب المرء لأشخاص متزوجين ويقوم عنده بقتل زوجة حبيبه وبالعكس، أو حتى حب الرجل لطفلة صغيرة حباً جنسياً.

لكننا مهما أختلفنا في نظرتنا إلى الحب، يمكننا الاتفاق على شيء أساسي وهو أنه نحن كبشر قادرين على الشعور بالحب (على أقل أغلبنا) والتصرف بشكل إيجابي لمن نحبهم سواءاً كانوا أشخاص في حياتنا (موجودين سابقاً مثل العائلة والأقارب والقادمون لاحقا مثل الأصدقاء والمحبين والأولاد) أو لأشياء مادية ذات قيمة لنا (مثل حب المال، و حب الذهب والمجوهرات)، السؤال هو لماذا نشعر بالحب تجاه تلك الكيانات؟ ما هو تفسيره من ناحية العلمية في المجالات البايولوجية والنفسية؟ هل يمكن تعريف الحب تعريفاً مطلقاً خارج عن المنظور الشخصي؟

قبل الخوض إلى جوهر المقالة، يجب علينا أن نربط كلمة متشابهة وملتصقة بالحب، وهي "الجمال". مثل الحب تماماً، نحن أيضاً قادرون على الإحساس بالجمال في العالم الذي نعيش فيه، فنحن قادرون على رؤية منظر طبيعي جميل، ووصف لوحة جميلة، ثم سماع موسيقى مثيرة، والتأثر بقصيدة مؤثرة. لقد خلق هذا الإحساس الغريب في عقل الإنسان عديد من الأوجه لها على مر العصور مما جعل الأمر صعباً على فلاسفة تحديد معناها.

فالجمال في زمن ما أُعتبر شعوراً داخلياً ومرة أخرى أُعتبر كخاصية مادية للأشياء التي نراها، ودمج نفسه في جميع المشاعر الإنسانية الأخرى، مرةً تقدم نفسه كمتعة جنسية (مثل متعة النظر إلى الصور الخلاعية وأعتبارها جميلة)، ومرةُ يتقدم كنظرة للطبيعة مثل النظر إلى مناظر طبيعية من الأشجار والأنهار والحيوانات، ومرةً أخرى تظهر بشكل خلاق كإنشاء الرسام للوحة جميلة، أو كأفكار تجريدية فلسفية جميلة ممسوكة من قبل صاحبها، إلى آخره من الأشياء التي يراها الناس جميلاً. ويمكن أن نسأل نفس الأسئلة العلمية والفلسفية عن الجمال كما سألناها عن الحب، وقد تفيدنا تلك الأسئلة أن نربط بعض صفات الحب والجمال معاً، وفصلهما في خواص أخرى، وكذلك يمكن أن تغير نظرتنا إلى هؤلاء الذين نحبهم وسلوكياتنا بأتجاههم.

الحب في نظر العلم

نأتي لنضع الجمال إلى الجانب ونحلل الحب لنعرف القليل عن تركيبته الأحيائية:

يقول لنا العلم أن الحب هو شعور محفز (كالشعور بالجوع) يقودنا نحو التكاثر والارتباط الاجتماعي، وهو متحكم بالكامل عن طريق الهرمونات (مواد كيميائية في جسم) وناقلات عصبية (مواد كيميائية تساعد على نقل الإشارات بين الأعصاب). يقسم العلم الحب إلى ثلاث أجزاء كل واحد منها مُسيطر من قبل هرمونات وناقلات عصبية معينة [1]:

1- الشهوة: كما هو معروف من الاسم، هي رغبة جنسية تجاه أشخاص نحبهم ونريد إنجاب أطفال معهم أو فقط ممارسة الجنس معهم. يتحكم في هذا الشعور هرمونين جنسيين (تستوستيرون) و (استروجين) في كلا الجنسين [3].

2- الإنجذاب: يشعر المحب بالإنجذاب والإعجاب، حيث يختار الشريك المناسب للقضاء أوقاته معه أو معها، والعوامل التي تؤثر على أختيارنا هي: الأشخاص الذين يشبهوننا، وأشخاص ذات جمال جسدي وذات قيمة اجتماعية معينة، ثم امتلاك تصرفات متجانسة، والتفكير بأفكار متماثلة. تتحكم في هذه المشاعر النواقل العصبية (دوبامين، نورابينفرين، سيروتونين)، وهذه النواقل تلعب دوراً أساسياً في دائرة العصبية اللذية التي يشعر فيها الشخص بالسعادة [2].

3- التعلق: وهو إرتباط الشخص وتكوين علاقة طويلة المدى مع المحب (كالحب بين الأصدقاء والأزواج)، ينتج هذا الشعور من فعالية هرمونات (اوكسيتوسين، وفازوبرسين). هذه الهرمونات تفرز أيضاً عند الأمهات مع أطفالهم حديثي الولادة، وهي التي تجعلهن أن يكونوا ارتباط مع أولادهم أثناء الرضاعة [1].

هذا التصنيف وترتيب هو بالطبع نظرية علمية قابلة للإدحاض من قبل أدلة علمية أخرى. كذلك نرى هنا أن نظرية تنقصها بعض النقاط الأساسية ولا يمكنها تفسير كل أنواع الحب، مثلاً كحب الشخص للأشياء جامدة المعينة أو لحيوانات أليفة يمتلكها. بالإضافة إليه، فهي لا تعطينا السبب الرئيسي للشعور بالحب ولماذا هذا شعور نُقش على سطور نيوكليوتيدات جيناتنا وانتقل من جيل إلى آخر حيث أصبح شعوراً عاماً موجوداً لدى جميع الناس من كل الرقع المختلفة والأزمان متنوعة.

الحب في قبضة الفلاسفة

ويمكن للقارئ أن يستنتج بأن الفلسفة كانت لها قطعة كبيرة من كعكة الحب، فقد حاول كثير من الفلاسفة تعريف الحب وتفسيره وتحديد قيمه إلا أن محاولتهم باءت بالفشل أما بسبب نقص الأساس العلمي فيه أو بسبب شدة شخصنة التعريف للمُعرف.

في الفلسفة، هناك ثلاث أنواع أيضاً من الحب:

1- فيليا (philia): وهي كلمة اغريقية تعني الحب، وبالأخص الحب الغير جنسي، مثل حب الأصدقاء والعائلة والأغراض.

2- ايروس (eros): كلمة أغريقية ايضاً، ولكنها تعني بالضبط الحب الجنسي والحب الرومانسي الذي يدور مثلاً بين الأزواج.

3- اغابي (agape): أو ما يسمى باللاتينية كاريتاس (caritas)، والذي سُمي بعد ذلك بالحب المسيحي، فهو حب روحي تجريدي مثل حب الآلهة والكيانات الميتافيزيقية الأخرى.

أعتقدَ أفلاطون وسقراط أن حب الأجساد ليس حباً على الإطلاق بل عبارة عن غريزة وشهوة آتية من طبيعة البشرية، والحب الحقيقي السامي هو حب الأرواح بين الأشخاص أو حب "هيئة الجمال" نفسها وليس ما يُمثلها من أجساد وأشياء في الواقع الملموس. فقد أسقطا ايروس من تعريفهما للحب تماماً [5].

أرستوفنيز، الكاتب المسرحي الإغريقي، ظن بأن الحب هو رغبة الإنسان للكمال، للالتقاء بنصفه الثاني الذي فصله الإله زيوس عنه. فالجنس بالنسبة له هو ألتحام الأجساد معاً من أجل الكمال، لأنه ظن أن الإنسان خلق وله أثنان من كل شيء مما لديه الآن (أربع أرجل وأقدام، ورأسين، وإلى آخره) [7].

أما ارسطو، شرح الحب في فلسفته كفضيلة نبيلة يتوجب وجوده في كل إنسان، وإلا أصبح فاسداً أخلاقياً. وظن أن حب الإنسان لنفسه يجب أن يسبق حبه للناس الآخرين. أعتقدُ بأنهُ أراد أن يقسم الحب إلى مراحل تسلسلية حيث يأتي حب الإنسان لذاته أولاً ثم حبه للناس حباً غير جنسياً (فيليا) ثم بعد ذلك يبدأ الحب الجنسي (ايروس) [4].

كيركغارد قدمَ أولوية اغابي على فيليا وايروس في فلسفته وفي حياته الخاصة أيضاً، فقد ترك حبيبته ولم يتزوجها خوفاً على تأثير مسيحيته ودراسته الفلسفية في خلق زواج تعيس بينهما [6].

شوبنهاور ونيتشه كان لديهما نفس النظرة إلى الحب، وهي أن الحب آت من غريزة الإنسان البشرية، ويجب أن يتواجد الجنس أو الرغبة في الجنس في كل أنواع الحب، وحتى في حب الآلهة، وربما في حب الأصدقاء أيضاً. لا وجود لفيليا وأغابي في فلسفتهما [8].

وأيضاً من ناحية علم النفس، خلق الحب فوضى عارمة في هذا المجال ولا توجد نظرية مناسبة أو مثبتة علمياً حتى الآن يمكن أن تُفسر غاية الحب عند الإنسان. فسر علم النفس على الأغلب مشاعر الحب والجمال كغايات بذاتهم، حيث أدت إلى دراسة الحب ومشاعره ومحاولة وصفه والسلوكيات الناتجة منه، فبذلك قاموا بإنكار حقيقة تلك المشاعر (فالآن نحن نعلم بأنها وسيلة لغرض معين، مثل الشهوة جنسية تعدُ وسيلة لغاية إنجاب الأطفال) وترك أسبابها الحقيقية.

تعريف الحب

يجب علي هنا أن أتدخل وأُعرف الحب تعريفاً صادقاً خالياً من الشوائب الفردية ومدعماً بأحياء البشرية والطبيعية والنفسية والعلمية، فنقول بأن الحب: هو شعور بامتلاك أشياء (حية كانت أم جامدة) التي تكون مفيدة مادياً وجسدياً للفرد، أو على الأقل السيطرة على تلك الأشياء. أعلم يا عزيزي بأن في البداية يبدو التعريف مبهماً نوعاً ما، إلا أن الأمثلة تستطيع أن تظهر لنا هذا التعريف بصورة أفضل.

نأتي أولاً إلى مثال الحب الذي يحصل بين الولد والبنت وفيه يستخدم كلمة الحب بشكل شائع. نرى بأن التعريف يفسر هذه العملية البشرية كشعور يشعر به الفرد للاقتراب من الشخص الثاني لغرض منفعة الفرد من الشخص الثاني (وهي منفعة تكاثرية لإنجاب الأطفال بين هذين الفردين). هناك فقط خلل بسيط يمكن أن يحدث في هذا الأمر، إلا وهو تقييم الفرد بما هو مفيد أو مضر له بالحكم عن طريق المشاعر. فمثلاً نرى الحب المثليين بينهم لا يؤدي إلى منفعة تكاثرية ولكنها مبنية سوى فقط على مشاعر النشوة الجنسية فيحكم الشخص المثلي على تلك المشاعر بالشيء النافع له والذي يجلب لعقله النشوة (توجد كثير من الأمثلة التي قد تظهر الحب على أنها نقية لا يملك في باطنه منفعة فيزيائية حقيقية للفرد المحب ولكن نرى أن هؤلاء المحبين عادة لديهم مشكلة أخلاقية أو مشاكل أخرى في حياتهم، بالحكم على الخير بمشاعر الممتعة وعلى الشر بالمشاعر الضارة لذلك لا نقبل هذه الحالات كإدحاض لتعريف). هذه مشاعر الحب هي التي تؤدي إلى ترابط الأزواج وضمان انتقال جيناتها إلى الجيل الجديد. معنى السيطرة هنا تظهر بعد الأرتباط والزواج (غالبا) وهي تكون على شكل سيطرة الزوج لمكان ذهاب الزوجة مثلاً، أو سيطرة الزوجة على أموال زوجها، فهل يا ترى لو أختفى هذه السيطرات والمنافع، سيبقى ذاك الشعور بالحب؟ أشك في ذلك.

كذلك نضرب مثال مقارب وهو حب الأم والأب لأبنائهم. المسألة عينها سهلة التفسير، فشعور الأب والأم بالحب لأبنائهم يزيد من فرصة بقائهم ومساعدة الأباء والأمهات لهم في بدايات الأمور وصعاب مسيرة الحياة لكن نرى في بعض الأحيان يفتقد هذا الشعور بسبب عدم "سيطرة" الأباء والأمهات على أبنائهم في مراحل المتقدمة من الطفولة.

ماذا عن حب الاصدقاء؟ لا داعي لتطبيق التعريف على هذا الموقف. الكل يعلم بأن حب الأصدقاء يأتي من منفعة بعضهم من الآخر، فالصداقة دائما تكون مبنية على مصالح مشتركة أو تكون آتية من خلال سيطرة الصديق على صديقه.

إن كنت قد فهمت واستوعبت التعريف حتى هذا الحد، فأنك إذاً ترى أنه ينطبق مباشرةً على حب الأشياء الجامدة (على عكس نظريات العلمية القائمة) كحب المرأة للمجوهرات وحب الرجل للسيارة أو البيت. كل تلك المشاعر تحفز المحب على الحفاظ والاعتناء على تلك الأشياء، والشعور بالأسى والحزن في حال فقدانهم كشعوره بفقدان فرد من العائلة!

الحب هو شعور مستوحى من منطقية العقل الباطني، فنحن نسعى بجد لأختيار ومطاردة أشياء ذات الفائدة علينا ولكن لا يمكن أن يقوم المرء بتلك التصرفات من دون الشعور بالمتعة تجاه ذلك الشيء أو الشخص، بالطبع هو يمكن أن ينتج من برمجة المجتمع لعقلية الفرد الذي يعيش فيه ليحب شيء ما لم يكن ليوجد من دون إحياء المجتمع له، مثلاً حب المرء لطعام مجتمعه وإن كان مقززاً للشخص العادي (مثل الصينيين وحبهم لأكل الصراصير).

تعريف الجمال

إذا كان الحب هو امتلاك شيء ذو الفائدة الشخصية لنا، إذاً يعرف الجمال: كشعور المرء بمشاعر تجاه أشياء يتحسسها (سواءاً بالنظر كالنظر إلى طبيعة، أو بالسمع كسماع موسيقى جميلة، أو بالشم كالشم رائحة ورد المعطرة، أو حتى تفكير في شيء جميل) من بيئته الواقعية بما يفيده ويكون ذات منفعة له (أي لا يملكه بعد وأنما متحفز أتجاه ذاك الكيان) إن كان بالقرب منه، أو التصرف بشكل أيجابي نحو هذه الأشياء. بإختصار، الجمال هو رؤية ما تحبه. على سبيل المثال، يشعر الفرد بالجمال عند رؤية مناظر طبيعة خلابة، لماذا؟ لأن هذه الطبيعة التي ينظر إليها الإنسان مليئة بمواد تفيده شخصياً، مثل وجود أشجار ذو ثمار، ووجود حيوانات يمكن أن يأكله الشخص وماء ليشربه، وكذلك عادة يوجد إضاءة جيدة من الشمس لإنبات النباتات. لذلك نستنتج أن هذا الشعور بالجمال الذي يشعر به المراقب يجعله يتصرف نحو هذه البيئة المفيدة ويحاول أن يتقرب منها ويحافظ عليها.

مثال آخر على رؤية المرء للوحات الفنية الجميلة، فهو يستمتع بالنظر إليها ويشعر بالفرح والسرور بالقرب منها، نعلم بالطبع بأن هذه اللوحة بذاتها ليست بفائدة لذلك الفرد، إذاً لماذا كل هذا الشعور بالجمال؟ يعطينا النظرية تفسيراً جيداً لهذه الظاهرة، نحن نعلم بالطبع أن لوحات هي تمثيل للواقع، فهي ليست جميلة بحد ذاتها (إلا إذا كانت ذو قيمة المالية للفرد)، وهكذا فأن ما تصفه اللوحة سواء كانت الطبيعة أو امرأة جميلة أو فكرة ملهمة أو عاطفة مؤثرة، كلها يمكن أن يكون ذو المنفعة لذلك الشخص الذي يرى الجمال في اللوحة.

الجمال في ظل هذا التعريف هو شعور فردي غير قابل للمقارنة (خصوصاُ في هذا الزمن). قد تكون مناظر الطبيعة للفلاح شيئاً مقرفاً للنظر إليها إذا لم يكن أرضها خصبة للزراعة، وكذلك يشعر مالك المعامل بالجمال عند رؤية البنايات ومنشئات مصانعه، وكذلك لشخصية سياسية معينة إذا كان يستفيد من سقوط الأمبراطورية ونظام القائم في البلد، فهو يشعر بالجمال عند رؤية الدمار والخراب.

بحث عن تناقضات لإدحاض التعريفين

نستنتج من تعريف الجمال أنه لا يمكنك كره شيء تراه جميلاً. ولعل الحسد يأتي على بالك الآن كمثال إدحاضي لهذا الاستنتاج، فالإنسان يحسد الآخر الذي ربما يكون أجمل منه أو أفضل منه أو يمتلك أشياء جميلة أكثر منه، فعندئذ يلتقي رؤية الجمال عند الحاسد بالكراهية. لكن الحاسد نفسه يعترف بجمال الآخر، ولا يكرهه لجماله أو جمال أغراضه بل يكره وجود الجمال عند الآخر وغيابه عنه، فلو كان عنده ذلك الجمال لما كرهه، لذلك يتمنى زوال ذلك الجمال عند الآخر ولكنه في نفس الوقت يطمح أن يكسب هذا الجمال، مما يشير إلى أن مشاعر الكراهية متجهة إلى كيان المحسود وليس إلى جماله وممتلكاته.

الحب والجمال قد يكونان دائرتان عصبيتين مورثتان وملتصقتان مع الطبيعة البشرية، فنحن مبرمجون بشكل لا واعي لاقتناء أشياء مفيدة لنا والحفاظ عليها عن طريق مشاعر الجمال والحب.

ماذا عن نظرية الحب، ما الذي نحتاج إليه لإدحاضها؟ ربما عن طريق الإثبات بوجود شيء ما يمتلكه الفرد أو يسيطر عليه ولكنه يكرهه، لا أعتقد إن مثل هذا الشيء موجود. حتى الأسياد يحبون عبيدهم بالرغم من إظهار الكراهية والعداء والقساوة لهم. فبعد كل هذا، فهُم حاربوا من أجلهم حرباً أهلية دامية في أمريكيا، أو ليس نحن نحارب من أجل ما نحبه أو من أجل ما تفيدنا!؟

بعض الأحيان نبدأ بكره الأشياء التي خرجت من سيطرتنا أو فقدناها من عندنا. نشعر بالكراهية والغضب تجاه أنفسنا لفقدانهم بسبب أخطائنا، ومن ثم كراهية للأشخاص الذين قرروا تركنا أو الأشخاص الذين سرقوا منا تلك الأشياء، أو نكره الأشياء نفسها عندما تتعطل عن وظيفتها والتي ما عادت تفيدنا. كراهية الزوج لزوجتها الخائنة وضربها لها عندما لا تصبح نافعة هي مثال على الحب التي خرجت عن سيطرتنا أو فقدناها لسبب أو لآخر.

الحب هو عبارة عن لعبة سيطرة الأنظمة. من الذي يسيطر على نظام من، هذه هي اللعبة. والعلاقة بين الذكر والأنثى هي علاقة هيمنة أحداهما على الآخر، حيث تُحب الأنثى الذكر لأنها تستطيع السيطرة عليه عن طريق الجنس وإجباره على التوفير متطلبات الحياة الأساسية والاجتماعية لها، الأساسية كالغذاء والمسكن، والمتطلبات الاجتماعية كالمجوهرات والملابس الفاخرة، بينما يحب الذكر الأنثى لأنها تحت سيطرته وتفعل ما يريده (جنسياً على الأقل) وتعتني بأطفاله. العلاقة الناجحة بين هذين الكائنين هي العلاقة ذات المنفعة الدائمة للطرفين وذات سيطرة المتوازنة للنظامين. فإذا أصبحت هذه المعادلة غير متوازنة وسيطر أحدهم أكثر على الآخر من دون منفعة الأخير، فسوف تنهار علاقة، لا شك في ذلك.

الخاتمة

 لا تزال تلك التعاريف في خطى التطور، فهي لا يمكنها تفسير بعض الظواهر (وإن كانت ظواهر قليلة، يجب على هذه النظرية تفسيرها لكونها متوافقة مع النظريات العلمية)، فمثلاً، لا تفسر لماذا نرى الجمال في قوس قزح أو لماذا نحبه بالرغم من أنه ليس ذو فائدة لنا، ربما بسبب المطر الذي يسبقه وهو يعطينا فكرة عن الخيرات التي ستأتي بعده، فأرتبطت فكرة حب قوس القزح معه. أعتقد أنني على صواب لأن هناك بعض من الأشياء نحبها لارتباطه بشيء نستفاد منه كحُب مفتاح الصندوق الذي نملك فيه الذهب. وكذلك لا يفسر مثلا جمال الموسيقى؟ لماذا نرى الموسيقى جميلا مع العلم انه بلا فائدة لنا؟ وماذا لو كان رجل غير مثلي يظن بأن رجل آخر جميل؟ كيف تفسر النظرية هذا؟ كيف يختلف الشعور بالحب عن الشعور بالسلطة والشعور بالسيطرة؟ ما هي درجات الحب؟ وكيف يحب الشخص شيئاً أكثر من الآخر؟

ربما يبدو هذا التعريف للحب والجمال نازع للسحرية والغموضية الممتعة من هذه المشاعر. شخصياً لا أظن ذلك وحتى لو نزع كل الخلابة عن الحب والجمال فأنه أضاف إلى تفكيرنا كيف نحب ولماذا نحب الآخرين والأشياء التي نمتلكها، وربما حفز القارئ على التنقيب في أسباب حبه لأشخاص وأشياء في حياته، وجعلهُ يقترب أكثر منهم من أجل إحياء تلك المشاعر عنده وعندهم. نعرف الآن حقيقة هذه المشاعر وارتباطها بالواقع وطبيعة الإنسان. ويمكن أيضاً أشتقاق نظريات أخرى من هذا التعريف للحب والجمال، بالأخص مضادهما، القباحة والكراهية. لنترك ذلك للمقال القادم.

 

 محمد كريم إبراهيم – محلل وكاتب عراقي

......................

المراجع:

1- Katherine Wu. 2017. Love، Actually: The science behind lust، attraction، and companionship. Science in the News.

2- The Handbook of Evolutionary Psychology، edited by David M. Buss، John Wiley & Sons، Inc.، 2005. Chapter 14، Commitment، Love، and Mate Retention by Lorne Campbell B. and Bruce J. Ellis.

3- Bancroft J (September 2005). "The endocrinology of sexual arousal". The Journal of Endocrinology. 186 (3): 411–27.

4- Annas، J.، 1977، “Plato and Aristotle on Friendship and Altruism”، Mind، 86: 532–54.

5- Linnell Secomb. 2007. Philosophy and Love: From Plato to Popular Culture. Edinburgh University Press. ISBN 978-0-7486-2368-6.

6- Michael Strawser. 2015. Kierkegaard and the Philosophy of Love. Reading religion.

7- Plato. Cobb، William S. trans. & editor. The Symposium and the Phaedrus: Plato's Erotic Dialogues. SUNY Press، 1993.

8- Willow Verkerk. 2014. Nietzsche on Love. Philosophy Now.

 

علي محمد اليوسفكيف يتسنى لنا التاكد ان ما ماهو قبلي معرفي زائفا منطقيا لغويا كونه لا يخضع لتجربة التحقق منه؟ يذهب اصحاب الفلسفة المنطقية التجريبية يتقدمهم رودولف كارناب(1891 – 1970) الى أن كل ماهو قبلي معرفي مستقل عن التجربة لا معنى له ولا يدل على شيء في تعبير اللغة الزائف عنه.

عليه ذهب فينجشتين أن اللغة منطق زائف بدلالة عدم تعبير منطق اللغة التركيبي عن تجربة حسية نثق بها. وزيف منطق اللغة لا يمكن الحديث عنه بزيف لغة اخرى تجانسها الخاصية الزائفة وتشاركها بها..لذا وجد بعض الفلاسفة يتعذر الكلام عن اللغة باللغة. رغم رفع شعار البعض اننا يمكن التحدث عن اللغة بما وراء اللغة. كلغة ثانية تقوم بمراجعة وتصحيح أخطاء الفلسفة ليس في شكلية اللغة وأنما فيما تعنيه بمضمونها الواصل الينا وعلينا يترتب مهمة نقده وتصحيح الاخطاء فيه.

ويؤكد بعض أصحاب مدرسة المنطقية الجديدة بالضد من النظرة التقليدية التي ترى في زيف اللغة لا جدوى التحدث عنها، قائلين اننا يمكن أن نتحدث عن اللغة بلغة ثانية، وأن الفلسفة برمتها تقوم على شرح معنى لغة بلغة اخرى. واشترطوا دعاة المنطقية الجديدة كي نخلص من الوقوع في ازدواجية الشك باللغة علميا يتوجب عليها أن تكون اللغة في أدنى درجات الواقعية المقبولة حوارا بين اثنين (كلاما). والجمل والعبارات المتعلقة بالامور النفسية وقضايا الفلسفة تكون فارغة بلا معنى لعدم امكانية التحقق منها تجريبيا. طبعا كانت هذه النظرة الساذجة رافقت حلقة فيّنا التي اسسها موريس شليك عام 1924.

هذه المفارقة الشكيّة باللغة كزيف لا يمكن خلاص اللغة منه الا بالانحياز الى المحتوى المضموني للغة التي تحمله دلاليا عن المدركات باستقلالية عن شكل لغة التعبير عنه وهذا مطلب صعب التحقيق كون اللغة شكلا ومحتوى هو دلالة واحدة لا يمكن الفصل بينهما ، والمادة أو الموضوع المضموني لا يمكننا نعته بالزيف في عجزنا تحقق تماثله مع اللغة ولا في تقاطعه مع زيفها، زيف اللغة غير المتحقق منه لا يمنحنا تفويضا بمصادرة حقيقة الوجود المادي بوصمه بالزيف بسبب عدم امكانية اللغة التعبير عنه بمصداقية تمثيله والتحقق التجريبي العلمي منه. كما يضعنا هذا الافتراض التعسفي أمام تمرير الالتفاف غير المبرر أن كل تعبير لغوي هو تعبير موصوم بالزيف الملازم له ولا توجد هناك لغة بريئة صالحة صادقة كوسيلة تعبير. كل معرفة يدركها العقل تعبيرا لغويا لا تمّثل منتهى التماثل التطابقي الصادق بين اللغة والمعنى...لذا لا يمكننا الحكم على علاقة كل تعبير عن الاشياء والمواضيع على مر العصور انه صيرورة زائفة من التحولات والانتقالات التي اضطلعت اللغة توصيلها لنا الى وقتنا الحاضر، ولو كان أخذ الفلاسفة أن كل تاريخ الفلسفة زائفا في تعبير زيف اللغة، لما كانت الفلسفة وجميع معارفنا تقوم اليوم وفي الماضي على نقد المعنى المضموني بالفلسفة ولا تقوم على نقد شكل ومنطق تعبير اللغة عنها ولو أن شكل اللغة لا يعبر عنه الا بمضمون لغوي يلازمه ولا يفارقه حسب التعالقية بينهما.

على طول مسيرة تاريخية نشأة الفلسفة كان النقد يلاحق افكار وتفكير معنى اللغة  كدلالة لمحتوى معيّن أكثر من أنهمامهم بشكلية تركيب منطق التعبير اذا ما كان زائفا علينا تركه أو كان صحيحا يمكن البناء عليه. نسبية المصداقية تلاحق كل شيء يحيط بنا من موجودات العالم الخارجي الى الانسان الى الطبيعة الى العقل وهكذا. نقد اللغة على امتداد تاريخ الفلسفة هو نقد المعنى في البحث عن معنى آخر.

العالم والوجود لم تبنه اللغة كتفكير ولن تبنيه مستقبلا، لأن ادراكاتنا وتصوراتنا لما وراء تعبير اللغة يجعل من الشك بكل شيء واردا مقبولا لا بل واجبا مفروضا.أن نشك باللغة هو أن نمارس الشك بكل شيء بالحياة التي نحياها وما يتفرع عنها من تساؤلات مفتوحة لا يقع على عاتق ومسؤولية تعبير اللغة الزائف عنها وحدها وما نحصل عليه من نقد تصحيحي في مجال اللغة يتوقف عليه تصحيح مسار الفلسفة والعالم من حولنا معرفيا بحمولة نقد المعنى... هذه النظرية الافتراضية لا تمتلك مشروعية التسليم الحذر بها. صحيح جدا فهمنا العالم يقوم على افصاحات اللغة، لكن في عمق اللغة نعثر دائما على ما هو أهم من أيهام المعنى المفصح عنه.

مركزية تحميل اللغة أخطاء الحياة وكل شيء يحيط بنا ندركه تجريدا لا تحل مشكلات الانسان ولا مشكلات العالم من حولنا. وخير دليل أن ما أنجزه العلم من تقدم هائل لم يكن يضع في حساباته تقاطع زيف لغة الناس ولا زيف لغة المنطق وعلوم المعرفة الانسانية هي سببا في تعثر مساره الانجازي.

لذا ليس غريبا أن يستعمل العلم لغة خاصة تقوم على لغة الرياضيات والفيزياء وغيرها بالمعادلات. كون العلماء يعرفون مأزق اللغة المعرفية في العلوم الانسانية والفلسفة أنها وصلت مرحلة الطريق المسدود. ولذا لا مجال عبور أستحالة أن تكون فلسفة اللغة هي مفتاح حل مشاكل الانسان على كافة الصعد أضافة الى أستحالة دمج الفلسفة مع الكلية العلمية الشاملة التي قرع طبولها فلاسفة الوضعية المنطقية وخرجوا منها خالي الوفاض من العرس اللغوي الذي اقاموا الدنيا به ولم يقعدوها. يرى كارناب وهو من رواد الوضعية الجديدة (حلقة فيّنا) :" الموضوع الوحيد للتجربة هو الاحساس، وتكون النتيجة أنه يكون ليس بمقدور الانسان الخروج من جلده ليمسك الواقع"1. كما يعتبر "مشكلة الواقع والحقيقة مشكلة زائفة لاننا لا نلتقي الا باحساساتنا، وأما وجود الاشياء الخارجية التي يظن أنها مختلفة عن أحساساتنا فهو أمر لا يمكن التحقق منه"2

هذا التعبير بكل ما يحمله من تعبير فلسفي اشكالي جدالي يحتمل أوجه قراءات عديدة تضعنا بعضها أمام الاستنتاجات التالية:

- اولا شك التمييز بين أن تكون اللغة أحساسات داخلية هي صادقة أكثر من تعبيرات اللغة المنطوقة أو المكتوبة.وصواب منطق الاحساسات غير المفصح عنها لغويا لا بالصوت ولا بالكتابة يكون هو المعوّل عليه في منحنا حقيقة تطابق الاحساسات اللغوية مع دلالاتها الغير قابلة لتحقق منطق التجريب في انعدام تطابق اللغة غير الزائف المنطقي عما تعبر عنه، وهذا العجز يجعل الانسان يراوده الاحساس النفسي في رغبة الخروج من جلده في محاولته اليائسة الامساك بالواقع ليؤكد أن الاحساسات اللغوية عن ذلك الواقع أصدق من تعبير اللغة القاصر ولا تحتاج الاجهار باللغة المنطوقة أو المقروءة الزائفة عنه.، الذي يعدم لغة التعبير العادية، ويعتمد صدقية لغة الاحساسات التي لا يمكن ترجمة صدقيتها بتعبيرها الحقيقي عن الاشياء كونها لغة صمت ادراكي عقلي...أن ندرك صدقية الادراكات على زيف تعبيرات اللغة هي مشكلة لا تجد حلا لها بالصمت الادراكي.

لذا يكون عجز الاحساسات في ابتداع اللغة التماثلية في المطابقة الصادقة مع الاشياء تكون بالمحصلة أحساسات زائفة ايضا لعدم القدرة من التحقق التجريبي لها. تحقق تجريب صدقية وعدم زيف الاحساسات يفوق صعوبة امتحان اللغة في وصمها بالزيف القاصر عن الالمام المنطقي الصحيح في التعبير..

عدم تشاكل الاحساسات مع تمثيلها التعبير عن الاشياء يصدمنا بأحساسات زائفة مثلها، يعطي تفويضا للعلم بوجوب ترك محاولة الفلسفة التقاطع معه ولا حتى مسار التوازي معه. كون حقيقة تقاطع الفلسفة مع العلم لا تمتلك مقومات التحقق من الامكانية وكذلك توازي مسار الفلسفة مع العلم لا يعطي العلم تبعية فلسفية له أو وصاية فلسفية عليه. أمام هذا اليأس في المنطقية الجديدة عمدوا الدعوة في وجوب أدماج كل العلوم والفلسفة والرياضيات بما أطلقوا عليه (العلم الكلي).

- اللغة التي نتعامل بها زائفة وغير حقيقية فاقدة لميزة تحققها الادراكي في التماثل المتطابق بالاشياء والمعارف حسب الوضعية المنطقية، والاحساسات التي هي لغة استبطانية يحكمها الادراك العقلي لا علاقة ترابطية تجمعها بحقيقة ما تعبّر عنه، بما يجعل من عجز وزيف اللغة كلاما وكتابة، أقل بكثير من أرجحية تغليب زيف الاحساسات غير المتحقق منها. وبحسب المناطقة الجدد نفهم عنهم لا فرق بين زيف الاحساسات غير المتحقق منها، بالمقارنة مع الشك باللغة الزائفة التي لا تمثل واقعا أو حقيقة اكثر من كونها منطق لغوي تركيبي لا يمتلك تجريبية التحقق منه. لا في شكل تعبيري ولا في محتوى مضموني كون الاحساسات لغة ادراكية استبطانية غير مفصح عنها فكيف يمكن لنا الحكم على مصداقيتها غير المنظورة ولا المتعينة أنها أكثر حقيقية من زيف اللغة التعبيرية عن الاشياء؟. وبهذه الحالة لا يكفي أن يكون التعبير عن الصدق الاحساسي متمثلا مجازيا في عدم أمكانية الانسان الخروج من جلده في محاولته الامساك بالواقع. صدق الادراك لا يلغي زيف تعبير اللغة. وادراك الشيء على حقيقته بما تعجز اللغة الالمام والاحاطة به، لا يجعل من الادراكات الصادقة وسيلة فهمنا العالم وخلاصنا من زيف اللغة.

ما ذكرناه عن الاختلاف بين اللغة التعبيرية والاحساسات على لسان المناطقة الوضعيين الجدد لا يلغي حقيقة أن احساسات اللغة عن الشيء هي نفسها لغة التعبيرعنه. من حيث أن جوهر كل تفكير أو حقيقة كل أحساس في رغبة التعبير عنه لغويا يكون بوسيلة لغوية بأي شكل من اشكال التعبير اللغوي عنها. ونضيف أكثر أن لا غرابة مما يعتبره الوضعيون بابا مقفلا امام معرفتهم حقيقة تماثل اللغة مع الواقع الشيئي حين يجعلون من الاحساسات كما يذهبون له تصطدم في محاولة معرفتها حقائق الواقع والاشياء بأحساسات حقيقية أو زائفة غيرها. كون اللغة هي بالاساس في كل اساليب وتنوعات استعمالها واستخدامها هي تجريد مرتد من الواقع تجاه الانسان على شكل احساسات لغوية تصورية. فتعبير اللغة عن الواقع لا يتيح أمام الانسان الامساك بما تعبر عنه اللغة من احساسات. اللغة تجريد أستدلالي في أدراك الواقع، ويبقى الواقع مدركا حسّيا ربما لا يحتاج الانسان غير الحواس في معرفته وهو طريق أعمى.

أدراكات الاحساسات للاشياء التي تعجز اللغة ترجمتها بامانة وصدق أنما تكون بالنتيجة زائفة لعدم تحققها في مدركاتها كلغة تواصلية ندركها عليه تكون الاحساسات ليست أكثر مصداقية من اللغة لأنها هي اللغة. الثانية اذا عدنا الى أن حقيقة الاحساسات هي لغة خاصة بها استبطانية لا يمكن التحقق منها تجريبيا تصبح الادراكات الاحساسية الصامتة للاشياء لا قيمة لها ولا معنى. كون قدرة الفهم اللغوي تقوم على حوار أو على تعبير لغوي في محاولة تماثل الاشياء مع التعبيرعنها وهذا ما لا يتوفر بالاحساسات المجردة في حال تسليمنا أنها لغة تجريدية ايضا. لا يمكن لصدقية الادراك ترجمة توقه وشغفه المستميت في تعبيره عن الواقع الانطولوجي بمعزل عن زيف لغة التعبير. خلاص الادراكات من زيف اللغة محال. عدم التماثل الحقيقي بين تعبير اللغة والشيء في وجوده الذي يجعل التعبير عنه صوريا حواريا أو أحساسا أستبطانيا صامتا لا يمنحنا تفويضا أن يكون لامعنى اللغة سببه يكمن في منطق من النسق اللغوي التركيبي الادراكي الذي لا يمكننا التحقق منه أن لا يكون زائفا.

الشك الذي يطال اللغة والاحساسات بالادانة الزائفة لا يعفي أن تكون محصلة كل شيء بالحياة غير حقيقي زائف، كون اللغة ربما تكون أصدق تعبير عن واقع غير حقيقي نعيشه ولا نستطيع أدراكه والتعبير عنه بمصداقية من غير تجريد اللغة. بمعنى بدلا من ادانتنا اللغة بالزيف لماذا لا ندين كل موجودات الحياة والانسان ومعرفتنا الطبيعة والفلسفة ما عدا الرياضيات والعلوم أنها تمظهرات زائفة ليست حقيقية ولا متحقق منها تجريبيا حتى نتماشى مع نظرية الوضعية المنطقية التجريبية ... وبذا نضع أنفسنا في شك مطلق مطبق يطال كل شيء. خاصة عندما يقر الوضعيون الجدد (أن مشكلة الواقع والحقيقة مشكلة زائفة) لأنها تنتهي بالاحساسات التي لا يمكن التحقق منها ولا يمكنها التعبير بغير ملازمتها اللغة، التي يعتبرونها هي الاخرى زائفة، وليس هنالك من دليل أن الاحساسات الادراكية هي تعبير لغوي صامت صادق أكثر من تعبير اللغة التواصلية .. فتصبح اللغة والاحساست اللغوية غير المفصح لا يمكن التحقق منهما كليهما كحقيقة استدلالية صادقة وانهما يتبادلان صدقية التعبير وزيفه عما ندركه حسيا ونحس به أستبطانيا. وبهذا لا تكون ثقتنا بصدقية الاحساسات على الشك بزيف اللغة ليس في محله.

الحقيقة التي يتجاهلها المناطقة الجدد هو عدم امكانية انفصال الاحساسات الادراكية عن اللغة باعتبارهما كليهما لغة واحدة، فالاحساسات غير المفصح التعبيري بواسطتها عن الاشياء هي لغة صامتة لا تمتلك امكانية التعبير، وهي تجريد ايضا كما هي اللغة التعبيرية المفصح عن نفسها تجريدا ايضا. بمعنى أن فلاسفة المنطقية على خطأ كبير في أعتبارهم الاحساسات الصامتة اكثر صدقية من اللغة التعبيرية عن الاشياء. والخطأ الآخر هو محاولة أستبدال مصداقية الاحساسات عوضا عن اللغة الزائفة لا يدركون عدم أمكانية الفصل بين اللغة والاحساسات المرتبطة بها في تعبيرهما الصامت بالاحساسات أوالمفصح عنه بتعبيرات اللغة. فرق اللغة عن الاحساسات هي أن اللغة تعبيرظاهري خارجي يمكننا ادراكه بخلاف عن الاحساسات الصامتة في عدم قدرتها الانابة عن اللغة في الادراك. وما عدا هذا الاختلاف فأن اللغة الصامتة هي ادراك احساسي صامت ايضا.

لا شك أن العديد من مباحث العلوم الانسانية لا ينطبق عليها منهج التجريب النقدي الذي تعتمده الوضعية المنطقية التجريبية، وكل ما يحيط بنا من عالم خارجي يخرج عن منهجية التجريب العلمي والرياضي يكون لا محالة موضع شك يحمل معه مطلب الادانة أو التصحيح.

اللغة لا تكمن حقيقتها في التماثل المتحقق منه في تعبيرها الصادق المحكم عن الاشياء، بمقدار ما تكون حقيقة اللغة أنها سلسلة لا متناهية في التصويب وتخليصها من براثن خطأ لا تدعي اللغة معصوميتها منه.. اللغة ملازمة لأخطاء كل موجود من حولنا، لذا ملاحقة المعنى باللغة يتجاوز شكل منطق التعبير كما يتجاوز كل المضمرات الاحساسية التي لم تستطع اللغة التعبير عنها. من هنا كانت أهمية النقد والتصحيح في معنى اللغة وما تحمله من مضمونية معرفية لم تسلم من النقد التصويبي الذي طالها على مر العصور والاجيال.

أننا غالبا ما نتناسى حقيقة عندما نقول لغة أنما نقصد بها معرفة فكرية وليس لغة مجردة بلا معنى لانها لغة مجردة مرتين مجردة في تعبيرها عن الواقع ، وثانيا مجردة في تجريدها الاغترابي عما تعجز حمله من مضمون ومحتوى استدلالي بها وعنها.

أعتبر كارناب (1891 – 1970) أحد مؤسسي المدرسة المنطقية انه " لا دور للفلسفة كعلم كلي انطلاقا من رفض كل عنصر تركيبي في المعرفة، ويجد كارناب قضايا العلم بعدية دائما وتستمد معناها من النسق المنطقي الذي تندرج فيه، كما أدان كارناب الفلاسفة الذين يعمدون وضع قيود على الاستعمالات اللغوية، بل واجبهم تحديد الشروط التي بها تصدق العبارات منطقيا وتتحدد بها مدلولاتها. (ويكيبديا الموسوعة).

بضوء ما جاء به كارناب نجد ليس سهلا أن تكون الفلسفة علما من تكوينات العلم الكلي في جمع المعارف والعلوم باستثناء ما يتعلق بقضايا الميتافيزيقا وهو ما يسعى له بعض الفلاسفة. الفلسفة لن تكون علما ولا حتى جزءا من طموح تكوين العلم الكلي الشمولي بمجرد أمتلاكها لغة المنطق العلمي التجريبي.

كما أنفرد ريشنباغ وهو أحد اعضاء المنطقية في معارضته مفهوم كارناب قائلا (يخطيء كارناب وزملاؤه حين يريدون تحقيق اليقين المطلق، اذ ليس هناك من يقين بل يوجد أحتمال، واذا ما تاسس البحث على اساس الاحتمال فلا بد من تعديل مبدا التحقق الذي قدمته المنطقية التجريبية)3.

ويعتبر ما جاء به جورج مور مع تعاطف بعض فلاسفة المنطقية التحليلية  تنظيمهم النقد الانشقاقي التام عن وضعية منطقية تجريبية حلقة فينا التي اسسها موريس شليك عام 1924، بما أطلق عليه مور الاتجاه التحليلي الذي اراد راسل الاستئثار به في تعميمه منطق الرياضيات على الفلسفة وفشل بذلك. على أثر هذه الانشقاقات النقدية تفرعت المنطقية الجديدة على عدة اتجاهات فلسفية تتجاذبها وهي:

- اتباع كارناب الذين يسيرون على هدى ما انتهى له في المرحلة الاخيرة من تفكيره الفلسفي، وسعوا نحو التوصل الى تعريفات دقيقة للمفاهيم الاساسية التي يستخدمها العلم في اطار لغة صورية.4

- المدرسة التي تتتبع جورج مور التي اقامت منطقها الفلسفي على اللغة العادية التي تؤكد على ان الاتفاق مع اللغة المشتركة بين الناس، هو الشرط الاساسي للتحليل العلمي الصائب.5

- اتباع فينجشتين الذين يعتبرون الفلسفة نوعا من العلاج المنطقي للخلاص من المشكلات الزائفة التي ينبغي رفضها تماما بالاعتماد على النظريات الوضعية الجديدة.6 طبعا ليس معنى هذا التصنيف الذي اكدناه يلغي اسهامات انشقاقات فلسفية عديدة خارج ما جاء به كارناب ومور وفينجشتين تبناها فلاسفة عديدون غير هؤلاء.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

............................

