علي رسول الربيعييعارض التقليد الهيغلي الخط الكانطي في الفلسفة السياسية، والذي أثر بدوره على العديد من النظريات  لاحقا. يرتبط فهم هيجل للسياسة والقانون ارتباطًا وثيقًا بفهم كانط ومع ذلك يختلف عنه بشكل حاسم. أولاً، يتجلى تقارب كبير بين الفيلسوفين في تأكيد هيجل على العقل الذي يتم التعبير عنه في الحركة الديالكتيكية للروح. وثانيا، يؤكد هيجل مثل كانط على العقل عندما يجادل في فلسفة القانون بأن ما هو معقول هو واقعي؛ وما هو واقعي فهو معقول.[1] وثالثا، يمكن العثور على هذا التقارب في تحديد العلاقة بين السياسة والقانون والحرية، لأن هيجل يفترض علاقة شرطية متبادلة بينهما أيضًا، بقدر ما يهدف القانون والسياسة إلى تحقيق الحرية.

هناك اختلافات واضحة على الرغم من أوجه التشابه هذه في فهم كانط وهيجل للفلسفة السياسية؛ وتكشف عن ذلك فلسفتهم للقانون.[2] أولاً، يؤكد هيجل أن العلاقة بين الحرية والقانون في المجال السياسي ليست علاقة سببية، بل تقدم نفسها كعملية جدلية خطوة بخطوة. لا يمكن للقانون أن ينتج الحرية بمعنى خطي، كما لا يمكن ترجمة الحرية إلى دلالات قانونية حصرية تمامًا، وكلاهما يخضع لعملية ديالكتيكية في سياق التاريخ. وكذلك، لا يركز هيجل على معقولية القانون بقدر ما يركز على الاستخدام الملموس للحقوق. فليست هدفه استنتاج القانون العقلاني والتوصية به كنظام من الافتراضات المعيارية بقدر ما هو كشف كيف يخدم استخدام الحقوق وتحقيق الحرية الإنسانية.

ثانيًا، لا يمكن اعتبار الفرد منفصلاً عن المجتمع. ولا يقف الفرد والمجتمع مقابل بعضهما البعض كأقطاب متقابلة كما يبدو هذا الحال غالبًا مع كانط، فكلاهما في علاقة متبادلة لا تنفصم. يفسر هيجل هذا بوصفه تداخل لا يمكن الغاءه بين الخاص والعام. تنتج هذه العلاقة من حقيقة أن احتياجات الأفراد مرتبطة ارتباطًا وثيقًا برفاهية المجتمع في المقام الأول.[3] لهذا السبب ينتقد هيجل  فردية فلسفة كانط السياسية، والتي تنعكس في فهمه للدولة. لا يجب، وفقًا لهيجل، تفسير الدولة على أنها مجموع المصالح الفردية بل هي عملية ديالكتيكية للمواطنين والمجالات الاجتماعية المختلفة.

أحد العناصر الأساسية لفلسفة هيجل السياسية هو فهم الأخلاق بوصفها تعبير عن"مفهوم الحرية الذي أصبح جزءًا من العالم الحالي وطبيعة الوعي الذاتي".[4] فتحصل الحرية في مجال الأخلاق بالمعنى الاجتماعي. يؤكد هيجل على أن الأخلاق تتكون دائمًا بشكل محدد او في سياق أجتماعي معين وأنه من الضروري للفلسفة السياسية أن تأخذ هذا في الاعتبار. فيجادل من خلال هذا النموذج الاجتماعي النظري  ضد المفهوم العقلاني للمجتمع أو الدولة ويؤكد على أهمية المجالات المختلفة للأخلاق (الأسرة، المجتمع، الدولة). وهذا يعبر بدوره عن التشابك الجدلي بين الخاص والعام. يستعيد هيجل، من وجهة نظر منهجية، فصل كانط الواضح بين لأخلاق والقانون ويؤكد تنوع الممارسات الاجتماعية والأخلاقية والقانونية للمجتمع كشرط مسبق للسياسة؛[5] لكنه يعود فيشك  في هذا التنوع ويربطه مرة أخرى بالدولة في النهاية.[6]

يمكن ملاحظة أن هناك تطور في كتابات هيجل فيما يتعلق بفهم الدين. فبينما يمكن تمييز نوع من القرب من تعريف كانط للأخلاق والدين في المرحلة المبكرة  من كتاباته، ألأً أنه تحول في الأعمال اللاحقة الى التركيز بشكل واضح جدًا وحاد أحيانًا على الدين من ناحية المشاعر بشكل عام وعلى نظرية شلايرماخر للدين بشكل خاص.[7]. فيربط بين الدين والفلسفة ارتباطًا وثيقًا لأن الفلسفة، مثل الدين، هي تعبير عن الروح المطلقة كما يرى. لذلك يخلص الى أن الدين يجد تبريره في الفلسفة".[8]

ينظر هيجل الى الدين على أنه دين تاريخي للوحي في المقام الأول. " فلم تعد تُظهر الروح المطلقة، في الدين المطلق، كلحظات مجردة، بل هي تتجلى فيه".[9] ويرى أنه يُعبرعن الدين الذي يُفهم على أنه روح مطلقة  بطريقة خاصة جدًا كما في المسيحية، حيث تُفسرعقيدة الثالوث عن الله بوصفها الشكل الأكثر كمالًا للدين.

يعبر هيجل في تحديد مكان الدين في الروح المطلقة من خلال الاختلاف بين الدين والمجتمع أو السياسة. ويؤكد، فيما يتعلق بدور الدين داخل الدولة، أنه يجب الفصل بينهما، لأن بهذه الطريقة فقط يمكن التوفيق بين الاثنين.[10] يرتبط الدين والسياسة ببعضهما البعض لأنهما يعتمدان على مفهوم الحرية نفسه. و يرى من منظور تاريخي، إن المسيحية هي الأساس الأخلاقي للدولة الحديثة، بقدر ما هي أصل الحرية القانونية والأخلاقية وحتى السياسية".[11]  فبالرغم من أن الدين هو أساس الدولة الأً أن الدولة بدورها هي تحقيق لتلك الروح الموجودة في العالم والتي تمثل في الوقت نفسه محتوى فعل الإيمان.[12] فيقدم الدين كتعبير عن الروح المطلقة ونقيضًا للمجال الاجتماعي والسياسي للروح الموضوعية. [13]

يُفهم الدين في فلسفة القانون عند هيجل، ايضًا، بوصفه شيء يتجاوز خصوصية الموقف المتدين الورع  الخاص للوعي ويقدم نفسه مكانًا لإظهار عالمية الإنسان في الحياة الفكرية والثقافية التاريخية.

إن الدين دائمًا ما يكون بمثابة رد فعل نقدي للممارسات الاجتماعية الحالية للروح الموضوعية عند هيجل.

تعتبر فلسفة هيجل السياسية مصدرًا لأفكار العديد من المقاربات الفلسفية المعاصرة. إن إعادة صوغ أكسل هونيث لفلسفة هيجل للقانون هي بالتأكيد واحدة من أهمها اليوم. تركز نظريته، من منظور هيجلي، على الظروف المتنوعة للاعتراف الذي تُبنى عليها المجتمعات والذي يسبق أي تفكير أخلاقي.[14] إن مركز اعتبارات هيجل، طبقًا لقراءة هونيث هو مجال الأخلاق، الذي يفسره على أنه تجربة حرية التواصل.[15] ويتم التعبير في هذا المجال الأخلاقي عن ديالكتيك العام والخاص، الذي أعتبره هيجل تفاعل بين الإدراك الذاتي للفرد ونظام المجتمع ككل. يحرر الناس أنفسهم من المعاناة ومن اللامبالاة في الإدراك الاجتماعي للحرية فقط .[16] يجادل  هونيث بناءً على نظرية الاعتراف هذه  ضد التمييز الحاد بين ماهو كائن وما يجب  أن يكون، فيربط التفكير في العدالة بتحليل شامل للممارسات الاجتماعية والمعيارية التي تم تحقيقها بالفعل. لذا فإن مهمة النظرية الاجتماعية النقدية هي تحليل المؤسسات والممارسات المعينة فيما يتعلق بإنجازاتها المعيارية وكشف مدى أهميتها للتجسيد الاجتماعي لقيم الشرعية وتحقيقها.[17] لا يعني هذا الاعتراف غير المقيد بالحقائق والوقائع ولكن بالأحرى يجب استخدام إعادة بناء حاسمة للإمكانيات غير المتنازع عليها للممارسات للفت الانتباه إلى الكيفية التي ينبغي بها تطويرها بشكل أكبر.

يمكن العثور، بالإضافة إلى فحص هونث لفلسفة هيجل في القانون، على اقتراضات من فلسفة هيجل في الفلسفة  الجماعاتية والبراغماتية والتفكيكية ايضًا. لذلك ليس من المستغرب أن فلاسفة مثل تايلور كانوا من المستلهمين لفلسفة هيجل السياسية.[18] تؤكد النزعة الجماعاتية والبراغماتية، مثل هيجل، على تنوع الممارسات الثقافية كأساس لعمليات المحادثة والتفاوض الاجتماعي. إن العقل الذي يسعى إلى العام، من وجهة نظرهم، هو دائمًا في علاقة لا تنفصم مع تعددية الممارسات الاجتماعية الخاصة. لذلك، ليس من الضروري تنقية المعتقدات الدينية من خلال مرشح العقل العمومي المشترك؛ وبدلاً من ذلك، تُفهم المعتقدات الدينية على أنها جزء مهم من العمليات التداولية بخصائص ثقافية مختلفة.

 

 الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..........................

[1] Hegel.G. W. F. , Outlines of the Philosophy of Right, Oxford University Press,2012,24.

[2] م، ن.

[3] Thompson, K. (2001). Institutional Normativity. The Possibility of Right. In: Wil­liams, R. R. (Hrsg.), Beyond Liberalism and Communitarianism. Studies in He­ gel's ,Philosophy of right,. Albany, 41-65.

[4] Hegel.G. W. F. , Outlines of the Philosophy of Right,142.

[5] Reder, M. (2010a). Global conflicts and the heterogeneity of law. Right philosophical comments on the Kantian and Hegelian tradition. In: Archive for legal and social philosophy (supplement volume 124) 123-148.

[6] Hegel.G. W. F. , Outlines of the Philosophy of Right,275.

[7] م، ن،  راجع فصل، 1، 3، 4.

[8],341.م، ن

[9] م، ن، 564.

[10] م، ن، 270.

[11] Leuven, L.DV. (2009). Religion - State - History in Hegel (1827-1831). In: Arndt, A.Iber, C.Kruck, G. (eds.), State and religion in Hegel's philosophy of law, 37-56.

[12] Karasek, J. (2009). State, religion and church in Hegel. On the supposed ambiguity of Hegel's definition of the relationship between religion and church. In: Arndt, A.fiber, C.Kruck, G. (eds.), State and religion in Hegel's philosophy of law, 65-82.

[13] Hegel.G. W. F. , Outlines of the Philosophy of Right,  المقدمة

[14] المكتبة الشرقية،  بيروت، 201. هونيث، أكسل، الصراع من أجل الأعتراف، تعريب جورج كتورة،

[15] أنظر:

Honneth, A.(2010)The Pathologies of Individual Freedom: Hegel's Social Theory, Princeton University Press

[16] م، ن.

[17]م، ن.

[18] Taylor, C., (1975) Hegel. Cambridge University Press.

 

علي رسول الربيعيالأسئلة الأساسية للفلسفة السياسية

يلعب الدين دورًا كبيرًا في وضعه الحالي ليس على مستوى الفرد فقط، ولكن في الفضاء الاجتماعي والسياسي أيضًا. ولهذا تهتم الفلسفة السياسية بوظيفة الدين في المجتمع. فترتبط الاجابة عن سؤال الدين ارتباطًا وثيقًا بمفاهيم الفلسفة السياسية. وتنعكس الأسئلة الأساسية للفلسفة السياسية في الإسهامات الفلسفية للدين. هناك أربعة أسئلة أساسية تجيب عنها كل فلسفة سياسية بطرق مختلفة على خلفية طرحها سؤال  الدين، وهي تأتي في سياق مطلوب:

أولاً، أن يكون موقف الفلسفة السياسية واضحًا بشأن ما تفهمه وتعنيه بمفهوم الاجتماعي كشكل من اشكال التعبير عن وجود البشر للعيش معًا. غالبًا ما يجادل الفلاسفة السياسيون اليوم، بغض النظر عن الصيغة المادية للفلاسفة الاجتماعيين، بأن لا يمكن تفسير الواقع بشكل معقول بدون البعد الاجتماعي. وأن الأفتراض الاساس للعديد من للعديد من الفلسفات السياسية هو: لا يمكن فهم فلسفة اللغة أو الأنثروبولوجيا أو الجمال دون مراعاة كافية للبعد الاجتماعي. وأن الدين، بالمعنى الذي يحدده دوركهايم على سبيل المثال، هو ممارسة اجتماعية تشكل حياة الناس في كل من المجالين الخاص والعام، وبالتالي لا يمكن تفسيره إلا على خلفية فهم مناسب للمجتمع.

السؤال الأساس الثاني للفلسفة السياسية يتعلق بالمجتمع لا باعتباره ذوات ذرية ولكن  بنية اجتماعية. وتنتج عن هذا الأعتبار اراء مبنية على مجموعة واسعة من المفاهيم الاجتماعية المتضمنة في الفلسفات السياسية. تتأثر هذه الآراء بطرق مختلفة بعلم الاجتماع أو العلوم السياسية أو الاقتصاد. فيتطلب أن تؤخذ مفاهيم المجتمع هذه بشكل  تفصيلي واضح في الاعتبار عند إعادة بناء المناهج المختلفة. وتعتبر الجماعات الدينية، من وجهة نظر النظرية الاجتماعية، جزءًا من المجتمع يتم تفسيره على أنها فاعل أو نظام ويمارس تأثيرًا على كافة مستويات المجتمع.

ثالثًا، هناك تقارب مع الأخلاق بقدر ما تعود الفلسفة السياسية إلى مقاييس معيارية لتقييم  الأفعال في المجتمع. أنظر مثلا في تأثير مفهوم الخير عند أفلاطون، والعدالة عند أرسطو، والعقل العملي عند كانط، أو النقد الأخلاقي عند نيتشه، على الفلسفات السياسية  الخاصة بعصرهم. تلعب الأخلاق في الخطاب الحالي للفلسفة السياسية، دورًا مهمًا، حيث تنعكس المصطلحات الأخلاقية والمبادئ المعيارية على المجالات الفرعية الاجتماعية (الطب والاقتصاد، إلخ) في تشكيل هذه المجالات الفرعية الاجتماعية. وأن الدين ذو أهمية مركزية من منظور الفلسفة السياسية  لأنه ينطوي على افتراضات معيارية.

السؤال المركزي الرابع للفلسفة السياسية هو السياسة باعتبارها بنية تستهدف للمجتمع ومجالاته الفرعية. فيلعب تحديد العلاقة بين السياسة والقانون والاقتصاد دورًا مركزيًا في هذه المجالات اليوم. ويصبح الدين موضوع الفلسفة السياسية لأنه يتطلب توضيح كيف تتصرف الدولة الديمقراطية الحديثة مع المعتقدات الدينية. وتناقش ما إذا كان يؤدي الاهتمام الجديد بالدين إلى فهم جديد للسياسة وإلى أي مدى، لا سيما فيما يتعلق بتفسير التعددية في المجتمعات العلمانية.

إن جميع المجالات الأربعة لها تقليد طويل يمتد من العصور القديمة إلى يومنا هذا من منظور تاريخ الفلسفة،. هناك سلسلتان من النظريات ظهرت في العصر الحديث تحظى بتقدير خاص في الخطاب الحالي للفلسفة السياسية، وهما التقاليد الكانطية والهيجلية. تقدم كلا منهما مفاهيم توجه مجال الخطاب حول الفلسفة السياسية وينطويان على استنتاجات مختلفة للوضع الاجتماعي للدين. لذلك، يتطلب وضعهما  في ما يعبران من مقاربتين أو نهجين بجانب بعضهما البعض كأمثلة حتى نتمكن من توضيح إطار الخطاب الحالي للفلسفة السياسية حول الدين.

تفسير كانط العقلاني للسياسة ودين العقل

يُنظر إلى كانط على أنه ممثل لمفهوم عقلاني في السياسة والقانون. فيعتمد فهمه الفلسفي لكليهما على اعتبارات العقل العملي. هناك تداعيات لمقولة الواجب كمبدأ أساس في العقل العملي وتعبر عن عنصرين اساسيين. أولاً، يلعب العقل دورًا كقاضي فيما يتعلق بالسؤال: ماذا أفعل؟ تكمن النقطة الفلسفية لمقولة الواجب في حقيقة أن كل شخص يمكن أن يرى له الحق والصلاحية في الاستخدام العمومي للعقل وبالتالي يجب عليه معرفة الواجب. يتضمن العنصر المركزي الثاني الفصل بين ماهو كائن وما يجب أن يكون، لأن لا تريد مقولة الواجب أن تنسب الصلاحية المعيارية إلى الواقع الفعلي، بل تقوم بالأحرى على أساس ادعاء ما ينبغي على العقل فقط. وبهذه الطريقة يقف الكائن والواجب في مواجهة بعضهما البعض كقطبين للفلسفة العملية.

يتضح فهم كانط للسياسة والمؤسسات الديمقراطية، الذي يُبنى على هذا الأساس الأخلاقي الفلسفي، قبل كل شيء من خلال النظر إلى فهمه للقانون. ينسب كانط وظيفة مركزية للقانون في المجال السياسي لتوضيح المتطلبات الأخلاقية للعقل العملي، حيث يمكن رؤية صلاحية القانون من خلال العقل العملي أيضًا. يرى كانط أن أن النظام والأنسجام هو مبدأ العقل فيشتق منه المطلب القانوني العام الذي يمكن فهمه على أنه تفسير فلسفي قانوني لمقولة الواجب.[1] إن القانون، في "ميتافيزيقيا الأخلاق"، هو "خلاصة الشروط التي يمكن بموجبها أن تتحد إرادة شخص مع آخر وفقًا لقانون عام للحرية ".[2] لا تكمن السمة المركزية للقانون في أنه معقول فقط، ولكن وقبل كل شيء في قابليته للتنفيذ أيضًا. وعليه، لا يعني هذا شيئًا سوى أن مفهوم القانون يتم تحقيقه في نظام سلطات قسرية أو أكراهية متبادلة. وهذا هو السبب في تخصيص كانط مثل هذا الموقف المركزي للدولة الجمهورية في حل النزاعات الاجتماعية، فهي وحدها تمتلك القوة القسرية المشروعة لسن قانون ملزم.

يربط كانط بين التفكير في الدين وأسسه للفلسفة العملية. ويشدد بوضوح على الفرق بين الدين والسياسة. فهو لا يعتبر، من حيث فلسفة الدين، أن وجود الله يمكن إثباته بالمعنى الميتافيزيقي، لكنه يؤكد أن مسألة الله مرتبطة بمسألة الخير الأعلى. وهكذا فإن الدين هو تفسير ذاتي للعقل العملي وتفسير للواجب الأخلاقي. لا ترتبط الأخلاق والدين ارتباطًا وثيقًا بهذه الطريقة فحسب، بل ترتبط بالدين والعقل في الوقت نفسه بقدر ما يمكن فهم الدين من خلال العقل، كما يشرح كانط في أطروحته: الدين ضمن حدود العقل المجرد عام 1794.[3] فلا يحتوي الدين الحق إلا على القوانين، أي المبادئ العملية التي ندرك ضرورتها المطلقة، وأنها موضحة بالعقل المجرد فقط (وليس تجريبياً).[4]

بمجرد أن يتصرف الناس بشكل أخلاقي طبقًا للواجب الأخلاقي، فإنهم يفترضونه يعبر عن معنى كامل دائمًا وعليه يفترضون وجود الله أيضًا. تهدف حجة كانط إلى اثبات "أن تقرير المصير الأخلاقي للإنسان يحتاج إلى فكرة الله في إطار التقييم النقدي للقدر الذات المحدودة للحكم والمعرفة". فيفتح الدين، في هذا الصدد، مساحة للتفكير يصبح من خلالها العمل الأخلاقي ممكنًا ليس فقط فيما يتعلق بالأشخاص، ولكن فيما يتعلق بوجهة نظر اعلى مرتبة قبل كل شيء.

لذلك يمكننا أن نأمل في حياة خيرة، لتحقيق الصالح العام، إذا أخذنا هذا المنظور المتافيزيقي لأفعالنا على محمل الجد. فلا يمكننا الاستغناء عن هذا المنظور إذا أردنا أن نرى أي معنى على الإطلاق للنزاهة الأخلاقية لإدارة الحياة الشخصية والتوازن الأخلاقي الإيجابي للحياة. يريد كانط، من خلال مفهوم الإيمان العقلاني، إلغاء الفصل بين الإيمان والعقل، وفتح خيار فلسفة للتعالي تفكر في الدين أيضًا. كان من المهم لكانط كفيلسوف سياسي أن يؤكد أن الدين، على الرغم من إمكاناته الأخلاقية، يجب أن ينفصل  بشكل اساس عن السياسة. وكما يتضح من فهمه للقانون، فإن السياسة بالكامل في خدمة تحقيق للحرية.

تؤيد العديد من مقاربات الفلسفة السياسية الحالية التقليد الكانطي، على الرغم من أنها تشكك في مفهومه لدين العقل أو تعريفه للعلاقة بين الايمان والمعرفة. يمكن العثور على هذه الأفتراضات الكانطية في المصطلحات  السياسية والفلسفية  كما عند راولز مثلًا.[5]

تهدف هذه المفاهيم التي يتبناها كانط في نهاية المطاف إلى فهم الديمقراطية التي يكون فيها للقانون أهمية مركزية. ويمكن أن تلعب المعتقدات الأيديولوجية للمواطنين دورًا في المجال الخاص، ولكن من المهم التأكيد في المجال السياسي والاجتماعي على حيادية الدولة والإجراءات الديمقراطية. لذلك يلعب الدين دورًا ثانويًا في الفلسفة السياسية في هذا التقليد. فتعتبر وجهات النظر الدينية للعالم، بالنسبة لراولزعلى سبيل المثال، جزءًا من التعليمات والأرشادات الوحيدة المعقولة على المستوى الفردي  فقط من أجل حياة خيرة، ولكن  يجب ألا تصبح أساسًا للعقل العمومي، ويجب أخضاعها وتصفيتها من خلال العقل العملي.[6]

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

........................

[1] Kant, I.,Foundations of the Metaphysics of Morals, Pearson, 1797/1998.39.

أو أنظر امانويل كانت، : تأسيس ميتافزيقا الأخلاق، ترجمة عبد الغفار مكاوي، منشورات الجمل،كولونيا، المانيا، 2002

[2] مصدر نفسه،38.

[3] Kant: Religion within the Boundaries of Mere Reason: And Other Writings, Cambridge University Press,1794/2018.

أو: أنظر: غيمانويل ، كانط، الدين في حدود مجرد العقل،، نقله الى العربية فتحي المسكيني، دار جداول للنشر والتوزيع، 2012.

[4] مصدر نفسه

[5] Rawls, J., Political Liberalism,Columbia University Press,2005.

[6] Rawls, J., Political Liberalism,Columbia University Press,2005, ch,1.4.6.

 

 

وعلي حبطيشمقدمة: هناك مناهج للبحث العلمي يستخدمها علماء العلوم الإنسانية، ويتوقف استخدامها على الباحث، وطبيعة البحث، والإمكانات المتوفرة، ودرجة الدقة المطلوبة، وأغراض البحث، ولعل من أكثر الطرق المنهجية شيوعاً في الدراسات الإنسانية، المنهج التاريخي المقارن، والتجريبي، والمنهج الوصفي وغيرها، مما قد تقتصر فيه النتائج على الوصف، أو تتعدى ذلك إلى التحليل والتفسير وقد لا يكتفي الباحث بأحد هذه المناهج، بل يتعدى إلى المزج بينها. ويأتي هذا البحث ليتناول موضوعا مهما يتمثل في التعريف بالمنهج الاستقرائي ومكوناته وتطوره عبر تاريخ منهاج المعرفة ورصد السجال الحاصل حوله بين ثنائية العلم والفلسفة والتنويه إلى قيمته الأبستمولوجية .

مقاربة مفاهمية لمصطلح الاستقراء:

التعريف اللغوي:

الاستقراء لغة من قرأ الأمر أي تتبعه ونظر في حاله، وهناك من يرى أنه من قرأت الشيء بمعنى جمعته وضممت بعضه إلى بعض ليرى توافقه واختلافه، وكلا الأمرين يعني التتبع لمعرفة أحوال شيء ما. يعني بذلك هو أن نتتبع جزئيات نوع معين لأجل أن نعرف الحكم الكلي الذي ينطبق عليها . فنؤلف منه قاعدة عامة. مثل: أن نستقرىء ونتتبع استعمال "الفاعل" في مختلف الجمل في اللغة العربية لنعرف حكمه الإعرابي، فنرى أن الكلمة التي تقع فاعلاً في مختلف الجمل التي استقرأناها تكون مرفوعة ننتهي إلى النتيجة التالية:وهي: إن الفاعل لغة العرب "مرفوع" . . . فنؤلف من هذه النتيجة قاعدة عامة هي "كل فاعل مرفوع".

وكلمة استقراء هي ترجمة لكلمة يونانية Enay Wyn ومعناها يقود، والمقصود بها هو قيادة العقل للقيام بعمل يؤدي إلى الوصول لمبدأ أو قانون يتحكم في الجزئيات التي تخضع لإدراكنا الحسي.

التعريف الاصطلاحي:

عند المنطقيين هو الحكم على كلي بما يوجد في جزئياته الكثيرة .

عند الفلاسفة والمتصوفة هو  الاستدلال العقليّ والانتقال به من الخصوص إلى العموم.

يعرفه الإمام الغزالي بقوله: "هو أنه تتصفح جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كلي، حتى إذا وجدت حكما في تلك الجزئيات حكم على ذلك الكلي به " .

يعرفه الدكتور عبد الرحمن بدوي بقوله:" تعميم من حالات جزئية تتصف بصفة مشتركة ".

وعليه يمكن تعريف الاستقراء على أنه "عملية ملاحظة الظواهر وتجميع البيانات عنها للتوصل إلى مبادئ عامة وعلاقات كلية".. ولقد استخدم علماء الحضارة الأوربية الحديثة المنهج الاستقرائي في تحقيق تقدمهم الحضاري،ولقد استخدمه المسلمون قديما، فقد استخدمه ابن الهيثم وغيرة من علماء المسلمين في كتاباتهم[1]

أنواع الاستقراء:

المنهج الاستقرائي له نوعين يمكن الاعتماد عليهما حينما تبدأ في استخدام هذا المنهج في البحث العلمي، فأما النوع الأول فهو الاستقراء الكامل، وهو النوع الذي ينبغي أن تتوافر به شروط معينة حتى يمكن للباحث تعميم نتائجه وعلى رأس شروط: "انتشار المعنى في كافة الدروب المتعلقة بالمشكلة، وكذلك أن تكون نتيجة الاستقراء مكررة في الملاحظات المتعلقة بمشكلة البحث العلمي"، بينما النوع الثاني هو الاستقراء الناقص، أو كما يُطلق عليه الاستقراء الغير يقيني، واستخدام كلًا منهما كالتالي:

الاستقراء الكامل أو التام:

يُطلق عدد من الباحثين على هذا النوع اسم الاستقراء اليقيني، ومن خلال هذا النوع يعمل الباحث العلمي على ملاحظة كافة الظواهر المتعلقة بموضوع الدراسة الخاصة به، ومن ثم وفي النهاية يعمل على إصدار أحكام ونتائج، ولكن هذا النوع يحتاج إلى وقت أطول من الاستقراء الناقص، ولذلك نؤكد على أنه بطيء، ولكنه دقيق.[2]

مثال: كما لو أردنا أن نعرف: هل أن من بين الطلبة الدينيين في الجامعة الجزائرية طلاباً افريقيين . فإننا نستقرئ كل طالب موجود في الجامعة الجزائرية استقراءاً كاملاً حتى ننتهي إلى النتيجة . هذا النوع من الاستقراء الكامل الشامل لجميع جزئيات الكلي والانتهاء إلى النتيجة منه تسمى بـ "الاستقراء التام"

الاستقراء الناقص:

ومن خلال هذا النوع يستطيع الباحث بل وينبغي أن يخرج من الجزء إلى الكل، وعندما يبدأ الباحث بدراسة الجزء فإنه سيتمكن من دراسته من جميع الجوانب، وبالتالي يستطيع التعرف على طبيعته، ومن ثم يحصل على نتيجة وبالتالي يستطيع أن يُعممها على الكل، ولكن ما يُعيب هذا النوع أنه لا يقدم معلومات دقيقة.[3]

مثال:

-هذه قطعة معدن (أ) تمدد بالحرارة

- هذه قطعة معدن (ب) تمدد بالحرارة

- هذه قطعة معدن (ج) تمدد بالحرارة

ومما جرى اذن المعدن لا يتمدد بالحرارة، وهذا ما يعرف بالاستقراء الناقص اي عدم تتبع كل الافراد (ككل افراد المعدن في المثال) أما الاستقراء التام هو عند تتبعه كل الافراد لأنه المقدمة فيه تساوي النتيجة.

كما لو أراد العالم الكيميائي معرفة مدى تأثير الضغط على الغازات فانه يجري التجربة على بعض الغازات . وعندما يرى أنه كلما زاد الضغط على هذه الجزئيات موضوع التجربة قَلَّ حجمها وكلما نقص الضغط زاد حجمها بنسبة معينة تحت درجة حرارة معينة، يتخذ من هذه الظاهرة الطبيعية التي لاحظها أثناء التجربة حكماً عاماً لجميع الغازات . فيضع - على ضوئه - قاعدته العامة: "كل غاز إذا زاد الضغط عليه قَلَّ حجمه وإذا نقص الضغط عنه زاد حجمه بنسبة معينة تحت درجة حرارة معينة" . وهكذا العالم الرياضي متى أراد معرفة: هل أن درجة زاويتي القاعدة في المثلث متساوي الساقين متساويتان أو لا ؟ . . . فانه يقيم البرهان على مثال واحد أو مثالين، ومنه يعمم الحكم إلى جميع جزئيات المثلث متساوي الساقين، فيضع القاعدة العامة التالية "كل مثلث متساوي الساقين، زاويتا القاعدة فيه متساويتان".

مشكلة مشروعية تبرير الاستقراء:

مشكلة الاستقراء هي التساؤل الفلسفي حول ما إذا كان التفكير الاستقرائي يؤدي إلى معرفة مثلما هي مفهومة بالمعنى الفلسفي الكلاسيكي،] مما يُسلط الضوء على الفجوة الظاهرة في تسويغ القضايا التالية:اعتماد تعميم خصائص فئة من الأشياء على عدد من الملاحظات لحالات معينة من تلك الفئة، على سبيل المثال، الاستدلال بأن "كل البجع الذي رأيناه أبيض اللون، وبالتالي كل البجع أبيض اللون»، قبل اكتشاف البجع الأسود" الافتراض بأن تتابع الأحداث في المستقبل سوف يحدث كما كان يحدث دائمًا في الماضي "على سبيل المثال، سوف تحتفظ قوانين الفيزياء ببقائها في المستقبل، كما لوحظ بقائها دائمًا في الماضي". أطلق هيوم على ذلك مبدأ اطراد حوادث الطبيعة.

تثير المشكلة التشكك في كافة المزاعم التجريبية المقدمة في الحياة اليومية، أو من خلال المنهج العلمي، ولهذا السبب، قال الفيلسوف سي دي برود إن "الاستقراء هو مجد العلم وفضيحة الفلسفة". وعلى الرغم من أن المشكلة تعود إلى المذهب البيروني في الفلسفة القديمة، وأيضًا إلى "مدرسة شارفاكا" في الفلسفة الهندية، فإن دافيد هيوم قد نشرها في منتصف القرن الثامن عشر.

تاريخ مشكلة مشروعية الاستقراء:

الفلسفة اليونانية:

سقراط:

أن المنهج السقراطي كان يعتمد بالأساس على تكتيك سقراطي فريد من نوعه "التهكم والتوليد". خلا الناس تغضب منو من كثرة أسئلته وقلة أجوبته، هذا الاعتراض يجيب عليه سقراط في موضعين، الأول في محاورة" تيتياتوس": "إنني مثل القابلة لا ألد الحكمة، لأنه لا حكمة عندي، إن مهمتي هي مساعدة الآخرين على الانجاب..."، والثاني حين قال: "إن اللوم الذي يوجّه إليَّ كثيرًا، وهو أني أسأل الناس أسئلة وأن ليس لدي من العقل ما أستطيع به أن أجيب عنها، لوم عادل لا اعتراض لي عليه، وسببه أن الله قد أرغمني على أن أكون قابلة "أي يولد"، ونهاني عن أن ألد".

من الناحية التاريخية الفلسفية، سقراط ساهم بشكل كبير في بناء منهج علمي يسمى "الاستقراء"، كما وضع حدا لتوجيه الفكر نحو العلم الطبيعي إلى الإنسان والأخلاق. فالأسئلة التي كان يطرحها على محاوريه انتقلت بالفكر "من السماء إلى الأرض" فأصبح متعلقا بمبحثين رئيسين: الإنسان والأخلاق، فتحولت الفلسفة في عهده "الهلسنتي" من التساؤل الذي يدور حول الطبيعة والكون إلى النفس البشرية.

عن هذه الجدلية الفكرية يقول الدكتور فتح الله خليف: "الأمر المدهش حقا هو أن سقراط الذي اكتشف أهمية الاستقراء والتعريف "طرائق العلم"، هو نفسه الذي ترك العلم إلى الأخلاق التي لا يستقيم معها تعريف ولا استقراء، ولا تتطلب دقة علمية"[4]

أرسطو:

عرّف أرسطو الاستقراء بأنه إقامة البرهان على قضية كلية لا بإرجاعها إلى قضية أعمّ منها، بل بالاستناد إلى أمثلة جزئية تؤيد صدقها، على خلاف القياس إذا استندت إلى قضية أخرى أعم منها. لكن ماذا كان يعني أرسطو بالأمثلة الجزئية؟ وعلى ماذا أقام استدلاله؟ لنستعرض المثال الذي ساقه هو بنفسه لنفهم ما كان يقصده بالضبط. يقول: “الإنسان والحصان والبغل إلخ… طويلة العمر. الإنسان والحصان والبغل إلخ… هي كل الحيوانات التي لا مرارة لها. إذًا الحيوانات التي لا مرارة لها طويلة العمر.”

ونلحظ من المثال الماضي نقطتين بالغتي الأهمية، الأولى: هي أي أمثلة يريدنا أرسطو أن نستقصيها في الخطوة الأولى، أهي الأمثلة الجزئية بمعنى الأفراد؟ أم هي الأمثلة الجزئية بمعنى الأنواع؟ وواضح أن الإنسان والحصان… إلخ، الواردة في المقدمات هي الأنواع، فلا هي أفراد الإنسان زيد وعمرو وخالد، ولا أفراد الحصان هذا الحصان وذاك.

والثانية: أنّي لكي أكون المقدمة الكبرى – مثلًا – لا بد لي من عدة قضايا هي في ذاتها قضايا كلية هي: الإنسان طویل العمر والحصان طويل العمر إلخ…، وهذه القضايا لا تحتاج بدورها إلى جزئيات تؤيدها.

أطلق على هذا الاستدلال القياسي الذي تُذكَر الجزئيات في مقدماته بالقياس الاستقرائي لأنه قیاس من حيث صورته العامة واستقراء من حيث استقصاء الجزئيات في مقدماته وهو الذي عناه بيكون بمنهج أرسطو الاستنباطي أو القياسي.[5]

الفلسفة الاسلامية:

جابر إبن حيان:

مشكلة في الاستقراء هي تلك التي تعود الي جابر بن حيان الكوفي خلال القرن الثاني للهجرة، حيث انه لا يرى ما يبرر اليقين في التنبؤ بالحوادث والتعميمات الاستقرائية، ويعتبر ان الدلالة عليها لا تزيد عن محض الاحتمال. فابتداءً انه يرى ان اضعف حالات الدليل هو ذلك الذي لا يعول الا علي شاهد واحد، كمن يقول: بأن امرأة ما ستلد غلاماً وذلك اعتماداً علي ما رآه انها قد ولدت قبل ذلك ولداً واحداً لا غير. في حين انه يعتبر ان أقوى حالات الاستدلال بالاستقراء هو ما كانت شواهد الوجود دالة عليه من غير مخالف، كمن يقول بأن ليلتنا هذه ستنكشف عن يوم يتبعها، استناداً الي ما رآه من اضطراد في تتابع الليل والنهار. وبين هذه الحالة والحالة التي قبلها هناك حالات اخرى تتفاوت قوة وضعفاً بحسب كثرة النظائر وقلتها. وهو في جميع الاحوال لا يرى في هذه الحالات ما يفضي الي اليقين، بل فيها ظن وحسبان تبعاً لما يدرك من نظام وشبه ومماثلة "حتى انه لو حدث في يوم ما من السنة حادث لرجوا حدوث مثل ذلك الحادث بعينه في ذلك اليوم من السنة الاخري، فان حدث في ذلك اليوم بعينه من هذه السنة مثل ذلك الحادث تأكد عندهم ذلك ان سيحدث مثله في السنة الثالثة، وإن حدث في السنة الثالثة ايضاً، حتي اذا حدث ذلك مثلاً عشر مرات في عشر سنين لم يشكوا البتة في حدوثه في كل سنة". ويزداد الوقع في النفس فيما لو زاد العدد، فكيف اذا ما كان الاضطراد علي وتيرة واحدة من الحدوث؟! وقد اعتبر جابر ان هذا الحال اوهم بعض رجال العلم مثل جالينوس، فمع تمكنه من العلم وتدبره في النظر فانه قد أخذ اعتبار مثل تلك الحالات المضطردة علي انها عقلية أولية، فقال في كتابه البرهان: "ان من المقدمات الأولية في العقل انه اذا كان الصيف يتبعه الخريف لا محالة، فانه لم يكن الا بعد خروج الربيع". وهذا ما أنكره جابر، حيث اعتبر انه لا يُؤمّن ان يحدث هناك صيف لا يعقبه خريف ولم يتقدمه ربيع. وهو على العموم يرى ان علة عدم استطاعتنا ان نتيقن من الحوادث المستقبلية وذلك لعدم إحاطتنا بادراك جميع الموجودات[6]

ابن الهيثم:

من هذا المنطلق نلمس التوجُّه أو النزعة الحسّية في فلسفة 'ابن الهيثم' ذات التشخيص المادي والواقعيّ، حيث حُجّته ملاحظة الجزء وتتبُّع الخصائص، ثم التدريج في طلب الحقّ.

لا يطلق اسم "الباحث" على شخص معيّن، إلاّ إذا تمتّعَ هذا الأخير بفكر يُفسّر، أي أنّ الباحث لابدّ أن يبذل جُهدا عقليا بُغية التوصُّل إلى  معلومات متناسِقة، دون أن يكتفي بتسجيل السلبي للواقع، ولعلّ الحقيقة وإن كانت نسبية التي يُباشر من أجلها الباحث عملية البحث العلمي هي القانون* بعد الملاحظة العلمية والتجربة، يقول 'كلود بارنارد':(إنّ المجرِّب يتوخّى الكشف عن أسرار الطبيعة، ولكنَّهُ ينبغي له لكي يصِل بُغيته ألاّ يتعجّل بالتفسير، وألاّ يتأثَّر بأفكار سابقة، وأن يدَعَ الأُمور تجري في مجاريها حتّى يُمكنه أن يَصِل من تجربته إلى أقصى ما يُمكن الوصول إليه)[7].

إنّ الغرض الذي دفعنا لتوظيف هذه الفكرة أو ذكر هذه السّمة التي يتميّز بها الباحث لبلوغ القانون هو وضع الرجل العربي المسلم في موضعه من تاريخ العلم وأنّ مساهمته تُعدُّ جزء من تطوُّر الفكر البشري، تتصف بمقوّمات علمية، ولعلّ كتاب 'ابن سينا' (370هـ) "القانون في الطب" خير مثال على ذلك، يقول 'حسين علي': (يُعدُّ ابن سينا العالم العظيم والفيلسوف والطبيب من أكثر وأكبر المُؤلّفين المنتجين، ظلّت نفائسُه موضوع اهتمام أساطين العلم خلال خمسة قرون كاملة، أمَّا قانونه فيُعدّ موسوعة كاملة في الطب)[8].

إذا تحدّثنا بصفة عامة عن العلم والمنهجية أو الأسلوب الذي من خلاله نُعالج المواضيع، بحيث لا نصل من دونه إلى شيء أو إلى نتائج بحثية ذات قيمة يعوّل عليها نظريا أو تطبيقيا، فإنّنا نتحدّث عن أعظم ما قدّمته الحضارة العربية إلى العالم الحديث، لأنّ الفكر الإسلامي دعا إلى النّظر والتفكير والعمل والتجريب لاكتشاف قوانين الظواهر المدروس

ابن سينا:

إذا تحدّثنا بصفة خاصة عن 'ابن سينا' جِدُهُ قد جعل القانون عنوانا لأشهر كُتُبه في الطب الذي أخرجه من التلفيق إلى التهذيب والترتيب أو التّصنيف[9]، يقول: (أما الآن فإنّني أجمع هذا الكتاب وأُقسِّمُه إلى كتب خمسة على هذا المثال:

الكتاب الأوّل: في الأمور الكلّية في علم الطب.

الكتاب الثاني: في الأدوية المنفردة.

الكتاب الثالث: في الأمراض الجُزئية الواقعة بأعضاء الإنسان عضوا عضوا من الفرق إلى القدم ظاهرها وباطنُها.

الكتاب الرابع: في الأمراض الجُزئية التي إذا وقعت لم تختص بعضو وفي الزينة.

الكتاب الخامس: في تركيب الأدوية وهو "الأقراباذين")[10].

أمكن لكتاب "القانون" أن يتصدّر المراجع الطبية في الشرق والغرب، وهذه شهادة تكفي، بل توضّح الممارسة العملية في الطب عند 'ابن سينا'، الممارسة التي لا يمكن أن نستقرأها أو أن نفهمها بالرجوع إلى خطوات المنهج الاستقرائي ودلالته خارج الملاحظة والتجربة. يقول 'توفيق الطويل': (ابن سينا تمكَّن بملاحظته أن يصِف في دقة تقيّح التجويف البلوري وأن يُميّز بين الالتهاب الرئوي والالتهاب السحائي)...(وأوّل من شَخّص داء الأنكلستوما)[11].

وأمّا التجربة، فهي تُمثّل نموذجا بين التفكير السليم المَبني على الملاحظة، يذكرها 'حسين علي' في: (أنّ 'ابن سينا' حدّد لهما شروط يجدر بكلّ مجرّب اتّخاذها دستورا هي:

- يجب خلوّ الدواء من كيفيات مُكتسبة كالتبريد والتسخين.

- يجب إجراء التجربة على شخص مصاب بعلّة واحدة منفردة.

- يجب تجربته على علل متضادّة للحكم إن كان فعل الدواء بالعرض.

- يجب أن تكون قوّة الدواء معادلة لقوة العلّة، فقد تكون قوة الدواء أضعف من قوّة العلّة فلا تُؤثّر فيها.

- يجب تجربة الدواء على الإنسان، فإن جُرّب على غيره جاز أن يختلف)[12].

يجب الإشارة إلى نقطة مهمّة تثبت في تاريخ الطب العربي أنّ كثيرا من الأطباء قدم القياس على التجربة واعتبره أكثر أهمية في تأليف الأدوية، إلاّ أنّ 'ابن سينا' جمع بينهما في منهجه العلمي، يقول: (الأدوية تتعرّف قواها من طريقتين؛ أحدهما القياس والآخر طريق التجربة، ولتقدُّم الكلام في التجربة، فنقول: إنّ التجربة إنّما هي تهدي إلى معرفة الدواء بالثقة)[13].

ابن طفيل:

عندما يتتبّع الباحث بأسلوب الكشف والنّقب، تاريخ العلم، وعندما يضعُ هذا الأخير نصب عينيه ما قدّمه العرب والمسلمين لتراثه من مساهمته في تطويره، خصوصا إذا تعلّق الأمر بالكشف عن الدلالة الاستقرائية من الناحية الإجرائية في كتاباتهم، سوف يجد أنّ 'ابن طفيل' المتوفى في مراكش عام 1185م دورا في وضع وصف منهجي لطريقة علمية من الطراز الأوّل، بل ساهم كثيرا في (معارف شتّى كالشعر والتاريخ وعلم الكلام وحتى الرياضيات وعلم الفلك)[14]، فما طبيعة هذه الطريقة وخصوصيتها؟

يجب أن نذكر أوّلا وقبل كلّ شيء أنّ 'ابن طفيل' ترك لنا قصّة روائية تُدعى "حيّ بن يقضان"، لكن بصرف النّظر عن مستلزمات المنتوج الفنّي بالنسبة لهذه القصّة الذي لم يكن ليُهمّه بقدر ما سيطرت عليه أسئلة الحقيقة العلمية بالأسلوب الفلسفي، فهَمُّ 'ابن طفيل' الذي التزم القصة، إذن هو همُّ كل عالم وفيلسوف، تمّ تصويره في شخص "حي بن يقضان" المجرّب والملاحظ والمُفترض، فكيف ركَّز 'ابن طُفيل' على دور الباحث في هذه القصّة من الناحية الإجرائية تعكِسُ حِدَّة الذِّهن والقدرة على التَّمييز والفهم العميق؟

طبّق 'ابن طًفيل' طريقة الاختلاف وهي واحدة من القواعد الخمس التي نجد صيغتها عند 'ستيوارت مل' (1873م) كما يلي: (إذا اشتركت حالة تحدث فيها الظاهرة مع حالة لا تحدُثُ فيها الظاهرة بجميع الظُروف، غير ظرف واحد في الأولى يوجد وفي الثانية لا يوجد، تختلف به وحدة الحالتين، فيجب حينئذ أن يكون هذا الظّرف هو السبب أو الجزء غير منفك عن سبب الظاهرة)[15]، فكيف يتمُّ تطبيق هذه الطريقة من طرف 'ابن طفيل'؟

بدأ (حَي) التجريب على جُثّة أمّه (غزالة)، وهذا التجريب يُميِّزُ فيه 'ابن طفيل' بوضوح (الحادثة) التي تتجلّى فيها الظاهرة، بحيث أوَّلُ ظاهرة اندهش إليها (حيّ) هي ظاهرة الموت في حادثة (غزالة) ميتة، وتُقابلها بالطّبع ظاهرة الحياة في حادثة (غزالة) وهي حيّة، يقول 'مدني صالح': (وقد بحث هذه الظاهرة كما تجلّت في حادثة موت أمِّه غزالة)[16].

من بين الخطوات الأساسية في المنهج الاستقرائي، الملاحظة و(حي) هو الملاحظ، مع العلم أنَّ الملاحظة العلمية بدورها إما بسيطة أو مسلحة، وقد تكون كيفية أو كمّية، فكيف نُميِّز بين هذه الأنماط من الملاحظة داخل الخُطوة الواحدة عنده؟

أقبل (حي) على عزل ظروف الحادثة التي تجلّت فيها الظاهرة متّبعا الخطوات الآتية:

(أولا: ناداها بكل الأصوات، لكن لم تستجب.

ثانيا: نظر في أذنيها وعينيها فلم يجد عطبا.

ثالثا: راح يفصح بقية الأعضاء، لكنّه لم يجد أيُّ نقص، يقول 'ابن طفيل' واشتدّت الرغبة إلى معرفة الجزء المعطوب على بعد أن يجده، أن يقدر على إزالة العطب، فترجع غزالة إلى حالتها الأولى)...(لكنَّه أخفق)[17].

تحوّل بعد هذا الإخفاق إلى فحص حالة لم تحلّ بها الظاهرة... ولكي يفعل هذا بدأ بنفسه كحالة مُماثلة لحالة الغزالة قبل موتها متّبِعا الخُطوات الآتية:

(أولا: أغمض عينيه ووجد أنّه لا يرى شيئا حتى يُزيل يديه.

ثانيا: وضع أصبعيه في أُذُنيه، فوجد أنّه لا يسمع حتى يُخرِجُهما.

ثالثا: سدّ منخريه فلم يستطِع أن يشُمّ حتى فتحهما)[18].

إذا كان 'ماخ' (1916م) يرى في القضية تفسيرا لوقائع مُعيَّنة بمعزل عن امتحان الوقائع، حتى إذا ما امتحن في الوقائع، أصبح من بعد إمّا فرضا فاشلا يجب العُدُول عنه إلى غيره، وإمّا قانونا يُفسِّر مجرى الظواهر، فإنّ (حي) الذي يجِدُ عطبا في أعضاء الغزالة يفترض فرضا بأنَّ خفِيّضا داخل الجسم، وافترض أنّ سلامته ضرورية لتحقيق الحياة، إذ هو نفسه الظَّرف الذي هو متوفِّر فيه وليس متوفِّرا في حالة (الغزالة) وهي ميّتة.

من هنا يبدو أنّ 'ابن طفيل' ترك لنا طريقة عملية متميِّزة يجب على كل قارئ الوقوف عند أهمِّيتها أثناء فهم فلسفته بأكملها أو كغيره من العرب والمسلمين، لأنَّهُ قدّم رسالة والمتمثلة في قاعدة علمية، وهذا الاستنتاج المتوصّل إليه لم يكن عشوائيا أو من ضروب الاعتباط، بل تمّ التوصُّل إليه في حُدود المنهج الاستقرائي وحُدُود المفهوم المنهجي للطريقة العلمية، هذه الأخيرة بالرّغمِ من أنّ 'ابن طفيل' لم يصغها صياغة نظرية، بل قدّمها مطبقة وفق مجريات التجارب التي قام بها (حي)، إلاّ أنّنا استخلصناها وفق طريقة نعرفها باسم "الطريقة البيكونية أو القواعد الخمس عند 'مل'".[19]

الفلسفة الحديثة:

فرانسيس بيكون: المنهج الاستقرائي والدليل التجريبي:

يرى 'بيكون' أنّه بعد تطهير العقل من الأوهام يستطيع الإنسان أن يُقبل على الطبيعة وقد خلا ذهنه من الأوهام السابقة، فيتمكّن من تفسيرها ومن السيادة عليها، ولن يكون تفسير الطبيعة عن طريق القياس، فالقياس ليس أداة للكشف عن حقائق الكون، وإنّما هو أداة لعرض الحقائق وإقناع الخُصوم بها. ومن هذا المُنطلق يرى 'بيكون' أنّه لا يمكن الوصول إلى العلم وإثرائه بدليل أنّه (ليس بين العقل البشري والحقيقة أيّة قرابة طبيعية، وأنّ حدّة الذهن لا يمكن أن تُعادل دِقّة الطبيعة، فينبغي إذن أن نتّجه إلى الطبيعة ذاتها من أجل معرفتها وليس لدينا من سبيل ذلك سوى التجربة...)[20].

إذن، من خلال هذا النص يتبيّن أنّ 'بيكون' يرفُض تفسير الطبيعة عن طريق الاستقراء الأرسطي، لأنّ هذا الاستقراء يرد في نهاية الأمر إلى قياس تكون مُقدّمته الكبرى نتيجة لعملية إحصاء يقوم على الأمثلة الإيجابية. وهذه الأخيرة وحدها دون الأمثلة السلبية لا تُعطينا يقينا[21].

مراحل المنهج التجريبي عند 'بيكون':

أ- الملاحظة والتجربة: يبدأ المنهج التجريبي بالملاحظة والتجربة كنقطة بداية ضرورية، والملاحظة التي نقصدها هي الملاحظة العلمية التي تهدف إلى كشف تفاصيل الظواهر موضوع البحث وإدراك العلاقة القائمة بين أجزائها. أما التجربة التي نعنيها فهي ملاحظة مقصودة تتضمّن تغيير بعض الظروف الطبيعية التي تحدث فيها تلك الظاهرة التي نريد البحث فيها[22].

ب- الفَرض العلمي: يُعرف الفرض العلمي بأنّه رأي يُقدّمه العالم من أجل تفسير المُلاحظات والتجارب التي قام بها من قَبْل، وعلى هذا فإنّ العالِم أثناء قيامه بالملاحظة والتجربة فتسكنُه بعض الأفكار التي ينبغي أن تُفسّر هذه الملاحظات والتجارب.

ج- إختيار الفرض العلمي: يرى 'بيكون' أنّ اختيار الفرض العلمي خُطوة أخيرة للمنهج التجريبي، وعلى هذا فقد اعتبر 'بيكون' أنّ الفرض العلمي يُمكن استبعاده إذا توفّرت حالة جُزئية تُعارضه، وذلك من خلال "منهج الاستبعاد والرفض".

إنّ المعرفة العلمية حسب 'بيكون' يجب أن تبدأ من استقراء الظواهر الطبيعية كما أنّها يجب أن تبدأ من الشكّ في أقوال السابقين ولا نبدأ التسليم بها، بل ينبغي أن نُخضِع كل الأقوال لشكّ. يقول 'فرنسيس بيكون': (...ليس العلم تلك الثرثرة الفارغة التي كانت الفلسفة المدرسية تُردّدها، وإنّما العلم الحقُّ هو ما أنتج فائدة للإنسانية، العلم الصحيح هو حلّ رموز كتاب الطبيعة وألغازه التي تتّضحُ إلاّ لمن يدرسها على ضوء الواقعية المُؤكّدة والمُؤَسَّسة على التجربة...)[23]. ومن خلال هذا النص يُحاول 'بيكون' تطبيق المنهج التجريبي على الفلسفة، حيث جعل من التجارب والمُلاحظات طريقا للوصول إلى علم نافع شريطة أن يتخلّص العقل الإنساني من ذلك الجانب النظري الحائز على أشباح وثنية بقيت من عهد 'أرسطو' كونها خُرافات لا طائل منها، ولهذا يقول عنه 'راسل': (...له أهمية دائمة كمُؤسس للمنهج الاستقرائي الحديث وكرائد لمُحاولة تنظيم الإجراء العلمي تنظيما علميا)[24]، وبهذا فإنّ 'بيكون' لا يهدف إلى إنشاء فلسفة جديدة أو تركيب نظام فلسفي مُعيّن فقط، وإنّما كان هدفه الأساسي "إصلاح أساليب التفكير وطُرق البحث"، ولهذا انتقد 'بيكون' الفلاسفة العقلانيين والتجريبيين، فالأولون كالعنكبوت الذي يبني بيته من الداخل، أما الآخرون كالنملة التي تجمع زادها من الخارج، والفيلسوف هو كالنحلة التي تجمع الرحيق من الأزهار لتصنع عسل صافي[25].

من خلال من تقدّم يتّضح أنّ 'بيكون' قد بنا منهجه على خُطوتين أساسيتين في بحثه العلمي؛ خُطوة إيجابية تتضمن الانطلاق من الطبيعة والقيام بالتجارب وتِكرارها وتنويع طرائقها وتوزيع نتائجها في قوائم. خُطوة سلبية مُتمثِّلة باستبعاد كافة الظواهر المُخالفة لما تحويه القوائم من نتائج، وهنا لابدّ من الإشارة أنّ ما قدّمه 'بيكون' من إسهام، إلاّ أنّه لا يزال موضع نقد من طرف الباحثين.

إذ هو يعتمد على نزعة تأمُّلية تأخذ التجربة مكانتها الخاصة، بل تحتلُّ المرتبة الأولى في سلّم التطوّر من الناحية الإجرائية، فهذه الوِجهة الحسّية الخالصة مُستقلة عن الفروض العلمية تُقلّل من شأن العقل، وتتجاهل منهج الاستنباط الرياضي الذي استخدمه مُعاصريه، وبالتالي منهجه يمتاز هو الآخر بالجهود، يُعطّل البحث العلمي إذا ما قورِن بالمناهج المُعاصرة التي تمتاز بالثورية والتغيُّر.

لكن من الواجب على الباحثين مراعاة حَيْثيات وظروف عصر 'بيكون'، أي أنّ مشروعية قُبول الفكر البيكوني أو نقده لابُدّ من مُراعاة الظروف التي أنتجت فِكره. يقول 'ريشنباخ': (إنّ 'بيكون' لم يكن في موقف يسمح له بوضع نظرية في المناهج)[26].

من المُستحسن إذن في تاريخ العلم مراعاة تغيّر مناهج العلم وتطويرها، بحيث عصر 'بيكون' مختلف في مُعظمه عن مناهج الفيزياء المُعاصرة، يقول 'ريشنباخ': (الفيزياء الرياضية كانت لا تزال في مهدها)...(ولم يتّضح إمكان استخدام المناهج الاستنباطية مُقترنة بالاستدلالات الاستقرائية إلاّ بعد ظُهور نيوتن في الجاذبية)...(وإذن، فمن الواجب أن يُدرك مُؤرّخو الفلسفة الذين يعيبون على منطق 'بيكون' الاستقرائي كونه غير علمي، أنّ حُكمهم إنّما يصدر على أساس معايير لم تُعرف إلاّ في عصر مُتأخِّر)[27].

نقد 'مل' لمنطق الاستقراء التقليدي

قد رأينا سابقا حملة التطهير التي قام به 'بيكون' من أجل إرساء التفكير العلمي والفلسفي على أُسس سليمة، لا تتمُّ إلاّ عن طريق النقد، فالنّقد كما يقول أحد الكُتّاب: ""هو روح الفلسفة، إذا خلت منه صارت كالعين التي لا تُبصر واللسان الذي لا ينطق والفؤاد الذي لا ينبض"[28]، ربّما هذا القول يكون أكثر حُجّة للموقع الذي احتلّه 'بيكون' في الفلسفة الحديثة نقدا للمنطق القديم وكشفا لعيوبه الذي اعتبِر كأداة استخدمها الفلاسفة القُدامى للوصول إلى نظرياتهم، معتمدين على القياس الأرسطي، فالمنطق هو وسيلة العلم لتحقيق مهمّتِه، ألا وهي السيطرة على الطبيعة وتسخيرها لفائدة الجماعة، كما أنّ التجربة هي المعيار الموضوعي الحاسم للذات العارفة والموضوع المعروف بمقتضى الظروف السائدة في المرحلة البيكونية.

إذن منطق العلم كان في نظر 'بيكون' هو الاستقراء، بل هو السِّمة الأساسية للعلوم في مُقابل اعتماد المعارف العامة والمُعتقدات المُختلفة على أسلوب الرواية والتداعي، لكن كل هذا النقد وهذا التغيُّر في نظر الفيلسوف للطبيعة هو التغيُّر الذي يطرأ على العلم الطبيعي ووجهة نظر أصحابه مُمتدا إلى تنظير الفلاسفة، بحيث يُعدُّ 'جون ستيوارت مل'* (1806-1879م) من بين هؤلاء بل من الفلاسفة والمناطقة الذين اهتمّ بالمنهج والطرائق العلمية في البحث خصوصا إذا تعلّق الأمر بالاستقراء يتناسب مع القدر الهائل من المعلومات والكُشوف والظواهر التي تصدّى لها العلماء ووضعوا أيديهم عليها في زمنه، لذا نتسائل، ما موقف 'مل' من الاستقراء التقليدي؟، وإذا كان الموقف موقفا نقديا، فيا تُرى ما هو الشيء الجديد والإيجابي الذي أضافه 'مل' إلى الاستقراء بتجاوز الشيء السلبي كسبب للنقد؟.

ليس ثمّة شك في أنّ تصوُّر 'جون ستيوارت مل' عن الغرض الحقيقي للبحث العلمي ناجم عن البيئة الفكرية التي نشأ فيها، وهي بيئة مُتأثِّرة إلى حدّ بعيد بالمذهب التجريبي في الفلسفة الإنجليزية، يقول 'فهمي زيدان': (يظهر ويتّضح اتجاه 'مل' من خلال تأثره بـ 'فرنسيس بيكون'...، لأنّه رفض المناهج الصورية والفلسفات الميتافيزيقية التي شاعت في الفلسفة الإغريقية القديمة وفلسفة العصر الوسيط، كما أنكر المعرفة الفطرية أو القبلية، أي كلُّ المعارف التي لا تقوم على أساس الخبرة الحسّية ولا تتّجه مُباشرة نحو الوقائع الجُزئية)[29].

يبدو أنّ 'مل' من خلال ما سبق ذكره، أنّه فيلسوف المعرفة العلمية وما يُميّز هذه الأخيرة، أيّا كان مجالها أو ميدانها هو المنهج أي الطريق المُحدّد نصل به إلى حقيقة العلاقات التي تربط بين الظواهر بعضها البعض، فالعلم (هو في صميمه معرفة منهجية)[30]، وواضح أنّ الاستقراء كمنهج يُمكننا من الوصول إلى القوانين العامّة من خلال استخلاص العلاقات بين الظواهر، لذا وافق 'مل' و'بيكون' حين انتقد القياس الأرسطي، ودعا إلى منطق استقرائي الذي يعني بالبحث في مناهج التي تتّبعها مختلف العلماء في أبحاثهم.

إنّ المنطق عند 'أرسطو' وبعده، بقى كأسلوب للبحث التجريدي منفصلا عن الواقع يهتم بصورة التفكير ولا يُعبِّر أيّ اهتمام إلى مادّته، لذا نجد 'مل' مُسايرة لمذهبه الحسّي في ربط الفكرة بمواضيعه اعتبر الأصل في المعرفة إدراك المحسوس ثم يتبعه إدراك المُجرّد، فكان منطق الاستقراء عنده هو الأصل والمنطق الصوري فرعا منه، (وكان طبيعيا ذِكر المعاني المجرّدة والماهيات الخالصة بمعناها التّقليدي المعروفة لأنّها في نظره لا تقوم إلاّ مجسّمة للمادة)[31]، حتى المفاهيم الرياضية هي ليست أولية سابقة على الملاحظة، وإنّما هي حقائق تجريبية ترجع إلى المصدر الحسّي، بخلاف 'أرسطو' الذي يسعى إلى تحديد الاستدلال القياسي على نمط الاستدلال الرياضي.

يُعلِّق 'سالم يفوت' عن 'أرسطو' قائلا: (إنّ مصدر اليقين الرياضي في نظر 'أرسطو' هو أنّ الفكر لا يدرس سوى ذاته، ولا يُعالج سوى عملية تجريدية من خَلقه، فمعيار صدقها هو صوريتها)[32]، أما 'مل' فالاثنان أو الثلاثة أو الأربعة ليست أعداد مجردة عن مادتها الحسّية، بل هي شيئان أو ثلاثة أو أربعة من نوع واحد، أحجارا أو تفاحات أو ليرات...، فالمعارف كلُّها إذن تقوم على الخبرة الحسّية وفق التعميم من حالات جُزئية، والقضايا المُستمدّة من الخبرة تنطوي على الصدق المُطلق يتميّز به اليقين المنطقي بخلاف 'أرسطو'.

ينتقد 'مل' الاستقراء التقليدي في وجهه الأرسطي، وإن كان المناطِقة أغلبهم خصوصا 'بيكون' اعتبروا أعمال 'أرسطو' المنطقية ما هي إلاّ قياس، أي يتّضح ممّا تقدّم أنّ 'أرسطو' قد غال في الاعتزاز بالقياس أو في اعتباره نموذجا للاستدلال المنطقي، إذ أنّنا نُلاحظ في يُسرِ أنّ القياس يدور في دائرة مُغلقة من حيث أنّه يُقرِّر حقائق سبق اكتشافها، فهو من ثمّة لا يُضيف إلى معرفتنا جديدا، فـ 'مل' يُعرِّف الاستقراء: (بأنّه الانتقال من المعلوم إلى المجهول على غرار الاستقراء الأرسطي التام الذي لا ينتقل من المجهول، وإنّما يكتفي بتلخيص ما هو معلوم)[33]، أي أنّ الاستقراء هو الانتقال من ملاحظة بعض الصفات في بعض أفراد النّوع، إلى الحكم على جميع أفراد النوع بهذه الصفات، كملاحظتنا لسقوط الأجسام في شروط مُعيّنة، فإنّنا نُصدر حُكما عاما بمثابة قانون الذي لا يختلف بأنّ جميع الأجسام بشروط مُعيّنة تسقط نحو مركز الأرض.

يحرص 'جون ستيوارت مل' على تحديد خصائص الاستقراء العلمي وبالتالي بلوغ المعرفة العلمية، إذ وضع للاستقراء ثلاثة نظريات: نظرية العِلّية وهي فرض الفُروض وفي تحقيق الفُروض، فالاستدلالات الاستقرائية تمُرُّ بثلاثة مراحل: الملاحظة، فرض الفُروض، فهو يجعل من إمكانية تحقيق التجربة شرطا أساسيا لتكوين الفرض العلمي، مثل هذه الخصائص هي ما يُبرِّر موقف 'مل' من القياس الأرسطي.

نقد الإستقراء الشكلي:

قد يعنينا على هذا التحديد أن نتعرّف على لون من الاستقراء نُميّزه ونُفرزه حتى تتّضح لنا خصائص الاستقراء العلمي بالأصالة عند 'مل'، وهو الاستقراء الشكلي الذي تنبّه إليه 'أرسطو' وساق له المثال المشهور، يذكره 'فتحي الشنيطي'[34]:

أ)- الإنسان والحصان والبقرة...إلخ تعيش مدّة طويلة من الزمن.

ب)- الإنسان والحصان والبقرة لها مرارة.

ج)- فَطُول الحياة صفة مُلازمة للحيوان التي لها مرارة.

هذا النوع من الاستقراء يُعبّر عن صفة مُشتركة في جميع أفراد نوع مُعيّن أو جميع أنواع الجنس بالذات، ونستطيع أن نُعبّر عن هذا الاستقراء الشكلي في صورته الرمزية الآتية:

أ، ب، ج، د... تشترك في صفة هي س.

أ، ب، ج، د... هي أفراد نوع مُعيّن.

إذن هذه الصفة (س) موجودة في جميع أفراد هذا النوع.

يتّضح وِفق هذا النوع من الاستقراء أنّه لا يأتي بجديد بالرغم من أنّ الملاحظة كخُطوة مهمّة في العملية الاستقرائية واردة بوضوح لأنّ 'أرسطو' مثَّل الذات العارفة المُلاحظة التي تتّبع صفة مُعينة في مجموعة من الأفراد، ثمّ تتبّع مُلاحظا هؤلاء الأفراد في انتمائهم لنوع واحد، مُستخلصا أنّ الصّفة مُلازمة لجميع أفراد النّوع، لكن الاستقراء في حقيقته عند 'مل' هو الوسيلة الفعالة للوصول إلى القوانين، أي بِمُلاحظة إدراك تتابع مُتلازم ثابت مُتكرِّر بين حادثة وأُخرى.

أي أنّ الاستقراء يفترض العلِّية، غير أنّ هذا المبدأ يرجع إلى التجربة، أي إلى مُلاحظة ارتباط الظواهر وتتابعها، والانتقال من المُلاحظة إلى التعميم وُصولا إلى مبدأ العِلّية، وهذا هو الاستقراء بعينه، فكأنّ مبدأ العِلِّية والاستقراء بينهما دورا منطقيا حين أنّ أحدهما يتوقّف عن الآخر. يقول 'مل': (إنّ العلّة هي المتقدِّم الثابت والكافي)[35] لحدوث الظواهر مثل طُلوع الشمس ووُجود النهار.

الدلالة السيكولوجية للإستقراء:

كان الخِطاب الفلسفي في مُجمَلِه قبل 'مل' خطابا ميتافيزيقيا في أساسه وهذا الأخير كان لابُدّ عليه أن يرفُض مثل هذا الخِطاب، سواء جِهة التطورات العلمية التي شهِدها عصره أو حتى منطلقاته الأيديولوجية، أو حتى البحر الفلسفي الذي نَهَل منه فكره، أي ما يتعلّق بالفلسفة الإنجليزية بوجه الخُصوص وما يتعلّق باستراتيجيات النقد الحديث بوجه العُموم، بالرغم من عدم وُجود رفض ونقد واضح، إلاّ أنّ القارئ يصقل هذا العمل من مؤلفات 'مل' كضربة قاضية لتاريخ منطق 'أرسطو' وتجلياته في المرحلة الوُسطى.

فالمنطق الأرسطي جُهِّز كرسالة في المنهج لتقصّي الحقيقة الميتافيزيقية على أنقاض الفيزيقا أو علم الطبيعة، علما أنّ 'أرسطو' عرَّف الحِكمة بالبحث في مبادئ الأشياء والعلل الأولى، حتى وإن ذهب البعض في أنّ هذا التعريف لا يصدُق على الفلسفة الأرسطية بأكملها، كما يُعلّق 'لخضر مذبوح' قائلا: (إنّه لا يصدُق على الفلسفة الثانية وسواها من أقسام الفلسفة الأخرى التي تبحث في المبادئ الثواني، فكان للفلسفة إذن عدّة أقسام وتختلف أوّلية المبادئ التي تبحث عنها بحسب بُعدها أو قُربها من المبادئ الأولى)[36].

إذا اتفقنا مع هذا الرأي وأخذنا بعين الاعتبار مسألة الطبيعة التي تُقدِّم لنا الظواهر بحيث يكون دور الباحث أن يُصغي إليها دون أن يتجاوزها، نجد من جهة أنّ 'مل' من خلال كتابه "نسق المنطق"[37]، حين شاد  منطقه على دعامة نفسية، والدعامة الأولى هي تداعي الخواطر كظاهرة سيكولوجية تجمع بين ظاهرتين بناءا على علاقة سيكولوجية من اقتران مُطرد وتشابه وعليه، أي طبقا لهذا نجد المعلول يدور مع العلّة وُجودا وعدما بمُقتضى قانون إطراد وقوع الحوادث وهو قانون نفسي.

نجد أنّ 'أرسطو' تجاوز الطبيعة التي انطلق منها إلى ما بعد الطبيعة، لأنّه يرى أنّ مُعظم ما في الفلسفة معلوما بالحسّ والكائنات الحيّة مبدأها النفس (ويكون المبدأ للوُجود في كلّ جسم يتحرّك به أو يُمكن، إما نفسا أو طبيعة، إلاّ أنّ المبدأ الذي هو نفسي لا يكون إلاّ بما هو مؤلّف من أجسام طبيعية تتحرّك بها الأجسام)[38].

بحيث ينطلق 'أرسطو' من قوى النفس المُندرجة ضمن العلم الطبيعي ليصل إلى العلّة الأولى، أي الوجود الإلهي وأقسام الوجود ثلاثة[39]:

1- قسم يتحرّك ويسكُن من ذاته، وهو الموجود القابل للحركة والذي لا يُفارق المادة، أي الموجود الطبيعي.

2- قسم لا يتحرّك إلاّ أنّه لا يوجد مُفارقا للمادة وهو الوجود الرياضي.

3- قسم أزلي لا يتحرّك ولا يوجد في المادة وهو الوجود الإلهي.

عندما نرجع إلى 'مل' نجد أنّ فهمه للاستقراء يقوم على دعامة نفسية، بحيث عندما نقول أنّ هذا الشيء علّة لهذا الشيء الآخر، نقصد بذلك أنّه موجد له ومُحدث له كقانون نفسي، وهذا ما نقصده للقضية العلمية التي تقول أنّ الحرارة علّة التمدّد ربطا للحرارة والتمدّد لوقوعهما معا، على عكس القياس الذي يتشكّل من مُقدّمتين ونتيجة مُستخلصا منها، بحيث هنالك ثلاثة قضايا وثلاث حُدود مُختلفة كلّ منها يتكرّر مرّتين، والحدّ الذي يظهر في المقدّمتين يختفي في النتيجة هو الحدّ الأوسط، يكون القياس كنموذج منطقي منهجي إن صحّ التعبير للعلم الطبيعي عند 'أرسطو'، المُندرجة ضمنه قوى النفس تعبيرا عن القلق الميتافيزيقي وإجابة عن سؤال العلّة الأنطولوجية، لأنّ مبادئ العقل تفرض عليه صناعة بناء معرفي شامل وكُلّي من الطبيعة إلى ما بعد الطبيعة، أي ما هو:

يتحرّك وبه نفس موجود طبيعي.

الجسم يتحرّك لأنّ به نفس.

الجسم موجود طبيعي.

لكن في أقسام الوجود الثلاثة هنالك قسم أزلي لا يتحرّك وهو الوُجود الإلهي والعلّة الأولى، فلتبرير هذه الإجابة يتناول 'أرسطو' النفس من حيث قواها ووظائفها الحيوية التي يشترك فيها الإنسان والحيوان، فالنفس مبدأ الحياة تُحدّد ماهيتها بثنائية المادة والصورة، القوة والفعل، والكائن الحيّ مُركّب من كلا هذين العُنصرين المُتباينين (النفس والجسد) الذين هما بمثابة (الصورة والمادة) منه إذا قيس بسائر الموجودات المُركبة. هذه الفكرة كانت بمثابة موضوع اهتمام كل المُفكرين في العصور الوسطى، خصوصا المسلمين من ضمنهم 'ابن باجة' (355هـ) الذي ترك رسالة غامضة بعنوان "في الاتصال بالعقل الفعّال"[40].

يبدو من كلّ ما سبق ذكره أنّ الفكر الإسلامي أو حتى الأوربي في المرحلة الوُسطى لم يستطع التحرُّر من رقبة وهيمنة الفلسفة الأرسطية إلاّ بظهور الفلسفة الاستقرائية الجديدة، تتجاوز هذه الهيمنة كفلسفة 'بيكون' التي تُعدّ بمثابة نُقطة انتقالية (من الفلسفة القديمة إلى الفلسفة الحديثة)[41]، لكن 'جون ستيوارت مل' رغم تأثُّره بها خصوصا ما يتعلّق بالتجربة والمُلاحظة إلاّ أنّه انتهج المعرفة غير القبلية أو الفطرية انطلاقا من قواعد منهجية سمّاها بِطُرق البحث العلمي كطريقة الاتفاق والاختلاف والتغيُّر النسبي مُناسبة لطبيعة المعرفة العلمية.

مع العلم أنّ 'مل' لم يُشر ولم يُصرِّح عبر كتاباته أنّه أخذ من المسلمين أو انتقدهم، لأنّ طريقة الاختلاف على سبيل المثال عند 'ابن طفيل' اسْتَبَقَهُ في تطبيقها مُقرّر بواسطتها الشكل النهائي لنظامه الفلسفي القائم جوهريا على مبادئ تجريبية، مُستمدّة من منطق الظواهر الطبيعية، فحتى لا نقع في تناقُض من أنفُسنا جهة أصالة منطق الاستقراء عند المسلمين، أو طغيان الفكر الأرسطي بتعاليمه المنطقية التي تخدُم الميتافيزيقا في القُرون الوُسطى ما يُبرِّر مشروعية النقد والمُجاوزة، نأخذُ بعين الاعتبار القواعد المنهجية كمُساهمة في تطوير مسار فلسفة العلُوم عند 'مل' رغم الاختلاف* الآراء والمواقف حول هذه القواعد

طُرق وقواعد الاستقراء عند 'مل'

عندما يطرح العقل على نفسه السؤال الآتي: كيف أعمل؟ أو ما هو الشيء الذي أعمل به لحلّ المسائل التي تدفع بها الطبيعة؟ أي بمعنى آخر ما هو المنهج المُناسب للتفكير في الأشياء والموجودات العينية؟، نجد أنّ هذه الأسئلة ساهمت في تحليلها ولو بشكل غير عميق كما هو معروف الآن، مختلف الحضارات، إلاّ أنّ إنجازات العلم التي تحقّقت، خصوصا النهضة العلمية في أوربا خلال القرن السابع عشر وانتقادها، بل ولمجاوزتها للمناهج الكلاسيكية جعلت البعض يرى بأنّ مهمّة التحليل للعمليات الفكرية، انطلقت من 'بيكون' و'مل'، يقول 'بيتر مدور' (1916): (إنّ مُعظم الذين حاولوا تحليل طرائق تفكير العلماء، الفلاسفة والمناطقة كـ'بيكون' و'مل' إلى كُتّاب القرن العشرين)[42].

يشترك 'جون ستيوارت مل' مع 'بيكون' كفلاسفة ومَناطِقة إن صحّ التعبير في رفض مناهج الصورية والفلسفات الميتافيزيقية التي شاعت في الفلسفة الإغريقية القديمة وفلسفة العصر الوسيط، و(إنكار المعرفة الفِطرية أو القبلية أي كل المعارف التي لا تقوم على أساس الخبرة الحسّية ولا تتّجه مُباشرة نحو الوقائع الجُزئية)[43]، لكن الذي يشُدّ انتباهنا عند هذا المُفكّر هو غرضه من مبحث الاستقراء، فهو لا تُهمّه النتائج أو القوانين كـ'بيكون'، بل تحليل الاستقراء وضبط طُرقه؛ أي (تحليل الطريقة التي نحصل بها على الحقائق العامّة، هي بالقوة تحليل الاستقراء كُلّه)[44]، فكيف حلّل 'مل' الاستقراء؟ وما هي طبيعة الطُرُق التي قدّمها تعكس مدى خصوصية هذا التحليل الذي يختلف عن الاستقراء عند 'بيكون'؟.

لقد رأينا سابقا أنّ الاستقراء يعتمد على التجربة والمُلاحظة، بالإضافة إلى الفَرض، فإذا أيّدَتْه التجربة في الحاضر والمستقبل يُصبح قانونا، فلا سبيل إلى اكتشاف قوانين الطبيعة إلاّ بالاستقراء، وبما أنّ القوانين ليست سوى قضايا عامّة، فإنّ الاستقراء في هذا السّياق هو عند 'مل': (الوسيلة التي نكشِفُ ونُبرهن بها قضايا عامّة)[45]، فالمنهج الاستقرائي يهدف إلى اكتشاف القوانين العامّة التي عن طريقها تُفسَّر الظواهر الطبيعية، والقوانين لا تعني إلاّ الإطرادات الموجودة في الظواهر الطبيعية، إذ أنّ 'بيكون' سلّم بمبدأ الاطراد؛ أي سلّم بثبات الترابط بين الظاهرتين، بحيث تكون الأولى منها متبوعة دائما بالأخرى، لكنّه (لم يُبرّره لأنّ هذا المبدأ مستمد من النظرية العِلِّية الأرسطية التي ثارت عليها الفلسفة الحديثة)[46].

لكن 'مل' يعتبره عماد العلم، وهو تصوّر لا يقوم على الاستدلال ولا على الاعتقاد الحسّي وحتى الاستعداد الطبيعي، وإنّما هو قائم على الإطراد، لأنّ الخبرة الإنسانية النابعة من ملاحظاتنا اليومية العادية تُؤكّده وتدعمُه، فهو مُرتبط بمبدأ العِلّية لأنّ (القانون المألوف الحاصل بملاحظة عدم انتقاض التعاقب بين واقعة طبيعية وواقعة أخرى تَقدَّمتها)[47].

إنّ دعوة 'جون ستيوارت مل' لإعادة الاعتبار لطلب العلّة هي الحقيقة استجابة لمُقتضيات البحث العلمي، بالرغم من العصر الذي عاش فيه 'مل'، هو عصر النزعة الوضعية التي قامت بطلب القوانين التي تحكُم الظواهر، في مقابل رفضها لمبدأ العلّة، بحيث نجد أنّ 'مل'، في ضوء هذه الاستجابة رغم ما تُنادي به الوضعية يرفض كل ما سمّته الفلسفات الميتافيزيقية بالعلّة الأولى، يقول: (أنا لا أقوم بالبحث في العلّة الأولى، أو العلّة الأنطولوجية لأيّ شيء)[48]. فالعِلّة التي هي أصل كلّ رأي في الاستقراء ليست بالعلّة الأولى أو العلّة الفاعلة، بل العلّة الطبيعية، (بمعنى الذي يُراد منه أنّ ظاهرة ما علّة لظاهرة أخرى)[49].

لاشكّ أنّ 'فرنسيس بيكون' استحق مكانته في الفلسفة عامة وفي فلسفة العلوم خاصة، لكن طُرقه في ضوء عمل 'مل'، لا تقوم في حقيقة الأمر على أُسس علمية راسخة، لأنّه لم ينته للدور الذي تُؤيّده الفروض، بل يُمكن أن نقول أنّه أغفل هذا الدور الأساسي في البحث العلمي، أي بمعنى أنّ 'مل' أراد تقديم حل لمشكلة الاستقراء، لا كما تصوّرها 'بيكون' نفسه وفقط، بل كذلك كما أصبح العلماء يتصوّرونها في القرن التاسع عشر، بحيث صحّة الفُروض (هي السّند الوحيد للتنبُّؤ بمستقبل الحوادث والوقائع)...(وهي مرتبطة بمبدأ الإطراد العلّي)[50].

إنّ تحقيق الفُروض هي المرحلة الأخيرة التي يكتمل بها البحث العلمي التجريبي، وليس يكفي الأخذ بفرض من الفُروض أن تُثبته بعض التجارب والمُلاحظات، بل لابُدّ من المُثابرة على تكرار التجربة حتى يتمّ التأكُّد تأكُّدا تاما من صحّة الفُروض ولا يصبح الفرض قانونا علميا إلاّ بعد اختبار دقيق، لهذا حرص 'مل' على تطوير طرائق تحقيق الفُروض.

يرى 'محمد الشنيطي'[51] أنّ 'مل' عرض أربع طُرق لتحقيق الفُروض في كتابه "نسق المنطق"، وهي على التوالي:

1-طريق الاتفاق أو التلازم في الوقوع.

2- طريقة الاختلاف أو التلازم في التخلُّف.

3- طريقة التغيُّر النسبي.

طريقة البواقي.

وقد اختلفت نظرة المَناطقة في تحديد الطريقة الرابعة، فيرى البعض أنها هي الطريقة الأولى والثانية مُجتمعتان، ويرى البعض الآخر أنّها تكرار للتغيّر النسبي.

طريقة الاتفاق أو التلازُم في الوقوع:

لابدّ أن يكون 'مل' قد اقتنع أكثر من غيره ممن عاصره من المُفكّرين في أصول البحث العلمي، بأنّه لا تنبُّؤ بدون علم بالعِلّة، فلو نظرنا مثلا إلى أُسس الاستقراء عند 'بيكون' نجده ينطلق من قائمة الحضور، أو بمعنى قائمة الوقوع، والتي يُقصد بها الأمثلة التي توجد فيها الظاهرة مع تنوُّع هذه الأمثلة واختلافها، لكن 'مل' كما أشرنا يُؤكّد على تحقيق الفرض، بحيث تكون العلّة أساسه حينها تكون طريقة الاتفاق تعتمد على الحوادث لمُلاحظة الظواهر والعلاقة بينها.

أي؛ إذا لاحظنا أنّ الظاهرة (أ) تتبعها دائما الظاهرة (ب) في أشكالها المختلفة (بَ، بَ)، استنتجنا من هذا التلازُم  في الحضور أو الوجود معا أنّ (أ) هي علّة (ب). يقول 'محمد الشنيطي': (طريقة الاتفاق مفادُها أنّه إذا اشتركت حالتان أو أكثر للظاهرة المُراد بحثها في عامل واحد، كان هذا العامل الذي يثبُتُ في جميع الحالات هو علّة الظاهرة أو معلولها)[52].

مثال على ذلك ما فعل 'باسكال' (1822-1895م) عندما راح يتحقّق من فرض 'تورشلي' (1608-1697م) في الضغط الجوي، فغيّر أشكال الظاهرة (ب) باستعماله لسوائل مُختلفة (زئبق- ماء -كحول) ولأنابيب مختلفة الأشكال، ولم تتغيّر نتيجة الضغط الجوّي الظاهرة (أ) بتغيُّر أشكال الظاهرة (ب)، وبهذا تحقّق 'باسكال' من صحّة فرض 'تورشلي'. يقول 'مل': (إذا اشتركت حالتان أو أكثر من حالات الظاهرة التي هي موضوع البحث في أمر، فإنّ الأمر الوحيد الذي يتّـفق فيه هو علّـة الظاهرة أو معلولها)[53].

طريقة الاختلاف:

إذا لاحظنا أنّ الظاهرة (ب) تحدث كُلّما حدثت الظاهرة (أ) وتغيب كلّما غابت، استنتجنا أنّ (أ) علّة (ب)، يقول 'مل': (إذا كانت الحالة التي توجد فيها الظاهرة والحالة التي لا توجد فيها الظاهرة تشتركان في جميع الأُمور ما عدا أمر واحد، بحيث لا يوجد هذا الأمر إلاّ في الحالة الأولى، فإنّ الأمر الذي تختلف فيه الحالتان وحده هو معلول الظاهرة أو علّتها أو جزء ضروري من العلّة)[54].

ومثال ذلك ما قام به 'باسكال' أيضا عندما أراد أن يُبرهن على أنّ الضغط الجوي هو علّة ارتفاع الزئبق في الأنبوب المُفرغ من الهواء، فعمد إلى إزالة مفعول الضغط الجوّي على سطح وعاء الزئبق بوضع الأنبوب والوعاء داخل أنبوب أكبر وأفرغه من الهواء، فوجد أنّ الزئبق لا يرتفع في الأنبوب، ممّا تبيّن معه أنّ الارتفاع (ب) وُجد عند وُجود الضغط الجوّي (أ) وغاب عند غيابه، فالضغط الجوّي هو علّة الارتفاع.

طريقة التغيُّر النسبي:

إذا لاحظنا ظاهرتين (أ) و(ب)، بحيث كُلّما تغيّرت (أ) بنسبة تغيّرت (ب) بنسبة مُعيّنة أيضا، استنتجنا أنّ (أ) علّة (ب)، إذ هي طريقة يلجأ إليها الباحث متى تعذّر عليه الوُصول إلى مطلوبه باستعمال طريقة الاتفـاق أو الاختلاف، و(ذلك في بعض الاقترانات العلية الدائمة التي لا يُمكن بحال من الأحوال أن نفصل فيها بين عوامل الطبيعة بعضها البعض)...(كما هو الشأن بالنسبة إلى الحرارة والجسم، إذ لا حرارة بدون جسم، ولا جسم بدون حرارة)[55].

إذن، هي طريقة لا تستلزم إيجاد علاقة بين ظاهرتين، وإنّما تستهدف فقط تحديد العلاقة بينهما تحديدا كمّيا، إذ أنّنا لا نستطيع أن نُخرج الحرارة تماما من الجسم، ولكن يُمكننا أن نُغيّر كمّيتها فيه بالزيادة أو النُّقصان، يقول 'مل': "إنّ الظاهرة التي تتغـيّر كما تتغيّر ظاهرة أخرى هي إما علّة هذه الظاهـرة أو معلولها أو هي ذات صلة علّية بها"[56].

طريقة البواقي:

إذا ما استطعنا في سلسلة من الظواهر أن نربط مجموعة من التوالي إلاّ تاليا واحدا هو (ب) بمجموعة من المُقدّمات إلاّ مُقدّما واحدا هو (أ)، استنتجنا أنّ الباقي (أ) هو علّة الباقي (ب). ولقد أورد 'مل' المثال التالي: إذا علّقنا إبرة مُمغنطة بخيط من الحرير، ثم حركناها فوق وعاء من النّحاس لشاهدنا أنّ رجوعها إلى السكون أسرع، وليس أمامنا إلاّ عاملان يُمكن اعتبارهما علّة لهذه الظاهرة، وهما مُقاومة الهواء ومُقاومة الخيط، فإذا أسقطنا تأثير هذين العاملين لم يعُد لدينا إلاّ سبب واحد وهو وعاء النُّحاس، فهو المُعوِّق لحركة الإبرة، وتقول هذه القاعدة عند 'مل': (إذا حُذفت من ظاهرة ما يُعرف بالاستقراءات السابقة أنّه معلول بعض المُقدمات من ظاهرة هو معلول المُقدمات الباقية)[57].

إنّه لا يوجد واحد منّا يُنكر مُحاولات 'بيكون' و'جون ستيوارت مل' في قصدهما لوضع منطق الاستقراء الذي يحُلُّ محلّ المنطق الاستنتاجي الذي وضعه 'أرسطو'، لكن قيمة الاستقراء عند 'بيكون' بالنسبة للبحث العلمي لم توضع في موقعها المُناسب، بل هي أقل خُطوة من 'مل' لأنّ هذا الأخير وضع طُرقه للبحث عن العلّة في عالم الظواهر الطبيعية، وقد يترتّب على ذلك أنّ (المنطق الاستقرائي أصبحت له مكانة مُماثلة للمكانة المُعترف بها منذ 'أرسطو' للمنطق الاستنتاجي)[58]، ومعنى هذا أنّ شُهرة 'جون ستيوارت مل' بين الفلاسفة منبعها مؤلّفه الذي وضعه، إذ الطرائق الأربع الخاصة بالبحث التجريبي التي تُمثّل أشهر قسم من الكتاب الثالث الذي بحث الاستقراء القصد منها على وجه الخصوص كما يُلِح على ذلك 'مل' هو البحث عن روابط العلّية، وبالتالي إعطاء صورة واضحة لتحقيق الفُروض.

لكن هناك بعض الملاحظات على طُرق تحقيق الفُروض عند 'مل' تقدّم بها 'فتحي الشنيطي'[59] فيما يلي:  طريقة الاختلاف هي بمثابة القياس الشرطي المُنفصل، فإذا كان 'مل' يعرض لنا تحقيق الفُروض على أساس استقرائي مستبعدا القياس من حيث هو وسيلة عقيمة للبحث، فإنّ 'مل' يُواجه على ذلك الإحراج الآتي: فإما أن يتنازل عن نقده للقياس فيُقوّض الدعامة الأولى لطريقة البحث العلمي، وإما أن يتشبّت بهذا النقد فيقع في التناقض.

إنّ الصورة القياسية هي على الوجه التالي:

علّة (س) إما أن تكون (أ) أو (ب) أو (ج)

لكن علّة (س) ليست (ب) أو (ج)

إذن علّة (س) هي (أ).

دافيد هيوم:

لكن يظل ان الفضل في الكشف عن طبيعة المشكل المنطقي الذي يتضمنه الدليل الاستقرائي؛ يعود الى الفيلسوف الانجليزي ديفيد هيوم "1711ـ1776" المعروف بنقده للمعرفة ورده على النزعة العقلية. فهو في مواقفه النقدية أثار مشاكل جديدة كان لها الاثر البالغ على نضج التفكير الفلسفي لدى الذين خلفوه؛ سواء من التجريبيين كالوضعية المنطقية او من العقليين كالفيلسوف عمانوئيل كانت الذي اعلن قوله صراحة: "انني لاعترف صادقاً ان ما استذكرته من تعليم ديفيد هيوم كان هو على وجه التحديد العامل الذي أحدث ـ منذ اعوام كثيرة ـ اول هزة ايقظتني من سبات جمودي الاعتقادي، ووجّه أبحاثي في مجال الفلسفة التأملية وجهة جديدة"[60]لذا كان كتابه الموسوم "نقد العقل المجرد" يهدف الى انقاذ المعرفة البشرية من خطر الانتقادات التي أحدثها هيوم. وعلى العموم ان ظهور هيوم والرد عليه من قبل كانت ثم مجيء الوضعية المنطقية التي نقدت ما قبلها؛ كل ذلك قد ادى الى بلورة المشاكل الاساسية المتعلقة بالدليل الاستقرائي.

فما من أحد يشك في ان هيوم هو اول من وجد في الاستقراء مشكلة منطقية هذه المشكلة التي تتحدد بمسألة وجود المبرر المنطقي للتعميم؛ اعتماداً على فهم السببية بشكل خاص. لذلك كانت هناك مواقف مختلفة اتجاه الدليل الاستقرائي؛ بعضها ينفي المشكلة من الاساس، وبعض آخر يرى أنها ثابتة لا تزول، كما توجد هناك مواقف أخرى لا تصل الى هذين الحدين المتطرفين، وتبتغي سبلاً متباينة من الوسط.

ديفيد هيوم يرد الترابط بين القضايا والاقتران المطرد بينها ليس للضرورة السببية بل للعادة الذهنية. فإذا ارتبطت (أ) و(ب) ليس لأنَّ هناك ضرورة سببية تلزم من وجود (أ) وجود (ب)، بل لأن الذهن اعتاد أن يرى التعاقب المتكرر بين (أ) و(ب)؛ فيستنتج من ذلك السببية بينهما، ويستنتج أنه في المستقبل سيتكرر هذا الارتباط. وبهذا يرد ديفيد هيوم المعرفة البشرية إلى السيكولوجية البشرية؛ وبالتالي هو ينفي عنها صفتها العقلية. يرى بوبر في هذا الجواب أن ديفيد هيوم تحول من العقلانية إلى التشكيك، كما أنَّ الفيلسوف برتراند رسل يرى في جواب ديفيد هيوم مثالًا للفلسفة المفلسة في القرن الثامن عشر.[61]

الفلسفة المعاصرة:

الوضعية المنطقية:

وبحسب الوضعية المنطقية أنه لا يمكن استخلاص الدليل الاستقرائي من القضايا التحليلية؛ باعتبارها لا تخبر بشيء جديد، طالما انها تستند إلى مبدأ عدم التناقض الذي يصف الواقع دون أن يضيف لنا معرفة جديدة. فحينما نقول ان (أ) هي (أ) لا نضيف معرفة إلى الموضوع، إذ المحمول هنا يمثل عين الموضوع تماماً، وهذا هو علة كونه يتصف بالضرورة واليقين.بهذا المنطق اعتبرت الوضعية أن القضايا التحليلية لا يمكنها أبداً أن تبرر لنا طبيعة الدليل الإستقرائي المتصف بأن نتائجه اعظم من مقدماته، وهو علة كونه يقبل التكذيب والتخطئة. فقد يأتي يوم نرى فيه الحديد لا يتمدد بالحرارة فنكتشف خطأ التعميم الذي بنيناه من غير تناقض. لهذا فإن الوضعية حذرة من استخدام التعميمات واليقينات، فهي لا تتحدث عن مطلق أفراد القضية الإستقرائية، بل تكتفي ان ترى فيها فئة تقيم عليها حدود الترجيح والإحتمال دون ان تمنحها درجة التعميم واليقين.