الهوامش:

1- أ.م. بوشنسكي ، الفلسفة الاوربية المعاصرة، ت: د. عزت قرني، سلسلة عالم المعرفة ص87

2- نفسه ص 88

3- نفسه نفس الصفحة

4- نفسه ص 90

5- نفسه نفس الصفحة

6- نفسه نفس الصفحة

 

محمود محمد عليالإسلام دين، والدين وحي، والوحي يقين وإيمان، والفلسفة نشاط فكري، أداة تحليلية، مصدرها الإنسان، ومركزها العقل، ووظيفتها الأولي تدور حول عدم التسليم، فهل ثمة علاقة بين الدين الإلهي والشك البشري؟، هل ثمة علاقة بين النص الذي يحمل الحقيقة والأداة التي تختبر الحقيقة وتحللها؟، وهل هي علاقة فهم الدين بالفلسفة أم إصلاح الفلسفة بالدين؟، هل تتدين الفلسفة أم يتفلسف الدين؟، هل هي محاولة لإيجاد علاقة بين ضدين كما يقول بذلك أهل النقل أو بعضهم؟، أم أن العلاقة قائمة بالضرورة بين الكتاب والحكمة أو القرآن والفلسفة كما يقول أهل العقل أو بعضهم؟، ما هي العلاقة بين الإسلام والفلسفة؟، النص والواقع؟، التجربة التاريخية للمسلمين في هذا الميدان ماذا تقول؟، كيف نفهمها؟ وكيف نضبطها؟ هل هي علاقة تنافس وتنافر وعداء؟، أم تفاهم وتسامح وتكامل؟

وللإجابة علي تلك الأسئلة نقول تشير التجربة التاريخية إلي أسبقية الفلسفة علي الأديان السماوية القامة؛ لا سيما المسيحية والإسلام، كما تشير إلي أن نشأة الفلسفة منذ بداياتها الأولي جاءت مقترنة بالدين وملامسة له ومفكرة فيه وبه، ولذلك قيل الفلسفة بنت الدين، وأم العلم .

ظهرت الفلسفة في بداياتها لدي قدماء الشرقيين، كما يشير هيرودوت ومارتن برنال في كتابه أثينا السوداء، كما انتقلت إلي اليونان؛ حيث ذاعت وازدهرت، وتحولت إلي واحد من أهم العلوم النظرية القديمة، وجاء الإسلام ليجعل من التدبر العقلي واجباً دينياً، ويحرر العقل الإنساني من سلطة الكهنة والأسلاف والأوصياء، ويطلق ملكاته للبحث والتفكر والإبداع، وذلك بتحريض مباشر من نصوص الوحي الإلهي، يقول المفكر الإسلامي محمد عبد الله دراز في كتابة الدين :" أليس موضوع الفلسفة هو نفسه موضوع الدين؟ أو ليست المشكلة التي تعالجها الفلسفة هي بعينها المشكلة التي انتدبت الأديان لعلاجها، فمطلب الفلسفة هو معرفة أصل الوجود وغايته، ومعرفة سبيل السعادة الإنسانية في العاجل والآجل، هذان هما موضوع الفلسفة بقسميها العلمي والعملي، وهما كذلك  موضوع الدين بمعناه الشامل للأصول والفروع .

ويعارض البعض رؤية دراز وغيره من المتحمسين للعلاقة التكاملية بين الفلسفة والدين  ويرون تناقضاً بينهما في مصادر المعرفة؛ فالفلسفة تعتمد علي العقل، والدين يعتمد علي الوحي، والعقل بشري نسبي، يعتبره البعض يصوب ويشوبه الخطأ، والوحي إلهي مطلق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ويرد أبو حامد الغزالي بالمفارقة ويقول في كتابه " معارج القدس" :" العقل كالأساس، والشرع كالبناء، ولن يُغني أساساً ما لم يكن من بناء، ولا يثبت بناء ما لم يكن أساس، فالشرع عقل من خارج، والعقل شرع من داخل، وهما متعاضدان، بل متحدان، والمعني نفسه يؤكد الغزالي غير مرة حيث يقول في كتابه الشهير " إحياء علوم الدين " :" وظن من يظن أن العلوم العقلية مناقضة للعلوم الشرعية، وأن الجمع بينهما غير ممكن، ظناً صادر عن عمي في عين البصيرة .

وقد شهد العالم الإسلامي ظهور عدد كبير من الفلاسفة كأبو يعقوب الكندي، وأبو نصر الفارابي، والشيخ الرئيس ابن سينا، وابن رشد، وغيرهم كثيرون، وقد تنوعت إسهاماتهم الفلسفية بين نقد الاتجاهات الفلسفية اليونانية علي نحو ما فعل الغزالي في تهافت الفلاسفة، والتمييز منها بين المقبول منها والمرفوض وفق رؤية المفكر المسلم هو ما فعله ابن رشد في كتابه " فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال"، كما حاول فلاسفة الإسلام الذب عن الفلسفة، ونفي التعارض بينها وبين الإسلام، والتوفيق بين الفلسفة والشريعة، وبيان التشابه بينهما، وحاجة كل منهما للآخر وهو ما أكد عليه كل فلاسفة الإسلام.

ورغم ذلك التفاهم بين الفلسفة والدين بشكل عام وبين الفلسفة والإسلام بشكل خاص، إلا أن تاريخ العلاقة بينهما قد شهد صراعات فكرية وعقدية وسياسية، وصلت إلي حد تكفير الفلاسفة واتهامهم بالإلحاد والزندقة بل وتنفيذ أحكام بالإعدام في حقهم، عقابا لهم علي أفكارهم، يقول الدكتور توفيق الطويل في كتابه " قصة الصراع بين الفلسفة والدين " :" أنه لا يحدث نزاعا بين الدين والفلسفة إلا إذا اجتمع أمران؛ الأول أن تكون لدي رجال اللاهوت سلطة تمكنهم من اضطهاد العقل وأهله، فإن أعوزتهم السلطة قنعوا بالغيبة وانتقموا بالنميمة، والثاني أن يكون هناك عقل يجرئ علي اقتحام منطقة الحرام التي حرمها رجال اللاهوت، وارتياد أفاقها، والانتهاء منها إلي اكتشاف مجهول أو إنكار مألوف".

وهناك وهم كبير لدى كثير من الناس بأن الفلسفة تتعارض مع الدين، وهو قول يقوم على غير ذي أساس، لأن الفلسفة هي نشاط عقلي يسعى لإدراك الكون الذي نعيش فيه، وتحليل العلاقة بيننا وبين هذا الكون، والدين بدوره يقوم بتفسير هذا الكون، كما يحدد كيفية تعاطينا مع الحقائق الموجودة فيه، سواء كانت مادية أم روحية·

لذلك أعتقد أن هناك علاقة وثيقة بين الفلسفة والدين قد تميز الدين الإسلامي بقيامه على منظومة تشريعية متماسكة ركينة، على نحو غير مألوف في الأديان الفارطة . كما امّاز هذا الدين بتوليفة عقدية متكاملة واضحة المعالم، برغم بنيتها الميتافيزيقية الخالصة .

ونحن نعلم أن العقل المجرد يضيق بالميتافيزيقا ولايرضى مصالحة تربطه بها،ورغما عن ذلك وجدنا أن ميتافيزيقا الإسلام لقيت نفوذا غير مسبوق لدى العقل الفلسفي الإسلامي؛ فلم يلفظها، بل عقد معها قراناً توفيقياً أقره وشهد عليه جمهور فلاسفة العرب والمسلمين.

وفي واقعنا المعاصر تعود المعركة بين العلوم الشرعية والعلوم العقلية، وتتخذ أشكالا ومسميات أخري مثل: الإسلام والعلمانية، والإسلام العصرانية، والإسلام والمادية، الإسلام  والحداثة، وغيرها من المعارك .

ويحاول العقلاء من الطرفين إيجاد صيغة عصرية لبيان ما بين الحكمة والشريعة من الاتصال وفض الاشتباك وتجاوز العثرة الحضارية، إلا أن محاولاتهم إلي الآن ما زالت تلقي المصير نفسه والذي لقيه ابن رشد ورفاقه وغدا لناظره بعيد.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.............

1- خالد إبراهيم المحجوبي: جدلية الفلسفة والدين... مقال..

2-الإسلام والفلسفة .. قراءة ثانية .. يوتيوب..

3-احمد السعداوي: الدين والفلسفة ووهم التعارض.. ... مقال..

 

 

ماجد الغرباوي1أفهم النقد الثقافي، بأنه: تحري الأنساق المضمرة في النص الأدبي، والتعرف على مرجعياتها وبيئتها وسلطتها المعرفية، ودورها في بناء النص وتشكيله وأسلوبه. أو أنه مصطلح يراد به: الكشف عن الأنساق المضمرة في النص الأدبي بما فيها النسق الثقافي المهيمن، ومستوى معاناة المجتمع من إكراهاته وسلطته. فالنقد الثقافي يعمل بمنهج نقدي إركيولوجي، مستفيدا من معطيات العلوم الإنسانية، على تقصي تلك الأنساق ضمن المنسي واللامفكر فيه، والمهمّش، والمهمل، والمحرّم، والممنوع، وما ترسب في أخاديد الوعي، وصولا للكشف عن كيفية تشكل مفاهيمها ومقولاتها المؤسسة، ومدى تأثيرها في بناء النسق الدلالي للنص.

النص الأدبي وفقا للنقد الثقافي، وثيقة غير مرئية، تتضمن أنساقا يتجلى فيها العمق التاريخي، والبعد الاجتماعي والأنثربولوجي والنفسي والسياسي والفكري. فالنص ليس مجرد فيض من المشاعر، والصور الشعرية الجميلة بل تجلٍ لأنساق ثقافية مضمرة، تتحكم في توظيف مختلف الأنواع البلاغية من مجاز واستعارة وكناية وبديع وجناس وطباق وترادف، في بناء النص، وأسلوب الخطاب، وطبيعة المتلقي. فالثقافة الغائرة وقبليات الكاتب تفرض سلطتها على نسق النص وبنائه، لتخفي وتظهر ما يتلاءم معها. يعي الكاتب ذلك أم لا، بل بعضها عصي على الإدراك لولا مناهج النقد وقدرتها على التنقيب في حقول النص ومساراته. 

فعندما يتناول الشاعر المرأة وهمومها في نصوصه، تشاركه فعل الكتابة قبلياته، وما اختزنت ذاكرته من مقولات ومفاهيم وأنساق تتعلق بها، وبالمجتمع والتاريخ والاجتماع البشري، وعلاقتها بالثقافة والبيئة والمقدس والممنوع والمحرم والعادات والتقاليد.. قد يعي الكاتب بعضها خلال فعل الكتابة، لكن إيقاع اللاوعي أقوى تأثيرا. وهنا يأتي دور النقد الثقافي حينما يوظف منهج التفكيك والحفر وينقب في أخاديد المضمر والمنسي والمهمش، داخل النص وخلفياته ومرجعياته، فربما يكتشف ما هو ضد النص، فيكتشف مثلا ذكورية غاطسة في أعماق الكاتب وهو يكتب دفاعا عن المرأة وحقوقها. وهذا ما اتهم به الناقد الثقافي السعودي عبد الله محمد الغذامي في كتابه: النقد الثقافي، نصوص أدونيس، رغم حداثتها. فيعتقد كما جاء في كتابه أن نصوص أدونيس لا تنتمي للحداثة قدر انتمائها لثقافة ذكورية أو فحولية، سلطوية. وهي ثقافة تاريخية ضاربة في أعماق البنى المعرفية والثقافية للمجتمع العربي. أو حينما يكتب الشاعر عن قيم الحرية والوطنية، وينسى ضعفه أمام إغراءات المال والسلطة وحب الظهور والتفاخر.

الناقد الأدبي لا يهتم دائما بخلفية الشاعر قدر اهتمامه بالصور الجمالية في نصه، فهي موضوعه وحقل اهتمامه، من خلالها يستكشف حجم الإبداع في النص، ومستواه مقارنة بنصوص أخرى، فتقتصر أدوات النقد الأدبي ومناهجه على الصور الأدبية، الجمالية، البلاغية في النص وكيفية تركيبها، وثراء مفرداتها. أو أسلوب السرد، وطريقة توظيف الحدث، وحركة الأشخاص في القصة والرواية. فتركيز الناقد منصب على ذات ظاهر النص، لا يتجاوزه إلا بمناهج نقدية أخرى. فالنص الأدبي نص أدبي من أي شخص صدر، ومهما كان إنتماؤه وخلفيته الفكرية والثقافية والعقدية. بينما تستمد قيمة النص في النقد الثقافي من قبليات الكاتب وما يتجلى من مبادئ وقيم يشي بها النص.

من هنا يتضح أن النقد الثقافي يغاير النقد الأدبي، رغم وحدة موضوع اشتغالهما على النص الأدبي. فالنقد الأدبي مهمته تفسيرية بيانية، لكشف أوجه الجمال والإبداع، وأسلوب بناء النص، وطريقة توظيف الأنواع البلاغية، وقراءة نقدية لدلالته ونسقه الجمالي الظاهري، فلا يبتعد الناقد الأدبي عن ظاهر النص وأنساقه الواعية، ولا يتوغل بعيدا عن الوعي غالبا. عكس النقد الثقافي الذي يتجاوز النقد الأدبي ويغور في أعماق النص لتفكيك أنساقه الثقافية والمعرفية بحثا عن حقيقته. فيكون النص طريقا لأنساقه المضمرة في متاهات مترامية أبعد من الوعي.

وإذ كان النقد الأدبي ينتمى لما يعرف بالنظرية الأدبية، فإن النقد الثقافي يستمد قدرته النقدية من العلوم الإنسانية، ومناهج النقد والتفكيك والإركيولوجيا والفلسفة والمنطق، ويستفيد من مختلف علوم اللغة والألسنيات، والتأويل، إضافة للأنثربولوجيا وعلم النفس وطرق التفكير وأسلوب الخطاب.

وكما يختلف النقد الثقافي عن النقد الأدبي فأيضا يختلف عن الدراسات الثقافية التي تهتم بدراسة الظواهر الثقافية، وتاريخها، ومصاديقها وتأثيراتها. فمهمة النقد الثقافي مهمة مركبة، تختلف في مرجعياتها ومناهجها، وتستقل عن غيرها من العلوم والمناهج رغم استفادتها منها. فالنقد الثقافي صار علما مستقلا ضمن علوم اللغة أو أبعد منها.

هذا ما أفهمه من النقد الثقافي في كلماتهم. وهذا القدر صحيح بشكل عام بعيدا عن تداعياته. فالنص، أي نص، ليس بريئا، بل يراوغ ويخفي أكثر مما يظهر، ويضمر أكثر مما يقول، وليس النص الأدبي فيضا من المشاعر والصور الشعرية بل يكتسب ديناميته من أنساقه وثقافته اللامرئية، التي تعكس مرجعيات فكرية وعقيدية وثقافية وسياسية ودينية. والنص الأدبي، كأي نص، عبارة عن صور شعرية وشفرات جمالية ومجازات شكلية تستبطن أنساقا ثقافية يشتغل عليها النقد الثقافي. من هنا تطورت القراءات التأويلية، مستفيدة من التراكم الدلالي للنصوص، خلال تفكيكها، وفقا لمنهج التفكيك الذي يحفر داخل طبقات النص ومخاتلاته، في رحلة لاستكشاف أنساقه التي تتداخل تارة وتتعارض أخرى، أو تتكامل، وقد تشكل دوائر داخلية فتنتج معرفة جديدة. حتى باتت المعرفة التأويلية واستنطاق النصوص أهم حينما تكتشف مرجعياتها، وطريقة أدائها داخل النص. إن ما يمارسه النص، أي نص، من استغفال للقارئ يكتشفه المنهج التفكيكي، ويكتشف دوافعه وغاياته، عندما يتمادى في تفكيك النص أكثر. وكلما زادت مراوغات النص كلما تراكمت دلالاته. فثراء النص يعرف بمقاومة التأويل وقدرته على المراوغة، واستجابته المخادعة لأداة النقد، فكلما عوّل الناقد على إحدى دلالات النص، تبدد يقينه مع مواصلته التفكيك. فالنص القوي لا يعطي نفسه بسهولة، ولا يبوح بأسراره وشبكة دلالاته، حتى أجد النص أكثر خيانة عندما يمارس غوايته ويتستر على الممنوع والمحرّم والمسكوت عنه.

وهذا ينطبق أيضا على النص الأدبي الذي هو موضوع النقد الثقافي، فالنص الأدبي بجميع أجناسه ليس بريئا، بل أكثر قدرة على المراوغة متسترا بالشكل الجمالي، أو بجاذبية السرد كما في القصة والرواية، أو يتوارى خلف الأحدث، فكم أخفى الكاتب على قارئة والمتلقي قضايا، يتوقف عليها فهم أحداث النص ودلالاته، لا يمكن كشفها لولا النقد الثقافي. ولعل أبسط مثال حينما يوظف الشاعر نصا يستدر به تعاطف المتلقي، ليخفي جنايته. أو يراكم ما يخفي دوافعه الجنسية، ويتحدث عن كبت المرأة وحريتها في ممارستها. فعندما تتمتع المرأة بحرية مفتوحة، سيكون الرجل / الشاعر / الكاتب، شريكها. فالدفاع عن مطلق حرية المرأة دفاعا عن جشع جنسي يتوقف إشباعه على مدى حريتها. أو نصوص التصوف والعرفان حينما تتستر على إيروتيكية الكاتب، فترى الناقد الأدبي يحلّق بعيدا مع صورها، مأسورا بصوفيتها ومعانيها ودلالاتها العرفانية، بينما تكشف ذات النصوص عن رغبات جنسية مكبوتة، حينما يتناولها النقد الثقافي، ليفضح دوافعها اللامرئية والغائبة عن ظاهرها. وهذا هو الفارق التطبيقي بين كلا النقدين.

ولا أجد تعارضا بين القراءتين، لكي تصادر إحداهما لصالح الأخرى. فلكل من النقد الأدبي والنقد الثقافي أدواته ومناهجه وغاياته وطرقه في تناول النص الأدبي. لكن الغريب أن الغذامي أعلن بتدشينه النقد الثقافي موت النقد الأدبي بعد استنفاد أغراضه وتآكل المعايير البلاغية، كما يقول. وبات عديم الجدوى، لا يخدم أهداف الحداثة، والاستقلال والتحرر والنهضة، حينما يتلبس الأديب بالوطنية متسترا على تعاطفه مع الاستعمار أو تبرير وجوده مثلا. فقيمة النص ليس بشكله الجمالي وابداعه الفني بل بما يضمر من قيم ومبادئ. فتارة يتستر الشاعر على قيم البداوة والفحولة وهو متلبس بها، شعر بذلك أم لم يشعر. فنصوص أدونيس ونزار قباني مثلا لا تصنف ضمن نصوص الحداثة، كما يرى الغذامي، ولو كتبت بلغتها، ما دام المطمور في أعماقهما قيما ذكورية، سلطوية، وحب التسلط والسيطرة والمال. وهي قيم عاجزة عن تبني قضايا المرأة تبنيا حقيقيا، بل تتستر هذه النصوص على ذكورة غائرة في أعمق اللاوعي. وبالتالي تهاوت القيمة الجمالية للنص تحت مطرقة النقد الثقافي وسلبت النقد الأدبي شرعيته.

بتقديري أن هذه الرؤية لا تبرر موت النقد الأدبي، ويبقى حقلا معرفيا، له موضوعه، واختصاصه، ووظيفته، من خلال دراسة ظاهر النص ودلالالته، وصور البلاغة والجمال، وطرق التعبير، وكيفية بناء النص، وتركيب الجملة، واجتراح الصورة الشعرية، وأسلوب توظيف المفردة الشعرية من حيث ثرائها، ومناسباتها، وموقعها داخل النص. وطبيعة الظواهر الاجتماعية والسياسية والنفسية التي يعبّر عنها. أو ما يسجله من معاناة على صعيد الفرد والجماعة. فالنص الأدبي تجربة شعورية يعيشها الكاتب، ويتمثلها في خياله حينما يكتب النص، فيعبر عن مشاعره أو موقفه أو استعراضه لقضية ما، أو استشراف للمستقبل أو نبوءة. وهذا ما ينتظره المتلقي ويتفاعل مع إيقاعه ولحنه. فنتائج النقد الثقافي نخبوية، عكس نتائج النقد الأدبي، فلماذا يموت الأخير لصالح الأول؟.

الناقد الثقافي يريد فرض إملاءاته على النص الأدبي، وهذا ما يتستر عليه بشكل لا شعوري، فهو ليس شخصا مجردا، موضوعيا، بل متحيزا لقبلياته لا شعوريا، وخاضع لسلطة أنساقه الثاوية بعيدا عن الوعي في قراءاته وفهمه وأحكامه، فلا يمكنه مصادرة النقد الأدبي الذي تبقى مهمته، في دراسة ظواهر النصوص وملاحقة الإبداع والصور الجميلة مشروعة، يتوقف عليها كشف ميزات النص ومستوى أدائه البلاغي والجمالي. النقد الأدبي يرصد نقاط القوة والضعف في النص وفقا لمناهجه: الفنية، البلاغية، البنائية، التاريخية، النفسية، الظاهراتية، الأسلوبية وغير ذلك. وهو  مشغول بالوعي، ولا ينسى اللاوعي والعمق النفسي والأيديولوجي للكاتب حينما يوظف مناهج أخرى، فتجد أغلب النقاد يواصل مسار النقد لتحديد علاقة النص بعمقه النفسي والثقافي، ومدى علاقته بمرجعياته، وواقعه وبيئته وظروفه. فهو أيضا يمارس النقد الثقافي ولو بحدود. وعليه، لا تنتهي مهمة النقد الأدبي بالنقد الثقافي، فلكل واحد وظائفه، ولا يوجد ما يبرر التخلي عن أحدهما لصالح الآخر، خاصة أن النقد الثقافي لم يمر دون مؤآخذات، وبحاجة إلى مزيد من التنظير والمراجعة كي تستتب أسسه، ويرسو على نظرية ومنهج يختص به، فثمة تمادٍ واسقاطات تضر بالنقد الثقافي ومشاغله، ينبغي التخلص منها للتوفر على قراءات موضوعية.

ثمة ملاحظة، إن تمادي النقد الثقافي في التفكيك سيدخل النص وكاتبه والناقد في دوامة الحفر والتنقيب، وبعثرة الأنساق، وتفكيك بناه ونصوصه الداخلية. فعندما يتقصى الناقد الثقافي بنية النص التحتية، وصولا لمقالاتها التأسيسية ومفاهيمها الأولية، ستواجهه علاقة الجدل القائمة بين مقولات البنية الواحده، وبينها وبين البنى والأنساق الأخرى، فلا يقف التفكيك عند حد، وربما يصبح التفكيك لأجل التفكيك، وينقلب النقد إلى فوضى تضر بالنص ومهمة الناقد الثقافي، فلا بد من مبدأ وغاية تعطي للنقد قيمة ومعنى، وتحد من تهوره في التفكيك لأجل التفكيك.

ثم الناقد الثقافي ينسى قبلياته، ومرجعياته وأنساقه، وما تفرضه من سلطة في مسار التفكيك، فالناقد، يحسب نفسه موضوعيا، غير متحيز، لكن الواقع شيء آخر، فهو يحاكم أنساق النص الأدبي وفقا لأنساقه الغائرة، بعيدا عن الوعي. فيُسقط من حيث يشعر أم لا قناعاته الشخصية المتولدة عن بنية معرفية، ومهيمن ثقافي يخصه. وبالتالي هو الآخر يطاله التفكيك ليدخل الناقد في دوامة جديدة من تفكيك الأنساق المضمورة. وهكذا سيتعقد الأمر إذا أخذنا بنظر الاعتبار حال المتلقي وقبلياته، فستتعقد وظيفة الناقد، ويبقى في دوامة التفكيك. من هنا ينبغي للنقد الثقافي تحديد منهج النقد، وعدم الاستغراق في التفكيك، للتخلص من متاهته مع عدم وجود مرجعية ومبدأ ينطلق منه. وربما الاكتفاء بمنهج الحفر الإركيولوجي في بنى وأنساق النص المضمرة يكفي في استظهار ما تستبطنه، ويخدم النقد الثقافي. كما سنتعرف من خلال هذا المنهج على المعرفة وسلطتها، والعلاقة الجدلية بينهما، وحجم تأثر النص بهما.

فالنقد الثقافي معني بتحديد سقف للتفكيك والتنقيب داخل حقل النص الأدبي بما يخدم هدف النقد الثقافي، وهو الكشف عن خلفيات النص الفكرية والثقافية، كما فعل د. علي الوردي، الذي توصل إلى  نتائج مبهرة، حينما فضح الأدب العربي ودوره في تكريس قيم الاستبداد، والبداوة، والظلم. فقد أثبت الوردي في كتابه: أسطورة الأدب الرفيع، أن الأدب العربي أدب مجون وخمرة وتكريس لقيم السلطة والاستبداد والعشيرة. وهذا القدر من النقد الثقافي ضروري لفهم النص في سياق خلفياته، وعدم الاكتفاء بإبداعه وشكله الجمالي، وسياقات النص البلاغية. فهناك حاجة ماسة لتكريس قيم الفضيلة، وفضح قيم الرذيلة والخيانة التي تتستر بالنص الأدبي وجماله.

لا أحد يجادل في شاعرية الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد، وبراعته الأدبية في نصوصه وقصائده، حتى استمات بعض النقاد في الدفاع عن مواقفه انتصارا لإبداعاته، واستدعى كل شعراء السلطة عبر التاريخ لتبرير موقفه الممالئ لصدام حسين. لكن الناقد الثقافي يفهمه بشكل آخر، ويحمله مسؤولية تزوير الحقيقة، وتضليل الشعب من خلال نصوصه الخلابه، عندما اعتبر استبداد الحاكم عدلا، وجريمته بحق شعبه شهامة، وهدر الثروات كرماً، وسلطويته هيبة، وعدوانه شجاعة، وسحقه لانتفاضة العراقيين رجولة، وإذلالهم حكمة، وسحقهم سياسة، وقمعهم ومصادرة حرياتهم ضرورة. فحوّل صدام حسين المثقل بإثم الضحايا، الذي لا تغادر جسده رائحة الدماء البريئة، حوله إلى ملاك يزخر بالفضيلة والفروسية والنبل والكرم والشهامة والمروءة، فأي جريمة أكبر مما ارتكب شاعر السلطة والبلاط؟. خاصة إن قوة نصوصه ستجعلها خالدة، تضيع في طياتها الحقيقة لولا ترصد النقد الثقافي الذي كشف زيفها، وفضح قيم البداوة التي تمجد الظلم والعدوان، تلك القيم الثاوية في أعماقه. بل ويكشف النقد الثقافي عن ذيليته حد الانسحاق، وخضوعه الطوعي لهيمنة السلطة والمال وحب الظهور، لمعالجة نواقص نفسيه في أعماقه.

إن صفة التملق والتبعية وتزوير الحقائق، لا تخص عصرا دون آخر، ولا شاعرا دون غيره، بل أن أجمل النصوص الأدبية أكثرها خيانة، حينما تتستر على بشاعة الواقع، لتطمس الحقيقة، وتزور الوعي. فالأدب العربي متهم بتخلف المجتمع أيضا، حينما ساند الاستبداد والدكتاتور، والقائد الضرورة. ودافع عن شرعية الظلمة وسلطاتهم المفتوحة، وتمجيده لقيم البداوة والعشيرة والعبودية، والتبعية والانقياد، وثقافة القوة والعنف والإرهاب والقتل والسلب. فثناء الشاعر على حروب الخليفة، الخالية من أي مبدأ أخلاقي، يُعد تزويرا للحقيقة، وتسترا على الظلم والعدوان، وإرساء قيّم وضيعه، تبرر وتشرعن سلوك السلطة، مهما تمادت في ظلمها وتعسفها ضد الآخر أو ضد شعبها. وأيضا عندما يتغنى الشاعر بالجواري والأنس والليالي الحمراء والبذخ والإسراف، يتخفي على واقع الظلم والعبودية واستغلال الجواري من قبل السلطان وحاشيته. فيركز على شاعرية الجمال، ويخفي بؤس العبيد والغلمان والجواري وما يتعرضن له من إهانة، وطعن بشرفهن وحيثياتهن. فبدلا من إدانة العبودية وسلوك الخليفة والسلطان يتغنى بجمال الجواري وصوتهن وفتنتهن. فارتكب الشاعر من حيث يدري أو لا يدري جريمة تكريس عبودية الإنسان خدمة لشهوات السلطان. فالأدب من وجهة نظر النقد الثقافي مدان، وشريك في جرائم التاريخ لتزويره الحقائق عندما يتعمد التستر عليها، ويضفي على الجريمة طابعا جماليا. لذا فالنقد الثقافي غامر بالقيمة الجمالية للأدب، ليعضّد جهود النهضة عبر نقد المرجعيات الفكرية والثقافية والفكرية والعقدية المسؤولة عن تخلف المجتمع.

ويمكننا في هذا السياق أن نتساءل عن مشروعية النقد الثقافي في العراق والعالم العربي . بمعنى هل هناك نقد ثقافي عربي أو عراقي . وإجابتنا عن هذا التساؤل الكبير تعدد بتعدد زوايا النظر، فإذا كان المقصود بلحاظ أدوات النقد الثقافي من إطر فكرية وفلسفية ومناهج نقدية، فأغلبها تنتمي لبيئة أخرى، ولن يبقى سوى الإضافات التي جرت على يد أصحاب هذا الفن. لأنه نشأ وترعرع وتطور منذ ثمانينات القرن المنصرم في أحضان البيئة الثقافية الأمريكية.

وإذا كانت زاوية النظر أبعد من أدوات النقد الثقافي فلا شك بوجود منجز مهم، عربي وعراقي، راح يتصاعد وتراكم بمرور الأيام بفعل التنظير والكتابة، وما صدر من كتب ودراسات منشورة، التي منها:

عبد الله محمد الغذامي في كتبه الثلاثة: النقد الثقافي: قراءة في الأنساق الثقافية الغربية. وكتاب: تأنيث القصيدة والقارئ المختلف، وكتاب: نقد ثقافي أم نقد أدبي. إدوار سعيد في كتابه الإمبريالية والثقافة. وكتاب: النظرية والنقد الثقافي، للناقد العراقي محسن جاسم الموسوي.  مدخل إلى نظرية النقد الثقافي المقارن، للباحث الجزائري حفناوي بعلي. تمارين في النقد الثقافي للدكتور صلاح قنصوة. وكتب وأعمال د. عزالدين مناصرة في النقد الثقافي المقارن. وكتاب: النقد الثقافي: ريادة وتنظير وتطبيق “العراق رائدا”، تأليف حسين القاصد. وآخرين.

أما بالنسبة للنقاد الثقافيين العرب فيقع على رأسهم أدورد سعيد، وعبد الله محمد الغذامي، حفناوي بعلي، عز الدين المناصرة، صلاح قنصوه، بل العنوان يشمل كل من كتب في هذا المجال.

وأما بالنسبة للنقاد العراقيين، نذكر د. محسن جاسم الموسوي. وحسين القاصد. حيث أكد الأخير من خلال الأدلة في الفصل الأول من كتابه: (النقد الثقافي: ريادة وتنظير وتطبيق “العراق رائدا”)، على ريادة العراق متمثلة بالجهود التنظيرية للنقد الثقافي، أمثال: د. علي الوردي، د. علي جواد الطاهر، د. محمد حسين الأعرجي. وآخرين، بل وخطّأ بعض ما توصل  له الناقد السعودي الغذامي، حول العراق، وأدان تغافله المتعمد لجهود الوردي وغيره من النقاد الثقافيين العراقيين وريادتهم، مع استفادته منهم. كما أدانه في التستر عن قبلياته وثقافته الغائرة في لاوعيه، والتي في ضوئها مارس نقده الثقافي.

 

ماجد الغرباوي

.........................

* ينظر كتاب: الهوية والفعل الحضاري، ماجد الغرباوي، مؤسسة المثقف في سيدني – استراليا، ودار أمل الجديدة في دمشق سوريا، الطبعة 2019م، ص: 197 وما بعدها.

* نشر المقال مركز نقد وتنوير بعنوان:

مفهوم النقد الثقافي في مشروع المفكر العراقي ماجد غرباوي

28 نوفمبر، 2020

https://tanwair.com/archives/8273

 

 

 

حاتم حميد محسنتُعتبر اللغة جزءاً دائم التطور من الحياة، شيء يتغير مع الاستعمال. انها بالنهاية جزء اساسي من الثقافة وهو ما يفسر ايضا وجود ذلك العدد الكبير من اللغات واللهجات المختلفة . لكن هذا يعطي دفعا للسؤال الهام جدا: ما هو أصل اللغة؟ هل نحن نتعلم اللغة من محيطنا الثقافي/ الاجتماعي ام اننا نولد معها؟ وحتى عندما نرى اللغة جزءاً اساسيا من الثقافة، هناك ما يبدو بعض العناصر البايولوجية ايضا.

معضلة "الطبيعة مقابل التنشئة"

منذ وقت طويل كان الناس يتعاملون مع لغز "الطبيعة مقابل التنشئة". هل الطريقة التي نحن عليها هي بسبب اننا وُلدنا بهذه الطريقة ام بسبب الطريقة التي تربّينا عليها. هناك الكثير من الجدال من كلا جانبي النقاش. اذا كانت شخصيتنا موروثة من الولادة فلماذا لايصبح للتوائم الذين يحملون نفس الجينات الوراثية نفس الشخصية؟ وعلى الجانب الآخر من العملة، لماذا يصبح الاخوة او الأقرباء الذين ينشأون ويتربّون على نفس الطريقة اناساً مختلفين جدا؟

النقاش في اللغويات Linguistics

يستمر هناك ايضا جدال مشابه في عالم اللغويات حاليا. فمن جهة، هناك عقيدة بان اللغة جزء من الثقافة، وفي الحقيقة، هي امتداد للثقافة ذاتها، ولذلك، هي تعتمد عليها كليا. هذه الفكرة تتطابق مع حقيقة ان اللغة تطورت جنبا الى جنب مع الثقافة البيئية. الجانب الآخر من النقاش هو ان هناك عنصر بايولوجي قوي في اللغة. بالطبع، هذا الجدال ممكن فقط عندما نتعقب اللغة الى شكلها المحكي وليس الى التمثيل المصطنع الحالي في شكلها الكتابي. لوحظت اللغة في شكلها المنطوق، كجزء من الاختيار الطبيعي الداروني في الطبيعة. الرجل الذي أعلن هذه الفكرة هو نوم تشومسكي Noam Chomsky، الكاتب الامريكي الشهير في أعماله الليبرالية السياسية، وهو ايضا له الفضل في التطور الهام للّغويات.

فرضية تشومسكي Chomsky’s Hypothesis

اقترح تشومسكي، في نهاية الخمسينات من القرن الماضي فكرة اننا ننطوي وراثيا على حاسة الكلام.هذه الفكرة تأتي مع مفهوم "القواعد العالمية"، وهي سمة معينة تساعدنا في بناء الجمل والدلالات. هذا المفهوم يدعم رؤية تشومسكي باننا يجب ان نكون مبرمجين وراثيا لنتكلم بدلا من التقليد من ثقافتنا وبيئتنا، كلامنا يرتكز على مخطط او وصفة انطبعت فينا منذ الولادة.

هذه الفكرة وجدت عددا كبير من المؤيدين لها، وكنتيجة لذلك، جرى اشتقاق النظرية ونالت الكثير من القبول .

الأسباب التي تدعم فطرة الكلام

حقيقة ان جميع الناس بالنهاية يتعلمون الكلام انما تعتمد على فكرة تشومسكي. ذلك الجدال تعزز بحقيقة ان الطفل المعاق ذهنيا هو دائما قادر على ان يتعلم الكلام في غضون عدة سنوات من تعرضّه للّغة. كذلك، فرضية العمر الحاسم، التي توضح كيف تتضائل القدرة على تعلّم الكلام مع العمر، تثبت هذه الحجة في محاكاة مراحل النضج الطبيعي وتؤشر باتجاه الاشتراك البايولوجي في عملية تعلّم اللغة. استنتاجات بايولوجيا الأعصاب، كتلك التي وُجدت في بحوث مستنتجة من حالات الضرر الذي يصيب مراكز الكلام في الدماغ، ايضا تدعم صحة فكرة "الفطرة" في المقدرة اللغوية.

اخيرا، اكتشاف الجين الوراثي (Foxp2)، يُعتقد انه يحتوي على مظاهر تعطينا القدرة على التحدث، كل ذلك يؤكد وجود عنصر بايولوجي للّغة. غير ان هذه الفكرة واجهت انتقادات ايضا، في تأكيد دور الثقافة والمجتمع في صناعة اللغة.

الحجج الداعمة للاصول الثقافية للّغة

الدعم الاساسي لفكرة ان اللغة تأتي من الثقافة ينبثق من طبيعة اللغة: انه عنصر سوسيوثقافي هام . المنظّرون المنتمون الى هذه المدرسة من الافكار يعتقدون ان الفهم الثقافي دائما مرتبط باللغة، ولا وجود لدافع بايولوجي. تجريبيا، لوحظ ان الأطفال المعزولين عن الاصول السوسيوثقافية للّغة في سنوات تكوينهم الاولى، كانوا غير قادرين ابداً على تعلّم كيفية الكلام . وبعيدا عن إثبات صحة فرضية العمر الحاسم، فان هذه الملاحظة ايضا تستجوب فكرة امتلاكنا لفهم فطري للّغة . هناك اسئلة قوية بشأن دور الذكاء في القدرات اللغوية. بما ان الاعتماد القوي على المقدرة يكمن في العقل، يتبع ذلك ان العكس صحيح ايضا، مفترضا ذكاءً متدرجا تكمن فيه اللغة، وهذا يُضعف العديد من حجج كومسكي.

الموقف من القدرات اللغوية الفطرية

حتى مع وجود حجج لكلا الجانبين من النقاش، تبقى فكرة ان اللغة مشفرة فطريا في جيناتنا تجد الكثير من المؤيدين لها لأنه من السهل ملاحظة الدليل على ذلك حولنا في كل يوم. فمثلا، لم يُعثر على اي جماعة بما فيها الجماعات البعيدة لا تمارس الاتصال. فطريا، الاطفال الرضع يثرثرون كما لو انهم يحاولون الكلام، وبالنهاية يتعلمون الحديث. بالمقابل، حتى عندما تستطيع بعض الحيوانات فهم عواطف الانسان، والبعض ربما يقلّد عدة كلمات او جمل، لكنها لا تمتلك احساس باللغة. حتى بعد التحقق من هذه المقدرة، أكدّت البحوث عمليا انها تطورت قبل انتقال الانسان من افريقيا.

محاولات تجاوز المعضلة

الغريب في ظاهرة فرضية الفطرة، مع انها واضحة لكن طبيعتها المثيرة للجدل تسود بين الناس المتعلمين. قد يكون هناك احساس بالكراهية لفكرة ان اللغة هي مقدرة فطرية وليست شيئا مكتسبا نتيجة العمل الشاق او التشرّب من الثقافة والمجتمع. يبقى الموضوع مسيّسا تقريبا وله استقطاب شديد في كلا الجانبين من الجدال.

هذه القضية تسود في عدد هائل من الكتب لدى كل من طرفي الجدال. اليوم يمكن العثور على مزيد من الكتب التي تساهم في فهم هذه القضية. ومن بين الكتب اللامعة كتاب ستيفن بنكرس (غريزة اللغة). ومع ان الكتاب مطول نوعا ما لكنه يعرض حججا هامة حول فرضية تشومسكي. وعلى الجانب الآخر نجد كتاب (تعليم حواء: مناقشة غريزة اللغة) للكاتب جفري سامبسون وهو كتاب مختصر نجح فيه الكاتب في ان يعرض نقدا شاملا ليس فقط لحجة بنكرس وانما ايضا لجدال تشومسكي بشكل عام. في كتابه "تعليم حواء" يشير سامبسون الى ان حواء لم تولد وهي تعرف، وانما هي كانت جاهلة لكنها متعلم جيد.

استنتاج

حول أصل اللغة يعتقد بعض المنظّرين ان اللغة نشأت كتطور لثقافتنا، بينما آخرون يرون ان هناك فينا فهم فطري معين للّغة.

القواعد العالمية هي فهم فطري للقواعد التي يعتقد بعض المنظرين ان جميع البشر يمتلكونها والتي هي الأساس لفهمنا للغة.

فرضية تشومسكي تقول ان اللغة مغروسة فينا وراثيا بالولادة، واننا فطريا نعرف كيف نتصل.

 

حاتم حميد محسن

.............................

أصل اللغة، The Great Course Daily, June 2020، الدكتورJohn McWhorter، جامعة كولومبيا

 

 

خديجة ناصرييعتبر مفهوم الهوية من بين المفاهيم الفلسفية المبهمة، ينخرط ضمن شبكة مفاهمية معقدة، إذ يتعذر حصره في تعريف محدد أو تصنيفه ضمن إطار معين، وقد يبدو في بعض الأحيان أنّ هذا المفهوم واضح وجلي لكثرة استعماله وتداوله، لكن سرعان ما ينكشف أمام الذات المتفحصة لخبايا هذا المفهوم أنّه يصعب ضبطه في صيغة واضحة المعالم. فمفهوم الهوية مفهوم ترحالي، يستقي قوامه من عدة مشارب معرفية، فلو بحثنا في الذاكرة الاصطلاحية لكلمة هوية يظهر أنّ أول استعمال لها يرجع إلى فلاسفة ما قبل سقراط، وخصوصا مع "برمنيدس" و"هرقليطس"، الأوّل عندما اعتبر الهوية هي وحدة الوجود والفكر، أما الثاني فقد اعتبر جوهر الهوية هو وحدة الأضداد أو اللوغوس. وقد هيمن هذا المفهوم على الخطاب الفلسفي إلى حدود العصر الحديث، ففلاسفة اليونان قد اعتبروا أنّ كل شيء إما أن يكون مطابقا لذاته أو مخالف، بمعنى إما أن يكون هو هو أو ليس هو تماشيا مع المنطق الأرسطي في مبادئ الفكر، وتعدى ذلك إلى القول أنّ الهوية في شكلها الأدنى أي كذات لا تحتاج في وجودها إلى وجود الآخر المختلف، وما يمكن صوغه أنّ التصور اليوناني القديم يؤكد على قضية واحدة وهي أنّ الهوية تتحدد كتطابق والاختلاف كتناقض، وهذا ما لخصه "علي حرب" في قوله:" التفكير الفلسفي اليوناني افتتح التساؤل حول ماهية الوجود، حيث تصوروا الوجود مماثلا بطبيعته لشيء يبقى هو هو على الدوام، بمعزل عن الاختلافات الظاهرة (...) ومن هنا يبدو أنّ مفاهيم الوجود والمعقولية والفكر المحض قد تمثلها الفكر اليوناني بدءا من فكرة الهوية".

وقد استمر حضور هذا التصور حتى عند الفلاسفة والمفكرين المسلمين الذين اعتقدوا في تماهي وتطابق الذات مع نفسها، ولم يسبح هذا التصور بعيدا عن منطق الفكر اليوناني الذي اعتبر أنّ الذات لا تحتاج في تجربة وجودها إلى الآخر المغاير والمتباين عن الذات التي تكتفي بذاتها، فنجد "الجرجاني" في تعريفه للهوية يقول: "الهوية هي الحقيقة المطلقة المشتملة على الحقائق اشتمال النواة على الشجرة في الغيب المطلق". وفي تعريف آخر نجد أنّ "الهوية هي الوجود المحض الصريح المستوعب لكل كمال وجودي شهودي". وهذا ما جسدته الحضارة الإسلامية في زمانها السابق، فعلى الرغم من انفتاح مفكريها على ثقافة الأجناس المغايرة خاصة اليونانية منها إلا أن ذلك لم يثنيهم عن محاولة تبيان تميز الثقافة الإسلامية عن غيرها واكتفائها بذاتها ليس فقط من حيث الأسس والمبادئ الداخلة في الشأن الإيماني العقائدي بل ان الامر تجاوز ذلك للقول بقدسية الموروثات من سنن الأوليين على انها اشتملت على صفة الكمالية والشمولية مستوفية الشروط لتكون نهج الحياة السائرة على الصراط المستقيم، وهي في جلها دعاوى ذات توجه عرفاني أصولي تنكر على العقل القدرة على التذاكر والتفاكر وتتنكر للنص القرآني في خطابه الصريح الداعي لضرورة اعمال العقل بالتدبر و التأمل في الآيات الكونية والنصية وهي مهمة ليست بحكر على زمن او جيل بل هي مهمة كل مسلم في كل الأزمنة والأمكنة لتجديد رؤيته للحياة وصوغ فكره وفق معطيات الزمن الحاضر ومتطلباته بعيدا عن فكرة التبعية للأولين وهذا ما اشتغل عليه العديد من المفكرين في ثقافتنا الحالية ودعوا لضرورة زحزحة العقل وتحريره من الذهنية الوثوقية الثبوتية بالتصدي للفئات التي تحاول مصادرة الحق الذي كفله النص القرآني في عديد من آياته الا وهو اعمال العقل بل وشدد على ضرورة ذلك من أمثال محمد اركون، أبو القاسم حاج حمد، ناصر حامد أبو زيد، ماجد الغرباوي، وغيرهم كثير.

ومع بزوغ فلسفة العصر الحديث تطور الأمر على يد "ديكارت" الذي أسس لفلسفة ذاتية تؤكد بشكل عام تمسك الذات بهويتها تلخص ذلك في الكوجيتو الديكارتي "أنا أفكر إذن أنا موجود"، مستبعدا بذلك احتمال التقاء الذات بالآخر المختلف في سعيها لإدراك حقيقتها ووعي وجودها، فهي لوحدها تمتلك المقدرة على وعي ذاتها وصنع حقيقتها، فالذات هي مصدر كل الحقائق ومنبع كل المعارف. فعلى الرغم من ان ابو الفلسفة الحديثة قد افتتح عصر فلسفي جديد قوامه العقل وبذهنية تجريدية تأملية بصبغة علمية رياضية الا انه لم يحرر الذات من انغلاقها وتقوقعها ولم يسهم في انفتاحها على الاخر بل أكد على تفردها واكتفائها بذاتها وهذا ما أدى الى تضخم الانا الوجودي الأوروبي بشكل خاص والغربي بشكل عام وهو نمط من التفكير جر الإنسانية الى مهالك ومزالق مازالت تبعاتها مطبوعة على جبين الجنس البشري الى حدود الزمن الراهن.

وإذا كانت الهوية قد تحددت ولعقود طويلة من تاريخ الفلسفة على أساس الوحدة والتطابق، فإنّه "منذ المثالية الألمانية، و"هيغل" على الخصوص، لم يعد بالإمكان طرح مسألة الهوية بعيد عن الاختلاف" فلم تعد الهوية مجرد انسجام ووحدة وتماهي، بل أضحت تعبر عن معاني الاختلاف والتمايز، وبذلك فتح إمكانات جديدة أمام الفكر الفلسفي، بزحزحة الاعتقاد بوحدة الهوية، وإحالة الذات للتواصل مع الآخر بعد أن كانت حبيسة نفسها وسجينة أوهامها وخيالاتها. وشهد العالم وفق هذا المسار الفلسفي انفراج وانعتاق للذات فبدأت تلوح في الأفق ثقافة الحوار والتعايش وتقبل الغير على اختلافه وتمايزه مع ان الامر لا يبدو أكثر من بهرجة ظاهرية تغلف جوهر مثقل بالضغينة والكراهية ونكران الاخر ومحاولة طمس هويته واقتلاعه من جذوره وانتمائه وقد تفنن الغرب في انتهاج سبل وحشية مجردة من الصفة الإنسانية قصد الاعلاء من الثقافة الغربية واحتقار ما دونها من الثقافات منها حروب مباشرة ومنها حروب غير مباشرة.

وما نشهده اليوم في العالم العربي هو محاولة لبعث التراث اليوناني في أسوء صوره وأشكاله بنفي الآخر ونبذه والنفور منه وهذا ما حاول "علي حرب" لفت الانتباه إليه "فهوية الأنا لا تستقيم من دون الآخر، والوعي بالذات يمر بالضرورة عبر الغير(...) الغير هو الوجه الباطن لنا، وهو ما كناه أو ما يمكن أن نكونه" ذلك أنّ مفكرينا ومثقفينا مازالوا ينظرون إلى الهوية على أنّها علامة خالدة وأبدية لا يمكن تجاوزها أو تجديدها في حين أنّ واقع الحال يشهد كل يوم موت هويات وولادة هويات جديدة، الشيء الذي يعني أنّ الهوية ليست معطى ثابت يمكن تملكه والتفاخر والتباهي به ، إنّما الهوية تتشكل في لحمة مع الآخر والذي لا يعني الذوبان والانصهار فيه  بقدر ما يعني التمايز عنه بالشكل الذي يسهم في بناء الذات دون إلغاء للآخر. لأنّ "لا ذات بدون آخر ولا آخر بدون ذات (...) فكلاهما في حاجة عضوية ووجودية إلى الآخر، لا انفكاك عنها"

 

ناصري خديجة - الجزائر

..............................

المصادر والمراجع:

1-علي حرب، التأويل والحقيقة، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 2007م، ص198.

2-جميل صليبا، المعجم الفلسفي، دار الكتاب اللبناني، الجزء الثاني، لبنان 1982م، ص 530.

3-عبد السلام بن عبد العالي، أسس الفكر الفلسفي المعاصر، دار توبقال للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، المغرب 1991م، ص89-90.

4-علي حرب، خطاب الهوية: سيرة فكرية، منشورات الاختلاف، الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الثانية، الجزائر، بيروت 2002م ص43.

5- محمد شوقي الزين، الذات والآخر: تأملات معاصرة في العقل والسياسة والواقع، منشورات الاختلاف، منشورات ضفاف، الطبعة الأولى، الجزائر، بيروت 2012م، ص10.

 

علي محمد اليوسفتقديم: بدءا أقر بأن عنونة المقال بين الاتصال والانفصال في الزمان خاطئة من وجهة نظر فلسفية وكوزمولوجية علمية اناقشها في اسطر لاحقة بأعتبارها مجازا في التعبير اللغوي ولا تعبرعن حقيقة فيزيائية وسلامة تطبيقية زمانية يقبلها علم الكوزمولوجيا، علما أن المقولة مأخوذة عن ارسطو نقلا عن المفكر عبد الرحمن بدوي فلسفيا.

فالزمان مفهوم تجريدي شامل لا يتقبّل أن يكون موضوعا لادراك عقلي لا بالماهية ولا بالصفات وأنما يكون أدراكه بالدلالة الادراكية المرصودة لحركة الاجسام والاشياء وتكوينات الطبيعة المتعالقة بالزمان أدراكا تجريديا.. لذا من المتعذر رصدنا الانفصال أو الاتصال داخل الزمان لأنهما ليستا خاصيتان له.فالزمان مفهوم واحد متجانس الصفات والماهية، وكلتاهما غير مدركتان بالانفصال عن بعضهما بل هما استدلال يمكن ادراكه الحدسي بدلالة الزمان كمفهوم ميتافيزيقي.

فالزمان ماهية وصفات لا تتجانس الا مع ذاتها لعدم وجود ما يتجانس معها لا بالاتصال بها ولا بالانفصال عنها. الزمان جوهر نوعي موحد قائم بذاته يدرك بدلالة حركة الاجسام بداخله..

ثم أن الزمان وحدة كليّانية واحدة غير مدركة كمفهوم وماهية وصفات لا يقبل الانقسام والتجزئة ولا يتقبل الاتصال بغيره من ماهيات غير مجانسة له زمانيا غير موجودة حيث لا يوجد فرق ماهوي ولا صفاتي لشيء في الزمان ذاته لا تحتويه الكليانية الماهوية والصفاتية للزمان كجسم غريب عنها بالماهية قريب منها بالادراك الزماني له.

وليس هناك صفات لا تجانسه من غيرمجانسة الزمان لذاته كجوهر غير مدرك عقليا الا بدلالة غيره. بمعنى الزمان هو في حالة أبدية سرمدية ازلية من وجود ملازمة الاتصال الذي لاينفصل ولا يتجزأ بالمزامنة له الذي يرفض القطع أو الانقسام لذا فمقولة الاتصال والانفصال الزمانيين لا معنى لها من الناحية الفيزيائية العلمية كوزمولوجيا. بضوء حقيقة الزمان هي وحدة اتصال كليّانية قائمة بذاتها مكتفية تجانسيا لا تقبّل اتصالا كيفيا (نوعيا) بغيرها وفي عبارة أرسطو تاكيد لذلك قوله (لا يحد الزمان بالزمان) وهي عبارة عميقة المعنى في التعبير عن الوحدة الكليانية المفهومية للزمان.

الزمان مفهوم سرمدي وجودي ازلي مطلق لا يخضع للتجزئة ولا الانقسام، كما هو وحدة كلية نوعية واحدة قائمة بذاتها بخصائصها الماهوية وخصائصها المتعالقة تاثيرا بالاشياء. لذا الماهية النوعية للزمان لا تتقبل الاتصال بغيرها المخالف لها بالصفات الماهوية كنوع. كما لايتقبّل الزمان الانقسام على نفسه ولا الانقسام بمؤثر خارجي طاريء عليه. فالاستدلال بالزمان لا يمكن بغير الاستدلال به نفسه المتجانس به كزمان كلي مطلق، وهو ما يؤكد الزمان جوهرا  واحدا لا يقبل القسمة على نفسه ولا يتقبل التجزيئ بدلالته أو بدلالة غيره. والزمان في ملازمته ادراك الاشياء لا يتغير لا بالماهية ولا بالصفات لانهما صفتان تدركان بدلالة موجودات مقدار حركة الاجسام داخل الزمان ولا تفهمان بدلالة الزمان ذاته، فالانسان لا يدرك كلية الزمان كي يحاول معرفة صفاته او ادراك ماهيته بدلالته هو لا بدلالة الاجسام المتحركة فيه..

فهو وسيلة لادراكات العقل لكنه ليس موضوعا له ولا يتخارج جدليا مع حركة الاجسام داخله. لذا الزمان دلالة ادراكية تزامن الموجودات ولا تتأثر بها بل يبقى ما يدرك من حركة الاجسام داخل الزمان منفصلا تماما عن تعذر الادراك العقلي للزمان منفردا ماهويا بذاته.

أما الانقسام الزماني الوهمي خارج وحدة الزمان النوعية الذي نعيشه في التحقيب الارضي بقطوعات الزمان الموزعة بين ماض وحاضر ومستقبل أنما هو في حقيقته تقسيم زماني وهمي لا حقيقة صلبة ثابتة يقوم عليها الادراك لهذا التقسيم الذي هو التسمية الصحيحة له هو التحقيب الزماني الارضي وليس التقسيم الزماني، فالزمان لا يقبل التقسيم كما ذكرنا لكنما يتقّبل التحقيب الارضي بدلالة غيره التي هي حركة الارض وكواكب المجموعة الشمسية وما ينتج عنه من تغييرات مناخية بيئية...

ولكي نفهم الفرق بين التقسيم والتحقيب زمانيا أنما يكون في معرفتنا المسبقة التمييز بين الزمان الكوني المطلق الازلي، وبين الزمان الارضي المحدود في تحقيبه الزمان تاريخيا الى ماض وحاضر ومستقبل ليس بدلالة الزمن ولكن بدلالة حركة الارض حول نفسها وحول الشمس وحركة القمر والكواكب الاخرى في المجموعة الشمسية حصرا فقط وما يتعدى زمان المجموعة الشمسية يكون زمانا في حكم مطلق الزمان الكوني اللامحدود اللانهائي السرمدي الذي لا يمكنه قبول التحقيب زمانيا كما هو الحال في الزمان الارضي..

ومطلق الزمان ليس هو كمثل محدودية زمان الارض تحقيبا، ومطلق الزمان لا يقبل التحقيب التقسيمي على أي شكل ونوع ويحتفظ بخصائصه الكليّانية الذاتية المتفردة كمفهوم ازلي مطلق سرمدي لا بداية ولا نهاية له، لا يدركه العقل موضوعا ولا الزمان يدرك الانسان موضوعا له.. ولا يوجد زمان تغايره المجانسة الواحدة النوعية معه ويسمى زمانا آخر. بمعنى لا يوجد على الارض وفي الكون اللانهائي غير زمن واحد فقط بماهية وصفات نوعية واحدة.

الزمان وهم التقسيم وحقيقة التحقيب

الاتصال الزماني والانفصال الزماني هما وهمان أصطناعيان لا وجود حقيقة ادراكية يقبلهما العقل العلمي تسنده. وكما المحنا له في سطور سابقة فالزمان الكوني والزمان الارضي هما وحدة كلية نوعية من التجانس الماهوي والصفاتي واحدة لزمان واحد يلتقي بالماهية والصفات كجوهر ويختلف بالدلالة بغيره من مدركات مقدار حركة الاجسام داخله، لذا يكون كل اتصال زماني بدلالة أخرى غير الزمان ذاته لا تكون صحيحة وكذا نفس الحال في عملية الانفصال، فمن المحال أن نجد زمانين منفصلين عن بعضهما لا يمتلكان نفس الماهية والصفات الزمانية النوعية الفيزيائية الواحدة...فالزمان وحدة كلية متجانسة في الادراك كزمان واحد فقط ولا يوجد زمانين مختلفين لا على الارض ولا على المستوى الكوني من حيث وحدة الماهية والصفات غير الادراكية للزمان.. وهنا يتوجب علينا التفريق بين مصطلحين كلاهما باطل مجازيا لغويا ومصطلحا غير متفق عليه، هما الفرق بين التقسيم والانفصال على مستوى أزلية مطلق الزمان اللامحدود من جهة وبين التحقيب الارضي للزمان المحدود من جهة أخرى. وهذا يقودنا قبلها ألى أهمية التفريق بين الزمان الكوني المطلق السرمدي غير المحدود ، وبين الزمان الارضي المحدود بعلاقته مع الارض ومع حركتها الذاتية حول نفسها وحول الشمس وحركة كواكب المجموعة الشمسية من حولها ومعها.

توجد مقولةلارسطو سبق لي تكرارها مرارا (أن الزمان لا يحد بزمان) كون الزمان وحدة ماهوية في كل الحالات ومختلف الظروف من حيث الماهية والصفات التي يمكنها التواصل التعالقي الزماني مع غيرها من أجسام وموجودات الطبيعة لا يكون على مستوى المجانسة النوعية بغير ما هو زماني..وأنما على مستوى حركة مختلف الاجسام داخل الزمان الذي يحتويها كدلالة في معرفة مقدار حركة تلك الاجسام وليس مهمّا صفاتها غير المتجانسة مع الزمان. وأية مجانسة ماهوية او صفاتية لحركة الجسم في الزمان الذي يحتويها يكون محالا ادراكه عقليا لأن معنى ذلك كل جسم متحرك يحتويه الزمان بالمجانسة الماهوية النوعية معه يكون بالمحصلة زمانا أحتواه زمان يجانسه الخاصّية الماهوية وهو محال.

الزمان النوعي المتجانس بصفاته الماهوية لا تربطه بغيره من الاجسام التي تختلف معه بالمجانسة الا بعلاقة مقدار(حركة) تلك الاجسام داخله..كما أن الزمان لا يحد بالزمان المجانس له بالحتمية والضرورة حيث لا يوجد لا متجانس في الزمن يختلف عنه يكون زمانا آخر. كون الزمان كلية ومطلق مفهومي وليس موضوعا لادراك العقل مثل باقي موجودات الاشياء. لا يمكن للزمان أن يخرج عن نوعه في المجانسة الكلية المطلقة الشاملة لذاته فيزيائيا هو وحده، ولا يمكن في حال تحقيق انفصال جزء منه أن يكون دلالة التعريف به على مطلقه الازلي.

فالتوقيت الزمني بالساعة لا يعني أن هذا التوقيت أصبح يمتلك ميزات زمانية مختلفة عن مواصفات الوحدة الكلية الماهية للزمان. فالساعة هي توقيت زمني يرتبط بتحقيب الزمان الارضي في أدراكنا الوقت ولا يكون زمانا آخر خارج وحدة كلية الزمان لافي الماهية المعدومة أصلا في عدم امكانية ادراكها العقلي ولا بالصفات التي ندركها بمقدار حركة الجسم داخل الزمان.آلة قياس مقدار الزمان الساعة او اليوم او الاسبوع وصعودا الشهر والسنة والفصول الاربعة ليست في حقيقتها زمانا مدركا بذاته بل هي  وسيلة ادراك لتحقيب زماني نعيشه على الارض.

ارسطو وتقسيم الزمان

يذهب المفكر عبد الرحمن بدوي في كتابه (الزمان الوجودي) مناقشة مشكلة الانفصال والاتصال الزماني، قوله أن ارسطو الذي شغله هذا الاشكال العصّي على الحل بالهروب الى أمام منه، مستشهدا بعبارته (فالآن- أي الحاضر -  بوصفه حدا ليس هو الزمان، وأنما هو عرض يمكن عده عدديا وذلك لأن الحدود لا تنتسب الى الاشياء التي هي حدود لها،  فعدد هذه الخيول العشرة يوجد خارجها )1 عددا لا يمكن حصره من الخيول.

في مقالتين سابقتين نشرتا لي عن الزمان فلسفيا كنت اشرت توضيح اشكالية فرضية الانفصال والاتصال الزماني وتوضيح حلها، ويكمن سبب هذه الاشكالية في عدم التفريق بين زمانين متجانسين نوعيا ومختلفين تحقيبا تجاهلهما فلاسفة اليونان هما الزمان الكلي المطلق الازلي الكوزمولوجي الذي لا يقبل التجزئة ولا الانقسام كما لا يقبل التعريف بالزمان المطلق بدلالة الجزء غير المنقسم عنه.

أما الافتراض الثاني في عدم قدرة التمييز هو التحقيب الارضي للزمان الذي لا يختلف مع الزمان المطلق ماهويا كونيا كنوع زماني فيزيائي واحد لا غيره، لكنه يتقاطع معه بقابلية الانقسام والتحقيب الزماني كتاريخ زماني ارضي الذي يمكن أدراكه على الارض بدلالة غيره من الاجسام والكواكب والطبيعة والاشياء وتغيرات المناخ.

ولا يمكننا تحقيب مطلق الزمان الكوني بدلالة تحقيب زمانه الارضي. فالزمان الكوني الازلي المطلق يلتقي الزمان الارضي بالماهية والوظيفة الاستدلالية به عن وجود الاشياء.ولا يختلف معه أنه زمان ثان بالمقايسة النوعية الواحدة به فكلاهما دلالة لمعنى واحد هو الزمان.

الشيء الثاني هو ربط ارسطو أدراك الآنية أو الحاضر بقابلية قياسه عدديا وضرب مثالا أن عشرة خيول لاتعني حصر عدد كل الخيول كنوع من الكائنات وهي مسالة مفروغ التسليم بها كبديهة حسابية معرفية. أن معرفة مقياس الزمن بعدد الاشياء المحصورة في آنية زمنية هي الحاضر لا تمثل مقياسا صحيحا للزمان الذي يعتمد معرفته على (مقدار حركة الاجسام في الزمان) وليس على مقدار (عدد) تلك الاجسام في حركتها داخل الزمان الذي يحتويها.

مقدار الزمان يقاس بمقدار المسافة التي تقطعها الخيول بسرعة معينة حصيلتها هو مقدار الزمان الكمّي وليس العددي. الكم خصيصة قياس كل (مفهوم) مجرد يقاس بدلالة غيره لا يمكن ادراكه منفردا ماديا. والعدد خاصية كل مدرك يمكننا تحديده بدلالته الذاتية كنوع من المدركات يعبّر بها هو عن نفسه وليس بدلالة غيره عدديا ايضا.فالمدرك ماديا هو ذلك الشيء الذي يمكننا تحديده بالطول والعرض والارتفاع والزمن.

الزمان المطلق الكوني الذي أثبته انشتاين نسبي بخلاف مطلق زمان نيوتن، والزمان الارضي كتحقيب يتوزعه الماضي والحاضر والمستقبل يكون مقياس الدلالة له بالكتلة والكم والحركة والمسافة والسرعة وليس بعدد الاشياء المتحركة داخله. عندما نقول زمان فنحن نقصد تعبيرا دلاليا عن نوع  واحد هو الزمان الفيزيائي المطلق لا غيره من الاشياء والاجسام التي يحتويها داخله.. ولا يقبل الزمان المجانسة بغيره من الماهيات النوعية للاشياء، فالاجسام داخل الزمان وفي حركتها لا تغادر خاصيتها الاساسية على أنها أشياء يحدها الزمان أدراكا لكنها في حقيقتها منفصلة عنه في عدم المجانسة ماهويا وصفاتيا معه على أنها ليست زمانا لكنها مقدار حركة الزمان بدلالة حركتها هي كاجسام واشياء داخل الزمان يحتويها.

الشيء أو الجسم المتحرك داخل زمان محسوب كمّيا بالمقدار لا يمكن أن يكون زمانا ثانيا نستدل به على الزمان الذي يحتويه كنوع لا علاقة تربطه بغيره من الانواع سوى في مقياس مقدار الزمن بدلالة حركة تلك الاشياء والاجسام داخل الزمان الذي يحتويها. الزمان جوهر نوعي ميتافيزيقي لا يتحدد الا بمقدار حركة الاجسام والاشياء كمّيا وليس عدديا.. كما لا يتحدد مطلقه الزماني بدلالة جزء منه في أدراك كليته كنوع مطلق من الادراك. واشار افلوطين لتلك الحقيقة قائلا " أن الزمان بكليته لا يتفتت، أي لا توجد أزمنة مختلفة بل زمان واحد فحسب".2

حول سرمدية الزمان

ذهب معظم الفلاسفة من بعد ارسطو أن سرمدية الزمان ليست في سبب عدم ادراكنا له لغيابه في مجاهيل الكون الذي لا نهاية مدركة له، بل أعتبروا سرمدية الزمان هي في وجوده الحاضر الدائم الذي يحكم الطبيعة والانسان والحياة، وليس السرمدية هي الازلية التي لا نعيشها ولا ندركها في حاضرنا الزماني الارضي، ولا نهائية الزمان لا تقاس ألا بأدراك الوجود الحاضر الذي يلازمه الزمان بلا توقف ولا انقطاع، معتبرين حقيقة سرمدية الزمان هي الآنية الحاضرة التي بها يحيا العقل وكذلك تحيا بها النفس في حاضر قابل للقسمة، وبذلك نسفوا مقولة كلا من افلاطون وارسطوالسابقة بأن زمن الحاضر وهم زمني غير موجود لعدم أدراكنا العقلي له بدلالة الاشياء والموجودات المدركة حركيا به.ولا حتى بدلالة التحقيب الارضي للزمان في توسيط الحاضربأعتباره نقلة تجسيرية تربط الماضي بالمستقبل من خلال تشظيتها الانشطارية الموزّعة بين الماضي والمستقبل.لذا ذهب ارسطو وافلاطون اعتبارهما الزمان الحاضر وهما افتراضيا لا حقيقة فيزيائية له.

وفي هذه المقولات مغالطة فادراك الاشياء صحيح لا يكون ألا بدلالة الزمان، لكن أدراكنا الاشياء لا يعني أدراكنا الزمان المتلازم معها كينونة جوهرية منفصلة عنها... فالزمان يصبح وهما دلاليا بتحققنا من موجودات الاشياء ادراكا حركيا انكولوجيا والتي لا ندرك زمانها الملازم لها بالادراك المغاير لها بالمجانسة الماهوية والصفات.

رغم أن هذه الفرضية لا تطابق الواقع ولا صحيحة فادراك زمانية الشيء لا تنفصل عن ملازمة الزمان له في ادراكنا للاشياء مكانيا في حالتي حركتها وسكونها وفي حال عدم ادراكنا لها...لكن رغم ذلك تبقى عدم المجانسة بين الاجسام والزمان الذي يحتويها قائما أبدا...فأدراك الشيء بدلالتي المكان والزمان لا يعني أنعدام عدم المجانسة الماهوية والاختلاف بين ماهية الشيء المدرك بأختلافه عن ماهية الزمان غير المدرك الذي يحتويه وبدلالته نعرفه. لا يتجانس الزمان الا مع ذاته كزمان ماهيته الجوهرية هو وحدة كلية من التجانس ذاتيا وباستقلالية ترفض التداخل النوعي غير التجانسي معه بالكيفية والصفات .

الزمان ليس علة وسبب وجود الاشياء وأنما هو دلالة أدراكية منفصلة عن الاشياء كجوهرين غير متجانسين بالصفات وبالماهية. لنرى ما يقوله بعض المفكرين بهذا المجال: (وجرى تقسيم الزمان الى جوهر حقيقي قائم بذاته هو جوهر يقيس الكون والفساد. يليه الزمان الطبيعي الموجود في الحركة وليس له جوهرا قائما بذاته كون الوجود الذي يدركه الزمان عبارة عن كائن وحادث طاريء باستمرار والحاضر غير المنقسم ينتسب للسكون الثابت الذي يقيس الحركة الدائمة وهو العلة المولدة للزمان)3. (ويعتبرون السرمدية جوهرا قائما بذاته وليس جوهرا مقترنا بالزمان الذي هو الاخر جوهر سرمدي قائم بذاته)4. عبارات تحاول خلط الزمان كوحدة متجانسة بذاتها بميتافيزيقا الادراك الشيئي.

الملاحظات التعقيبية النقدية التي يمكننا تثبيتها على هاتين العبارتين:

- وجود الزمان كجوهر ملازم للاشياء ليس تعويضا عن عدم ادراكه بدلالته ادراكنا الاشياء في العالم الخارجي، بمعزل عن ادراك ماهية الزمان وكيف يعمل في تحقق ادراكنا العالم من حولنا؟.أدراك الاشياء والاجسام في ملازمة الزمان لها لا يترتب عليه ادراكنا الزمان منفصلا عنها الذي يحتوي حركة تلك الاجسام كجوهر قائم بذاته. الزمان ليس موضوعا يدركه العقل لوحده بغير دلالة حركة الاشياء والاجسام فيه.

-  الحاضر حسب أدعائهم ينتسب للحركة وليس للسكون، وكل ساكن مدرك يصبح حقيقة، وهو ما لا ينطبق على الحاضر أنه ثبات ودلالة تسير نحو أضمحلال وتلاشي مستقبلي حتمي. وبالتالي لا يكون مقياسا للحركة كونه ساكنا والسكون لا تتولد عنه حركة فالحركة تلزم بالحتمية السببية التعالقية الضرورية أن تسبقها حركة وتعقبها حركة ما بعدها ايضا.. الحركة تتوسط حركتين قبلية وبعدية..

- والأهم هو قولهم الحاضر المنقسم الذي ينتسب للسكون الثابت الذي يقيس الحركة العلة المولدة للزمان، وهو ما يترتب علينا دحضه، فالحاضر غير مدرك لأنه جوهر متشظ غير ثابت ولا ساكن والا كان موضوعا مدركا وليس وهما لاحقيقة له كما يصفه ارسطو وافلاطون. يمكننا وصف تشظية الحاضر الى ماض يحكمه سكون، وبالكس منه الى مستقبل تحمه الحركة والتغيير.

- الحاضر أو الآنية كما ذكرنا هو تشظية يتوزعها ماض ساكن ومستقبل متحرك بسيرورة دائمية لا تعرف التوقف ولا الثبات لذا المستقبل لا يدرك الا بدلالة الحاضر المنقسم المتشظي بين الماضي والمستقبل.

كما أن السكون لا يتولد عنه حركة وكيف يمكن قياس الحركة بدلالة السكون؟ الا اذا أعتبرنا كل ساكن هو رهينة زمانية يتحكم بها الانسان بمعزل عن ملازمة صفة الزمان الساكن لها بلا تداخل انساني. ولا يتحكم بها لا الزمان ولا هي تحتكم لذاتها لافي الحركة ولا في السكون وهو تصور محال يدركه العقل.

الزمان صحيح هو دلالة معرفة مقدار حركة الاجسام ألا أن الزمان بأعتباره أحد قوانين الطبيعة الثابتة يعمل باستقلالية تامة عن ادراكات العقل للاشياء بمعزل عن ادراكه منفردا كجوهر قائم بذاته، ولا يرتبط الزمان بعلاقة انقيادية للانسان. ولا وصاية للانسان على عمل الزمان.

الزمان بين وجوده الحقيقي والوهمي

ورد على لسان عبد الرحمن بدوي مقطعا مفاده " ومن الناس قال كيف يقال عن الزمان الذي لا يتصور وجود شيء الا فيه انه لا وجود له؟ بل له وجود أسبق وأحق من كل ما يوجد فيه. وذاته باقية لا تتغير وذلك هو الدهر"5، بدءا العبارة سليمة جدا ولا يشوبها نوع من الخطأ وهي عبارة تنسب لفلاسفة العرب.

وفي تعليقنا على هذه العبارات المستمدة عن فلاسفة عرب مسلمين، هم يعنون الزمان الارضي المحدود بقابليته على التحقيب الى ماض وحاضر ومستقبل، ولا يقصدون الزمان الكوني الازلي غير المحدود. لذا سيكون التعليق لا يخرج عن المجال الذي أختاروه وهو الزمان الارضي الذي هو تحقيب يتوزعه الماضي والحاضر والمستقبل الذي يقوم على الثوابت التالية:

- اولا الزمان لا يدرك الا بدلالة حركة موجوداته في داخله، وهو ما يؤكد على أن الزمان في كل الاحوال وأينما وجد هو جوهر متجانس مع ذاته فقط غير مدرك ماهويا ولا هو موضوع يدركه العقل.

- ثانيا أن الزمان هو مقدار كمي في قياس حركة الاجسام داخل الزمان وليس مقدارا عدديا للاجسام بداخله. والزمان يدركه العقل بدلالة موجوداته وليس بدلالة ماهيته النوعية هو كموضوع لا يدركه العقل لا في الماهية ولا بالصفات.

- ثالثا ادراك الزمان الارضي بمحتوياته الموجودية داخله، أنما يقوم على تحقيب تاريخي له ندركه على الارض كماض وحاضر ومستقبل. وهذا التحقيب الارضي لا يغيّر في ماهية الزمان ولا في حقيقته كجوهر يحمل دلالة غيره من اجسام يحتويها داخله، وليس كموضوع معرفة  منفردا. لذا يبقى الزمان محتفظا بخصائصه الذاتية غير المعروفة وغير المدركة عقليا، وهذه الذاتية الزمانية تكون في الوقت المزامن لكل الموجودات التي يحتويها بالادراك، تبقى منفصلة بغير المجانسة مع خصائص وماهيات الاشياء التي تتحرك داخله كفضاء زماني محدود تتم بدلالته معرفة مقدار حركة الاجسام.

- رابعا حين يدرك العقل الاشياء بمزامنة الزمان في وجودها فهذا لا ينسحب على أن معرفة وادراك موجوداته يقود بالضرورة الى ادراك زمانها كموضوع يدركه العقل منفصلا مستقلا كما هو ادراكه الاشياء في مقدار حركتها داخل الزمن.

- خامسا القول الزمان لا يمتلك حقيقة وجودية الا فقط بدلالة الاشياء التي يحتويها. وبتجريد الزمن الادراكي عن تلك الموجودات لا يكون هناك بعدها عملية ادراكية للاشياء وليس للزمان صحيحة، الاشياء لا يدركها العقل مجردة عن زمانها ، كذلك لا يدرك العقل الزمان بدلالة أخرى غير حركة الاجسام بداخله التي يحتويها. علما أنه من المحال أن يدرك العقل الاشياء من غير ملازمة زمانها لها، كذلك الاهم محال انفصال الزمان عن موجودات داخله تتعين حركتها بدلالة الزمان وليس بدلالة ذاتية حركية الاجسام التي تمتلكها.

-  سادسا المكان بمجمله الكلي كمفهوم ، والمكان كتجزيء منقسم على نفسه تبقى أستحالة ادراكه خارج أحتواء الزمان له قائمة لا يمكن تجاوزها. الاشياء مكانا تدرك بملازمة زمانها، ولو نحن استطعنا أخفاء شيء مادي بمعزل افتراضي بتجريده عن زمانيته، تكون حصيلة هذه الفرضية المستحيلة توقف العقل عن الادراك لذلك الشيء نهائيا.المكان هو مدرك زماني ايضا والمكان لا يمكن ادراكه بتجريد الزمان عنه.

خاتمة

بعد مغادرة ارسطو مقولته في الآنية أو الحاضر على أنها وهمية وشرحنا تفسيرنا لها على اساس أن آنية الحاضر متشظية في انشطارها الوجودي كزمان يتوزعها الماضي من جهة والمستقبل من جهة أخرى معاكسة، فالماضي يحتم على الآنية تذويتها به، والشد المستقبلي المعاكس يعتبر الحاضر بداية تصنيع مستقبل زماني في حالة من السيرورة منفصل عن الحاضر التوليدي له.

يعود ارسطو القول (الزمان هو المعدود، بمعنى هو العدد المشار له في كل لحظة حاضرة يمر بها، وأن الوجود الحقيقية يقاس بآنات الحاضر فقط)6، وبدورنا نخلص الى أن الاشكالية تتلخص بالاساسيات التالية :

- الزمان الارضي المحكوم بالتحقيب التاريخي الموزع بين ماض وحاضر ومستقبل، هو غيره الزمان المطلق الكوني الازلي ليس على صعيد أختلاف الماهية فالزمن هو الزمن أينما يكون واينما يكون بدلالة معرفة غيره به، لكن تحقيب زمان الارض لايقبله مطلق الزمان الكوني الازلي، وقولنا هذا أن تحقيب الزمان الارضي أصبح يمتلك زمانا مغايرا للزمان المطلق الكوني بالماهية والصفات ليس صحيحا كوننا ندرك زمن الموجودات الارضية ولا ندرك الزمان جوهرا منفصلا عنها.، فالزمان واحد ولا يقاس الزمان بدلالة زمان آخر ولا بدلالة جزء منه وهو مستحيل في أمكانية قسمة الزمان ولا قابلية تجزئته.في مغايرة الوحدة الزمانية الكلية لزمان المطلق أنه لا يتقبّل التحقيب الكوني كما في زمان الارض. تحقيب الزمان الارضي كما قلنا هو بدلالة حركة الارض والمجموعة الشمسية، فكيف لنا وبأي معيار نستطيع تحقيب مطلق الزمان الكوني، هل بدلالة حركة ملايين الكواكب والمجرّات مثلا؟؟ مسألة يرفضها العقل والمنطق.

- الزمان في حالتي الوحدة الكلية المطلقة كونيا غير القابل للانقسام على نفسه ولا الانقسام بدلالة غيره. هو زمان واحد يجمع كل الازمنة بوحدة كلية من الماهية الزمانية، وهذه الوحدة الكلية تقوم على ادراك العقل للزمان بقياس مقدار السكون والحركة بالاشياء والموجودات داخله. كون الزمان ثابت في ملازمته حركة الاجسام. حركة المدرك مكانا لا يجعل من الزمان الراصد له تابعا حركيا له. الزمان يدرك المتحرك مكانا والساكن مكانا في ثباته الزماني، فحركة الجسم لا تسحب معها حركة الزمان بالضرورة التبعية وألا لما كنا نحتاج قياس الزمان بمقدار حركة الجسم داخله.بتوضيح الالتباس الزمان ثابت في قياس مقدار حركة الاجسام التي هي متحركة بلالة احتواء الزمان مقدار حركتها.

- الزمان لا يتغير بالماهية الذاتية له في جميع الاوقات ومختلف الظروف، وكلية الزمان كجوهر ثابت لا يتقبّل القياس بحركة زمنية تجانسه ماهويا بل بحركة اجسام مختلفة عنه بالصفات، من حيث حقيقة الزمان تعرف بدلالة حركة الجسم وتقاس به. والزمان ليس حركة بذاته بل هو دلالة مقدار حركة غيره من الاجسام.

- الشيئ الاخير أن الزمان مفهوم ميتافيزيقي وليس موضوعا مدركا من العقل. بمعنى أن العقل يدرك الاشياء فقط ولا يدرك مزامنة الزمان لها، فهو يدرك محتوى الزمان من أجسام ولا يدرك الزمان كموجود أو ماهية منفصلة لوحدها. وهنا يمكننا تشبيه الزمان كمفهوم ميتافيزيقي بمفهوم الوجود الميتافيزيقي، فالوجود يدرك بمحتوياته ولا يدرك بماهيته كموضوع.

كذلك نحن ندرك الزمان بمحتوياته من الاجسام وليس أدراكه هو كماهية ذاتية يمكن أن تكون موضوعا لادراك العقل. فالزمان ماهية بخصائص انفرادية لا تلتقي مع ماهيات غيره من أجسام يحتويها كأجسام متحركة داخله. وما يجمع الزمان بمحتوياته من الاجسام هو الادراك العقلي بقياس مقدار الزمان الكمي بدلالة حركة الاجسام بداخله.ولا يدرك الزمان مجردا عن محتوياته.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش

1- الهوامش 1، 2، 3، ، ،6،5،4 عبد الرحمن بدوي / الزمان الوجودي/ الصفحات 68 - 83

 

 

علي رسول الربيعييبدأ لغز عاطفة الحب من رغبتنا بأن نحب ونكون محبوبين، وأن نعتز بما نحن عليه من هوية لا يمكننا وأن يُنظر الينا على أنه لا يمكن تعويضنا في الوقت نفسه. وينشأ اللغز ايضا عندما نسأل ما هو أساس هذا الحب. يقول الذين يشعروننا أنا محبوبين أنهم يحبوننا لأننا “مميزون” ولأن “لا يوجد أحد مثلنا تمامًا”؛ ويقولون أيضًا إنهم يحبوننا لسمات معينة فينا مثل: ملامحنا، أو مزاجنا الفكاهي، وما إلى ذلك. قد يبدو من الطبيعي أن نستنتج أن حب الآخرين لنا يعتمد على خصائصنا الشخصية ذات القيمة الفريدة.

ومع ذلك، لا يبدو هذا صحيحا. أولاً، لأن الأشخاص أنفسهم الذين يقولون أنه لا يوجد أحد مثلنا يعترفون أيضًا بأن كل شخص بذاته هو فريد من نوعه، وهذا ما يجعل من الصعب رؤية كيف أن مجرد التفرد يمكن أن يجعلنا ذا قيمة خاصة واستثنائية عندهم عندما يكون هناك عدد لا يحصى من الآخرين الذين ليسوا أقل منا تميزًا.

ثانيًا، إذا كانت القيمة التي يضفيها علينا من نحبه مبنية على اساس خصائصنا وشمائلنا فيمكن له أن يفضل أو يتبع شخص آخر يتمتع بشمائل “أفضل” – فشخص أكثر مرحًا، على سبيل المثال، أو يمتلك سمات او ملامح أكثر جمالا أو حيوية- سيكون أكثر جدارة بحبه منا. لكن وجود شخص متفوق علينا من هذه النواحي لا يجعلنا أقل جدارة بالحب؛ إذا كان حبيبنا يحبنا حقًا ولا يتطلع إلى “المقايضة أو الترجيح” بالأفضلية تلك.

ثالثًا، يجب أن يكون الحب مستقلًا إلى حد ما عن سماتنا. فمثلا من المتوقع أن يحب الآباء أطفالهم “بغض النظر عن كيف تكون ملامحهم”. ينعكس هذا الاستقلال أيضًا في الافتراض بأن يظل الحب ثابتًا في مواجهة التغيير في سمات الحبيب وحتى في مواجهة اكتشاف صفة غير مرحب بها عند الحبيب.

رابعًا، قد تبدو السمات التي يدعي الآخرون أنهم يحبوننا من أجلها غير مهمة نسبيًا لما نحن عليه حقًا. فالشخص الذي يقدّرنا فقط على أساس ملامحنا أو وروح الدعابة لدينا، على سبيل المثال، سيركز انتباهه في المكان الخطأ. (يمكن قول الشيء نفسه عن شخص يتهدد حبه لنا اكتشافه لما يعتبره صفة تافهة.

أخيرًا، فكرة أن الشخص عزيز لأن صفاته تجعله ذو قيمة فريدة لا تتناسب مع تجربة حب شخص ما. لأنه يمكن للمرء أن يحب صديقه دون التفكير في أنه “مناسب” له كصديق أفضل من الآخرين الذين ليسوا أصدقاءه حيث يمكن أن يكونوا كذلك؛ ويمكن للمرء أن يعتز بأطفاله قبل كل شيء، ولكن يظل يعتقد أنهم ليسوا أكثر استحقاقًا للحب من الأطفال الآخرين.

إذن، هناك لغز حول الحب هو: ما هو أساس حب الآخرين لنا إن لم يكن يتعلق بصفات أو خصائص معينة؟

هناك لغز آخر عن الحب يتصل بالعلاقة بين الحب والأخلاق. تتطلب الرؤية الأخلاقية المحايدة أن ينظر الشخص الأخلاقي إلى جميع الأشخاص الآخرين بالقدر نفسه من الأهمية. ومع ذلك، يبدو أن كونك محبوبًا ينطوي على تقديرك أكثر من الآخرين. لذلك قد يبدو أن الشخص الأخلاقي حقًا غير قادر على أن يحب شخصًا ما بصدق، لأن تحيزه لحبيبه سيتعارض مع التزامه بالتفكير والتصرف من وجهة نظر أخلاقية محايدة. أوضح الفيلسوف برنارد ويليامز هذه الصعوبة في قضية رجل يمكنه إنقاذ شخص واحد فقط من بين عدة أشخاص في خطر ويختار إنقاذ زوجته، فقط لأنه يعتقد أنه يجوز في مثل هذه المواقف إنقاذ الزوجة ”.

يبدو أن الحب يلعب دورًا أساسيًا في تعليمنا الأخلاقي على الرغم من هذا الصراع الروحي الواضح بين الحب والأخلاق. لقد تم تعرفنا على الأخلاق من خلال تجربة طفولتنا مع المحبة؛ وقد منحتنا علاقات المحبة مع الأشخاص المقربين والأصدقاء في وقت لاحق من حياتنا وعيًا أعمق واستجابة للاهتمام بالآخرين، بما في ذلك أولئك الذين هم خارج دائرة علاقاتنا. اللغز الثاني إذن هو: كيف يمكن لعاطفة تبدو متعارضة جدًا مع روح الأخلاق المحايدة أن تؤدي هذا الدور؟

يتعامل ديفيد فيليمان، أستاذ الفلسفة في جامعة نيويورك، مع هذه الألغاز حول الحب في عدة مقالات في كتابه ( Self to Self). يتناول الكتاب مفهوم الذات، ذاتنا من وجهة نظرنا في سياقات مختلفة: سياق الذاكرة والسيرة الذاتية والتوقع، حيث نبدو مستمرين مع أنفسنا في الماضي والمستقبل؛ سياق صورتنا الذاتية، حيث نأخذ في الاعتبار دوافع معينة كجزء من “من نحن” أو “ما ندافع عنه”؛ سياق الذات المستقلة حيث نعتبر أفعالنا محكومة من قبلنا؛ وسياق المشاعر مثل العار والحب، حيث نشعر بالخجل من أنفسنا ونريد أن نكون محبوبين لأنفسنا. تثير طبيعة هذه الذوات المتنوعة اهتمام فيليمان النظري، ويستخدم أسئلة عنها كأساس لإثبات الأفكار المستمدة من فلسفة كانط الأخلاقية ونظرية التحليل النفسي وعلم النفس الاجتماعي.