لقد رفضت الوضعية المنطقية كل ما له صلة بالتعميم واليقين ضمن العملية الإستقرائية. ومن مفكري هذه المدرسة من رفض الحديث حتى عن الصيغ الإحتمالية للتعميم الإستقرائي، معتبراً ذلك بلا معنى. فالتعميم إما ان يعبر عن حقيقة أو كذب، لكنه لا يخضع لإعتبارات الدرجة الإحتمالية. فمثلاً ان كارناب يعد إحتمال التعميم الإستقرائي صفراً، فلا امل يرجى من تأييد التعميمات والفروض الكلية، بل عنده ان التعامل يكون عالقاً بالنماذج الخاصة، شبيهاً بقاعدة ستيوارت مل التي تقر الإستنتاج من الخاصيات إلى الخاصيات. وبنظر الاستاذ باركر انه في العلم النظري قد تكون الفروض الكلية اكثر ضرورة للتوظيف والاستخدام من تلك الخاصيات، رغم انه لا يوجد شيء يمكن ان يعمل على تأييد الفرض الكلي. [62]

كارل بوبر:

كان تمييز بوبر بين الاستنباط والاستقراء مناظرًا للتمييز بين المذهب العقلي والمذهب التجريبي، فالأخير كان قائمًا على الاستقراء، وتحديدًا الاستقراء الناقص، فالتجريب ما هو في حقيقته سوى وسيلة لإضافة ملاحظات يتم التعميم منها استقرائيًا للخروج باستنتاج سليم. ولأن الاستنباط باعتباره منهج استدلال عقلي أكثر موضوعية، وأكثر توافقية وانضباطًا مع قواعد المنطق، وقدرتنا على التحقق منه أكبر بكثير من المتاحة في حال الاستقراء، فكارل بوبر يرى الاستنباط منهج الاستدلال العقلي المقبول الوحيد!، وهاجم الاستقراء كطريقة كلية بل وكعمليات صغيرة أثناء الاستدلال. كما أن بوبر يرفض الخبرة كمصدر لصدق الاستقراء لكون البرهنة عليه لا بد أن تقوم على استدلالات استقرائية!

ومفهوم نمو المعرفة هو من أهم المفاهيم التي تشيع في فلسفة بوبر العلمية، بل هو أساسها؛ فبوبر لا يقتنع بالمنهج الاستقرائي الذي يوصلنا وفقًا لملاحظاتنا إلى نظرية واحدة، من المفترض أنها تحدد ماهية المعرفة بشكل كامل، وتعطي تفسيرًا كاملًا، لن يكون قابلًا للنمو. في رأيي أن هجوم بوبر على الاستقراء كان غريبًا. صحيح أن نتائج الاستدلال الاستنباطي تكون يقينية لأنها استنتاج من مقدمات أكبر منها، وأن الاستقراء تظل نتائجه مشكوك فيها لأنه رد صحة وصدق القضية الكلية إلى قضايا مفردة، لكن لا يمكن أن يكون الاستنباط متفردًا بالقبول المنطقي، فما بالنا بالقبول العلمي. لكن بوبر، الذي هاجم الاستقراء لم يستطع أن يستغني عنه، وكثيرًا ما نُقِد لاستخدامه عمليات استقرائية رغم ادّعائه أنها ليست كذلك. سنذكر أمثلة عليها في حينها.

ولم يركز بوبر فيما يخص الاستقراء سوى على إثبات فشله كمنهج ومبدأ، ثم كمعيار للتمييز بين النظريات العلمية. وقدّم منهجه في الكشف العلمي للرد على مشكلة الاستقراء.

وكما يرفض بوبر المنهج الاستقرائي على أساس منطقي، فهو يرفضه على أساس سيكولوجي!، فعند بوبر "ما يصدق في المنطق يصدق في علم النفس"؛ فنحن نبحث عن إطرادات لنفرضها على العالم، لأجل أن يوافق توقعاتنا. والحقيقة أن تلك الأفكار الأخيرة عن الإطرادات أو الاعتقاد بتوقعات معينة إن لم تكن استقراءً، فماذا عساها تكون؟!

لكن بوبر يدّعي أن الميل والتوقع للإطراد في الطبيعة هو اعتقاد براجماتي، إلى حد ما فطري، يرتبط بالاختيار ‏بين البدائل، وليس ناشئًا عن تكرار؛ فنظرًا لرفضه الاستقراء الذي يقود إلى نظرية واحدة، فإن منهجه قائم على الاختيار بين بدائل؛ حيث يفترض نظريات متكافئة أمامه يبحث في صحة كل منها، وصولًا لاستنتاج صحة أفضلها، والتي تبقى مع ذلك قابلة للمزيد من الفحص مع توفر بدائل أخرى.

وتتوفر تلك البدائل من خلال حدس العلماء؛ فعلى العالم أن يحْدِس (يفترض) أكثر من حَدْس، وهو تخمين ذكي لحل المشكلة، ثم باستخدام المنهجية العلمية الموضوعية يختار أفضلها؛ وبذا ينمو العلم بهذه الإضافة.

والصدق عند بوبر دائمًا مشكوك فيه، ودائمًا مؤقت. ينتظر ظهور النظرية البديلة أو الحل البديل.

في المقابل، يمكن القول إن بوبر لم يحترم الأساليب الأمبريقية كأساس لتقرير صحة نظرية أو مقارنة أفضلية عدد من النظريات أو الفرضيات المتكافئة كما كان يراها لأجل الوصول إلى نظرية أصدق وأشمل وأعمّ. وإن كان يرى أنه يمكن استخدام الأساليب الأمبريقية أحيانًا.

ويمكن تلخيص فكرته الأساسية في أنه دون خطوات استقرائية يمكن أن ينمو العلم، وذلك عن طريق وضع فرضيات، ثم اختبارها بأن نستنتج استنباطيًا ما يترتب على كل فرض، ومستعينين بالملاحظة أو التجربة نقارن تلك الاستنتاجات بالواقع، ‏فيتعزز الفرض، أو يتم ‏تكذيبه. ‏فيمكن الاختيار بين النظريات المتكافئة المطروحة وصولًا للنظرية الصحيحة.

ونلاحظ هنا أن الاستنباط عند كارل بوبر ينطلق من مقدمات غير مؤكدة، على عكس ‏الاستنباط الديكارتي؛ فمقدماته الاستنباطية هي فروض حَدْسية تخمينية مؤقتة وقابلة للتغير.‏[63]

خطوات ومكونات النهج الاستقرائي:

- الملاحظة:

تختلف نظرة الرجل الذي لا علاقة له بالعلم، أي الرجل العادي في حياته اليومية عن رجل العلم، صاحب النظرة النقدية الفاحصة "للظواهر قصد كشف عما هو جديد فيها)...(ليصبح جزءا مُمكنا لنسقه المعرفي، فأيُّ دراسة علمية لابدّ أن ترتبط بالملاحظة غير العادية"[64]، أي أنَّ الملاحظة نستعين فيها بالأدوات والأجهزة والأساليب التي تتَّفِقُ مع طبيعة الظاهرة.

- الفَرَض:

هو نقطة البداية اللازمة لكل استدلال تجريبي"إذ يقعُ في منتصف الطريق بين المعطيات الحسّية والقوانين النظرية"[65]، فهو لا يأتي اعتباطا، بل ينجُمُ أساسا من ذلك النشاط الذي يُمارسه الباحث ملاحظة وتجريبا، لكن يظلُّ خارج الحقائق حتى تُثبِت صحّته، ويتحوَّل إلى قانون.

- التجربة*:

هي المحكُّ الأساسي لاختيار القوانين والنظريات العلمية، والعنصر المهمُّ الذي يجمع بين الملاحظة الأوّلية والفروض، ويتجلّى فيما يذهب إليه الباحث إلى أخذ العيِّنات وإجراء التجارب عليها، إذ يُمكن بها أن نصل بعد التعديل في تركيب الظاهرة إلى شيء جديد، مثلما نستطيع أن نستخلص معدن الرصاص من صهر الحديد والنُّحاس.

- القوانين:

يعتبر القانون هو النتيجة الأخيرة التي يتوصَّل إليها الباحث طيلة مشواره العلمي، "فمُحتوى العلم في شكله النَّاضج ليس إلاَّ مجموعة من القضايا التي يتمُّ التأكُّد منها، وهي مترابطة مع بعضها البعض تشكِّل نسَقا يبدو في ضوءه قواعد معيَّنة"[66].

طبيعة المنهج الاستقرائي:

يعتبر المنهج الاستقرائي من المناهج المشتركة بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. وإن كان في الغالب يوظف في مجال دراسة العلوم الطبيعية. ويعتمد منهج الاستقراء العلمي في مجال دراسة العلوم الطبيعية على "الملاحظة العلمية"في مجال الطبيعة والانتقال من ملاحظة قضايا جزئية تشير إلى ما نلاحظه إلى نتائج كلية تتضمن وقائع أو ظواهر أخرى سوف تحدث في المستقبل ولم تلاحظ بعد، وهذا يعني أن مقدماته تمثل الجزئيات التي تم استقراءها في الواقع عن طريق الملاحظة والتجربة. أما نتيجته فتعبر عن القانون العام الذي تندرج تحته الجزئيات التي شاهدناها، بحيث يمكن القول أننا نصل إلى تعميم ما جاءت به النتيجة من خلال الاستدلال الاستقرائي ولكنه لا يمثل ما شاهدناه فحسب، وإنما يعبر أيضا عن الوقائع التي سترد علينا في المستقبل . [67]

أهمية المنهج الاستقرائي:

من المفكرين والمهتمين بأمور تطوير نوعية عيش الإنسان من وجد أن الاعتماد على مناهج كالاستنباط لا يكفي، ومن المحتمل جدا أن يؤدي إلى أخطاء كثيرة ومتكررة تهلك الإنسان وتحيل جهوده إلى عبث بلا طائل. إنهم يتساءلون: ماذا يمكن أن تكون نتائج سياسة معينة إذا بنيت على افتراض أساسي خاطئ؟ فمثلا، عن ماذا يمكن أن تتمخض سياسة إقامة علاقات اجتماعية بناء على افتراض قائل بأن على المرء أن يتجنب إقامة علاقات اجتماعية مع الذين لا تعجبه أشكالهم لأن الوجوه دليل القلوب؟ هذا افتراض لا يحتوي على حقيقة، وربما له علاقات بتجارب شخصية بحتة ولا يمكن تعميمها. من لا يتمتع بوفرة من الوسامة في نظر شخص ما، قد يبدو وسيما في نظر شخص آخر؛ ومن لا يبدو من ناحية الشكل لطيفا قد يثبت التعامل معه عكس ذلك. وإلى غير ذلك. [68] رأى هؤلاء أن قراءة الواقع وتتبع التفاصيل ورصد المتغيرات وجمع المعلومات عبارة عن أسلوب أفضل للتوصل إلى تعميمات حول قضايا معينة أو ظواهر أو علاقات عددية أو جدلية. رأى هؤلاء أن الحقيقة المطلقة فيما يتعلق ببيئة الإنسان التي هي محلية وغير محلية لا يمكن اختزالها في افتراض معين يعبر عن وجهة نظر، ولا يمكن لأي شخص أن يدعي بأنه يملك الحقيقة المطلقة  قد يكون الشخص ذكيا وقادرا على الملاحظة والتحليل، وقد يكون صاحب رأي وتدبر وتأمل عميق، لكن هذا لا يؤهله أبدا لأن يدعي امتلاك الحقيقة المطلقة. من المقبول أن يتبنى المرء حقائق إيمانية مطلقة لها علاقة بما فوق الطبيعة، لكن ذلك غير مقبول فيما يتعلق بالطبيعة والتي هي في متناول قدرة الإنسان على البحث والتدقيق.

وعليه، وجد هؤلاء المفكرون والمهتمون بالتطوير أن البحث في الخاص والتفاصيل من أجل الوصول إلى تعميمات يمكن أن تعبر عن حقائق غير مطلقة هو الأسلوب الأمثل في اتخاذ القرارات وترتيب العلاقات. هذا هو المنهج الاستقرائي الذي يبتعد عن الافتراضات المسبقة، ويفتح المجال لجمع المعلومات الصغيرة والكبيرة ويخضعها للتصنيف والتدقيق والتحليل من أجل الوصول إلى نتائج، أو إلى العام (Welsh, p. 68). إنه منهج يبدأ من حيث ينتهي المنهج الاستنباطي، أي من الخاص إلى العام. فإذا أردنا أن نحكم على المستوى العلمي لجامعة معينة، فإننا لا نقول بأن هذه الجامعة قد بناها فلان وبالتالي هي عظيمة، وإنما نجمع المعلومات ونتقصى حول الأبحاث العلمية التي تنشرها الجامعة، وعدد الأبحاث التي يجريها مدرسوها، والمختبرات الموجودة والأموال المرصودة لدعم البحاثة، والكتب المؤلفة، الخ. بناء على ذلك يمكن للباحث أن يستنتج حول المستوى العلمي للجامعة، وأن يقول فيما إذا كانت الجامعة تشجع البحث العلمي أم لا[69]. ينبثق عن المنهج الاستقرائي مناهج كثيرة فرعية منها منهج دراسة الحالة، والمسح، وتحليل المضمون، والإحصائي، والرياضي، والتاريخي، الخ (Dane, part one). كل هذه المناهج تتناول الموضوع استقرائيا ولا تترك المجال للتمنيات والآراء الشخصية للتدخل في جمع المعلومات أو في التحليل أو الاستنتاج. إنها تقوم على مبدأ الموضوعية وفصل الذات عن موضوع البحث، وهي تعتبر أن كل عمل بحثي يقوم على المزاج الشخصي غير علمي ولا يؤخذ به.

بالإضافة إلى الموضوعية، يتطلب المنهج الاستقرائي وضوحا في موضوع البحث وتحديدا له زمنيا ومكانيا، وتعريفا للمفاهيم التي سيتم استخدامها، وشرحا للمنهج المتبع في الدراسة. وهو يعرّف قضية البحث بدقة، ويشرح أهميتها وأسباب تناولها والفائدة المترتبة على ذلك. وفوق ذلك، نتائج المنهج الاستقرائي قابلة للفحص والتحقق من قبل الباحث نفسه ومن قبل بحاثة آخرين لأنه يعتني بقضايا مادية ملموسة بصورة مباشرة أو غير مباشرة. بإمكان بحاثة آخرين أن يتناولوا موضوع البحث بطريقة جديدة أو منهج جديد، أو أن يكرروا ذات المنهج ليتأكدوا أن النتائج تتقاطع بصورة واضحة مع نتائج البحث الذي سبق. فإذا قلنا إن عادات الناس في الزواج في بلد معين تتطلب مراسيم معينة ونأتي على تفصيلها، فإنه بإمكان أي باحث آخر أن يذهب إلى ذلك البلد ليتأكد من صحة الأقوال. هذا على عكس المنهج الاستنباطي الذي يستحيل التحقق من نتائجه. فإذا قال شخص بأن الإنسان خيّر بالطبيعة، فإنه لا يمكن لأي باحث أن يتحقق من هذا الأمر، علما أن المستنبط الأول لم يقم بأبحاث علمية لتأكيد نتائجه.[70]

عيوب ونواقص المنهج الاستقرائي:

إن الاستقراء لا يمكن استخدامه مع معظم موضوعات البحث العلمي، التي يجب ان يستخدم فيها منهج علمي آخر.

من ميزات الاستقراء في البحث العلمي أنه يعتمد على الملاحظات والتفكير والتحليل، وبالتالي فهو يحتاج الى وقت أكبر من حالات استخدام مناهج أخرى، وهذا الأمر قد يكون سلبيا للباحث العلمي أو الطالب الذي لا يملك وقت كبير لتقديم دراسته.

إن الاعتماد على الاستقراء بالعملية التعليمية، يجعل منها عملية ميكانيكية لدرجة مبالغ بها، مما يقلل من أهمية وقيمة هذا المنهج العلمي.

مشكلة مشروعية تبرير الاستقراء:

ما هي مشكلة الاستقراء؟

المشكلة الاستقرائية هي سؤال بين الفلاسفة وغيرهم من المهتمين بالسلوك البشري الذين يريدون معرفة ما إذا كان الاستدلال الاستقرائي، حجر الزاوية في المنطق البشري، يولد بالفعل معلومات مفيدة وذات مغزى. تناول عدد من الفلاسفة المشهورين، بما في ذلك كارل بوبر وديفيد هيوم، هذا الموضوع، ولا يزال موضوعًا مثيرًا للاهتمام والمناقشة. غالبًا ما يكون الاستدلال الاستقرائي معيبًا، ولذلك يجادل بعض الفلاسفة بأنه ليس مصدرًا موثوقًا للمعلومات

أثناء الاستدلال الاستقرائي، يتم استخدام سلسلة من الملاحظات لاستخلاص نتيجة بناءً على الخبرة. تكمن مشكلة هذا المنطق في أنه لمجرد أن مجموعة من التجارب تدعم استنتاجًا منطقيًا، فهذا لا يعني أنه لا يوجد شيء ما يناقض هذا الاستنتاج. ومن أشهر الأمثلة على ذلك مثال البجعة السوداء. يرى الشخص سلسلة من البجعات البيضاء ويستنتج بناءً على هذه المعلومات أن جميع البجع أبيض، حيث يجب أن يكون البياض حالة جوهرية من البجع. عندما يرى ذلك الشخص بجعة سوداء، فإنه يدحض هذا الاستنتاج ويوضح مشكلة الاستقراء.

يُجبر البشر باستمرار على اتخاذ قرارات منطقية بناءً على التفكير الاستقرائي، وفي بعض الأحيان تكون هذه القرارات غير موثوقة. في التمويل والاستثمار، على سبيل المثال، يعتمد المستثمرون على خبرتهم في السوق لوضع افتراضات حول تطورات السوق. عندما تكون غير صحيحة، يمكن أن تؤدي إلى خسارة مالية. بعد الحقيقة، فهموا أن النتيجة التي توصلوا إليها كانت خاطئة، لكن لم يكن لديهم أي وسيلة للتنبؤ بها عندما كان السوق لا يزال يتصرف بطريقة تتوافق مع توقعاتهم السابقة.

يمكن أن تلعب مشكلة الاستقراء دورًا رئيسيًا في فهم الاحتمالية وكيفية اتخاذ الناس للقرارات. في الحالة التي تستند فيها الاستنتاجات إلى سلسلة من الملاحظات الإيجابية دون أي تناقضات تتعارض معها، يمكن التعبير عن الاستنتاجات بدقة أكبر من حيث الاحتمالية، بدلاً من الإحصائيات. على سبيل المثال، إذا لم يسقط الفارس من فوق حصان مطلقًا وكان يستعد لتجربة جبل جديد، فقد يقول إنه من غير المحتمل أن يتم إلقاؤه، بناءً على تجاربه السابقة، لكن لا ينبغي له ذلك.استبعد هذا الاحتمال تمامًا.

بفضل مشكلة الاستقراء، يمكن للناس اتخاذ قرارات بناءً على معلومات محدودة، مما قد يؤدي بهم إلى اتخاذ خيارات سيئة. يعتبر كل حدث يعزز الاستنتاج دليلاً إضافيًا يدعم الاستنتاج، بدلاً من نقطة بيانات أخرى يجب مراعاتها. هذا يمكن أن يخلق إحساسًا زائفًا بالثقة. يمكن أن تلعب مشكلة الاستقراء أيضًا دورًا في الأخطاء المنطقية مثل الاعتقاد بأن الارتباط الملحوظ هو دليل على العلاقة السببية.

يعتمد الرجال، وخاصة العلماء، باستمرار على التفكير الاستقرائي. عندما نتنبأ بالمستقبل أو عن أشياء فإننا نعتمد على الاستدلال الاستقرائي.

كان الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم (1711-1776) أحد كبار المفكرين الذين أظهروا عدم موثوقية الاستقراء، والذي اعتبره رهانًا غير حكيم، وحتى لا يمكن الدفاع عنه. وفقًا لهيوم، لا يمتلك الاستقراء أساسًا منطقيًا ولكن نفسيًا (الشعور بالعادة). العلم، لأنه ينطلق عن طريق الاستقراء، لا يمكنه أن يجلب اليقين المطلق لما يدرسه، وبالتالي يتم إعادته إلى مجال الإيمان (الإيمان بمصداقية الاستقراء). "كل المعرفة تنحرف إلى احتمالية. قال هيوم بالتأكيد، من المحتمل جدًا أن تشرق الشمس غدًا، كما يقول هيوم، لكن ليس من المستحيل ألا تشرق. حتى الآن كان يستيقظ كل يوم، لذلك نخلص إلى نتيجة مفادها أنه سوف يستيقظ غدًا، لكن هذا تفكير استقرائي، لذلك لا يعتمد على المنطق بل على العادة فقط. لا شيء يخبرنا أن المستقبل سوف يشبه الماضي، وبالتالي ليس من المستحيل منطقيًا ولا ماديًا التفكير في أن الشمس لن تشرق غدًا، حتى لو بدا لنا هذا التأكيد غير قابل للتصديق. سيقول برتراند راسل أن الاستدلال الاستقرائي هو المنطق الذي تستخدمه الدجاجة عندما تربط يد المزارع بالحبوب التي تغذيها، حتى اليوم الذي تلوي فيه هذه اليد رقبتها ."العقل ليس هو دليل الحياة، ولكن العادة وحدها هي التي تحدد العقل، في جميع الظروف، وتسمح لنا بافتراض أن المستقبل سيتوافق مع الماضي. (هيوم).

سوف نرى كل صباح في المستقبل باستمرار. وبالتالي فإننا نصوغ الفرضية القائلة بأن نفس الانتظام يمتد إلى كل الطبيعة، بما في ذلك في المستقبل.

وبالتالي، للإعلان عن موثوقية الاستقراء، سيكون من الضروري إثبات صحة الافتراض القائل بأن الطبيعة موحدة. هل من الممكن ؟ يعطي هيوم احتمالين لمحاولة تبرير أن الطبيعة موحدة: بطريقة منطقية وبطريقة تجريبية.

لكن الاستقراء للأسف ليس حقيقة منطقية. لا يوجد تناقض منطقي في التفكير أنه إذا كانت الطبيعة موحدة حتى الآن، فقد تصبح فوضوية بين عشية وضحاها، مساحة تحدث فيها الأحداث بشكل عشوائي وغير متوقع.

هل يمكننا بعد ذلك إثبات توحيد الطبيعة تجريبيًا؟ في الواقع، هناك طريقة واحدة فقط للقيام بذلك: مراقبة الطبيعة كلها مباشرة ومعرفة ما إذا كانت موحدة أم لا. من الواضح أنه مستحيل. بادئ ذي بدء، لأن جزءًا صغيرًا فقط من الكون يمكن ملاحظته. ما الذي يخبرنا أن نفس القوانين المطبقة هنا تنطبق أيضًا على كل ركن غير معروف من الكون؟ أخيرًا، المستقبل بالتأكيد لا يمكن ملاحظته، ولا شيء يثبت لنا أن قوانين الطبيعة غير قابلة للتغيير: "الافتراض بأن المستقبل يشبه الماضي لا يعتمد على أي حجة ولكنه ينبع تمامًا من العادة. (هيوم)

هل يمكننا بعد ذلك التأكيد على أنه إذا كانت الطبيعة موحدة في المجال المرئي وحتى الآن، فلا يوجد سبب للاعتقاد بأنها ليست في كل مكان وفي المستقبل؟ هذا يرقى إلى مناشدة الاستقراء لتبرير الاستقراء. هذا تفكير دائري لا يمكن أن يبرر أي شيء على الإطلاق

هل يمكن إثبات موثوقية الاستقراء من خلال خصوبته؟

الاعتراض الثاني الذي يعارضه المرء لهيوم هو أن الاستقراء أثبت نفسه. من خلال الاعتماد على الاستدلال الاستقرائي، حقق العلماء أشياء غير عادية، لم يكن من الممكن تصورها حتى وقت قصير: بناء أجهزة كمبيوتر متطورة للغاية، وإرسال الرجال إلى القمر، والتلاعب جينيًا بالكائنات الحية، وما إلى ذلك.

لكن هذا مرة أخرى هو المنطق الاستقرائي. نحن نفترض أن الاستدلال الاستقرائي كان يعمل دائمًا جيدًا في الماضي، ولذا فإنه سيفعل ذلك بالضرورة في المستقبل. نعود إلى فخ الاستدارة: مناشدة الاستقراء لتبرير الاستقراء

بينما كنا نظن أننا على يقين من المعرفة العلمية وقادرون على استخلاص استنتاجات حول المستقبل، يوضح هيوم أن العلم في الواقع يعتمد فقط على الاعتقاد، في مصداقية الاستدلال الاستقرائي. حتى في أفضل المعارف الراسخة، فإن جزء الإيمان غير قابل للاختزال. إذا تبنينا موقفًا جذريًا، فيمكننا الذهاب إلى أبعد من ذلك لتأكيد أن تنبؤات علمائنا ليست أكثر عقلانية من تنبؤات المجانين. لقد دفعت مشكلة الاستقراء بعض العلماء للبحث عن طرق أخرى لإثبات الحقيقة.

الخاتمة:

نستنتج في الأخير:

أن المنهج الاستقرائي يقوم على التعميم، والانتقال من حالة جزئية إلى حالة كلية، حيث ينطوي الاستقراء على الكشف عن العلاقات القائمة بين الحالات الجزئية المأخوذة أو المدركة، وربطها بقوانين تنظم هذه العلاقة وتعددها مستقبلاً.

أن المنهج الاستقرائي من أهم وأبرزالمناهج في البحث العلمي

ومن المناهج التي ساهمت في مساعدة الباحثين على الحصول على معلومات جديدة حول الظاهرة التي يدرسونها.

مشكلة الاستقراءهي التساؤلالفلسفي حول ما إذا كان التفكير الاستقرائي يؤدي إلى معرفة مثلما هي مفهومة بالمعنى الفلسفي الكلاسيكي.

مشكلة الاستقراء الفلسفية بقيت حاضرة من دون حلّ، وحتى أولئك الذين استعاضوا عن الاستقراء بالاستنباط كأساس للمنهج العلمي لم يفلحوا في التخلّص من مشكلة الاستقراء بشكل أو بآخر لا عجب – إذًا – أن يشير الفيلسوف البريطاني شارلي بورد إلى الاستقراء بوصفه مجد العلم وفضيحة الفلسفة.

 

حبطيش وعلي

ماستير أكاديمي في الفلسفة العامة

....................................

[1] الرفاعي، أحمد: مناهج البحث العلمي  تطبيقات ادارية واقتصادية، دار اليازوري العلمية، عمان.ص85.

[2] وحوش، عمار والذنيبات، محمد محمود:  مناهج البحث العلمي وطرق إعداد البحوث، دار اليازوري، عمان.ص211

[3] وحوش، عمار والذنيبات، محمد محمود:  مناهج البحث العلمي وطرق إعداد البحوث، دار اليازوري، عمان.ص211

[4] خديجة زتيلي:

 https://www.facebook.com/adlisclub05/photos/a

[5] كيف تحرر المنهج العلمي من منطق أرسطو:

https://elmahatta.com/%D9%83%D9%8A%D9%81-

[6] مختار رسائل جابر بن حيان، تصحيح كراوس، مكتبة الخانجي، 1354هـ، ص419ــ421.

* - كلمة يونانية تعني القاعدة أو المرسوم أو القاعدة المتعلقة بإيمان أو تنظيم ديني، وتعني أيضا مجموعة الكُتب المعتبرة مستوحاة من الإله، سلمان قطاية، كتاب القانون لابن سينا مجلة الفكالمجلد 7، العدد2، وزارة الإعلام، الكويت، 1972، ص191.

[7] محمد فتحي،  الشنيطي أُسُس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص130.

[8] حسين علي،  التفكير العلمي عند ابن سينا، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، د(ط)، 2003، ص ص36-37.

[9] في اللغة تعني تمييز الأشياء بعضها عن بعض، وصف الشيء أي مُيّز بعضه البعض، وتصنيف الشيء جَعلُه أصنافا،ابن منظور، لسان العرب المحيط، ج4، دار المتوسطيةلنشر والتوزيع،تونس، ط1،2005،ص2511.

لا تكاد تختلف المفاهيم الاصطلاحية لمصطلح التصنيف في دلالتها العامة عن الدلالة اللغوية المشار إليها سابقا، لأنّه يخرج عن كونه يُفيد ترتيب العلوم أو المجموعات، ولذلك يُعدُّ من أبرز الوسائل المنهجية، تُشكِّل الطائفة أو الصنفة أو المجموعة، أرنست ماير، هذا هو علم البيولوجيا، تح: عفيفي محمود، العدد277، سلسلة عالم المعرفة، الكويت، 2002، ص142.

[10] ابن سينا،  القانون في الطب، تح: إدوارد قش، مؤسسة عز الدين للطباعة، بيروت،دط،1993لبنان، ص3.

[11] توفيق الطويل، في تراثنا العربي الإسلامي، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة، الكويت، د(ط)، 1985، ص ص139-140.

[12] حسين علي التفكير العلمي عند ابن سينا، مرجع سابق، ص ص63-64.

[13] المرجع نفسه، ص66.

[14] لخضر مذبوح،  دراسات في الفلسفة الإسلامية، دار المعرفة للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2011، ص157.

[15] محمد فتحي الشنيطي، أُسس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص192.

[16] مدني صالح، ابن طفيل - قضايا ومواقف، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، العراق، د(ط)، 1980، ص66.

[17] المرجع نفسه، ص66.

[18] ابن طفيل، حي بن يقضان، تح: ليون جوتيه، بيروت، لبنان، د(ط،ت)، ص38.

[19] https://www.diwanalarab.com/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%86%D9%87%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%A7%

[20] المرجع نفسه، ص33.

[21] المرجع نفسه، ص75.

[22] عبد القادر بشته،الإبستيمولوجيا، دار الطليعة، بيروت، لبنان،ط1، 1990، ص ص61-62.

[23] محمد غلاب، المذاهب الفلسفية العُظمى في العصور الحديثة، دار الحياة، القاهرة، مصر، د(ط،ت)، ص50.

[24] برتراند راسل،تاريخ الفلسفة الغربية، مرجع سابق، ص89.

[25] محمد عابد الجابري، مدخل إلى فلسفة العلوم، مرجع سابق، ص237.

[26] ريشنباخ هانز، نشأة فلسفة علمية، تر: فؤاد زكريا، المؤسسة العربية للدراسات، بيروت، لبنان، ط1، 1979، ص83.

[27] ريشنباخ هانز، نشأة فلسفة علمية،المرجع نفسه، ص84.

[28] عبد الغفار مكاوي،لما الفلسفة؟، منشأة المعارف، الإسكندرية، مصر، د(ط،ت)، ص52.

* - فيلسوف إنجليزي وضعي مُتأثر بـ 'لوك'، أكثر من 'كونت' و'هيوم'، ومنطقه ومذهبه الخلقي النفعي، واقتصاده السياسي قامت جميعها على أسس وضعية وتجريبية، من أهم آثاره: المنطق الاستقرائي والاستنتاجي، النفعية...إلخ.

[29] فهمي زيدان، الاستقراء والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص101.

[30] الدسوقي عاصم، البحث في التاريخ، دار الجيل، بيروت، لبنان، ط1، 1991، ص25.

[31] توفيق الطويل، جون ستيوارت مل، دار المعارف، مصر، د(ط،ت)، ص141.

[32] سالم يفوت،  فلسفة العلم المعاصرة ومفهومها للواقع، مرجع سابق، ص38.

[33] توفيق الطويل، المرجع نفسه، ص102.

[34] فتحي الشنيطي، أسس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص119.

[35] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Trad, Le peisse, Tom1, Librairie Gomer Baillière, Paris, 1880, P128.

[36] لخضر مذبوح،دراسات في الفلسفة الإسلامية، مرجع سابق، ص31.

[37] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Opcit, P166.

[38] أرسطو، النفس، تر: أحمد فؤاد الأهوني، دار إحياء الكتب العربية،القاهرة،مصر،ط3، 1983، ص28.

[39] لخضر مذبوح، دراسات في الفلسفة الإسلامية، مرجع سابق، ص31.

[40] ابن باجة،في الصورة الأولى والمادة الأولى ضمن رسائل فلسفية لأبي بكر بن باجة، تح: جمال الدين العروي، دار الثقافة،بيروت،لبنان،د(ط)،1982، ص104.

[41] يوسف كرم،  تاريخ الفلسفة الحديثة، مرجع سابق، ص50.

* - يرى بعض المؤرّخين أنّ الطريقة الزائدة هي طريقة البواقي مثل 'سوزان ستيبنج'، ويرى البعض الآخر طريقة الاختلاف والاتفاق معا مثل المنطقي 'جوزيف'.

[42] بيتر مدّور، الاستقراء والحدس في البحث العلمي، تر: محمد شيّا، بيروت، لبنان،ط1، 1991، ص09.

[43] مذكرة لنيل شهادة ماجستير، مساهل فاطمة، عوائق تطوّر العلم-بيكون نموذجا-،  مرجع سابق، ص95.

[44] محمود يعقوبي، مسالك العلّة وقواعد الاستقراء، مرجع سابق، ص150.

[45] محمود يعقوبي، المرجع نفسه، ص150.

[46] مذكرة لنيل شهادة ماجستير، مساهل فاطمة، عوائق تطوّر العلم-بيكون نموذجا-،  مرجع سابق، ص96.

[47] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Tom 1, P369.

[48] توفيق الطويل،جون ستيوارت مل، مرجع سابق، ص114.

[49] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Opcit, P369.

[50] مذكرة لنيل شهادة ماجستير، مساهل فاطمة، عوائق تطوّر العلم-بيكون نموذجا-، مرجع سابق، ص96.

[51] محمد فتحي الشنيطي، أُسس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص145.

[52] محمد فتحي الشنيطي، أُسس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص145.

[53] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Opcit, P429.

[54] Ibid, P430.

[55] محمود يعقوبي، مسالك العلّة وقواعد الاستقراء، مرجع سابق، ص161.

[56] J. S. M, Système de logique déductive et inductive, Opcit, P442.

[57] محمود يعقوبي،  مسالك العلّة وقواعد الاستقراء، مرجع سابق، ص161.

[58] محمود يعقوبي،  مسالك العلّة وقواعد الاستقراء المرجع نفسه، ص169.

[59] محمد فتحي الشنيطي، أُسس المنطق والمنهج العلمي، مرجع سابق، ص147.

[60] محمود، زكي نجيب: دافيد هيوم، دار المعارف، 1958م، ص13.

[61] مقال الدكتور جاسم:نظرية المعرفة عند كارل بوبر https://fajernet.net/article.php?id=4445&cid=10

[62] الوضعية المنطقية والحل التبريري للإستقراء: https://fahmaldin.net/index.php?id=2140

[63] مقال الدكتورة منى زيتون:فلسفة العلم عند كارل بوبر  http://ns1.almothaqaf.com/a/b12-1/932872

[64] محمد علي ماهر عبد القادر م، فلسفة العلوم، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، مصر، د(ط)، 2003، ص48.

[65] جميل عزيز/ ماجدة مرسي، النظرية العلمية في الفكر المعاصر، المكتب العلمي للنشر والتوزيع، الإسكندرية، مصر، د(ط)، 2001، ص186.

* - عند 'كلود بارنارد' هي ملاحظة مستشارة يُقصد بها التحقُّق من صدق فكرة ما، وهبة مراد، مرجع سابق، ص46.

[66] جميل عزيز ماجدة مرسي النظرية العلمية في الفكر المعاصر، مرجع سابق، ص ص 188-189.

[67]  محمد عبد العزيز العرفج Ml https://qawaneen.blogspot.com/2020/05/blog-post_3.htm

[68] قاسم، عبد الستار: المنهج الاستقرائي في القرآن الكريم، نابلس، فلسطين.ص 07

[69] قاسم، عبد الستار: المنهج الاستقرائي في القرآن الكريم، نابلس، فلسطين.ص 07

[70] قاسم، عبد الستار: المنهج الاستقرائي في القرآن الكريم، نابلس، فلسطين.ص08

 

 

بُنية المجتمع الإنساني عِبارة عن شبكة مِن أنظمةِ التاريخ المعرفية، وأنساقِ المعنى المُنظَّمة، وظواهرِ الوُجود الثقافية، وتقاطعاتِ اللغة الرمزية . وهذه الشبكة تُمثِّل الأساسَ العقلاني للمنهج الفكري الذي يَمنح الشرعيةَ للبناء الاجتماعي، ويُكوِّن المفاهيمَ المركزية الحياتية التي تُنظِّم النشاطَ الاجتماعي، وتَقُوده نَحْوَ تحقيقِ الحاجات الإنسانية، وتَلبيةِ الرغبات الفردية، وتَفعيلِ الأحلامِ الجماعية. وبما أن أفراد الجماعة مُرتبطون بعلاقات أخلاقية، ومُلتزمون بمبادئ التاريخ المُشترك، ومُنخرطون في عمليات نفعية مُتبادلة، فلا بُد أن تَظهر قواعد جديدة للوَعْي الاجتماعي، تَكُون بمثابة أنوية لِسُلطة التفاعل بين الذاتِ والشَّيء مِن جِهة، والحقيقةِ والفِعْل مِن جِهة أُخرى . وسُلطة التفاعل ذات طبيعة تراكمية، لا تُولَد دَفْعَةً واحدةً، وإنَّما تُولَد وَفْق مراحل قَصْدِيَّة غَير تلقائية، حَيث تَبدأ هذه السُّلطةُ بالتَّشَكُّل كمفهوم، ثُمَّ تُصبح سُلوكًا مُعاشًا وعادةً يوميَّةً، ثُمَّ تتحوَّل إلى قِيَم وجودية ومعايير إنسانية، ثُمَّ تَصِير كِيَانًا فلسفيًّا يَعترف به الأفراد، ويَلْتَفُّون حَوله، لأنَّه يُحقِّق المنفعةَ الشخصيَّة، والمصلحةَ العامَّة . وكُلُّ كِيَان فلسفي إذا صارَ ضرورةً للمُجتمع أفرادًا ومُؤسسات، فإنَّه سيتطوَّر إلى بناء اجتماعي . وإذا اكتملَ هذا البناءُ، فإنَّ المنظومة الإبداعية الحياتية ستصبح كاملةً، وقابلةً للتطبيق على أرض الواقع . وهذه المنظومة هي التي تُولِّد خصائصَ الفِعل الاجتماعي، وتُحدِّد وظيفةَ الإنسان الاجتماعية داخل النسق الحضاري الشامل، وتُعطي الزخمَ للنشاط الاجتماعي كَي يتحرَّر من الضغوطات الماديَّة، وتُجمِّع العناصرَ الفكرية المُبعثرة في تفاصيل الحياة الاستهلاكية، وتُؤَسِّس الوَعْيَ الإنساني على قاعدة اجتماعية صُلبة . وهذا الحراك يتشكَّل في الذهن قبل الواقع، ويتجسَّد في التصوُّرات قبل المَوجودات.

2

النظام الاجتماعي هو تنظيمٌ لإفرازات الوَعْي التاريخي، وتكثيفٌ لمناهج تحليل الشُّعور، وتَوحيدٌ لأجزاء الذات الإنسانية المُتشظِّية في الاغتراب الوِجداني، وتفسيرٌ لمصادر المعرفة التي تُمثِّل وحداتٍ وظيفية ومُركَّباتٍ حضارية . لذلك يَستطيع النظامُ الاجتماعي أن يُكيِّف نَفْسَه معَ المراحل الزمنية المُختلفة، ويتأقلم معَ الحاجاتِ الإنسانية المُتغيِّرة . لكنَّ الإشكالية تَكمن في إيجاد حاضنة للنظام الاجتماعي، تَضمن له النُّمُوَّ بشكل طبيعي، حتى يتمكَّن مِن توليد السُّلوك الاجتماعي الواعي غَير الارتجالي . والحاضنةُ هي كَينونةٌ معنوية لها أهداف واضحة، ووجودها يعني منعَ التعارض بين بُنيةِ المجتمع الإنساني والوظيفةِ الوجودية التي يُؤَدِّيها النظام الاجتماعي . والتوفيقُ بين البُنية والوظيفة يَحُول دُون تَحَوُّلِ الذوات الإنسانية إلى أصنام، وَتَحَوُّلِ النظام الاجتماعي إلى طُقوس، وتَحَوُّلِ الأفكار المُبْتَكَرَة إلى أجِنَّة مَيتة . لذلك، يجب المحافظة على حركة العناصر الإبداعية في المجتمع، ومنع تَوَقُّفها، حتى تَصِير تَيَّارًا معرفيًّا مُستمرًّا، ومَشروعًا تنمويًّا دائمًا، ونموذجًا حضاريًّا رائدًا . وعُذوبةُ الماء تتجلَّى في جَرَيانه وعدم ثباته، وكُلُّ ماء راكد سَيُصبح آسِنًا ينتظر الحَجَرَ الذي يُحرِّكه .

3

السُّلوك الاجتماعي لا يُمكن أن يُصبح نظامًا معرفيًّا مُستمرًّا ودائمًا، ومُعْتَرَفًا به، ومُوَافَقًا عليه، إلا إذا تمَّت إزالةُ كافة العقبات أمام التغيُّرات الإيجابية في المُجتمع، وتحويلُ انعكاسات حركة التاريخ على الفرد والجماعة إلى ظواهر واعية وتنظيمات مقصودة، من أجل تحقيقِ الأهداف الخاصَّة، وتنفيذِ الطموحات العامَّة، وَدَمْجِ إفرازات النشاط الاجتماعي في بيئة الإبداع، وتدعيمِ منظومة الحقوق والواجبات، وتنظيمِ مراحل التغيُّر الاجتماعي بما يتلاءم معَ طبيعة الظواهر الثقافية، ووفقًا للمسار الحياتي العام، مِمَّا يُؤَدِّي إلى تكامُل شخصية الفرد في ظِل المأزق الوجودي، واكتمالِ ماهيَّة المجتمع في ظِل التحديات المصيرية . وهذه الثنائية العابرة للتَّجنيس الأيديولوجي وحُدودِ الزمان والمكان ( تكامُل الشخصيَّة / اكتمال الماهيَّة ) تَمنع ذِكرياتِ الفرد مِن التمرُّد على ذاكرة المجتمع، وتَحْمِي ذاكرةَ المجتمع مِن الذَّوَبَانِ في الأفعال الارتجالية والحالات المِزاجية، والاضمحلالِ في الوَعْي المُزَيَّف الذي يُنتج تاريخًا خياليًّا لا وُجود له على أرض الواقع .

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

علي محمد اليوسفتمهيد: من المعروف ان كانط عمد في كتابه الذائع الصيت (نقد العقل المحض) إثبات امكانية الادراك العقلي المنطقي المحض لاشكال موجودات العالم الخارجي الذي يحتوينا بمعزل عن محتوى تلك الاشياء المادية.

بالتعبير المباشر المختصر امكانية العقل ادراك شكل الشيء كفراغ مكاني مجردا عن محتواه المادي حسب كانط. كما حاول اثبات ادراك الفراغ المكاني بدلالة الحدس المنطقي الميتافيزيقي وليس بدلالة الحس أن المادة محتوى الفراغ المكاني.

ونسب كانط لجهده الفلسفي بالكتاب انه انهى والى الابد كل نظريات الميتافيزيقا بالتفكير. فالى أي حد نجح كانط في تحقيق مسعاه في تحليله ونقده العقل مجردا ماديا كعقل محض من زاوية تناوله التفكير بالمنهج المنطقي؟ كتاب كانط (نقد العقل المحض) يقال انه استغرق الفيلسوف بتاليفه عشرين سنة !!. وانا هنا اناقش بعض القضايا بضوء كتاب المفكر صادق جلال العظم عنه (دراسات في الفلسفة الغربية المعاصرة ) في عرضه آراء كانط في كتابه المشار له. والشيء الملاحظ ان المفكر  الماركسي جلال العظم لم يقم بنقد الميتافيزيقا التي احتواها كتاب كانط بل اكتفى بعرضها مع تعليقات نقدية توضيحية في بعض الاحيان. يلازمه حرصه الشديد عرض افكار كانط كما هي لا كما يرها في منهجه النقدي المادي.

شكل المادة والمحتوى

ورد على لسان المفكر صادق العظم ان كانط وجد "  اسبقية المكان على الحس هي اسبقية منطقية لا زمنية ونقول انها صورة قبلية بهذا المعنى المنطقي" 1 .

من المهم التاكيد ان العبارة الفائتة هي صدى لما جاء به كانط ولا يمثل بالضرورة الاقتباسية قناعة المفكر صادق العظم بها. بدورنا نحاول توضيح العبارة من منطلق غير ميتافيزيقي ولا علمي فيزيائي تجريبي بل من منطلق فلسفي مادي تجريدي .

اولا: اسبقية المكان على الحس ليست صيغة منطقية حدسية ادراكية بمستطاعها تجريد المكان في محدوديته كشكل من الفراغ الاحتوائي للمادة. كما لا يقر كانط أن الفراغ المكاني يشترط ادراكه بدلالة احتوائه المادة. وهو ثغرة كبيرة في فلسفة كانط بمعيارية الادراك الطبيعي للعقل.

ثانيا: اسبقية المكان لازمانية تكرار لنفس الخطا الوارد في الفقرة الاولى.فمثلما الادراك المكاني لا يدرك في شكله التجريدي فراغا منزوعا عن المادة فهو ايضا لا يدرك بغير ملازمة الزمان لذلك المكان المعني المحدود.

لا توجد هناك اسبقية مادية ولا اسبقية منطقية حدسية في عزل تواشج الادراك زمكانيا ولا اسبقية لاحدهما – الزمان والمكان - على الاخر. رغم وجود محاولات لافلاطون في تغليبه المكان وهو يقصد الطبيعة على الزمان في الاسبقية الانطولوجية للوجود. وان الطبيعة وجود ضروري ملزم في تنظيمه عشوائية الزمان وليس العكس الزمان هو الذي ينظم الطبيعة.

كما ومن المحال ان تقودنا تصوراتنا المنطقية الحدسية الى اننا نستطيع ادراك شكل المادة كفراغ منزوع عن محتواه المادي كما فعل كانط. فالمادة متعين انطولوجي بابعاد ثلاثية يدرك بدلالة إشغاله فراغا في مكان. والفراغ حيّز وعائي  إحتوائي لا يدرك بغير دلالة الاشياء التي يحتويها. الفراغ حيّز مكاني يحتوي المادة صورة ومحتوى.ولا ندرك الفراغ مجردا من دلالة غيره المادي عليه الذي هو محتواه.

ثالثا: وكما لا نستطيع ادراك المكان كوعاء فارغ او شكل بدون محتوى مادي يشغله ، كذا نفس الحال لا يمكننا ادراك المكان كفراغ احتوائي للمادة بدون ملازمة زمنية له. وحين نقول منطقيا اسبقية المكان الموجودية لا زمنية فهي خطا بسبب ان الحس الادراكي للعقل لا يشتغل بإنفصال وحدة ثنائية المكان عن الزمان.

الزمان ملازمة ماهوية غير مدركة الا بدلالة المكان المحدود بابعاده الثلاثية. لذا علينا التفريق ان الزمان هو وعاء احتوائي في تعيينه المكان، وليس المكان وعاءا احتوائيا لمحاولة تحديد واستيعاب الزمن. علاقة المكان بالزمن علاقة تخارج ادراكية معرفية مع المحافظة التامة بين انفصال الماهيتين، ماهية المكان وماهية الزمان منعزلتين احداهما عن الاخرى.