إن ما لفت تفكيري في عاطفة الحب هي الرغبة في أن نكون محبوبين. وقد حاولت فهمها من خلال حالة التنافس بين الأشقاء. إن مسألة التنافس بين الأشقاء هي: كيف يمكن لأبي وأمي أن يحبونني بالطريقة التي أريد أن أكون فيها محبوبًا ويحبون أطفالهم الآخرين أيضًا؟ بالنظر إلى أنني أريد أن أكون أعز بشكل خاص، كيف يمكن أن يكون هناك أبناء بجانبي يتم تقييمهم بالطريقة نفسها ؟ تؤدي هذه الأسئلة إلى التنافس لأني أعتقد أن ما أريده هو نوع من المقارنة الإيجابية مقابل إخوتي، ومن ثم نتنافس جميعًا للحصول على هذا التقييم.

يبدو لي أن هذا مثل مشكلة الصراع المفترض في الروح بين الحب والأخلاق الكانطية. يطرح الفلاسفة الذين يعتقدون أن هناك صراعًا من منظور شخص يريد أن يكون محبوبًا السؤال التالي: كيف يمكن لشخص ما أن يحترم جميع الأشخاص بالقدر نفسه بالطريقة التي تتطلبها الأخلاق الكانطية ولايزال يقدرني بوصفي لي خصوصية بالنسبة له. لأنه إذا كان شخص ما يخشى أن تمنعه الأخلاق من أن يكون محبوبًا بالطريقة التي يريدها، فإن ما يزعجه حقًا هو المقارنة بين جميع الأشخاص بوصفهم متساوين أخلاقياً حيث ستهدد تقييمه على أنه له محبة ومكانة خاصة ومميزة عن الآخرين.

لذلك، ما لم نتمكن من معرفة مسألة التنافس بين الأشقاء، فاذن هناك مشكلة عميقة في الوضع البشري. ولابد أن يكمن حل مشكلة التنافس بين الأشقاء في معرفة سبب عدم إجراء مقارنة، لماذا لا يعتمد حب والديك على رؤيتك أفضل أو أغلى من إخوتك. هذا يعني أننا نتعامل مع أسئلة حول القيمة: ما الذي فيك يجعلك غاليًا ولا يمكن استبدالك بآخرين؟ أي نوع من القيمة يتطلب التقدير في حد ذاته، والابتعاد عن المقارنة بالآخرين؟ أعتقد للإجابة عن هذه الأسئلة، أننا بحاجة إلى فهم فكرة كانط التي تقول: أن الأشخاص، كغايات في حد ذاتها، لديهم قيمة لا تُقاس بالقيم الأخرى، ولا تضاهى أو تقارن مع قيمة الأشخاص الآخرين.

نحتاج لفهم وجهة نظر كانط عن قيمة الأشخاص أولاً، إلى فهم فكرة كانط عن الشخصية. فبالنسبة إلى كانط، إن كونك إنسانًا يعني أن تكون مخلوقًا عقلانيًا، سواء على المستوى المعرفي أو العملي. يقدم فيليمان في كتابه Self to Self، تفسير لهذه الفكرة: إن جزءًا مما يجعل شخصًا ما عقلانيًا هو إمكانية تراجعه عن دوافعه والتفكير فيما يجب فعله. لذلك، على سبيل المثال، عندما يكون الشخص متحيرا بين رغبته في البقاء في السرير ورغبته في الالتزام بنظام التمرين، يمكن للفاعل العقلاني أن يسأل، في هذه الظروف، ما إذا كان الشعور بأن البقاء في الفراش والراحة سبب وجيه كافٍ لعدم ممارسة الرياضة. ليس هذا مجرد سؤال حول هذه المناسبة بالذات، فالأسباب التي تدفعه لاتخاذ القرار سوف تنطبق على جميع المناسبات المماثلة. علاوة على ذلك، لكي يكون هذا قرارًا صحيحا في كل الأوقات، يجب أن ينظر إلى الأمور على أنها ثابته حتى يكون لديه سبب لإعادة النظر. وقد كتبت فيليمان أنه بمجرد أن يدرك الشخص قدرته على تبني هذا النوع من المنظور المستمر لرغباته، فإنه سيكون متحفز بشكل لا مفر منه للقيام بذلك والتصرف بناءً على ما يعتقد أن لديه أكثر الأسباب للقيام به. بعبارة أخرى، سوف ينجذب إلى الاستقلال الذاتي حتمًا.

لكن، كما يوضح فيليمان، تتضمن فكرة كانط عن الشخص شيئًا أكثر من مجرد قدرته واستعدادته لتكوين منظور فردي ثابت ما لديه من سبب للقيام بالفعل؛ حيث تتمتع المخلوقات العقلانية بإمكانية الوصول إلى منظور أكثر شمولاً تمكنها من رؤية أشياء معينة، وترى أن هذه الأشياء كافة المخلوقات العقلانية. فعلى سبيل المثال، ليس فقط الشخص الذي يقوم بالحساب يرى أن مجموع 2 و 2 هو 4 ولكن أي شخص يضيف 2 و 2 سيرى أن المجموع 4. يعتقد كانط أنه مثلما تمتلك جميع الكائنات العقلانية منظورًا مشتركًا للحساب، يمكن أن يكون لديهم منظورا مشتركًا حول ما يمكن اعتباره أسبابًا للفعل من قبل أي فاعل عقلاني. يدعي كانط أن بإمكانهم تبني مثل هذا المنظور من خلال التساؤل عما إذا كانت مبادؤهم للفعل قابلة للتعميم. هذا يعني، السؤال عما إذا كانت أسباب تصرفهم من النوع الذي يمكًنهم من السماح بها للجميع باستمرار واعتبارها صالحة في ظروف مماثلة.

إن التصرف وفقًا لأسباب يمكن أن تكون قابلة للمشاركة عالميًا هو ما اعتبره كانط القانون الأخلاقي أو الواجب الأخلاقي المُلزم أو غير المشروط في جميع الظروف ولا يعتمد على ميول الشخص أو غرضه، ايً تصرف وفقًا لطريقة ثابتة يمكن أن تكون قانونًا عالميًا. كان يعتقد كانط أيضًا أنه بمجرد أن يدرك شخص ما إمكانية التصرف وفقًا للقانون الأخلاقي، فسوف ينجذب إلى القيام بذلك. كان لدى كانط عدة أسباب للتفكير في هذا. إحداها، أن التصرف لأسباب يمكن أن تقبلها جميع الكائنات العقلانية أمر جذاب لأنه طريقة لاستقلالية الشخص، بمعنى أن حكم المرء على ما يعتبر سببًا للفعل يصبح القوة الوحيدة التي تتحكم في أفعاله. يرى كانط أن هذه هي الطريقة الوحيدة لتكون مستقلًا تمامًا. وهناك طريقة أخرى، هي أن يقوم المرء، ومن خلال التصرف لأسباب يمكن للجميع قبولها عقلانيًا، بدوره في إقامة علاقة متناغمة معهم، حيث يمكنهم بعد ذلك تأييد الطرق التي ينظر بها المرء إليهم ويتصرف تجاههم. ومن ثم تنطوي النتيجة المذهلة لتعريف كانط للشخصية بالضرورة على طموح للتصرف بشكل أخلاقي.

 

بقلم/ الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

 

 

هلال محمد الجهادتفاعلاً مع مقالتي الدكتور عبد الجبار الرفاعي حول (سلطة الفصاحة والنحو)[1]

"يتعين استغلال الفرص العديدة التي يتيحها مجتمع المعرفة لمواجهة التحدي الراهن الذي يفرضه الإفراط المعلوماتي المعاصر، وهو تحد لغوي في المقام الأول، وتفجير الطاقات الكامنة في اللغة العربية". تقرير التنمية الإنسانية العربية، UNPD، 2003، ص 121.

هذا التقرير الذي لم تنتبه السلطات صاحبة القرار في البلدان العربية إلى خطورته ومصيريته في حينه، انتهى إلى هذه النتيجة وهو يدق ناقوس الخطر إلى المصير الذي ينتظر العربية والعرب في عصر الثورة المعلوماتية. بعد سبع عشرة سنة، تبدو هذه الخلاصة متفائلة أكثر من اللازم حين تتحدث عن "تفجير الطاقات الكامنة للغة العربية" لأنها لم تذكر ماهية هذه الطاقات ولا كيفية "تفجيرها"، والأهم هو أنها لم تحدد من سيقوم بالتفجير. هذا التفاؤل يندرج ضمن نظرة العرب المثالية إلى لغتهم، التي تضفي عليها قدسية متوهمة، تجعلها أشرف اللغات وأجملها وأفصحها، بل يشتط البعض في المثالية ليقول إنها ستكون لغة العالم كله في النهاية.

على الطرف النقيض، ومنذ أكثر من قرن، ظهرت الطروحات التي تكشف عن عجز اللغة العربية عن اللحاق بالتطور المعرفي والعلمي في القرن العشرين، وأنها ليست أكثر من لغة دينية- شعرية- خطابية، وأن عليها لذلك التراجع إلى مكانيها الطبيعيين (المسجد والمنبر)، فظهرت دعوات التغريب والفرعنة والأشورة والفينقة إلى آخره.

كلا المنظورين يعكس تطرفًا في النظرة إلى اللغة العربية؛ فالطرف الأول يجعلها لغة مثالية متعالية تعالي القرآن الكريم والحديث وغيرهما من النصوص الدينية المؤسسة لمنظومة الفكر الديني العربي الإسلامي، وبالتالي تتحول إلى لغة منفصلة عن الواقع متعالية حتى على متكلميها، والطرف الثاني يحمّل العربية في ذاتها مسؤولية العجز عن الإنتاج المعرفي ما دام أعرابي محمد عابد الجابري، البدوي الشاعر الخطيب يكمن في أعماقها. لكن هذين التطرفين يعكسان أيضًا أن العربية كانت وما زالت تواجه أزمة مصيرية متفاقمة. لذلك ظهر طرح آخر حاول أن يقدم حلاًّ ما، فذهب إلى الدعوة إلى تخليص اللغة العربية من أعبائها التقليدية وتسهيل قواعدها الكثيرة (لم يذكر أحد كيف سيتم ذلك)، وتفعيلها في متابعة التطورات العلمية والمعرفية عن طريق تعريب العلوم والمعارف الحديثة. لكن هذا الحل -رغم الجهود الكبيرة والمنجزات المتحققة- انتهى إلى التراجع والانكفاء كما يبدو، أمام عجزه عن متابعة التسونامي المعرفي ولاسيما في عصر الثورة المعلوماتية.

لنواجه الواقع: اللغة –أية لغة- لا توجد بمعزل عن متكلميها، وبالتالي قيمتها الحقيقية تأتي من قيمتها في اقتصاديات المعرفة. يحيلنا هذا إلى المبحث الرئيس في فلسفة اللغة المتمثل بعلاقة اللغة بالفكر التي درسها وأكد أهميتها الحاسمة بعض علماء اللغة مثل يوهان هيردر وفيلهلم فون همبولدت وإدوارد سابير وتوشيهيكو إيزوتسو وغيرهم، من أن اللغة تؤثر بعمق في رؤية متكلميها للعالم ومفهمته وبالتالي في تفكيرهم. لكنها من جهة أخرى، إيجابية، هذه العلاقة بين اللغة والفكر ذات أهمية حاسمة في الإبداع الفكري والمعرفي، لأن اللغة حسب مفهوم تشومسكي قدرة متأصلة تتيح للإنسان اداء ما لانهاية له من الجمل اللغوية للتعبير عن أفكاره. هذه الفكرة اهتم بها الظاهراتيون، بدءًا بإدموند هوسرل ثم مارتن هايدجر وجعلوها أساس تطوير اللغة والفكر والتعبير لكن بالمعنى الإبداعي: التعبير يعني الوعي باللغة وممكناتها، والإنسان يعبرّ عندما يجعل اللغة تقول ما لم تكن قالته سابقًا. (موريس ميرلوبونتي، تقريظ الفلسفة، 1983، ص 74- 75).

المشكلة إذن ليست في قواعد النحو العربي وشواذها، ولا في أعرابي الجابري الكامن فيها، ولا في قدسيتها المتوهمة، بل في وعي متكلميها وإرادة المعرفة لديهم. وإذا كانت أزمة اللغة العربية في القرن العشرين عبرت عن نفسها في المراهنة على قدرتها على استيعاب المستجدات المعرفية والتعبير عنها من عدمها، فقد فرض القرن الحادي والعشرين تحديًا جديدًا أكثر خطورة وجدية بكثير، هو قدرتها على المشاركة في إنتاج المعرفة في عصر الثورة المعلوماتية.

"لحاقًا أو انسحاقًا"، هذا هو النداء الذي أطلقه نبيل علي خبير المعلوماتية العربي قبل حوالي ثلاثين سنة، لينبه العرب إلى طبيعة الثورة المعلوماتية المقبلة التي ستكتسح المعرفة التقليدية وتدخل البشر إلى عصر جديد لا حدود لإمكاناته ولا رادّ لتحدياته وضغوطه التي سيفرضها على اللغات المحلية. يبدو أن الرجل مات كمدًا وهو يرى تبدد ندائه في مؤلفاته الأربعة عن العرب وعصر المعلومات بين عامي 1993- 2009، في عراء الإصرار العربي على العزلة والإحجام عن المشاركة الفاعلة في الثورة المعرفية العالمية مما شهدنا مظاهر عديدة له لاحقًا، مثل التراجع الحاد في مؤشرات التنمية المعرفية في العالم العربي على كل المستويات (التعليم الأساسي والعالي والبحث العلمي والنتاج الثقافي)، والأهم هو التأثير المعرفي العربي في العالم. ورغم أن نبيل علي حاول تشخيص مظاهر الأزمة المعرفية العربية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلا أنه أولى اللغة اهتمامًا خاصًا بوصفها المكون الأهم في نشوء الأزمة، وبداية الحل الجذري لها. لكن الظاهر أن الأزمة تتفاقم والحل ما زال بعيدًا.

دعمًا لنداء نبيل علي، شاركت في مؤتمر المنظمة العربية للعلوم والتكنولوجيا (دمشق، آذار، 2006) ببحث عنوانه (الطاقة المعرفية العظمى) بينت فيه أن أية محاولة لتوطين التكنولوجيا في العالم العربي وتفعيلها تبدأ وتنتهي باللغة العربية نفسها، وكانت إحدى توصيات البحث تأسيس المجمع العربي الإسلامي لبحوث اللغة وتكنلوجيا المعلومات، يكون من أولوياته إطلاق مشروع حوسبة اللغة العربية بوصفها قائدة لغات العالم الإسلامي. لكنه كان نداء آخر ضاع في واد التجاهل وعدم الوعي بالموجة الكاسحة التي بدأت تغرق كل شيء.

لنواجه الواقع مرة أخرى: تمثل شبكة المعلومات العالمية المظهر الأبرز للثورة المعلوماتية المعاصرة، وتتسابق الشعوب على احتلال أكبر مساحة ممكنة من هذا العالم الافتراضي عن طريق إنتاج المعرفة وتسويقها وبالتالي فرض الهيمنة اللغوية بوصفها أداة للتعبير عن هذا المحتوى. والحقيقة أن ما نشهده عبارة عن ساحة معركة كونية يستميت فيها الجميع من أجل الحفاظ على موطئ قدم على الأقل دائم وقابل للتطوير. قياس نسبة المحتوى العالمي على الإنترنت وتصنيفه لغويًّا وموضوعيًّا أمر يشغل منظمات وجهات عديدة في العالم منذ ما لا يقل عن خمسة عشر عامًا، ذلك لأن هذا المحتوى يعكس تحولاً هائلاً في نمط السلوك المعرفي الإنساني يقارن بالثورة الصناعية التي غيرت تاريخ البشر جذريًّا، وخلال هذه السنين لوحظ أن منتجي المعرفة في العالم المعاصر يتنافسون على مضاعفة نسبة حصتهم من محتوى الإبداعي.

أين العرب والعربية من ذلك؟

مع أن عدد العرب يزيد على 400 مليون حاليًّا، والمتكلمون بالعربية في العالم يزيدون هذا الرقم كثيرًا، فإن نسبة المحتوى العربي الرقمي على شبكة المعلومات العالمية (الإنترنت) يتراوح حول نسبة  3%،[1] وهذه النسبة على ضآلتها لا تعني أن المحتوى الرقمي العربي يعبر عن اهتمام العرب بالثقافة والبحث العلمي والترجمة والتحليلات النقدية والنصوص الأدبية التي عادة ما تشكل حوالي نصف ما ينتجه العالم المتقدم من المحتويات الرقمية، بل يعكس ظاهرة تسود الواقع العربي عمومًا وهي التبعية والتكرار، فنسبة 80% من هذا المحتوى هي عبارة عن (نسخ ولصق وإعادة نشر ومشاركة)، أي أن النسبة ستنخفض إلى 6. 0%. وإذا أضفنا إلى ذلك الكم الهائل من الصحافة الإلكترونية الصفراء والبروباغندا الإعلامية، والجدل حول قضايا سياسية واجتماعية طائفية عقيمة وتعليقات المجاملة والمتابعة على منصات تويتر وفيسبوك، فسينخفض المحتوى العربي الرقمي الجيد الأصيل إلى أقل من ذلك بكثير.

تكشف موسوعة ويكيبيديا (بوصفها الموقع الأبرز لوجود المحتوى الرقمي العربي الجيد نسبيًّا) عن نسبة مساهمة العرب في النتاج الفكري بلغتهم، حيث تضعنا المقارنة أما حقائق أقل ما يقال عنها أنها صادمة: في الويكيبيديا هناك (2,567,509) مقالة بالإنكليزية، مقابل (77,444) بالعربية، ومع ذلك هناك شعوب عددها أقل من العرب بكثير لكن لديها مقالات أكثر من المقالات العربية (تسلسل المقالات العربية 27 من 40 لغة، وتسبقها مثلاً الأوكرانية (127,309 مقالة) والهنغارية (106,219) والتشيكية (107,973 مقالة) والسلوفاكية (101,135) والفنلندية (179,520) وحتى الكتالانية التي هي مجرد لغة محلية إسبانية (133,214 مقالة).[2] وكل هذه الشعوب لا يبلغ تعدادها تعداد متكلمي العربية في بلد مثل العراق أو السعودية أو الجزائر مثلاً.

تتأصل هذه المشكلة الأساسية مرة أخرى، في علاقة اللغة بالفكر التي تكلم عنها عدد من اللسانيين المحدثين، وينبني على ذلك أن أية لغة تتقدم وتفرض نفسها بمقدار ما ينتجه متكلموها من منتجات فكرية نظرية وتطبيقية، وإذا أخذنا الإسهام في ويكيبيديا معيارًا، فهل يعقل أن ينتج متكلمو الكتالانية الذين لا يزيد عددهم عن أحد عشر مليونًا، مقالات علمية ضعف مما ينتجه العرب مجتمعين؟

هذه الإحصائيات تكشف عن أن العرب أنفسهم يفتقرون إلى إرادة المعرفة والمشاركة الفاعلة في تسويق لغتهم. ولا يرجع السبب في ذلك إلى رؤيتهم للعالم التي أسهمت لغتهم نفسها في مفهمته وبالتالي تأسيس علاقة متكلميها به، ولا إلى نحوها وفصاحتها وبلاغتها الرنانة، بل إلى معوقات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي ومحدداته التي تنعكس على سوق المعرفة العربي، وتحد من طلب العرب على المعرفة، والامثلة على ذلك كثيرة، منها تردي التعليم الأساسي والجامعي وتحول الأساتذة والباحثين إلى مجرد موظفين قتل الروتين فيهم أية رغبة في التفكير والإبداع، والتراجع المستمر للإنفاق الحكومي العربي على البحث العلمي، والعجز عن استثمار كفاءات خريجي الجامعات وإلقائهم إلى هوة البطالة، والإهمال المتعمد للخطط التنموية الراهنية والمستقبلية، فضلاً عن العجز عن حوسبة اللغة العربية وتوظيفها في سوق المعرفة الرقمية بكفاءة.

هناك عامل آخر يسهم بقوة في تفاقم أزمة العربي في عالم اليوم، فمع ما فرضته العولمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعلوماتية من انفتاح اكتسح الحدود التقليدية، كان رد الفعل العربي يميل إلى العزلة أكثر فأكثر، بذريعة الخوف على الثوابت الدينية والقيم والأخلاقيات المثالية التي يتصور أنه يمتلكها، ولكن النزوع إلى التبرير أفرز نفورًا –على الأقل في الخطاب المعلن- من كل ما يحدث في العالم وتفسيره على أنه محاولة من العالم كله لتهديم آخر المعاقل التي يتحصن بها وهو اللغة العربية نفسها. وفي هذا السياق تأتي التوجهات المحزنة للمنادين بـ "حماية اللغة العربية" بذريعة الخوف عليها من الضياع. هذا الشعور المركّب بالاضطهاد المفضي إلى مزيد من العزلة جعل الواقع العربي يبدو زقاقًا موحشًا في القرية العالمية التي أنشأها عصر المعلومات.

فلو أخذنا واقع الترجمة باعتبارها قناة التفاعل بين الثقافات المتنوعة في العالم وسوقًا لتبادل الإنتاج المعرفي، لوجدنا فقرًا مدقعًا في الإنجاز الترجمي العربي. فعدد ما ينشر من الكتب والمقالات المترجمة في العالم العربي سنويًّا يساوي ما تترجمه ليتوانيا التي يبلغ عدد سكانها أربعة ملايين نسمة. ومجموع ما ترجم إلى العربية من عصر المأمون إلى الآن تقديرًا، يساوي ما تترجمه إسبانيا في سنة واحدة. ومعدل الكتب المترجمة 4 فقط لكل مليون عربي، بينما يصل المعدل إلى مئة ضعف هذا في إسرائيل، وما يقرب من أربعمئة وخمسين كتابًا لكل مليون نسمة في هنغاريا مثلاً. ناهيك عن اليابان التي تترجم إلى لغتها ما يزيد على ثلاثين مليون صفحة كل سنة (تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003، ص. 67). بينما يعتمد سوق الترجمة العربي إما على مؤسسات الوجاهة لدى الدول العربية المترفة، أو محاولات فردية لمترجمين تبتزهم دور النشر ولا تدعمهم إلا بالفتات. بينما بعض النقاط المضيئة في هذا الزقاق الموحش (مثل دار المأمون في العراق والمنظمة العربية للترجمة في لبنان) أغلقت أبوابها وانطفأت بعد أن قطعت شوطًا معرفيًّا متقدمًا، إما للتغيرات السياسية العنيفة أو شحة التمويل.

هذه المقارنة تعكس فرقًا جوهريًّا بين الشعوب الحية التي تتعامل مع عصر المعلومات بواقعية وتحاول أن تنافس في سوقه دون خوف على ثوابت أو مثاليات، وبين شعوب أخرى ترفض الاستجابة للواقع الذي أظهر نمطًا جديدًا من الإمبراطوريات والدول هي الإمبراطوريات والدول اللغوية المسلحة بعتاد معرفي متطور كل يوم، وينفتح في الوقت نفسه على ما يستجد لحظة بلحظة.

والحل؟

كثيرة هي المؤتمرات الخاصة باللغة العربية التي تنعقد هنا وهناك وتطرح أوجهًا متنوعة لأزمتها ثم تخرج بتوصيات وحلول نظرية سطحية لا تنفذ إلى جوهر المشكلات والمعوقات والمحددات، والأهم أنها لا تملك سلطة اتخاذ القرار ولا تنفيذه. فتتحول إلى حفلات علاقات عامة باذخة غايتها الترويج الإعلامي لا غير. والمؤسي في الأمر كله أن الأكاديميين العرب من ذوي الأسماء الكبيرة والصغيرة يتسابقون للمشاركة في حفلات الزيف المترفة هذه لعلهم يحظون بشيء من فتات سلطات سياسية وثقافية ليست معنية بالأزمات الطاحنة ومنها أزمة اللغة، التي تسحق العربي المعاصر، بل هي السبب الأول لها.

لا أزعم – ولا يستطيع غيري أن يزعم- أنني أستطيع تقديم حل من أي نوع لما تعانيه لغتنا بسببنا نحن، وبسبب قصورنا عن فهم دورنا في العالم المعلوماتي وفقر بضاعتنا في سوق المعرفة، فعلى امتداد الثلاثين سنة الماضية، كان أكثر من فرصة متاحة لنا لفعل شيء ما، لكن الآن هناك شك كبير في أن تطرق فرصة أخرى أبوابنا المغلقة. لنتذكر فقط أن القضية التي نطمح إليها ليست قضية تسهيل النحو، ولا حل مشاكل الإملاء العربي المعقدة مثل كتابة الهمزة، ولا قل ولا تقل، ولا الخلاص من ركام الطنطنة البلاغية علمًا وتعبيرًا، فليس لأحد في ذاته مهما كانت سلطته أن يصدر قرارًا بذلك ليطبق على الفور، وإنما القضية هي إن كان لدينا نحن العرب الشجاعة لتغيير النظرة إلى لغتنا، من كونها مقدسة ذات علوم (نضجت واحترقت) إلى كونها مجرد أداة للتعبير عن الفكر وتنميته وتحفيزه على الإبداع والتفكير فيما لم يفكر فيه بعد، مهما كان ذلك غريبًا أو صادمًا أو مخلخلاً للثوابت المعتادة الراسخة. ومرة أخرى؛ اللغة العربية مثل غيرها من اللغات، ليست كيانًا مجردًا قائمًا بذاته، بل هي وسيلة إنتاج، وهي لذلك تتطور وتؤثر وتنتشر نتيجة عوامل ذاتية وموضوعية أهمها فعل التفكير الذي يوظفها للتعبير عن منجزات المعرفة. بكلمة أخرى إن قيمة أية لغة تأتي من قدرتها على إنتاج المعرفة في عالم يتسابق إلى فرض الهيمنة اللغوية مصاحبةً للهيمنة المعرفية. وفي هذا السياق لا يبدو أن متكلمي اللغة العربية يعون حقًّا ما الذي يجري في العالم اليوم. ولعل هذه المقالة ربما تساعد قليلاً في الكشف عن شيء يقود إلى إدراك الأزمة والوعي بها بشكل واقعي بعيدًا عن التطرف في المثالية أو التعجيز أو العزلة.

يضاف إلى ذلك عاملان جوهريان سيكونان كفيلين بإعادة الحياة إلى لغتنا:

الأول: هو أن نكف عن خوفنا المزمن من الفلسفة وكرهنا لها، والسعي إلى تشكيل رؤية فلسفية عربية تتعمق في دراسة علاقة اللغة بالوعي الذي ينتجها وبالواقع الذي تؤثر فيه؛ فكل المنجزات في ميدان علم اللغة مثلاً تستند إلى أساس صلب من التفكير الفلسفي والعتاد المصطلحي الذي يحدد المفاهيم الأساسية ويجددها، ودون ذلك يصبح أي كلام في اللغة هشيم تذروه رياح الواقع العنيف.

العامل الثاني: هو المنهج؛ ان على العرب التفكير في إنجاز مشروع التحليل المنهجي الشامل للعلاقة بين منظومة اللغة ومنظومة المجتمع ومنظومة الثقافة. المنهج هو المصباح الذي سيضيء الجوانب المعتمة من أنفسنا وواقعنا ودورنا في عالم المعلوماتية ويكشفها لنا لكي نفهمها ونفهم فقرها وفقر رصيدنا من التفكير المنهجي المنظم وفقر رؤيتنا الفلسفية، وبالتالي ضعف إرادة المعرفة العربية. هذا الذي سيطور لغتنا حقًّا ويغنيها ويعيدها إلى الحياة. وقديمًا قيل: الفقر لا يصنع الثورة؛ الوعي بالفقر هو الذي يصنع الثورة.

 

د. هلال محمد الجهاد

أستاذ الأدب العربي في جامعة الحمدانية في العراق

....................................

* المقالة الأولى للدكتور عبد الجبار الرفاعي منشورة في جريدة الصباح في الخميس بتاريخ 12 تشرين الثاني، 2020 ، والمقالة الثانية حول الموضوع منشورة في جريدة الصباح في الخميس بتاريخ 19 تشرين ثاني 2020.  [1]

[1] https://mawdoo3.com/arcontent/

[2] https://en.wikipedia.org/wiki/Wikipedia:Multilingual_statistics هذه الإحصائيات مأخوذة من موقع ويكيييديا نفسه وفيه تفاصيل:

 

 

علي محمد اليوسفوجهة نظر: نتيجة متابعاتي المحدودة حول فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات في بحوث ودراسات تخص المنحى الذي ذكرته البعيد جدا تصنيفه انه فلسفة مركزية محورية في فهمنا قضايا الانسان والعالم من حولنا في تاكيد هذه المركزية اللغوية الافتعالية الخالية من اي شكل من التفلسف الهادف او المعرفي.

نستطيع الجزم من دون تحفظ استثنائي لا معنى له، ان فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات ادخلت اللغة كعلم له كامل الاستقلالية والتعالق العضوي بالفلسفة في نوع من الاستشكال الفلسفي هو (تفلسف في نحو وقواعد اللغة) يقوم على تقطيع العبارة او الكلمة وتحميلها دلالات من النحوية والقواعد البلاغية الفارغة من المعنى المضموني كمعرفة فلسفية، بل كانت توظيفات لغوية ادخلت فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات المتعالقة بها في عنق زجاجة لا يمكن خلاص الخروج  منها اساءت الى اللغة بما هي لغة اكثر من اساءتها للفلسفة بما هي فلسفة.

عالمنا اليوم تتقاذفه الامواج العاتية السياسية الاقتصادية المضطربة، وتفشي الفقر والاوبئة وشتى انواع الاستلاب الانساني، وتلاعب حفنة من الدول في مصائر أمم وشعوب مقهورة لا تمتلك أدنى أمكانية في خلاصها، لتأتي فلسفة اللغة بتطرفها الشاذ في صرف انظار بعض الفلاسفة والمفكرين عن معالجة هموم الانسان المسحوق عالميا، في الغوص والاهتمام المبالغ فيه حد التخمة على أن مركزية حل مشكلة المعنى باللغة هو مفتاح الحل والتصحيح لكل من مشاكل تاريخ الفلسفة، وحل مشكلة الانسان المصيرية كموجود أصبح لا يقوى على فهم ابسط الاشياء التي يجري تسويقها من حوله وهو صاغر مطيع مسلوب الارادة في تقرير مصيره.

أعتقد حان الوقت اليوم الخروج من مركزية هيمنة فلسفة اللغة وتوابعها المنبثقة عنها المتجذرة فيها مثل نظرية المعنى والتحول اللغوي، بعد أولوية الخروج من التبعية المركزية السياسية الاقتصادية التي تحكم العالم، فالتفلسف النحوي اللغوي القائم على اشكال من التجزيء لمفردات ومرموزات ومعادلات تمسخ معنى اللغة وتدّمرها قبل اساءتها الاكبر في تدمير مستقبل الفلسفة. توضيح فهم المعنى اللغوي لا يمكن أن يكون بهذه الاشكالية الغريبة التي أدخلت مباحث الفلسفة في متاهة من الضياع التي ركنت الاهتمام جانبا قضايا فلسفية لها ارتباط وثيق بهموم ومصير الانسان.

بمجمل الاختصار في خلاصة التعبير أن المنحى الفلسفي اللغوي المتطرف الذي تسلكه تيارات فلسفة اللغة وعلوم اللسانيات قضى على آخر أمل يرتجيه الانسان أن تكون الفلسفة أحدى وسائل تامين مستقبله امام تجذير فلسفة اللغة بعمى التجريد النحوي فيها حد الامتعاض. التحول اللغوي وفلسفة اللغة والتيارات المتعايشة عليها ومعها لم ولن يخدم تاريخ مستقبل الفلسفة، بل العكس وضع مباحث الاهتمام الفلسفي على سكة طريق لا يؤمن للفلسفة تحقيق ابسط اهدافها بمقدار أن تلك المباحث وضعت الفلسفة في متاهة من الضياع والتيه الذي لا يضع أمامه أهدافا واضحة تخدم الحياة والانسان.

بيركلي والادراك

لعل المثالية الابتذالية التي دافع عنها بيركلي أفضل تعبير في أسوأ تناقض هو قوله (يمكننا تحديد المقصود بالوجود دون اللجوء الى ادراكات لغوية، فوجود الشيء هو وجود ادراكه)1، هل الوجود الادراكي يقوم على تفكير خيالي بوجود شيء غير موجود واقعيا؟، ثم أن الادراك يقوم على الاحساسات وتعبيرات اللغة سواء صامتة أو مسموعة مقروءة. والادراك لا ينوب عن وجود المادة في حال ادراكها بل هو يعبّر تجريديا لغويا أستبطانيا أو أفصاحيا عن ذلك الوجود.

أما الادراك في مواضيع تبتدعها المخيلة من معين الذاكرة مستودع المعلومات تبقى مواضيع خيالية استبطانية لا يقدر العقل التعبير عنها لغويا تجريديا، ثم أن الخيال لا يصنع مواضيع لها وجود واقعي لم يكن قائما انطولوجيا قبل الادراك التخييلي له كموضوع.

وتعقيبنا على هذه المثالية الفجّة أكثر مما ذكرناه نجده في:

- الوجود سابق على أدراكه، وأسبقية الوجود هي التي تعطي الحواس الادراك به. ولا يحل الادراك البعدي محل الوجود القبلي، من حيث الوجود يدرك بموجوداته التي هي مادة يدركها الحس، بينما الادراك المجرد عن موجودية المادية السابقة عليه هو وهم فكري تجريدي لوجود غير موجود أو غير متحقق ادراكه حسيّا.

- لا يمكن تأكيد أدراك موجود خارج تعالقية اللغة به في تصوره والتعبير عنه. ادراك شيء بالفكر لا يجعل منه مدركا ماديا بالحس. وقابلية العقل على ادراك الموجودات الشيئية حسّيا لا يقوم بغير تمثّل صوري لغوي تجريدي لتلك الاشياء.

- ادراك الوجود ادراك عقلي داخلي مادي منظم وليس ادراك الوجود خارج العقل بمنظومته البيولوجية، لذا يكون الوجود هو مصدر أدراك العقل للاشياء، ولا يكون الادراك الوهمي لموضوع خيالي يجعله مصدر تحقق موجود مادي. ادراك الشيء بالفكر يختلف عنه ادراك الحواس له وكلا الادراكين المادي والخيالي هما تجريد لغوي يفهمه العقل في تعبيره عنهما. ولا يمتلك الادراك التعبير عن نفسه الا بوسيلة تجريد اللغة فقط التي ينكرها بيركلي، كذلك الاهم لا يمكن تفكير العقل المجرد بوسيلة اللغة يجعل الافكار تخلق موجوداتها المادية بالواقع .

- لعل طرافة وبساطة مقولة بارمنيدس البديهية تعبيره " الوجود موجود، وعدم الوجود غير موجود" بمعنى أنت لا يمكنك ادراك شيء أنت تخلق وجوده المادي بخيالك الفكري كي تدركه بغير دلالة تعبيرية عنه ولا بدلالة حسّية له.. فالمدرك موجود واقعيا، وغير الموجود لا يمكن ادراكه.

- أبتداع مخيلة العقل لموضوع لا ينتج عنه وجودا ماديا انطولوجيا، المخّيلة تفكير تجريدي محض في حال تعبيره عن موضوع لم يكن له وجودا انطولوجيا. والتجريد الادراكي لا ينتج عنه ادراك انطولوجي لشيء.

- ادراك الشيء بغياب وجوده المادي لا يجعل الادراك له معنى ينوب في غياب الموجود، واستحالة تحقق ادراك من غير موضوع او شيء مادي موجود يسبق وجوده ادراكه والتفكير به ما عدا مواضيع المخيلة خياليا...

الانطولوجيا واللغة

يعتبر أفلاطون الموجودات (الوقائع المعينة هي أفكار، أي هي كيانات مختلفة تماما عن كيانات العالم المحسوس)2، لو نحن أخذنا المقصود المباشر لتفسير العبارة نجدها هي تفريق بين الشيء المادي كموضوع للعقل وتعبير اللغة عنه، وبين الموضوع الذي مصدره مخّيلة الانسان والذاكرة الخيالي - المفاهيمي وتعبير اللغة عنه مثل مواضيع الاخلاق والقيم والعواطف والنفس وضروب الابداع الادبي والفني وغيرها.

فهذه مواضيع مستمدة من تمازج الخيال مع المعرفة المفهومية المجردة. كون المفاهيم ليست مواضيع ادراكية لا يستطيع العقل التعبير عنها والاحاطة بها الا بوسيلة التجريد الخيالي لغويا خارج الادراك المادي، المفاهيم مباحث مطلقة التجريد غير محدودة لذا لا يمكن معرفتها بغير دلالة موجوداتها المتعالقة بها. فمثلا مفهوم الوجود المطلق ميتافيزيقيا لا يمكن ادراكه الا ضمن علاقة موجوداته التي يحتويها داخله. وبدون محتوى الوجود تبقى اللفظة خالية من معنى الدلالة لا قيمة معرفية لها. مثال آخر مفهوم الزمان فهو مفهوم مطلق لا يدرك معرفيا الا بدلالة غيره من موجودات يحتويها في ادراك مقدار حركتها فيه. ومثال ثالث الطبيعة لا يمكن ادراكها الا بدلالة موجوداتها التكوينية التي تحتويها.. المفهوم كمطلق ميتافيزيقي تجريدي هو ليس موجودا ماديا يمكن ادراكه بالحواس عقليا وهو يختلف عن الادراك التجريدي ايضا لمواضيع واشياء حسّية موجودة واقعيا يمكن ادراكها.

أن الموضوع الخيالي أو الموضوع المفاهيمي لا يمتلكان كيانا موجوديا ماديا في الواقع، بل هما فكر تجريدي في الذهن لا يعبر عن موجود مادي بعينه موجودا واقعيا انطولوجيا. وما سبق لنا مناقشته في عبارة بيركلي ينسحب على مثالية أفلاطون ايضا ونجد بذلك انتهينا منه. لكن السؤال الباقي معلقا بماذا يختلف ما هو موجود مادي في تعبير اللغة عنه؟ عما هو غير موجود ولا مادي بالنسبة للفكر واللغة؟

الموجود المادي هو لغة قائمة انطولوجيا في تعبيرها عن مدلولها الواقعي المادي في حال الادراك الحسّي للموجود. وعندما نقول الموجود المادي هو لغة فهو تعبير صحيح تماما كون ادراك العقل لكل محسوس هو لغة تصورية تجريدية، لكن هذا التعبير لا يخلو من تناقض ازدواجي في معناه. فادراك الشيء حسّيا هو ادراكه لغويا لا خطأ فيه يدينه ويسمح مناقشته، وعندما نقول حسب تعبير افلاطون الوقائع المعنية هي أفكار لغوية  صحيح ايضا فأين الخطا أذن،؟

مسألة بديهية أن كل مدرك حسّي عقلي أو مدرك كموضوع خيالي هما ادراك بوسيلة الفكر واللغة المجردين ولا فرق بين وسيلة التعبير عن الادراكين. فألادراك الحسّي هو تجريد لغوي،كما أن ادراك موضوع مصدره المخيّلة يكون تجريدا لغويا أيضا. لذا يكون الادراك في كل الاحوال وفي أختلاف وتنوع مواضيعه الادراكية هو ادراك تجريدي لغويا.... ولا يمتلك الادراك الحسّي العقلي في التعبير عن مواضيع وموجودات ادراكه سوى تفكير العقل تجريدا لغويا.

فرق الادراك بين الحسّي والمتخيّل

لم نقل لا فرق بين الموضوعين المدركين أحدهما الموضوع المادي الحسّي والآخر موضوع المتخيل الذهني الذي لا وجود له على ارض الواقع. بمعنى الاول يمتلك وجوده الانطولوجي وتعبير الفكر واللغة عنه، وهذا ما لا يتوفر عليه الثاني موضوع المخيلة الخيالي الذي يمتلك ايضا لغة التعبير عنه تجريديا لكنه لا يمتلك وجوده الانطولوجي الواقعي بل هو من صنع مخيّلة الانسان.

اللغة في تعبيرها عن موجود متعيّن انطولوجيا هو دلالة قطعية على وجود موجود مادي سابق في وجوده المادي على لغة التعبيرعنه. وعلاقة الموجود المادية مع التعبير اللغوي عنه متطابقان تماما في عملية الادراك.

أما وجه التحفظ المثالي في ملابسة هذا الطرح هو الذي يقوم على أن الموجود هو لغة مستقلة بالذهن في تعبيرها عن موجود غير موجود ماديا ويريد الفكر واللغة خلقه واقعا ماديا وهو استحالة لا يمكن تحقيقها مطلقا.

بمعنى تعبير الفكر واللغة التجريديين عن موضوع لامادي وغير موجود واقعيا يبقى موضوعا تصنيعيا من أبتداع المخيلة وعمل الذاكرة ولا يمكن معاملة ذلك الموضوع وجودا ماديا. الفكر واللغة لا يخلقان اشياء مادية واقعية. وفي كل الاحوال يبقى تعبير اللغة عن الاشياء المادية والمتخيلة هو تفكير لغوي تجريدي.

فلسفة الوجود قبل سقراط

ينسب الى أحد تلامذة جورجياس انتستين قوله " انا لا يمكنني أن أحدد ماهية الشيء، وأنما يمكنني فقط أن أحدد بعض الخصائص التي يملكها هذا الشيء، وهناك ما هو اسوأ من ذلك فأنا لا يمكنني القول عن شيء محدد ما ليس هو عليه ولا حتى أن اقول غير موجود." 3

ما اشار له انتستين قوله لا يمكنني أن أحدد ماهية الشيء أنما كان بذر البذرة الاولى في تاريخ الفلسفة حول قضية الماهية أو الجوهر بشكل دقيق لم يسبقه غيره به، التي أصبحت قضية فلسفية محورية اكدها كانط وهيجل ومن بعدهما الفلسفتين الماركسية والوجودية بخاصة في الفينامينالوجيا عند هوسرل، وكنت تناولتها في اكثر من مقال أن ماهية الشيء هي ليست صفاته الخارجية، ومجموع الصفات في الاشياء المدركة من غير الانسان تكون معرفة كافية للماهية أو الجوهر تعويضيا عن عدم معرفة ماهياتها كجوهر متمايز عن الصفات. لكن هذا لا ينطبق على الانسان الذي يمتلك ماهية هي غير صفاته التي يشاركه بها غيره من البشر. الماهية عند الانسان هي تحقق الذات، هي الضمير الذي يقود سلوك الانسان، هي الجوهر الذي يمتاز به الانسان عن غيره من نوعه وعن غيرة من الكائنات في الطبيعة. والماهية هي تصنيع الانسان لذاتيته الموجودية المتمايزة.

فلاسفة الماركسية أدانوا مقولة الاشياء تمتلك ماهيات أو جواهر هي غير صفاتها الخارجية المعلنة المعروفة. ولا هناك حاجة للبحث عن ماهية الشيء بعد معرفتنا صفاته الخارجية. وبقيت مسألة هل تمتلك الموجودات في الطبيعة ماهية أو جوهرا خاصة بها كنوع أم لا تمتلك بقيت بدون حل. وفلاسفة الوجودية كانوا مؤيدين للمنهج الماركسي حول هذه القضية باستثناء سارتر حيث كان له رأيا منفردا عن بقية فلاسفة الوجودية في النقاط التالية:

- الانسان فقط هو من يمتلك ماهية أو جوهرا من بين جميع كائنات الطبيعة الحية وغير الحية منها.. التي لا تمتلك جوهرا مثل الانسان.ماهية الحيوان والكائنات الحية الاخرى صفاتها الخارجية تكفي لمعرفة ماهيتها. لذا الحيوانات لا تمتلك ذاتية تعي نفسها وفقدان الوعي بالذات لا يترتب عليه امتلاك ماهية أو جوهر هو غير الصفات الخارجية يقوم الحيوان تصنيع ماهيته كما يفعل الانسان تصنيع جوهره ذاتيا والسبب أن الانسان يمتلك الوعي الذكي في ادراك ذاته وادراك كل موجودات الطبيعة من حوله..

- ليس مؤكدا وجود الجوهر من عدم وجوده في جميع الكائنات بالطبيعة ما عدا الانسان فهو يمتلك ماهية متفردة في غنى عن تجربة التأكد منها.أشار سارتر أيضا الى أن الانسان هو الوحيد من الكائنات في الطبيعة يمتلك جوهرا أو ماهية كونه الوحيد الذي يدرك ذاته ويعي وجوده الفردي ووجود العالم الخارجي والطبيعة من حوله. وماهية الانسان ليست مجموع صفاته الخارجية التي يتساوى فيها مع غيره من الناس. كما أن ماهية الانسان أو جوهره هي عملية تصنيع ذاتي فردي، وهي بنية متطورة يقوم الانسان ببنائها في داخله بعد أحساسه التام بوجوده القبلي الذي يسبق ماهيته أو جوهره. فالماهية بنية يحتويها الوجود المادي للانسان هي صيرورة دائمية من تراكم الخبرة الشخصية المكتسبة من الحياة. وهي تابعة لوجود الانسان القبلي عليها.

دلالة الوجود

التاكيد الارسطي الذي يعتمده العديد من الباحثين في علوم اللسانيات أحداها" الوجود- حسب ارسطو – ليس فقط أن نقول ما هو موجود، وأنما أن نقول من أي نوع من الوجود، فكل عنصر من المقولات العشر – المقصود مقولات ارسطو – هي نوع من الوجود." 4

نفهم الوجود هو مفهوم مطلق يتعين موضوعيا بدلالة موجوداته الداخلية ونوعها وخصائصها ومميزاتها. لذا يوجد تفريق مهم ذهب له باسهاب كبير مارتن هيدجر في كتابه الكينونة والزمان تفريقه الملتبس بين الوجود والموجود. بين الوجود كمفهوم لا يمتلك تعيّنا انطولوجيا وبين الموجود الذي هو شيء متعيّن وجوده الانطولوجي كونه أحد مكونات الوجود.

اختلاف الوجود كمفهوم فيزيائي يختلف نوعيا بدلالة اختلاف موجوداته، لذا لا يمكن تصنيف الوجود كمفهوم الى نوعيات من الوجود. الوجود كمفهوم كلي شمولي لا يقبل القسمة ولا يقبل التقطيع نوعيا بغير دلالة موجوداته التي هي متعينات موجودية داخل الوجود يمكن ادراكها ويمكن تصنيفها نوعيا كما نشاء.

عليه يكون أختلاف الوجود هو في حقيقته أختلاف محتوياته الموجودية داخله، لذا تكون نوعية الوجود تقوم على نوعية موجوداته ولا يتقبل الوجود التوصيف النوعي بغير دلالة تصنيف نوعية محتوياته من الموجودات داخله. ولا يمكننا معرفة نوع الوجود وادراكه الا بدلالة محتوياته. والوجود كمفهوم ميتافيزيقي كما هو مفهوم الزمان حتى وأن جرى تمييزه نوعيا بغير دلالة موجوداته فهو يبقى بلا معنى ولا أهمية له. بمختصر العبارة يعرف الوجود بدلالة موجوداته، لكن هذه الموجودات لا تعرف بدلالة الوجود الذي يحتويها.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

.........................

الهوامش:

1- سيليفان اورو، جاك ديشان، جمال كوغلي، ت: بسام بركة ص209

2- نفسه ص 213

3- نفسه ص 210

4- نفسه ص 224

 

 

حاتم حميد محسنمقارنة إفلاطون مع اوغستين

من المألوف ان نجد في المراحل الاولى من التعليم، يبدأ الأطفال عادة استجواب آبائهم وذويهم الكبار بالسؤال "لماذا؟"، وعادة يكون مثيرا للقلق لو ان الطفل لا يبدي نوعا من الفضول في حياته المبكرة. هذا الفضول الطبيعي او البحث عن المعرفة ينبثق اساسا من الطبيعة العقلانية للانسان – كبرياء وفرح الانسانية – اللذان يميزانه عن الحيوانات. عبارة ارسطو "كل الناس يرغبون بالمعرفة" (ارسطو، الميتافيزيقا 1.980a) اصبحت حجر الزاوية في توضيح الطبيعة الانسانية. الايبستيمولوجي يركز على جوهر هذه الرغبة من خلال اهتمامه بطبيعة ونطاق المعرفة. ان البحث الايبستيمولوجي بدأ منذ بداية الزمن من خلال الثقافة. وهو نفس السؤال الذي يثيره الأطفال: لماذا؟ لماذا نأخذ البحث الابستيمولوجي بهذه الدرجة من الاهتمام؟

هناك شيء ما يحفز البحث الابستيمولوجي على مر الأزمان والثقافات، شيء يقود رغباتنا عالميا لإمتلاك المعرفة. نعم، كل الناس يرغبون بالمعرفة، يتبع ذلك ان من واجبنا الاساسي هو ان ننمو في المعرفة ومن ثم نتعلم الحقيقة. نحن مسؤولون عن تربية ذكائنا العقلي الذي يميزنا عن البهائم. هذا المبدأ الاساسي لمسؤوليتنا الفكرية هو الذي يحفز البحث الابستيمولوجي ويوحّده على مر التاريخ.

المسؤولية الفكرية هذه تغيرت عبر مختلف الازمان والثقافات. بالنسبة للعديد من الفلاسفة القدماء مثل افلاطون ، ترتبط هذه المسؤولية بحياة ارضية جيدة وكذلك تعني حياة جيدة لما بعد الموت. بالنسبة للعديد من الفلاسفة المسيحيين في القرون الوسطى وعصر النهضة، مثل توما الاكويني و القس اورلينوس اوغستين وغيرهم، اُعتبرت المعرفة – وبطرق مختلفة – هي الوسيلة الى الله. اثناء عصر التنوير كان للتعليم والفلسفة أهمية سياسية معينة.

وفي العصور الحديثة، قامت غالبية دول العالم الأول بتأسيس نظام تعليم ابتدائي إلزامي لكي تخلق مجتمعا جيدا. مرة اخرى، في مختلف الأديان اُعتبرت المعرفة شيئا ثمينا جدا، في المسيحية، كان التوازن بين الايمان والعقل هاما جدا، وفي الاسلام، تؤثر كمية ونوع المعرفة المتحصلة في هذه الحياة على مكان المرء في الحياة الاخرى. وبصرف النظر عن الحافز المعين لهذه المسؤولية، فان الحافز الدائم وراء البحث الابستيمولوجي هو المسؤولية عن شيء ما كأن يكون أمل او إيمان او سعادة او تحسين الجماعة وغيرها. هذه الورقة تستكشف الدوافع وراء ابستيمولوجيا كل من افلاطون واوغستين.

المسؤولية في ابستيمولوجيا افلاطون

ان البحث الابستيمولوجي للمعرفة والحقيقة له أهمية كبيرة في حوارات افلاطون، حيث يخصص وقتا طويلا في نقاش طبيعة ونطاق المعرفة. (مينو) هو حوار اساسي لفهم الرؤية الابستيمولوجية لإفلاطون حول طبيعة المعرفة بينما اساطيره ومقارناته يمكن استخدامها لفهم أفضل لرؤيته حول شكل ونطاق المعرفة. في (مينو)، يقول سقراط ان من الضروري للناس على الأقل الايمان انهم يستطيعون معرفة الحقيقة لكي يعيشوا حياة جيدة: "انا سوف اكافح مهما كلف الثمن بالقول والفعل بمقدار ما استطيع واننا سنكون افضل الناس واكثر شجاعة واقل كسلا، لو اعتقدنا انه يجب على المرء البحث عن الاشياء التي لا يعرفها"(86b-c).

في حوار (مينو)، بينما سقراط ومينو يناقشان طبيعة المعرفة، يقوم مينو دون قصد بمناقشة ما يسميه سقراط "حجة المناظر" debater’s argument، (80e)(1) وهي، مفارقة تستجوب الكيفية التي نصل بها لمعرفة الاشياء. الحجة تضع العارف في مأزق لا يستطيع الخروج منه: "هو لا يستطيع البحث عما يعرف – طالما هو يعرفه، لا حاجة هناك للبحث ولا يستطيع البحث عما لا يعرف، لأنه لا يعرف ما يبحث عنه"(80e ). هذا الجدال يبدو يدفع البحث الابستيمولوجي نحو الشك والذي هو امر خطير لو اعتقدنا بضرورة البحث الابستيمولوجي. سقراط مع ذلك يقول ان "حجة المناظر" ليست سليمة (81a). حلّه للمأزق هو في اقتراح نظرية التذكر recollection theory. هذه النظرية ترى انه خلال عملية التناسخ، تكون لدى ارواحنا سلفا معرفة من حياتنا الماضية التي "نسيناها" عندما تكررت ولادتنا في أجسام جديدة. التذكر هو ببساطة تذكّر الحقائق المعروفة سلفا والتي لا تتميز مباشرة. المسؤولية الابستيمولوجية لإفلاطون لها هدف في حياة ارضية مثمرة ولكن بالنهاية ستصبح منقادة بالأمل في حياة اخروية جيدة او الأمل بمكافأة أبدية في حياة اخرى. اسطورة افلاطون في (Er) تلقي الضوء على نظرية سقراط في التذكر والتناسخ وتأثيرها على البحث الابستيمولوجي. في الاسطورة ينتقل الجندي (Er) الى ما بعد الحياة بعد موته في احد المعارك لكنه عاد الى حياته الحالية مرة اخرى كجندي. هو يقص لرفاقه انه بعد موته في المعركة، استيقظ ليجد نفسه في وادي عظيم مملوء بالارواح القادمة اما من الجنة او من النار. هذه الارواح أمضت آلاف السنين اما في مكافأة او في عقوبة على حياتها الماضية. الارواح القادمة من الجنة تتدفق من فجوة عملاقة في السماء وهي تأخذ طريقها بهدوء نحو الوادي. في مدخل الجحيم (فجوة عظيمة في الارض) هناك حرّاس. الارواح القادمة من الجحيم كانت اكثر قلقا وعادة لا يسمح الحراس لأرواح معينة للدخول. هذه الارواح كانت من أسوأ الانواع في حياتها الماضية: مجرمون، طغاة، سراق وما شابه. كل الارواح التي سُمح لها بالدخول تلتقي هناك، تتحدث مع بعضها، يتبادلون تجاربهم في الحياة بعد الموت.

وبعد عدة ايام، كان على الأرواح ان تسافر بعيدا جدا حتى تصل الى مغزل الربة ضرورة spindle of necessity (2) حيث تجلس السيدة ضرورة وبناتها الثلاث. كل الارواح ما عدى روح (اير) ، الذي عليه ان يستمر في حياته السابقة، مُنحوا حظا من قبل الضرورة، بموجبه تتقدم كل روح الى الامام وتختار حياتها القادمة. يحكي (Er) ان اول ما تختاره الروح جعلها تعيش حياتها السابقة بفضيلة"بالإعتياد وبدون فلسفة".(619d). هذه الروح تختار دون عناية، تختار حياة الطاغية السلطوية دون اعتبار للمصير المفزع الذي سيكون فيه في تلك الحياة. الارواح تأتي وتذهب، البعض يتأملون قراراتهم اكثر من الآخرين. الروح الاخيرة في عمل القرار كانت اوديسوس Odysseus. يقول (Er) ان اوديسوس تجول باحثا عن حياة خاصة جدا:حياة "فرد خاص انجز عمله الخاص"(10.620). حالما اختارت جميع الارواح حياتها، فان مصيرها تقرر من قبل الضرورة. الارواح جاءت الى مكان قاحل وجاف وحار سمي وادي النسيان، ثم تابعت مسيرها الى نهر اللامبالاة، حيث كل روح – عدى Er- شربت من النهر، فنسيت كل شيء وذهبت للنوم.

في منتصف الليل نُقلت الأرواح النائمة بعيدا "كشهب النجوم"(10.621b) لمولد حياتها الجديدة. عندما استيقظ Er ، وجد نفسه على الرصيف بتذكّر كامل لكل شيء رآه. ان اسطورة Er جرى تفسيرها بطرق عديدة جدا لكي يمكن الحصول على رؤية عن مختلف مظاهر الفلسفة الافلاطونية ولكي تعمل كمثال فعال لأهمية المعرفة. وبقدر ما يتعلق الامر بالمسؤولية الابستمية، فان أهمية هذه الاسطورة تكمن ضمن الخيارات التي قامت بها الارواح التي ستتقمص من جديد. وعلى الرغم من ان كل روح تختار حياتها القادمة، لكنها اُعطيت نصيبا معينا تتحدد به قراراتها. اول ما تختاره الروح يتضمن مختلف الاشياء التي يمكن الاختيار منها، لكنها مع ذلك هي تختار بلا مبالاة. يقول Er ان هذا الانسان كان في السابق يعيش حياة عادلة بدون فلسفة، لأجلها كوفئ الف سنة. الخيار الطائش للانسان العادل بالاعتياد يجسد اهمية المعرفة بدلا من مجرد العمل. لو امتلك الانسان في حياته السابقة فلسفة وعرف العدالة الحقيقية، عندئذ لكان اعترف بان حياة الطاغية لم تكن عادلة، ولما اختارها. و ربما فكّر بعناية بنتائج عيش حياة دكتاتورية وادرك مصيره المفزع. (مارينا ماكوي) تزعم انه "رغم ان هذا الانسان كان في الجنة وشهد المكافئات المخصصة للانسان العادل ، هو لايزال يفتقر للإعداد الكافي للفهم، اي انه غير قادر على "النظر في ما حوله" وادراك الحياة الكلية للطاغية ، في خسارتها بالاضافة لإغراءاتها الظاهرة. هو لا يعرف كيف يرى(136)". وبينما كانت روح الانسان العادل بالعادة جرى مكافئتها لكونها عاشت حياة جيدة، لكنه يفتقر للمعرفة الضرورية ليختار حياة قادمة جيدة.

ومن جهة اخرى، اوديسوس هو آخر روح تختار ومع ذلك هو يختار بعناية شديدة حتى من بين خياراته المحدودة. اوديسوس كان في العديد من المغامرات الكبرى في حياته الماضية وتعلّم عدة اشياء، ويمكن اعتبار خياره ذروة الاسطورة. لكي يفهم اهمية الحياة هو يبدو يبحث بعناية شديدة عن حياة الانسان الخاص التي يستطيع بها متابعة الفلسفة. اوديسوس مستعملا عبارة (ميكوي)، يعرف كيف يرى، هو يفهم اننا مسؤولين عن متابعة المعرفة لكي نكافأ ابديا. ذلك يعني ان، اوديسوس يختار حياة الفيلسوف بأمل ان يكون قادرا على ان يبقى مكافأ ابديا في ما بعد الحياة طالما هو يتابع المعرفة بأتم ما يمكن في حياته التجسيدية القادمة. عندما تأتي الارواح الى نهر النسيان، يوضح Er ان الارواح"عليها ان تشرب مقدارا معينا من الماء، لكن اولئك الذين لم ينقذهم العقل شربوا اكثر من ذلك، وعندما شرب كل واحد منهم، نسوا كل شيء وذهبوا للنوم"(10.621). ان الارواح التي لم ينقذها العقل في حياتها الماضية شربت اكثر مما يُفترض ، وبالنتيجة سوف لن تمتلك الكثير لتتذكره في حياتها القادمة. ان اسطورة Er تجسد كيف ان المعرفة في ابستميلوجيا افلاطون هي ضرورية لننجح ونزدهر في دورة الحياة.

ابستيمولوجيا اوغستين

تطغى ابستيمولوجيا اوغستين على معظم أعماله. انها واسعة وتتغير بشكل كبير في اطار تحوّله الى المسيحية ولذلك فهي تتغير تبعاً لزمن تطوره النظري الذي كتب به كل أعماله. بدأ اوغستين عمله كأفلاطوني راسخ ولكن عند تحوّله الى المسيحية تغيرت ابستيمولوجيته بعيدا عن الوثنية. وبصرف النظر عن المدى الذي وضع فيه اوغستين نظرياته بعيدا عن نظريات افلاطون، بقي معه نفس المأزق في مفارقة مينو. في الكتاب الاول من اعترافاته ، يثير اوغستين مفارقة مشابهة لمفارقة مينو: في الصلاة، يسأل اوغستين كيف يبحث المرء عن الله بدون معرفة سابقة به، ولماذا يحتاج المرء للبحث عنه اذا كان المرء عرفه سلفا(الاعترافات1.1). اوغستين مبعدا نفسه عن افلاطون، يجد بالنهاية جوابه كشيء مشابه للتذكّر لدى افلاطون، مع ذلك لايزال يختلف كثيرا: الذاكرة الالهية. اوغستين يعترف بان الله عارف بكل شيء ويؤكد اننا نستطيع الحصول على المعرفة والحقيقة من خلاله الذي هو الحقيقة. في الكتاب (X) من اعترافاته يعلن اوغستين بوضوح ان كل الناس يرغبون بالسعادة:"انها شيء معروف للجميع، وهل يمكن سؤالهم بصوت واحد ما اذا كانوا رغبوا ليكونوا سعداء، بدون شك هم سيجيبون انهم سيرغبون ذلك"(10.29). ولكن طالما ان الذاكرة تحتفظ بكل شيء فيجب ان يكون هناك شيء ما في الذاكرة بواسطته نعرف ماهي الحياة السعيدة. في الكتاب (X) يصنف اوغستين مختلف اجزاء الذاكرة وفق مختلف وظائفها: الاحتفاظ بصور الاشياء الفيزيقية، وتصوّر الاشياء غير الفيزيقية مثل الارقام والاشياء المجردة التي نمتلكها مثل البلاغة او الفطنة ، والعواطف التي نستطيع تذكرها بدون الشعور بها مثل المرح والحزن والغضب. السؤال اذاً يصبح، في أي جزء من ذاكرتنا تقيم الحياة السعيدة؟ هو يستنتج انها يجب ان تكون من نفس الجزء من الذاكرة الذي نحتفظ به بالمرح: لأن الحياة السعيدة ليست مادية، ولا هي تشبه الارقام طالما اننا عندما نعرفها لانزال نشتاق لها، ولا هي تشبه البلاغة لأننا نستطيع معرفتها بدون حيازتها. مع ذلك نحن نستطيع معرفة المرح بينما لانزال نشتاق له وبدون حيازته حاليا، والذي هو نفس الطريقة التي يتم بها تذكّر الحياة السعيدة(10.30).المرح والحياة السعيدة مرتبطان بالضرورة. يقول اوغستين، ان المرح الحقيقي هو في معرفة الحقيقة التي هي الله ذاته. لذلك، فان الله هو الهدف الابستيمولوجي لاوغستين. من خلال الله نحن نكون قادرين على معرفته ومعرفة انفسنا التي صُنعت في صورته. وفق هذا المنظور، لكي نمتلك السعادة هي ان نعرف، وطالما كل الناس يرغبون بالسعادة، فهم يرغبون بالمعرفة. المسؤولية الابستيمولوجية لاوغستين تكمن ضمن اكتساب الحياة السعيدة، الحياة التي تمتلك معرفة الحقيقة التي هي الله.

كل من البحث الافلاطوني والاوغستيني منقادان للواجب. هما يختلفان كثيرا نتيجة لثقافتهما وزمانهما لكن حافز المسؤولية يبقى ثابتا. كلا الرجلين يعتبران البحث الابستيمولوجي مفيدا للحياة الارضية بمقدار ما يزرع السعادة والشجاعة والانتاجية. المعرفة لأجل هذه الحياة مفيدة وهي ضرورية للحياة القادمة . اسطورة افلاطون في (Er) تبيّن انه بدون العقل والمعرفة ، ستلتصق الارواح في حلقة مفرغة من اختيار الحيوات السيئة وسوف لن تبقى ابدا في الجزاء الأبدي. ابستيمولوجيا اوغستين تشير للمعرفة كونها هدية تيليلوجية من الله تأتي من خلال ذاكرتنا الالهية، الهدف من حياتنا هو لكي نعرف الحب ونخدم الله وان مكافأتنا ستأتي.

هذان فقط مثالان عن الكيفية التي يمكن ان يتحفز بها البحث الابستيمولوجي من خلال المسؤولية. وكما ذكرنا أعلاه، العديد من الفلاسفة الآخرين لهم افكارهم الخاصة حول هدف وحافز البحث الابستيمولوجي، وقد تجسد ذلك خلال الثقافة الحديثة والأديان المنظمة حول العالم ايضا. المسؤولية الابستمية هي عامل رئيسي لبقاء البحث الابستيمولوجي سواء اُعترف بها بوضوح ام لم يُعترف. وبفضل المسؤولية الابستمية استمر البحث عن الحقيقة من العصور القديمة واصبح للرغبة بالمعرفة هدفا.

Intellectual Responsibility and the Epistemic search: comparing Plato and Augustine, inquiriesjournal.com

 

حاتم حميد محسن

........................................................

الهوامش

(1) في مأزق المتعلم لـ (مينو) لا يمكن للانسان البحث عن ما يعرفه ولا عن الشيء الذي لايعرفه. هو لا يستطيع البحث عن ما يعرف طالما هو يعرفه سلفا، فلا حاجة للبحث فيه، وهو ايضا لايستطيع البحث عما لا يعرف لأنه لايعرف عن ماذا يبحث ، ومهما بحث فلن يصل الى ما يريد لأنه لايعرفه. يقول مينو لسقراط كيف يمكنك البحث عن شيء لا تعرفه ابدا؟ لو انت تلتقي به كيف ستعرف انه الشيء الذي لم تعرفه من قبل ؟ وبالنتيجة يستنتج ان المتعلم سوف لن يتعلم اي شيء.

(2) ذُكر مغزل الضرورة في اسطورة(Er)، وعلى خلاف تركيز كتاب الجمهورية على العدالة والانسان العادل، نجد الكتاب (X ) ينظر في نظام الكون. اسطورة (Er) تنظر ليس فقط في طبيعة العالم السفلي والأرواح غير القابلة للفناء وانما تنظر ايضا في نظام الكون. الربة ضرورة هي ربة القوة والحتمية والقيود، هي تجسيد للقدر . هي تستعمل المغزل لنسج خيوط الحياة والوجود وتسيطر بالكامل على عمليات القدر. في اليوم الثاني عشر من رحلته يرى (Er) وزملائه عمودا من رامبو ملون يمتد من الارض الى أعماق السماوات. وبعد يوم آخر من السفر سيجدون الربة ضرورة تجلس في شعاع من الضوء ممسكة بمغزلها . الكون يتمثل بمغزل الربة ضرورة وبناتها الثلاث ويُطلق عليهم جميعا بالأقدار، حيث يتولون مهمة تدوير المغزل. الأقدار والمغزل تُستعمل في الجمهورية لتوضيح الكيفية التي تتحرك بها الأجرام السماوية حول الارض طبقا لكون افلاطون.

 

 

محمد همامتفاعلا مع مقالة الدكتور عبد الجبار الرفاعي: سلطة الفصاحة والنحو

كتب المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي مقالة في صحيفة (الصباح) العراقية بعنوان: سلطة الفصاحة والنحو، بتاريخ الخميس12( نوفمبر) تشرين الثاني2020، دعا فيه إلى تجديد اللغة العربية، من حيث معجمها وقواعدها وأنظمتها وطرق تعليمها. واعتبر التجديد في اللغة هو محطة أساسية في تجديد العقل، وتلمس  طرق جديدة للتواصل مع العصر العلمي الذي نعيشه. وهي دعوة قديمة  بالمناسبة في الدراسات العربية، أكاد أزعم أنها ابتدأت مع ابن جني الموصلي ( 941-1002 م)؛ منذ أن ألف مدونته النحوية التي يتضمنها كتاباه: الخصائص، وسر صناعة الإعراب. وهو الذي عرف بالتخصص الدقيق في شرح شعر المتنبي. وأتصور بأنه أدرك البون الشاسع بين لغة المتنبي وبين قواعد النحو وسلطة النسق اللغوي، ودوره في إفقار اللغة الشعرية. وجاء بعده كثيرون، في مختلف مراحل تطور الدراسات اللغوية العربية. وساهم في هذه الدعوات التجديدية لغويون ونحاة وبلاغيون وفقهاء وفلاسفة ومتكلمون وعلماء اجتماع، قديما وحديثا. وبرغم ذلك وقع لبس كبير في تلقي مقالة المفكر العراقي عبد الجبار الرفاعي، وفهمت على أنها دعوة للتحلل من اللغة العربية ومن قواعدها ومن أنظمتها، ما اضطره إلى كتابة مقالة توضيحية في الموضوع، بعنوان: توضيحات على مقالة سلطة الفصاحة والنحو، نشرت بصحيفة الصباح، بتاريخ 19 (نوفمبر) تشرين الثاني2020. والحقيقة أن من يطلع على المشروع الفكري الواسع لعبد الجبار الرفاعي، ومن يتابع دراساته ومقالاته ومحاضراته سيلحظ بسهولة أن الرجل يكتب بلغة راقية وبعربية فصيحة، ونادرا ما يعترضك خطأ لغوي في متنه. ثم إن دعوة الرفاعي لتجديد اللغة العربية لاتنفصل عن الإطار العام والفلسفي الذي يؤطر مشروعه الفكري، بنزوعه التنويري والنقدي، كما تجسده مدونته النقدية: الدين والظمأ الأنطولوجي،والدين والاغتراب الميتافيزيقي، وإنقاذ النزعة الإنسانية في الدين، ومؤلفات كثيرة، و72عددا مرجعيا متخصصا في فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، من أعداد مجلة قضايا إسلامية معاصرة التي يديرها منذ 23 سنة ولم تتوقف.

في هذا السياق ارتأيت التفاعل مع ماكتبه أستاذنا الرفاعي بخصوص تجديد اللغة العربية، من خلال دعم علمي ومنهجيلمقولته، في بعض جوانبها، من خلال أطروحة المفكر المغربي محمد عابد الجابري في التجديد اللغوي، وفي دعوته إلى تجاوز سلطة الأعرابي الذي صنع العالم العربي, وهو موضوع شيق وجذاب لكن تتخلله ألغام معرفية ومنهجية كثيرة، يحتاج بحثه إلى دربة وإلى إطلاع واسع وإلى شجاعة فكرية، من دون أن ينقص ذلك من قيمة لغتنا ومن قدرتها على التجدد والتوليد الذاتيين والموضوعيين، وهو صلب دعوة أستاذنا عبد الجبار الرفاعي.

يبرر الجابري، رحمه الله، الاهتمام باللغة العربية في مشروعه الفلسفي، والقائم على النقد، من منطلق أن العربي يحب لغته حد التقديس، كما يستمد قوته من سلطتها عليه. وهو القادر على التعبير بها بأسلوب بياني راق ورفيع. وغير العرب، بنظره، أعاجم؛ لا يفصحون ولا يبينون.( تنظر المدونة النقدية للمرحوم الجابري: نقد العقل العربي، خصوصا الكتاب الأول: تكوين العقل العربي.)

فالتعبير باللغة العربية، هو تعبير عن إنسانية العربي؛ إذ بالفصاحة والبلاغة تتحدد ماهيته، وليس بالعقل! هذا من الجانب السيكولوجي الذاتي، أما من الجانب الحضاري، فيرى الجابري أن اللغة والدين هما أهم ما قدمه العربي للحضارة الإنسانية التي أصبحت حضارة إسلامية، قبل أن تحدث تحولات أخرى. فالدين جاء في كتاب عربي مبين، وجعل علماء أصول الفقه، وهم المنظرون المنهجيون والمعرفيون للعقل المسلم، اللغة العربية جزءا من ماهية الدين. لذلك أضحت هذه اللغة أساس الجدل المذهبي والكلامي والفقهي، بما تتوفر عليه من "فائض" في الألفاظ، وبما يتوفر عليه اللفظ العربي من "فائض" في المعنى، وبما يميز التركيب اللغوي العربي من تنوع. كما وجدت الخلافات السياسية والاجتماعية التي وقعت في بداية تشكل دولة الاسلام، بعد وفاة الرسول (ص)، أرضية خصبة في اللغة العربية، بمطاوعتها وانفتاحها، بما يسند الرأي ويوفر له غطاء من البلاغة والاستدلال والدعم. ولا تقف أهمية اللغة العربية عند هذا الحد، بل كان العمل اللغوي أول عمل علمي منظم مارسه العقل العربي، بنظرة الجابري؛ أي "جمع اللغة وتقعيدها." هذا المجهود العلمي هو الذي أفرز "علم اللغة وعلم النحو." وتحول هذان العلمان إلى "بارادييغم" (نموذج معرفي)، للعمل العلمي اللاحق؛ أي الإنتاج العلمي وفق منهجية اللغويين والنحاة، من خلال مفاهيمهم وآلياتهم الذهنية، والتي أصبحت "أصولا" في النظر والمنهج، لتأسيس العلوم الإسلامية الأخرى، كعلوم الدين.

لذلك كله، تصبح اللغة العربية، مدخلا أساسيا في فهم العقل العربي، والذهنية العربية، بل والدين، والإنسان العربي، والواقع العربي. يدعم هذا، بنظر الجابري، ما تؤكده الدراسات المعرفية واللسانية الحديثة، من أن اللغة تساهم، بشكل أساس، في "تحديد نظرة الإنسان إلى الكون، وتصوره له ككل وكأجزاء." لذلك كان للغة العربية أثر كبير على العقل العربي، بل أثر خطير، خصوصا وأنها بقيت الوحيدة تقريبا، من بين اللغات العالمية الحية، محافظة على منظومتها، من حيث الكلمات والنحو والتركيب، منذ عصر التدوين. كما ظلت اللغة العربية إلى اليوم تجر معها تراث عصر التدوين ومفرداته. ومن خلال هذه الزاوية (اللغة العربية) تحددت أسس التفكير العلمي وأدواته، بنظر الجابري، في الثقافة العربية، فهي بذلك "محدد حاسم" للعقل العربي في بنيته ونشاطه.

ودعم الجابري، رحمه الله، هذه الأطروحة باجتهادات الفيلسوف اللساني الألماني هردر (1803 – 1744) Herder،والذي يلح على دور اللغة في تشكيل نظرة الإنسان إلى الكون؛ وبذلك تصبح اللغة ليست مجرد أداة الفكر، بل القالب الذي يتشكل فيه الفكر. لذلك ربط هردر بين خصائص اللغة وخصائص الأمة التي تتكلمها، وخلص إلى أن "كل أمة تتكلم كما تفكر وتفكر كما تتكلم" بل إن اللغة، في هذه الحالة، هي خزان تجارب الأمة بصوابها وخطئها، وتألقها وانحطاطها، تنقله الى الأجيال. وعندها تصبح أخطاء الأمة وانحطاطها من التراث الذي تنقله اللغة إلى الأجيال اللاحقة. بل تساهم تلك الأخطاء والانحطاطات في تحديد نظرة تلك الأجيال إلى الكون وإلى متعلقاته من خير وحق وجمال وعلم وواقع ... ولم يخف الجابري تضجره المعرفي من نتائج أطروحة هردر التي تقود إلى نزوع قومي مغلق، يعطي للقيم المجردة العليا بعدا قوميا، لارتباطها باللغة القومية، ولارتباط هردر ،نفسه، بظروف ألمانيا في القرن التاسع عشر لا يمكن تعميمها. وتبقى اللغة، وفق أطروحة الجابري، القالب الذي تفصل على أساسه المعرفة، كما يفصل الخياط الثوب؛ فاللغة ترسم الحدود لكل معرفة بشرية.

وهو نفسه ما أكده الباحث اللغوي والإثنولوجي إدوارد سابير( 1884-1939)E. Sapir، أحد المراجع المهمة في أطروحة الجابري؛ إذ توصل إلى أن أية جماعة تفكر داخل لغتها التي تتكلم بها، هذه اللغة هي التي تنظم تجربتها، بل وتصنع عالمها وواقعها الاجتماعي؛ وهو الإطار نفسه لأبحاث هردروهمبولد؛ أي أبحاث القرن الثامن عشر والتاسع عشر وحتى العشرين؛ والتي لا تخرج عن أطروحة أن اللغة التي تحدد قدرتنا على الكلام هي نفسها التي تحدد قدرتنا على التفكير. وعليه، فبقدر غنى معجمنا بقدر غنى رؤيتنا، وبقدر فقره بقدر محدودية رؤيتنا وفقرها؛ فاللغة لا تعكس الظروف الطبيعية فحسب، بل تحمل معها هذا الانعكاس نفسه لتنشره على أمكنة وأزمنة مختلفة، وتكون حاسمة في تأطير نظرة أصحابها إلى الأشياء؛ لذلك، يرى الجابري أن قاموس (لسان العرب) وهو الأضخم في اللغة العربية والحاوي لحوالي ثمانين ألف مادة، لا ينقل لنا، على ضخامته هذه، أسماء الأشياء الطبيعية والصناعية، ولا المفاهيم النظرية وأنواع المصطلحات التي عرفها عصره، أي القرنين السابع والثامن للهجرة. فمادة هذا القاموس الضخم لا تخرج عن مفردات وحياة ذلك (الأعرابي) القح، الذي لم (يتعكر) صفو لسانه، ولم يخالط أهل المدن والحضر. لذلك كان ذلك (الأعرابي) بطل عصر التدوين. وهو الشاهد في اللغة، و يضع نفسه فوق القواعد اللغوية والأنظمة التعبيرية. فارتهان قاموس ضخم من حجم (لسان العرب)، لمفردات "خشونة البادية"، سد الطريق إليه أمام كلمات وتعابير ومفاهيم فلسفية ومصطلحات علمية، وأخلاقية، لا يراها الإطار المرجعي لعصر التدوين، وهو (الأعرابي)، صالحة لتدرج ضمنه، وهو الذي يضم لغة (الأعراب الأقحاح)! فوجب تركها وإهمالها.

ومازال هذا المبدأ المرجعي يؤطر حتى القواميس المعاصرة، فجاءت فقيرة بل ومشوهة للمعاجم القديمة. فاللفظ العربي الذي يعبر عن "صفاء الهوية العربية" وعن أصالتها، هو الذي اعترف له عصر التدوين بذلك؛ أي اللفظ الذي تكلم به (الأعرابي). وجمد هذا المعيار اللغة العربية وحنطها، فلم تساير الحياة الاجتماعية المتطورة والمتدفقة. فصنعت هذه الحياة لغتها،أو قل انتقمت من الفصحى بـ (الدارجة) والتي أضحت أغنى كثيرا من اللغة الفصيحة، مما أحدث تمزقا رهيبا في عقل العربي وفي وجدانه؛ إذ يتوفر على لغة عربية للكتابة والتفكير على درجة عالية من الرقي، من حيث آلياتها الداخلية، لكنها لا تسعفه للتعبير عن قضايا العصر من حيث المفاهيم والمصطلحات، خصوصا في الجانب العلمي والصناعي والتقني، وبعض الأحيان في الجانب الحضاري والفكري، في المقابل نملك قاموسا غنيا بالمفاهيم والمصطلحات التي عبر بها قدماء العرب عن قضاياهم أو القضايا المنقولة إليهم، مما يطرح سؤال التجديد اللغوي بإلحاح اليوم!

لذلك تمدنا (الدارجة) بألفاظ ومصطلحات نعبر بها في مجال الأشياء الحضارية والتقنية، وفي غالبها مقتبس من لغات أجنبية أخرى مع بعض التكسير و(التحوير)؛ إلا أن هذه الألفاظ العامية لا تتيح لنا فرصة التعامل بها فكريا؛ إذ رغم غنى (الدارجة) من هذه الناحية، فهي لا توفر لنا الأدوات الضرورية للتفكير، إذ ليست لغة ثقافة وفكر. من هنا نجد أنفسنا أمام معادلة متناقضة: فصحى غنية داخليا، وفقيرة ظاهريا، و(الدارجة) فقيرة فكريا وداخليا، وغنية ظاهريا. لذلك يجد المثقف والطالب والأستاذ والباحث نفسه، بصفة عامة ، يعيش عالمين في الوقت ذاته، وجدانيا وعلميا، لكل عالم لغته الخاصة به. أما غير هؤلاء، أي غير المتعلم، فهو مسجون في (دارجة) ويتعامل مع أشياء لا يسميها أصلا، وإذا سماها فبألفاظ لغات أخرى أجنبية، محورة، تترك أثرا عميقا في عقله وفي بنيته الفكرية. وأما الذي يتكلم لغات أجنبية أخرى، فتتعدد عوالمه بتعدد لغاته، ويعيش معذبا داخل (ثلاثية تصورية) رهيبة؛ يفكر بلغة أجنبية ويكتب بلغة عربية فصحى، ويتواصل في المجتمع؛ في  البيت وفي الشارع، وحتى في المدرسة وفي الجامعة بالدارجة.

وعليه، تبقى المادة اللغوية محددا أساسا لنظرتنا إلى العالم من حيث قوالبها الصرفية والنحوية، وكذا أساليبها البيانية. كانت علوم العربية (معجزة) العرب، بنظر الجابري، من حيث العمل الضخم الذي أنجز عصر التدوين، جمعا للغة وتقعيدا لها؛ إذ تم الانتقال بلغة كانت تقوم على الفطرة و"السليقة" و"الطبع"، لغة يصعب تعلمها خارج فضاء لغوي مثالي،بمصطلح اللسانيين، يشكله الأعراب والقبائل الذين يتكلمونها، إلى لغة، مضبوطة تتعلم وتكتسب بالطرق نفسها التي يكتسب بها العلم؛ من مبادئ ومقدمات ومنهج صارم.

فلقد نقل العمل الضخم لمدوني العربية، هذه اللغة من مستوى اللاعلم إلى مستوى العلم؛ إذ تم إنشاء علم جديد هو "علم اللغة العربية"، أبرز علاماته: جمع المفردات وإحصاؤها، وضبط طرق اشتقاقها وتصريفها، ووضع قواعد تراكيبها واختراع علامات رفع اللبس عن كتابتها... فنشأت لغة جديدة هي (اللغة العربية الفصحى). فورثت الأجيال لغة مضبوطة ومقننة وقابلة للتعلم، وقادرة على حمل الثقافة والعلم عبر الأجيال. وقد تميز العمل التدوينيوالتقعيدي الضخم للغة العربية، بنظر الجابري، بالمنهج الصارم المتبع والذي كان له تأثير كبير على كيان اللغة العربية الداخلي، حتى زاحمت الصنعة والدقة السليقة والفطرة. هذه الصرامة، والتي مثل لها الأستاذ عبدالجبار الرفاعي بالفصاحة والنحو، وأمثلتها كثيرة، هي المسؤولة، إلى حد ما، عن تحجيم اللغة العربية وتضييق قدرتها على التطور والتجدد، ولكنه يبقى منهجا دقيقا وسليما في منطقه الداخلي وفي خطواته. ويمكن التمثيل لهذه الدقة بعمل الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه (العين)؛ والذي عبر من خلاله عن عقلية رياضية فذة تناغمت مع حس موسيقي مرهف مكنه من استنباط أوزان الشعر العربي، وتأسيس (علم العروض)، مع ابتكار ترتيب حروف الهجاء انطلاقا من حروف الحلق إلى حروف الشفتين، مجسدا الارتباط التاريخي والعلمي والوجداني بين الموسيقى والرياضيات؛ الموسيقى التي كانت فرعا من الرياضيات. فقد وظف الخليل بن أحمد معرفته الموسيقية لاستخلاص القوالب – الخفية واللامرئية التي يصب فيها الشعر العربي، كما وظف تكوينه الرياضي لوضع قوالب نظرية وافتراضية، لها ارتباط بواقع اللغة، ووزع عليها النطق العربي، في إطار (الإمكان الذهني)، ولو لم يسعفه (الإمكان الواقعي)، إلا عند التحقق والتجريب؛ أي عند الانتقال مما هو صوري إلى ما هو واقعي، مستثمرا (نظرية المجموعات) في الرياضيات في مفرداتها الأولية قبل تطورها مع البحث الرياضي المعاصر.

وعليه، فمن الناحية العلمية الصرف، يرى الجابري أن منهج الخليل يضعنا أمام عمل علمي صارم ومنهجية منطقية وعقلية ورياضية راقية، ولكن من الناحية الواقعية، والواقع شيء والمنطق شيء آخر، فإن ذلك المنطق الصارم يقتل الحياة في الواقع، ويكون مدعاة إلى التحجر والجمود والتوقف عن النمو. فبقدرما كانت تلك المنهجية الصارمة "معجزة" حقا، بقدرما جعلت اللغة العربية (عاجزة) عن النمو والتطور. فقد حول ذلك المنهج الصارم اللغة العربية إلى صناعة تقوم على قوالب ثابتة وصلبة، ولكنها مفتقدة لإمكانية التطور والتجدد.

وإذا تذكرنا دور اللغة في بناء العقل وهيكلة الفكر، أمكننا إدراك خطورة منهج الخليل، ومن أتى بعده، وقد كانوا، تقريبا، عالة عليه، خطورة على العقل العربي؛منهج ينطلق من الإمكان الذهني، ويتعامل مع الحروف تعاملا رياضيا صرفا، فأصبحت اللغة صنيعة ذهنية وليست معطى واقعيا، بل تحولت المنهجية الصارمة، عند الممارسة، من جمع اللغة الى التماس الشواهد الواقعية للفروض النظرية، فاختلط ما نطقت به العرب مع ما لم تنطق به، وتزايدت شهوة الولع بالغريب، وحل القياس محل السماع، وأصبحت الألفاظ صحيحة لأنها ممكنة وليس لأنها واقعية؛ ممكنة ترد إلى أصل عبر (آلية القياس)، وغير واقعية لأن "الفرع" فرض نظري وليس معطى من معطيات التجربة الاجتماعية. هذه العملية، أي غلبة الممكن على الواقعي في اللغة، هو الذي ضخم اللغة العربية وجعلها ذات فائض من الألفاظ بالنسبة للمعنى، مما أثر على طريقة تعامل العقل العربي مع اللغةّ ذاتها؛ لغة هي التي صنعته، لغة جمدتها القوالب الرياضية والمنطقية التي اصطنعها الخليل ولم يطورها من أتى بعده، فأصبحت اللغة العربية محصورة الكلمات ومضبوطة التحولات، لغة لا تاريخية.

أكيد أن جمع اللغة العربية وتقعيدها تحكمت فيه الرغبة في محاصرة اللحن الذي تفشى في مجتمع أصبح فيه العرب أقلية، وسبب اللحن اختلاط الحواضر في العراق والشام بين العرب والموالي، فكان ضروريا طلب "اللغة العربية الصحيحة والفصيحة"، من الأعراب المحتفظين بفطرتهم وسليقتهم وسلامة نطقهم. كان هذا مبررا لسانيا وعلميا للتوغل في البوادي وطلب اللغة من "الأعرابي" القح. لكن هذا الأعرابي أصبح المتحكم في العلماء وينفذون مشيئته! وأصبح هذا الأعرابي هو الحكم في الخصومات والخلافات. ( ينظر: محمد عيد: الرواية والاستشهاد باللغة). بذلك بدأ يشعر الأعرابي بقيمته وأهميته، فاحترف بيع الكلام، ورحل الأعراب إلى المدن رواة للغة بثمن، خصوصا رواية اللفظ الغريب والموحش والقديم والنادر؛ إذ كلما كان الكلام قديما كان مقبولا ومطلوبا، فأصبح كل قديم علامة على الجودة عكس الحديث. بل كان ينظر إلى حالات التطور الطبيعي الذي تعرفه اللغة العربية، بما هو ضرب من الخطأ والانحراف، فحددوا الاستشهاد زمانيا بمنتصف القرن الثاني الهجري، وألفوا المصنفات في ( لحن العامة)، وفي ( لحن الخاصة).