هنا يمكننا ان نقول المكان زمان ثابت بدلالة زمانيته والزمان ماهية نسبية متغيرة غير ثابتة تلاحق وتلازم متغيرات المكان باستقلالية ماهوية عنه. ماهية الزمان بخلاف ماهية المكان هي وسيلة ادراك واستدلال معرفي. لكن ماهية الزمن ليست موضوعا يدركه العقل مجردا من محتواه المادي الذي هو المكان الممتليء.

الزمان وسيلة ادراك العقل للاشياء لكنه ليس موضوعا لتفكير العقل لمعرفة ماهيته. وبهذا الصدد نجد سعي العقل المعرفي الفلسفية في محاولة معرفته الزمن قديمة جدا وتناولها كلا من افلاطون وارسطو ومن قبلهم فلاسفة سابقين لسقراط. وهي غير ما يتناوله علم الكوزمولوجيا الفيزيائية خاصة في نسبية انشتاين حين اعتبر الزمان يتضائل في اطراد عكسي مع سرعة الجسم بسرعة الضوء 300 الف كيلومتر /ثانية وفي مقدار المسافة والطاقة والكتلة والجاذبية.، وان الزمان يتمدد ويتقلص بحسب تلك العوامل،وهو اخطر ما توصل له انشتاين من حيث خاصية التمدد والانكماش للزمن هي خاصية مادية يمكن ادراكها كما هي تمثل خاصية المادة. اود هنا التنبيه في وجوب التفريق بين الزمان الارضي الذي هو تحقيب تاريخي بدلالة زمانية، وبين الزمان الكوني الذي لا يمكننا تحقيبه ادراكيا. (عالجت هذه المسالة في اكثر من مقال منشور لي كما سيصدر لي قريبا كتابا بعنوان الزمان والفلسفة قريبا).

رابعا: الصورة القبلية عن الشيء في المنطق التجريدي لا يلغي حقيقة عدم حصول تطابق التصورات العقلية القبلية عن الشيء مع حقيقة وجوده المادي. وهذه المفارقة المتفاوتة ما بين حقيقة تصوراتنا القاصرة عن الالمام الحقيقي بواقعية محاولتنا تطبيق التوافق بين الموجود الشيئي وبين التصور القبلي عنه. ونتيجة هذا التفاوت الادراكي للموجود مع التصورات القبلية العاجزة الالمام به إحتوائيا يترتب عليه قصور وعدم امكانية ادراك الشيء على حقيقته لا في الحس ولا في تعبير اللغة عنه.

وبدوره يأخذ المفكرصادق جلال العظم الى " ان كانط ازاح عنصر الحس من الحدس الحسي وبهذا يكون فرض دونما مبرر ان ما سيبقى لديه هما  المكان والزمان، او الصورة المحضة للحدس الخارجي" 2 . أي اراد المفكر العظم القول ان كانط ترك لنا ثنائية المكان والزمان كشكل مدرك خال من أي محتوى مادي يحتويه المكان وهذا ينفي قدرة العقل الادراكية السليمة في تفكيك وحدة الشكل المادي عن محتواه المادي. وادراكهما منعزلين غير مترابطي الدلالة أحدهما بدلالة الاخر. فالشكل بلا محتوى مادي او غيره لا معنى له، كذلك من المحال ادراكنا لمادة بلا شكل يحتويها وتصبح متعينا.

إن الحدس المنطقي الذي يعتمده كانط منهجيا يمكنه به تجريد (المادة) من حقيقتها الموضوعية في الواقع، وكذا يمكنه ان يفعل مع تفكيك متلازمة ثنائية (المكان – الزمان) المشروطة بمحكومية الادراك من عدمه.

كما لا يمكننا في حال تفكيك المادة عن احتواء (الزمان والمكان) لها ليصبحا قالبي احتواء لفراغ افتراضي غير مملوء بالمادة لاكاملا ولا جزئيا ما يتوفر للزمان والمكان ان يكونا إطارا لفراغ له معنى ادراكيا مجردا من المادة ..

الخبرة الحسّية القبلية لادراك الاشياء كشكل ومحتوى، كمكان وزمان، من خلال ادراكنا لعلاقاتها البينية فيما بينها لا يمكنها ان تكون خبرة صحيحة في تغييب الوحدة الكلية الثلاثية لموضوع الادراك التي تجمع " المادة، المكان، الزمان " وفق توليفة المنهج المنطقي التجريدي، لكنما يبقى العجز الادراكي الحسي القبلي او البعدي لا فرق قاصرا في امكانية تجريد ثنائية وحدة المكان – الزمان من محتواهما المادي. وهو مصداق مقولة كانط الزمان والمكان قالبي ادراك العقل للاشياء لكنهما ليسا موضوعين لادراك العقل منفصلين.

الزمان لا يمنح العقل إدراكا حقيقيا لفراغ مكاني خال من المادة. وثنائية المكان – الزمان حدس منطقي ناقص لا يشتغل ادراكيا على صعيد الواقع الموضوعي في حال تجريدهما من محتواهما المادي. وشكل اي شيء يمكن ادراكه تصورا تجريديا يفقد خاصيته الادراكية الحية الحقيقية كموضوع لتفكير العقل في تغييب محتواه المادي. العقل لا يدرك الفراغ المكاني بغير دلالة مادية لعل ابسطها ابعاد الفراغ الثلاثية في محاولتنا تحديده متعينا انطولوجيا..

الحدس المحض وحقيقة الزمان والمكان

في هامش كتاب المفكرصادق العظم صفحة 54 ورد التعقيب المنسوب توضيحا لكانط " ان الحدس المنطقي المحض او القبلي يمثلان صورة الحدس الخارجي  بحسب كانط ما يطلق عليه تشكل نظام العلاقات بين الظواهر. وحين نجرد هذه العلاقات من المحسوسات، فانها بعد ذلك تكون هي محتوى الحدس المحض. لذلك نعتبر المكان صورة الظواهر ومحتوى الحدس المحض في آن واحد. وبعد تجريد العلاقات من جميع المحسوسات يبقى لدينا الشروط الضرورية العامة لوجود الخبرة الحسية وهي تشكل صورة الحدس الحسي ومحتوى الحدس المحض ايضا".

تعقيبنا على هذا الاقتباس نوجزه بالتالي:

-  لم يوضح لنا المفكر جلال العظم كيف يكون الجمع بين الحدس المحض الميتافيزيقي على انه المرادف المتناوب المطابق للحدس القبلي في مخزون متراكم الخبرة بالذاكرة.

اولا نجد الحدس المحض انما هو افتراض تصوري يقيني قاطع ميتافيزيقيا للشخص مدرك المواضيع الحدسية. بينما الحدس القبلي هو تراكم خبرة مكتسبة عن المدركات من الاشياء وهي ليست معرفة قطعية بل معرفة نسبية متغيرة. لذا فان الحدس المحض يقوم على منطق تجريدي لا يشترط ان يكون مرادفا تطابقيا لمنطق الخبرة القبلية التجريبية في الادراك المادي الحسي للاشياء. ان تعرف عن الشيء بوسيلة متراكم الخبرة القبلية المخزّنة بالذاكرة لا يشابه الادراك المادي الحقيقي الحسي له انطولوجيا.

- حسب الاقتباس بدلا من احتواء المكان للمادة، تكون العلاقات الخارجية بين الاشياء هي (المادة) موضوعة الحدس المنطقي المحض. ليس من الاهمية القول ان المادة محدود متعين بابعاد مكانية، ولا يمكن ان تكون وسيلتنا في ادراك المادة هي العلاقات الخارجية التي تربط الاشياء ببعضها والتي هي علاقات متغيرة من السيرورة الدائمية غير الثابتة بالقياس للمادة.

- اذا كانت العلاقات الخارجية بين الاشياء هي موضوع الحدس المحض المادي عند كانط، وحين نجرد هذه المحسوسات فهي تصبح بعدها (محتوى) الحدس المحض وتعتبر المكان (صورة) شكل ظواهر الاشياء ومحتوى حدسها المحض. فنحن بهذه التوصيفات ندور بحلقة مفرغة حول تحديد علاقة ادراكنا (للمكان والفراغ) حدسيا باستبعاد موضوعة المادة كمحتوى للمكان.

ما هو الادراك؟

كان بيركلي اثار اشكالية حول الإدراك؟ بيركلي على العكس من ديكارت وجون لوك اللذين يعتبرهما خاطئين  في إعتبارهما الفكرة ألمجردة عن الموضوع في حقيقته ألواقعية مختلفين، وأثارا إشكالا مهمّا، هو كيف يمكن للأفكار أن تتطابق بصورة صحيحة مع وجود موضوعات العالم الخارجي التي هي ليست أفكارا مجردة فقط بل هي مدركات مادية مستقلة؟ وقد إتخذ بيركلي منهما موقفا مضادا سمّي بالواحدية الأبستمولوجية وليس الثنائية الأبستمولوجية التي قالا بها كلا من ديكارت ولوك، التي مفادها أننا لا ندرك الموضوع ألواقعي الشيئي بالفعل بل ندرك صورة ذلك الشيء في صفاته الخارجية فقط. (لتفصيل اكثر تراجع مقالتنا الادراك العقلي: الاصل والصورة  منشورة على اكثر من موقع عربي).

كما وجد ديكارت وجون لوك أن بيركلي كان مخطئا في إعتباره الموضوع فكرة ذهنية في حين أن الموضوع الواقعي المدرك هو فكرة مادية ليست ذهنية بمعنى الذهن يخلق وجودها الواقعي بالفكركما يذهب بيركلي، يعني أن الموضوع مادة التفكير العقلي ليس ذهنيا على الأطلاق كون الذهن هو وظيفة مجردة محايدة يدخل فيها الموضوع الواقعي ويخرج منها كما هو دون أن يتغّير ألمدرك الذي يمّر فيه على الإطلاق. العديد من المفكرين يعتبرون تفكير الذهن الانطباعي هو تفكير العقل معرفيا ادراكيا وهو خطأ. الذهن لا ينوب عن تفكير العقل وتعبير بيركلي عين الصواب الذي اخذ به ديفيد هيوم ايضا.

اسبقية المكان ام اسبقية الزمان

في مقارنة بسيطة مع ما مر ذكره حول ديكارت وبيركلي وجون لوك ندرك ان الادراك المحض للعقل عند كانط ينسف كل النظريات الفلسفية في فهم آلية الادراك الحسية الطبيعية وما هو موضوع الادراك للعقل الطبيعي وليس للعقل المحض؟.

لنتتبع بعض السمات الادراكية لدى كانط:

- يطلق كانط ان المكان شرط لازم لوجود الظواهر التي يمكن حدسها ادراكيا باحساسات تجريدية منطقية تنوب عن ادراك الشيء في حقيقته. على اعتبار ان العلاقات الخارجية الدالة عل الشيء ليست هي الشيء في حقيقته. بمعنى كانط يبني تجريد الادراك للعلاقات على تجريد سابق عليه في لا اهمية ادراك الشيء كمحتوى مادي.

الاشكالية هنا ليست في استحالة ادراك العلاقات الخارجية للشيء في معزل عن ادراك الشيء ذاته، وانما الاهم من ذلك هو هل بمستطاع الادراك الحسي السليم العزل بين الشيء المادي من جهة وبين صفاته الخارجية من جهة اخرى التي هي العلاقات الخارجية بحسب كانط؟

- يؤكد المفكرصادق جلال العظم (اسبقية المكان اي صورة الشيء بتعبيركانط لها الاسبقية على الحس، وهذه الاسبقية ليست "زمنية") 3

الشطر الاول من العبارة في اسبقية المكان على الحس عبارة سليمة من حيث تراتيبية عملية الادراك الحقيقية الحسية وليس وفق النظرية المنطقية الميتافيزيقية كما يعتمدها كانط. اما ان لا تكون هذه الاسبقية زمنية فهنا نقف امام خطأ نوضحه.

الزمان ماهية وجودية تلازم وتداخل جميع مدركات العقل من الاشياء، والزمان وسيلة ادراك كل موجود مكاني بالوجود والعالم، والزمان كوني واحد الماهية او الجوهر غير المدرك للعقل، فالزمان وسيلة العقل بالادراك لكنه ليس موضوعا لادراك العقل كماهية يمكن ادراكها مستقلة عن الاجسام والاشياء.

يوجد رأي فلسفي ينسب لافلاطون متعالق بهذا المعنى يذهب ان المكان هو من يضطلع بمهمة ترتيب مكوناته بدلالة الزمن وليس بوسيلة الزمن تنتظم الطبيعة فهي مخلوقة ازليا قبل الزمن تحكمها قوانين ثابتة عامة، والزمن ياخذ نظامه التعالقي مع الاشياء أي أن المكان ينظم الزمن ولا ينظم الزمن المكان.

هذه النظرة الفلسفية تلاقي قبولها بضوء:

- اولا الزمن ماهية ازلية مطلقة تمتلك خصائص لا يدركها العقل البشري كاملة. والزمن صنو الطبيعة في وجودها وفي ادراكها المعرفي.

- ثانيا الزمان جوهر لا تستحدثه المادة ولا يوجده المكان بل هو ملازم الطبيعة ثابتا في احتوائه لها بجميع تغيراتها وفي مداخلته لكل شيء فيها.

- ثالثا ان يكون المكان (لازمني) في اسبقيته الموجودية فهذا الخطأ لا يمنح المكان اسبقية غير مشروطة بزمن ما من شانه التعارض المتقاطع مع آلية الادراك الحقيقي السليم للعقل الطبيعي. من حيث الادراك ثنائية مكانية زمانية لا انفصال بينهما. فانت لكي تدرك مكانا تحتاج زمنا يلازمه ، ولكي تدرك زمانا لا بد من قياس مقدار حركة جسم ترافقه وتداخله ايضا. سبق لي وقلت ماهية الزمان جوهر استقلالي لا يدركه العقل موضوعا ولا يتداخل بغيره ماهويا ولا حتى بصفات خارجية. فقد عرّف ارسطو الزمان على انه مقدار حركة جسم في زمن. والزمن ليس حركة بذاته يمكن ادراكها مستقلة من غير الدلالة المتعالقة بغيرها من الاجسام. واضاف ارسطو بعبارة عبقرية اخرى لا تزال سارية المفعول ان الزمن لا يتجزا ولا يمكننا حد الزمان بزمان.

- رابعا لا يمكن تمرير خطأ (اسبقية المكان لازمانية) في تمرير(الصورة لشيء هي قبلية بالمعنى المنطقي) نستوحي من هذه المفارقات في تقاطع كل ما يعجز المنطق تسويقه نرميه على الحدس.

ما معنى الصورة القبلية؟ هي كل شيء مستقر بالذهن والذاكرة نتيجة تجربة معرفية وخبرة تراكمية عن ذلك الشيء التي تحتويه الصورة ولا تنوب عنه في تمثلها له. الصورة القبلية هي اكتساب معرفي سابق على الحضور المتعيّن  إدراكه وجودا من الاشياء.

انت لكي تدرك شيئا ادراكا حقيقيا قصديا معرفيا يتوجب عليك امتلاك (اوليات) معرفية مختزنة بالذاكرة عن ذلك الشيء. فانت لو وضع امامك شيء مصنوع تقنيا لم تره بحياتك ولم تسمع عنه شيئا ولا قرات عنه فانك ستصاب حتما بالعجز في معرفة ما هو ذلك الشيء وما هي خصائصه الاستعمالية وغيرذلك. اما لو سئلت عن صورة شجرة مثلا فسوف تكون اجابتك التعريف به بديهية لما تختزنه من معارف مخزنة بذاكرتك عن الاشجاربما لا يمكن حصره.

الاصل والصورة

يشير كانط لبديهة الى ان كل الادراكات المكانية هي صورة ذاتية ينفصل فيها المحتوى عن الشكل او الاطار الاحتوائي الذي يطلق عليه كانط العلاقات الخارجية التي يدركها الحس المنطقي كمحتوى. لكن المسالة الجديرة بالاهتمام وردت على لسان المفكر جلال العظم هو كيف اجاز كانط لنفسه مثل هذا الفصل؟ يضيف العظم"اعتبر كانط المكان قبليا بالنسبة للحس وذلك بعد ان فصل فصلا جذريا بين الصورة والمحتوى وبعد تعريفه "المحتوى" على انه الحس" 4

صحيح ان كل ادراك هو تجريد ذهني لصورة شيء، عليه يكون محتوى الشيء هو الحس تعبير مقبول الى حد ما. والفصل بين المحتوى وصورته الشكلية رغم الاعتسافية التي لا معنى لها، يسوّغها المفكر جلال العظم بتحفظ لكنه مقبول تعليلا. فهو يرى بهذا الفصل يرتهن تمريره بمشروطية احتمالين يدرجهما :

1- ان تكون هذه العلاقة ضرورية بحيث تنطبق صورة المكان بطبيعتها لازمة لهذا المحتوى، وان يكون المحتوى بطبيعته لا يتلائم ولا يتناسب الا مع هذه الصورة عندها تكون علاقتهما المتبادلة ضرورية.5

2- ان تكون العلاقة بين الصورة والمحتوى عرضية بحيث يكون التطابق والتلاؤم بينهما عائدا (للصدفة ) لا لضرورة منطقية او فلسفية. 6

كل متعين مكاني تحتويه مادة يتكون من محتوى وشكل متناسبين بالضروة الوجودية الطبيعية الملزمة. ومن البديهي ان لايكون شكل محتوى مادي او مكاني معين لا يصلح لمحتوى اخر مغاير لطبيعته المتلائمة الانسجامية بين محتوى وشكل في موجود لم يولد مدركا طبيعيا في وحدة تجانسية الشكل والمحتوى فيه. ونجد بالافتراض تعسفا لا معنى له. فألاشياء التي يدركها العقل هي فقط الاشياء التي تتناغم فيها صورتها او شكلها الخارجي مع محتواها المادي. ولا يمكننا العثور على شكل صادف محتوى مادي شيئي لا على التعيين وتلبّسه بالصدفة.

وما معنى ان تكون العلاقة بين الصورة والمحتوى لا تسوّغها ضرورة منطقية ولا فلسفية بل يتوجب ان تكون محض صدفة؟ هل يتوجب علينا اخضاع كل التناغم الطبيعي في الانسجام بين الصورة والمحتوى في الظواهر والامكنة والاشياء في وجودها لعامل الصدفة لمجرد تسويغ حالة من الاعتساف الفلسفي الذي يجعل من ادراك الصورة مغنيا لنا عن ادراك محتواها.؟

لقد سبق لديكارت وجون لوك فيما عرف بمبدأ تسميته بالثنائية الابستمولوجية بالفلسفة باكثر خلاصة منطقية بعيدا عن منهج المنطق المحض عند كانط مفاده أن ادراك صورة الشيء هو ادراك ضمني لمحتوى الشيء في وجوده كاملا. وليس من الادراك الحقيقي المقبول فصل محتوى صورة الشيء عن صفاتها المدركة الخارجية. وكان اعتراض بيركلي عليهما ليس بالدعوة لانفصال الصورة عن الاصل المحتوى، بل قال ان الادراك الكلي للشيء لا يمنع البحث عما وراء هذا الادراك الاولي المبدئي القاصر فإدراك الشيء لا يعني معرفته على حقيقته وربما كان يقصد الجوهر المحتجب خلف الصفات الخارجية... كانط كان السبّاق في هذا المعنى الادراكي معتبرا الوجود بذاته هو الجوهر الذي لا يمكننا ادراكه. واخذها عنه اقطاب الوجودية يتقدمهم هوسرل في الظاهراتية (الفينامينالوجيا).

 

علي محمد اليوسف /الموصل

........................

الهوامش:

1- صادق جلال العظم /دراسات في الفلسفة الغربية المعاصرة /ص 53

2- نفسه ص 54

3- نفسه ص 55

4- نفسه ص 55

5- نفسه ص 56

6- نفسه ص 56

 

 

زهير الخويلديترجمة: د. زهير الخويلدي

مقدمة: المجتمع المدني شبكة كثيفة من المجموعات والجمعيات والشبكات والروابط التي تقف بين الفرد والدولة الحديثة، أصبح هذا التعريف الحديث للمجتمع المدني مكونًا مألوفًا للخطوط الرئيسية للتنظير الليبرالي والديمقراطي المعاصر. بالإضافة إلى خصائصه الوصفية، يحمل مصطلح المجتمع المدني سلسلة من التطلعات والمضامين الأخلاقية والسياسية. بالنسبة لبعض مناصريه، فإن تحقيق مجتمع مدني مستقل هو شرط مسبق ضروري لديمقراطية صحية، وغيابها أو تراجعها النسبي غالبًا ما يُستشهد به كسبب ونتيجة لأمراض اجتماعية سياسية مختلفة معاصرة. لقد نوقش مفهوم المجتمع المدني على نطاق واسع. كإطار تحليلي لتفسير العالم الاجتماعي، فإن فكرة أن المجتمع المدني يجب أن يُفهم، بحكم التعريف، على أنه منفصل عن عمليات الدولة والمؤسسات العامة الرسمية ومعارض لها، لها عيوب مختلفة، ليس أقلها إنها تمنع تقدير العلاقات المعقدة بين الدولة والمجتمع. وبالمثل، من الصعب الدفاع عن فكرة أن الحياة الجماعية المتنوعة للغاية للمجتمعات الرأسمالية الغربية تعزز القيم الاجتماعية التي يمكن فصلها عن السوق وربما تعارضها. عادة ما تتأثر أشكال التوليف والارتباط التي تميز المجتمعات المدنية في الغرب وتتشكل من خلال الأفكار والتقاليد والقيم التي يتم الحصول عليها أيضًا في المجال الاقتصادي.

المجتمع المدني والحداثة

يشير مؤرخو فكرة المجتمع المدني إلى أن هذه التحفظات المعاصرة لها جذورها في الأنساب الفكري المعقد والمتعدد الأوجه لهذا المصطلح وأنماط التفكير المختلفة التي تدعم استخدامه في الفكر الغربي الحديث. كلا المفهومين الموجودين في بداية هذا المدخل ينبعان من طريقة التفكير حول الحداثة الغربية التي ظهرت في الفكر الأوروبي في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر - على وجه التحديد، فكرة أن المجتمعات الحديثة يمكن تحليلها من حيث تطور ثلاث مجموعات منفصلة. والأنظمة المتنافسة: السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لا يزال العديد من المدافعين عن المجتمع المدني يستشهدون به باعتباره مرادفًا لقيم الأصالة والانتماء، ولا يمكن تحقيق أي منهما، كما يُفترض، في السياسة أو الحياة الاقتصادية. ارتبط الفكر الأوروبي الحديث بتطور وانتشار المذاهب الليبرالية حول المجتمع والسياسة. ظهرت منذ القرن الثامن عشر في سياق الفهم الفردي والمستقل والعقلاني على نطاق واسع للشخصية البشرية الذي يميل المفكرون الليبراليون إلى تعزيزه. بالنسبة لكثير من الليبراليين، كان ذلك نتيجة مفادها أن النظام الاجتماعي والالتزام السياسي يمكن فهمه من خلال تشبيه عقد اجتماعي بين الحاكم والمحكوم، وأن سيادة القانون هي شرط مسبق لحرية المواطن، وأن تحقيق نظام تجاري. يتطلب ويعزز تحسين الطابع العام للعلاقات المتبادلة بين المواطنين. يظل هذا الفهم الواسع للمجتمع المدني كشرط مسبق وعلامة للمسار المميز للديمقراطية الليبرالية الغربية هو التفسير السائد لها. هذا لا يعني أن هذا الرأي يشترك فيه الجميع أو يحظى بإعجاب الجميع. يلاحظ النقاد الفروق في القوة والموارد التي تميز العلاقات داخل المجتمع المدني، والعجز الواضح للفكر الليبرالي عن معالجة السمات الأساسية لبعض هذه التفاوتات، ومهارة واستعداد بعض الدول للتنسيق والتلاعب في بعض الأحيان بمنظمات المجتمع المدني من أجلها. نهايات خاصة.

الأصول والتطور

تعكس هذه الشكوك حول الأفكار الليبرالية للمجتمع المدني، وقد حافظت على، مفاهيم متنوعة لمعناها وإمكاناتها؛ كما تم إرفاق مجموعة من الطموحات الأكثر تحفظًا، وكذلك الأكثر راديكالية، بهذا المصطلح. في الواقع، حمل مصطلح المجتمع المدني عددًا من الارتباطات المختلفة في تاريخ الفكر السياسي، وكان معناه الأصلي في التفكير الغربي مختلفًا إلى حدٍ ما عن وضعه الحالي. بالنسبة للمؤلف الروماني شيشرون، فإن societas civilis (وهي نفسها ترجمة لـ koinonia politike لأرسطو) أشارت إلى مجتمع سياسي على نطاق معين (عادة ما يتضمن أكثر من مدينة واحدة في بوصلتها) يحكمه حكم القانون ويتسم بدرجة من التحضر. تم فهم هذا النوع من المجتمع على عكس الشعوب غير المتحضرة أو البربرية. تم تغيير هذا الاستخدام المفاهيمي من قبل مفكرين أوروبيين مختلفين خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، مما أدى إلى اكتساب المجتمع المدني مجموعة مختلفة من الدلالات. فيما يلي تم تحديد ثلاثة من أنماط التفكير السائدة فيما يتعلق بهذا المصطلح والتي تم تأسيسها خلال هذه الفترة، على الرغم من أن هذه القائمة بعيدة كل البعد عن كونها شاملة. تم تطوير خيط من التفكير في عصر التنوير في كتابات الشخصيات الإنجليزية مثل توماس هوبز وجون لوك. عرض المصادر الاجتماعية والأخلاقية لشرعية الدولة فيما يتعلق بفكرة المجتمع المدني. على الرغم من تنوع هذا التقليد داخليًا، فقد شارك في النفور من الفكرة، التي سادت على نطاق واسع في الفكر اليوناني القديم، أن المجتمعات يمكن تصنيفها وفقًا لطبيعة دستورها ومؤسساتها السياسية.

لقد كان المجتمع، على الرغم من تصوره، سابقًا ومكونًا لتأسيس السلطة السياسية، وهناك نمط مختلف من التفكير حول المجتمع المدني، والذي وجد تعبيره الأكثر تماسكًا في الفكر الألماني في القرن التاسع عشر، يفصل المجتمع المدني عن الدولة من الناحيتين الأخلاقية والتحليلية. واعتبرت الاثنين منفصلين وربما متضادتين. بالوقوف بين هذه المنظورات وتداخلها جزئيًا، طور هناك مفهوم مختلف طويل الأمد في تفكير بعض المنظرين الرئيسيين لتقليد الاقتصاد السياسي الأسكتلندي في القرن الثامن عشر، بما في ذلك آدم سميث وفرانسيس هوتشسون. من وجهة نظرهم، ينبغي النظر إلى المجتمع المدني على أنه ينبثق من التطور المتشابك لنظام تجاري مستقل، تنتشر فيه سلاسل معقدة من الترابط بين الأفراد الذين يغلب عليهم البحث عن الذات، وتطوير مجال عام مستقل، حيث المصالح المشتركة للمجتمع ككل يمكن متابعتها. أصبح تطوير فكرة الجمهور الذي يمتلك "رأيه" الخاص فيما يتعلق بالمسائل ذات الاهتمام المشترك طريقة سائدة بشكل متزايد في التفكير حول المجتمع المدني، لا سيما فيما يتعلق بظهور المنتديات والأماكن التي يتم فيها التبادل الحر من الآراء يمكن ملاحظتها - الصحف، المقاهي، المجالس السياسية.

الخطاب السياسي المعاصر 

كان الخطان الثاني والثالث من هذه الخيوط أكثر تأثيرًا في تشكيل تفكير المنظرين الغربيين منذ أواخر القرن العشرين. بعد فترة من عدم الاهتمام الفلسفي النسبي بالمصطلح في العقود الوسطى من القرن العشرين، أصبحت مصطلحات المجتمع المدني منتشرة في كل مكان في التفكير السياسي خلال الثمانينيات.

 يمكن ربط العديد من أفكار هذه المرحلة من تاريخها الفكري بالتقاليد الثلاثة التي تم تحديدها سابقًا، حيث أعيد استخدام الخيط الإنجليزي بقوة في الفترة المعاصرة من قبل العديد من المنظرين والأيديولوجيين النيوليبراليين. بالنسبة لهم، يقف المجتمع المدني كمرادف لمثل السوق الحرة مصحوبة بدولة محدودة دستوريًا، لكنها قوية. برزت هذه الفكرة الأخيرة بقوة في إضفاء الطابع المثالي على المجتمع المدني الذي ساد في الأوساط الفكرية في أوروبا الشرقية بعد سقوط جدار برلين في عام 1989. وفي هذه الأوضاع، كان المجتمع المدني يعني إما بقاء (في بلدان مثل تشيكوسلوفاكيا وبولندا) لشبكة من الجمعيات المستقلة التي كانت مستقلة عن الدولة والتي تربط المواطنين ببعضهم البعض في الأمور ذات الاهتمام المشترك أو وسيلة ضرورية لتحقيق الازدهار الاقتصادي والحريات المدنية للديمقراطية الغربية. لقد ظهر اهتمام الخط الألماني بمصادر وأهمية الغايات الأخلاقية التي تم تعلمها من خلال المشاركة في شركات المجتمع المدني في عمل هيئة من علماء السياسة والمنظرين الأمريكيين الذين جاءوا إلى منظمات المجتمع المدني على أنها مصادر لرصيد رأس المال الاجتماعي. والمعاملة بالمثل التي من المفترض أن تتطلبها الديمقراطية الناجحة.

وثالثًا، تم إحياء المفهوم الأسكتلندي بقوة من قبل المفكرين ذوي الميول اليسارية الذين كانوا يأملون في تقديم إعادة صياغة أكثر تعددية، وأقل دولة، للأيديولوجية الاشتراكية التي كانت تعاني من ركود سياسي عميق بين الجماهير الغربية. كما لاحظ الفيلسوف الكندي تشارلز تيلور، فإن هذه الطرق وغيرها من الطرق المؤثرة في التفكير حول المجتمع المدني استندت إلى الافتراضات المزدوجة القائلة بأنه، من الناحية التجريبية، ظهرت مجتمعات مدنية مستقلة في مراحل مختلفة من القرن الثامن عشر حتى القرن العشرين وأن وجودها يعتمد جزئيًا على فصل مفاهيم الدولة عن المجتمع في المخيلة السياسية الغربية. أي من هذه الافتراضات لا جدال فيه. في حين أنه من الواضح أن هناك عددًا كبيرًا من المجموعات والمجتمعات والجمعيات في حالة انفصال نسبي عن الدولة، إلا أن الحدود بين الدولة والمجتمع المدني في العديد من البلدان نادرًا ما تكون واضحة أو ثابتة كما يوحي الافتراض الأول. في الديمقراطيات المختلفة، نجحت الدولة والسلطات العامة الأخرى في دمج المؤسسات والمنظمات من المجتمع المدني - على سبيل المثال، النقابات العمالية والجماعات البيئية وجمعيات الأعمال - في الشبكات الرئيسية للتأثير وصنع القرار. وبالمثل، غالبًا ما تنفق المجموعات الفردية وحتى الحركات الاجتماعية المعارضة موارد وطاقة كبيرة في محاولة للتفاعل مع المسؤولين الحكوميين والسياسيين المنتخبين وبيروقراطيات الدولة. تتطلب الفكرة القائلة بأن التمييز بين الدولة والمجتمع المدني موجودًا في جميع المجتمعات الغربية توضيحًا وتأهيلًا كبيرًا في المصطلحات التجريبية، وبالمثل، فإن فكرة أن التمييز الفكري الأساسي بين الدولة والمجتمع يدعم نموذج الديمقراطية الليبرالية يطرح بعض الأسئلة الكبيرة نوعًا ما. أرشدت روايات مختلفة تمامًا عن التمييز والعلاقة المتبادلة بين المجتمع والدولة بعض الأيديولوجيات الرئيسية في القرنين التاسع عشر والعشرين واستمرت في تصادم النظريات حول السياسة والسيادة والنظام الاجتماعي. وفوق كل شيء، فإن فكرة وجوب تقسيم جزء من أي معقد مجتمعي، ومنحها أهمية أخلاقية، وحتى تحررية، وفهمها على أنها الخصم الأساسي للسلطة السياسية والحياة المؤسساتية، تبدو إشكالية بشكل متزايد في أوائل القرن الحادي والعشرين. ينشأ أحد أكثر المظاهر إثارة للاهتمام وإثارة للجدل لمصطلحات المجتمع المدني من تطبيقه الشائع بشكل متزايد على المجتمعات غير الغربية. هل أنصار المجتمع المدني في الغرب وفي الدول التي أصبحت ديمقراطية حديثًا في جميع أنحاء العالم يتحدثون عن نفس الأشياء عندما يستدعون هذا المصطلح؟ هل يمكن استخدام مصطلح مشتق من الغرب بشكل مفيد كإطار لتحليل المجتمعات بأشكال من المؤانسة والعلاقات بين الدولة والمجتمع تختلف بشكل ملحوظ عن تلك الموجودة في الغرب؟ وبالمثل، فإن افتراض بعض النظريات الأنجلو أمريكية بأن شبكة من الجمعيات المستقلة والممارسات الثقافية والمنظمات هي سمة ضرورية للديمقراطية المستقرة مفتوح أمام شك كبير عند النظر إليه من أي مكان آخر في العالم (فكر، على سبيل المثال، في الشرق. الدول الآسيوية التي لديها العديد من سمات المجتمعات المدنية ولكنها ليست ديمقراطية في هياكلها السياسية). خلال التسعينيات، على وجه الخصوص، استغل العديد من المؤلفين والسياسيين والسلطات العامة الذين كانوا حريصين على إيجاد حلول لبعض الأنواع المختلفة من المشكلات التي تواجه البلدان النامية المجتمع المدني كنوع من العلاج الشافي. وبالمثل، أصبح هذا المصطلح ركيزة مفاهيمية للتفكير الأكاديمي حول التحولات الديمقراطية وجزءًا مألوفًا من خطاب المؤسسات العالمية والمنظمات غير الحكومية الرائدة والحكومات الغربية. لقد أصبح الطابع الأيديولوجي والآثار السياسية لهذه الأفكار أكثر وضوحًا بمرور الوقت. ساعد هذا التفكير في استمرار المحاولات المختلفة لبدء المجتمعات المدنية من "فوق" في بلدان أفريقية مختلفة، على سبيل المثال، وفي الوقت نفسه عمل على إضفاء الشرعية على الأفكار الغربية حول أنواع الهيكل السياسي والنظام الاقتصادي المناسب للدول النامية. من الناحية الفلسفية، يطرح تطبيق المجتمع المدني بهذه الطريقة سؤالًا عميقًا حول ما إذا كان يمكن إزالته من مكانته في الخيال السياسي الغربي وتطبيقه بطرق مناسبة لمسارات التنمية المحلية والثقافات السياسية لبعض من أفقر الناس. دول العالم. من المستحيل تجريد مفهوم المجتمع المدني من الدلالات المعيارية. يظل المفهوم قوياً، جزئياً، بسبب طابعه المتباين (غير المعلن في كثير من الأحيان). يُنظر إلى المجتمع المدني عادةً على أنه بديل أفضل من "الآخر" البربري أو الطبيعي أو الاستبدادي أو التقليدي أو ما قبل الحداثة. يشكل هذا النوع من الأفكار جزءًا لا يرحم من جاذبية المصطلح في المخيلة السياسية الغربية. إن تحقيق غابة كثيفة من المجموعات والشبكات والمنظمات التي تبدو وكأنها تقف خارج حدود الدولة وخارج نطاق الأسرة والعشيرة يبقى، بالنسبة للعديد من المفكرين السياسيين، جزءًا كبيرًا مما يجعل الحداثة الغربية فريدة ومرغوبة. عند فحصها عن كثب، تفسح هذه الفكرة العامة المجال لمجموعة من أنواع مختلفة من المشاريع والتخيلات والقلق بشأن السياسة والمجتمع والاقتصاد. منذ تسعينيات القرن الماضي، انتقل المجتمع المدني إلى مركز الصدارة في الجدل السياسي الغربي، متخذاً طابع التشخيص والحل للعديد من الذكور في المجتمع الغربي - الفردية المتفشية، والجريمة المتزايدة، والنزعة الاستهلاكية، وتدهور المجتمع، من بين أمراض أخرى. بمصطلحات أكثر فلسفية، فقد حمل نوعين مختلفين من الوعود للمثقفين والفاعلين السياسيين، وأحيانًا للحركات الاجتماعية. من ناحية أخرى، يقدم حلم التوفيق بين بعض التوترات الخطابية الرئيسية في الفكر الغربي - بين، على سبيل المثال، المصلحة الذاتية والصالح العام، والفرد والمجتمع، والحرية والتضامن الاجتماعي، والمجالات الخاصة والعامة من الحياة. والوعد الثاني، وهو فكرة المجتمع المدني باعتباره قطاعًا ثالثًا متميزًا من المجتمعات الغربية (متميزًا عن كل من الدولة والعالم الخاص)، قد أتى لإطلاق أجزاء من الخيال الراديكالي في النقاش الأيديولوجي المعاصر. في هذا السياق، يقدم الوعد الخفي بتحقيق التحرر الجماعي من القيود والتنازلات وخيبات الأمل في السياسة. مع تزايد الوعي بالقيود والمخاطر المرتبطة بكلتا هاتين الفكرتين، ظهرت الرغبة في إعادة التفكير في حدود المجتمع المدني وإعادة النظر في القيم السياسية والأخلاقية التي يروج لها. بقلم مايكل كيني

 

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

عن الموسوعة البريطانية، الرابط:

https://www.britannica.com/topic/civil-society/Contemporary-political-discourse

 

علي رسول الربيعيإذا كان يمكن طرح سؤال الدين من وجهات نظر مختلفة فإن اللاهوت القائم على أساس فلسفي قد أجاب عن هذا السؤال لقرون عديدة، وأجابت فلسفة الدين عنه منذ العصر الحديث ايضًا. يرتبط كلا المنظورين ارتباطًا وثيقًا بالاعتبارات الاجتماعية للدين ويميزان نفسيهما عنها في الوقت نفسه. لقد تطور البحث في فلسفة الدين على مدى المئتي سنة الماضية من أجل إعادة بناء ما يمكن أن يساهم في هذه المهمة.

تغير التفكير في الدين بشكل كبير منذ العصور الوسطى. فيمكننا أن نقول على اساس هذا التغيير، إذا بقيت هذه المبادى التوجيهية نقطة البداية للدين، وهي الإيمان بالله دون اي شك، كما في التقليد المدرسي، والتفكير في الله في خطاب لاهوتي غير مرتاب، فإن هذين التوجيهين قد أصبحا متاحين لإعادة النظر بشكل متزايد في سياق العصر الحديث. يظهر اللاهوت وفلسفة الدين كمنظورين مختلفين عن الدين. يتعلق اللاهوت بمحتوى ومصادر تقليد ديني معينة، بينما تحدد فلسفة الدين موضوع وبنية ومعنى الدين، ولا سيما لغته وطقوسه ومعتقداته، على مستوى عام يتجاوز دين بعينه.

إن اللاهوت هو انعكاس لمحتوى الدين بشرط أن يتم الاعتراف بنصوصه المقدسة وتقاليده وتقريراته كمصدر للمعرفة. لذلك يعتمد اللاهوت منطقيًا على هذا الاعتراف. بينما فلسفة الدين مستقلة منطقيًا عنه ويجب أن تكون مبرراتها مفهومة لجميع العقلاء.

كانت فلسفة الدين منذ ظهورها في العصر الحديث مجال التقاطع، أو انعكاس لحدود التفكير المنهجي (الفلسفة)، من ناحية، والتفكير الديني القائم على الدين (علم اللاهوت)، من ناحية  أخرى. فيعتبر البحث في فلسفة الدين من حيث المحتوى، في العصر الحديث، نقدًا للافتراضات الاهوتية التي لا ريب ولا جدال  فيها. وإن نقد كانط لبراهين وجود الله مثال على ذلك.[1] اذ يعكس نقده "الخروج النهائي من فكرة القدرة على إثبات وجود الله بموضوعية".[2]

تبلورت مناهج أو مقاربات مختلفة لدراسة ظاهرة الدين على خلفية ظهور فلسفة الدين جنبًا إلى جنب مع اللاهوت حول الأسئلة الافتراضات التي تعلق  بممحتوى الدين على مدى المائة عام الماضية. لذا نريد ان نشير هنا الى أربع حجج نموذجية بوصفها ذات أهمية خاصة في هذا الاطار: يمكن تصور فلسفة الدين على أنها (أ) انعكاس نظري على المحتويات المركزية للدين ألا وهو المطلق. وبهذه الطريقة، ينتقل المحتوى الديني إلى المستوى الفلسفي ويمكن تفسير ظاهرة الدين ككل على المستوى التأملي. فيتم هنا مناقشة مصداقية المحتوى الديني. (ب) فلسفة الدين كنقد للغة تحلل خصائص اللغة الدينية. فيتم فحص بُناها وخصائصها أو وظيفتها اللغوية العامة. (ج) تتنافس فلسفة الدين كظاهرة أو كأنثروبولوجيا في تركيب  الشكل والمضمون للدين  بقصد تبرير الفعل الديني من حيث بنيته أو أساسه. (د) يتعامل النهج الديني الفلسفي مع الدين على أنه نظام نظري للقضايا أو تجربة قائمة على أساس أنثروبولوجي أكثر من كونه نظام عمل ذي وظائف اجتماعية. وعموما تتجادل الفروع ذات التوجه الفلسفي لعلم اجتماع الدين عندما تسأل عن الوظيفة الأخلاقية أو السياسية أو الاقتصادية للدين.

يوضح هذا أن هناك أربعة مناهج نموذجية لفلسفة الدين. وعليه سننظر في حجج بعض المفكرين الذين يدعمون هذه التيارات كأمثلة. تم صوغ النقد الفلسفي للغة الدينية، على سبيل المثال، بشكل أساس في التقليد الأنجلو ساكسوني. ويعتبر العمل المبكر لفيتغنشتاين أول نقطة مرجعية مهمة في هذا التقليد. ينادي فيتغنشتاين بالفصل بين ما يمكن قوله، والذي يجب تمثيله لغويًا بأكبر قدر ممكن من الوضوح، وتوضيح ما لا يمكن وصفه.[3] تبدأ اللغة الدينية بما لا يوصف وتريد التعبير عن تجربة العالم بالمعنى الصوفي. فهي تخاطب الدهشة البشرية من العالم الممكن من خلال القيام بذلك، وهو أمر غير متاح بشكل عقلاني، وكل ما يمكن القيام به هو الكشف عنه وإظهاره فقط. فمهمة الفلسفة، من وجهة نظر فيتغنشتاين، رسم الحدود بين الألعاب اللغوية ولكن على أن لا تُختزل إلى لعبة أخيرة أو لعبة لغة أولى.[4]

جاءت طروحات فيتجنشتاين في سياق نقاش الفلسفة التحليلية وسؤالها الرئيس: ما إذا كانت العبارات الدينية ذات مغزى على الإطلاق. فقد شكك النقاد في إمكانية التفكير المنطقي في الدين. دافع ألفريد آير، في أعقاب الوضعية المنطقية، على سبيل المثال عن حجة تؤكد على أنه لا يمكن دحض الافتراضات الدينية تجريبيًا وبالتالي فهي بلا معنى. [5]

حاول مفكرون آخرون الوقوف ضد مؤيدي فرضية لا معنى للعبارات الدينية، وذلك بعدم استبعاد اللغة الدينية ابتداءً وفهم خصوصيتها. إن أحد الأمثلة على ذلك هو عمل دونالد إيفانز الذي يفسر اللغة الدينية بوصفها فعل الكلام الأدائي. فيمكن، في رأيه، أن يكون فعل الكلام الديني عبارات ذا مغزى من قبل  الشخص الذي يتحث بها.[6] يميًز ريتشارد برايثويت نفسه أيضًا عن آير في هذا السياق من خلال التركيز على الوظيفة الأخلاقية للغة الدينية وتفسير العبارات الدينية بوصفها تعبيرات عن أسلوب حياة أخلاقي.[7] ويجادل ويزدم في أتجاه مشابه عندما يفسر الدين كنموذج  كلي لتفسير الواقع.[8] من ناحية أخرى، يعتبر إيان رامزي  الصور والتشبيهات الدينية هي عبارة عن نماذج تأويلية للواقع، فعبارة "الله موجود" ليست بيانًا لواقع حقيقي، بل هي تأويل لفهم الواقع أو تفسيره. وغالبًا ما تكون اللغة الدينية مثيرة للذكريات والتخيلات أو المشاعر القوية في الذهن. وتؤدي إلى مواقف يمكن فيها اختبار الرؤى الدينية واتخاذ قرارات معينة في الحياة على أساس هذه الأختبارات أو التجارب .[9]

يتضح من خلال هذه النظرة إلى الجدل الفلسفي الديني للفلسفة التحليلية للقرن العشرين ما يلي: تتميز العبارات الدينية باختلافات مميزة عن أشكال العبارات الأخرى (العلوم الطبيعية على سبيل المثال). يشير العديد من المفكرين، رداً على أطروحة عدم المعنى، إلى مجموعة متنوعة من وظائف اللغة الدينية، مثل تفسير الواقع، أو الوظيفة الأخلاقية، أو التأملية، أو الأدائية لهذه اللغة. لا ترتبط المواقف الدينية في هذه التفسيرات بموضوع معين بقدر ارتباطها بحياة المؤمن أو بالواقع ككل. تُفسر العبارات الدينية في الغالب، لأسباب ليس أقلها بسبب تلقي المنعطف البراغماتي من قبل جون أوستن وجون سيرل، على أنها أفعال كلمات، مما يجعل اللغة الدينية قضية ذات معنى. قد لا تعني الجملة "الله هو الخالق" أن الله خلق العالم في وقت معين x في فترة زمنية معينة y، ولكنها بالأحرى تعبير عن احترام الإنسان العميق للعالم. تشكل هذه الجمل مجتمعات دينية لغوية وفعلية أيضًا. فعادة لا يُختزل فهم الدين بالمعنى الواسع في موقف أو فضيلة واحدة ، لكنه هو الوحدة المعقدة لكلٍّ يدمج المواقف والمعتقدات والأفعال النظرية والعملية.

هناك خط آخر من التقاليد في فلسفة الدين الذي كان له تأثير كبير في القرنين التاسع عشر والعشرين أيضًا، هو التأمل الفلسفي في التعالي أو المتسامي. امتدح شلايرماخر في هذا التقليد الآراء التي ترسي نقطة ارتكاز الدين في الوعي أو المشاعر الدينية من ناحية. ومن ناحية أخرى، أن هناك مفاهيم دينية فلسفية تتلقى بقوة أكبر التحول أو الأنعاطف اللغوي للفلسفة التحليلية. وكان التأكيد في هذا السياق ايضًا على أهمية اللغة الدينية فيما يتعلق بفتحها آفاق جديدة للتجربة والتواصل في التفكير الفلسفي المتعالي في الدين. وهذا هو السبب في أن الأفكار المتعالية بصفتها مُنظماًت للعقل لم تعد تُعرف بالأشياء المتعالية، كما حاول اللاهوتيون بعد كانط أن يفعلوا. اتخذ إرنست كاسيرا خطوة مهمة أخرى في هذا التحول في التفكير الفلسفي المتعالي عن الدين من خلال نظريته للأشكال الرمزية في النصف الأول من القرن العشرين[10] حيث فسير الدين بواسطة التعبير عن ترتيب التجارب الذاتية للإنسان من خلال أشكال رمزية. إن فهم الدين بالمعنى الفلسفي المتعالي، حسب كاسيرا، يعني "الكشف عن الخصائص البنيوية  للفعل الديني ومن هناك لوصف بنية عالم الخبرة الديني. فإذا نجح ذلك، يمكن اشتقاق معايير ما هو صالح بطريقة دينية خاصة منه.