كل هذا حول اللغة العربية، بنظر الجابري، كما ذكرنا إلى لغة لا تاريخية محصنة ضد التطور والتغيير الذي يقترحه التاريخ؛ فبقيت هي في نحوها، وفي صرفها، وفي معاني ألفاظها وكلماتها، بل وفي طريقة توالدها الذاتي؛ إذ رفعها الخليل، بمنهجه الصارم، والأعرابي بمعيارتيه المتعالية، فوق التاريخ! ثم إن الاقتصار على الأعراب في جمع اللغة ملأها بخصائصهم الذهنية وخصوصيات معاشهم الطبيعية والحسية لتفكيرهم ورؤاهم، وتسييجها بحدود عالمهم الإدراكي والواقعي المحدود أصلا، وزمانهم الممتد كالصحراء، زمن التكرار والرتابة. لذلك جاء قاموس اللغة العربية فقيرا بالمقارنة مع قاموس القرآن الكريم؛ هذا الأخير الذي همشه جامعو اللغة لصالح لغة الأعرابي! لذلك جاءت قواميس العربية القديمة أقل اتساعا ومرونة وتحضرا من لغة القرآن. وكان النص القرآني دائما أوسع وأخصب من المعاجم، وهي التي بخلت علينا بذكر أسماء الأدوات وأنواع العلاقات الاجتماعية التي عرفها مجتمع مكة والمدينة، وعرفها مجتمع دمشق وبغداد والقاهرة والغرب الإسلامي، وقد كانت مجتمعات حضرية وراقية.وليس غريبا إذن أن نجد من ألف في: (نحو القرآن)، وفي: (بلاغة القرآن)... بعيدا عن لغة الأعرابي؛ هذه اللغة التي أهدرت الكثافة الدلالية والمنفتحة والمطلقة للفظة القرآنية، هذه اللفظة التي تندرج ضمن الاستخدام الإلهي للغة في القرآن، وليس الاستخدام البشري (الأعرابي). (يمكن التوسع في هذه الفكرة الأخيرة ضمن المشروع الفكري للمفكر السوداني المرحوم أبي القاسم حاج حمد، خصوصا في كتابه: العالمية الإسلامية الثانية: جدلية الغيب والإنسان والطبيعة ( 2004م)، وإبستمولوجيا المعرفة الكونية، ومنهجية القرآن المعرفية (2004م)؛ وهذا المشروع مدونة فكرية ونقدية أشرف الدكتورعبد الجبار الرفاعي على نشرها ضمن منشورات مركز دراسات فلسفة الدين، ببغداد، وسلسلة كتاب قضايا إسلامية معاصرة.)

إن الرغبة في (تحصين) اللغة العربية من اللحن، أدى إلى تثبيتها في مرحلة حضارية وتاريخية بدائية وفقيرة، على قاعدة معيارية يتحكم فيها (أعرابي) جلف ومنغلق في عالم حسي ومحدود. فورثنا لغة فقيرة حضاريا وغنية بدويا؛ فقر تجسده المترادفات المرتبطة بالاشتقاق الصناعي على منهج الخليل بن أحمد الصارم، وبالسماع من القبائل المختلفة. فأصبحت لغة الأصل والمشتق أوسع من لغة الواقع. لذلك ظلت اللغة العربية تنقل إلينا، في معاجمها، عالما يزداد بعدا عن عالمنا، عالما بدويا نعيشه في أذهاننا وفي خيالنا وفي وجداننا، عالم يتناقض، يوما عن يوم، مع العالم الذي نعيشه، والذي يزداد غنى وتعقيدا، والحل أن نخرج (الأعرابي) منا، ونفتح الفرصة للغتنا للتجدد والنمو الذاتي والتطور؛ وهذا هو صلب دعوة أستاذنا الرفاعي ومغزاها.

 

د. محمد همام: أكاديمي وباحث مغربي، أستاذ اللسانيات القانونية والحجاج القانوني، ونائب عميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، أيت ملول، في جامعة ابن زهر،أكادير، المغرب

....................

للاطلاع

سلطة الفصاحة والنحو / د. عبد الجبار الرفاعي

***

سلطة الفصاحة والنحو: إضافات وتوضيحات على المقالة السابقة

د. عبد الجبار الرفاعي

 

 

علي رسول الربيعيإن مساهمة مايكل ساندل الرئيسة الأولى في النظرية السياسية، "الليبرالية وحدود العدالة"[1]هي نقد نظرية العدالة الليبرالية  كما طرحها الفيلسوف الأمريكي  جون راولز. فالتشخيص النقدي لليبرالية، بالنسبة لساندل، ليس مسألة مجردة بل هو أمر ذو أهمية حيوية للديمقراطية الحالية:  تناول ساندل في عمله اللاحق، أزمة الديمقراطية الناتجة إلى حد كبير عن تآكل الشعور بالانتماء المشترك بين المواطنين وقدرة الحكم الذاتي الجماعي، واخذ  الولايات المتحدة مثالاً لذلك.[2].يرجع الخلل الديمقراطي الحالي، بالنسبة إلى ساندل، إلى التحول الليبرالي ومثال ذلك ما شهدته الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. ينطوي هذا التحول على تغيير من التقليد الجمهوري للآباء المؤسسين إلى رؤية مشوهة للجمهورية إلإجرائية التي يدعو اليها مفكرون مثل راولز. لقد أختزلت الفلسفة الليبرالية المهيمنة، في ما يتعلق بالشأن العام والخير العام، السياسة إلى إجراءات وقطعتها عن المشاركة في القضايا الجوهرية للخير والصالح العام. وبذلك، تقوض الليبرالية ما يُقصد به من بناء وحماية لمجتمع المواطنين الأحرار. علاوة على ذلك، كان للمنطق الرأسمالي الليبرالي الذي يسعى وراء الربح تأثير مشوه على ممارسة المواطنة.[3] إن "دواء" هذه العلل هو الديمقراطية الجمهورية كفلسفة عامة.  تهدف"الجمهورية" التي هي " نشاط  يغذي الروح ويشكل جوهر الفرد" إلى توليد ممارسة سياسية مجتمعية كسعي وراء الصالح العام من قبل المواطنين المشاركين والمتفاعلين فيه. يلعب الدين في مفهوم ساندل الغائي للسياسة دورًا حيويًا: فالدين يوفر المصادر لتوضيح الخيرات والغايات في المجال العام. فيتطلب ،وهوعلى هذا النحو، حماية وتكييف خاص.

ساندل والفلسفة الليبرالية العامة

تجمع حجة ساندل النقدية بين الاعتراضات الوجودية والمعياريًة للاتجاه الليبرالي الذي يمثله أو يتميز به راولز. هناك ثلاثة عناصر متشابكة ذات صلة بتفسير ساندل للفلسفة الليبرالية: أنطولوجيا  الذات الحرة غير المثقلة بالأرتباطات الجماعية؛ موقف محايد يفصل السياسة عن الدين؛ التقليل من الواجبات الدينية تجاه الاختيارات وكذلك الحرية الدينية في حرية الاختيار.

أولاً، إن وجهة النظر الليبرالية، بالنسبة لساندل، متجذرة في أنطولوجيا الذات الحرة المستمدة من الديأنطولوجيا الكانطية (أخلاق الواجب والألتزام عند كانط) والذات الترستندالية (ما يفترض سابق وضروري للتجربة في فلسفة كانط). بُنيت فلسفة كانط على نظرة ثنائية تفترض العالم في ذاته ( noumenal world )- حيث تتجذر الحرية والعقلانية والأخلاق - ضد العالم التجريبي، الذي يتميز بالسببية والحتمية.[4] ينتمي البشر إلى هذين العالمين: الحرية، بوصفهم كائنات أخلاقية. والسببية التجريبية، ككائنات طبيعية. تنجم الكرامة والأخلاق، وفقًا لـكانط، عن ممارسة العقل العمومي والإرادة الحرة مستقلة عن أي رابط جماعي محدد، أو أو هدف نهائي، أو مقاربة محددة للخير.[5]

ورثت الليبرالية (بما في ذلك صيغة راولز منها)، بالنسبة لساندل، وجهة النظر هذه عن الذات بوصفها تمارس إرادتها وعقلانيتها بشكل مستقل عن خيرات محددة للمجتمع. يفسر ساندل الليبرالية بأنها ترى "ما هو أكثر أهمية بالنسبة لشخصيتنا ليس الغايات التي نختارها ولكن قدرتنا على اختيارها."[6] تكون الذات الليبرالية حرة طبقًا لمصطلحات ساندل، أيً الـ"أنا" ذات سيادة قادرة على اختيار حقوقها وواجباتها دون اعتبار للولاءات الجماعية وأنتماءاتها الخاصة. فتعني الحرية في هذه الانطولوجيا، أولاً وقبل كل شيء، اتخاذ خيارات حرة يُنظر إليها على أنها ذات قيمة لأنها ناتجة عن ممارسة الإرادة وليس من قيود غير متجانسة (التقليد، العادات، الله).

الافتراض الثاني لليبرالية، عند ساندل، هو إعادة بناء نموذج فيما يتعلق بحياد السياسة والقانون والدين (وبشكل أعم، مفاهيم الخير).[7] يرى ساندل أنطلاقاً من فرضية الذات الحرة غير المثقلة بالأرتباطات الجماعية، أن النشاط القانوني السياسي لليبراليين  يتركز على إطار محايد للحقوق والإجراءات. لا يقف هذا الإطار ضد أي من الخيرات والغايات المتنافسة في المجتمع. تضمن السياسة والقانون لكل فرد الحرية نفسها في متابعة تلك الغايات التي يختارها بشكل مستقل عن الواجبات والالتزامات الدينية وغير الدينية. يكون في هذه الرؤية لـ "جمهورية إجرائية" كما يطرحها ساندل، للحق الأسبقية على الخير: فمجال السياسة هو مجال الحقوق والإجراءات، وهو منفصل عن السعي وراء خيرات وغايات محددة .

يصبح الدين، من وجهة النظر المحايدة هذه، الحالة النموذجية لأستبعاد الليبراليين المفاهيم المثيرة للجدل عن الخير العام من المجال العام.[8] فيؤدي لجوء الليبرالية إلى الحياد إلى تجاهل المشاركة الجوهرية في القضايا الأخلاقية والدينية في المجال العام. بالإضافة إلى ذلك، تؤدي الفكرة الليبرالية للحرية بوصفها خيارات غير مقيدة إلى رؤية الحرية الدينية كمثال خاص لمبدأ حرية الاختيار. يتم تقليص السعي الديني، في الجمهورية الإجرائية، من أجل الخير إلى إظهار خيار فردي دون أي تأثير على النشاط السياسي. ويجب أن تكون الحكومة محايدة في المسائل الأخلاقية والدينية" للسماح لكل فرد بحرية اختيار "مفهومه الخاص عن الحياة الخيرة".[9]

(ب) نقد ساندل والبديل الجمهوري

يثير ساندل اعتراضات أنطولوجية وعمليًة ومعياريًة على الفلسفة الليبرالية. فيرى أن اساسها الأنطولوجي مضلل لأنه يتصور الذات منفصلة ومعزولة عن المجتمع، بينما الحياة الأجتماعية هي التي تعطي الذات شكلها وجوهرها. لا تختار الذات هويتها بشكل مستقل عن سياق اندماجها في المجتمع: فليس الغايات والخيرات مسألة اختيار، أنها مُنشأة مسبقًا ومكونة للذات. وبعبارة أخرى، النفس مرهونة دائمًا بحياة المجتمع: يتم تعريف وجودها من خلال الارتباطات والواجبات والغايات والأهداف التي تقدمها للأسرة والجماعات الدينية والوحدات المحلية والإقليمية والوطنية. يفتقد المفهوم الليبرالي، إذن، أن هناك مجموعة واسعة من الواجبات التي لا تنشأ عن الاختيار ولكن خارج الارتباطات المجتمعية والمسارات التاريخية الخاصة (خذ في الاعتبار، مثلاً، الواجبات الخاصة تجاه الآباء أو الأطفال أو المواطنين). وينطبق هذا على الواجبات الدينية بشكل خاص. تصبح الليبرالية، من خلال اختزال الحرية الدينية إلى حرية الاختيار، غير قادرة على إعطاء تفسير مناسب للتجارب والممارسات الدينية. إن تصوير الدين كمسألة تفضيل أو اختيار أسلوب حياة تختاره الذات سيتجاهل الدور الذي يلعبه الدين في حياة أولئك الذين لا غنى عن واجباتهم الدينية لهويتهم وضميرهم.

لا تنكر هذه الحجة الساندالية أنه يمكن للشخص أن يختار كيفية التعامل مع واجباته الدينية. ولكن حتى التحليل السريع للممارسة الدينية يشير إلى أنه في كثير من الأحيان لا تنشأ الواجبات الدينية من قرارات الذات السيدة. لا تحترم معاملة الأشخاص "كمصادر قائمة بذاتها للمطالبات الصحيحة" أولئك الملتزمين بواجبات مستمدة من مصادر أخرى غير أنفسهم.[10] يتم النظر إلى الواجبات الدينية بشكل أكثر دقة على أنها مسائل تتعلق بالضمير وليس بالاختيار. يرى ساندل: "هذا بالتحديد لأن الإيمان لا تحكمه الإرادة القائلة بأن حرية الضمير غير قابلة للتصرف... حرية الضمير وحرية الاختيار ليست هي نفسها؛ حيث يملي الضمير، يقرر الاختيار".[11] عندما تكون حرية الضمير على المحك، فإن العامل الأخلاقي الذي يستحق الحماية هو الشخص الذي يؤدي واجبًا، وليس اختياره الطوعًي.

بالنسبة لساندل، لهذا الخط من النقد عواقب مهمة على الموقف المحايد تجاه الدين. كما أن الذات ليست قابلة للانفصال عن غاياتها والتزاماتها، لا يمكن فصل السياسة والقانون عن مفاهيم الخير. ليست الحقوق قبل الخير: يحتاج المواطنون، من أجل تحديد وإعطاء محتوى لحقوقهم وواجباتهم، إلى الإجابة على أسئلة جوهرية، بما في ذلك الأسئلة الدينية. بالإضافة إلى ذلك، تُوًلد الفلسفة الليبرالية، من خلال محاولة إبعاد السياسة الديمقراطية عن المجتمع والدين، الاغتراب ونقص الدافع للمشاركة في الشؤون العامة. تفتقد وجهة النظر الحيادية حقيقة أن "الإنصاف ليس كل شيء"؛ إنها لا تجيب على التوق الأساس، أي الحافز لحياة عامة ذات معنى أكبر. وهكذا فشلت الفلسفة الليبرالية في ربط "مشروع الحكم الذاتي برغبة الناس في المشاركة في مصلحة مشتركة أعظم من أنفسهم".[12] يكون الحُلم الديمقراطي نتيجة هذا الفشل عرضة للأصولية الدينية. يندفع الأصوليون إلى حيث يخشى الليبراليون من السير فيه، أي في عالم الخير. عندما يفتقر الخطاب السياسي- كما هو الحال في الولايات المتحدة كما يرى ساندل- إلى صدى أخلاقي وروحي - ديني، يتطلب التوق إلى حياة عامة ذات معنى أكبر تعابير إشكالية تقوض مشروع مجتمع حر.

قد يوقف إحياء القيًم الجمهورية " تيار" الأصولية[13]عن طريق إعادة ربط السياسة بمصادرها الأخلاقية والروحية والدينية. يدعم هذا التحول في الفلسفة من الليبرالية إلى الجمهورية المشاركة في الأمور الأخلاقية الدينية الدينية في المجال العام بالإضافة إلى الحماية الخاصة للدين.

يتخذ دفاع ساندل عن دور الدين في بناء مجتمع من المواطنين شكلاً غائيًا. يبرر تعزيز المظاهر الدينية في المجال العام وتوفير حماية خاصة للحرية الدينية من حقيقة أن الدين يخدم غايات قيمة في حد ذاته أو مفيد للمشروع الجمهوري. يستمد الوضع الخاص للدين من الافتراض الغائي الذي يقول أن المعتقدات الدينية، كما تمارس في مجتمع معين، تنتج طرقًا للوجود والفعل تستحق التقدير- إما لأنها مثيرة للإعجاب في حد ذاتها أو لأنها تعزز صفات الشخصية التي تجعل المواطنين صالحين.[14]

قد يتناغم  المفهوم الغائي الذي ينتقد الحياد الليبرالي، بالنسبة لساندل، مع الوضع الخاص للدين (  ويضرب مثالا عن ذلك دستور الولايات المتحدة كما صممه الآباء المؤسسون). يتعارض الحياد الليبرالي مع الآباء المؤسسين من الجمهوريين، ويجعل من الصعب إن لم يكن من المستحيل، على القضاة التمييز بين التفضيلات العلمانية العادية والواجبات الدينية للضمير التي تستحق حماية خاصة. لاتقدر الليبرالية على معالجة مشكلة الصراع بين الواجبات الدينية والالتزامات المدنية الحرة غير المثقلة بواجبات الأنتماء وارتباطاته: عندما يُنظر إلى المعتقد الديني على أنه خيار، تظهر الحرية الدينية بوصفها "حق خاص في تجاهل القوانين المعمول بها بشكل عام" التي تسمح لكل شخص "بأن يشرع قانونًا لنفسه"؛ فيؤدي هذا النهج الى الفوضى.[15]

وعلى النقيض من ذلك، فإن النظرة الجمهورية لحرية الدين بوصفه حرية الضمير التي يدعمها الآباء المؤسسون "عالجت مشكلة النفوس المرهقة، التي تطالب بواجبات لا يمكنهم التخلي عنها، حتى في مواجهة الالتزامات المدنية التي قد تتعارض معها". [16] عندما تحدث مثل هذه التعارضات أوالتضاربات بين الضمير الديني والواجب المدني، يفترض أن تكون المحاكم ملزمة باستيعاب الدين من خلال منح إعفاءات فرعية أو توسيع القواعد القائمة.

طبقًا لمفهوم ساندل الغائي، يجب أن يتولى النشاط السياسي دوره كنشاط يشكل روح الفرد وجوهره مسترشداً بالفلسفة  الجمهورية.[17] يقدم ساندل رؤية تعددية ولا مركزية الجمهورية: والنشاط  الذي يشكل روح الفرد هو الفن السياسي لرعاية الفضائل المدنية و"عادات الذاكرة والعاطفة" التي يلعب الدين فيها دوراً هاماً. يفترض ساندل في جمهوريته المفعمة بالحيوية أن المواطنين مثقلون في ارتباطهم بشبكة من الواجبات والالتزامات المجتمعية. يخلق ذاك النشاط الروح السياسية للمواطنين الفاضلين الذين يشاركون في صنع السياسة والقانون، ويوحدون قواهم في المجال العام، ويتبادلون الآراء حول الحياة الخيرة.

(ج) الروح المشكلة  للجمهورية؟

تؤكد جمهورية ساندل على أهمية المشاركة العامة للمواطنين في زمن الديمقراطية. يتغاض الصعود العالمي للنيوليبرالية الفردية، وقوى السوق، عن الدور الحاسم للمشاركة النشطة في المجال العام للحفاظ على الحرية الفردية والجماعية. وكما يؤكد الجمهوريون مثل ساندل، فإن ممارسة الحرية لها بعد جماعي يتناسب بشكل سيئ مع رؤية فردية واقتصادية صارمة للحرية. الجمهوريون مقنعون أيضًا في انتقاد صيغة متطرفة من مبدأ الحياد. إن عداء الحياد الأقصى تجاه التعامل مع القضايا الجوهرية في المجال العام غير قابل للاستمرار عمليًا وغير مرغوب فيه بشكل معياري. إن لممارسة الحرية الدينية بُعد عام حيث يمكن أن تساهم المظاهر الدينية بشكل إيجابي في المجال العام النابض بالحياة في الديمقراطية المعاصرة.[18]

لكن تواجه صيغة ساندل عن الجمهورياتية صعوبات تتعلق بـ: أنطولوجيا الذات المثقلة بالارتباطات الاجتماعية، والنهج الغائي للجمهورية كفلسفة عمومية، والدعوة المرتبطة بالحماية الخاصة للدين ورفض الحياد. بادئ ذي بدء ، يفترض الانقسام  الذي يقول  به ساندل بين الليبرالية والجمهوريّة تمييزًا اصطناعيًا بين الذات الحرة والذات غير المثقلة بارتباطاتها، لكن الليبرالية في حد ذاتها ليست ملتزمة بالضرورة ولا تعتمد على أنطولوجيا الذات غير المثقلة. فعلى سبيل المثال، لا يدعم راولز  مثل هذه النظرة المتطرفة للذات غير المثقلة بارتباطاتها كما يفترض ساندل.[19] والأهم من ذلك، أن الذات الحديثة تُعطى وتُنتقى في وقت واحد، ومُثقلة وغير مُثقلة، ويتم اكتشاف الذات، والتأمل فيها، وانتخابها بدرجات مختلفة. ويلاحظ  كاميلكا أننا نفهم أنفسنا قبل أهدافنا، بمعنى أنه لا توجد غاية أو هدف مستثنى من إعادة الفحص المحتملة؛ وبهذا المعنى نفسي، قبل أهدافها، أي يمكنني دائمًا تصور نفسي دون أهدافها الحالية. لكن لا يتطلب هذا أن أستطيع أن أتصور ذاتاً غير مرتبط تمامًا بأي غرض.[20]

بينما لاتشكك الذات في  كل غاياتها دفعة واحدة، (بما في ذلك تلك المتعلقة بواجبات الضمير) إلاً أن أيًا منهم  لايُعفى من المداولة والنقد بمجرد أن نكون في المجال العام الديمقراطي. لا تتوافق الأنطولوجيا السانديلية للذات المثقلة بأرتباطاتها وغاياتها مع التعددية والنقاش حول التقاليد الدينية في الديمقراطية المعاصرة.[21]

نظرة ساندل إلى الذات كما تشكلها أهدافها هي لبنة بناء مفهوم غائي إشكالي للقانون والسياسة. يجادل ساندل على النقيض من ليبرالية راولز، بأن " مبادئ العدالة تعتمد في تبريرها على القيمة الأخلاقية أو الخير الجوهري للغايات التي تخدمها".[22]  بينما يكون الحق قبل الخير في راي راولز من ناحيتين: (i) الحق قبل الخير، بمعنى أن مجموعة من الحقوق الفردية "مفضلة" أو تفوق الاعتبارات المتعلقة بالصالح العام؛ (ii)  أن الحق يسبق الخير من حيث أن مبادئ العدالة التي تحدد حقوقنا لا تعتمد على أي مفهوم معين للحياة الخيرة لتبريرها. يتبنى راولز (i) و (ii)، لكن لا يتبنى كل الليبراليين ذلك: فيتبنى جون ستيوارت ميل، على سبيل المثال، استراتيجية غائية نفعي: الحقوق هي طرق لمتابعة مبدأ المنفعة (تعظيم السعادة). ترفض بدورها استراتيجية ساندل الغائية (i) و (ii) ، وتفترض أن "الخيرات الجمهورية" الأهداف النهائية أو الغايات القصوى للمشاريع السياسية مثل: الروابط العائلية، والتضامن المجتمعي، والوطنية، والبحث عن معنى أعلى في حياتنا، وما إلى ذلك. ومع ذلك، فإن صعوبة وجهة النظر الغائية هذه هي خضوع الحقوق الفردية، من حيث المبدأ، للصالح الجماعي. ولكن إذا لم تكن هناك حقوق لا يمكن اشتقاقها مباشرة من مفهوم محدد للصالح ( كما مثلأ في المسيحية، الإسلام، النفعية)، فلا توجد مكابح لاستخدام سلطة الدولة لمتابعة الخير كما تتصوره الأغلبية. تقوض استراتيجية سانديل الغائية الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الحرية الدينية الحريص على الدفاع عنها للغاية. لا نحتاج، لتوضيح هذه النقطة، إلى التفكير في الحالات القصوى ( وجهة نظر طالبان للخير)، لكن التفكير في وجهات نظر زملاء ساندل الجمهوريين. لنأخذ الجمهورية اللائكية الفرنسية؛ استناداً إلى المفهوم العلماني للخير، فإنه يقيد الحرية الدينية ويفتقر إلى الاعتراف الكافي بالأقليات الدينية.[23]

إن ساندل محق في انتقاد وجهة نظرة الواجبات الدينية كخيارات والدين بوصفه مجرد أسلوب حياة. لكن لا تعتمد الليبرالية في حد ذاتها على وجهة النظر الاختزالية: يفسر مجموعة متنوعة من المفكرين الليبراليين حرية الدين من ناحية حرية الضمير.[24] والأهم من ذلك، يمثل اقتراح ساندل أن الدين يجب أن يتمتع بحماية خاصة إشكالية. من المهم الفصل بين حجتين مختلفتين قدمهما ساندل لصالح أطروحة الحماية الخاصة، حيث يمكن أن تؤدي إلى آثار معاكسة: (i) حجة حرية الضمير، و (ii) حجة فوائد الدين لبناء مجتمع جمهوري.

أولاً، بالتأكيد هناك فرق بين مجرد التفضيلات الشخصية وواجبات الضمير. لكن كذلك أن شرط منح حماية خاصة على أسس دينية لا ينتج عن فكرة حرية الدين كحرية الضمير: يمكن أن يكون للمؤمنين والملحدين واجبات وقناعات لا بد منها على حد سواء. لا يأخذ ساندل في الاعتبار حقيقة أن ادعاءات الضمير يمكن أن تكون علمانية أو دينية؛ والأكثر من ذلك، أنه يتجاهل إمكانية أن تكون الخيارات نفسها مهمة للغاية لدرجة أنها قد تستحق الحماية. باختصار، فشل ساندل في اشتقاق الحماية الخاصة للدين من حرية الضمير. وحتى إذا كان الدين لا يزال يلعب دورًا خاصًا في التشريع القانوي ( كما في الفقه الأمريكي)، فقد أدرك البعض يمكن أن تكون المطالبات العلمانية للضمير مقنعة مثل تلك المتعصبين.[25]

وثانيًا، ربما لا يزال يرغب ساندل في الدفاع عن أطروحة الوضع الخاص للدين من خلال دفاعه عن الحجة القائلة بأن الدين مفيد لبناء مجتمع من المواطنين يبحثون عن الصالح العام. يبدو أن هذا يؤكد أطروحة توكفيل القديمة حول الارتباطات الإيجابية بين المشاركة الدينية والمشاركة السياسية والمعتقد الديني والمواطنة النشطة. ومع ذلك، نرى: يحتاج التحليل الواقعي الدقيق إلى أن يوضع في سياق وأن يقترن بأسئلة حول طبيعة وعواقب تعبئة المؤمنين. الدين كقوة اجتماعية ليس بالضرورة دعماً لبناء روح المساواة الديمقراطية، ويمكن أن يتحول بسرعة إلى أداة للتلاعب السياسي. وعلى عكس الأشكال الأخرى من الجمهورية، فإن ساندل غير معني إلى حد كبير بإمكانية أن يكون الدين أداة هيمنة على الأقليات أو النساء. في الواقع ، يتجاهل ساندل الدور الذي قد يلعبه الدين في تعزيز علاقات الهيمنة في المجالين الخاص والعام. وهو يحدد صعوبة العلاقة المتناقضة بين الدين والحرية عن طريق التمييز بين الأصولية والدين السائد.[26] لكن ليس دور الأديان في التاريخ إيجابياً وغير إشكالي كما يوحي ساندل. إن الافتراض الذي يقول بأن إعطاء صوت أكبر للدين في المجال العام السياسي يمكن للمرء أن يساهم في الحرية الجماعية ومحاربة الأصولية، لا يمكن تبنيه دون مزيد من التفكير والنقاش. يشير التاريخ الحديث في عديد بلدان العالم  إلى أن تسييس الدين يمكن أن يؤدي إلى أنقسام عميق بين المواطنين واستبعادهم واستقطابهم بدلاً من تعزيز السعي وراء خير مشترك من خلال الحوار والتوفيق أو التسويات. وبالنظر إلى العلاقة المتناقضة والمثيرة للجدل بين الدين والمواطنين الفاضلين، فمن الصعب تبرير الحماية الخاصة للدين كمسألة مبدأ. علاوة على ذلك، حتى لو كان للدين دور مهم في توليد المشاركة الديمقراطية، فإن منح المزيد من الحماية للمعتقدات الدينية على المعتقدات العلمانية المماثلة قد يكون موضع تساؤل: الحماية الخاصة للدين قد تقوض التعددية وتولد التمييز.

من الجدير بالذكر أن هناك توترًا لا جدال فيه بين الطريقتين التي يدافع فيها ساندل عن حجة الوضع الخاص للدين: حماية الضمير الديني يمكن أن تقوض هدف بناء دنيا عامة نابضة بالحياة.

وأخيرًا، إن وجهة نظر ساندل في التعامل مع الأمور الجوهرية في المجال العام غير واضحة بشأن الفرق بين النقاش والقرار. تكمن قوة صيغة ساندل من الجمهوريات في المشاكل التي تطرحها (المشاركة؛ الحماسة العامة؛ الدور الإيجابي للدين؛ الخير، أكثر من الحلول التي تقدمها.[27] لا تمثل استراتيجية ساندل الغائية أساسًا قويًا للتفكير في حرية الضمير والدين. وتتعارض صورة النشاط السياسي كنشاط يغذي روح الفرد  مسترشد بفلسفة عامة واحدة - الفكر الجمهوري "الصحيح" مع حقيقة التعددية في الديمقراطيات المعقدة. إذا كان هناك "شغف من أجل معنى أعلى"، فإن تحقيقه عن طريق دولة تشكلها "الفلسفة العامة" الصحيحة هو في أفضل الأحوال فكرة خيالية وفي أسوأ الأحوال وصفة للأبوية القوية. ساندل، كما أشرنا، صامت بشكل عام حول مسألة الهيمنة. وبالمثل، حتى لو تعاملت مع روسو وتوكفيل، فإن الدين المدني لا يظهر حتى في أهم أعمال سانديل في النظرية السياسية الجمهورية حتى الآن، استياء الديمقراطية.[28]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

...............................

[1] Sandel, M. (1982) Liberalism and the Limits of Justice. Cambridge, UK: Cambridge University Press.

[2] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent. Cambridge, MA: Belknap Press of Harvard University Press.

Sandel, M. (2012) What Money Can’t Buy: The Moral Limits of Markets. New York: Farrar, Straus and Giroux.

[3] م، ن

[4] إمانويل كانط، الدين في حدود مجرد العقل ، ترجمة ، فتحي المسكيني، جداول للنشر والتوزيع ن بيروت ، الفصل الأول.

[5] Kant, I. (1997) Practical Philosophy. The Cambridge Edition of the Works of Immanuel Kant, ed.Mary J. Gregor. Cambridge: Cambridge University Press.

[6] Sandel, M. (1982) Liberalism and the Limits of Justice.19.

[7] Sandel, M. (1996) Democracy's Discontent.290-291.

[8] م ، ن .

[9] م، ن

[10] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent. 67.

[11] م، ن، 66.

[12] Sandel, M. (2005) Public Philosophy: Essays on Morality in Politics. Cambridge, MA: Harvard University Press.

[13] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent.322.

[14] Sandel, M., (2009) Justice: What's the Right Thing to Do? New York: Farrar, Straus and Giroux.257.

[15] Sandel, M . (1996) Democracy's Discontent70 .

[16] م، ن .

[17] Allen, A.L. and Regan, Jr., M.C. (eds) (1998) Debating Democracy's Discontent: Essays on American Politics, Law, and Public Philosophy. Oxford: Oxford University Press.

[18]Weithman, P.J. (2002) Religion and the Obligations of Citizenship. Cambridge, UK: Cambridge University Press: Chapters 1- 3.

[19] Seleme, H.O. (2007) "The challenge of the liberal Catholic", DOXA Philosophy of Law Notebooks

30: 471-490.

[20] Kymlicka, W . (1989) Liberalism, Community and Clutter. Oxford: Clarendon Press. 52-53.

[21] Dagger, R . (1999b) "A Rejoinder to Michael Sandel" , Review of Politics 61(2): 215-218.188.

[22] Sandel, M. (2005) Public Philosophy: Essays on Morality in Politics. 105.

[23] أنظر:

Laborde, C. (2008) Critical Republicanism: The Hijab Controversy and Political Philosophy.

[24] Nussbaum, M. (2003) "Rawls and Feminism", in Freeman, S. (ed.) The Cambridge Companion to Rawls. Cambridge, UK: Cambridge University Press: 488- 520.

[25] Dworkin, R. (2013) Religion without God. Harvard, MA: Harvard University Press.

[26] Okin, S.M. (1997) "Review of Michael Sandel's Democracy's Discontenf', American Political Science Review 91 : 440-442.

[27] أنظر:

Allen, A.L. and Regan, Jr., M.C. (eds) (1998) Debating Democracy's Disco11tent: Essays on American Politics, Law, and Public Philosophy. Oxford: Oxford University Press.

[28] م.ن .

 

 

عبد الجبار الرفاعي

إضافات وتوضيحات على المقالة السابقة

بعد نشر مقالتي: "سلطة الفصاحة والنحو" في صحيفة الصباح ببغداد، الصادرة في 12 تشرين ثاني 2020، تداولتها لاحقا عدةُ صحف ومجاميعُ في وسائل التواصل. واختلفت المواقفُ حيالها، ففيما أثنى عليها وتحمّس لها بعضُ الخبراء والقّراء، امتعض منها آخرون، وزعموا أنها تتنكر لضرورة وجود قواعد للغة العربية، واتهم غيرُهم كاتَبها بـكلمات غير مهذبة. أشكر كلَّ قرّاء المقالة، سواء من كان معها أو ضدّها، وأتمنى على بعض القرّاء ألا يلجأ للهجاء والكلمات المنفعلة، لأن النقدَ العلمي يهتمّ بتمحيص الآراء قبل أن يتهم كاتبَها.

لم أنكر ضرورةَ وجود قواعد للعربية، واحدةٌ من البداهات المعروفة أن كلَّ لغة تُنطق وتُكتب بقواعد لاسيما العربية، ولا يصح إهمالُ تلك القواعد كليًا في التحدّث والكتابة.

المقالة السابقة ترى أن قواعدَ النطق في اللغات الحية سهلةُ التلقي منذ الطفولة، يستقيها الإنسانُ من بيئته اللغوية، ويتيسر له تعلّمُها وإتقانُها. قواعدُ العربية كثيرةٌ دقيقة تفصيلية متشعّبة، متعارضةٌ أحيانًا، تتنوّع فيها اجتهاداتُ البصريين والكوفيين الأوائل، ومن تأخر عنهم. هذه القواعد صعبةُ الإتقان لمن يتخصّص بها، إذ يلبث التلميذُ سنواتٍ عديدة في دراستها، غير أنه ربما لا يتقنها، فكيف بغير المتخصّص الذي لا يتسع عمرُه لإنفاق سنوات في تعلّمها، وهم أكثرُ الناطقين بالعربية من أبنائها.

اللغةُ ‏بدلا من أن تكون أداةً مرنة طيّعة ديناميكية في التواصل الاجتماعي، تحولت الى قيدٍ يقيّد العقل، ينهك التفكير، يرهق النطق، وتتعسّر به الكتابة. في العربية نحن نتحدّث بلغة هي اللهجة السائدة في مجتمعنا، ومع الناطقين باللهجات العربية الأخرى نتحدّث بلغة، ونفكر بلغة، ونكتب بلغة. وربما نرى من يتقن عدةَ لغات لا تكون أحيانًا مصدرَ ثراء وخصوبة لديه، بل تشتبك هذه اللغاتُ في بعض الحالات مع مجموعة العربيات: لهجة يُنطق بها، لغة يُكتب بها، لغة يُفكَّر بها.

أعرف الفارسية، وترجمتُ عدةَ كتب منها إلى العربية، لم أجد فجوةً واسعة بين الشفاهي والمكتوب، المسافةُ فيها ليست شاسعةً بين لغة الكتابة ولغة المحادثة كما العربية، حتى أن مجموعةَ مؤلفات علي شريعتي مثلًا أغلبُها محاضرات شفاهية، كُتبت على الورق، ونُشرَت ‏بتحرير بسيط، هذا ما رأيتُه في بعض مصورات تحريرها. وهكذا الكتابات المنشورة لأكثر المؤلفين المعروفين اليوم بالفارسية.   تلك مشكلةٌ يواجهها الناطقون بالعربية تدعونا لتيسيرِ قواعد النطق بهها، وإثراءِ معجمها، وتضييقِ الفجوة بين الشفاهي والمكتوب. أدعو لتيسير القواعد، وليس الاستغناء عنها كلّها، أعني تيسيرَها بالشكل الذي يجعل تلقي أبنائها لقواعدها من عوائلهم وبيئاتهم عفويًا تلقائيًا،كما يتلقون كلمات ومعجم النطق بها. لا أدعو لاعتماد اللهجات المحلية بديلًا عن الفصحى. أدعو لتحديث معجمها ليتسع لاستيعاب ما يستجدّ من مصطلحات مكاسب العلوم والمعارف والتكنولوجيا. وهذا ما نراه في قواعد ومعجم اللغات الحية، مثل: الانجليزية، والفرنسية، والأسبانية، والفارسية، وغيرها.

هذا ليس رأيي فقط، هذا رأيٌ اشتهر عن جماعة من علماء اللغة والنحو المتقدمين والمتأخرين، فمثلًا ينصح الجاحظ ت 255 هـ المعلّم بقوله: ""وأما النحو، فلا تُشغِل قلبَه[1] منه إلا بِقَدْر ما يؤدِّيه إلى السلامة من فاحش اللَّحْن، ومن مقدار جهل العوامِّ في كتاب إن كتبه، وشِعْر إن أنشدَه، وشيء إن وصَفَه، وما زاد على ذلك فهو مشغلةٌ عمَّا هو أَولى به، ومذهل عمَّا هو أراد عليه منه، ومن روايات المثل والمشاهدة، والخبر الصادق، والتعبير البارع"[2]. ويكشف الجاحظ عن الدوافع غير المعلنة لبعض النحاة الأوائل، إذ يقول: "قلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنّحو، فلم لا تجعل كتبك مفهومة كلّها، وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها، وما بالك تقدّم بعض العويص وتؤخّر بعض المفهوم؟! قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه للّه، وليست هي من كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه، قلّت حاجاتهم إليّ فيها، وإنّما كانت غايتي المنالة، فأنا أضع بعضها هذا الوضع المفهوم، لتدعوهم حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وإنّما قد كسبت في هذا التدبير، إذ كنت إلى التكسّب ذهبت"[3].

وكان ابنُ مضاء القرطبي ت 592 هـ ألف كتابًا بعنوان: "الرد على النحاة" دعا فيه إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، بدافع تيسير تعليمه.كما يصرّح بذلك في مقدمة كتابه بقوله: (قصدي في هذا الكتاب أن احذف من النحو ما يستغني النحويُّ عنه، وأنبه على ما اجمعوا على الخطأ فيه. فمن ذلك ادعاؤهم أن النصب والخفض والجزم لا يكون إلا بعامل لفظي، وأن الرفع منها يكون بعامل لفظي وبعامل معنوي، وعبروا عن ذلك بعبارات توهم في قولنا "ضرب زيدٌ عمرًا" أن الرفع الذي في زيد والنصب الذي في عمرو إنما أحدثه ضرب)[4].

وقد روى السيوطي: "أن الكسائي قد مات وهو لا يعرف حد نعم وبئس، وأن المفتوحة، والحكاية. وأن الخليل لم يكن يحسن النداء. وأن سيبويه لم يكن يدري حد التعجب. وأن رجلاً قال لابن خالويه: أريد أن أتعلَّم من العربية ما أُقيم به لساني، فأجابه ابن خالويه على البديهة: أنا منذ خمسين سنة أتعلم النحو، وما تعلَّمْتُ ما أُقيمُ به لساني!"[5].

وأشار علي الطنطاوى إلى أن ما: (زاد النحو تعقيدًا وإبهامًا وبعدًا عن الغاية التي وضع من أجلها، ما صنعه الرماني من مزج النحو بالمنطق وحشوه به، حتى ما يقدر من بعده على تجريده منه، وحتى قال أبو علي الفارسي وهو معاصر له: إن كان النحو ما يقوله الرماني فليس معنا منه شيء، وإن كان ما نقوله نحن، فليس معه منه شيء. فخرج النحو بذلك عن الجادَّة، ولم يعد واسطة لفهم كلام العرب واتباع سبيلهم في القول، بل غدا علماً مستقلاً معقداً مضطرباً لا تكاد تثبت فيه مسألة. ورضي النحاة عن هذا التعقيد ووجدوا فيه تجارة وكسباً، حتى أن السيرافي لما ألف كتابه الإقناع "الذي أتمّه ولدُه يوسف" وعرض فيه النحو على أوضح شكل وأجمل ترتيب، فأصبح مفهومًا سهلًا، لا يحتاج إلى مفسر، ولا يقصر عن إدراكه أحد، حتى قالوا فيه: وضع أبو سعيد النحو على المزابل بكتابه الإقناع. ولما ألَّفه قاومه النُحَاة، وما زالوا به حتى قضوا عليه، فلم يعرف له ذكر، ولم نعرف أنه بقي منه بقية! وزاد النحو فساداً على هذا الفساد هذا الخلاف بين المذهبين "أو المدرستين على التعبير الجديد" المذهب الكوفي، والمذهب البصري، وما جرَّه هذا الخلاف من الهجوم على الحق، والتدليل على الباطل، والبناء على الشاذ، قصد الغلبة وابتغاء الظفر، كما وقع في المناظرة المشهورة بين الكسائي وسيبويه"[6].

ودعا جماعةٌ من علماء اللغة والنحو في العصر الحديث إلى تيسير النحو وتحديث اللغة، منهم: الأب أنستاس ماري الكرملي ت 1947 م، الذي ألف في هذا الموضوع: "أغلاط اللغويين الأقدمين"، صدر ببغداد سنة 1932م، وكتاب: "نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها"، صدر في القاهرة سنة 1938م.

ويشرح أمين الخولي "صعوباتنا اللغوية اليوم" فيقول: "ان أهم ما يعسر النحو على المعلمين والمتعلمين ثلاثة أشياء: الأول: فلسفة حملت القدماء على أن يفترضوا ويعللوا، ويسرفوا في الافتراض والتعليل. والثاني: اسراف في القواعد، نشأ عنه اسراف في الاصطلاحات. والثالث: إمعان في التعمق العلمي، باعد بين النحو وبين الأدب... إننا نعيش بلغة غير معربة ولا واسعة، حين نتعلم لغة معربة، وافرة الحظ من الاعراب، واسعة الآفاق مع ذلك، فكأننا بهذا نتعلم لغة أجنبية وصعبة، إذ أننا نعيش ونتعامل ونتفنن، بل يفكر مثقفونا بهذه العامية، ثم هاهي العامية تتابع زحفها الجرئ على مجال تلك الفصحى... إن هذه الفصحى الواسعة المعربة، مع ثقل اعرابها علينا، لا يسهل ضبطه بقاعدة، بل يسوده الاستثناء، فتتعدد قواعده وتتضارب... إن هذه الفصحى، فيما وراء اعرابها المضطرب، وسعتها، وانتشار قواعدها، باختلاف الكلمات، تعود فلا تستقر على حكم وقاعدة في الكلمة الواحدة، أو التعبير الواحد، فيجوز فيه النصب والجر، أو يجوز فيه الرفع والنصب والجر جميعا، وهكذا يتمادى الاضطراب، ويزداد التزعزع في الكلمات المختلفة، ثم في الكلمة، أو التعبير الواحد بنفسه، وهذا هو اضطراب القواعد"[7].

هناك مجموعة علماء لغة ونحو آخرون كتبوا نقدًا لقواعد النحو والإعراب، ودعوا إلى تيسيره، مثل: ابراهيم مصطفى الذي ألف "إحياء النحو"، صدر سنة ١٩٣٧، ويلتقي في كتابه هذا مع ابن مضاء القرطبي بالدعوة إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، فيقول: "وتخليص النحو من هذه النظرية وسلطانها هو عندي خير كثير وغاية تُقصد، ومطلب يسعى إليه، ورشاد يسير بالنحو في طريقه الصحيحة، بعدما انحرف عنها آمادا، وكاد يصد الناس عن معرفة العربية وذوق ما فيها من قوة على الأداء ومزية في التصوير".

وقد ألف شاكر الجودي كتاب: "تشذيب منهج النحو"، سنة 1949، وأحمد عبدالستار الجواري: "نحو التسير"، سنة 1962م، ومهدي المخزومي: "في النحو العربي: نقد وتوجيه"، سنة 1964م. كما صدرت لعلماء لغة ونحو غيرهم عدةُ مؤلفات مماثلة تدعو للتيسير، غير أن دعوتهم أُجهضت مبكرًا، لسطوة الفصاحة والنحو وتسلّطهما الشديد، مثلما أُجهضت كلُّ دعوات الإصلاح في بلادنا.

لم يكن علي الوردي مسكونًا بـ "الفصاحة"، كما اشتهرْت عند اللغويين منذ عصر التدوين، ولم يكترث بالنحو وقواعده كثيرًا في كتاباته، بل كان يسخرُ من تشديد أهل اللغة على ذلك. لم يعبأ الوردي بكلِّ ذلك الاهتمام المبالَغ فيه بالفصاحة والنحو، بل كان يهمّه إيصالُ أفكاره بأية وسيلة، مهما كانت طريقةُ إبلاغه عنها، لذلك ظلّ يحذِّر النقادَ المتحذلقين من تسقّط الأخطاء النحوية في كتاباته، وينفر ممن يلاحقون الإعرابَ في أعماله، ويتهكّمون على ما يحسبونه عثراتٍ إعرابيةً في كتاباته. بلا تردّد أو حذر أو خجل يعترف علي الوردي بكثرةِ الأخطاء النحوية في كتاباته، ويعلن بأنه لا يعتذر من ذلك، إذ يقول في سياق بيان موقفه من النحو: "أودُ أن أنتهزَ هذه المناسبة لأُشير إلى أمر ربما لاحظه القاريء في جميع كتبي، هو كثرة الأخطاء النحوية فيها. وهذا أمرٌ أعترفُ به ولا أعتذر عنه. لا أكتمُ القاريء أني اعتبر النحو بلاءً أبتليت به الأمةُ العربية. وأنا على يقين أن الأمةَ العربية في مسيرتها الحضارية نحو المستقبل سوف يأتي عليها يومٌ تجد نفسها مضطرة إلى إلغاء النحو كلّه من مناهج مدارسها، أو إلغاء الجزء الأكبر منه على الأقل... مشكلة النحو العربي أنه ذو قواعد كثيرة ومعقدة، دون أن تكون له أية فائدة عملية، ولم نحصل من النحو إلا على أفراد من الناس دأبهم البحث عن الأخطاء النحوية في خطب الناس وكتاباتهم لينتقدوا أصحابها بها، ويشنوا عليهم الهجمات الشعواء"[8].

أحترم جهودَ الميسرين للغة والنحو، وأقدّر عقلانيتَهم النقدية. ليست كلُّ رؤية جديدة صحيحة، ولا كلّ رؤية قديمة خاطئة، المهم أن تكون الرؤيةُ علمية، متحرّرةً من وصاية الماضي على الحاضر ومن وصاية الحاضر على الماضي. لا تتأسّس هذه الرؤيةُ إلا على فهمٍ وتمحيص للتراث، واستيعابٍ نقدي للمعارف الحديثة، ونقدٍ موضوعي للواقع.

 

د. عبدالجبار الرفاعي

............................

[1] يقصد قلب الصبي.

[2] الجاحظ، الرسائل، 1: 171.

[3] الجاحظ، الحيوان، ص 62-63.

[4] ابن مضاء القرطبي، كتاب الرد على النحاة، نشره وحققه: د. شوقي ضيف، ص 85-86، 1947، دار الفكر العربي، القاهرة.

[5] السيوطي، ، جلال الدين، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، 1964، مطبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة.

[6] الطنطاوى، علي، فكر ومباحث، ص 17، 1988، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.

[7] الخولي، أمين، مناهج تجديد في النحو والبلاغة والتفسير والأدب، ص 41-43، 1961م، دار المعرفة، القاهرة.

[8] الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بيروت، دار الراشد، ط 2، 2005، ج4: ص 5 – 6.

 

 

حاتم حميد محسنتركز العديد من نقاشات السياسة العامة على مفهوم الإنصاف fairness. هل الفعل الايجابي سلوك منصف؟ هل الدوائر البرلمانية اُعدت بطريقة لتكون منصفة؟ هل السياسة الضريبية الحالية عادلة؟ هل طريقتنا في تمويل المدارس عادلة؟

الحجج المتعلقة بالعدالة والانصاف لها تاريخ طويل في الحضارة الغربية. في الحقيقة، لا توجد فكرة في الثقافة الغربية ارتبطت بالأخلاق اكثر من فكرة العدالة. بدءاً من كتاب الجمهورية للفيلسوف اليوناني افلاطون، الى نظرية العدالة لفيلسوف جامعة هارفرد (جون رولس)، جميع الأعمال الكبرى في الأخلاق أكّدت على ان العدالة هي الجزء الجوهري للاخلاق.

تعني العدالة إعطاء كل ذي حق حقه. ان مفهومي العدالة والانصاف مترابطان بإحكام لدرجة يمكن استخدامهما اليوم بشكل متبادل. مع ذلك هناك فهم متميز للمصطلحين. اذا كان مفهوم العدالة يُستعمل بالاشارة الى مستوى الصواب ، نجد الإنصاف يُستخدم عادة ليشير الى القدرة على الحكم دون تأُثير  لشعور المرء او مصالحه. الإنصاف اُستخدم ايضا للاشارة الى المقدرة على عمل أحكام ليست مفرطة في العمومية وانما لحالات محددة وملموسة . وفي كل الاحوال، تُعد فكرة التعامل باستحقاق حاسمة في كل من العدالة والانصاف.

عندما يختلف الناس حول ايمانهم  بما يجب ان يُعطى، او عندما يختلفون على القرارات التي يجب ان تُتخذ حول كيفية توزيع المنافع والأعباء بين مجموعة من الناس، فان اسئلة العدالة والانصاف ستبرز حتما. في الحقيقة، معظم الأخلاق اليوم تؤمن بفكرة ان لا فائدة من الحديث عن العدالة والانصاف ان لم يكن حول التصادم في المصالح الذي ينجم عن ندرة السلع والخدمات وحول لمنْ الاولوية باستلام تلك السلع والمنافع. عندما تبرز مثل هذه الصراعات في المجتمع، سنحتاج الى مبادئ للعدالة يقبل بها الجميع كمستويات معقولة ومنصفة لتقرير ما يستحقه الناس.

لكن القول ان العدالة هي إعطاء كل فرد ما يستحق لن يحل المشكلة. كيف نقرر ما يستحقه الناس؟ أي معيار وأي مبادئ يجب ان نستعمل لتقرير مقدار الحق لهذا او لذاك؟

مبادئ العدالة

المبدأ الأساسي للعدالة هو ذلك المبدأ الذي قبل به الناس على نطاق واسع والذي صيغ أول مرة من قبل ارسطو قبل الفين سنة وهو المبدأ القائل "يجب التعامل مع المتساوين  على قدم المساواة والغير متساوين بلا مساواة". في شكله المعاصر، هذا المبدأ يُعبّر عنه احيانا كالتالي: "الافراد يجب معاملتهم بنفس الطريقة، مالم يختلفوا بطرق ملائمة من حيث الموقف الذي يشتركون فيه". فمثلا، لو ان عامر وحنان يقومان بنفس العمل، ولا توجد هناك اختلافات ملائمة بينهما او في العمل الذي يقومان به، عندئذ فان العدالة هي ان يُدفع لهما نفس الأجر. اما لو دُفع لعامر اكثر من حنان فقط لأنه رجل او لأنه أبيض، عندئذ سنكون غير عادلين- نمارس شكلا من التمييز- لأن العرق والجنس غير ملائمين في آداء الأعمال العادية.

مع ذلك، هناك عدة اختلافات يمكن اعتبارها معايير مبررة للتعامل مع الناس بشكل مختلف. فمثلا، نحن نرى ان من العدل والانصاف ان يعطي الأب اولاده مزيدا من الانتباه والعناية قياسا بما يعطي للاطفال الآخرين، كذلك من العدل إعطاء بطاقة دخول مسرح لأول شخص من الحاضرين، وايضا نرى من العدل ان تعطي الحكومة مساعدات للمحتاجين قياسا بما تعطيه للمواطنين الآخرين الميسورين، كذلك من العدل معاقبة مرتكبي الجرائم دون غيرهم ، ونرى من العدل منح مزيد من المنافع لمن بذل جهدا كبيرا في الأعمال قياسا بالآخرين. هذه المعايير – الحاجة، الجدارة، المساهمات- هي تعاملات مختلفة مبررة.

من جهة اخرى، هناك ايضا معايير غير مبررة لإعطاء الناس تعاملا مختلفا. في عالم العمل، مثلا، نحن نؤمن انه من غير العدل إعطاء الافراد تعاملا خاصا على اساس العمر او العرق او الدين. اذا كان ابن اخ القاضي تسقط عنه عقوبة السرقة بينما سارق آخر لا علاقة له بالقاضي يذهب للسجن على نفس الجريمة، او ان اخ مدير الأعمال العامة يحصل على مليون دولار عقد لتأسيس مرشات في ملعب الجولف رغم وجود عروض منخفضة السعر من متعاقد آخر، نحن نقول ان هذا امر غير عادل.

كذلك نعتقد انه من غير الإنصاف معاقبة  فرد على شيء لا سيطرة له عليه ، او عندما لا يُعوّض على اذى عانى منه.

الأنواع المختلفة للعدالة

هناك انواع مختلفة للعدالة. العدالة التوزيعية Distributive justice تشير الى الطريقة العادلة التي تُوزع بها المنافع والاعباء بين اعضاء المجتمع. عندما توزع مؤسسات المجتمع المنافع والأعباء بطريقة غير عادلة ، سيكون هناك افتراض قوي بأن تلك المؤسسات يجب تغييرها. فمثلا، مؤسسة العبيد في امريكا قبل الحرب الأهلية في الجنوب اعتبرت غير عادلة لأنها كانت حالة واضحة للتعامل مع الناس بطريقة مختلفة على اساس العرق. النوع الثاني الهام للعدالة هو العدالة الجزائية او التصحيحية  retributive justice  . العدالة الجزائية تشير الى المدى الذي تكون فيه العقوبة عادلة ومنصفة. العقوبات تُعتبر عادلة حين تأخذ بالاعتبار معايير ملائمة مثل خطورة الجريمة ونية المجرم، واستبعاد المعايير غير الملائمة مثل العرق. سيكون من غير العدل مثلا، قطع يد الافراد لسرقة 10 سنتات،  او فرض عقوبة الموت على فرد جرح شخصا آخر دون قصد ودون إهمال. الدراسات تبين دائما ان السود عندما يقتلون البيض هم اكثر احتمالا ينالون عقوبة الموت مقارنة  عندما يقتل البيض البيض او عندما السود يقتلون السود. هذه الدراسات تشير الى ان عدم العدالة لاتزال موجودة في نظام العدالة الجنائية في الولايات المتحدة.

وهناك نوع ثالث مهم من العدالة هو العدالة التعويضية  compensatory justice. وهي تشير الى المقدار الذي يُعوّض فيه الناس بانصاف عن الأذى الذي حصل لهم بسبب الآخرين. هذا  النوع من العدالة هو السائد في الحوارات حول الأضرار التي تصيب صحة العمال في مناجم الفحم. البعض يرى ان مالكي المناجم يجب ان يعوضوا العمال الذين تضررت صحتهم. آخرون يرون ان العمال قبلوا بهذه المخاطرة طوعا عندما اختاروا العمل في المناجم.

ان اسس العدالة يمكن تتبّعها الى أفكار الاستقرار الاجتماعي والاعتمادية المتبادلة والاحترام المتساوي. وكما يشير الاخلاقي جون رولس بان استقرار المجتمع او أي جماعة، يعتمد على مدى شعور افراد المجتمع بالتعامل العادل. عندما يشعر افراد المجتمع انهم عرضة لتعامل غير متكافئ، فذلك يعني الاخلال بقواعد الاستقرار الاجتماعي والتأسيس لأجواء من الاضطراب والصراعات. ان أعضاء الجماعة، كما يقول رولس يعتمدون على بعضهم وهم سوف يحافظون على وحدتهم الاجتماعية فقط عندما تكون مؤسساتهم عادلة. كذلك، وكما يقول عمانوئيل كانط وآخرون ان البشر جميعهم متساوون في الاحترام: هم كلهم لديهم نفس الاحترام. متى ما عومل الافراد بلا مساواة على اساس خصائص عشوائية وغير ملائمة،  فان احترامهم الانساني الاساسي سيُنتهك.

العدالة اذاً جزء اساسي من الاخلاق ويجب ان تُعطى اعتبارات مناسبة في حياتنا الاخلاقية. عند تقييم أي قرار اخلاقي،  يجب ان نسأل ما اذا كانت أفعالنا تعامل كل الناس سواسية.ان كانت ليس كذلك ،  فيجب ان نقرر ما اذا كان الاختلاف في التعامل مبررا،  هل المعيار الذي نستعمله ملائم للموقف الحالي؟ غير ان العدالة ليست المبدأ الوحيد للدراسة في اتخاذ القرارات الأخلاقية. احيانا، ربما تبرز الحاجة لتجاوز مبادئ العدالة لمصلحة انواع اخرى من الادّعاءات الأخلاقية مثل حقوق رفاهية المجتمع. مع ذلك، العدالة هي تعبير عن اعترافنا المتبادل بالآخرين من حيث احترامهم الاساسي، واعتراف باننا لو كنا نريد العيش مجتمعين في جماعة ذات اعتماد متبادل فيجب ان نتعامل مع الآخرين بنوع من المساواة.

 

حاتم حميد محسن

 

 

علي محمد اليوسفينسب ريتشارد رورتي الفيلسوف الاميريكي لكانط أنه" قام بتحويل علم الانسان – نفهم يقصد علم المعرفة (الابستمولوجيا) وليس علم الانثروبولوجيا ، الاناسة – من علم تجريبي حسي الى مستوى (قبلي) سابق على التجربة، ويعتبر كانط أن تطابق معرفتنا الاشياء يتوافق مع الافتراض أن معرفتنا الاشياء قبلية"1 .

القول كل ماهو قبلي معرفي في الاشياء هو ميزة خصائصية معرفية ناجزة لا تحتاج العقل الادراكي لها، أمر يحمل الكثير من المجازفة الجدالية غيرالمحسومة نقاشيا، وهذا جلبرت رايل يقاطع هذا الفهم الكانطي قوله" الطبع – يقصد انطباع صورة الاشياء في الذهن - هو في جعل الحقائق مدركة حسيّا، هذا اذا كان لذلك من معنى، لأن طبع شيء على العقل من غير أن يدركه أمر غير مقبول."2، مقولة صحيحة كنت أشرت لها أكثر من مرة في بعض كتاباتي قبل أستشهادي الاقتباسي بها الآن في هذه المقالة.

لتوضيح بعض المعنى نقول محاولة كانط تحويل علم المعرفة من علم تجريبي حسي الى علم انساني معرفي قبلي موجود سابق على ادراك العقل، لا يمكننا تمريره الا بفرضية ومشروعية الخلط القائم الذي يرى في الاشياء المستقلة تمتلك حمولة خاصيتها المعرفة القبلية ذاتيا قبل ادراك العقل الحسّي المعرفي البعدي لها الذي لا حاجة ملزمة للاشياء ادراكه لها. من حيث وفق هذا المعنى تكون المعرفة القبلية بالاشياء التي يدركها العقل هي نفسها المعرفة البعدية التي ينشدها العقل من حيث الصفات الخارجية وليس الجوهرالجوّاني.

الفرق بين معرفة الشيء القبلية العقلية ومعرفته البعدية تقوم على التحولات والانتقالات في ذلك الشيء الذي يدركها العقل بعديا.أما في حالة أن تكون معرفة الشيء القبلية لا تختلف عن معرفته البعدية تحدده الموجودية الانطولوجية الساكنة لذلك الشيء الذي لا يتحرك ويتحول في ثبات صفاته الخارجية.

الادراك الحسي والتجريد

كيف يستقيم معنا تنحية العقل جانبا حين لا يمتلك حمولة معنى خاصية الادراك الحسّي للموجودات؟. لا تكون هناك معرفة قبلية للاشياء ولا معرفة بعدية لها بغير دلالة العقل الادراكية قبليا وبعديا لها. القبلية المعرفية في الاشياء كمدرك هي تصنيع عقلي فيها كخبرة مكتسبة مخزّنة تمتلكها الاشياء بواسطة العقل الادراكي لها، وليست المعرفة القبلية خاصية يكتشفها العقل بالاشياء تكوينيا بعديا فيها لم يكن أدركها سابقا باستثناء جواهرها سواء أكانت تلك الجواهر موجودة أو غير موجودة.

قبلية المعرفة المدركة بالاشياء هي المعرفة التي ادركها العقل وأصبحت مخزونا بالذاكرة التي يكون مخزونها المعرفي تحت وصاية وهيمنة العقل سحبها من الذاكرة في تفسيره المعرفة القبلية بالاشياء. بهذا المعنى تكون قبلية معرفة الاشياء هي خزين الذاكرة العقلية التجريدية عنها. ولا توجد معرفة قبلية بالاشياء هي جزء من تكوينها الانطولوجي الذي يدركه العقل ولم يسبق له ادراكه كخزين ذاكراتي.

هذا الفهم يلغي بحسب تعبير كانط أن العقل لا يدرك بالاشياء غير معرفته القبلية فيها، مما يرتّب عليه أن كل مدرك عقلي بعدي هو ليس تجاوزا تجديديا يستطيعه العقل. الحقيقة التي لا يمكننا الاعتراف بها فلسفيا أن جميع المعارف القبلية الموزعة التي تنسب للاشياء هي في حقيقتها معارف عقلية مجردة مخزنة بالذاكرة وليست خصائص تكوينية موجودة بالاشياء. أدراك العقل للاشياء هو خبرة تراكمية يمتلكها هو وليست تجديدا يخترعه العقل موجودا بعديا بالاشياء. مقولات العقل الصادرة عن الشيء بعديا هي تخليق مجدد لمدركات صفات الشيء التي تتغير ولا تتسم بثبات انطولوجي كما هو الجوهر.

نفس هذا المعنى نجده متحققا في فرضية تموضع اللغة في تكوين الاشياء، فادراك العقل لغة الشيءالقبلية الموجودة فيه هي لغة الذاكرة العقلية المخزونة عن ذلك الشيء التي تكون الذاكرة فيه هي بنك المعلومات العقلية في فهم العقل لموجودات ادراكه.. بمعنى الموضعة اللغوية بالاشياء هي الخبرة التراكمية التي اودعها العقل في الذاكرة في التطابق مع موضعة اللغة في الاشياء. بتعبير اوضح كما أن ادراك العقل لانطولوجيا الاشياء في وجودها الخارجي المستقل هو وعي لغوي تجريدي كذلك يكون الحال مع ادراك موضعة اللغة بالاشياء وعيا تجريديا ايضا.

بمعنى أفتراض أكتشاف قبلية المعرفة بالاشياء سابق على بعدية الادراك العقلي اكتشافها خطأ ورد نقرأه في عبارة كانط السابقة.أذ لا يمتلك العقل معرفة قبلية عن شيء ما هي بالنسبة لادراكها بعديا لا يضيف لها شيئا جديدا. واذا كانت قبلية المعرفة يعرفها العقل مسبقا فما الفائدة المرجوة من أدراكها المعرفي بعديا.؟ وما الجديد بها أو المضاف لها؟ تفكير العقل البعدي في شيء لا يكون تجديدا الا في حال أن يكون ذلك الشيء في حالة صيرورة من انتقالات متحولة يمكن تداخل العقل بها، وليست وجودا انطولوجيا محددا بابعاد هي من بديهيات العقل مثل الطول والعرض والارتفاع والزمن التي هي ثبات مواصفاتي لا يطاله التغيير.

المعرفة القبلية في الاشياء في حال تسليمنا الاقرار بصحتها الموجودية التكوينية فيها لا تحتاج العقل الادراكي البحث في معرفتها البعدية. المعرفة القبلية بالاشياء هي معرفة لا يدركها العقل بذاتيتها كخصائص مستقلة وجودا ولا يدركها العقل الا كموضوع معرفي في قبليتها وفي بعديتها معا وفي كلا الحالتين ما يدركه العقل هي صفات خارجية يكتشفها ولا تستطيع صفات تلك الاشياء الافصاح ذاتيا عن نفسها قبل ادراك العقل لها ومن غيره..

وهذا الافتراض الاستقرائي لا يلغي أحتمالية أن كل الاشياء تدّخر ذاتيا باستقلالية عن العقل في موجوديتها الانطولوجية معرفة قبلية هي (جواهر) لا يصلها العقل ولا تستطيع هي التعبيرعنها من غير دلالة العقل الافصاحية الادراكية لها، فلا يوجد معرفة قبلية لا تحتاج ادراك العقل الحسّي لها كصفات وألا انتفت عنها حقيقة كونها موضوعا يدركه العقل.. تذهب معظم الفلسفات منها الماركسية والوجودية باستثناء سارتر أن ادراك صفات الشيء الخارجية حسيّا يحمل معه ضمنا أدراك جوهره ويحتويه اذا كان موجودا أم غير موجود.وليس هناك جواهر لا يدركها العقل.

كل الاشياء والموجودات الموزعة في الطبيعة أنما هي معارف ساكنة لا تمتلك وسائل التعبير عن نفسها بقدراتها الذاتية المعطلة بمعزل عن الادراك الحسي لها والتعبير اللغوي التجريدي عنها الذي هو خاصية عقلية بعدية. العقل لا يقصد المعرفة البعدية في الاشياء في اقرارنا الافتراضي أنه يعرفها قبليا مسبقا حسب فرضية عبارة كانط. كون مطابقة المعرفة البعدية مع المعرفة القبلية المفترضة بالاشياء لا أهمية له ولا سبب يوجبه. فالادراك العقلي للاشياء هو كيفية (نوعية) وليس ادراك يسعى مطابقة الاشياء مع قصدية ساكنة، بمعنى الادراك الحقيقي للاشياء هو لماذا يدركها وليس كيف يدركها.

وفي التماهي مع عبارة كانط نجد أننا حصرنا قابلية العقل الادراكية تكون فقط في معرفته القبلية للاشياء وليس في معرفته البعدية لها كموجودات مستقلة في العالم الخارجي...حينها نقع في خطأ تكون فيه المعرفة القبلية هي منتجة لمعرفة العقل البعدية وليست ناشئة عنه وناتجة توليديا منه وهو ما لا يمكننا تصور حدوثه الحسي. العقل الادراكي للاشياء ومعرفتها لا تبنيه الخصائص الذاتية في الاشياء قبل تعبيره المعرفي عن ماهية موجوديته.

الاستعداد المعرفي القبلي الذي تدّخره الاشياء بكينونيتها الموجودية في وجودها الصفاتي لا يغنيها عن حاجتها لادراك العقل المعرفي الحسّي المجرد لها. ولا يلغي حاجة معرفة أدراك العقل لها مكتفية بخصائصها الوجودية المعرفية من غير دلالة العقل الادراكية لها..المعرفة القبلية في الاشياء لا يمنحها أمكانية أملاء شروطها على العقل من غير سطوة العقل الادراكية عليها، فالمعرفة القبلية تستمد حيويتها الوجودية من أدراك العقل لها حتى في حال فرضية أن العقل هو قدرة أستيعابية محدودة في الادراك الكلي الشامل للاشياء الواصل له عبر الحواس والاحساسات الناقصة في تمثيلها الاشياء الواردة اليه.كما أن المعرفة القبلية والبعدية كلاهما تصنيع عقلي. والخصائص الذاتية بالاشياء لا تملي معرفتها على تصنيع العقل الذي أوجدها فيها ليس بخلقها بل بتصنيعها كموجودات صفاتية.

حين نتصور أمكانية المعرفة القبلية في الاشياء الاستغناء عن أدراك العقل في خلعه عليها خصائص صفاتية جديدة يبتدعها لم تكن قبل الادراك العقلي تمتلكها فهنا يكون انتفاء الحاجة المعرفية (البعدية) للعقل التي تجعل من المعارف المستقلة عن العقل قبليا هي التي تقود العقل في أن تكون حقيقتها معارف تمتلك خصائصها الذاتية المكتفية بنفسها التي لا تحتاج العقل معرفتها بل العقل يحتاجها ولا يستطيع ادراكها. وبذا تكون تلك الاشياء لا قيمة معرفية أدراكية عقلية لها فهي اشياء لا تدرك المعنى الحقيقي من ادراكها العقلي لها...

كل معرفة قبلية أو بعديةهي تصنيع عقلي لا تمتلكه الاشياء كمعطى وجودي يلازمها من دون معرفتها العقلية وهذا ما لا ينطبق على التسليم بصحة عبارة أن العقل يستمد معارفه قبليا من الاشياء وليس بعديا لها. يعني ما يدركه العقل بعديا معرفيا يكون هو ما أدركه قبليا معرفيا فيها. فالعقل لا يدرك ما لا قيمة له زائفا غير حقيقي في وجوده ايضا. وفي هذا نتوزع في مفترق طريقين فحقيقة المعرفة القبلية في الاشياء هي الصحيحة تجعل من كل معرفة بعدية عقلية لها زائفة لا معنى لها، وبالعكس اذا أعتبرنا معرفة العقل البعدية عن الاشياء هي المعرفة الصحيحة الحقيقية عندها يكون معنا كل ما هو قبلي معرفي بالاشياء زائفا ولا معنى الاهتمام به. والخروج من هذا المفترق هو أن كل معرفة قبلية مشروطة بمعرفة بعدية لها وكلاهما تصنيع عقلي واحد. وهنا يكون العقل لا يناقض نفسه في ادراكه الشيء قبليا مختلفا عنه بعديا من غير امتلاك العقل طاقة ترابطية تجمعهما بمنطق نسقي نظامي موحد يكون فيه ادراك العقل سليما..

واذا نحن سلمّنا فرضا وجود معرفة قبلية في الاشياء سابقة على بعدية العقل أدراكها، فيكون معنا تحصيل حاصل أن كل معرفة قبلية سابقة على ادراك العقل بعديا أنما هي في جوهرها خبرة متراكمة جرى تنميتها التخليقية بجدلية الادراك العقلي لها وليس في أمتلاك الاشياء لها كمعطى تحصيلي بقواها الذاتية اكتسبتها كخصائص معرفية قبلية خبراتية خارج تداخل العقل الجدلي معرفيا معها..

المعرفة القبلية هي الاضافة الادراكية المستمرة العقلية التجديدية لها بعديا، فقبلية المعرفة المكتسبة كخبرة مخزنّة داخلها هي في حقيقتها خبرة مخزّنة بالذاكرة العقلية، ولا تصبح خاصية تكوينية للاشياء من غيرسابق تداخل جدلي عقلي معها في تخليقها، كل معرفة قبلية تحاول فرض نفسها سابقة على تداخل العقل الجدلي معها تكون بالضرورة لا تمتلك قدرة بناء معرفتها القبلية بخصائص ذاتية لها منفصلة أدراكيا ولم يكن للعقل أسهاما قبليا وبعديا في تخليقها. وهذا ينطبق حتى على الذاكرة التي هي خزّان المعارف المكتسبة كتخليق عقلي تجاربي خبراتي متراكم فيها وليست خصائص ذاتية موجودة فيها سلفا. بمعنى بنك معلومات الذاكرة من المجردات التراكمية المعرفية كخبرات هي حصيلة العقل لا معنى لها بغير الارتباط الدائم به.

القبلي بين الانسان والاشياء

لا يوجد ما هو معرفي قبلي في الاشياء يبني نفسه ذاتيا بقدرات غير مستمدة من جدل العلاقة مع المحيط بتوسيط العقل الذي يجعل ما هو قبلي في الاشياء والمعارف خبرة تراكمية مكتسبة وليست معطى فطريا يحوز ماهية منفردة وصفات خاصة به يجهلها العقل قبليا ليكتشفها بعديا. حتى جواهر الاشياء التي لا يدركها العقل كما يدرك صفات الاشياء الخارجية هي ليست طبيعة قبلية بالاشياء أذا كانت تمتلكها، فالوجود المادي للاشياء يسبق كل صفة ماهوية أو خاصية ذاتية كجوهر. العقل لا يستطيع الجزم بوجود جواهر بالاشياء لا يمكنه ادراكها غير مؤكد وجودها.

لاحاجة نجدها ضرورية تأكيد أن جوهر الانسان بمعنى تحقيق ذاته يقوم على تصنيعه بمتراكم الخبرة المستمدة من الحياة، أما القبلي المعرفي بالاشياء فهو الاخر ليس خارج تصنيع العقل في حقيقته قبل اكتسابه صفة المعرفة القبلية التكوينية في الاشياء، القبلي الذي لا يدركه العقل بالموجودات من الاشياء لا وجود له جوهرا ماهويا متحققا العقل من أدراكه، فالجوهر الماهوي بالاشياء لا وجود له سواء أدركه عقل الانسان أم لم يدركه كون وجود الجوهر غير مؤكد. الجوهر في حقيقته المعرفية هو حدس تخميني افتراضي لوجود لا يحمل وثوقيته كموضوع يدرك . لذا يكون الجوهر والماهية في الاشياء غير موجودة بدلالة العقل الذي لم يسهم تصنيعيا بها من تراكم الخبرات العقلية المكتسبة كما يفعل مع صفات الاشياء وتكويناتها المدركة خارجيا من قبله. ولا يمكن أثبات وجود معرفة قبلية لم يصنعها العقل في مدركاته سوى البناء التكويني الفطري الجيني الموروث في الكائنات الحية وليس في الموجودات غير العاقلة في الحيوان والنبات أو غير الحيّة في الجمادات.

الصفات الجينية الموروثة هي معطى فطري بالولادة لم يكن للعقل دورا في بنائها التكويني ولا في زرعها بالمخلوقات الحيّة ولا بالاشياء. ولو أجرينا تنقيبا حفريا بيولوجيا جينيالوجيا في البحث عن تلك الخصائص النوعية في الكائنات والموجودات لوجدنا في جينالوجيتها البيولوجية خبرة تراكمية مكتسبة قبل أكتسابها صفة التوريث الجيني الفطري وهي صفات مكتسبة من متراكم التجربة التي أستقرت أحقابا تاريخية تلازم الكائن الحي حتى أصبحت بحكم تكرارها الزمني موروثات جينية فطرية بأختلاف جوهري عن الانسان في علاقته مع بناء ذاته وتصنيع ماهيته الجوهرية..الانسان يدرك جوهره الذي هو ماهيته الذاتية التصنيعية لان العقل بانيها وموّكونها. جوهر أو ماهية الانسان هو صيرورة من تراكمات الخبرة البنائية في تكوينه الذاتي غير المنظور وغير الممكن اثباته بالتجربة العلمية.

العقل يدرك ما هو قبلي في الاشياء الصفات التكوينية الخارجية التي هي من أبتداع العقل ذاته في خلعه عليها محتوى وصفات تشكيله لكل معرفة قبلية بالاشياء، وما يكون موجودا قبليا بالاشياء لم يكن من تصنيع العقل يكون هو جواهر وماهيات تلك المدركات القبلية التي لم يقم العقل بتخليقها ولا يوجد ما يؤكد وجودها داخل تكوينات تلك الاشياء من عدمه.

كون الجوهر أو الماهية هي خاصية لايمتلكها الحيوان ولا الاشياء غير العاقلة لا بالفطرة التوريثية ولا بالاكتساب الطبيعي كون الجوهر تخليق ذاتي يعي كينونته الوجودية.. وتصنيع الماهية عند الانسان هي تراكم خبرة لا تسبق وجوده الانطولوجي أنما ترافقه في التكوّين بعديا حتى وصوله نهايته في مرحلة الفناء العدمي بالموت.

جواهر الاشياء غير العاقلة المشكوك بوجودها التي لا يدركها العقل هي ملازمات تلك الاشياء تتصف بالثبات كخصائص محجوبة عن ادراك العقل ولا تجري عليها قابلية التصنيع العقلي الانساني ولا الحيواني لها في متراكم الخبرة، بخلاف جوهر الانسان الذي يتصف بالنمو والتطور المستمر في اكتسابه الخبرة التراكمية بالوعي العقلي النوعي للانسان في سعيه بناء ذاتيته الماهوية التي يكون وجوده سابقا عليها. الجوهر عند الانسان هو تصنيع ذاتي يقوم به العقل الذكي، بينما نجد الحيوان لا يمتلك ذاتا تصنيعية يدركها عقله ولا يدركها عقل الانسان، وسبب ذلك فارق وعي الذات الذكي بين الانسان والحيوان .. الاختلاف بين جوهر الانسان عن جوهر الحيوان وغيره من الكائنات، أن جوهر الانسان هو مايمثل مجموع تصنيع صفاته بنفسه في طفرة مغايرة تدعى الضمير أو الماهية او الذات أو الوعي الذكي، بخلاف الحيوان فجوهره يكون مجمل صفاته البيولوجية الخارجية الثابتة التي تنعدم معها قفزة النوع كضمير ووعي وذكاء وشعور بالزمن. بمعنى صفات الحيوان المدركة خارجيا هي جوهره، بينما صفات الانسان الخارجية المدركة من غيره لا تمثل جوهره المحجوب خلف صفاته.

هل الجوهر مدركا موجودا؟

من الجدير ذكره أن قضية وجود الجوهر في الاشياء الذي لا يدركه العقل أنما هي مسألة خلافية قيد الجدل الفلسفي الذي لم يخرج منها بنتيجة، ولعل أبرز الفلاسفة الناكرين لوجود جوهر الاشياء هو وهيجل ونيتشة والفلسفة الماركسية وديفيد هيوم، أما أبرز مخترعي وجود جواهر الاشياء التي لا يدركها العقل هم كانط وديكارت واقطاب الفلسفة الوجودية هوسرل وهيدجر، باستثناء سارتر الذي أعتبر الجوهر هو ماهية يجري تصنيعها بالخبرة التراكمية المكتسبة من الحياة وليست الماهية أو الجوهر معطى انطولوجي جاهز يلازم الموجود الانسان (بذاته) حسب التسمية التي أطلقها كانط وتداولها هوسرل بالفينامينالوجيا.

سارتر لا يعتبر جوهر الانسان معطيات فطرية يولد الطفل مزودا بها، بل يعتبرها تصنيعا ذاتيا يتطور بمرور حياة الانسان.أي الانسان بجهوده بالحياة وسط مجتمع يحقق ذاته ويبني ماهويته بارادته الحرة المسؤولة..كما يميّز سارتر بين جوهر الانسان وجواهر الاشياء بغض النظر من عدم تاكيد وجودها أو وجودها. فجوهر الانسان صيرورة حياتية يصنعها الوعي الذاتي بفرادة الانسان كموجود.

قبلية المعرفة بين العقل والجسم

من المهم التنبيه كما يعبر توماس ريد أن عمل العقل يشابه عمل الجسم في ميكانيكية أداء وظيفته بمحرك سابق عليه كما يذهب له العديدون. وحسب تحليلنا العبارة نذهب الى أن بيولوجيا وظائف الجسم لا تكون قبلية في أكتسابها الخبرة التي تكون في كل الاحوال مستمدة من العالم الخارجي، فالجسم يفهم ما هو قبلي عليه لا يسبق أمكانية معرفته السطحية له بدلالة العقل الحسّي وليس بدلالة مدخرات الخصائص المعرفية القبلية في الاشياء. كذلك العقل يختلف بأن مجمل ادراكاته ليست مستمدة من قبلية الاشياء معرفيا في سبقها أمكانيته البعدية في تحقيقه تلك المعرفة وجودا أنطولوجيا حيّا بتصورات مضافة جديدة لكل ما هو مدرك قبلي شيئي أو معرفي كموضوع.

أدراك قبلية المعرفة هو نفسه أدراك بعدية المعرفة من حيث الآلية والادراك العقلي لها. ومن غير المعقول أن العقل يدرك المعرفة القبلية بالاشياء بمعزل عن معرفته الادراكية البعدية لها. وفي غير هذا المعنى نذهب نحو الخطأ الذي يرى المعارف القبلية بالاشياء هي التي تزود العقل بما يجب أن يكون هو عليه وليس مايجب أن تكون المعرفة القبلية هي عليه من حيث حقيقة انطولوجيا المواضيع التي يدركها العقل جدليا بعديا لا يكتفي بمعرفتها السطحية كصفات غير قابلة للتخارج الجدلي معها بغية تطويرها.. نؤكد مقولتنا السابقة ليس مهما معرفتنا كيف يدرك العقل الاشياء ونترك تساؤلنا الصحيح لماذا يدرك العقل الاشياء؟

مقولة جورج ريد الصحيحة التي مررنا بها كل مالا يدركه العقل لا يمكن تمرير التسليم به كمعرفة قبلية لا علاقة ادراكية تصنيعية للعقل بها، من حيث أن كل حلقة في منظومة الادراك العقلية هي أدراك حسي تجريدي، فالعقل اذا لم يدرك ما ينطبع بالذهن لا يستبقه ادراك بدئي بما تنقله الحواس من أحساسات عبر الجهاز العصبي وما ينطبع بالذهن يعطي معنى الوعي المرتبط بالعقل ويعطي دلالة الفكر واللغة حول موضوع الادراك في التعبيرعنه، وهذه السلسلة تأخذ معناها الفيزيائي الادراكي من خلال أرتباطها بتفكيرالعقل في تسيّده منظومة الادراك العقلية كاملة..

ودلالة العقل الادراكية الحسّية التجريبية تلغي تماما أن تكون المعرفة هي قبلية مستقلة بذاتها ولا تنقاد للعقل في الادراك والتفسير لها. كل ما هو قبلي غير مدرك لا أهمية يمتلكها ما لم يتوفر عليه ادراك عقلي بعدي على ماهو قبلي في الموجودات هو من صنع العقل في الاشياء. بمعنى أن الاشياء المدركة عقليا لا تمتلك معارفها القبلية من غير مرورها بمصفاة العقل التوليدية لها كصفات بالاشياء وليست جواهرا أو ماهيات سواء في أفتراض تلك الجواهر موجودة أو غير موجودة.. العقل في معرفته الادراكية للشيء أنما يخلع عليه مدركاته الصفاتية الخارجية عنه ولا يزرع الجوهر في باطنه الداخلي.

لا شيء أقرب للعقل من العقل.. ديكارت

هذه العبارة المكتنزة المعنى فلسفيا ترى في كل موجود يحمل قبلية معرفية أو لا يمتلكها لا يمكن تمريره كانطباع ذهني قبل معرفته بدلالة العقل ذاته في تمريره، وهي نفس عبارة جورج ريد التي سبق لنا الاستشهاد بها مع فارق تعبير اللغة.

وما يدركه العقل وما لا يدركه لا يكون بمعزل عن دلالة العقل له في تمريره كموضوع أدراكي.. حتى الاحساسات المنقولة عبر الحواس لا تمتلك جواز مرورها الا بعد ادراك العقل لها، وكذا نفس الحال ينطبق على الاحاسيس التي يستشعرها الانسان استبطانيا جوّانيا عبر أجهزة تكوين الجسم لا يمكنها أن تكون انطباعات ذهنية لتلبية استجابات غريزية لها من غير فلترة العقل أجازة مرورها ويصار تلبية اشباعها كما في شعور الانسان بالعطش او الالم او الرغبة الجنسية أو الجوع أو الافراغ وهكذا. ونفس التعميم مع كل حلقة ترتبط بمنظومة العقل الادراكية. فالوعي هو ادراك عقلي حدسي كونه غير موضوع يدركه العقل، ولا يستمد الوعي قدرته الادراكية من غير تعالقه بالذهن والذاكرة والمخيلة والجهاز العصبي الناقل لتفكير ومخارج العقل، وأخيرا يأتي تعبير الفكر واللغة في خلاصة تعبير العقل عن الاشياء وكل حلقة خارج هذه المنظومة العقلية لا معنى لها بغير دلالة العقل لها أدراكا حدسيا في انتظامها الادراكي وليس ادراكا حسّيا منفصلا كونها حلقات معرفية استدلالية مجردة مهمتها نقل تعبيرات وافصاحات العقل ولا تشكل موضوعات أدراكية متعينة مادية للعقل..

عليه يكون كل موجود معرفي مدرك وغير معرفي لا مدرك هو حالة قلقة في فرضية أمتلاكه معرفة قبلية مدخّرة مستقلة عن بعدية الادراك العقلي لها.. وقبلية المعرفة المستقلة ذاتيا يجعل العقل منها معرفة بعدية لذا لا تمر الانطباعات العقلية بالذهن الا من خلال المرور عبر حاجز الادراك العقلي الذي يكون مصفاة لما يمكن أدراكه من عدمه بما يستقبله من أحاسيس داخلية وأحساسات خارجية. ...

في عبارة ديكارت أقرب شيء للعقل هو العقل تعني لا يمكننا ادراك معرفة قبلية بمعزل عن بعدية تناولها العقلي. وأقرب رقابة على عمل العقل المعرفي الادراكي هو العقل ذاته. وعي العقل لذاته هو وعيه لموضوعه معا. وعي العقل قبلية المعرفة هي الوعي البعدي لها.

كما يشير ارسطو أن المعرفة تتمثل في التطابق مع الشيء المعروف الذي عبّر عنه فلاسفة العرب القدامى مطابقة ما في الاذهان مع مافي الاعيان. رغم أن تعبير ارسطو وقدماء الفلاسفة العرب لمعنى التطابق الادراكي مع الاشياء كما في العبارة السابقة هو فهم سطحي لا يحمل أكثر من دلالة حسيّة مباشرة في مطابقة دلالة المنطوق أو المعبّر عنه باللغة مع المدلول الشيئي الذي يعنيه ويقصده..

المهم ما نستقرؤه من فهم التطابق عند ارسطو أن كل مدرك معرفي تتوقف حقيقته الوجودية في تطابق العقل له كشيء معروف أي كموجود انطولوجيا في عالم الاشياء الخارجي... ولم يتطرق ارسطو لمصطلح المعرفة القبلية التي هي مقولة أبستمولوجية مستحدثة عصريا بالفلسفة أنوجدت مع كانط... والحقيقة التي لم يتطرق لها ارسطو ولا فلاسفة العرب القدامى أن مصطلح تطابق العقل مع الوجود الانطولوجي للاشياء ليس كفيلا أعطاء المعرفة الحسية حقيقيتها الخاصة بها. ، أنما هو تعبيرناقص ليس دقيقا فالعقل صحيح يعطي مدركاته حقيقتها الانطولوجية في تطابقه الشيئي معها ، لكن العقل لا يدرك الاشياء في قصدية التطابق الساكن معها لتعيين وجودها الانطولوجي الذي يتطابق فيه الفكر الادراكي الذهني مع الشيءالمتعين انطولوجيا فقط... بل في تخليقها العقلي الجدلي من جديد باضافات معرفية عليها صادرة عنه وبغير هذا الفهم لا يبقى قيمة لا للعقل ولا للاشياء المدركة اذا كانت مهمة التطابق تنحصر بين تكامل العقل مع الشيء بعلاقة ليست تخارجية جدلية تجعل فكر العقل والوجود يتطوران بديالكتيك من العلاقة المتبادلة المتطورة بينهما.. الادراك العقلي للاشياء هو تخليق أنبعاثي تجديدي جدلي غير ساكن لها ومعها. وبمقدار تحقق الادراك العقلي للاشياء يجعل كلاهما يتطوران جدليا كفكر تجريدي معبّر عن الشيء، والشيء كموجود انطولوجي أدركه العقل بالتغييروليس في قصدية المطابقة معه بما يمنحه وجوده الحسّي فقط. .

 

علي محمد اليوسف/الموصل

..........................

الهوامش:

1- ريتشارد رورتي /الفلسفة ومرآة الطبيعة/ ت :د.حيدر حاج اسماعيل ص 212

2- المصدر اعلاه ص 218

 

 

علي محمد اليوسفربما يبدو غريبا القول لاول وهلة أن العشوائية التطورية لموجودات وظواهر العالم بنا ومن حولنا جدليا ماديا لا تأخذ لا بالحتمية التطورية، ولا بالقصدية، ولا بأهمية عامل الصدف المتتالية التي تحكم أبسط وأعقد ظاهرة في عالمنا الذي نعيشه على كافة الصعد والتنوعات الظاهرية العلنية والمستترة الخفية التي يتشكل منها عالمنا الارضي. وهذه النظرية يتشاركها المنهجين المادي والمثالي معا.