هناك أيضًا خروج مهم عن علم اللاهوت ما قبل الحداثة في جميع المناهج الفلسفية لإعادة التأهيل الأربعة (من أ إلى د) : لم يعد يُسمح للبحث في فلسفة الدين ببساطة اليوم، التسليم بالافتراضات الأساسية للإيمان، فعليه أن يبرهن أو يُثبت نفسه آزاء مختلف أنواع  نقد إعادة التأهيل. فلا يبرر مجرد حقيقة وجود التدين والدين ادعاءه بالحقيقة والصلاحية، ولهذا السبب تطلب فلسفة إعادة التأهيل فهمًا مقنعًا ومبررًا للدين.

يُناقش، في هذا السياق، أيضًا، إلى أي مدى يمكن جعل الدين موضوعًا للتفكير العلمي. تتحول هذه المناقشة، من حيث الجوهر، إلى مسألة ما إذا كان يمكن للمرء أن يفكر بشكل معقول في شيء  يتجاوز بحكم طبيعته العقل في النهاية. ويتعلق الأمر أيضًا وقبل كل شيء بمسألة حساسية الدين، التي أصبحت نقطة محورية للجدل في العصر الحديث تحت عنوان الايمان والمعرفة.

يعكس هذا النقاش حول العلاقة بين الايمان والمعرفة تحولًا في العلاقة بين الدين والفلسفة في سياق الحداثة أيضًا. فمن ناحية، تم فصل الاثنين عن بعضهما على طول الحدود بين الإيمان والمعرفة في العصر الحديث؛ ومن ناحية أخرى، أنهم مرتبطون نظريًا ببعضها عندما يتعلق الأمر بتأسيس مفهوم موسع للعقل العام متحررًا من قيود الوضعية العلمية أو المذهب الطبيعي في المعرفة.

لقد أصبح التركيز الفلسفي الجديد على الدين ممكنًا الآن مرة أخرى بعد إعادة صوغ فهم العقل كنتيجة لنقد العقل، والذي ظهر كرد فعل للتأكيد على العقل في الفلسفة الحديثة.  يشير فلاسفة مثل أدورنو وهوركهايمر، على سبيل المثال، إلى هذه الخطوة، لأن "أزمة العقل التي اعترف بها كلاهما في ضوء ديالكتيك التنوير هي الشرط الأساس لمنعطف ديني فلسفي في فلسفة القرن العشرين، والذي نتج عنه تعريف جديد للعلاقة بين الدين والفلسفة.

يعتبر هوركهايمر الفلسفة والدين، على الأقل في التقليد الديني الذي يحدده " اللاهوت السلبي"، شكلاً من أشكال التنوير والنقد الفعاًل، دون إعطاء أحدهما مكانًا للآخر. ويدرك أنه في حالة الفلسفة ونقد الدين، تقف الفلسفة والدين في علاقة جديدة مع بعضهما البعض. يقدم ماكس هوركهايمر مع التأملات النقدية في فلسفته المتأخرة نظرية نقدية للثقافة والدين، والتي ما يزال تطويرها مطلبًا مفتوحًا حتى يومنا هذا.

يتمتع اللاهوت السلبي خاصة بعد فلاسفة مثل هوركهايمر وأدورنو بشعبية متزايدة في فلسفة الدين بعد إعادة بناء خطابها الحالي؛ حيث أصبحت الأفكار المركزية من تقاليد اللاهوت السلبي مثمرة في المناقشات الحالية حول فلسفة الدين. ولاسيما مع أدورنو حيث يلفت الانتباه إلى المعنى اللاهوتي للتفكير الجدلي السلبي.[11] فيعتبر إرث  أدورنو سببًا في الأهمية التي يلعبها اللاهوت السلبي في تفسير الدين اليوم.

ميزت فلسفة الدين وعلم اللاهوت (القرون الوسطى) ورسخت نفسها جنبًا إلى جنب في سياق الحداثة. يتعرض كلاهما للمزيد من الأسئلة حول الدين. تظهر الفلسفة الدينية نفسها كخطاب فلسفي متماسك إلى حد كبير حول الدين. عادة ما ينطوي المفهوم الناشئ حديثًا حول الدين على فهم واسع للتدين واللغة الدينية. كيف يبدو هذا الخطاب متعدد الأصوات عن الدين اليوم وأي منها يمكن أن يكون أكثر إقناعًا ذلك ما يتطلب توضيحه بعد إعادة بناء مجال الخطاب. سوف نلقي في الدراسة القادمة نظرة فاحصة على الفلسفة السياسية وتفسيرات الدين السائدة فيها.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

....................

[1] ومع ذلك، إن تأمل كانط في الدين موجه بشكل إيجابي نحو الدين على الرغم من كل نقده للميتافيزيقيا بشكل عام واللاهوت بشكل خاص. وبصرف النظر عن هذا الخط من التفسير "الودي تجاه الدين"، ظهرت في القرنين التاسع عشر والعشرين أنواع مختلفة من النقد المكرس للدين، النقد الذي يفسر المعتقدات الدينية على أنها هي مجرد سطح لإسقاط الإنسان لأوهامه. لقد أصبح لودفيغ فيورباخ مثالًا رئيسيًا على هذا النقد الذي يصف الدين بأنه موضوع يريد الإنسان من خلاله أن يكون مثاليًا وأن يُسقط رغباته وأوهامه هذه تحت اسم  الله ( أنظر: فيورباخ، جوهر المسيحية، ترجمة جورج برشين، دار الرافدين، بيروت، 2017.

[2] Vosmann, F. (2000). God as Friend: Vattimo's Challenge to Catholic Theology. In: Contributions -Journal of Philosophy and Theology (61/4) 412-436.

[3] أنظر:

فتجنشتاين، لودفيج ، رسالة منطقية فلسفية، ترجمة عزمي اسلام، ىفاق للنشر والتوزيع، بيروت، 2021. 4.

[4] Felicity McCutcheon, Religion Within the Limits of Language Alone: Wittgenstein on Philosophy and Religion, ‎ Routledge; ch 4.

[5] أنظر:

A.J. Ayer Language, Truth and Logic,Penguin Modern Classics, 2001.

[6] Evans, D. D. (1963). The Logic of Self-Involvement. A Philosophical Study of Everyday Language with Special Reference to the Christian Use of Language about God as Creator. London.

[7] Braithwaite.Richard B.,An Empiricist's View of the Nature of Religious Belief, Hassell Street Press, 2021.

[8] https://www.jstor.org/stable/24457431

[9] Ramsey, I. T. (1957). Religious Language. An Empirical Placing of Theological Phrases. London

[10] Cassirer, E., The Philosophy of Symbolic Forms,  Routledge, 2020.

[11] Adorno Theodor W.  Negative Dialectics, Continuum,. 1981.

 

 

سامي عبد العالربما تاريخ العقل هو أكبر عائق أمام التفكير العقلاني الحُر. والقضية ليست نكتةً ساخرة، لكنها في النهاية "أبنية ثقافية"cultural  structures  تكبل الفكر بغطاءٍ غليظٍ. تمنع تأسيس موضوعاته بشكلٍّ جديدٍ أو مختلفٍ، بل تقف عائقاً أمام ابداع صورٍ متنوعة من العقلانيات. فالأخيرةُ أكثر روغاناً مما نعرف في تجلياتها المباشرة، لأنها تأتي بصيغة الجمع لا الإفراد. لو جاءت العقلانية واحديةً، فهي تناقض ذاتها وتعلن موتاً محققاً لِمَا تُنادي به. كما أنَّ نمط العقلانية يتواطأ مع تقاليد الأديان والمذاهب والهويات لتجميد الخيال. فلا يمر عصرٌ من العصور إلاَّ وتتحالف مفاهيم العقل خلاله مع الثقافات السائدةِ. لتأخذ قوتَّها الغالبة من عنف الأنماط الكلية للتفكير والاتجاهات السياسية المسيطرة. إذ ذاك يتخفى العقل زاعماً أنَّ بدائله المتاحة تقوم بأدواره الحُرَّة!!

قد يبدو أنَّ تحطيم العقلانية ضربٌ محقق من الجنون. لكن حينما يعيها العقل نقدياً كـ" صدَّفةٍ مقوَّاة " مضروبة باغلاقٍ حولّه إنما يعي ذاته المتكلسة. هنا لا بد له من جُموح طافح بالتمرد، لا بد له من مسار ثوري غاص بالاختلاف الجذري. حتى يمزِّق أردية الثقافة على قارعة العواصف والأنواء، وحتى يسلخها سلخاً من خلال طاقاته الحية إزاء جوانب الحياة. العقل باستمرار يحتاج جنوناً جامحاً يسكنه، يخرِّب أركان قصوره المنيفة، يسهر على تحطيم أبراجه العالية. على أن يقبع الجنون داخل العقل كنقيق الضفدع في أوحال الأرض. فدائماً لا يُجن أي شخصٍ من الخارج، لكنه ينحرف فكرياً بواسطة قدراته. جنونه أنْ يقلب أضابير نفسه وجوانبها ليلاً ونهاراً، أنْ يتخلخل، أنْ ينهار، أنْ يتداعى، كأنَّه داخل سرك بشري مفتوح مشاهداً كافة الحقائق تتقلب عن كثب.

إنَّ تمثيل هذه المسألة بمشاهد الطبيعة ربما أكثر دلالة في هذه الأوقات. فالأفكار كالطيور.. لا تخطئ الحركة والانتقال من مكان إلى مكان. ولئن شعرت بالقيودِ، فلا تمل القفز انفكاكاً من أسرها وإذا تمَّ الامساك بها تصاب بالذبول والخمود. لتظهر منكمشةً في هيئة ورقية ضعيفة. هي عندئذ تتطلب رياحاً تقلها هنا أو هناك. ولئن نهضت، فلا تغرد،  ولا تنثر نغماتها إلاَّ في الهواء الطلق. وما إن تقفز حتى تحلِّق بملء أجنحتها. أقول مجدداً الأفكار مثلها مثل الطيور لا تستقر داخل الأسوار الثابتة إلاَّ لماماً. هي تتغذى بالطريقة نفسها من خشاش الحياة والأحداث والتاريخ. ذلك يضع حدود العقل قيد الشك.. فما هي تلك الحدود؟ بل هل توجد آفاق له أصلاً؟ وكيف يقطن الإنسان ثقافةً هي الوجه المقلوب للجمود العقلي؟!

تنطلق الأفكار المبدئية كانطباعات، هواجس، حدوسات، مواقف، سوى أنَّ المفاهيم الجارية تحنطها إلى درجة الجمود. عندئذ تُكفن، تدخل مقابر الثقافة، وتتحلل انتظاراً لبعث آخرٍ. لأنَّها تخضع لقوالب جاهزةٍ تحت شروط الإدراك المتعين اجتماعياً وثقافياً. ويجري انتاجُها في صورة المعاني المتعارف عليها. والصورة المنتقاة عبارة عن إطارٍ معرفي يعطيها ثبات الاعتقاد إزاء عالم لا يكف عن التغير.

حركة التفكير إذن هي عملية اخراج الأفكار من الأجداث، من الأكفان كي تمارس حياة وغياباً في اللا حدود مرةً بعد مرة. لتمضي عمرها كله بحثاً عن سكناه. وقد تتخلق كما تتخلق اليرقات، وتتعدد في أشكال لا تنتهي. ولكن الفكر لا يقف فارغاً إنما يتعلق بتأسيساته القصوى. ولذلك ما لم ينغرس جذوره في الأرض خارجاً بكل غرابته لن يكون ثرياً. فالنباتات الوارفة تضرب في تربه غنية الطباق. أنْ تنبت البذور والأشجار يعني أنْ تتفتق الأفكار بكل قوتها الجامحة.

لكن المجتمعات العربية تدفن الأفكار ثانيةً، تحوطها بالأسوار الشائكة من عصر إلى آخر. وغالباً ما تصنع لها أقفاصاً حديدية لكيلا تناوئنا بشكلٍّ أكثر حيوية. ربما ذلك خوفاً من المجهول أو تحسباً لوطأة المستقبل. توثق الأمثال الشعبية قمعاً ثقافياً كهذا القمع. يقول إحداها: " اللي تعرفه خير مما لا تعرفه". في علاقةٍ آثمة معرفياً بما هو مغاير. لأنَّ التربية ترتد إلى الوراء لدرجة الاختلال. كلُّ شيءٍ يقول كُّن كما كان الآباءُ. يجب عليك ألاَّ تنظر إلى سواه. وأنْ تفطن وتكرر أمراً مألوفاً خير لك من معضلات الشيء الجديد، فلربما يأت عاصفاً بكل احتمالاته التي لا تقدر عليها!!

وصيغة التفضيل في المثل السابق ذات نبرة دينية لا يخطئها الوعي. فالخير غلاف لاهوتي تصنيفي للأفعال المفضلة. وهو يفترض الطرف الآخر تلقائياً بمجرد إطلاقه في الهواء، أي الشر. فما لا نعرفه يعد شراً على طول الخط حتى قبل أن نعرفه!! لا لشيء إلاَّ لكونه سيئاً ومجهولاً. إنه الحكم المطلق المدعوم بكل مبررات دينية ممكنة. والخلط كذلك واضح بين المعرفة التي تحتم الضرب في المجهول شقاً للدروب غير المطروقة وبين الاقتراب من مجهول الشر. وفي القرآن آية دالة توضح ذلك" يا أيها اللذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إنْ تبدى لكم تسؤكم". والتناظر في المعنى لا يجانب الفهم. لكن التحول الثقافي  للمعاني من المستوى الديني إلى المعرفي أفشل الاتيان بالجديد والمختلف ووقف حائلاً دون المغامرات النزقة.

مثل شعبي آخر: "عصفور في اليد خير من ألف على الشجرة". وليس أكثر ضيقاً من قبض اليد على الريح بينما العالم يتغير حولنا بلا توقف. لأنك قد تمتلك أفكاراً معينة. وفي هذه الحالة ليست مهمةً بقدر إراحة العقل من الأسئلة القلقة والمحيرة. لذلك يبدو أن ما باليد محض وهم ما بعده وهم. لأنَّه خيط دخان لن يجدي معه شيء. فالعقل العربي يتكون وهمياً حول مسلمات وعادات وتقاليد. ويرتعد من اجتراح آفاق مختلفة. وحتى إذا وجد مناخ العالم ثرياً باتجاهاته لا يحاول اقتحماً إلاَّ مناورة عائدا للخلف.

أمَّا المثل الأكثر دلالة فهو" القرش الأبيض ينفعُ في اليوم الأسود". حيث حكمنا على غدنا الآتي في قادم الأيام بالسواد. وما يجري به الحُكم قد تأتي به العادة. وذلك تحسباً لانطلاق الأفكار من الأسر والتوليف على أفكار الجيران فتنتشر الفضائح. تتزاوج بمنأى عن عيوننا التي لا نكاد نرى بها شيئاً. وفوق ذلك نريدها أفكاراً عذراء لم يمسسها بشر!! أليس ذلك تصوراً فضائحياً حول الفكر؟! نحن نحجم عن الحوار وتلقيح الأفكار، لأنَّ تلك حادثة شرف كحوداث الشرف التي لا تخلو من ضحايا! إنه التصور الاخلاقي الذي يجرِّم علاقات الحب والعشق والصداقات. ومنها يحرِّم اختلاط الأفكار حتى تعود بريئة نقية خالصة لما ورثنا. كما هو تحريم اختلاط الفتيات بالشباب. فكان الحل هو الحرملك الاجتماعي الديني. وقد انتقل إلى الأفكار العامة في السياسة والدين والمعرفة. إنه حرملك ميتافيزيقي بحجم الأرض والسماء.

تلك الإرادة العامة القمعية مستحيلة المنال. لأنه لا توجد- إلى حد الخرافة- أفكار بكر، جرياً مع رأي الجاحظ إن المعاني (ومن ثم الأفكار والمفاهيم والتصورات) منثورة في العراء أمام التفكير البشري. إنها طوع أي عقل وقد مرت من إنسان إلى آخر، ومن مجتمع إلى غيره ومن ترحال إلى ترحال سواه، ومن حياة إلى موت، ومن موت إلى حياة. لكن المهم عند الجاحظ هو جودة اللفظ وحسن السبك.

وحتى هذا الوضع لم تحسنه الثقافة العربية إلاَّ صخباً (كثرة المحسنات البديعية. كالسجع، الجناس، الطباق، التي تغرق التراث الأدبي والشعري والديني). ولم تصُغه القرائح إلاَّ عنفاً (صيغ المبالغة، تورم الأسماء وتضخم أوصاف الرجال والأزمنة والأمكنة الدينية والمقدسة). ولم تمارسه إلاَّ قهراً (كألقاب الحكام في التاريخ العربي التي تُسند إلى إرادة إلهية.. الحاكم بأمر الله، المقتدر بالله، المعتصم بالله...)). وعلى افتراض التسليم بذلك، فالأفكار تختلف خلال صخبها الوبائي أيضاً. لأنَّ الفكرة الواحدة لا بد أنْ تتباين حتى داخل نفسها، ذلك كبذرة نباتية تنقسم إلى فلقتين.

فإذا بنا نكتشف أنَّ الأفكار عالم متناقض قائم بذاته. وإذا اعدنا التفكير فيها ستحدث تحورات في شكلها المعهود. عندئذ أصبحت فكرة ثانيةً تردد أصداء الفكرة الأولى. وريثما يتم التحدث عن الفكرة ذاتها مرةً غيرهما فقد أمست ثلاثاً. إذن ستكون فكرة متراكمةً مع ذواتها المتعددة. كالجذمور لدى جيل دولوز، لا نعرف أية أصل جذري واحد للإنبات من خلاله. الجذمور باللاتينية: rhizoma عبارة عن ساق تنمو أفقياً تحت الأرض يستعملها النبات للانتشار والتعشب والامتداد. ومن خلاله تتكون نباتات جديدة تطلق جذوراً أخرى. ويتميز بسيقان عند العقد المفصلية مثل الأعشاب الأرضية والنباتات النجيلية. وهكذا الفكرة كائن غريب ينمو وتظهر جانبها القابلة لذلك. وجميع مفاصلها تنزع نحو التحرر والاندلاق.

تعيش الطيور في الطبيعة حرة، وعلى منوالها تعيش الأفكار في التاريخ إن صح ذلك. تعطي الأولى للطبيعة امتلاءها الصاخب بينما تمنحه الأفكار للتاريخ. صحيح أن أصوات الطور والأفكار غير متناغمة، سوى أنها تتآلف مرة وتتناحر مرات. فالأفكار تتخلق في هيئة الطيور والطيور تحط على أسوار العقل كالمعاني الشاردة. وقد يكون للأصوات رتم نغمي. ومع ذلك سيظل متنوعاً إننا عندئذ نسمع لحناً بولوفونياً polyphonic متعدد المستويات والنغمات.

إذا كانت مقولة هيدجر: "وحدها الغابة السوداء تلهمني" عبارة بارزةً فلسفياً، فإنه يترجمها بمشهد مماثل. ولنا أن نتتبع تنوع المعاني بعمقها الوجودي: " لا أتأمل المنظر الطبيعي المحيط بي بالمعنى الحرفي للكلمة، أنا أحس نبض تحولاته من ساعةٍ إلى أخرى، ومن غسق الليل إلى تجلي النهار، خلال تعاقب الفصول. إنَّ ثقل الجبال وصلابة صخورها القديمة، والنمو الحذر للأشجار، والبهاء المضيء للحقول المزهرة، وأغاريد الطيور المحلقة وهمس السيول في ليالي الخريف، والبساطة الصارمة لمساحات مغطاة بالثلوج، جميعها تتسرب إلى الحياة اليومية، وفيها تتجمع وتتراكم وتتموج".

أمَّا أخطر الأمور أن نعتقد كون الأفكار راسخة بإطلاقها دونما نقد. مثلما يقال عن قطعة المعدن حين نمسكها بين أصابعنا. إنها شديدة الصلابة. فحتى هذا الاعتقاد الأخير ليس صحيحاً. أشار عالم الفيزياء آرثر إدنجتون أن الأشياء المادية التي نراها ليست إلاَّ ذرات سابحة في أثير من الفضاء. وأن أكثر المواد خداعاً ما نقبض عليه بقوة، بيد أنه ينسل من أصابعنا كما ينسل الماء. إذن لا مفر من اختلاف الأفكار كاختلاف الكائنات الطبيعية واختلاطها ببعضها البعض. وأن تحدث لها انحرافات في الوظائف كحال التحورات في الوظائف التشريحية للكائنات، إلى أن تظهر كائنات جديدة منها. فالفكرة التي نأخذها عن شيء حياتي قد لا تكون صحيحة تماماً طالما يأخذ أشكالاً، وطالما أنه متاح لأي إنسان . وإلاَّ لأضحت إيماناً وعقيدة!! وهذا مستوى آخر يحتفظ بتناقضه، أي يتكرر حتى يمكن التسليم به.

لهذا قد تتجمع الأفكار في أشكال نسقية وشبه علاقية. كما تتجمع الطيور في اسراب وتتمايل وتنفرط. ولربما تنزلق هنا أو هناك دون رابط، كما تتناثر نقوش التاريخ وبقايا الأحداث وآثار الحياة وأصداء الأخيلة. فعلى القارئ أن يعيشها مثلما عاشت. وهو إذ يفعل فلن يزيدها إلا تنوعاً وفيضاً. لسبب يبدو مذكوراً منذ قليل أن الأفكار تتحول، تمر بتجربة بنوعية على صعيد الفرد الواحد فما بالنا بالمجتمعات. إذ تطرحها بصيغ الجمع. دوماً الأفكار في حالة جمعٍ. وما دامت كذلك، فلعلَّها تمحُو عوالق الانغلاق المقيت الذي قد يُرهن وجوده بفكرةٍ غير موجودةٍ.

 

د. سامي عبد العال

 

رحيم الساعدي‏تعد تقنية الميتافيرس من التقنيات التي ظهرت حديثا وهي تتكون من مقطعين ميتا وفيرس والأول يعني ما وراءاما الثاني فيشير إلى الكون وهي تقنية تتحدث عن المساحة الافتراضية للانترنت وهي تتعلق بالعالم الموازي وقد تسابق على هذه المغامرة كبار شركات التقنية في العالم منها ‫Google windows وايضا شركة Facebook والتي تحولت إلى شركة ميتا واصبح المكان الجديد ساحة للاستثمار والعقارات الالكترونية، ويدعم ذلك المساحةالاقتصادية التي اسست سابقا واقصد بها البيتكوين او ثورة البلوك چين التي تؤسس الى التبادل المالي بعيداعن الوسطاء الالكترونيين ولا يسعنا الا السؤال عن دور المال الاكتروني في كونه محركا للتاريخ وفق هذا التصور.

أنها طفرة في اتجاه الحياة الذكية وبطبيعة الحال فإنه كل ما يتعلق بالتكنولوجيا نرجعه إلى الادب والخيال الأدبيويستخدم هذا الواقع المعزز اغلب المؤسسات في العالم سواء الصحية أو التكنولوجية منها والصناعيه وكذلك الفنية والرياضية ولذلك نرى أن شركة ميتا او فيس بوك قدمت بعض الأدوات التي تتيح للمستخدمين الشعور بالأشياءداخل الواقع الافتراضي منها النظارات كما تتبنى شركة Microsoft مشروع خاص لنظارات الواقع الافتراضيالتي تجعل التواصل بين الناس أكثر سهولة وسيصبح من السهل على المسؤول أو الطالب الإجتماع في بيئةافتراضية ثلاثية الابعاد يشعر فيها وكأنه في بيئة واقعية وهكذا سوف يكون الامر مع مجموعة الإجراءات أخرى فيهذا العالم الافتراضي وسيكون هناك استثمار العقارات الافتراضي ولا العام وبحث المسائل العلمية والطبيةوالمهنية وربما العلاقات الاجتماعية في اجتماعات الطلبة والأساتذة وربما في المؤسسات الحكومية سيكون وفقوجود ثلاث الأبعاد وهذا يذكرنا بفيلم افتار الذي يعد نقلة تقنية فنية عالمية .

وقد شاهدت مباراة افتراضية في المبارزة مع صاحب شركة فيس بوك، وقد اثارني اندماج الجانب الوهمي معالحقيقي في مباراة، يمكن استخراج العديد من النتائج منها،:

١- ان مفهوم الوهم يضعف هنا فالمعطيات التي يخرج بها الناظر تشير الى ان مبارزين يتقاتلان وقد انتصراحدهما وهي نتيجة منطقية مرئية وان كان ينقص احد اطراف النتيجة وجوده الحقيقي .

٢- فيما يتعلق بالشخص الحقيقي فانه يتعامل مع سلوك وفعل مرئي ايضا.

٣- وبالتالي فهو وجود مرئي ومسموع وفيه نتائج، الا انه‏ ‏وجود مفترض تنقصه حقيقة مشخصة.

و رؤيتنا لأفلام الألعاب ‏تختلف عن المشاركة وبشكل الافتراضي مع هذه الألعاب بمعنى أننا نستخدم ليس فقطالنظر وإنما نستخدم ‏حواس أخرى مثل النظر واللمس ‏والصوت مع استخدام إرادتنا مباشرة وليس النظر الىارادة المبرمج ومحاولتنا تلافي معوقات ارادة المبرمج، ‏وهنا تضمحل نوعا ما ‏الحتمية فنحن نمارس الفعل مباشرة‏في واقع افتراضي ‏ ‏وننظر الى الاخر بوصفه غريما مشخصا وليس اداة الكترونية، وهذه الخطورة ستحيلنا فيمابعد الى التعامل مع كون موازٍ، يمثل الهروب من الواقع، انها اقرب الى المخدرات ولكن بشكلها العلمي وليسالطبي .

ما يعنينا هنا، سيكون السؤال عن دور الحواس في ذلك العالم، ومصير النظريات المنطقية وفق الاضافة الجديدةومصير المعرفة،التي يتوجب فحصها من جديد وفق الاعتبارات التي يزحف بها العلم والتكنلوجيا وبشكل سريع .

اعتقد ان الميتافيرس وهي منظومة الشاشات والوجود المعلق في الفضاء استخدم سابقا في ناسا وغيرها قبل انيطلق صراحه لمواكبة التطور المستمر

وعلينا في الفلسفة ان نقارن بين المخرجات التي تنتج من تلك الثورة العلمية وبين بياناتنا المعرفية والي ورثناهامن افلاطون وارسطو وغيرهم.

فالاشياء تتبدل والمعرفة تتطور، ولنا احاديث اخرى ان شاء الله

 

د. رحيم الساعدي

 

حاتم حميد محسنعندما توفي الفلكي والفيزيائي الهولندي كريستيان هيغنس Huygens عام 1695 في سن السادسة والستين، اعتبر الفيلسوف الألماني غوتفريد فون لايبنتس تلك الوفاة خسارة فادحة لاتقدر بثمن، ووضعه في مصاف غاليلو وديكارت. كتب لايبنتس "بفضل ما قاما به هو تجاوز اكتشافاتهما، لقد كان احد لئالئ العصر الكبيرة". في الحقيقة، اكتشف هيغنس الحلقات حول كوكب زحل واكتشف اول قمر للكوكب. هو ايضا صنع اول ساعة دقيقة من بين العديد من الابتكارات الاخرى. وصف هيغنتس قوة الطرد المركزية بانها اول استخدام للصيغة الرياضية في حل مشاكل الفيزياء، كما ابتكر نظرية الضوء المرتكز على الموجة. لكن وبسبب المعاصر له اسحق نيوتن تجاهلنا الكثير من انجازاته اليوم. من المألوف، ان نيوتن فشل في الاعتراف بمساهمات الآخرين في اكتشافاته، وكان هيغنس من بين اولئك الذين جرى تجاهلهم. هذا، الى جانب عبقرية نيوتن التي ترسخت خلال القرن الثامن عشر، ادّى الى ان تتفوق نظرية الجسيمات المعيبة في الضوء لنيوتن على نسخة هيغنس، والى الإضرار في تقدم البصريات في القرن اللاحق، حيث ثبت وبالضد من نظرية نيوتن ان  نظرية الموجة لهيغنس كانت صحيحة تماما.

ايضا وعلى عكس نيوتن، الذي لم يسافر ابدا الى ما وراء لندن وكامبردج، كانت لهيغنس ارتباطات جيدة عالميا في مجال العلوم. هو عُيّن من قبل وزير مالية لويس الرابع عشر Jean Baptiste، ليدير اكاديمية العلوم الفرنسية الجديدة ولكي يصبح ايضا اول اجنبي عضو في الجمعية الملكية للعلوم في بريطانيا. حافظ هيغنتس على تعاون ومراسلات مع الفلكيين والرياضيين والعلماء في كل اوربا. ساعد مكان اقامته في لاهاي، في قلب هولندا المزدهرة والمتسامحة، بدون شك، في الاستفادة من الحركة المستمرة للمفكرين الذين يمرون عبرها او الباحثين عن لجوء هناك فرارا من اضطهاد سياسي او ديني . التبادل الفكري لهيغنس ايضا ضم عدد من اهم الفلاسفة في ذلك العصر. تفاعله مع الفلاسفة كان من عدة انواع. اولا، كان هناك المهتمون في الاسئلة العلمية، الذين وفروا الالهام واحيانا، التعاون.  وهناك قسم من الفلاسفة الذين رغبوا في التمكن من الطرق الرياضية ، لدقتها وصرامتها، او انهم شعروا بالحاجة لفهم الاسس العلمية للظواهر الطبيعية  فقط لتجنّب الخطأ في توضيح أفكارهم الشخصية. وهناك آخرون  شعر هيغنس ذاته في انسجام فكري معهم.

ديكارت

مما لا شك فيه، كان لديكارت التأثير الكبير على حياة وعمل هيغنس، كان ديكارت قد فر من فرنسا الى جمهورية هولندا عام 1629، وهي نفس السنة التي وُلد فيها هيغنس. اصبح ديكارت  صديقا لأبو هيغنس (كونستانتين) الشاعر والدبلوماسي في البيت الملكي الهولندي الحاكم. هما عملا مجتمعين في محاولة (غير موفقة) لتصميم عدسة فلكية اكثر دقة، كان كونستانتين قادرا على استعمال ارتباطاته المؤثرة لضمان نشر رسالة ديكارت "خطاب في الطريقة"عام 1637  في كل من هولندا وفرنسا. ومن خلال تأثير ابوه  ومعلمه في الرياضيات ،اصبح هيغنس مقتنعا بديكارت. عندما كان ولدا، قرأ كتاب ديكارت مبادئ الفلسفة الذي نُشر عام 1644. في هذا الكتاب،وضع ديكارت نظرياته العلمية. هيغنس استجاب لمنطقه ووضوحه، بالاضافة لجرأة ديكارت وطموحه لبناء فهم جديد وعالمي للطبيعة. رغم ان هيغنس كبالغ لم يقابل ابدا ديكارت في هولندا،فهو اصبح معجبا جدا بديكارت الذي في عام 1649، بعد اكمال دراسته في الكلية،  بدأ رحلة للبحث عنه في ستوكهولم في السويد، حيث  كان عادة يدرّس الفلسفة للملكة. غير ان، الرحلة لم تُستكمل ،وفي السنة اللاحقة علم هيغنس ان ديكارت قد مات.

 ومع التقدم العلمي الحاصل في عمل هيغنس المهني، قاده عمله المتنامي  ليدرك ان ديكارت  لم يكن دائما سليما عند التعامل مع الحقائق الملاحظة. بقي هيغنس دائما مسترشدا بالمبادئ العامة للفيلسوف، لكنه تعلّم ان يضع افكاره جانبا عندما لا تتفق مع  نتائجه التجريبية او ملاحظاته المباشرة. في نهاية حياته، سُئل هيغنس عن تعليقه على اول سيرة نُشرت لديكارت. كتب:

"السيد ديكارت وجد طريقة لعمل تخمينات وقصص للحقائق. اولئك الذين قرأوا كتابه مبادئ الفلسفة كانوا مندهشين بنفس المقدار كاولئك الذين قرأوا روايات سارة تعطي انطباعا بكونها قصص حقيقية. انها بدت لي عندما قرأت هذا الكتاب لأول مرة ان كل شيء كان يسير بشكل أفضل في العالم، وانا اعتقدت، عندما وجدت بعض الصعوبة، ان العيب كان انني لم افهم افكاره بشكل صحيح. انا كنت فقط في عمر 15 او 16. ومنذ ذلك الوقت،اكتشفت من وقت لآخر اشياءً هي بالتأكيد زائفة، واخرى باحتمال كبير، انا تغلبت على الميل القوي الذي كان لدي، والآن انا لا أجد أي شيء تقريبا استطيع اثباته كحقيقة في كل الفيزياء او الميتافيزيقا".3213 كريستيان هيغنس

سبينوزا ولايبنز

تمتّع هيغنس بمزيد من الارتباط مع باروك سبينوزا الذي اعتمد بعد طرده من جماعته اليهودية في امستردام، على المتاجرة بصقل زجاج النظارات. سبينوزا عاش في اماكن مختلفة بما فيها خارج لاهاي،قريب من المكان الذي تمتلك فيه عائلة هيغنس فيلا ،استعمل هيغنس حديقتها لملاحظاته الفلكية. ورغم ان هيغنس بنى في الاساس عدساته لتلسكوبه الخاص، هو اعترف بتفوق عمل سبينوزا وايضا اشترى منه بعض العدسات . سبينوزا كان بمعنى ما منافسا، لكنه كان ايضا متعاونا ،وهو و هيغنس احيانا تبادلا كتبا ومعلومات تقنية . في ربيع عام 1665،كان هيغنس قادرا على ان يبيّن  لسبينوزا من خلال تلسكوبه الظلال المشعة من حلقة زحل على سطح ذلك الكوكب. الصحبة غير المحتملة كانت بدأت بين التاجر اليهودي المنبوذ  والارستقراطي المرتبط بأعلى مستويات المجتمع الهولندي، من خلال جهودهما العلمية والتقنية المشتركة. هيغنس عمل احيانا مع احد اخوته في صقل العدسات . تبادلا الرسائل في اوقات عندما كانا متباعدين تشير باعتزاز لتلك الفترات التي امضياها مجتمعين،والتي كانت ربما من أسعد لحظات  حياة هيغنس. هناك مظهر تأملي للعمل يناسب بوضوح كل من اخوة هيغنس في صحبتهم ، بالاضافة الى سبينوزا في عزلته التأملية. بينما استكشف هيغنس وسائل أتمتة أجزاء من العملية، سبينوزا عُرف عنه تفضيله لإجراء يدوي تام ،بواسطته بقي قادرا على إجراء أدق التعديلات باللمس. ربما سبينوزا وجد هذا العمل الصبور يقود الى عمليات فكرية ضرورية لخلق الأعمال الفلسفية الانسانية مثل (الأخلاق،1677). بالتأكيد، من الواضح من كتابات سبينوزا الشخصية ان لا وجود في ذهنه لأي فصل  بين هذا العمل التطبيقي وتطوير فلسفته. من ناحيته، هيغنس ربما تأثر برؤية سبينوزا عن الله كطبيعة، والتي تبدو لمحات منها في بعض كتابات هيغنس اللاحقة، بما في ذلك كتاب تأمل طويل حول الحياة على كواكب اخرى.

الفلسفة الهامة الاخرى التي كان فيها لهيغنس تعامل شخصي وثيق  كانت فلسفة لايبنز، الذي وصل الى باريس عام 1670 كمبعوث لأحد ناخبي مينز  في بعثة سلام،وهو بعمر 26 عاما،لكن بقي هناك لدراسة الرياضيات مع هيغنس. لايبنز تجاوز معلمه بسرعة ، بالطبع، اصبح مشهورا كمخترع مشارك(مع نيوتن) بالتفاضل والتكامل،من بين انجازات متنوعة اخرى في الرياضيات، رغم انه كان اقل نجاحا في جهوده كعالم تجريبي ومخترع.

لكن الرجلين بقيا اصدقاء، ولايبنز عادة طلب موافقة هيغنس ، خاصة فيما يتعلق بعمله في الهندسة،التي كان فيها هيغنس ضالعا . هما ايضا اجريا مقارنات لملاحظات في موضوعات ثقيلة كتصور سبينوزا للّه، والتي وجدها لايبنز غير مقنعة، وافكار نيوتن حول المدارات البيضوية للكواكب. هنا أدّى الغياب الظاهر للسبب الطبيعي للجاذبية بين الاجسام الثقيلة الى ازعاج  كلا الرجلين.

هوبز

من الواضح ان هيغنس اصبح منخرطا مع شخصيات بارزة تخيلوا أنفسهم كرياضيين او علماء. اسوأ الحالات كانت الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز. كان هوبز نادرا بين أقرانه في اعتبار الرياضيات عنصرا اساسيا في التفكير الفلسفي، وهو لطالما أعجب بأعمال الشاب هيغنس في هذا الحقل. لسوء الحظ، رغم ان حماسة هوبز تخطت قدراته. كان هيغنس من بين عدد من الرياضيين الذين وجدوا انفسهم ملزمين للاشارة للأخطاء في محاولات هوبز في البراهين الهندسية لمعضلات مثل تربيع الدائرة. هيغنس "لم يجد اي شيء مقنع، بل فقط رؤى خالصة" هو كتب الى زميل اسكتلندي في احدى محاولات هوبز في البرهان الهندسي، "بحكم كونها سخيفة، اصبحت مثارا للسخرية". لكن هيغنس كان قلقا من انه في محاولاته تفنيد رياضيات هوبز هو ربما فقط يجذب الانتباه الى أخطاء الرجل المضللة.

احدى الصعوبات الاخرى مع هوبز هي المتعلقة بالأعداد اللاعقلانية Irrational numbers التي تبرز في التمارين الرياضية المتقدمة. الاعداد اللاعقلانية هي اعداد لايمكن التعبير عنها كنسبة بين عددين صحيحين، مثلا، العدد 2/3 يتم التعبير عنه بتكرار لا متناهي كـ 0.66666. كان هوبز ضد هذه الاعداد، بينما العديد من الرياضيين لم تكن لديهم مشكلة في الاعتراف بوجودها وأهميتها.

عانى هوبز ايضا من مشاكل في اكتشافات معينة في العالم الفيزيائي. تفكير الفيلسوف الزائف المتعلق بأبعاد حلقة زحل خلقت له انتقاد قوي من جانب هيغنس.

في واحدة من أعمال هيغنس المشتركة العظيمة في الفيزياء،هي في مضخة الهواء  بالتعاون مع روبرت بويل وآخرين في الجمعية الملكية. كانت هذه وسيلة نظرية قادرة على خلق فراغ، وهو ما أثار قضايا ثيولوجية وسياسية لهوبز: اذا كان الله متغلغل في كل مكان،استنتج هوبز ان أي مكان متبقي هو فراغ تملؤه الشياطين. ولذلك،فان مثل هكذا مكان لا يمكن السماح له بالوجود.

بايل و لوك Bayle&Locke

علاقات هيغنس توثقت مع شخص آخر ليس عالما وهو الفيلسوف البروتستانتي بيير بايل. كانت لهيغنس معرفة سابقة به في باريس. بايل هرب الى روتردام بعد الغاء مرسوم نانت في التسامح لعام 1685. معترفا بسذاجته في الحقل، سأل بايل هيغنس عن الوسيلة الضرورية لتقدير الاختلاف في موقع الجسم عندما يُنظر اليه من خطين مختلفين للرؤية، لكي نحكم على كل من المواقع الحقيقية والظاهرة للنجوم. في عام 1691، كتب هيغنس له: " انت لست مثل غالبية الفلاسفة الذين يستفيدون من اكتشافات الفلكيين بدون معرفة كيفية اكتشافها". أفكاره العقلانية تماما حول المذنبات واجهت احتجاجات في هولندا الليبرالية قادت الى ايقاف راتبه كبروفيسور لفترة من الزمن.

قبل ذلك بسنة كان هيغنس ارسل نسخا من كتابه المنشور توا (رسالة حول الضوء) الى زملاء علميين بالاضافة الى بايل ولايبنز وجون لوك. العمل كان خلاصة لتفكير طويل عن طبيعة وسلوك الضوء وبصريات نيوتن في الـ 14 سنة السابقة. رد لوك بارسال مقال الى هيغنس وهو مقال يتعلق بالفهم الانساني،. قرأ هيغنس المقال بسرور بالغ ، وجد هناك قوة ذهن كبيرة مع وضوح واسلوب عالي لايمتلكه جميع اولئك الذين في البلد الانجليزي".

التقى هيغنس لوك لفترة وجيزة عندما زار لندن بعد الثورة المجيدة(1) . هيغنس كتب لاحقا انه منزعج من عدم معرفته بلوك بشكل افضل، لأنهما لديهما الكثير مما هو بحاجة للنقاش. تجريبية لوك تدين كثيرا لفرنسيس باكون الذي اتّبع هيغنس طريقته التجريبية وكان معارضا للتفكير القبلي الديكارتي في القضايا العلمية الملاحظة - ذلك النوع من التفكير الذي أجبر هيغنس للتخلي عن بطله الفلسفي الشاب. وفي تناقض مع ديكارت، اقترح لوك ان المكان متميز عن الأجسام التي فيه، بينما هيغنس نفسه افترض فكرة مبكرة للنسبية مرتكزة على فكرة ان كل حركة للشيء هي نسبية للاشياء الاخرى، ولا وجود هناك لاطار مرجعي للمكان.

في القرن السابع عشر،كان من المألوف، ان العلماء يحتكون بالفلاسفة ، العلماء اُطلق عليهم "الفلاسفة الطبيعيين". ولكن ماذا كسب هيغنس من التفاعل مع اولئك الفلسفيين اللامعين؟ التجربة لم تحوّله الى فلسفي . وفق مستويات أقرانه، بقي عمله  متأسسا بشكل ملحوظ في العالم المادي الملاحظ. ولكن ربما عزز من رؤيته للعالم، خاصة في فكرة ان العمل يجب ان يُوجّه نحو غايات مفيدة وجيدة، وان أي إله بالتأكيد "يعمل طبقا لقوانين الطبيعة الثابتة".

 

حاتم حميد محسن

.......................

الهوامش

(1) في الثورة المجيدة 1688-1689 عُزل الملك الكاثوليكي جيمس الثاني في انجلترا لتخلفه ابنته البروتسانتية ماريا الثانية وزوجها الهولندي الامير وليم الثالث. عندما تسلّم جيمس الثاني عرش انجلترا عام 1685، كانت هناك سلفا توترات بين الكاثوليك والبوتستانت واتخذت منحى سيئا. الكاثوليكي جيمس الثاني وسّع الحريات الدينية للكاثوليك وفضّلهم في التعيين بالمناصب العسكرية. هذا السلوك أغضب العديد من الانجليز وخلق انشقاقا بين الملك والبرلمان البريطاني. في سنة 1687 حلّ جيمس الثاني البرلمان وحاول خلق برلمان جديد لايعارض او يسائل حكمه المطلق القائم على الحق الديني. كانت بنت جيمس البروتستانتية ماريا الثانية بقيت هي الوحيدة لها الحق في وراثة عرش انجلترا، وكانت قد تزوجت من وليم الثالث عام 1677. كان وليم الثالث قد خطّط منذ وقت طويل لغزو انجلترا للاطاحة بجيمس الثاني. اراد وليم قبل الغزو ان يضمن الدعم من انجلترا ذاتها. وفي عام 1688،كتب سبعة من زملاء جيمس تعهدا لوليم يعلنون فيه دعمهم له لو غزا انجلترا. وفي نوفمبر من نفس العام بدأ وليم بالغزو، حيث انضم عدد من جنود جيمس وانصاره الى وليم فاضطر بعدها جيمس للهروب من انجلترا والتخلي عن العرش، فدخل وليم لندن في نفس اليوم  18 ديسمبر1688. وهكذا وبفعل عوامل سياسية ودينية قادت الثورة الى لائحة الحقوق الانجليزية لعام 1689 فغيرت الى الأبد طريقة حكم انجلترا، حيث حصل البرلمان على المزيد من السلطات تجاه السلطة الملكية السابقة المطلقة ووضعت الأساس لديمقراطية سياسية حديثة. 

                             

محمود محمد عليالفلسفة الشريدة أو المنفتحة هي إذن فلسفة تحررية، على عكس فلسفة النسق التي يستعين التريكي في نقده لها بتلك العلاقة التي أقامها برتراند رسل وكارل بوبر، و"الفلاسفة الجدد" الفرنسيون بعدهما، بين الفكر النسقي والنظام الشمولي الذي قام في بعض بلدان أوروبا في القرن الماضي. على أن نقد الفكر النسقي، الذي يسميه فتحي التريكي أيضا "الفكر التوحيدي" وكذلك "العقل الموحد"، لن يتوقف لديه عند الحدود التي رسمها لها هؤلاء الفلاسفة الغربيون (وجود علاقة بين النسق والنظام الشمولي)، بل يمتد عنده ليربط أيضا بين فكر النسق والغرب كسلطة هيمنة، موظفا هكذا نقد فكرة النسق من طرف الفلاسفة الغربيين، لنقد الغرب بدوره، وبالضبط الغرب كقوة تقوم على التسلط والقهر.

يقول التريكي: "إذا ما تساءلنا ما الفائدة في هذا الفكر الجديد الذي يقترح إلغاء الفكر التوحيدي المهيمن، كان الجواب هو أن فائدته، بالنسبة إلينا، تكمن في تحطيم الدعوى الغربية بكونية فلسفته وتفكيره وثقافته من ناحية، وتحرير ذاتيتنا من عبودية القهر والاستبداد بإقرار حرية التفكير والاعتراف الكامل بحقوق الاختلاف والتنوع من ناحية أخرى"، مما يعني أن التحرر من النسق يؤدي إلى التسليم بنسبية الفكر الغربي وبالغرب ذاته. والتحرر من النسق، أي من الفكر التوحيدي، هو إذن مقدمة لتحرر مزدوج، من الغرب ومن الشمولية.

فالتركيز على مفهوم الانفتاح، عند التريكي، لا تقتضيه فقط، من وجهة نظره، التغيرات التي حدثت على صعيد نظرية المعرفة التي غيرت نظرتنا إلى الكون "مع تطور النسبية الفيزيائية والكيميا الحرارية الدينمية (وجعلتنا) نميل إلى أخذ اختلافات العالم الطبيعي وتغيراته المتواصلة وصعوبته الشائكة (بحيث بدأ) العلماء يشعرون بضرورة الابتعاد عن النظرية الكلية للكون"، إلي جانب كون "العقل الموحد" قاصر على دراسة الواقع بتعقيداته وكثرته وتغيره المستمر، لأنه يصبو إلى  المعرفة الكلية والشاملة"، يضاف إلى كل هذه الاعتبارات الابستمولوجية، معطى ذو طابع سياسي وايديولوجي: وجود ارتباط بين الكليانية الفلسفية وبين هيمنة المركزية الغربية، كما سبق وأن أشرنا. لهذا يرى التريكي أن "الرأسمالية والاشتراكية والشيوعية نظريات وضعت أوروبيا في لحظة تحولات جوهرية لمعالجة واقع أوروبي خاص، وكل اختيار بين هذه النظريات هو اختيار جوهري للإندماج نهائيا في إيديولوجية  الهيمنة الاستعمارية الجديدة".