والمادية تلزم الصدف بالضرورة التطورية التي هي تقاطع قائم على كل انتظام يقود الى قصد تطوري مستقبلي هادف بعيدا عن حقيقة أن حركة المادة وحركة التاريخ تحكمهما العشوائية والصدف التي تقّر به الماركسية جدليا كما يتوضح معنا لاحقا. وهو نفس المذهب المثالي الذي يرى أن العالم لا يحكمه قوانين تطور المادة الجدلي بل يحكمه تطور الفكر أو الوعي في الاسبقية وتحكمه قوانين الطبيعة الثابتة وغير ذلك من عوامل لا يمكن التحقق منه وتلتقي المادية في عشوائية التطور.

وحركة كل شيء ندركه أنما هو سلسلة لا تنتهي من عشوائيات أعتباطية لا تروم تحقيق هدف قصدي تسعى اليه محكوم بقوانين طبيعية غير جدلية هي الاخرى تفقد السيطرة على انتظام التطور الذي هو في حصيلته انواع من العشوائيات والتوترات والصراعات المتناقضة الاهداف والاساليب.. هنا علينا التمييز بين الوعي الذي يلزم عنه أن يكون قصديا بالضرورة الادراكية، وبين حركة التطور العشوائية في المادة التي لا يلزم عنها ضرورة قصدية تروم وصولها مسبقا.

من المسلمّات التي كنا نتصورها حقيقة مطلقة أن الصراع المادي الجدلي هو الذي يستحدث الظاهرة الجديدة بكيفية مغايرة عن سابقتها بمحكومية الجدل بقوانين ديالكتيكية تحكم المادة كما تحكم التاريخ(المادية التاريخية) وهي قوانين وحدة صراع الاضداد، وقانون تحول الكم الى كيف نوعي، وقانون نفي النفي للظاهرة المستحدثة بأستمرار مخلية طريقها أمام جدل ديالكتيكي جديد يعتمل داخله تناقض بين ما يطلق عليه سلب وايجاب لا يتوقف ألا بازالة الموجب ضده السالب الذي يمثّل القديم بالظاهرة في منعها من الانحلال التطوري في أنهاء أنحلال ظاهرة قديمة يستبدلها قانون الجدل بظاهرة أخرى مستحدثة جديدة تنبثق عنها تعقبها وتليها. هذا على الاقل الجدل بصيغته التي بدأت كلاسيكيا بهيجل وأنتهت مستقرة بماركس.

وبهذه المنهجية التطورية تحدث التغيرات التي تتم بمعزل عن أرادة الانسان أو تدخله فيها الا في حال أتيحت الفرصة أمام الارادة التداخل مع الجدل كعوامل موضوعية مساعدة تدخل على عملية تسريع الصراع والتضاد الداخلي بما يحسم التناقض في ولادة الجديد المتطور. وهنا يكون دور الارادة الانسانية فقط في تداخلها مع جدل التناقض الاجتماعي في تطور التاريخ على صعيد التفاوت الطبقي وليس على صعيد جدل الصراع في المادة غير الحيّة. حيث في جدل المادة داخليا نجد العوامل الموضوعية المساعدة لتفعيل صراع التضاد فيها هي الظروف الخارجية وليس الارادة الانسانية.

النقد المثالي الذي يتناول الجدل المادي بالنقد المنهجي الايديولوجي - الفلسفي أن ولادة الظاهرة الجدلية الجديدة ليس شرطا أن يلازمها تطورا متقدما في تلك الظاهرة كما يذهب له الجدل المادي، بمعنى ليست هناك قصدية هادفة ملزمة تجعل كل ما ينبثق عن جدل متضاد بين سلب وايجاب يحقق هدفا مرسوما سلفا يعمل الجدل تحققه ويتخلق عن صراع الاضداد فيه، بمقدار ما تكون الظاهرة المستحدثة الناتجة عن الجدل يتخلق عنها ظاهرة أخرى تطبعها العشوائية والتشتت والتوترات المتضادة والصراعات والصدف كما كانت في الظاهرة القديمة التي سبقتها دونما تحقيقها تطورا جديدا..

ولا يجزم حسب المنظور المنهجي المثالي أن يتخلق عن ديالكتيك المادي الجدلي بالضرورة حدوث طفرة نوعية متقدمة في تطور خطّي تاريخي الى أمام.. الجدل المادي الكلاسيكي في المادية التاريخية يذهب الى أن صراع أضداد مرحلة تاريخية معينة يحتم بالضرورة أنبثاق حالة جديدة متطورة لاحقة تاركة القديم وراءها كحتمية تلازم كل تطور جدلي. والجديد المستحدث جدليا ليس عشوائيا تحكمه الصراعات والتوترات والتناقضات التي تعمل على استحداث انواع عديدة من الظواهر والحالات غير التطورية في تحقيقها الجديد الذي من المفترض المأمول لا تربطه بالقديم الذي انتهى نفس العشوائية غير المنضبطة.. بمعنى الجدل المادي لا ينبثق عنه بالضروة نقلة تطورية تراكمية وليست نوعية مستقرة لا تستهدفها الصدف ولا تتناوشها العشوائية من كل حدب وصوب كم هو الحال في الظاهرة القديمة قبل تفعيل الجدل الديالكتيكي فيها.

لو نحن تماشينا مع هذا المعنى غير التطوري المادي التقليدي بأعتباره منهجا علميا أجتماعيا صحيحا فهو يكون بالضرورة ملبيا اربع مواصفات تجريبية في تطور الظاهرة، هي عدم العشوائية، والزامية الحتمية، وتحقق القصدية،والغاء الصدف، في بلوغ الهدف المرسوم المطلوب سلفا، هذه الميزات هي ليست قوانين منهجية ديالكتيكية ولا هي نواتج فاعلية عمل قوانين طبيعية مثالية في تحقيق التقدم التطوري بالحياة. التي تنبثق عن أي جدل مادي يتقدم الى أمام بنقلات على طريق تحقيق الطفرة النوعية التي هي نقلة تكون حصيلة انتقالات جدلية متعاقبة على طول مسار تاريخي طويل من التراكم التطوري الكمّي. بمعنى الجدل لا يحقق طفرات نوعية مصاحبة لكل ظاهرة جدلية الا بعد المرور بمراحل عديدة من جدل الانتقالات والتحولات التطورية المتصارعة التي تقوم على الكم التراكمي وليس على الكيف(النوع) كطفرة الا بعد وصول التراكم الكمّي ذروته في الانتقال الى نوع وكيفية أخرى مستحدثة جديدة.،.

أصبح الاعتقاد اليوم ليس هناك حتمية تاريخية طبيعية تلزم الجدل الديالكتيكي بقصدية هادفة بوجوب وصوله لها وتحققها في الظاهرة المستحدثة على صعيدي المادة والمجتمع، وهو ما يمثل نفس المنحى المثالي الذي يقر بعشوائية التطور وينكر الجدل المادي أن يكون هو المنهج الطبيعي الذي يعتبر المادة او الواقع تقود الفكر وتطويعه لها وهذا هو المنهج المثالي تماما الذي يعزو التحولات التطورية في الحياة برمتها تقوم بها قوانين طبيعية وليست جدلية لا يتاح للانسان التدّخل بها والتحكم بها، ولا وجود لقوانين جدلية مستقلة تقود الى تطورات حتمية تسمى قفزات نوعية. وكل تطور لا يكون نظاميا خاليا من العشوائية غير المنضبطة سواء تم بمنهج جدلي مادي أو بمنهج قوانين غير جدلية طبيعية.. فالنتيجة تكون واحدة على صعيد عدم حصول تطور نوعي في الظاهرة المستحدثة الجديدة التي أنبثقت عن القديم.

من المفارقات الغريبة أنه بمقدار عدم أنكار الماركسية للصدف العشوائية التي تحكم عالمنا في تطوره التاريخي الذي هو في حقيقته نفسها التي تنكرها الفلسفة المثالية ايضا ولا تقر بها أن الصدف التي تقاطع التطور على صعيدي المادة والتاريخ هي سلسلة من العشوائيات المتكررة المتوالية التي لا يحكمها ترابط سببي يقودها تحقيق قصدية هادفة مرسومة سلفا. كما لا توجد هناك ضرورة الزامية ترافق الصدف وصراع الاضداد في تحقيقها قفزات تطورية نوعية.

بمعنى أن الجدل المادي أصبح اليوم لا يلغي عشوائية المسار التطوري ولا يأخذ بالحتمية الالزامية الضرورية وهو مالا تنكره المادية الماركسية اليوم بعد أن كان من محرمات التحريف للمنهج المادي في التطور. وكذلك لا ينكرهذا التوجه المنهج المثالي الذي ينكر على المنهج الجدلي هو قانون التطور الذي لا بديل عنه، فكل جديد ينبثق من رحم القديم لا يحمل نظامية وقصدية هادفة يحققها التطور بل يتخلق عن الجدل وقوانين الطبيعة ظواهر مستحدثة يشوبها ايضا العشوائية والصدف والصراعات والتوترات والصراعات الاختلافية غير المنضبطة لتبدأ مرحلة جديدة من نشدان التغيير والتبديل وهكذا..أذن كيف يحصل التطور في الاشياء على صعيد المادة من جهة وعلى صعيد المادية التاريخية من جهة اخرى.؟ .

كيف يتطور العالم من حولنا؟

السؤال ماهي الاسباب التي تجعل المادية التاريخية بحسب الفهم الماركسي تقود التاريخ في مراحله التطورية الى أمام بمنهج خطّي منتظم لا تعرقله الصدف ولا عشوائية المسارولا حتمية موهومة تحقق الهدف التطوري المنشود؟ هل ما يحصل من تطور في عالمنا عشوائيا سواء يحكمه الجدل المادي أم لا يحكمه حسب المنهج المثالي ويصادر ارادة الانسان فيه التي تساير وتعمل بكل جهد على تسريع التطور الحاصل بالحياة كعامل موضوعي مساعد لا ينتج عنه نقلة تجديدية نحو الامام؟ بمعنى بأية أسباب ولا نقول بأية قوانين يحصل التطور بالحياة والتاريخ في ظل تعطيل كل من قوانين الجدل المادي وقوانين الطبيعة المثالي التي يلتقيان عندها المنهجين المادي والمثالي،في قراءتهما التنظيرية المتباينة حصول التطور في تفسيرهما الاختلافي.؟ بمعنى أن التطور بالمادة والحياة والتاريخ هي مراحل من العشوائية غير المنضبطة بقواني تحكمها، والتي تقع على مهمة الارادة الانسانية تصحيحها ووضعها ضمن المسار التطوري الصحيح الذي يخدم تطلعات الانسان بالحياة ولا يقاطعها بالصراعات العبثية العشوائية.

من المعلوم في حال أقرارنا الجدل المادي هو عشوائية من المسار التاريخي اللاحتمي الذي لا تحكمه قصدية ذاتية، من الممكن تعويضها بالعامل الموضوعي ارادة الانسان الذي يساعد التضاد الداخلي الجدلي أن يتطور أسرع بما يخدم الارادة الانسانية في تحقيق الهدف المنشود من عملية التطور التي تحضر الارادة بصفة عامل موضوعي خارجي مساعد في تسريع التناقض الجدلي الداخلي وليس عاملا يتداخل مع القوانين التي تحكم التطور. ارادة الانسان في محاولة تسريع حصول هدف التطور لا تكون قانونا يحكم التضاد والصراع في انتاج وتخليق الظاهرة التجديدية المطلوبة. فهذه مهمة قوانين تطورية داخلية مادية أو غير مادية طبيعية ليس بمقدور الارادة الانسانية التداخل معها وتوجيهها بما ترغبه. التطور بالاشياء يوازي ارادة الانسان بالتغيير في استقلالية ولا تكون هي سببا في حصول التطور.

بهذا المعنى تبقى الارادة الانسانية هي عامل تسريع موضوعي خارجي يوازي القوانين التطورية ولا يتمكن من التحكم بها والسيطرة عيها. عليه يكون ناتج أي تطور بالمادة أو التاريخ لا يلبي رغبة الانسان كما يريد، لذا نجد كل القوانين التطورية المتفق عليها سواء أكانت جدلية مادية أم قوانين طبيعية لا جدلية مادية لا ينتج عنها بالضرورة حالة تطورية خالية من العشوائية والتضاد المستمر والصراع والتوترات التي لا تختلف كثيرا عما سبق لهذه المرحلة التطورية الجديدة أن غادرته.

وهذا التوصيف المنهجي المادي ترفضه المثالية التي تعتبر تجريبية الافكار وامتحانها يجعل من التصورات النظرية صادقة صحيحة أم زائفة لا معنى لها. بالاضافة الى أن الارادة الانسانية لا تكون عاملا مساعدا في تسريع التضاد والصراع الداخلي الا فقط على صعيد تطور المراحل التاريخية أجتماعيا على مستوى صراع الطبقات الاجتماعية وليس على صعيد ديالكتيك المادة غير الحية التي يكون تضاد الجدل التحوّلي فيها خاصية ذاتية لا يمكن للانسان المداخلة معها..

يبدو غريبا أن الماديين الماركسيين ( ينكرون الحتمية التطورية ويستبعدون الصدفة أيضا، ويتبنون عوض ذلك التطور الذي تحكمه قوانين لها سيطرة كاملة على مجموع صيرورة الكل).1، دونما توضيح ماهي تلك القوانين المقصود بها غير قوانين الجدل الماركسي وهذا تناقض مبدئي في النظرية الماركسية بخصوص نظرية الجدل التطوري.. هذا يقودنا تأكيد أن الجدل لا يقود الى تطور خطي ملزم لتقدم التاريخ الى أمام على وفق المبدأ الكلاسيكي صراع الاضداد الطبقي الذي تتبناه المادية التاريخية. ولا يحقق للمثالية البديل الذي تعتمده في أنكارها قوانين الديالكتيك الذي يقود الى تطور مرسوم الاهداف والغايات سلفا.

بمعنى أشمل ليس هناك قوانين تطورية من أي نوع تكون سببا ومنهجا في تطور الحياة على صعيدي المادة والتاريخ. وكل ظاهرة عشوائية مستحدثة تقوم الارادة الانسانية تصحيحيها في وضعها ضمن بنية نسقية تصنعها مصلحة الانسان وتحسين ظروف معيشته وحياته وليس هناك قوانين تطور ذاتية مادية وغير مادية طبيعية.

القوانين العامة والتطور

ما هي القوانين العامة التي تحكم صيرورة الكل التطورية بدلا من قوانين الجدل الديالكتيكي؟ في غياب جدوى قوانين الديالكتيك التطوري وفي غياب جدوى تساؤل ماهي القوانين العامة التي لها سيطرة كاملة على الكل ولا نعرف ماهي ولا نعرف مصدرها،؟ الا اذا تقاطعنا مع التفكير المادي بتطرف وتضاد غير مألوف ولا مسموح به أطلاقا أن نقول القوانين الطبيعية التي تحكم العالم وكل الوجود من حولنا هي قوانين مصدرها ميتافيزيقي هو الله ولا دخل لااردة الانسان بحدوثها.

وهذه القوانين التطورية التي نجهلها هي تشبه القوانين الطبيعية العامة التي تحكم  الطبيعة في ثباتها النظامي. وعندما نقول قوانين طبيعية ثابتة أنما المقصود بها تلك القوانين الكونية مثل قانون الجاذبية والزمان وقوانين الفيزياء في حركة الارض وعلاقتها بالمنظومة الشمسية التي تحكم سيطرتها على الطبيعة، وتعالقها بقوانين طبيعية سواء أكانت متغيرة تطورية غير مكتشفة للانسان تقود نحو التطور غير الغائي كون الطبيعة وقوانينها المتعالقة بها لا تمتلك وعيا بذاتها ولا وعيا بالموجودات التكوينية لها المتعايشة مع بعضها كما ولا تمتلك عقلا تفكيريا يتحكم بمسار وعمل تلك القوانين التي تحكم الطبيعة واشيائها..أو كانت قوانين تحكم نفسها كموجودات في الطبيعة ثابتة ساكنة لا تتطور بخصائصها الذاتية التكوينية لها مثل الجمادات.

وهذا الاستنتاج الذي ذهبنا له يقاطع كلا من المنهج المادي والمنهج المثالي على السواء في عجزهما توضيح ما هي الاسباب وما هي الكيفية التي يتطور بها العالم بموجوداته المادية والتاريخ من حولنا. اذا قلنا أن الارادة الانسانية هي صمام الامان في تنظيم حركة التاريخ العشوائية فهو ليس كافيا، من غير وجود عوامل خفيّة تفعل فعلها التطوري داخليا تحكم المادة والظواهر الاجتماعية بدفع موضوعي مساعد خارجي هو الارادة الانسانية أو الظروف الموضوعية. الارادة الانسانية تدخل كعامل موضوعي مساعد في تسريع تضاد جدلي قائم داخليا في المادة أو في الظاهرة، بمعنى الارادة لا تخلق صراع الجدل بالاشياء وأنما تقوم تهيئة ظروف تسريعية مؤاتية في تفعيلها الجدل الذي يعتمل داخليا في صراع مستدام داخل ظاهرة مجتمعية يتوجب تغييرها نحو الافضل أو في مادة. بهذا الخصوص يطرح الماديون لا شيء يبقى خالدا بأستثناء حركة المادة، من حيث هي مادة تحمل قوانين تحولها أنها لا تفنى ولا تستحدث نفسها من عدم لكنها تبقى مادة تحكمها حركة مستمرة دائبة تتغير وتتطور.

الوعي المادي

تعتبر المادية الماركسية ( الوعي أو العقل ماهو الا ظاهرة تابعة، هو نسخة انعكاس صورة فوتغرافية للمادة حسب تعبير لينين، كما لا يعترفون بوعي لا يرتبط فيزيائيا بجسم لذا فالمادة هي الاصل وتبقى المعطى الاول، أما العقل أو الوعي ليس هو الذي يحكم المادة ويقودها، وأنما المادة هي التي تحكم الوعي وتوجهه، وبذا يكون علم النفس الماركسي علم مادي وحتمي معا.)2

ولنا المداخلات التوضيحية والنقدية التالية:

- الوعي ليس هو العقل كما ورد التعبير عنه في العبارة، كما ولا ينوب الوعي عن العقل في مهامه البيولوجية والتفكيرية، من حيث أن العقل (مادة) بيولوجية هي الدماغ ومحتوياته العضوية مصدر تفكير العقل وعنه يأخذ الوعي صفة التفكير، والوعي ليس مادة رغم حقيقته أنه نتاج تفكير الدماغ المادي، والوعي هو نسخة كاربونية من تفكير العقل التجريدي، لكنما يبقى الفرق بينهما لا يقبل الخطأ على صعيد أختلاف البيولوجيا بينهما.

- صحيح المادة وجود يسبق الفكر والوعي والعقل، فالمادة وجود مستقل بالعالم الخارجي، لكن فاعلية أسبقية المادة على الوعي والفكر لا يمنحها تفويضا بوصايتها أنها هي تقود الفكر والعقل وليس العكس، المادة كوجود مستقل هي مصدر الفكرلا نقاش على صحتها، لكن الفكر هو الذي يقود المادة وليس هو يختلقها وجودا ويتحكم بها. كما لا سلطة مهيمنة للمادة على الفكر. كون الفكر ناتج مصدر عقلي مفكر، بينما تكون المادة معطى موجودي لا عقل ذاتي له يتحكم بوجوده ويتحكم بعلاقاته مع غيره من الموجودات في المحيط والعالم الخارجي والطبيعة.

- المادة هي واقع مستقل خارج ادراك العقل لها ولا تعي ذاتها ولا تعي الانسان، لكن المادة لا تصنع العقل كموجود تابع لها. فالعقل بتعريفه البايولوجي هو مادة ايضا وليس تفكيرا مجردا فقط عن عضويته في الجسم كدماغ بما يحتويه من مكونات هي الاخرى عضوية مثل المخ والمخيخ والنخاع المستطيل وشبكة الجملة العصبية. ولا ترتبط المادة بالعقل سوى بالادراك من جانب واحد هو ادراك العقل للمادة وليس ادراك المادة للعقل فالمادة والطبيعة لا تدرك الاشياء.

- المادة بمقدار ماهي مصدر انعكاس الفكر عنها، لكنها عاجزة عن قيادة الفكر والوعي والعقل. كون العقل مادة مفكرة واعية ذكية تعي ذاتها وتعي الموجودات وعالم الاشياء والظواهر من حولها. بخلاف المادة غير الحيّة التي لا تمتلك عقلا ولا تعي تكويناتها ولا المحيط ولا تعي علاقتها بالانسان.

- عليه يكون العقل هو وعي مادي يقود المادة ومواضيع تفكيره ولا ينقاد لها وتقوده هي كمواضيع ادركها العقل، والمادة التي لا تمتلك عقلا أنما هي تكون مصدر أنعكاس أفكار الادراك العقلي لها، لكنها لا تعي ذاتها ولا تعي المحيط كما لا تعي علاقة الارتباط الادراكي لها بالعقل الانساني.

- ويعتبر الماديون الماركسيون المادة غير العاقلة غير العضوية تخضع لقوانين ميكانيكية – قوانين فيزيائية ثابتة تجريبية علميا – لا تخضع لها المادة الحية التي تحكمها قوانين حتمية وسببية جدلية. 3

في أسطر سابقة كنا اشرنا الى أن جدل الديالكتيك قد تكتسب الحتمية والسببية في التنظير الايديولوجي المادي الماركسي، لكن يجد غالبية المفكرين المثاليين أن الحتمية والسببية هما من القوانين الطبيعية التجريبية التي تدرك عقليا تجريبيا، وليسا من قوانين الجدل التي تعتمل داخل المادة أو بين صراع الطبقات بما لا يخضع للادراك المباشر التجريبي كما هو الحال في تجارب القوانين العلمية الثابتة. لا توجد قوانين جاهزة تقود الصراع الطبقي كما نجده في قوانين التجارب العلمية.

عشوائية التطور

من الغريب أن نجد الجدل الماركسي يذهب الى( أن العالم ليس له هدف ولا معنى اذا اردنا الدقة في التعبير، وهو يتطور على غير هدى تطورا أعمى خاضعا لقوانينه الدائمية الثابتة، ولا يوجد شيء ثابت لا يخضع للتطور الجدلي، وليس هناك ماهو خالد باق الى الابد سوى المادة ).4

كنا ذهبنا في أسطر سابقة أن الجدل الماركسي هو تطور خطي أفقي يحكم التاريخ قصديا وليس عشوائيا أعمى بخلاف القوانين الطبيعية التي تحكم التطور بلا هدف وقصد مسبق، كما وتلزم قوانين الجدل الفاعلة فيه الظاهرة التطورية المستحدثة كناتج جدلي أنها عملية تجاوز للقديم الذي انبثقت من رحم الصراع المتضاد داخل القديم الذي أستولدها.

السؤال الذي لابد منه مالفرق بين قوانين الديالكتيك التي تحكم المادة والتاريخ بضمنه الحياة التي نعيشها التي يقول بها الماركسيون حين يجدون التطور الحاصل ناتجها، وبين القوانين الطبيعية التي تقول بها الفلسفات المثالية هي تحكم التطور؟ اذا أخذنا بضوء ما طرحناه سابقا أن كل تطور حاصل بأي شكل من اشكال قوانين الطبيعة أو قوانين الجدل كلاهما يلتقيان بنتيجة واحدة هي أن التطور الحاصل على كافة الصعد والمستويات هو تطور عشوائي أعمى لا يحكمه هدف معين سلفا يروم الوصول له وتحقيقه...أذن بأي المعيارين المنهجيين نرجّح قوانين التطور الجدلي على قوانين الطبيعة في انتهائهم الى حصيلة واحدة يلتقيان بها أن ما ينبثق عن التطور هو حالة من العشوائية واللامعنى على صعيدي المادة والحياة؟ ومن له القدرة وبأية وسيلة يخلع نظام التطور العشوائي في جعله نظاميا يتقدم دوما الى أمام بدلا من استهداف التشتيت الفوضوي له؟ هل هي ارادة الانسان أم شيئا آخريجعل من عشوائية ناتج التطور نظاما يقود الى أستحداث أنماط تطورية جديدة؟

اذا ما ذهبنا الى أن المادة هي الموجود الوحيد الخالد الذي لا يفنى في وجوده كطبيعة ازلية تحكمها قوانين طبيعية ثابتة لا تخضع لمنهج التطور الجدلي، ولا لقوانين وضعية يستطيع الانسان خلقها بالسيطرة عليها، فالمحصلة اننا نجد انفسنا أمام حقيقة أنه ليس هناك تطور يناقض ويقاطع قوانين الطبيعة الثابتة التي تتحكم بكل شيء، كما لا تخضع لقوانين الجدل الذي يقود الى عشوائية تطورية، وان نظريات المنهج المادي والمنهج المثالي عاجزين عن أحكام السيطرة على نواتج أي تطور عشوائي يصبح معنا.. أن لغز التطور الذي يحكم الحياة المادة والتاريخ أمر مشكوك في حدوثه وحصوله بغياب تحقيق نتائجه في التطور المنتظم غير العشوائي.

المادية والميتافيزيقا

يرى الماديون الجدليون أن العالم الارضي الذي نعيشه وحدة كلية هي الحقيقة الوحيدة ولا شيء خارجها. أي كل ما يتعلق بقضايا الميتافيزيقا وسردية الدين منها على وجه التحديد لا علاقة تربطها بهذا العالم المادي المتجانس في جوهره الذي تحكمه قوانين محكمة داخلية كوجود قائم بذاته هو مجمل الطبيعة التي تحكمها القوانين الطبيعية الخاصة بها، ولا يدرك التطور بدلالة ماقبله ولا يمكننا تفسير ظواهره بدلالة مابعده خارجيا.

والقوانين العامة التي تحكمه في علاقاته الداخلية بما يحتويه من موجودات هي قوانين مستمدة من حركة محتوياته المستمدة من طبيعته التكوينية. وكل الاشياء خارج موجودية هذا العالم لا قيمة حقيقية لها وليست جديرة بالاهتمام. لكن الاستثناء الذي يمكن تثبيته وعدم مجاوزته، أن هذا العالم رغم أستقلاليته التامة ألا أنه جزء من عالم كوزمولوجي يؤثر به، فمثلا ارتفاع درجة الحرارة على الارض وتعالقها السببي بالكوزمولوجيا فيزيائيا لا يمكن التغافل عنه. كذلك العديد من القوانين الفيزيائية مثل قانون الجاذبية وقانون تعالق الزمان والمكان وقوانين الكهرومغناطيسية التي لا يمكن انفكاك تأثيرها على العالم الارضي . .

 

علي محمد اليوسف /الموصل

..........................

الهوامش:

1- ا.م. بوشنسكي /الفلسفة الاوربية المعاصرة /ت:عزت قرني ص 97

2- نفسه نفس الصفحة

3- نفسه ص 96

4- نفسه ص 96

 

 

 

عبد الجبار الرفاعي

اللغةُ كائنٌ تنطبق عليه القوانينُ التي يخضع لها كلُّ كائن حي،كلُّ كائن حي لا ينمو ويتطور يتحجر ويموت. اللغةُ كائنٌ اجتماعي حقيقتُه التغيّر والتحوّل. اللغةُ الحيّة ذاتُ ديناميكية داخلية، تولد فيها كلماتٌ جديدة وتندثر أخرى، تبعًا لديناميكية التطور الحضاري للمجتمع الناطق بها، لذلك تواصل كلماتُها باستمرار الولادةَ والنموَّ والشيخوخةَ والمرضَ والموت، وتبعًا لذلك تتجدّد أساليبُها البيانية، وطرائقُ التحدث بها.

كلُّ لغة تُنطق وتُكتب بقواعد، لا يمكن إهمالُ تلك القواعد كليا في التحدث والكتابة، قواعدُ النطق في اللغات الحية سهلةُ التلقي منذ الطفولة من البيئة اللغوية، وسهلةُ التعلم والإتقان. قواعدُ اللغة العربية كثيرةٌ دقيقة تفصيلية متشعّبة، تتنوّع فيها اجتهاداتُ البصريين والكوفيين الأوائل ومن تأخر عنهم. قواعدُها صعبةُ الإتقان للمتخصّص، إذ يلبث التلميذُ سنواتٍ عديدة في دراستها ثم تدريسها ولا يتقنها أحيانًا، فكيف بغير المتخصّص الذي لا يخصّص سنواتٍ لتعلّمها، وهم أكثرُ الناطقين بها من أبنائها. هذه مشكلةٌ مزمنة يعيشها الناطقون بالعربية، تدعونا لتيسير قواعد النطق بهذه اللغة.

استبدّت مقولةُ "الفصاحة" و"الإعراب" بالعربية، وتحولت "الفصاحةُ" و"الإعراب" بمرور الزمن إلى سلطةٍ صارمة، أعاقت الديناميكيةَ الذاتية لتحديث اللغة لنفسها، ومنعت اللغويين من تيسير قواعد النطق بها، بالشكل الذي يتمكن معه المتحدّث بها من مراعاتها بسهولة، ويتبادر إليه إعرابُها بعفوية يرثها من بيئته اللغوية، بلا تَعَلَّم وإتْقَان وتخصّص.

‏ مشكلةُ العربية تشبّعها بهالة المقدّس، بوصفها لغةَ القرآن الكريم والنصوص والتراث الديني، واستحواذ المدارسُ الدينية على تعليمها بالتدريج، وأفضى ذلك إلى أن يتولى حمايتَها رجالُ الدين ففرضوا سلطتَهم وسطوتَهم، إلى درجة صارت أيّةُ دعوة لإعادة النظر في قواعدها وأساليبها وتحديثها كأنها عدوانٌ على مقدّس.

يقول علي الطنطاوى: "أصبح النحو علمًا عقيمًا، يدرسه الرجل ويشتغل به سنين طويلة ثم لا يخرج منه إلى شيء من إقامة اللسان والفهم عن العرب. وإنني لأعرف جماعة من الشيوخ، قرؤوا النحو بضعة عشر عامًا، ووقفوا على مذاهبه وأقواله، وعرفوا غوامضه وخفاياه، وأوّلوا فيه وعللوا، وأثبتوا فيه ودللوا، وناقشوا فيه وجادلوا، وذهبوا في التأويل والتعليل كلّ مذهب، ثم لا يفهم أحدهم كلمة من كلام العرب، ولايقيم لسانه في صفحة يقرؤها، أو خطبة يلقيها، أو قصة يرويها. ولم يقتصر هذا العجز على طائفة من الشيوخ المعاصرين ومن قبلهم من العلماء المتأخرين، بل لقد وقع فيه جلة النحويين وأئمتهم منذ العهد الأول"[1].

حضرتُ مناقشةَ دكتوراه قبل عشر سنوات في تخصّص اللغة العربية، كان المناقشون خمسةَ أساتذة يحملون لقبَ أستاذ دكتور باللغة العربية، جلستُ نصفَ ساعة فخرجتُ لكثرة الأخطاء النحوية في نطق بعضهم. عندما خرجتُ رأيتُ أحدَ المؤلفين المحقّقين المعروفين غادر القاعةَ قبلي، كان متذمرًا جدًا لفرط انزعاجه من أحد المناقشين الذي ماتت حروفُ الجرّ في حديثه وتعطلت وظيفتُها على لسانه.

لا يعود ذلك فقط إلى: تقصيرِ المعلمين في تعليمِ اللغة ونحوها، أو إهمالِ وعدمِ جدّية المتعلمين، أو ضعفِ وإخفاقِ المقرّرات الدراسية، بل يعود أيضًا إلى مشاكل بنيوية عميقة في تكوين وتدوين النحو، ومعاجم اللغة، وتسلّطِ الفصحى والنحو، وشحّةِ المراجعات النقدية للتراث المعجمي والنحوي للعربية، وعدمِ الانفتاح على المكاسب العلمية الحديثة في اللغة، ورؤية الآفاق المضيئة للألسنيات ومناهجها وأدواتها ومعطياتها الفائقة الأهمية، المتفاعلة بعمق مع الفلسفة وعلوم الإنسان والمجتمع اليوم.

اعترف بعجزي عن إتقان النحو، ‏مع أني درسته عدةَ سنوات، فمضافًا إلى دراستي للنحو في مراحل الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية، درّستُ في الحوزة هذه الكتب: قطر الندى وبلّ الصدى، وشرح ابن عقيل لألفية ابن مالك، وشيئًا من شرح ابن الناظم لألفية ابن مالك، الذي تتلمذتُ فيه على يد العلامة اللغوي المرحوم رؤوف جمال الدين في الحوزة. سرق من عمري تَعَلّمُ الصرف والنحو والإعراب والبلاغة عدة سنوات، تَعَلَّمته على يد شيوخ متمرّسين في تدريسه، ثم دَرَّستُه لمجموعة من التلامذة في مرحلة مبكرة من حياتي، لكني أخفقتُ في إتْقَانِه بدقة، والتخلصِ نهائيًا من أية أخطاء نحوية في الحديث والكتابة، ومازلت حتى اليوم أعود لمحرّر ٍكي يدقّقَ ما لا أتنبه إليه من أخطاء. وطالما تورطتُ في جدال، غالبًا ما يكون عقيمًا، لأن مَنْ يحرّر نصوصي يرفضُ بشدة استعمالي الجديد للكلمات، الذي لم يتداوله البدوي قبلَ تدوين المعاجم، وكأن اللغةَ وُلدت على لسان العربي الأول مكتملةً مقفلةً، أو مصابةً بعقم أبدي، وكأن توليدَ الاستعمال الجديد للكلمة خطيئة.

‏   كَبَّلت الفصاحةُ والإعرابُ العربيةَ وعطّلتها عن تجديد أساليبها البيانية قرونًا طويلة، إلى أن فرضَ العصرُ الحديث على المتحدّثين والكتّاب التناغمَ مع إيقاعِ التطور الحضاري، والانفتاحَ على التراكمِ المعرفي الواسع في مختلف العلوم البشرية، والإفادةَ من المكاسبِ المهمة في علوم اللغة واللسانيات، وما تتطلبه كلُّ لغةٍ تريد لنفسها مواكبةَ الحياة، وتلبيةَ احتياجات الناطق بها للحضورِ في زمانه وعصره، من الاغتناءِ بنتائج هذه العلوم ومكاسبها وأدواتها ومناهجها.

تمرّدت اللهجاتُ العربية على "الفصاحة" و"الإعراب"، وابتعدت بالتدريج عن العربية الفصيحة، ولم تأسرها قواعدُ النحو، بعد أن اتخذت لنفسِها مساراتٍ تستجيب لاختلاف المجتمعات، وتنوّعِ ثقافاتها، وظروفِ معاشها المتعدّدة، فصار كلُّ بلدٍ يتحدّث لهجَته الخاصة، وما فرضته متطلباتُ التواصل داخل عالَمه الخاص والعالَم من حوله.

اللهجةُ احتلت موقعَ اللغة الأم، قواعدُ اللهجة وأساليبُها البيانية ونظامُها التركيبي والصرفي والصوتي والدلالي لا تتطابق كليًا وأنظمة العربية الفصحى. وتيرةُ تطور اللهجة متسارعةٌ، حتى أن مدينةً مثل بغداد تتبدّل لهجتُها في قرن واحد بشكل كبير، لهجتُها في النصف الأول من القرن العشرين تختلفُ عن لهجتها في نهاية نصفه الثاني. اللهجةُ محكومةٌ بتحولات الأجيال، والتغيير الاجتماعي، ومختلف الأحوال السياسية والاقتصادية والثقافية والدينية.كأن اللهجةَ تولدُ بولادة كل جيل ولادةً جديدة. إلا أن العربية الفصحى تظلُّ هي القاسم الحضاري المشترَك الذي يجب أن يحميه كلُّ الناطقين بهذه اللغة. ممانعة حرس الفصحى ورفضهم لتحديثها تفقدها وظيفتَها الحضارية العظمي بالتدريج.كلما أمتد الزمنُ بها ولبثت عصيةً على أية محاولة لتيسير نحوها وأساليب التحدث بها وكتابتها، يبتعدُ أكثرُ الناطقين بالعربية منها ويشتد عجزهم عن التحدث والكتابة بها.

يقول توشيهيكو إيزوتسو: "كلُّ واحدة من كلماتنا تمثّل منظورًا خاصًا نرى فيه العالَم. وما يسمّى مفهومًا ليس سوى بلورة لمثل هذا المنظور الذّاتي". وخصّص محمد عابد الجابري الفصلَ الرابع من كتابه "تكوين العقل العربي" لدراسة رؤية الأعرابي للعالَم، وكيف كان: "الأعرابي صانع العالم العربي"، يقول الجابري: "لقد جمعت اللغة العربية من البدو العرب الذين كانوا يعيشون زمنا ممتدًا كامتداد الصحراء، زمن التكرار والرتابة، ومكانًا بل فضاءً فارغًا هادئًا، كل شيء فيه صورة حسية، بصرية أو سمعية. هذا العالَم هو كل ما تنقله اللغة العربية إلى أصحابها، اليوم وقبل اليوم، وسيظل هو مادامت اللغة خاضعة لمقاييس عصر التدوين... أن يظل الذهن العربي مشدودًا، إلى اليوم، إلى ذلك العالم الحسي اللاتاريخي الذي شيده عصر التدوين، اعتمادًا على أدنى درجات الحضارة التاريخية عبر التاريخ، حضارة البدو الرحل التي اتخذت كأصل ففرضت على العقل العربي طريقة معينة في الحكم على الأشياء، قوامها: الحكم على الجديد بما يراه القديم"[2].

لبثت مجامعُ اللغة العربية تضيّعُ جهودَها في محاولاتٍ عقيمة، عندما انشغلت عشرات السنين بالعملِ على بعث ألفاظ متخشّبة مندثرة، بذريعة فصاحتها باستعمال البدوي لها قبل عصرِ التدوين، على الرغم من أن تلك الألفاظَ "الفصيحة" عكست رؤيةَ البدوي الضيقةَ للعالَم، وكانت مرآةً لمفاهيمه المحدودة، وأمّيته الثقافية، وأن العملَ على إحيائها وتوظيفها مجدّدًا كان مصيرُه الفشل، لأنه ينتهي إلى إرغامِ تفكير الناطق بالعربية على الارتهان لرؤية البدوي للعالَم، وتبنّي قيمه، والاحتفاءِ بمفاهيمه المحنّطة، وهي رؤيةٌ وقيم ومفاهيم يراد لها أن تأسرَ مصيرَ العربي اليوم، وتتنكّر لها اللهجاتُ العربيةُ المتداوَلة في الحياة اليومية على تعدّدها وتباعدها المتواصل بين مشرق الناطقين بها ومغربهم.كأن مجامعَ اللغة العربية تريد أن تشطب على كلِّ التطور الحضاري ومكاسبِ العصور الحديثة بالارتهانِ لرؤية العالَم القديم والانخراِط في مشاغله.

في مرحلةٍ لاحقة من نشأة النحو تشكلت قواعدُ اللغة العربية في ضوء قوالب المنطق الأرسطي، مثلما وقع غيرُها من علوم اللغة في هذه القوالب، وتحوّل هذا المنطقُ إلى بنيةٍ للتفكير في علم الكلام، وأصول الفقه، والفقه، وغيرها من علوم الدين.كلُّ هذه العلوم أضحت يتحكّم بها المنطقُ الأرسطي، تفكّر في إطار قواعده، وتستدلّ بأساليب محاججاته، وتبرهن بطرائق استدلاله، وتتحدّث في سياق معجمه ومصطلحاته. انتهت علومُ الدين واللغة إلى أن تقع في مدارات مسدودة يبدأ التفكيرُ فيها من حيث انتهى وينتهي من حيث بدأ، وباتت مكبّلةً تعجز عن الإفلاتِ من هذه الحدود الصارمة، والبحثِ عن أفق بديل لمنطق التفكير وآفاقه. رسّخ هذا المنطقُ بنيةً للتفكير متجذّرةً يصعب جدًا التحّررُ منها، وكأننا نرى طفلًا ظلّ يتغذّى بالغذاء نفسِه الذي تلقاه في مرحلة الرضاعة، لم يغادره في فتوته ومراهقته وشبابه حتى شيخوخته، على الرغم من أن متطلباتِ الغذاء لكلِّ مرحلة من العمر تحتاج إلى عناصر أساسية لبناء الجسد ونموّه وتطوره.

أدعو لتيسير قواعد العربية وليس للاستغناء عنها، تيسيرها بالشكل الذي يجعل تلقي أبناء اللغة لها من أمهاتهم وآبائهم وعوائلهم وبيئاتهم عفويًا تلقائيًا،كما يتلقون كلمات ومعجم النطق بها. وأدعو لتحديث معجمها ليتسع لاستيعاب ما يستجدّ من مصطلحات وتسميات مكاسب العلوم والمعارف والتكنولوجيا.

هذا ليس رأيي فقط،كي يقال إنه نشاز، هذا رأيٌ اشتهر عن جماعة من علماء اللغة والنحو المعاصرين، ممن كانوا يفكرون بذلك، وكتبوا فيه. هناك مجموعةُ علماء عملوا على تيسير النطق بالعربية غير أن دعوتَهم أُجهضت مبكرًا، لسطوة الفصاحة والنحو وتسلّطهما الشديد، مثلما أُجهضت كلُّ دعوات الإصلاح في بلادنا. أصحابُ هذا الموقف هم جماعةُ الميسرين الذين دعوا لتيسير النطق باللغة وقواعدها من أبرز علماء اللغة والنحو، فمثلًا خصّص عضوُ مجمع اللغة العربية ابراهيم أنيس فصلًا بعنوان: "قصة الإعراب" في كتابه: "من أسرار اللغة"، كشف فيه كيفيةِ نشأة الإعراب، وكيف صار نظامًا صارمًا للسان العربي، واتخذ قيمةً عليا استأثر بها النحاةُ فصنعت لهم مكانةً استثنائة، ترسّخت من خلالها سلطتُهم المعرفية على العربية. يروي أنيس هذه القصةَ بقوله: "ما أروعها قصة! لقد استمدت خيوطها من ظواهر لغوية متناثرة بين قبائل الجزيرة العربية، ثم حيكت. تم نسجها حياكة محكمة في أواخر القرن الأول الهجري، أو أوائل الثاني على يد قوم من صنّاع الكلام، نشأوا وعاشوا معظم حياتهم في البيئة العراقية. ثم لم يكد ينتهي القرن الثاني الهجري حتى أصبح الإعرابُ حصنًا منيعًا، امتنع حتى على الكتّاب والخطباء والشعراء من فصحاء العربية، وشق اقتحامه إلا على قوم سُمُّوا فيما بعد بالنحاة... ومع أن الإعراب ليس في حقيقته إلا ناحية متواضعة من نواحي اللغة، فقد ملك على الناس شعورهم، وعدوه مظهر ثقافتهم ومهارتهم الكلامية، يتنافسون في إتْقَانه، ويخضعون أقوال الأدباء لميزانه، فليس الفصيح في نظرهم إلا من راعى قواعده، وأخذ نفسه باتباع أصوله ونظامه... وصارت قواعده في آخر الأمر معقدة شديدة التعقيد، وقد تفنى الأعمار دون الإحاطة بها، أو السيطرة عليها سيطرة تامة. وصرنا الآن ننفر منها لما اشتملت عليه من تعسف وتكلف، بغّضَ إلى الكثيرين دراسة اللغة العربية في العصر الحديث"[3].

البعضُ يعتاش على سلطة الفصاحة والنحو، والدعوةُ للتجديد تناهضها دائمًا شبكاتُ مصالح متجذّرة متشعّبة معقّدة، وطالما خرجت من فضاءِ النقاش العلمي إلى ضجيجِ الجدل البزنطي.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

..................

[1] الطنطاوى، علي، فكر ومباحث، ص 13، 1988، مكتبة المنارة، مكة المكرمة.

[2] الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي، ص 78، ط13، 2017، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

[3] أنيس، ابراهيم، من أسرار العربية، القاهرة، مكتبة الأنجلو المصرية، ط 4، 1972، ص 198 – 199.