وتجد الفلسفة المنفتحة أو الشريدة، بما تتضمنه من معنى التعدد والاختلاف، تكملة وامتدادا طبيعيا لها في فكرة التنوع التي تمثل محور كتاب "قراءات في فلسفة التنوع" الصادر سنة 1988 .وهي فلسفة يلمس التريكي بداياتها الأولى، في اليونان، عند السفسطائيين، أصحاب فكرة نسبية الحقيقة وتعددها وحتى عدم وجودها كما يرى جورجياس، مثال. أما عند العرب فيقرأها التريكي عند ابن خلدون.

ولم يكتف التريكي بذلك بل نراه يدعو العرب جميعا إلى الانخراط في الحداثة التي، وذلك لكونها تمثل العقل، كما يقول في كتاب "الحداثة وما بعد الحداثة". من هنا ارتباط الهوية بالحداثة عند فتحي التريكي، ذلك الربط الذي يفسر غيابه واحدا من أهم أسباب التخلف وعدم الاستقرار في العالم العربي، حيث أن قطاعا واسعا من مفكريه يفصلون بينهما، يعني بالأساس بين التراث والحداثة، عندما يأخذون بطرف مفصولا عن الآخر.

أما التريكي، في "فلسفة الحداثة" المنشور بمعية السيدة رشيدة التريكي، فهو يقول بوضوح بهذا الشأن: "في اعتقادنا أن الحداثة مصيرنا وأن علينا فتح كياننا على تاريخيتنا لا من حيث أنها تربط حاضرنا بجذورها وبالحضارات التي تعاقبت علينا فقط بل وأيضا من حيث أنها انفتاح على الاقبال والمصير، لهذا فنحن لم نعد بحاجة إلى تأصيل كياننا بقدر ما نحن بحاجة إلى فتحه على الحداثة وعلى مسارها في تمظهرات الفكر العالمي".

ونلاحظ هنا أن التريكي يتحدث عن الحداثة في الفكر العالمي، ولم يقل في الفكر الغربي، فهو كما ينتقد النزعة الانسانوية في تمركزها حول ذات الآخر، أي الغرب، مما يجعلها مؤسسة النسانوية ذات طابع مزدوج، قائمة على مبدأ التراتبية، عليا ودنيا، منتجة بسبب ذلك للاقضاء والهيمنة والحروب، ينتقد أيضا أساسها المتمثل في ما يسميه "المعقولية الغربية"، ومن خلال ذلك الحداثة أيضا في تمظهرها الغربي، وبالتالي بوصفها خطاب سلطة، بمفهوم فوكو، أي من حيث هي أداة هيمنة وقهر للآخر. ولا مفر هنا من تذكر وذكر نقد دريدا للميتافيزيقا الغربية القائمة على فكرة المركز وما تتضمنه من معنى الهيمنة.

والواقع أن مفاهيم الانفتاح والتعدد والاختلاف والتنوع التي أقام عليها فتحي التريكي فلسفته وثيقة الارتباط بقيم ما بعد الحداثة. وقد نوه التريكي في كتابه "فلسفة الحياة اليومية" بإسهامات جيل دولوز وجاك دريدا وميشال فوكو في بلورة مفاهيم الاختلاف والغيرية والانفتاح وفي تقويض هيمنة مفهوم المركز و"فكرة الحقيقة المطلقة" وكل "محاولة لبناء مرجعية موحدة وممركزة للفلسفة".

وهنا يميز التريكي بين نقد العقل في الغرب ونقد العقل عندنا، أما نقد العقل في الغرب فكان نتيجة التطورات الحاصلة في ميدان العلم والتكنولوجيا، وقد ظهر في ثلاث أطروحات " العقلانية النقدية مع كارل بوبر،، والنظرية النقدية مع هابرماس، وأركيولوجيا المعرفة مع ميشال فوكو، وهذه الأطروحات الثلاث تتفق علي أن الشكل الذي اتخذه العقل في الغرب كان استبعاديا ومنغلقا وأحيانا فتاكا وقاتلا وهي تحاول إعادة بناء الإنسان الغربي عن طريق التحريرية الكاملة (بوبر) وإعادة بناء العقل على الانفتاح والتنوع (هابرماس) والاعتناء بالذات (فوكو) .

أما نقد العقل عندنا فقد كان له توجها دينيا يتصل باللاهوت والتصوف رغم وجود أشكال أخرى كالنقد العلمي والفلسفي والتاريخي، لقد اتخذ نقد العقل عندنا حاليا حسب التريكي أشكال ثلاثة، ثقافي، وصوفي، وعلمي:

1-الأتجاه الثقافي: ويمثله برهان غليون في " كتابه " اغتيال العقل"، ومحمد عابد الجابري في كتابه "نقد العقل العربي، ومفهوم العقل في الكتابين بقي في نظر التريكي غامضا، حيث إن الكتاب الأول استعمل مفهوم العقل لنقد التوجهات السلفية والإيديولوجية بدون إخضاع العقل للبحث والدراسة.

2-الاتجاه الديني: ويمثله طه عبد الرحمن حيث برز مفهوم العقل في مؤلفه " العمل الديني وتجديد العقل "، ومن بين مواقفه حول العقل هو قوله:" هذا ما نشاهده عند أهل العقل المجرد فأنهم زعموا لأنهم ينالون من وسائل التمتع والإسعاد علىقدر تزايد إلتزامهم فيها يقولون وما يفعلون بمقتضيات النظر المجرد ووضوح البطلان هذا الزعم يغني عن بسط الكلام، فما تعانيه الإنسانية من التعثر والتكدر بسبب تعاطي التجريد العقلي والمزايدة فيه أظهر من أن يوصف ويعلل، أما أهل العقل المسدد فقد تجر عليهم الزيادة في الأعمال بعض الآفات ما بقيت أعمالهم حبيسة الإقامة بالجوارح وحدها ولم ترقي إلى مستوى المعاناة بالجوارح .

ولقد انتقد التريكي هذا الموقف انتقادا لاذعا مؤكدا أنه إنجاز عن المنهجية العلمية حيث أقر التضاد بين العقل والنقل، وأقر بضرروة الإيمان، وذلك بإضغان العقل وقيمته، وجعل من نشاط العقل محدودا ومقتصرا على ميادين معينة .

3- الاتجاه العملي: وهو أهم الاتجاهات الثلاث، إلا أن البحوث فيه قليلة في نظر التريكي الذي يصنف البحوث في هذا الاتجاه إلى صنفين: القسم الأول: ويمثله محمد المصباحي واهتم ببيان تشكل العقل تاريخيا في الفلسفة والعلوم .. وأما الصنف الثاني فيمثله يوسف كرم وزكي نجيب محمود، حيث أدي هذا التوجه دورا علميا فعالا لدراسة العقل من حيث تمظهراته المختلفة .

وفي كتاب " الروح التاريخي في الحضارة العربية الإسلامية يعود بنا التريكي إلي الحنين الذب يفوق بنا كل تقدير إلى الماضي، أو كما يقول التريكي في أول جملة من المقدمة إلى تاريخية الإنسان العربي التي لم تدرسها الفلسفة إلا نادرا (ص 10) . وليس هذا العود وقوفا على الأطلال، بل هو تجاوز لسهو شل الذاكرة العربية عن النظر فيما به تتكون كتاريخ، إنه إفشاء للمكبوت وللمسكوت عنه العربي إلى ذاته، أي إعادة التاريخية العربية إلى ذاتها بعد أن اختلسها الفكر الآخر وطمسها.

ولن يتم تحقيق ذلك إلا بفلسفة عربية منفتحة على التاريخ العربي، وعلى هموم العقل العربي، تلك الهموم التي كانت الفلسفة العربية الإسلامية تقصيها من محال بحثها، لأن هذه الفلسفة المتفتحة تزودنا بمنهج متنوع وشامل يخصب بحثنا عوضا عن تلك المناهج الأحادية التي تكبله فتلقي به في متاهات الصراعات الإيديولوجية المجانية .

إنه مشروع فلسفي رغم التواضع الذي يبديه التريكي في أكثر من مكان في كتابه، وذلك أتاحت له تعاريج الكلام وثنايا التحليل فرصة التذكير بهدفه من دراسته للفكر التاريخي عند العرب، فيعمد إلى "تبديد كل خلاف" (ص 12) واختلاف حول الهدف الذي رسمه لهذه الدراسة.

ولم يكتف التريكي بذلك بل نراه بعطي نفسا جديدا إلى الفلسفة العربية – الإسلامية وذلك بتلقيح مخلفات فلاسفتها ومفكريها باكتشافات الحداثة، فيربك الفارابي إلي جانب ماسينون، والماوردي إلى جانب مارتن هيدجر، وابن مسكوية مع جاستون باشلار في إخراج مغر كله نقد وتمحيص وجدال.

ومن هذا المنطلق نتساءل الآن: هل يتجه الواقع العالمي المعاصر إلى التآنس والعيش معا ؟ .. وهنا يجيبنا التريكي بأننا لا نعتقد ذلك لأن التآنس والعيش معا يعني أن المعقولية الغربية تسير نحو ذوبانها، لذا نراها مشدودة إلى العنف والتواصل ولا تتجه إلى أي نوع من التآنس، ولنها كذلك وباختصار معقولية تقوم على التصادم لا التواصل لذا يمك تحقيق مسعانا نحو التآنس والعيش معا عبر مفهوم جديد يقترحه التريكي يمكن أن نفتح من خلاله أفاقا تحقق سعادة الكل هو مفهوم التثاقف أو التثاقفية .

وفي مداخلة حول الصداقة ألقاها التريكي بمناسبة الذكري الأولي لليوم الوطني للفلسفة في الجزائر، نبه التريكي إلى أن هناك تناقض في منطق العولمة، حيث أننا نسير في نظره باتجاه هوة أو شرخ في الإنسانية ذاتها فهناك إنسانية أولي " الاتحاد الأوربي" تنتقل بحرية ومتحررة من الضغوط وإنسانية ثانية تثبل الضغوط وتفكر برخص وتعبر برقابة وتعيش بانتماء وعبودية وهي بكل هذا تصبح غربية .

وأخيرا، من باب الخلاصة، بعد هذا المقاربة المتواضعة لفلسفة التريكي، أن هذه الأخيرة، ورغم تأسسها على مفهوم الانفتاح و"التشرد"، إلا أنها تبدو، كما سبق وأن أشرنا في البداية، مترابطة ومتماسكة الأركان داخليا، مما يجعلها تحمل من هذا الجانب طابع الفلسفة النسقية. كما يمكن القول بأن فلسفة التريكي وثيقة الارتباط في الحقيقة بتجربة العالم الذي ينتمي إليه، عالم الأطراف في علاقته بعالم "المركز"، مما يفسر كونها فلسفة نقد واحتجاج واعادة بناء، أي تعبيرا عن رؤية "الهامش" إلى العالم. لكن في تركيز فلسفته على نقد عالم "المركز"، متمثلا في "المعقولية الغربية" التي يجعلها هذا المفهوم تحمل، في الواقع، قدرا من الاختزال، لم تحظ في المقابل "المعقولية العربية" التي تتشكل هي بدورها من "معقوليات"، ربما بالقدر الكافي من التحليل والنقد، خاصة وأن التريكي عالجها أساسا من حيث علاقتها بالتراث، بينما العالم العربي يعاني من مشاكل يعود بعضها إلى ما قبل التراث، مثل التكوين القبلي الذي لا يزال يعشش على مختلف المستويات في مجتمعاتنا وفي سلوك وذهنية الإنسان العربي عموما.

فالمشكلة لا تتمثل فقط في معقولية الآخر من حيث استنادها إلى مبدأ الغلبة. بل إن المشكلة تكمن ربما بالأساس في "المعقولية العربية" التي لا تزال تنطوي على الكثير من "القابلية للاستعمار".

على أن هذا لا يقلل في شئ من أهمية فلسفة التريكي "النقدية المفتوحة" على "الضيافة"، هذه الفلسفة القائمة على النسبية، التي هي في صميمها فلسفة تحررية، تعبر عن ذلك الطموح التاريخي العميق الذي خرجت الشعوب العربية من أجله عام 2011 .

لهذا نتفهم جيدا حديث التريكي في كتاب "جمالية العيش المشترك" عن سعادته التي "لا توصف عندما، مبادئ العقل والحرية والكرامة التي عملت فلسفته على اعتمدت جماهير الثورة إرسائها وتكريسها عبر مختلف كتبه ومؤلفاته.

 

أ. د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........................

الهوامش

1- فتحي التريكي، الفلسفة الشريدة، دار "التنوير"، 2009 .

2- -فتحي التريكي، فلسفة التنوع، دار التنوير، تونس، 2009 .

3- فتحي التريكي، الهوية ورهاناتها، ترجمة نور الدين الساقي وزهير المدنيني، الدار المتوسطية للنشر، تونس – لبنان، 2010 .

4- عبد اهلل المسيري وفتحي التريكي، الحداثة وما بعد الحداثة، دار الفكر المعاصر، دار الفكر، لبنان، 2003 .

5- د. خان جمال: فكرة الوحدة ومعقولية التنوع، منشور ضمن كتاب العيش سويا قراءات في فكر فتحي التريكي، أوراق فلسفية (15)، دار الثقافة العربية، القاهرةن 2006.

6- ابراهيم سعدي: قراءة أولية في فلسفة المفكر التونسي فتحي التريكي، جامعة مولود معمري- تيزي وزو،

 

علي رسول الربيعينتناول هنا بعض مناهج النظرية الكلاسيكية للدين التي طورت مناهج ومفاهيم مختلفة لتفسير الدين منذ منتصف القرن العشرين فصاعدًا. تؤكد هذه التفسيرات على النظرة الوظيفية للدين وإن كان ذلك بدرجة مختلفة.

إن ابرز مثال على ذلك هو منهج توماس لوكمان الذي يقف مع تقليد النظريات الوظيفية للدين كما عند فيبر ودوركهايم. إن الإنسان، بالنسبة للوكمان، هو في الأساس كائن اجتماعي لا يتطور بشكل كامل إلا من خلال المجتمع. يتجاوز البشر ظروفهم البيولوجية ويطورون شخصيتهم في سير العمليات الاجتماعية. فيصف لوكمان الدين بأنه شبكة تفسير يفسر البشر من خلالها تجاربهم مع المتعالي التي تتجاوزهم وتشكل نظرتهم الى العالم. تحدد وجهات النظر هذه كلا من تفسير الواقع والتوجه المعياري للسلوك.

وبالتالي فإن رؤية العالم أو النظرة إلى العالم تسبق الفرد تاريخيًا وتشكل الأساس التجريبي للتجاوز "الناجح" للطبيعة البيولوجية من قبل الكائن البشري، ولانفصاله عن البيئة الحية المباشرة واندماجه كشخص في تقليد واحد متماسك للمعنى. لذلك يمكننا أن ندعي أن النظرة الى العالم، باعتبارها حقيقة تاريخية واجتماعية "موضوعية"، تؤدي وظيفة دينية أساسية. ويمكن تعريفها على أنها الشكل الاجتماعي الأساس للدين، وهو شكل موجود في جميع المجتمعات البشرية".[1]

يختبر الإنسان نفسه ضمن هذه الرؤى للعالم بوصفه مرتبط بالتعالي (transcendental). وتتراوح مثل هذه التجارب من العجز في مواجهة الأحداث الخارجة من السيطرة إلى معرفة الموت. تُفهم التجارب من هذا النوع عمومًا على أنها إثباتات مباشرة لواقع العالم المقدس.[2] وتُفسر بشكل تواصلي بأعتبار أن التجارب الذاتية للتعالي يتم إعادة بنائها بشكل متبادل ذاتيًا أولا، ومعالجتها إجتماعيا ثانيا.[3] فاعتبر بيرغر صياغة لوكمان لتعريف للدين هي الأكثر إقناعًا وحسمًا للدين بالمعنى الاجتماعي الوظيفي. وإن الشيء الأساس في تعريف لوكمان للدين هو قدرة الكائن البشري على تجاوز طبيعته البيولوجية في بناء عوالم موضوعية، مقنعة أخلاقياً وشاملة للمعنى .[4]

يتخطى هذا التعريف الوظيفي للدين، وفقًا للوكمان، "كلاً من التحيز الأيديولوجي المعتاد والضيق المتمركز حول العرق في التعريفات الموضوعية للدين".[5] لذلك يصف علم اجتماع الدين البُنى الاجتماعية على خلفية تصبح وظيفة الدين معروفة فيها. ويسمح لنا وصف "بنية العمليات الاجتماعية التي تنشأ فيها أنظمة المعنى بتحديد شروط فردية الوعي والضمير"[6] وكذلك تفسير وظيفة الدين في عملية التطور البشري.

يوجد الدين، وفقًا لوجهة النظر هذه، في كل مكان حيث يصبح سلوك الأفراد فعلًا موجهًا نحو المعنى، ويجد الفرد نفسه في عالم يسكنه نوعه نفسه، ايً أفراد المجتمع، الذين يتفاعل معهم ويحكمون على أفعاله. وتتحول السمات التي تنتمي إلى الجنس البشري إلى عوامل داخل نظام اجتماعي متطور تاريخيًا ويتجاوزهم ككائنات مادية.[7]

يعتقد لوكمان، في سياق تفرد وخصخصة المجتمعات الحديثة، أن مهمة البحث عن المعنى تقع على عاتق الفرد - خاصة بعد أن تعرضت مؤسسات الأديان، بصفتها صانعة للمعنى، لخسارة هائلة في المعنى. يعود الدين إلى المجال الفردي، وتظهر أشكال توفيقية جديدة تختلف عن الدين التقليدي ومؤسساته وتعمل بمفردات جديدة. يحدد لوكمان ما يطلق عليه التجارب مع المتعالي (المطلق) في عدة مراحل يمكن تفسيرها بوصفها أشكال من الدين في العالم اليومي للبشر. [8] إنها أنواع من التجارب الصغيرة والمتوسطة والكبيرة تمثل الأساس للبناء الاجتماعي للواقع الديني.[9]

تؤدي الحداثة وفقًا لـلوكمان إلى خصخصة الدين مع اللجوء إلى الدلالات والرموز الدينية التقليدية. لكن ما ينقص هذه الخصخصة هو أفتقارها إلى نماذج اجتماعية ذات مصداقية وملزمة بشكل عام لتجارب إنسانية عامة ودائمة للتجاوز او للتعالي.[10] لايقدم الدين في شكله المخصخص أي معايير صالحة يمكن أن تعمل كنموذج للتعايش، ولكن، وفقًا لتفسير لوكمان، لاتعني هذه العملية "الحديثة" نهاية وظيفة المبادئ الدينية الأساسية "، ولكن يسمح " بخصخصتها فقط".[11] هذا هو السبب في أن مصطلح "العلمنة" لا يشير إلى "نهاية وظيفة الدين الأساسية، بل إلى خصخصتها".[12]

يرتبط تفسير بيتر بيرغر للدين ارتباطًا وثيقًا بتفسير لوكمان وفي الوقت نفسه يختلف عنه في بعض الجوانب. قام بيرغر ولوكمان في عمل مشترك - البناء الاجتماعي للواقع[13]- بتحليل البنية الاجتماعية للمعرفة التي تنظم سلوك الناس في الحياة اليومية؛ حيث يستوعب الناس الواقع من خلال التنشئة الاجتماعية. تنقل التنشئة الاجتماعية في الغالب أعراف أو نماذج يحتذى بها من خلال الوالدين والأفراد المحيطين بالأسرة، وما يسمونه الألعاب اللغوية الأساسية أيضًا. يرتبط الواقع الاجتماعي والتنمية الفردية ارتباطًا وثيقًا في عملية التنشئة هذه. ولذلك يؤكد بيرغر ولوكمان بشكل قاطع على "الجدلية بين الواقع الاجتماعي والوجود الفردي".[14] ويلعب الدين دورًا في هذه العملية لأنه يشكل العالم اليومي لكثير من الناس وبالتالي البناء الاجتماعي للواقع أيضًا.

يختلف عمل بيرغر عن الدين عن عمل لوكمان فبالإضافة إلى التعريف الوظيفي للدين فيما يتضمنه من فهم جوهري للدين أيضًا. لذا من المفيد، تحقيقًا لهذه الغاية، إلقاء نظرة على افتراضاته بخصوص النظرية الاجتماعية. يفسر بيرغر المجتمع على أنه عملية جدلية في العلاقة بالخارج والتشكيل والاستيعاب. يتم دمج الثقافة كعلاقة بالعالم الخارجي باعتبارها مجموع المنتجات البشرية التي يتم تشكيلها في البُنى والسلوك الاجتماعي. يلعب الدين في هذه العملية الثقافية دورًا استراتيجيًا في إقامة علاقة الإنسان بالعالم، لدرجة أنه يفرض مغزى خاص به على الواقع. ويشير الدين إلى إسقاط النظام البشري على مجموع الكائنات الأخرى.[15] فإذا تم بناء المحتوى الديني ليس فيما يتعلق بالإنسان أو المجتمع فقط، ولكن فيما يتعلق بالعالم أيضًا ينشأ عالم خاص يكون فيه مجال للدين. وبوصف الدين مسعى الإنسان لتأسيس نظام عالم مقدس؛ فيشمل العالم الذي يفترضه الدين أن الشخص الذي يراه كواقع طاغٍ يعي بأختلافه عنه وبأحتضانه له. إنه واقع يتجه نحوه وويعطيه مكانته في نظام واحد معقول تمامًا.[16]

وبهذا، يقدم بيرغر تصميمًا وظيفيًا ويطور فهمًا جوهريًا للدين بقوة أكبر من لوكمان. فيقوم الدين عنده على تجربتين إنسانيتين أساسيتين: ما هو خارق للطبيعة ومقدس، وهما الأساس لقيام عالم مقدس تُجسًد فيه الذات وتشكيل بُنى المعنى. لذلك فإن الدين راسخ في قدرة الإنسان على تجاوز واقعه البيولوجي من خلال بناء عوالم شاملة من المعنى، يفسرها بيرغر بقوة أكبر من لوكمان بوصفها البعد الأنثروبولوجي الأساس للدين. يحمي الدين الناس من أن ينظروا الى حياتهم بوصفها بلامعنى. قد يأخذ الدين مقعدًا خلفيًا كمؤسسة اجتماعية، ولكن يتم تنشيطه فيأوقات أزمات الحياة من أجل التمكن من التعامل معها بطريقة هادفة.

يولي بيرغر أهمية خاصة للتعددية عند التفكير في الدين، لأنه يرى المجتمعات الحديثة تتميز بالتعددية والعلمانية. وتظهر صورة دقيقة للدور الاجتماعي للدين في العصر الحديث عندما يتم فحص كلا العنصرين من حيث الشروط المتبادلة.

دافع بيرغر عن الرأي القائل بأن موقف الدين في العالم الحديث يتطلب تفسيرًا أكثر مما يمكن أن تقدمه نظرية العلمنة، وأنه، من الضروري أن يكون هناك تفسير إضافي، ويأتي هذا ربما مع نظرية التعددية. باختصار، يعني هذا أن التعددية هي حقيقة مهمة في هذا السياق مثل العلمنة وأن الأخيرة تصبح أكثر وضوحًا إذا أخذنا بعين الاعتبار كلا العاملين معًا.[17]

إن العلمنة، بالنسبة لبيرغر، التي تُفهم على أنها تعددية دينية، لا تؤوي فقط - كما يبدو الحال مع لوكمان- إمكانات إيجابية، ولكن مخاطر جسيمة أيضًا. فأنْ أدرك الناس أن مكونات الواقع تعددية وأنْ أصبحوا أكثر دراية بهذه التعددية، فلا يؤدي هذا، في رأيه، ضرورًة إلى فهم أفضل من قبل الناس، ولكن بالعكس يمكن أن يؤدي إلى تفاقم النزاعات. فيرى إن واحدة من "الأوهام المضحكة للأيديولوجية الليبرالية أدعائها أن الناس يحبون بعضهم البعض كلما كانوا يعرفون بعضهم البعض بشكل أفضل".[18]

إذا كان هناك العديد من الإجابات على سؤال المعنى، فسيواجه الشخص حينئذٍ خيار تقرير أي منها يعتبره شرعيًا. تجلب التعددية معها إضفاء الطابع النسبي على جميع الأفكار المعيارية. طالما أن الشخص لديه نظام واحد ومتماسك من المعايير الثقافية، فإن هذه المعايير لها طابع حتمي بالنسبة له.[19] لكن، يتعين على الناس مواجهة هذا التنوع مع التعددية. لذلك "الدفاع عن الآراء دون حلها في عمل نسبي أو عزلها عن التعصب الزائف المطلق" مهمة صعبة "[20]، من وجهة نظر بيرغر وبالتالي، تمثل التعددية الدينية تحديًا للمعنى الذي يقدمه الدين، والذي قد فُسر مسبقًا على أنه صالح بشكل عام، وكذلك لمؤسساته. تكمن أهمية العلمنة تحديدًا في حقيقة أن القرار المؤيد للقناعة الدينية أو ضدها لا يؤثر فقط على عدد قليل من المثقفين، بل يؤثر على جميع الناس على حد سواء. ربما لأول مرة في التاريخ "فقدت الشرعية الدينية في العالم معقوليتها ليس فقط بالنسبة لعدد قليل من المثقفين أوالشخصيات الاجتماعية المهمشة الأخرى، ولكن بالنسبة للجماهير العريضة من المجتمعات بأكملها".[21]

يشكل فهم كليفورد غيرتز (في كتابه العمدة: تأويل الثقافات) للدين كنظام ثقافي خلاصة لوصف الديني والاجتماعي للمناهج الكلاسيكية الجديدة.[22] لقد طور غيرتز منظورًا اجتماعيًا ثقافيًا خلال سنوات عديدة من البحث الميداني.[23] وعليه لا يمكن، بالنسبة له، وصف النظم الثقافية بطريقة تعتمد على العلوم الطبيعية التي تدعي الموضوعية، فلا يمكن فهم هذه النظم إلا في شكل تقريبي. يتفق مفهومه السيميائي للثقافة مع تقليد فيبر؛ حيث يفهم الثقافة بوصفها نسيج من المعاني يشترك فيها الناس دائمًا. فالثقافة إذن هي نتيجة عمل يسترشد بالمعنى؛ وهي عرضة للتغيير المستمر لأن يتم إعادة تفسيرها باستمرار من قبل المعنيين.

طور غيرتز، من أجل وصف الثقافة، طريقته الخاصة أراد من خلالها التقاط الانفتاح والديناميكية والمحتوى الرمزي للثقافة. إن للثقافات سياق وإطار يمكن فهمها من خلاله وتصبح قابلة للتوثيق والكتابة.[24] يفسير علم الاجتماع الثقافة تأويليًا؛ فلا تتمثل مهمته في "الإجابة عن أعمق أسئلتنا، ولكن التعرف على الإجابات الأخرى" التي وجدها الناس، و"وضع هذه الإجابات في أرشيف الكلام البشري المتاح للجميع".[25] فيعتبر الدين بالنسبة غيرتز، على ضوء هذه الخلفية، نظامًا ثقافيًا يوفر للناس تفسيرات للواقع وتوجهات للعمل و"يتواصل الناس بمساعدته ويطورون معرفتهم بالحياة ومواقفهم تجاهها".[26]

إن الدين كما يصفه غيرتز هو: (1) نظام من الرموز يهدف إلى (2) خلق أمزجة ودوافع قوية وشاملة ودائمة عند الناس، (3) يتم من خلالها صياغة أفكار لنظام عام للوجود (4) وتمثل هذه الأفكار الهالة التي يحيط بها الواقائع (5) فتبدو الحالة المزاجية والدوافع متوافقة تمامًا مع الواقع.[27]

اذن الدين بالنسبة، غيرتز، هو نظام من الرموز التي تخلق الحالة المزاجية والدوافع من خلال صياغة تفسير للواقع بالإشارة إلى سلطة مطلقة. وتتمتع أنظمة الرموز الدينية بوظيفة اجتماعية تربط الأفعال بالنظام الديني وتفتح أفقًا للمعنى للحياة البشرية اليومية أيضًا. وتجعل الطقوس الرموز الدينية ملموسة في سياق اجتماعي وتؤسس المعنى الأدائي للدين.

فالدين، كما يرى غيرتز على خلفية هذا النهج، هو عنصر مركزي للثقافة. إنه لا يثبّت التمايز الثقافي للهوية والمعنى فقط، ولكنه عامل منتج في نسيج الثقافة في حد ذاته. يلعب الدين دورًا خاصًا في مراحل التطور الاجتماعي التي تفشل فيها الأنماط التفسيرية الأخرى. ويصبح عامل استقرار للناس. لذلك لا يفسر غيرتز الدين على أنه بُعد ثانوي أو حتى مشتق من البعد النفسي أو الاجتماعي بل باعتباره تجربة إنسانية أساسية. فله، على هذا النحو، وظيفة مهمة في العملية الحاسمة لتفسير الثقافة، ولهذا السبب، ليس أقله مع غيرتز، بدأ تحول ثقافي-علمي في الدراسات الدينية.

قدمنا هنا بعض المفاهيم البارزة لنظرية الدين من الكلاسيكية الجديدة التي تعتبر أساس الجدل الحالي حول الدين. بالطبع، يمكن أن يكون هذا مخططًا غير مكتمل، نظرًا لوجود العديد من الأساليب الأخرى التي لها أهمية تاريخية ومنهجية في الأبحاث الحديثة في علم اجتماع الدين أيضًا ؛ كما في طروحات رودولف أوتو[28] أوبيير بورديو[29] مثلا وغيرهم.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

..............................

[1] Luckmann, T. (1991). Invisible Religion. Collier Macmillan Ltd; 1971.89.

[2] مصدر نفسه، 96.

[3] مصدر نفسه

[4] Berger, P. L.Sacred Canopy: Elements of a Sociological Theory of Religion, Anchor Books, 1990.166 فما بعد

[5] Luckrnann 1991, 78.

[6] (Luckmann 1991, 87.

[7] بخصوص طروحات لوكمان أنظر:

Luckmann, T. (1996). Privatization and individualization. On the social reform of the

Religion in Spiit-Industrial Societies.

- Michael Stausberg (Editor), Steven Engler, The Oxford Handbook of the Study of Religion,OUP Oxford; Illustrated edition, 2018.

[8] مصدر نفسه، 20.

[9] http://docplayer.org/30070211-Die-verfluechtigung-der-religion-ins-religioese-thomas-luckmanns-unsichtbare-religion-knoblauch-hubert.html

[10] مصدر نفسه، 28.

[11] مصدر نفسه، 28.

[12] مصدر نفسه، 28.

https://books.google.co.uk/books?id=QRSgCwAAQBAJ&pg=PA24&lpg=PA24&dq=Knoblauch,+H.+(1991).+Die+Verfl%C3%BCchtigung+der+Religion+ins+Religi%C3%B6se.+Thomas+Luckmanns+Unsichtbare+Religion.+In:+Luckmann,+T.,+Die+unsichtbare+Religion.+Frankfurt/M.,+7-41.&source=bl&ots=RiVk04xXSp&sig=ACfU3U1Vh9SocHwdZPnabf2Le9rd3b3tLg&hl=en&sa=X&ved=2ahUKEwjy5_i6k6L1AhULO8AKHVFlAQwQ6AF6BAgDEAM

تم تبني نظرية لوكمان وتطويرها من قبل العديد من علماء الاجتماع الدين في السنوات الأخيرة، مثل هوبرت نوبلخ، الذي عدل أطروحات لوكمان في ضوء التمايز والتحول الحالي للأشكال الدينية. ف يؤكد على توسع الأديان لكن مع- إضعافها المؤسسي وتفككها الثقافي. تثبت الأشكال الجديدة للدين على ما يبدو أنها قادرة على تأكيد نفسها وأن مشكلة الهويات الملونة - اليوم تحت علامة ما بعد الحداثة- لم تفقد أيًا من أهميتها. يحلل نوبلخ في ضوء هذه الخلفية، الأشكال المتنوعة للدين الشعبي التي يتم تداولها اليوم في سياق تفكك الأديان التقليدية، وأساس هذه الأشكال الدينية الجديدة متمثلة في الثقافة الشعبية التي يتشابك فيها كلا الجانبين السوق ووسائل الإعلام التاثيربشكل متبادل. فيولد هذا المزيج أشكاله الخاصة من التدين. فاذن هذه الأشكال من الدين، التي تستند إلى مزيج من السوق والإعلام هي ما يطلق عليه الدين الشعبي. ولكن لا يعرف الدين الشعبي ببساطة بوصفه من التوافه. فهو يرتبط مضمونه بالموضوعات التقليدية للأديان التقليدية: مسألة الحياة الآخرة، ومشكلة الموت والحياة بعد الموت.

[13] Peter L. Berger and Thomas L. Luckmann.The Social Construction of Reality: A Treatise in the Sociology of Knowledge , New York: Doubleday, Anchor Books, 1966.

[14] مصدر نفسه

[15] Berger, P. L.Sacred Canopy: Elements of a Sociological Theory of Religion, Anchor Books,28.

[16] للمزيد من التفصيل حول نظرية بيرغر أنظر:

Berger, P. L. The DE secularization of the World: The Resurgence of Religion in World Politics: Resurgent Religion and World Politics, William B Eerdmans Publishing Co . 1999.

[17] أنظر:

Berger, P.L. (1994). Longing for meaning. Faith in a time of light-heartedness.43 .

[18] مصدر نفسه

[19] مصدر نفسه، 74.

[20] مصدر نفسه، 52.

[21] أنظر:

Berger, P.L. (1988). On the dialectic of religion and society. Elements of a Sociological Theory.

[22] أنظر: غيرتز، كليفورد، تأويل الثقافات، ترجمة محمد بدوي، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، .2009

الدراسات التجريبية التي أجراها غيرتز في مناطق مختلفة من العالم حول هذا الارتباط بين الدين والثقافة متعددة الأوجه بشكل خاص.

[23]Geertz, C. (1983). Dense description. Contribute to the understanding of cultural systems.21

[24] مصدر نفسه، 21

[25]مصدرنفسه، 43

[26]امصدر نفسه، 46

[27] مصدر نفسه، 48

[28] Rudolf Otto,The Idea of the Holy,Oxford University Press, U.S.A., 1958.

[29] Pierre Bourdieu ,Forms of Capital: General Sociology, Polity; 2021.

 

 

مجدي ابراهيمــ المنهج وتحديد المصطلحات:

إننا لا نجد هذا المنهج (الذي سبق الحديث عنه فيما سلف مدّعماً بأشراط) لا نجده  محققاً بصورة تدعو إلى التقدم المرجوُّ والمنشود فى دوائر الفلسفة الإسلامية بفروعها المختلفة بين فلاسفة ومتكلمين وصوفية؛ فإذا تجاوزنا جيل الأساتذة الكبار فلا نكاد نجد تطبيقاً لهذا المنهج بحال؛ فلا الرؤية واضحة، ولا التصور موجود، ولا القدرة منذ البداية على هضم التراث الإسلامي والوعي بعلاقاته المتشابكة وفروعه الفكرية المنوعة متاحة متوافرة لدى أجيال حاضرة تتدعي الانتماء للتفكير الإسلامي فضلاً عن البحث فيه .. ومن ها هنا ففاقدُ الشيء لا يعطيه.

ويتصل بالمنهج عموماً تحديد المصطلحات والألفاظ المستخدمة؛ ففي فروع الفلسفة الإسلامية ودوائرها قد تقابلنا بعض الألفاظ التي يشترك في تداولها الفلاسفة مع الصوفية مثلاً كلفظة "العلم" و"اليقين" و "الاتصال" و"العقل" و"الحدس" و"التنوير"، وما شاكل ذلك من ألفاظ ومصطلحات تتداول بين الفلاسفة والصوفية غير أنها تختلف في دلالتها على حسب اختلاف المنهج واختلاف المضمون الذي تحمله هذه الألفاظ والعبارات اختلافاً يجعلنا نعوّل في المقام الأول في دلالة كل لفظ وكل مصطلح على المنهج وعلى المضمون، مثلماً تختلف الأفكار الكبرى في الفكر الفلسفي على وجه العموم. لقد كان أفلاطون يقول بالتوحيد؛ وكذلك الصوفية يقولون فهل التوحيد عند الصوفية هو عينه التوحيد عند أفلاطون؟ بالطبع لا .. وإذن؛ فالمنهج الذي يحلل ويفتت الموضوع هو عينه يحدد لنا المصطلح الفلسفي ويبين دلالة كل لفظة فيما يكمن تحتها مما يحمّلها من معاني تختلف تماماً بين حقل وحقل، ودلالات الألفاظ في هذا الحقل المعرفي غير دلالات الألفاظ في حقل معرفي آخر. فاللفظ أو المصطلح الذي يقول به فيلسوف من الفلاسفة يختلف معناه ودلالته عن الفظ أو المصطلح الذي يأتي عند متصوف من المتصوفة.

اليقين البرهاني مثلاً عند الفلاسفة غير اليقين القلبي الإيماني عند المتصوفة. والتنوير عند ابن عطاء الله السكندري غير التنوير في الفلسفة العقلية وعند ابن رشد، والعلم عند الغزالي غير العلم عند ابن رشد، وقل مثل هذا في الحدس العقلي كما هو عند ديكارت، والحدس القلبي كما هو عند الغزالي.

وليس التشابه بين الألفاظ يدل من قريب على التشابه بين الأفكار ولا هو بالدليل المباشر على المنزع الواحد أو التأثير المشترك.

الأصل في تلك الفوارق مضمون قائم على منهج في البحث، أو منهج بحث معمول في مضمونه بلا انفصال، وهو الذي يعرفنا جذور كل فكرة ولفظة وعبارة لها مضامينها وأصولها.

من ذلك ترى؛ أنه يجب دراسة قضية التأثير والتأثر بين الثقافات لاتصالها المباشر بالمنهج أولاً. ولأنها ثانياً هى القضية التي لا يخلو بحث علمي جديُّ من الاهتمام بها وإبرازها على النحو الذي يبيّن لنا التشابه بين الأفكار وفقاً لما نراه صالحاً لنظرية المضمون.

ــ غيبة الإيمان بالمثل الأعلى:

وثمة نقطة أخرى يفتقر إليها البحث الفلسفي في حياتنا المعاصرة؛ فضلاً عن افتقارها في عموم الثقافة الإنسانية من حيث العطاء والفاعلية، ليأتي هذا الافتقار تجسيداً لحديث خارجي عن الأخلاق لا تفعيل له في بواطن الإنسان، مع أن "الخُلق" هو أساس القيم الفاعلية في حياة الإنسان بإطلاق؛ فإذا خلى البحث العلمي منه خلى من مفعول القيم : وهو "قلة الإيمان بالمثل الأعلى" في عالم الفكر وعالم التطبيق، إنْ لم يكن هو ضعف هذا الإيمان سواء لدى الباحثين أو لدى الشباب المتعلم. أو إنْ شئت قلت : عدم هذا الإيمان بالمثل الأعلى إيماناً يؤتي أكله كل حين؛ فلسنا نستطيع الفصل بين مناهج درسنا الفلسفي في الإسلام مثلاً بما تتضمنه من فلسفة وقيم وأخلاق وشرائع وعقائد وآداب، وبين المثل العليا التي يجب أن يتمسك بها الدراسون والباحثون سواء كانوا معلمين أو طلاباً للعلم. وبدون تفعيل القيم الخلقية يصبح العلم نفسه ضاراً بالإنسان.  

وإني لأرى أن البحث العلمي قوامه أخلاق؛ يوم أن نغرسها في نفوسنا وضمائرنا أولاً، نغرسها تباعاً في ضمائر الشبيبة ونفوسهم من طريق القدوة ويقين الإيمان بالمثل الأعلى.

ومن أخلاق البحث العلمي أن ندرك أن البحث لذة، وأن نفهم أن لذة البحث أصفى من كل صفاء وأرقى من كل لذة إذا أخلص لها الباحث وعرف كيف ينقب عن المخبؤ من نفائس العرفان. هنالك يعرف على الحقيقة أن في البحث لذة. ولذة البحث كشف الجديد على التحقيق سواء كان هذا الجديد في مجال العلوم الطبيعة أو في مجال العلوم النظرية والإنسانية .. هنالك نشوة في الكشف العلمي هى أعلى من كل لذة يجنيها الباحث الجاد في حياته الفكرية والعقلية والثقافية؛ لأنها اللذة التي تتوج عمله كله بأخصب القيم الروحية وأخلد منازع الحق والخير والجمال مجتمعة.

ومع وجود القيم الفاعلة لا يُرى في البحث مشقة؛ لأن لذته في تعبه، ومشقته روح تترقى إلى مجهول. ولذة التعب والمشقة هى أفضل اللذات جميعاً وأحلاها في حالات الصفاء وفي أوقات العناء. لا يُرى في البحث ما يتعب مادامت وراؤه قوة روحية مصدرها "الخلق". وفي البحث لذة، وبخاصة إذا ارتبطت هذه اللذة بما تحب وتشهد، وبما تعاني وتعرف، وبما تسطر من ذاتك وبدمائك على الأوراق من لطائف المعاني وخفايا الإشارات.

لا تجد لمثل هذه اللذة ما يناظرها، ولا تعرف لهذا اللون من العناء ما يماثله، ولا تشهد متعة البحث ولا نشوة الدرس ولا تذق حلاوة الصبر عليه إلا إذا مُتَّ في حقيقة خالدة سرمدية بذلت من أجلها كل غالٍ ورخيص. وفي البحث لذة .. ولذة البحث لا تضاهيها كنوز الدنيا ولو اجتمعت ولا تقارنها الأموال ولا الحطام البالية ولا اهتمامات الناس الباطلة؛ لأنها اللذة الباقية من بُقية خالدة. فإذا أردت أن تعرف قيمة هذه اللذة وأثرها على العقول والأرواح؛ فانظر إلى العلم وأهله والى الكتب ومؤلفيها، ترى كم أبتلى العلماء في محاربة الجهل وفي مقاومة البلاء الذي يسببه كل تخلف وحمق، وترى كم انقادوا وراء هاته النشوة العلوية، نشوة الروح الخالدة الباقية، انقياداً واعياً بقيمها العليا ومراقيها العارفة؛ لأنهم وعوا أسبابها من قبل كما وعوا نتائجها، وكأنهم أدركوا أنها هبة من طلاقة الروح وأصل من معدن الخلود. حقيقة في البحث لذة .. ولذة البحث أصفى من كل صفاء؛ لأنها اللذة التي تربي النفس والعقل والقلب والضمير على أصل ثابت من أصول البقاء.

قِوام البحث العلمي "أخلاق" تمثلها الأمانة العلميّة. والأمانة العلمية بمفهومها الاصطلاحي الدقيق تطبيق المنهجية العلمية على النصوص والمشكلات الفلسفية، ثم تشكيل الرؤية الخاصة بالباحث إزاء هذه المشكلة أو تلك. وفقدانها يعني السطو على أعمال الآخرين وسرقة أفكارهم وآرائهم ونسبتها إلى نفس السارق أو عين الناقل، وكأنه هو الذي قالها، بغير وعي ولا استبصار ولا منهج ولا رؤية، وإنما مجرد هجوم كاسح مدمر للقيم وللأخلاق. وما أكثر السرقات العلمية في حياتنا الثقافة وبحوثنا الجامعية والأكاديمية. ثم إن الأمانة العلمية تعني بمفهومها الواسع ذلك "الخلق"، يجسده الباحث في القول أو الفعل : خُلق يترقى من المحدود والمحسوس إلى الأفق الأعلى : أفق الأرواح والعقول.

كان الفيلسوف الأمريكي "جوسيا رويس Josiah Royse " (1855- 1916م) لا يتجاوز في مذهبه البحث في ما وراء الطبيعة، ويكاد يستوى وحده في أمريكا الشمالية على مدرسة الفلسفة التي تبحث فيما وراء الطبيعة؛ وهو مؤلف كتاب "الجانب الديني للفلسفة" في عام 1885م، بل كاد في هذه المباحث أن ينحي مذهب "وليم جيمس" (1842- 1910) توفى قبله ببضع سنوات؛ لأن "وليم جيمس" قد اكتفى بفلسفة النتائج أو الذرائع (أو البرجماتية) ولم يوغل في مباحث ما وراء الطبيعة.

فالفضيلة العليا في مذهب "رويس" هى توسيع الحياة الإنسانية حتى تخرج من أفقها المحدود إلى أفق "اللانهائية" الإلهية.

وعلاقة الالتقاء بين الأفق الإنساني المحدود والأفق الإلهي السرمدي هو "الخلق" الذي يجاوز المنافع الفانية. فما الإنسان في حياته الخاصّة إلا شذرة من الحياة الأبدية المطلقة؛ تظل مُغلقة إذا غلقت عن مصدرها، وتثوب إلى ذلك المصدر كلما تنبّهت إلى مبادئها وغايتها. وليست الحياة الإنسانية الخاصة مفهومة على حدة ما لم تنزل في منزلتها من الحياة الأبدية المطلقة؛ فهى كالنغمة الموسيقية التي لا معنى لها مع انفرادها، والتي تترجم عن الأبد كله عند تنسيقها مع سائر النغمات" (يراجع : عباس العقاد : عقائد المفكرين في القرن العشرين : ص 128).

والذي نود التأكيد عليه في هذه النقطة هو بالفعل : أن علامة الالتقاء بين الأفق الإنساني المحدود والأفق الإلهي السرمدي هو "الخلق"، فلولا الخلق ما كانت العظمة الإنسانية، وما صح لها من طريق الأخلاق وجود. ولنا أن نشير في القادم إلى حقيقة المثل الأعلى في الإسلام؛ لنتوقف عند النبراس المضيء فيها وقفات هامة ذات صلة جوهرية محققة بموضوعنا لا تخلو من تقدير وتفعيل.

 

(وللحديث بقيّة)

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

عبد الجبار الرفاعيالإنسانُ ليس حيوانًا ناطقًا كما يُنقَل عن المعلِّم الأول أرسطو، والذي يريد به حيوانًا عاقلًا. هذا التعريف اختزل معرفةَ الإنسان وفهمه وأحكامه في العقل، بالمعنى القديم الذي ترسّخ للعقل في الفلسفة اليونانية، على الرغم من أن كثيرًا من سلوك الإنسان ومواقفه وكلماته لا تخضع للعقل بشكل ميكانيكي، لأنها مثلما تصدر عن العقل تصدر أيضًا عن الأحكام الذهنية المسبقة والمصلحة والعاطفة واللاوعي والمتخيل. "كاتب هذه السطور أمضى سنوات عديدة من حياته في تدريس المنطق الأرسطي، حتى كاد يحفظه عن ظهر قلب، بعد أن انشغل بتدريسه 12 مرة متوالية".

تعريفُ الإنسانِ بـ "الحيوان الناطق" يختزلُ الإنسانَ ببُعدٍ واحد هو العقل بالمعنى الموروث للعقل عن أرسطو، وقد تحوّل ذلك المعنى إلى منبع لفهم شخصية الإنسان، واكتشاف طبيعته، وتفسير سلوكه، والحكم على مواقفه، وتفسير الأقوال والأفعال والأحكام والتعبيرات المتنوعة الصادرة عنه. ولبث هذا التعريفُ محورًا أساسيًا تشتق منه العلوم والمعارف والنظريات والتفسيرات لفهم الإنسان وكيفية عمل ذهنه وقرارته ومواقفه وسلوكه، ومازال هذا التعريف للإنسان تصدر عنه وتتخذه مرجعيةً علومُ الدين ومعارفه، وتتعاطى معه بوصفه أحد البداهات غير الخاضعة للمسائلة والتشكيك وإعادة النظر، وكأنه حقيقة أبدية.

في ضوء هذا التعريف تشكّل علمُ الكلام الإسلامي، ومنه انبثقت رؤيتُه لله والإنسان والعالَم، وفي إطاره تمّ إنتاجُ مختلف علوم الدين ومعارفه، وفي سياق رؤيته تحدث التفكيرُ الديني، ولبثت مدارسُ ومعاهد التعليم الديني أسيرةَ الفهم المشتقّ من تعريف أرسطو للإنسان. لم تتقدّم العلومُ وينضج العقلُ ويتكامل في العصر الحديث إلا بعد أن تفلتت المعرفةُ البشرية وخرجت على التفسير اليوناني القديم للعقل، وغادرت تعريفَ أرسطو للإنسان وطرق استدلاله، واكتشفت طرائقَ تفكير لا تستنسخ ذلك الفهم للإنسان، وتتمرد على أشكال القياس والاستدلال الموروثة في منطقه. أبصر العقلُ النورَ بعد أن خرج من كهوف أرسطو وأتباعه من الفلاسفة واللاهوتيين، ومارس الفهمُ والتفكير والاستدلال حريتَه خارج الفضاء المسدود الذي لبث فيه قرونًا طويلة.

المنطقُ الصوري ويقينياتُ أرسطو ومقولاتُ الفلاسفة اليونان هي الأساس الذي ابتنت عليه علومُ الدين ومعارفه في الإسلام. لم يتشكل العقلُ الحديث إلا بعد أن قوّضت الفلسفةُ الحديثة المنطقَ الصوري وفكّكت يقينياتِ أرسطو وفضحت عدم بداهتها، وأعادت غربلة وتمحيص ما ورثته من تراث اليونان، وتجاوزت مقولاتِ الفلاسفة القدماء عن الإنسان.     هكذا ولد العقل الحديث وتكرّس، بعد أن أضاءت الفلسفةُ وعلمُ النفس والعلوم الإنسانية ومختلف العلوم والمعارف الحديثة طبيعةَ الإنسان وعرّفته في ضوء المعطيات الجديدة.

3188 الانسانكان فرنسيس بيكون "1561 – 1626" أكثر فلاسفة العصر الحديث شجاعة عقلية، هو الرائد في تحطيم هالة أرسطو وزعزعة أسس منطقه وقوالب التفكير والاستدلال المعروفة عنه. لا يكتمُ بيكون غضبه ضدَ أرسطو: "إنني غاضب على أرسطو؛ لأنه ربى إمبراطورين اثنين! أما الأول فقد تمدّد على الجغرافيا وهيمن على ما فيها من دول وشعوب! وأما الثاني فقد تمدّد على العقول وهيمن على ما فيها من اختلاجات وأفكار. وأقصد بهذين الإمبراطورين المستبدين: الإسكندر المقدوني، والمنطق الصوري... فإن هذا المنطق الأرسطي سيسيطر على العقول طيلة أزيد من ألفي عام"، "ضد أرسطو1-2، جريدة الخليج 8 أغسطس 2008". وأعاد رينيه ديكارت "1596 – 1650" النظر في يقينيات أرسطو والفلسفة اليونانية الراسخة، وانطلق لبناء تفكيره الفلسفي من "الكوجيتو"، الذي يوجزه في عبارته الشهيرة: "أنا أفكر إذًا أنا موجود"، وكان ديكارت أبرز ناطق باسم عقلانية القرن السابع عشر الميلادي. وجاء ديفيد هيوم "1711 – 1776" بفهم مختلف لكيفية عمل الذهن يخرج على تلك اليقينيات، ويقدم تفسيرًا لطبيعة الإدراك ومصادر المعرفة يبتعد كثيرًا عن تفسير أرسطو وأتباعه، شرحه في كتاب "مبحث في الفاهمة البشرية".

توالت التقويضات الفلسفية ليقينيات أرسطو وتفسيره للمعرفة البشرية وفهمه للإنسان، فقدّم إيمانويل كانط "1724 - 1804" تحليلًا جديدًا لتشكِّل المعرفة البشرية وكيفية الإدراك والفهم، وكانت فلسفتُه النقدية من أعمق تجليات عصر الأنوار، ومازال كتابُه الكنز "نقد العقل المحض" من أعمق الأعمال الرائدة في نقد وتقويض التفسير المتوارث للمعرفة بتمييزه الدقيق بين: الشيء كما يظهر لنا Phenomenon والشيء في حدِّ ذاته Noumenon. وصار هذا التمييز بين: "الشيء في حدِّ ذاته" و"الشيء كما يظهر لنا" منبعًا لإلهام أكثر الفلاسفة الذين جاؤا بعد إيمانويل كانط، إذ اتخذه كلُّ واحد منهم أُفقًا للكشف عن كيفيةِ حدوث المعرفة وعملِ الذهن، وما يمكن أن يترتبَ على ذلك من نتائج وآثار.

وأضاءت اكتشافاتُ علم النفس الحديث وشروحه المعمقة لأثر اللاوعي الفردي والجمعي آفاقًا جديدة في فهم عقل الإنسان، وتفسير توالد معرفته، ودوافع قراراته وأحكامه ومواقفه وسلوكه، وهكذا أحدثت مكاسبُ علم الاجتماع والانثربولوجيا والهرمنيوطيقا الفلسفية ومختلف العلوم الإنسانية والمعطيات الجديدة لعلم الأعصاب وغيره رؤيةً مفارِقة لما ورثناه عن المعلِّم الأول والفلاسفة اليونان وأتباعهم.

في سياق هذه المعطيات يمكن أن نُعرِّفَ الإنسانَ بأنه كائنٌ عاقلٌ، عاطفيٌ، أخلاقيٌ، دينيٌ، جماليٌ، اجتماعيٌ، تاريخيٌ. الإنسانُ كائنٌ متفرّدٌ، يتميز عن غيره من الكائنات في الأرض بـ: العقل، واللغة، والعواطف، والمخيّلة، وتذوق الفن والاستمتاع بالجمال، ووعي الموت، والشعور بالزمان، والحاجة للأخلاق، والدين، وإنتاج الميثولوجيا، والرموز.

الإنسانُ كائنٌ غريب، تتوحدُ في كيانه: متطلباتُ جسدٍ لكلِّ ما يُشبعُ حاجاته المادية، ومتطلباتُ عقلٍ لكلِّ ما ينشده من بهجة المعرفة، وشغفٍ باكتشاف ما حوله من ألغاز عالمٍ مُجسَّدٍ لا يكفّ عن الامتدادِ والاتساع، وعالمٍ مجرّدٍ تظلّ الأسئلةُ حيال أسراره مفتوحةً على الدوام، ومتطلباتُ نفسٍ لكلّ ما تبوح به وتضمره من عواطف ومشاعر وأحاسيس وقلق، ومتطلباتُ روحٍ لكلّ ما تبوح به وتضمره من ظمأ أنطولوجي وأشواقٍ توَّاقةٍ لصلةٍ وجوديةٍ بالمطلق، لذلك تنوّعت، تبعًا لتنوّع تلك المتطلبات، العلومُ والمعارفُ والآداب والفنون بجوار الأديان والفلسفات.

كلُّ إنسان واحدٌ في الوقت الذي هو فيه متعدّد، ومتعدّدٌ في الوقت الذي هو فيه واحد. الإنسانُ هو الكائنُ الأكثر غموضًا والأعقدُ والأغربُ، والأشدُّ ألماً في هذا العالَم. كلما اكتشف الإنسانُ سرًا، وحلَّ لغزًا في طبيعته، وظنّ بأنه أدرك حقيقةَ الإنسان بتمامها، رأى سرًا خفيًا لم يكن يعرفه من قبل، فيعود ليعلن عن جهله بالمعرفة الكاملة لحقيقة الإنسان. ذاتُ الإنسانِ لغزٌ للإنسانِ نفسِه، قبل أن تكون لغزًا لغيره. هذا الكائنُ غامضٌ بطبيعته، مركبٌ، طبقاتُه متعدّدة متنوعة ومتضادّة، قلّما يتصف سلوكُه بالتناغم والانسجام الكامل، وقلما ينجو سلوكُه ويتوازن فيكون في مأمن من العثرات المباغتة، وتخلو أفعالُه من المواقف المتناشزة. يكتب دوستويفسكي: "إن الإنسانَ سرٌّ بالنسبة لي، وهذا السرُّ ينبغي أن يُفسَّر، أن يُشرَح، وسوف أمضي حياتي كلَّها في البحث عن هذا السرّ: من أين جاء الإنسان، ومن هو الإنسان، والى أين المصير؟ ولماذا يعتدي الإنسان على أخيه الإنسان؟ ولماذا يكون طيبًا؟".

الطبيعةُ الإنسانيَّةُ ملتقى الأضداد. عقلُ الإنسان يفكّرُ في الخيرِ مثلما يفكّرُ في الشرِ، وينشغلُ الإنسان بتدبير السلامِ مثلما ينشغلُ بتدبير الحربِ، وينفق جهودَه وحياتَه من أجل تأمين متطلبات العيش والحياة الكريمة مثلما ينفق جهودَه وحياتَه من أجل إنتاج أسلحة القتل وأدوات التدمير الشامل، ومثلما يبرعُ في ابتكار وسائل السعادة يبرعُ في ابتكار وسائل الشقاء. وإلّا فمن أين يأتي كلُّ هذا الكيد والمكر والغدر واللؤم والخيانة، وكلّ هذه الكراهية والتعصب والعدوان والحروب وسفك الدماء، وكلّ هذا الخراب، وكلّ هذا القبح والظلام الذي يعبثُ بالحياة. وإن كان العقلُ يحاولُ ألا يفضحَ نفسَه، لذلك لا يعلن عمّا يصدرُ عنه من طاقة تدميرية. وكثيرًا ما يتحدّث ويعدُ بما هو بنّاء وإيجابي، ويتجاهلُ ويهملُ ما هو هدّام وسلبي.

حجمُ الألمِ في حياة الإنسان أكبرُ من الراحةِ، والشرُّ أكبرُ من الخيرِ. رحلةُ الحياةِ من الولادةِ حتى الوفاة ينهشها كثيرٌ من الألمِ. الولادةُ ألمٌ، تربيةُ وترويضُ طبيعته الإنسانية ألمٌ، المرضُ ألمٌ، قلقُ الموتِ ألمٌ، الصراعُ مع الآخرين ألمٌ، تسخيرُ الطبيعةِ واستثمارها ألمٌ،كدحُ العيشِ ألمٌ. مع كلِّ حاجةٍ تولدُ بذرةُ ألمٍ. من الشغفِ بتعدّدِ الاحتياجات، والولعِ بتنوّع المتطلبات، والتهافتِ على الامتلاكِ والاستهلاكِ، يتناسلُ ويتوالدُ ويتفاقمُ الألمُ.

 

د. عبد الجبار الرفاعي

 

 

علي رسول الربيعيأصبحت الفلسفة منخرطة بشكل متزايد في الخطاب في الاهتمام الجديد بالدين وما يرتبط به من تحول في نموذج العلمنة في العقود القليلة الماضية. إن هذا الجدل حول العلمنة ونهايتها المحتملة أو تحولها وإعادة تعريف المجال السياسي في علاقته بالدين هو نقطة ارتكاز الجدل الفلسفي الحالي حول الدين. غالبًا ما تكون نقطة البداية لذلك هي الفلسفة السياسية حيث يجري تحليل الوظيفة الاجتماعية للدين ومناقشتها بشكل نقدي. وقد تطورت وجهات نظر مختلفة حول الدين وأهميته الاجتماعية في الخطاب الفلسفي.

يلاحظ جياني فاتيمو أنه من المفارقات أن مسألة الدين أصبحت شائعة للغاية بالنسبة للفلاسفة (السياسيين) اليوم. "يتحدث الفلاسفة (القاريون) بشكل متزايد، ودون تقديم تبرير واضح، عن الملائكة والفداء والشخصيات الأسطورية المختلفة".[1] إن  المشكلة- وأتفق هنا مع فاتيمو – هي أن  الخطاب حول عودة الدين لا يساهم في التوضيح التحليلي للظاهرة دائمًا. وهناك استعمال لمفهوم الدين بطريقة مضخمة، فلا يمكن أن نقول نهاية  الدين أو عودته  بهذه الطريقة. وهذا بالتحديد مؤشر على الحاجة إلى توضيح الظاهرة وآثارها المعرفية والأخلاقية الفلسفية.

هناك مفكرون- ينتمون إلى تقاليد فلسفية مختلفة - يطالبون بنموذج قوي للعلمنة، إما للحد من إمكانات عنف الدين أو للحفاظ على الحياد الأيديولوجي للدولة الديمقراطية. ينتمي أسمان في  نظريته حول الدين والتاريخ الثقافي الى هؤلاء.[2] ويتابعه سلوترداياك من خلال تأملاته حول صراع  الأديان التوحيدية الثلاثة، واحتمالات العنف فيها، فيجادل بأن السيادة الدينية تميل دائمًا  نحو الاستبداد وبالتالي نحو العنف، وهذا سبب الشكوك في مصداقية أو اهمية فرضية حقبة ما بعد العلمانية لها ما يبررها. [3]

فسيكون من المغالطة أن نفهم حديث المجتمع ما بعد العلماني وكأنه يختار التنوير، أو يختار مصطلحًا محايدًا. وكأن ثقافة العقلانية بمفهومها التراكمي الذي تبلور عبر الأجيال في أوروبا منذ عمليات التعلم في القرن السابع عشر هو مجرد وقت ينتهي في الوقت الحاضر.[4]

يجادل ريتشارد رورتي بشأن تفسير الدين في اتجاه مماثل على خلفية الليبرالية السياسية.[5] فيرى أن الدين يؤدي الى اغلاق للنقاش الذي يمكن أن يعيق العمليات الديمقراطية لتشكيل الإراد بشكل خطير، ولهذا السبب يجب إبعاده الى  المجال الخاص. يتبنى مايكل فالزر، من ناحية أخرى، هذا النقد الليبرالي للدور الاجتماعي للدين.  فيؤكد، من وجهة نظر جماعاتية، على التعددية الثقافية كشرط ضروري للمجتمعات الحديثة، حيث يتم التركيز على الأديان كعوامل ثقافية.

وهناك هابرماس الذي يمثل شخصية محورية في الخطاب الفلسفي الحالي حول الدين، فقد راجع الخطاب حول مجتمع ما بعد العلماني لزيادة الانفتاح على الدين في المقاربات الليبرالية والتداولية. اذ يمكن أن يكون المواطنون العلمانيون والمتدينون في عملية تعلم متبادل حيث مازال يبدو المعتقد الديني للمعرفة العلمانية مبهمًا.وعموما موقف هابرماس معروف وشائع ولا اريد التفصيل به هنا.

يأتي جياني فاتيمو حيث تتكرر مسألة الدين في العديد من أعماله وكذلك جاك دريدا[6] من تيارات فلسفية أخرى تنظر لدور الدين من مقاربات تأويلية وتفكيكية. يفسر الأول الدين في وضعه اليوم  نتيجة لظهور التفكير غير المتصلب في ما بعد الحداثة أزاء العلمنة،[7] ويفكك دريدا الحديث عن عودة الدين باعتباره خطابًا غربيًا عميقًا. ويرى أنه غالبا ما لايتم توضيح  التناقضات والغموض في الدين في تحديد العلاقة بين الإيمان والمعرفة بشكل كافٍ. وإن الدين مرتبط بالعبارات تدعي الموضوعية لكنها تتجاهل غموض اللغة. [8] ويمكن العثور على هذا الديالكتيك السلبي في المفاهيم ذات التوجه الاجتماعي للدين عند نيكلاس لومان أيضًا ،حيث غالبًا ما يُستخدم في الخطاب الفلسفي الحالي كنقطة مرجعية أيضًا.[9]

وهناك العديد من مساهمات الخطاب الفلسفي الأخرى التي تم صوغها على خلفية التقاليد المختلفة. فتجرى النقاشات في الفلسفة التحليلية،على سبيل المثال، حول الأسئلة الفرعية للدين (مثل براهين الله أو خلود الروح) بوصفها تساهم في توضيح فلسفي لفهم الدين. كما تنضم التخصصات اللاهوتية إلى الخطاب الفلسفي حول الدين وتقدم الحجج من تقاليدها. أخيرًا وليس آخرًا، يتم حاليًا صياغة بعض المقاربات التي تقع بين النظرية الاجتماعية للدين والفلسفة السياسية والتي لها تأثير مهم على مناقشة العلمنة. يقوم الفلاسفة مثل هابرماس وفاتيمو أحيانًا بدمج الحجج من هذه المناهج بشكل صريح في اعتباراتهم.

لا تمثل المقاربات أو المناهج التي طوروها بعض الفلاسفة البارزين  في الخطاب الفلسفي حول الدين سوى جزء من المناقشة الفلسفية واسعة النطاق. يتضح من هذا أن الدين لم يعد موضوعًا هامشيًا للفلسفة، فيتم التعامل معه بشكل مكثف من قبل فلاسفة وتقاليد فلسفية مختلفة. تتضمن الأسئلة الأساسية لهذا الخطاب، أولاً، ما هو الدور الذي يجب السماح للدين أن يلعبه في المجتمعات والديمقراطيات الحديثة. وثانيًا، كيف يمكن فهم الدين بشكل مناسب في ضوء الوقائع و العمليات المتعددة الأوجه في العصر الحديث. ثالثًا، يصبح الانشغال بالدين سؤالًا عن كيفية التعامل مع التعددية في السياقات العلمانية بشكل عام، والتي يتم من خلالها إعادة االتفكير في أسس الديمقراطية واستكشافها. تكمن، في تحليل الجوانب الثلاثة المذكورة إمكانية مساهمة الفلسفة في تأسيس واستمرار الخطاب الحالي حول الدين.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.................................

[1] Vattimo, G. (2003b). After Onto-theology. Philosophy between Science and Religion. ln: Wrathall, M. A. (Hrsg.), Religion after metaphysics. Cambridge, 29-36.30.

[2] Assmann, J.Moses the Egyptian: The Memory of Egypt in Western,‎ Harvard University Press; Cloth/dust jacket Octavo edition ,1997.

[3] أنظر:

Sloterdijk, P,.Infinite Mobilization, Polity;  2020.

Sloterdijk, P, After God, , Polity;  2020.

[4] Sloterdijk, P,.Infinite Mobilization, Polity;  2020.92.

[5] Rorty,Religious Faith, Intellectual Responsibility and Romance.,1994. https://www.jstor.org/stable/27943984

Rorty,  Religion in the Public Square,2003  https://www.jstor.org/stable/40018207,

[6] https://philpapers.org/rec/DERFAK

[7] Vattimo, G.,Belief,Polity,1999.

Vattimo, G.,After the Death of God, Columbia University Press,2009.

[8] https://www.sup.org/books/title/?id=808

[9] Luhmann, N, Religious Dogmatics and the Evolution of Societies, Edwin Mellen Press Ltd, 1984.

 

 

علي رسول الربيعيأبتداءً أريد أن اسجل دعوتي الى تشكيل: "المؤسسة الوطنية العليًا للأخلاق".. الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

نشر فريدريك شلايرماخر عام 1799 كتيبًا بعنوان:" حول الدين، خطابات الى محتقريه من المثقفين"[1] في وقت يصوصف بأنه مرحلة اضطرابات في تاريخ أوروبا سواء من حيث النظام السياسي أو البُنى الاجتماعية أو الدين.[2] وكان ينصب التركيز على الحرية والتسامح وكذلك الإيمان القوي بالتقدم بالنسبة للبرجوازية  التي  بلغت ذروتها السياسية مع الثورة الفرنسية. تأثر الدين بظروف تلك المرحلة وكان هناك جدل نظري ساخن حول الدور الذي يمكن أن يلعبه أوما يجب في المجتمعات الحديثة.

يتطلب قراءة كتابات شلايرماخر على خلفية هذه المناقشات. فقد كان يكتب ضد النخب التي يصفها بالمستنيرة لأًنها تستعمل مصطلحًا مختزلًا للدين أو تريد منع الدين تمامًا من الحياة الاجتماعية. فيطرح فهمًا جديدا للدين لا يُختصره في جوانب فردية (الميتافيزيقيا أو الأخلاق). يعتبر الدين تجربة إنسانية أساس وليس شيئًا لاعقلاني. أيً أن الدين ينتمي إلى المستوى الجوهري للانسان وعالم خبرته، وبالتالي المطلوب أن يولى الاعتبار الواجب في كل من النظرية والتطبيق. لا تقتصر ميزة شلايرماخر على ما تعتبر كتابة بوصفها عملأ مؤثرًا فلسفيًا ولاهوتيًا بل كان له تأثير دائم فيما يخص الدين في العالم الاجتماعي والثقافي وكذلك في المجال السياسي العام  في القرن التاسع عشر.

يتشابه النقاش الدائر حول العلمنة  في الفكر الفلسفي االمعاصر في العقود الأربعة الماضية في بعض النواحي مع النقاش حول الدين في فترة الاضطرابات في أوائل القرن التاسع عشر. جوهر هذه المناقشة هو ما إذا كان سيفقد الدين، مع تقدم التحديث والفردية والديمقراطية، أهميته، فرديًا واجتماعيًا، أو حتى سينقرض. لكن  كان هناك انتقادات لنموذج العلمنة "المبالغ فيه" من جهات فكرية مختلفة في السنوات العشرين الماضية الماضية أيضًا. اعترض علماء اجتماع الدين على الراي القائل: ربما فقدت الأديان أهميتها في بعض مناطق العالم، اذ ماتزال تلعب دورًا مهمًا على مستويات مختلفة وبأشكال متنوعة، ليس في المجتمعات التقليدية فقط، ولكن في جميع أنحاء العالم. فما يزال الدين فاعلًا وموضوعًا اجتماعيًا مهمًا. لقد أصبح يُنظر إلى الدين بشكل متزايد على أنه ظاهرة عالمية على الأقل منذ 11 سبتمبر. ومع ذلك، فإن السؤال عن كيفية تفسير الدين هو محل خلاف شديد اليوم كما كان في زمن شلايرماخر. ما يزال هناك جانبان يلعبان دورًا مهمًا: كيف يمكن فهم الدين بشكل صحيح دون تفسيره بطريقة اختزالية؟ وما هو الدور الذي يلعبه في المجتمع اليوم؟

إذا أراد المرء أن ينصف ظاهرة هذا الإدراك الجديد للدين التي يشار إليها أيضًا باسم نهضة الدين أو الديني، يتطلب أولاً مراعاة ظروف التحول الاجتماعي والسياسي للحداثة التي تعتبر الخلفية لهذا التطور. فقد جلبت السمات المركزية للحداثة، وهي الإطار الذي تجري فيه الخطابات حول الدين، تغييرات عميقة وعديدة للمجتمعات والأديان. إن التمايز الوظيفي والتفرد والتعددية كلها سمات بنيوية للمجتمعات الحديثة، تم من خلالها كسر السلطة الوحيدة لتفسير الدين. وبدأ يعتمد لناس في المجتمعات الديمقراطية بشكل أقل فأقل على الدين باعتباره التفسير الوحيد لحياتهم أو تطوراتهم الاجتماعية.

نقطة البداية السياسية للحداثة فيما يتعلق بالدين هي فصل الدين عن الدولة  كما في المجتمعات الغربية، وفي أجزاء أخرى كثيرة من العالم أيضًا.[3] سادت فكرة المجتمع السياسي، منذ الثورة الفرنسية، حيث يتم تصور الدولة كسلطة محايدة تحمي مصالح جميع المواطنين بغض النظر عن رؤيتهم للعالم.[4] وتم التأكيد، في الوقت نفسه، على الحق في الحرية الدينية التي تضمن لجميع المواطنين حرية ممارسة شعائرهم الدينية. أصبح الحياد الأيديولوجي الديني للدولة والاختيار الفردي لرؤية العالم وجهين للحرية الدينية كحق أساس ومركزي للديمقراطيات الحديثة. إن الحرية الدينية الإيجابية والسلبية في اعتمادهما المتبادل، هي أساس المجتمع العلماني، حيث يخفف الدين من جهة ارتباطه الوثيق بالدولة، ولكن يُعطي، من جهة أخرى، مجالًا للتنمية الاجتماعية. وعليه لم تمنح عملية العلمنة الحرية في السياسة مكسبًا فحسب بل للدين أيضًا.

تتميز الحداثة العلمانية بنظر يرى فقدان المعنى في المؤسسة الدينية. ويُسيًر الموقف النقدي تجاه المؤسسات الدينية في المجتمعات العلمانية عمليات العلمنة هذه جنبًا إلى جنب مع تراجع المعتقدات التقليدية وخصخصة الدين. "يحكم الجمع بين الدين والخصوصية والعلاقة الحميمة اليوم على كل من الأسلوب الفردي للتقوى والنهج الاجتماعي للدين: فتكون القناعات مع الذات الفردية أو على الأقل مع الأقرب منها فقط" .[5]

أصبحت الأسئلة الدينية أسئلة للفرد بشكل متزايد، وبالتالي جزء من المجال الخاص، ولهذا يتحدث البحث الاجتماعي الديني عن خصخصة الدين.

تكشف هذه العمليات المختلفة مجتمعة عن ثلاثة أبعاد للعلمنة في سياق الحداثة: انفصال الدين عن الدولة، بما في ذلك تعزيز الحرية الدينية الإيجابية والسلبية، وتراجع المعتقدات الدينية التقليدية (بما في ذلك أهمية مؤسساتها) وخصخصة الدين.[6] عادة ما ترتبط خصخصة الدين ارتباطًا وثيقًا بالفصل المؤسسي بين الدولة والدين، وبالتالي مع نموذج الليبرالية السياسية الذي أصبح أساس الدولة الدستورية الديمقراطية. تعني الليبرالية والعلمنة الفصل المنهجي بين الخاص والعام، المتأصل بعمق في هذا النموذج، و"حصر الدين في مجال الخصوصية بوصفه أحد السمات البنيوية التي تحدد الحداثة على هذا النحو".[7] فيصبح الدين شأنًا خاصًا للمواطنين في النهاية، وبالتالي يتم إبعاده عن أعين الجمهور العمومي.

الدين في سياق العلمنة

لاينقرض الدين من وجهة نظر علم الاجتماع، ولم تؤد سمات الحداثة إلى نهايته، انه يتعامل ويعالج عمليات الحداثة بأشكال مختلفة ويغير أشكال التعبير الاجتماعية والثقافية في هذا السياق.[8] يتعلق هذا التحول للدين في سياق الحداثة العلمانية بحيويته السياسية (أ)، وتمايزه (المؤسسي) (ب)، وتكاثر الأديان (ج) وتطرفه في بعض الأحيان (د).

( أ) تتدخل الجماعات الدينية اليوم فيما يخص الأسئلة السياسية وتشارك في المناقشات العامة. فتظهر العديد من الجماعات الدينية، سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو بوذية أو هندوسية، في جميع أنحاء العالم كجهات فاعلة في المجتمع وتتدخل في مناقشات الشأن العام. لا تتخذ الأديان موقفًا من المناقشات السياسية أو الأخلاقية فحسب، بل تضع أحكامها الدينية على أجندة الخطابات العامة أيضًا. فعلى سبيل المثال، يتدخل الاسلاميون في الساحة السياسية في الدول ذات الأغلبية من المسلمين ويدعون الى تطبيق " الشريعة"  طبقًا لفهمهم لها، وتشارك المسيحية في لجان أخلاقيات علم الأحياء في العديد من الدول الغربية، وفي القضايا الاجتماعية الملحة؛ فتطرح وجهات نظرها في في القضايا الأخلاقية المثيرة للخلاف والجدل.

وهنا أريد أن اسجل دعوتي الى تشكيل:" المؤسسة الوطنية العليًا للأخلاق" في الدول العربية لمناقشة المشكلات الأخلاقية والتربوية في المجتمع يشارك فيها مختصين من العلوم ذات الصلة وحتى  من رجال الدين ايضا.

لا تزال المعتقدات والممارسات والجماعات الدينية متشابكة مع  السياقات الاجتماعية بطرق عديدة حيث تشارك في الساحات والخطابات العامة.[9] ويصدق هذا بشكل أكبر على المستوى العالمي، لأسباب ليس أقلها أن المجتمعات الدينية "جنبًا إلى جنب مع الشركات متعددة الجنسيات ووسائل الإعلام ذات الانتشار العالمي هي من بين المحركات الأولى لعملية تسمى العولمة.[10]

(ب): تتمايز المجتمعات الحديثة في سمات عديدة عن المجتمعات التي يكون فيها  للجماعات الدينية حضور كبير أو تلك الجماعات تمارس نوع من السلطة الدينية. طبعًا ليست هذه العملية جديدة في تاريخ الأديان، ولا سيما الديانات العالمية، فلها تاريخ من الانقسام والتمايز. فقد ارتبطت الأديان، في هذه العمليات، بالتقاليد الثقافية دائمًا، حيث تظهرت أشكال مختلفة جديدة دائمًا. استمرت عملية التمايز والتعددية الثقافية هذه واشتدت على مدى العقود القليلة الماضية.

(ج): يمكن ملاحظة تحول متعدد الأوجه للدين في سياق هذه التغييرات بين الجماعات الدينية ومؤسساتها. فتظهر متغيرات جديدة من التدين في المجال الديني المتحول في سياق العلمنة. وأن عمليات التحول هذه لها تاريخ طويل ثقافيًا وسياسيًا. لقد تُرجمت الأفكار والمعاني الدينية إلى خطابات ومؤسسات ورموز سياسية عامة ودمجت فيها لقرون عديدة، ويمكن ملاحظة ذلك بشكل ملموس في تكوين الأمم على سبيل المثال. تُزين الدلالات الدينية التقليدية والطقوس الدينية من أجل أن  تكون  قادرة على توجيه الطاقات العاطفية العالية التي يستثمرها المتدينون في إيمانهم تجاه الأمة. والأمة هنا لها لغة رمزية دينية يتم تعليمها من أجل أن تكون قادرة على توليد مجتمع ملزم عاطفياً. غالبًا ما يصيب الجماعات الدينية التقليدية التحلل لكن لا يترافق هذا مع اختفاء المتدينين. يعتبر الدين مهمًا في مواقف الحياة المختلفة ويتم تكييفه بشكل فردي، فيحصل تكاثر متعدد الأوجه للدين.

( د) تجلب الجماعات الدينية، في نهاية المطاف، بصفتها جهات فاعلة اجتماعية، مشكلات اجتماعية، لا سيما عندما تقوم التيارات الأصولية الدينية بمعاملة أحكامها وتعبيراتها الدينية كمطلقات وتحاول فرضها بالقوة، وبالعنف أحيانًا. يرتبط التمايز القوي للمجال الديني بـإعادة تسييس الدين ليظهر بثقة أكبر في المجال العام، وأحيانًا في هجوم أصولي على الفصل بين الدولة والدين وما يرتبط به من زيادة في التيارات غير المتسامحة والعنيفة.[11] إن النهضة الحالية للدين لها "وجه يانوس"، فهي تمثل في أحد أوجهها عودة الصراعات العنيفة ذات الدوافع الدينية ومقترنة بعدم التسامح مع الأديان الأخرى أيضًا. تُستخدم، في ظل هذه الخلفية، تفسيرات حول الأصولية الدينية اليوم، سأذكر ثلاثة منها أدناه كأمثلة.

هناك مجموعة من المقاربات تفسر الأصولية الدينية في المقام الأول بوصفها حركة مضادة للحداثة مع تطوراتها في الجوانب الفردية والتعددية. وأنها محاولة، لمنح الناس حالة من الأمن في أوقات التغيير العميق باشارتها إلى المطلق. تمثل "هذه هي الأصولية: إغراء كبير لطلب الدعم من المطلق للتقدم لكن ذلك لا طائل من ورائه للعقلانية الحديثة".[12] ما هو مقنع بشأن هذا التفسير هو أشارته إلى علاقة داخلية بين النمط السائدة، في المجتمع من اداب السلوك والزي وغيره، والأصولية الدينية. تؤدي الاضطرابات الاجتماعية والفكرية والتاريخية متعددة الأوجه، والتي شكلت بشكل عميق التعايش البشري منذ العصور الحديثة، إلى البحث عن نماذج جديدة للتعايش بالضرورة. تبدو الأصولية الدينية في هذا السياق، كرد فعل على الحداثة، لأنها تمنح الناس الأمن في المراحل العميقة من الاضطرابات. ومع ذلك، فإن مشكلة تفسير الأصولية هذه هي أنه لايفسر بشكل كافٍ ما الذي يميز الدين والأصولية الدينية عن بعضهما البعض.

هناك أيضًا مجموعة ثانية من المقاربات تتبنى نظرية الأصولية الدينية كحركة معاكسة للحداثة، لكنها تصنفها في سياق العلاقة بين الدين والثقافة. إن جوهر الحجة هو أن الأصولية الدينية شكل من أشكال الإيمان انحرف عن جذوره الثقافية. ولكن إذا فصل الدين نفسه عن الثقافة، فإنه يصبح شعورًا اعتباطيًا لا يمكن التحقق منه كثيرًا من أجل أن يكون مقبول عقلانيًا. أصبح الدين شعارًا إعلانيًا بشكل متزايد وهو ما يسميه عالم السياسة الفرنسي أوليفييه روي بالجهل المقدس.[13] فعادة ما تنشأ الأصولية الدينية، وفقًا لإحدى أطروحات روي المركزية، عندما ينفصل الإيمان عن الثقافة وتُنسى الهيئات المعرفية الثقافية المدمجة في الدين أو تُبطل.

يستند التفسير الثالث للأصولية الدينية إلى منظور ثقافي تاريخي ويبدأ بالمنطق الداخلي للأديان نفسها. تإنه تفسير يشير إلى المطلق كنقطة انطلاق للميول الأصولية. فيرى  دعاته أن الدين ولاسيما التوحيدي منه ذو توجه نحو العنف مما يعزز ظهور الحركات الأصولية بشكل حاسم؛ حيث يميل هذا التوجه نحو الإبطال العنيف للحقائق الدينية الأخرى لأستناده إلى ارتباط الإنسان الحصري بإله واحد.

اذن يحدد هذا أربعة جوانب مركزية للإدراك الجديد للدين: الحيوية السياسية والتمايز بين المجتمعات الدينية، والتحول ما بعد الحداثي للدين، وظهور التيارات الدينية الأصولية. تشكل الأديان، في الجوانب الأربعة، مواقف الناس تجاه الفعل، وتؤثر في الحياة الثقافية وهي جزء من الخطابات العمومية أو العمليات السياسية. لذلك فإن الأديان عامل مهم يستحق اهتمامًا خاصًا عند تحليل المجتمعات.

أخيرًا، لابد من التأكيد مرة أخرى على استنتاج مهم من التحليلات السابقة: نظرًا لأن الأديان لم تختف في العصر الحديث أثناء ظهور المجتمعات العلمانية، ولكنها حولت نفسها وبطرق عديدة مختلفة، فمن المنطقي، ليس التحدث عن عودة واحدة للدين، ولكن عن تركيز جديد على الدين. تظهر العودة المفترضة للدين إلى المجال العام على أنها إدراك جديد للدين في الأماكن العامة المتنوعة والمجزأة في المجتمعات الحديثة.

استنتاجات من أجل فهم العلمنة

يُناقش في أطار ادراك الأدوار الجديدة للدين اليوم وعبر حقول معرفية عديدة السؤال: ما هي العواقب التي يمكن استخلاصها من هذه الأدوار لفهم العلمنة. هناك مفكرون يشككون في قيمة تحول وتغيير نموذج العلمنة من منظور التصور الليبرالي للمجتمع. تستند هذه الشكوك في المقام الأول إلى حقيقة أن الاعتراف (أو الجماعات) الدينية كفاعلين اجتماعيين يمكن أن يعرض إنجازات الديمقراطية للخطر. لذا يؤكدون على ضرورة الحد من الدور الاجتماعي للدين. لكن هناك من يرى أن الدين مازال يلعب دورًا مهمًا في المجتمع.حيث يشكل الدور الاجتماعي للدين مجالات مختلفة من الحياة العامة من وجهة نظر علم الاجتماع. ومن غير المقنع، من حيث البحث في علم اجتماع الدين على المستوى الوصفي، التحدث عن الانقراض الوشيك للأديان. لقد تغيرت الأديان كثيرًا ومع ذلك  فإنها ماتزال ذات أهمية اجتماعية. لذلك، لا تؤدي العلمنة إلى إنهاء دور الدين بالضرورة ؛ بل قد يصبح المعتقد الديني خيارًا للتعايش العادل بين كثيرين. يتمتع الدين بحيوية كبيرة، في هذا الصدد، لا سيما في سياق علماني، ويمكنه أن يقدم من منظور معياري مساهمات مهمة في تعزيز المجتمعات الديمقراطية.[14]

ومع ذلك، تشير انعكاسات تحولات الدين في مواجهة الحداثة إلى الحاجة إلى تطوير مفهوم مختلف للعلمنة والنظر في الأهمية الاجتماعية (العالمية) للدين. لهذا الغرض ، بدلاً من نظرية العلمنة، التي تظهر على أنها نظرية اجتماعية متفوقة، يتطلب وضع تصميم نظري يلتقط عمليات التحويل شديدة الاختلاف وغير المتجانسة للديني.  تتخذ مثل هذه التحولات للدين وتفاعلها مع العلمنة أشكالًا مختلفة في مناطق عديدة من العالم، لأن عمليات العلمنة تحدث بشكل مختلف في كل مكان. هذا هو السبب في عدم وجود طريقة موحدة للتعامل مع الدين في المجتمعات  التي يسود فيها العامل الديني  كعامل مؤثر وفعال.[15] لذلك المطلوب فهم  العلمنة نفسها بوصفها عملية متمايزة. فيتطلب أن تكون نظرية العلمنة منفتحة على السياقات الثقافية المختلفة وأن تتكيف مع وجهات النظر الدينية المتضمنة في تلك السياقات.

وهذا يشير إلى الحاجة إلى خطاب يختص بتغيير نموذج العلمنة ودور الدين. وهنا تُفهم الديمقراطية على أنها شكل من أشكال التنظيم السياسي الذي تم إضفاء الطابع المؤسسي عليه بطرق مختلفة في العديد من البلدان حول العالم ، وبالتالي أصبح شرطًا أساسيًا مهمًا للإجابة على سؤال دور الدين في المجتمعات الحديثة. إن إحدى نتائج التفكير في الدين ووظيفته الاجتماعية، في ظل هذه الخلفية، هي الحاجة إلى التفكير في فهم مناسب للسياسة والديمقراطية ككل.

 

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.................................

[1] شلايرماخر، في الدين، أحاديث الى المثقفين من بين منكريه، ترجمة سامة الشحماني، مراجعة وتقديم عبد الجبار الرفاعي، دار التنوير، بيروت، 2017.

[2] Schneiders, W. (1997). The Age of Enlightenment.

[3] أنظر:

Graf, F. W. (Ed.) (2013). Politics and religion. To diagnose the present. Munich. https://www.uni-muenster.de/imperia/md/content/religion_und_politik/aktuelles/03_2019/auszug_englisch_vollantrag_exc_religion_und_politik.pdf

[4] أنظر:

https://www.jstor.org/stable/26265968

[5]  St. Anselm, Anselm of Canterbury: The Major Works, OUP Oxford, 2008.

[6] أنظر:

جوزية كازانوفا، الأديان العامة في العالم الحديث، ترجمة كاترين سرور وهالة حيدر نجار ومي صباغ، المنظمة العربية للترجمة، 2005.

[7] مصدر نفسه.

[8] Heinz, M. (2003). Religiousness in the Secularized World. In: Voices of the Time (221/8) 571-574.

[9]https://www.academia.edu/11281831/Edmund_Arens_Religion_as_Ritual_Communicative_and_Critical_Praxis_The_Frankfurt_School_on_Religion_Key_Writings_by_the_Major_Thinkers_edited_by_Eduardo_Mendieta_New_York_Routledge_2005_373_396

[10]  Leggewie, C. (2007). Religion and globalization. In: Muller, J.Reder, M.Kar cher, T. (Eds.), Religions in the process of globalization. Stuttgart, 12-20.13.

[11] Leggewie, C. (2007). Religion and globalization. In: Muller, J.Reder, M.Kar cher, T. (Eds.), Religions in the process of globalization. Stuttgart, 12-20.18.

[12] Greiffenhagen, M. (1991). Try against the meaninglessness. On the development of feminist currents in contemporary societies. In: Universitas (46/1) 36-45.

[13]   أنظر: روا، أوليفييه، الجهل المقدس، زمن دين بلا ثقافة، ترجمة صالح الأشمر، دجار الساقي ن بيروت ، 2012.

[14] Taylor; C. (2009). A secular age.

[15] أنظر:

Martin, D. (1979). A General Theory of Secularization. New York.

 

سامي عبد العالفي لحظةٍ أو أخرى، ستُواجه "الفلاحةُ الفلسفيةُ" تواريخَ العقل مباشرةً.. هكذا بصيغة الجمع للتاريخ، لأنَّها فاعلية تتطلب كافةَ الممارسات الداعمة للفكر والفحص والتأمل، كما أنَّها فلاحة ستُولد مُثقلةً بالمشكلات التي تعترض التفلسف كنشاط دون توقفٍ. وليس يُوجد هنالك من تأجيل لأيةِ خطوةٍ منتظرة، ذلك بحكم الضرورة التاريخية والمعرفية للتفلسف. فالفلاحة مشتقةٌ من التّفلُّح والفلّاح والاستفلّاح (أي بذل المثابرة والعمل واستفراغ الطاقة حرصاً على النجاح والفوز والتحقق). وجميع المستويات الآنفة تفترض عملاً قوياً ومؤثراً، وتفترض موضوعات تمثل (وسيطاً خصيباً) لإنتاج الجديد والمختلف.

إنَّ عملية الفلاحة لا تضربُ معاولَّها إلاَّ في شيءٍ قابل للحراثة والتهيئة والبذر والإستنبات. والفلاحة - في مجالٍ حيوي كهذا - تشتغل على وجود العقل وتراثه وآفاقه العامة والأفعال الجارية باسمه والاحتمالات المرتبطة به، وما إذا كان نافذاً ماضياً في طرائقه أم لا. وبالتأكيد ضمن هذا الإطار، ستثير "الفلاحة الفلسفية" عدةَ قضايا متشابكةٍ ترتبط بطبائع العقل وأحواله ومناخاته الثقافية:

1- قضية تراثات الثقافة - العقل.

2- قضية الأفكار والمفاهيم والإجراءات.

3- قضية الخطاب الفلاحي وكيف يعدُّ أداةً وممارسة فلسفية.

4- قضية تكوين الفلاحة الفلسفية وتراكم أفعالها.

5- قضية (العقلانية الفلاحية) كنشاط فكري وما يميزه من آفاق.

أتصور أنَّ أكبر جناية للفلسفة تاريخياً هي: أنَّها نزعت العقل من جسده المكوِّن (بكسر الواو- الأساس) ومن جسده المكوَّن (بفتح الواو- النتاج). حين أخذت تحلق على هيئة عقل مثالي أو عقل صوري تجريدي أو عقل منطقي أو عقل أيديولوجي أو عقل لاهوتي أو عقل شعاراتي أو عقل رمزي. كل تلك الأشكال بمثابة سلخ (اللحم meat) عن (الشحم  grease)، وتصفية المتون من الحواشي، ونزع الوجه من الظهر واسقاط الأوراق من الأغصان كحال الخريف. فبدا العقلُّ موضُّوعاً على فوهة الإطلاق المتعال مباشرةً، بينما هو ليس كذلك، ولا ينبغي له أنْ يكون. بالضبط كمن ينزع لباب البذورseeds من القشور وتسغ الجذورroots من تربتها الخاصة، فتكون " البذور والجذور" نهباً للعُري والذُبول تحت تيارات الهواء الطلق. فكل (عناصر بذرية أو جذرية) مثل هذه لا بد لها من تربةٍ محيطة تُدَّس في تلافيفها، تُخبّأ في جوانبها، وتعيش زمناً داخل ظلامها الدامس، متأثرةً ومختلطة وملوثة بالمكونات والأجواء الدفينة والإشباع والغمر الداخلي للأرض.

الحقل - العقل

شرط تحول (العقل reason) إلى (حقل field) هو أنْ يظل داخل تربته التاريخية لا خارجها، و أنْ لا يُفهم إلاَّ في هذا الإطار. لأن َّارتفاعاً عن الترببة الثقافية بكل مكوناتها إنما يقدم صورةً مشوهةً عن العقل ويجعل الفلسفة دون محتوى حقيقي. وبخاصة أن الثقافة أسبق من مفاهيم العقل، وهي الحواشي والحشائش والشجيرات والغبار والأتربة والفوضى التاريخية والإجتماعية والفكرية واليومية التي تكمل الصورة دائماً. فالحقول تمتلئ بكل ما يمكن تخيله من النباتات والأعشاب والزروع والحشائش في الحواف وفي الأعماق وفي الجوانب المترامية. هي حالة طبيعية تكتنفها كل السمات والمعالم التي تجعل الحقل (مظهراً طبيعياً) له جوانبه الواضحة والخفية جنباً إلى جنب.

وهذا الكل الثقافي cultural totality مرتبط بفكرة (مقتضى الحال ومقتضى المآل) أيضاً. مقتضى الحال لكون وجود استحالة فصل العقل عن جسده، وأن جسده الصغير وهو جسد الإنسان وجسده الكبير وهو جسد المجتمع وجسده الرمزي وهو جسد الثقافة وجسده الماورائي وهو الامتداد الكوني... هي كلها أجسادٌ متداخلة أثناء التفكير ولا حلَّ للإنسان من التعقل داخلها سلباً وايجاباً. هناك تصور مرتبط باعتبار العقل صورة نقية وخالصة الشوائب تماماً، وكأن الإنسان منفصل بالأساس عمل يكونه ويتأرخ في حياته.

وهذا تصور ساذج لدرجة السخرية، حتى وإنْ أخذ شكل المثالية باختلاف أنماطها. لأن التخلص مما ليس عقلاً (سواء أكان حساً أم شعوراً أم أوهاماً أم لا وعياً أم مخاوف أم أحلاماً أم ذاكرة أم نسياناً) إنما لا يتم إلاَّ من جنس ما هو عقلاني. فصحيحٌ هي معطيات لا عقلانية عادةً من زاوية العلم والمعرفة، غير أنَّها حاضرة عقلانياً كجزءٍ حيوي لا يتجزأ من حياة الإنسان والمجتمعات.

إنَّ العقل بوضوح هو عقل ثقافي cultural reason، فلا مساحة للعقل يتحرك خلالها غير المساحة التي يختلط فيها مع الثقافة الجارية بمحمولاتها الموروثة وآفاق توقعاتها وتكويناتها. لقد تكلم الفلاسفةُ عن العقل كأنه (مَلِّك الوجود king of existence) لا طاقة على التفكير الحر، وأنَّ كلمة طاقة قابلة للشحن والإنفجار عبر السياقات الواردة فيها، وأنَّ التفكير معناه التورط الفعلي في المشكلات. لعلَّ تاريخ الميتافيزيقا هو تاريخ أصداء عقلية مرتهنة بالثقافة والمعضلات التي يعانيها الإنسان، لأنَّها المستوى غير المباشر لما يُطرح على كافة الإصعدة الإنسانية.

على سبيل المثال سنجد أنَّ (الظروف الاجتماعية والسياسية) التي يعيشها الإنسان العربي قد تفرز صوراً من التفكير في الجوانب الميتافيزيقية  واللاهوتية، فالاستبداد يُنشئ ما يسمى بـ(ميتافيزيقا القهر)، حيث يشعر الإنسانُ بأنه مقهور، مُصيّر، بل مجرد ورقة مثقوبة تحت رحمة الأقدار والتقلب المستمر دون مجيب. و في هذا الاتجاه أو ذاك لا يجد من يأخذ بيده، فيؤلِّه طغاته وقاهريه حتى الرمق الأخير. وتأخذ خطابات الخلاص بالانتشار في كل مكان، كأنَّها الأمل الباقي لحياة بلا عدلٍّ ولا مساواة. وهذا معناه انتشار مقولات التدين والتعقل السطحي، لأنَّها محض أعراض لأزمةٍ أخرى لم تظهر بشكلٍّ واضح.

وهذه الأزمة أنَّ العقل يرتبط بتراثه الكبير، وأنَّه بخلاف هذا التراث لا يمثل شيئاً ذا بال حتى حين يريد أن يتحرك في ذاته أو في غيره أو حين نريد أن نفهم وجوده وحيثياته. ومثلما يصعب أن تنمو البذرة خارج التربة الملائمة لها، فكذلك يستحيل فهم العقل دون وجوده المتجذر في التربة الثقافية.

وقد يري البعض أنَّ الفكرة بسيطة ولا تحتاج إلى هذا التفكير، غير أن الرأي ليس دقيقاً في أحسن الأحوال. لأنه نشأة المفاهيم وطرائق التفكير لا تتم بتلك الوسيلة التي تبدو خالصىة ونقية. فالعقل متماثل تماماً مع الحقل، وبخاصة أن الأخير مليئ بالإمكانيات وكل ما يمكن أن نصادفه من أشجار أو نباتات مرغوبة وغير مرغوبة وأن زراعة الحقل لا تتم عادة دون التعامل مع هذا البعد الضروري. بل لا تكون الزراعة زراعةً من غير تلك الأشياء الغريبة – المؤتلفة مع الحقل. إن الإزدواج بين الغريب- المؤتلف (هو هو) الأمر نفسه مع العقل، الذي يضمر في سياقاته كل ما يضاد العقل ويعطيه وجوداً ضعيفاً أو مضاعفاً.

لدرجة أن وجود الثقافة (داخل العقل وحوله) سيرده إلى التاريخ الفعلي لما يسمى بالعقلانية باختلاف درجاتها. ليس توجد هناك العقلانية المطلقة في تراث الإنسانية. لأنَّ كل عقلانية هي مجرد مرحلة كانت قابلة للتطور، ثم أصبحت لم تكن كذلك. أو كانت غير قادرةٍ على التطور، ثم انتعشت خلال مرحلةٍ لاحقة، نتيجة تجديد التراث وتأثير العوامل الإصلاحية الكثيرة. وكما أنَّ العقل ثري الجوانب، فهذا ليس بسبب خُلوصه المنطقي الصارم، ولا بسبب تأملاته التامة فيما وراء الثقافات الإنسانية، لكنما كل ذلك بفضل أنَّ الثقافات تقبل وجوده وتتفاعل مع حركته ودروبه التي تنتج ما هو ملائم وقادر على النفاذ.

لعل الثقافة إزاء العقل مثل المُناخ الذي يهيئ وجوداً منتظراً له، هذا النمو الذي قد يتأخر سنوات وسنوات لمجرد أنَّ المُناخ ليس مواتياً. وفي الثقافة العربية هناك عوامل كثيرة تعوق العقلانية أولها مفهوم العقلانية ذاتها التي تحددها الثقافة. فالثقافة تقول إن العقلانية هي ما تتماشي مع الأطر السائدة والقابلة للتكرار بحسب آليات الفكر. وهذا ما يعني أن العقلانية كانت ومازالت مدَّجّنة بفعل فاعل مسبق، وليس لها أن تشب على الطوق إطلاقاً. وهذا الطوق قد يكون خفياً لدرجة كونه من الأسرار التي تهيمن على الحياة العامة.

والثقافة في هذا الإطار تستعمل كافة مواردها الرمزية والمادية في تقوية قبضتها على ما تملك من سلطة. ولا يستطيع العقل التملُّص بسهولة من تلك القبضة الحيوية والمدمرة في الآن نفسه. قبضة حيوية، لكونها ستعرِّف العقل إلى نفسه وستعمل فيه مما يشكل دوافع الرؤية المختلفة والتوجهات غير المهادنة لطبائع الأشياء والقضايا. وقبضة مدمرة، لأنَّ كلّ ثقافةٍ لا تهادن العقل بحال من الأحوال، بل وستأتيه من أبعد المناطق نأياً عن تأثيره في محاولة الاستحواذ عليه كلما أراد الإفلات. وبخلاف هذه وتلك من الجوانب العامة، فالثقافة هي الحقل الذي يزرع فيه العقل ويبذر ويستزرع ويُقلِّم ويهذب ويحصد ويحتطّب.

هناك حجة قوية بكون الثقافة تشوش على العقلانية، بحكم أن الثقافة بها عناصر الاختلافات والفوضى كما هو واضح. وهذا أمر مفروغ منه بطبيعة الحال، لكن ذلك التشويس نفسه هو ما يشكل إمكانية التطوير وإعادة الإنطلاق في كل مرة يسقط فيها العقل. إن فترات الغسق الثقافي هي دائماً فترات النهوض الأقوى نحو الغد، هي الدرجة الحدية التي تُشْعر كل الناس بخطورة ما يجري وأنَّ عليهم كسر القيود وتحطيم الأسوار و الحدود. ولعلنا نلاحظ بعض الأراضي والحقول التي حين نراها لأول وهلة نجدها كئيةً وموحشةً وغير قابلة للإستزراع، لكن بمثابرة الفلاحة سنجد الأرض قابلة للاستصلاح وبإمكاننا استنباط منها  نباتات ومحاصيل واعدة. شريطة أنْ تُعامل كما هي كذلك طبقاً لاحتمالاتها الكامنة فيها لا المستجلبة إليها وأنْ تكون حقلاً لإمكانيات المستقبل. كما أن نشاط العقل- بمعناه الفلسفي- الذي لا يؤثر في الثقافة ليس يجدي في عملية الفلاحة الفلسفية مهما تكن.

 

سامي عبد العال

 

 

الوصولُ إلى مصادر المعرفة في العلاقات الاجتماعية يُمَثِّل امتحانًا لقُدرة الإنسان وتَحَدِّيًا للمُجتمع، لأنَّ مصادر المعرفة لا تُوجد على شكل كُتَل جاهزة، وقوالب جامدة، ونظريات مُعَدَّة مُسْبَقًا، وإنَّما تُوجد على شكل قِيَم فكرية مُتكاثرة، ومعايير أخلاقية مُتَشَعِّبة، ومبادئ وُجودية يُعاد تشكيلها باستمرار. وهذه السُّيولةُ المعرفية تُنتج سِياقات لُغوية مُتَمَيِّزة، وقادرة على التغلغلِ في تفاصيل هُوية الإنسان وحياةِ المُجتمع، والتَّجَسُّدِ في حالة الوَعْي الاجتماعي الديناميكي (الوَعْي القائم بذاته الذي يتمتَّع بالحيوية والانطلاق والحركة في جميع الاتجاهات المرتبطة بالقوى الفاعلة في المجتمع). ودَوْرُ السُّيولة المعرفية لا يتوقَّف عند إنتاج سِياقات لُغوية، بَل يتعدَّى ذلك إلى تحويل إفرازات العقل الإبداعية إلى مُنْتَجَات اجتماعية مُتماهية مع التراكم المعرفي، تُغيِّر أدواتها وآلِيَّاتها لإحداث تغيير إيجابي في المجتمع، ومَنعه مِن السُّكون والرُّكود وتكرار نَفْسِه. وهذه الحركةُ المُستمرة والفاعليَّة الدائمة تُتيحان للإنسان أن يُسافر إلى ذاته، وتَمنحان المُجتمعَ فُرصةَ للانتقال مِن الوَعْي الذهني إلى التغيير الواقعي عبر اللغة ذات الدَّلالات الرمزية والعلامات الماديَّة. وتفجيرُ الطاقة الرمزية في اللغة ضروري لإمداد الإنسان والمجتمع بالوقود الثقافي اللازم للحركة باتجاه اكتشاف مصادر المعرفة، وتجميعِ أجزائها، وتَتَبُّعِ آثارها في الوَعْي والشعور واللغة. وهذه المُكوِّنات الثلاثة هي أركان الرِّحلة الوجودية التي تَهدف إلى الغَوْصِ في داخل الأنساق الحياتيَّة، والتنقيبِ عن المعنى في أعماق الفِكْر.

2

الفِكْرُ الذي يُنتج المعرفةَ ويُعبِّر عنها، هو حركة عقلانية غَير مَحصورة في الأُطُرِ الزمنيَّة والحُدودِ المكانيَّة، مِمَّا يَجعل الوَعْي بأهمية المعرفة وقُدرتها على صِناعة الفِعْل الاجتماعي، يَزداد كَمًّا ونَوْعًا، ويشق طريقَه في الظواهر الثقافية الخاضعة للتغيُّر المستمر. وبالتالي، تُصبح المعرفةُ كِيَانًا مُستقلًّا، وخريطةً لمعالم جَوهر العلاقات الاجتماعية. وكُلُّ منهج عقلاني يُؤَدِّي إلى مصادر المعرفة، هو - بالضرورة - منظومة تاريخية قائمة على الارتباط العُضوي بين الأفكار والظواهر في المجتمع. وبما أنَّ التاريخَ بُنيةٌ إنسانية مَفتوحة على كُل الاحتمالات، وكُتلةٌ معرفية مَوجودة في كُل زمان ومكان، فينبغي تحرير ماهيَّة التاريخ مِن أَسْرِ الماضي، وفتح الماضي على الحاضر، كَي يُصبح التاريخُ وُجودًا مُعَاشًا، وواقعًا مُتَّصِلًا، نُولَد فيه، ويُولَد فِينا، ونَعيش معه، ويَعيش مَعَنَا، ولَيس شيئًا مضى وانقضى، أوْ ثِقلًا نَحمله على ظُهورنا، ويَمنعنا مِن اقتحام المُستقبل. ووظيفةُ مصادر المعرفة - في هذا السِّياق - تتجلَّى في صناعةِ أدوات نقديَّة تشتبك معَ رمزية اللغة كمنظومة مركزية في الوَعْي التاريخي مبنى ومعنى، مِن أجل إخراج الفِكْر مِن الماضي المسلوب، وإدخاله إلى رُوح الواقع المُتَحَرِّر مِن قُيود المصالح الشخصية، وتتجلَّى أيضًا في تكوينِ تقنيَّات حداثيَّة تُفكِّك عناصرَ الوَعْي واللاوَعْي في التجارب الاجتماعية شكلًا ومُحتوى، مِن أجل إخراج الإنسان مِن مَأزقه الوجودي، وإدخاله إلى قلب المعنى الحضاري. وهكذا، تُصبح مصادرُ المعرفة تَقويمًا للأبعاد الروحيَّة، وتَقييمًا للأوضاع الماديَّة.

3

التفاعلُ بين النظام الواقعي للمجتمع والنظام الخيالي للإنسان، يُجسِّد قيمةَ المعرفة التي تُؤَثِّر على طبيعة السلوك اليومي وزاويةِ الرؤية للأحداث. والأحداثُ المُعاشة تصير أنظمةً معرفية قائمة بذاتها ووَصْفها، تعتمد على مبدأ الخَلاص (إنقاذ الإنسان لِنَفْسِه)، والتَّحَرُّرِ مِن ضغط الواقع المادي عن طريق التَّخَلُّص مِن الأشياء المكسورة في داخل الإنسان، والتَّطَهُّر مِن الأحلام الضائعة في أعماقه،والتعبير عن احتياجاته المعنوية والمادية. وهكذا تنتقل الشخصيةُ الإنسانية مِن المَكبوت (المَسكوت عنه) إلى الفاعلية الوجودية (التعبير عن الذات والعناصرِ المُحيطة بها)،وينتقل تأويلُ السُّلوك اليومي مِن المَكنون (المَدفون) إلى الظاهرة الاجتماعية (القاعدة الأخلاقية التي تَؤُول إلى منهج لغوي لتوظيف طاقة اللغة في طاقة المجتمع). وكُلُّ طاقة في النظام الاجتماعي يُمكن أن تتغيَّر، وتتَّخذ أشكالًا جديدة، وتتقمَّص أقنعةً مُتنوِّعة، وتختبئ وراء هُوِيَّات مُتعدِّدة، ولكنَّ الطاقة لا تختفي، وفلسفة النظام الاجتماعي لا تتلاشى، وهذا يعني أنَّ الطاقة المَنقولة مِن أيِّ جُزء في النظام الاجتماعي، لا بُد أن تظهر مُجَدَّدًا في جُزء آخَر، وبالتالي، فالطاقة الاجتماعية مَحفوظة لا تَزُول، ولكنَّها تتغيَّر، وتنتقل مِن جُزء إلى آخَر، كالشمس تَغرُب في مكان، وتُشرِق في مكان آخَر، ولكنَّها مَوجودة، لا تَختفي ولا تتلاشى.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

علي محمد اليوسفملاحظة بدئية: المقال يعالج العنونة(علاقة المكان بالفراغ) وفق منهج فلسفي ميتافيزيقي وليس وفق قوانين  فيزيائية ونظرية علمية كوزمولوجية.


 تمهيد:

ما علاقة المكان بالخلاء (الفراغ) وايهما يدرك بدلالة الاخ؟. هل يدرك المكان بدلالة الفراغ ام يدرك الفراغ بدلالة المكان؟ ام لا فرق بين الاثنين في تبادل الدلالة المشتركة بينهما. وما هو الفرق بين الفراغ المكاني الافتراضي والعدم الوجودي الافتراضي ايضا؟ وهل الفراغ المكاني يكافيء معنى العدم الوجودي؟ الفراغ يدرك بدلالة الاحتواء المكاني المادي والعدم يدرك بملازمة افنائه للحياة في كل كائن حي. ولا ندرك  الفراغ المكاني المحدود الا بدلالة المتعين المادي داخله.. ولا ندرك العدم الا بدلالة خاصية موت وفناء الكائنات الحيّة. عليه يكون الفرق بين الفراغ الذي يعرف  بخاصيته العلائقية الارتباطية بالمكان. ونعرف العدم بعلاقته الارتباطية الافنائية للموجودات والكائنات الحية منها وجود الانسان الذي يطاله العدم الافنائي له بالموت.

لذا العدم لا يشتغل كونيا بل ارضيا طبيعيا في الحياة بعلاقته الافنائية  للاحياء فقط. الفراغ هو الحيزالمحدود مكانا غير المشغول بالمادة ولم تستوطنه المادة امتلاءا. والفراغ هو الحيز المدرك بدلالة محدودية استيعابه المادة واحتوائه لها فيه. هل الفراغ محدود ام لا متناه وبدلالة ماذا ندرك الفراغ مكانيا؟ الفراغ المدرك عقليا هو مكان محدود تشغله المادة، والمكان المطلق غير المدرك بدلالة المادة التي تحتويه يكون لا متناه غير مدرك حتى على مستوى القصور التصوري له. الفراغ تحده المادة وجودا ولا يحده التصور المجرد غير المادي. الفراغ شكل مادي وليس شكلا بلا محتوى الدلالة.

الخلاء فراغ مكاني غير مدرك لا يطاله العدم الافنائي بسبب الفراغ كلازمة مكانية يفتقد الحياة. فالعدم هو فناء الموجودات الحيّة في مكان محدود هو الطبيعة من ضمنها إفناء الانسان بالموت. المكان المحدود هو فراغ مدرك يحتاج امتلاءا ماديا. من المحال اقتران الفراغ المكاني بالعدم الافنائي... بسبب ان الفراغ المكاني افتراض غير حي لا يطاله العدم الافنائي. كما ان العدم بمعنى الافناء البيولوجي لا يشتغل في الفضاء الكوني الذي تحكمه الانشطارات الكوكبية وعلاقاتها فيزيائيا في التمدد والانكماش والانفجار والتشظي وعلاقتها بقانون الجاذبية العام. وجميعها كواكب لموجودات كوزمولوجية غير حيّة. والثقوب السوداء في ابتلاعها تلك المخلفات الفضائية الناتجة عن انتهاء دورة وجودها الكوني بحكم قانون الجاذبية العام فهي ليست عدما افنائيا. وانما تحولات نوعية في اشكال من المادة تدّخر الطاقة ولا تفنيها.

المكان ومحدودية الامتلاء المادي

يطرح المفكر صادق جلال العظم اشكالية المكان والفراغ على لساني كلا من لايبنتيز وكلارك قوله : مشكلة لا نهائية الكون بالنسبة للايبنتيز تتلخص بالسؤال التالي : هل العالم متناه ام غير متناه بما فيه الزمان والمكان؟  ويعتبر لايبنتيز وجود المكان مرتبطا بوجود المادة، ولا يمكن اثارة مشكلة لا نهائية المادة دون اثارتها ايضا بالنسبة للمكان. وان كمية المادة الموجودة في الكون هي اقل مما يمكن ان تكون عليه، اي ان الله لم يملأ المكان المطلق بالمادة، لذا نجد كلارك يدافع عن وجود الخلاء بالطبيعة ويرفض القول ان الكون امتلاء1.

ملاحظات تعقيبية:

- هل المكان يتعين بمحدودية الفراغ التي لا يمكن ادراكها ام بمحدودية المادة التي تشغل المكان وجودا انطولوجيا؟ العالم امتلاء مادي مكانيا – زمانيا ومن غير الامتلاء المادي لا نتمكن ادراك فراغ. العالم كفراغ الذي لا يحتوي المادة خال منها هو عالم افتراضي لا يمكن ادراكه والتاكد من وجوده. الفراغ دلالة مادية وليس دلالة وجودية مستقلة لحالها.الفراغ هو تصوريحتاج الامتلاء المادي على الدوام.

- قول كلارك لايوجد الخلاء بالطبيعة تعبير موفق، اما ان يرفض ان يكون الكون امتلاءا فهو تعبير يقوم على مبدا امكانية الاحاطة المحدودية بالكون الفضائي كما هو حال الاحاطة المحدودية بكينونة الطبيعة. القانون الفيزيائي الكوزمولوجي ان الكون لا زال في حال من التمدد نتيجة الانفجار العظيم يجعل فرضية كلارك ان المادة الموجودة في المطلق الكوني ناقصة وهذا المطلق غير ممتليء تعليل مقبول. لكن القول ارادة الله جعلت المادة في المطلق الكوني ناقصة يحتاج اثبات غير ميتافيزيقي.

- ملازمة المادة للمكان ملازمة ادراكية سليمة لكن كيف يتسنى لنا معرفة ملازمة الفراغ للمكان؟ اي كيف يتسنى لنا ادراك مطلق المكان بدلالة محدودية الفراغ؟ في حين يدرك فراغ المكان بدلالة إحتوائه المادة انطولوجيا.

-  ان عبارة كمية المادة الموجودة في الكون هي اقل مما يتوجب ان تكون عليه في ملئها الفراغ المطلق يقودنا الى نتيجة فيزيائية تبدو غريبة فلسفيا هي ان الله جعل الانفجارالكوني العظيم بارادة مسبقة منه، ولم يحدث نتيجة صدفة عمياء. ولو لم يخلع الله على الكون صفة التمدد المادي لكان هذا توقف بانتظار الارتداد الانعكاسي في التقلص الانكماشي للفضاء الراجع. وامتلاء الكون بالمادة او نقصانها فيه لا يعني توقف الامتداد في ملئه الفراغ الكوني المزعوم ليعود بعد التوقف التراجع نحو الانكماش.

- في حال اقرارنا الفيزيائي العلمي ان الكون لازال في حالة من التمدد فهذا يلغي معنى محدودية المادة بالكون ومعنى ادراك الفراغ فيه ايضا. لذا ارجح نظرية كلارك ان كمية المادة الموجودة بالكون غير كاملة تماما، وان الكون غير ممتليء ودائما يوجد فراغ يتقدمه او يسبقه يتناغم مع القول ان الكون في حالة من التمدد المستمر الدائم.. اذ لا معنى بغير هذا التعليل ان نقول الكون المطلق ممتليء بالمادة وهو في حال تمدد مستمريستلزم فراغا يسبقه.

- طالما لا يمكننا تحديد الفراغ الكوني نكون مجبرين اعتبار الكون امتلاءا ماديا غيرناقص كي يحتوي التمدد الحاصل بالكون الذي لا زال ساري المفعول ولم يتوقف ما يرتب على ان الفضاء الكوني هو ليس مطلقا ناقص الاحتواء المادي بالنسبة لنا لكنه نسبي محدود عند الله خالقه. والتمدد الكوني يكون بحاجة دائمة لفراغ يستوعبه. لذا جعل الله المادة ناقصة على الدوام في امتلاء المكان أي بالاحرى جعل فائض فراغ كوني على الدوام.

- ولا يعني هذا امكانية العقل ادراك الفراغ المكاني قبل استيعابه المادة سواء كاملة ام ناقصة. الفراغ لا يدرك بغير دلالة احتوائه المادة. هل من الممكن ان نتصور التمدد المادي الكوزمولوجي لا يجد امامه فراغا يستوطنه التمدد الجديد المستمر الحادث عليه.؟ اعتقد هنا نصل الى باب موصد نكون نحن فيه من السذاجة مطالبة الفضاء الكوني التوقف عن التمدد بحجة انه لا يجد فراغا يستوعب تمدده.

- هذا الاستنتاج في الفقرة السابقة يجعلنا نتساءل اذا كانت كمية المادة الموجودة بالكون ناقصة، فهذا يلزم عنه ان تمدد الكون يكون بحاجة دائمية الى فراغ يسبقه يحتوي تمدده وهو تصور يمتلك مسوغاته لكنه يحتاج تحقق اثباته بدلالة موجودية فراغ دائمية بانتظار احتواء التمدد الاضافي الحاصل..

نيوتن والفراغ المكاني

يطرح المفكر صادق جلال العظم انه لكي نقيم علاقة مقارنة بين نظرية نيوتن مع رأي كانط " فقد اعتبر نيوتن المكان وعاءا فارغا يحتوي الاشياء، ولهذا الوعاء طبيعة وخصائص مطلقة لا تتاثر بنوعية الاشياء الموجودة فيه. اي ان الوعاء يحتفظ بجميع خصائصه مهما كانت طبيعة الاشياء التي يحتويها ومهما كانت القوانين التي تضبط تفاعل هذه الاشياء. لذلك يرى نيوتن ان وجود الوعاء الفارغ سابق على وجود المحتويات، وحتى لو ابيدت المادة الموزعة في انحاء المكان ابادة تامة لما مسّه أي تغيير أو تحول ويبقى على حاله دوما." 2

تعقيب ومداخلة:

- لا يمكن تصور المكان بابعاد فيزيائية مادية ثابتة او متغيرة بمعزل عن خواص الاشياء المادية داخله. المكان شكل لمحتوى مادي يتاثر به. القول بامكانية تعيين المكان فارغا من محتوى مادي فيه هو افتراض تصوري وهمي لا يتحقق فيزيائيا ولا حتى ميتافيزيائيا. الفراغ يدرك بدلالة المادة المحتواة فيه ولا تدرك المادة بدلالة احتواء الفراغ لها.

- لا يمكننا الجزم ان الفراغ المكاني يحتوي خواصا ثابتة لا تتغيرهي غير خصائص المادة. كما ان محتويات الفراغ المكاني سابقة في وجودها على فراغها الوعائي.المادة هي التي تعيّن المكان بدلالة الاحتواء لها.

- الفراغ المكاني لا يمتلك خواصا انفرادية عن خواص محتوياته المادية. كما ان الابعاد الثلاثية للمادة كمتعين موجود هي ليست الابعاد الثلاثية للفراغ المكاني. لا يوجد ما يجعل الفراغ يمتلك ابعادا ثلاثية مادية قبل احتوائه المادة. الفراغ  المكاني الاحتوائي هنا لا يمتلك جوهرا ماهويا لا يتاثر بمحتوياته المادية الموجودية فيه.

- لا يوجد فراغ محدود، ولا فراغ مطلق يسبق قابلية الاحتواء المادية له. الفراغ المكاني الكوزمولوجي هو تصور ميتافيزيقي ولا يعطيه صفة الادراك المادية الا المادة نفسها التي يحتويها. الفراغ هو شكل ميتافيزيقي لا يدرك الا بإحتواء مضمون مادي مدرك.

لايبنتيز والمكان المطلق لنيوتن

وجدت مقاربة بين ماذهبت له كان سبقني اليها بقرون عديدة لايبنتيز قوله ( تصور المكان الذي نحصل عليه عن طريق التجريد من علاقة الاشياء الموجودة ببعضها)3. بمعنى ادراك المكان لا يتم بغير دلالة علاقات الاشياء المادية التي يحتويها.كما اجد انه لا يدرك المكان الا في الحالات التالية:

- يدرك المكان بدلالة تعالقه مع الزمن الادراكي له.

- ويدرك المكان بدلالة احتوائه المادة اوبدلالة علاقات الاشياء داخله.

- ادراك المكاني كمتعين انطولوجي لا يشبه ادراك الفراغ المكاني ميتافيزيقيا. فعندما ندرك المكان انما نحن ندرك محتواه المادي ولا ندرك شكله المجرد كفراغ لا تحكمه متعينات من الابعاد.

يعقب المفكر العظم على عبارة لايبنتيز التي مررنا عليها قائلا: (تشير عبارة لايبنتيز هذه الى نظريته في المكان، فلقد عارض هذا الفيلسوف نظرية المكان المطلق  التي قال بها نيوتن بشدة. وقال ان المكان هو نظام الاوضاع وينشا حين تدرك عدة ظواهر في وقت واحد، فاذا تلاشت هذه الظواهر تلاشى معها المكان. وتصور المكان نفسه ناتج عملية تجريد من علاقات الاشياء الموجودة.)4

لم اجد ارتباطا منطقيا في مقدمة عبارة لايبنتيز مع ختامها ان تصور المكان يكون ناتج تجريده من علاقات الاشياء، في حين سبق قوله في نفس العبارة اذا تلاشت ظواهر علاقات الاشياء يتلاشى معها المكان. ادراك المكان كما افهمه وثبته في حالتين سابقا هما ارتباط المكان بدلالة زمانية كما دعا له كانط، والثانية ادراك المكان بدلالة محتوياته كما اشارله لايبنتيز.

السؤال لماذا رفض لايبنتيز المكان او الفضاء المطلق في نظرية نيوتن قبل ان يدحضها انشتاين في النسبية العامة؟ ولماذا تبنى كانط الفضاء المطلق؟

اجابة هذا التساؤل نجد توضيحه لدى المفكر صادق العظم انه بالعودة الى كتاب اويلر "تاملات في الزمان والمكان" نجد دلالة القصور الذاتي هي السرعة الثابتة لجسم لا يقع تحت تاثير اي قوى خارجية.- المقصود قانون الجاذبية تحديدا – ولا تتحقق هذه الحالة الا اذا كان الجسم وحيدا بالكون لان وجود جسم اخر معه سيؤثر عليه وفقا لقانون الجاذبية العام. ان قانون القصور يفترض امكان وجود جسم واحد في المكان المطلق.5

ويمضي صادق العظم ان قناعة كانط بمطلق المكان لدى نيوتن جاءت تلبية لقناعته بالاسباب التي اقام عليها اويلر حجته وهي:

- قانون القصور الذاتي يفترض امكانية وجود جسم واحد في المكان المطلق.

- وجود هذا الجسم منفردا محال لان المكان ناتج علاقة جسم باخر.

- حسب نيوتن وجود مثل هذا الجسم ممكن لان مطلق المكان يحتويه.

- قانون القصور الذاتي يفترض وجود المكان المطلق.6

اجد في الفقرتين الثانية والثالثة تناقضا واضحا لم اجد تعليلا له لكن من المهم الاشارة الى تخلي كانط التسليم بمطلق المكان كما قال به نيوتن بعد تاييده له تحت ضغط حجج اويلرالخاطئة.

كانط والحدس الادراكي للمكان

يرد على لسان المفكر صادق العظم نقلا عن كانط قوله:

1- اننا نستطيع حدس غياب المكان.

2- اننا نستطيع حدس المكان خاليا من الاشياء.

نستطيع تخطئة العبارة الاولى من حيث ان الحدس هو خبرة قبلية في معرفة ما هو مادي يحتويه فراغ مكاني، ومن المتعذر علينا ان نحدس غياب المكان (الفراغ) من غير دلالة مادية تشير له، من غير محتوى مادي يحتويه. والقول في ثانيا امكانية ان نحدس المكان خاليا من الاشياء تلاعب لفظي في اعادة صياغة تركيب العبارة الاولى ما يرتب علينا امكانية حدس غياب المكان مع امكانية حدسه خاليا من الاشياء. الجملتان ينطبق عليهما نفس المعيار الفلسفي، فالعقل لا يحدس الا مادة متعينة في مكان محدود استوعبها احتوائيا. وهذا الحدس الذي نمتلكه هو تراكم خبرة قبلية عن المادة وليس في انفكاكها عن المكان فنحن لا نستطيع فصل المادة عن المكان الا في حالتين من التمظهر الموجودي الاولى حدس المادة بدلالة زمان مجرد يلازمها، ولا ينسحب الحدس على الفراغ مجردا من محتواه المادي. وحدس المادة مجردة عن شكلها المكاني الاستيعابي يعتبر تعجيز عقلي بما لا يستطيعه.

المكان والمطلق

نظرية نيوتن حول المكان المطلق التي ايدها كانط ليرفضها لاحقا، اما لايبنتيز فهو كان عارضها بشدة ولم يتراجع عن موقفه المناوىء لها. حتى مجيء انشتاين الذي دحضها تماما في النسبية العامة.

اسئلة عديدة تتعالق بمقولة المكان هل هو مطلق بلا فراغ ولا امتلاء مادي؟ وهل نستطيع حد المكان بمطلق افتراضي؟ ثم هل المكان المقصود به الطبيعة ام المطلق هو الكوني؟ بضوء ان العالم الارضي اصبح محدودا ادراكيا ولا يطاله مطلق بذاته بل يطاله مطلق بدلالة انه كوكب يدور حول نفسه وحول الشمس من مجموع ملايين بل المليارات من مجرات كونية كوكبية غير محدودة ادراكيا لنا.

هل المحدود المتعين يختلف عن المطلق المتماوج الحركة غير المتعين بخاصية التمدد ثلاثي الابعاد الذي يحكم علاقة المادة بالمكان. كوكب الارض محدود بدلاله كونه جسم دائري غير مسطح افقيا – اي منبسط وجه وظهر فقط – فالمستقيم الذي نرسمه على شكل دائري لا يسير بخط مستقيم لامتناه بل يسير بخط منحني يقوده بالمحصلة الاخيرة الى نفس النقطة التي انطلق منها رسمنا المستقيم على سطح كروي.

السؤال الفيزيائي العلمي والفلسفي معا هل المطلق الكوني فراغ غير ممتليء بالمادة ناقص بدلالة ان الكون في حال حركة مستمرة من التمدد الدائمي الذي يحتاج فراغا مكانيا يستوعبه ويحتويه في تمدده.؟ بعض الفلاسفة يذهبون الى ان المادة الموجودة في المكان المطلق ناقصة بقدرة الهية والا نكون لا نتصور تمدد الكون.

هل نستطيع اعتبار الامتلاء المادي الطبيعي في الارض امتلاءا تاما لا نقص يعتريه ولا فراغ يداخله؟ وعلى هذا التساؤل هل يمكننا الاستنتاج فيزيائيا ان كوكب الارض في دورانه حول نفسه وحول الشمس لا يتمدد ولا يتقلص تحكمه محدودية عدم وجود فراغ يملاه بالمادة. انشتاين اثبت ان الكون يتمدد ويتقلص وهو ما لا نلحظه في حركة الارض الثابتة.

الطبيعة النسبي والكوني المطلق

اذا كان النسبي (الطبيعة) والمطلق (الكوزمولوجي) الزمانيين لا يمكن التفريق بينهما بدلالة الماهية الكلية الموحدة للزمان، فان النسبي المحدود والمطلق غير المحدود المكانيين متاح التفريق بينهما بدلالة الفراغ والامتلاء المادي. فالامتلاء المادي مكانيا في الطبيعة المحدودة والكوني المطلق اللامتناهي انما يتم بدلالة (الفراغ).

السؤال هل الطبيعة امتلاء مادي بدلالة الفراغ غير الموجود فيها، فكوكب الارض الكروي لا ينبسط في امتداد حركي لا افقي ولا في اي اتجاه من الابعاد. الارض مادة كروية واحدة لا مجال فراغ خال خارج عنها يمكنها ان تشغله. اما الامتلاء الكوني بالمادة فهو امتلاء ناقص يستوعب حركة الامتداد الانبساطية للكون.

هل الطبيعة المحدودة امتلاء مادي ناقص تحتوي فراغات لم تشغلها المادة؟ ام هي كما اوضحنا سابقا انها امتلاء مادي كامل مكتف بنفسه ولا يحتوي فراغا. طبعا الطبيعة وجود مادي ممتليء تماما ولا يحكمه قانون التمدد. بخلاف الكوني الذي هو امتلاء ناقص بسبب حركة التمدد الدائمية التي تحكمه. لماذا لا يمكن حد الكوني بالامتلاء المادي كما نفعل مع الطبيعة؟ ان التمدد الكوني المستمر لا يمكن ان يكون امتلاءا ماديا تماما. بل يجب ان يكون التمدد داخل فضاء من الفراغ الذي يلازمه ويحتويه مكانيا.

 

علي محمد اليوسف /الموصل

...............................

الهوامش:

1- صادق جلال العظم/دراسات في الفلسفة الغربية المعاصرة/ ص 34

2- نفسه ص 44

3- نفسه هامش ص 47

4- نفسه ص 47

5- نفسه ص 49

6-

 

 

مجدي ابراهيم- مهمة المعلم: لندع هذه الخطوة الأوليّة من المنهج باعتبارها تتصل بالكشف عن الحقيقة، وبتشكيل الرؤية الخاصة بالباحث، ونأتي إلى خطوة أخرى من أشرط المنهج العلمي الذي لا يمكن فصله عن التدريس، وهى استخدام هذا المنهج في يقظة الوعي وتنبيه العقل لدى طالب الدّرس الفلسفي على وجه الخصوص .. فما الذي يمكن أن نقدّمه للآخرين، طلاباً ومتعلمين، بعد أن تكشفت أمامنا الحقيقة، نحن كباحثين، وعلِمْنَاها بعد أن كنا بها جاهلين، ثم برزت الرؤية الخاصة لدينا ظاهرة بغير خفاء؟

لقد تبيّن لنا ممّا سلف ذكره أنّ للكشف عن الحقيقة في العلوم النظرية والفلسفية منهجاً أخص خصائصه هو التحليل وتفتيت الفكرة الكلية الخاصة بمشكلة البحث إلى أجزائها البسيطة وعناصرها الأوليّة. وكلما أوْغلنا في الشروع إلى ذلك تتكون الرؤية الخاصة بناءً على منهج آخر هو "منهج الحفر" في أغوار النصوص وتحليل جزئياتها، تتضح به حقيقة الموضوع المبحوث للذات العارفة، فلا يبقى أمامنا بعد هذا إلا تعليم ما كنا كشفاه أمام أنفسنا من حقائق للآخرين، إذ تبينت لنا معالمه واتضحت رؤيتنا له، وهو الأمر المهم الذي يأتي تركيباً بعد تحليل وتأليفاً بعد تجزئ، فليس يعقل أن تظل المعرفة العقلية والعلمية حبيسة أفراد بعينهم والأصل فيها الشيوع والانتشار، وبخاصّة إذا اتصلت بتفعيل القيم وارتبطت بفكرة التقدّم التي تنعكس من العلماء والفلاسفة وقادة الرأي على المجموع العريض من طوائف الناس على اختلاف أصنافهم وطبقاتهم.

ومن هنا قلنا : إننا لا نستطيع أن نفصل بين مناهج البحث العلمي في تناول الموضوعات التي يُراد لنا الكشف عنها، وبين مناهج التدريس في صلب العملية التعلمية نفسها؛ فعندما يقوم الباحث بتعليم الحقيقة التي توصل إليها من خلال بحثه عنها، يكون مطلوباً منه أن يعلّم تلك الحقيقة للناس كما مرّ بها هو، أو كما أكتشفها هو تماماً كما كان يفعل “ديكارت” في مقال في المنهج : فيلسوف نتعلم منه منهجية التفكير خلال خطواته التي كان يخطوها نحو البحث عن الحقيقة. وفي كل خطوة معرفة، ومع تراكم المعارف تصبح الوسائل المنهجية أو الخطوات المتبعة هى نفسها معارف إضافية.

إنما المطلوب أن يعالج الباحث المنهجي هذا الكشف في طريقة التعليم بمنهج يراعي فيه التركيب والتأليف. فلئن كان وقف طويلاً عند الكشف أمام نوع من المنهج هو منهج الحفر في النصوص وتفتيت المادة وتحليل مضامينها؛ فما فعل ذلك إلا ليكوّن “رؤية خاصّة به”. هذه الرؤية هى التي ينقلها إلى الآخرين من طريق التعليم، ويعلمها إياهم بمنهج يركب فيه ما كان حلل، ويؤلف فيه ما كان جَزأ. وكل باحث لا يستطيع أن يقدم لنا رؤية خاصة تقوم على التركيب والتأليف بعد التحليل والتقسيم (تقسيم المشكلة إلى عناصرها الأولية وأجزائها البسيطة) ثم تعتمد على الذاتية باعتبار أن الرؤية الخاصة هى خاصة بالذات العارفة، بعد تجاوزها لمراحل الموضوعية.

أقول؛ إنّ كل باحث لا يستطيع أن يقدم هذا أو مثله هو باحث فاشل لا يصلح للبحث ولا يؤتمن عليه في كل حال.

وإذا كان المتعارف عليه بين جمهرة الباحثين أن المنهج هو وسيلة ليس إلا؛ فإننا في هذا السياق لا نعدّه وسيلة فقط، ولكننا نعدّه كما قلنا غاية تنويرية ترمي بظلالها المعرفية نحو مقاصد حياتية للروح التي عرفت وللفكر الذي أستنار.

ومن شأن هذه الغاية أن تنهض بالمعرفة الإنسانية على تنوعها وشموها، وعلة التخصص فيها كذلك.

ومادام المنهج مرتبطاً بالرؤية الخاصة وإلحاق المعارف بذات العارف؛ بمعنى أنه لا يمكننا أن نفصل بين الذات والموضوع في نهاية المطاف؛ في المراحل الأخيرة من خلاصة البحث العلمي. ولا يوجد علم من العلوم ولا فلسفة من فلسفات الأمم على كثرتها إلا وننسبها أو ننسبه في حالة العلم إلى أصحاب هذا العلم أو تلك الفلسفة؛ فنحن نقول فلسفة أفلاطون وفلسفة أرسطو وفلسفة ابن رشد وجاذبية نيوتن ونسبية أينشتاين… وهكذا؛ لتصبح المعرفة العقلية متصلة بذات العارف تماماً كما تكون المعرفة العلمية خاصّة ذاتية بالعلماء الذين اكتشفوها، ويتقرّر هذا في سائر المجالات والعلوم. ناهيك عن مجمل الآراء ـ أو تفصيلها ـ التي تنسب إلى هذا المفكر أو ذاك، ويتميز بها مفكر دون آخر تماماً كما تتميز القدرات الإنسانية بارزة في مجال عن غيره من المجالات.

ومادام المنهج مرتبطاً بالرؤية الخاصة والذاتية اللاحقة من ذات الباحث، والتي ينبغي أن تعلّم لشباب الباحثين وأن تفتح أمامهم آفاقاً من النظر والبحث جديدة، فإنه في هذه الحالة ـ وبرغم هذا الارتباط بالرؤية الذاتية الخاصة يفرزها ويظهرها على التفاوت في الظهور والإفراز أو على التفاوت في الخفاء والضمور ـ لا يكون المنهج وسيلة عرضية وكفى بقدر ما يكون غاية في ذاته.

وربما تعددت المناهج بتعدد العلوم واختلافها من: (استدلالي إلى استنباطي إلى تجريبي إلى استقرائي إلى وصفي إلى استردادي .. إلى آخره) لكن الذي يبقى منها جميعاً من طريق دلالة التوكيد هو وحدة العقل البشري بإزاء المعرفة، فنحن إذا قلنا فلسفة قلنا عقلاً، وإذا قلنا عقلاً قلنا فلسفة، وإذا قلنا فلسفة قلنا معرفة : معرفة بالوجود وبالقيم وبالخير وبالحق وبالجمال، ومعرفة بطرق المعرفة الموصلة إلى ذلك كله في غير انتهاء من طاقات العقل وطاقات الروح والضمير.

ــ توجهات العقل ووَحْدَة المعرفة:

وفي إطار وحدة توجهات العقل البشري، لا فصل يُرجى بين تلك المناهج في طرائق التفكير، ولكنها تتكامل في نهاية المطاف بسبيل وحدة المعرفة البشرية، حتى إذا ما عولنا التعويل كله على المعرفة الإنسانية، والمعرفة في أي اتجاه من الاتجاهات، وفي أي ميدان من الميادين، يكون من الواجب على الذهن البشري إدراك الوصول إلى كنه محاولات الإنسان المستمرة لفهم الكون وأسرار الطبيعة وأغوار النفس البشرية وكوامن خفاء الضمير الإنساني في توجهاته وتقلباته.

وبما أن الرغبة في المعرفة دافعاً فطرياً أصيلاً في الإنسان حداه أن يبحث عن وسائل تمكنه من إشباع هذا الدافع بغرض تمكينه في الأرض وإعماره للكون، فقد صار لزاماً عليه أن يغيّر من هذه الوسائل، وأن يطور من طريقة تفكيره إذا لم يكن في تلك الوسائل أو في طريقة التفكير غاية ما يريد تحقيقه من أهداف، وكان طبيعياً أن يبحث له عن طرائق أخرى إذا لم تكن طرائقه القديمة تشبع دوافعه المعرفية التي لا تنتهى، ولا ينبغي لها أن تنتهي. ولكنه إذا وجد فيها الغاية وصلحت لإشباع دوافعه الأصلية كانت بمثابة النموذج الحق يحتذى، وينبغي أن يحتذى، كمطمح للعقل في تحصيله ـ وفق مقررات القيم العلمية ـ لألوان المعارف وأصناف العلوم.

إننا لا نشك قيد أنملة أن الوسيلة الكامنة في المنهج لدراسة الفلسفة الإسلامية إنما هى وسيلة تنويرية في أول مقام : تنويرية بالنسبة للعقل. وتنويرية بالنسبة للقلب. وكل ما يتصل بالإسلام بنسبٍ مفروضٌ فيه أن ينمي في الإنسان جهتين : جهة العقل أي إعمال البحث العقلي والاجتهاد فيه على الدوام بغير انقطاع تأسيساً على فريضة طلب العلم والتفكير. ثم جهة القلب، أي العمل القلبي باعتبار أن القلب رادع عن الشر، قيوم على الأعمال، هو وحده لا سواه من يملك الحكم، وهو وحده لا سواه من يخرج الحالات النفسية الباطنة؛ لتكون عزماً تجاه أفعال.

فإنّ الفعل الإنساني يمر بحالات باطنة في طوايا النفس البشرية كالخاطر ثم الميل ثم الاعتقاد وتنتهي تلك الحالات بحكم القلب على العمل: هل هو يخرج إلى حيز التنفيذ الفعلي أم لا؟ فإذا حكم القلب حكمه بالعزم خرج الفعل إلى التنفيذ في الواقع. وإذا حكم القلب بالامتناع لم يخرج الفعل بالعزم إلى التنفيذ. وأعمال القلب وأحكامه يعوّل عليها كل شيء في مجال الأخلاق ولا يعوّل على سواها.

حقيقة إذا نحن وصفنا الوسيلة من المنهج في دراسة الفلسفة الإسلامية بالتنوير، لم تصبح وسيلة بمقدار ما تكون غاية. تتفرع المنهجية حسب ما نفهم من المنهج إلى فرعين متلاحقين ومتضامنين. أولهما : كشف الباحث عن الحقيقة بمنهج التحليل النقدي. وثانيهما : تعليم هذه الحقيقة للشبيبة برؤية خاصة فيها من الذاتية والتفرد أكثر مما فيها من الموضوعية إذا ما كانت الموضوعية مجرد تراكم المعلومات وحشدها في الأذهان بغير ضابط منهجي، ناهيك عن الاعتماد على جهود الآخرين وآرائهم وأفكارهم في غير رؤية خاصة يضيفونها أو فكر جديد قوامه التأليف والتركيب بعد التحليل والتجزئة.

ليس المعلم هو الذي يقول : قال فلان كذا وكيت، ولكن المعلم هو الذي يقدّم تصوراً جديداً من فكره هو، ومن ذاته هو، ومن قوةٍ خلاقةٍ مبدعة هى روحه هو. فإذا لم يكن قادراً على أن يبدع من قوى الروح وفيض الذات في عطائها الخلاق؛ فليبحث له عن مجال آخر غير مجال التعليم، وغير مجال البحث في الفكر الإسلامي؛ لأن الفكر الإسلامي بصفة خاصة متصل عطاؤه لمن سمت روحه عالية بالطفرة فوق العوارض القادحة في الوجود الإنساني، يستلهم من روحه الهامات تخص إعمال العقل ونقاء القلب : العلم والإيمان والبصيرة.

ملهمات الروح بحث عقلي وتوجه قلبي بعد النظر والتحقيق وهى بالأفق الجديدة بمقدار طاقات المرء العقلية والروحيّة. وإني لأستعير مقولة “كلود برنار” حيث ذكر في هذا الصدد أن :” مهمة الأستاذ هى أن يقصر نفسه على أن يبيّن للتلميذ بوضوح: الغاية التي يستهدفها المعلم، وأن يبيّن له كل الوسائل التي في وسعه من أجل بلوغه وتحصيله … إلا أن العلوم لا تتقدّم إلا بالأفكار الجديدة وبالقوة المبدعة للروح”.

وليس لهذا التبيين الذي يجيء به “الأستاذ” المعلم، موفور له بوضوح أو في غير وضوح، ما لم تكن هناك “رؤية” هى بمثابة الغاية يشرع في توضيحها بكافة الوسائل الممكنة والمناهج المتباينة واللازمة لا لشيء إلا ليكون في عالم الفكر والبحث العلمي معطاءً ومضيفاً جديداً لم يكن موجوداً من ذي قبل.

وهبنا أردنا تطبيق ما ذكرناه فيما سلف من منهج مدعماً بأشراطٍ، على دوائر الفلسفة الإسلامية بفروعها المختلفة بين فلاسفة ومتكلمين وصوفية .. فماذا نحن واجدون؟

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم