نضير الخزرجيعندما عزمت على الهجرة الثالثة إلى بلاد الغرب، كان تصوري منحصراً بعنوان "اللجوء السياسي"، وهو عنوان وردي يتمناه كل صاحب قضية ضاقت به البلدان بما رحبت بعدما عزَّ عليه الوطن في ظل سلطة غاشمة، ليس للتخفيف من معاناة الترحل هنا وهناك فحسب، بل ليجد متسعا ومراغما للعمل من أجل القضية التي يحمل همَّها والتي من أجلها تغرَّب في البلدان خارج أسوار رغبته وإرادته.

ولما كان الصدق هو عنوان صحيفة الإنسان، فكان الصدق هو ما عرضته على دائرة اللجوء في لندن عندما نزلت بديارهم، ومن الصدق فترة سجن في العراق بعد إعتقالي وآخرين من داخل مقاعد الدراسة الإعدادية سنة 1979م، ومن الصدق إعتقال وإعدام عدد من رفاق الدرب، ومن الصدق الهجرة القسرية إلى سوريا بعد محاولة إعتقال ثانية من داخل الدار سنة 1980م، ومن الصدق العمل الإعلامي والسياسي الموجه في معظمه لنصرة الشعب.

لكن الصدق كلفني إثنا عشر عاما من الإنتظار حتى حصلت على جنسية البلد المضيف، بعد أن رفضوا منحي اللجوء السياسي واستبدلوه باللجوء الإنساني، في حين كان يفترض الحصول عليها في أقل من نصف هذه المدة لو أصدقوني القرار كما أصدقتهم القول، ولكن اكتشفنا مع مرور الوقت أن الذي يلفق قصة تراجيدية عن عذابات لم يرها يرميها على مسامع المسؤول عن ملف اللجوء، يحصل على العنوان الوردي في أشهر وعلى الجنسية في سنوات قلائل، ولكل من العنوانين استحقاقه القانوني والمعنوي.

وعندما ارتفعت حواجز المنع في الوطن بعد تغير النظام السياسي، كانت الرغبة قائمة لمواصلة العمل في الداخل لاستكمال ما بدأنا به ونحن في مقتبل العمر، لكن الأمور لم تكن بهذه السهولة كما ظننا إذ كان على العائد بكفاءته وشهادته وخبرته ويريد خدمة البلد من غير وساطة وتزكية حزبية أو فئوية أن يثبت لدائرة الهجرة والمهجرين أن هجرته تحمل عنوان الجهاد وليس النزهة!، وعليه أن يفتح عندهم ملفا بهذا الشأن، فعمدت بعيدا عن الوساطة، رغم العلاقة التي تربطني بقيادات سياسية وحزبية على مستوى القمة، إلى المرور بسلسلة الإجراءات الإدارية حتى أثبت للدائرة المعنية أن هجرتي هجرة جهاد، واكتشفت بعد أشهر أن الدائرة أغلقت الملف ورقَّنته جانبا، وعندما استفسرت من مدير الدائرة كان جوابه وبكل بساطة أن القسم القانوني أغلق الملف لأنه لم يثبت لديه أن صاحبه سياسي وأن خروجه من العراق يافعا لم يكن هجرة نضال سياسي، ولرفع الترقين عليه أن يثبت ذلك بشاهدين وتزكية حزبية من أحد الأحزاب النافذة.

صدمني قرار دائرة الهجرة والمهجرين رغم السجن والهجرة القسرية والعمل السياسي والإعلامي منذ سنة 1976م، كما صدمني من قبل قرار الداخلية البريطانية الذي لم يعترف بي لاجئا سياسيا، فبلد مسقط الرأس لم يعترف بك مهاجرا سياسيا رغم الدلائل والمؤشرات التي كانت بحوزتهم والحضور الشخصي المقروء والمرئي في وسائل الإعلام لعشرات السنين وعشرات المؤلفات والدراسات وآلاف المقالات، وبلد المهجر لم يعترف بك سياسيا، وحيث منحني الثاني رغم الممانعة فرصة العمل السياسي والمعيشي والدراسة ونيل الشهادة العليا، فإن الأول أعدمتني قراراته الصادمة فرصة تقديم زكاة العلم والتجربة، ولله في خلقه شؤون، وهو أعلم بالمراد ومصلحة العباد.

مفارقة مرّة أليس كذلك .. مفارقة حانت إلتفاتتها إلى ذهني وأن أتابع قراءة كتيب "شريعة اللجوء" للمحقق الفقيه الشيخ محمد صادق الكرباسي الصادر في بيروت حديثا (2020م) عن بيت العلم للنابهين في 47 صفحة ضم 75 مسألة شرعية مع مقدمة للناشر وثانية للمعلق الفقيه الشيخ حسن رضا الغديري، وثالثة لصاحب الشريعة، مع 16 تعليقة.

اللجوء حق مشروع

من سعادة المرء ان ينمو في بيئة طيبة سليمة، في ظل أسرة صالحة وحكومة عادلة، يأخذ من الدنيا حظوظه كما يأخذ لآخرته زاده، له أن يعبر عن رأيه ضمن حدود منطق الحرية دون خوف مساوقة مع قوانين البلد المعمول بها، يتعبد حيث يتعبد دون وجل ويتعلم حيث يتعلم دون ذعر ويعمل حيث يعمل دون ظلم، له أسرته وعالمه.

ولأن الإنسان مجبول على الحرية ورفض العبودية المبغوضة لا العبودية المحمودة، فإن العمل على توفير مسلتزماتها هي من أولياته إذا عميت بوصلة السلطة عن قبلة الحق، وإذا ضاقت عليه حلقاتها إلى حد التصفية الجسدية فإن الهجرة هي سبيله واللجوء إلى بلد آخر وسيلته، ولا مناص عن هذا الطريق الوعر إن أراد حياته والعمل من أجل حياة الآخرين، ربما يعد البقاء في البلد ومماشاة الظالم والعمل في ركابه على حساب رقاب الناس هو الظلم بعينه، وتغدو الهجرة حينئذ أكثر من واجبة، لأن دفع الظلم واجب ولو تحقق بالهجرة واللجوء، وبتعبير الفقيه الكرباسي في التمهيد: (وما الإجارة واللجوء إلا لأجل حفظ النفس من مخاطر أمنية أو أمور حياتية بحيث لا يمكن الإستمرار في الحياة إلا بالخروج من المنطقة التي فيها للإعتصام بجهة تحميه مما فيه، وتنقذه عما فيه، ليعيش عيشة طبيعية ولو في أدنى مراتبها)، وقد ذمّ القرآن الكريم أولئك الذين ظلموا أنفسهم بقبول الظلم وعدم ممانعته بحجة الإستضعاف بقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً. إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً. فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً) سورة النساء: 97- 99.

فالإنسان بطبعه ميال الى الأرض والإلتصاق بها ولا يريد الإنحياز عن دائرة موطنه وملعب صباه رغما عن أنفه إلا لأجل طلب العلم أو التجارة أو السفر والترويح عن النفس، أو زيارة قريب أو صديق، وما أشبه ذلك، وأما السفر الطويل القسري فهو غير محبذ بالمرة وإنما يلجأ إليه مضطرا ولهذا يعتبر سفره القسري لجوءًا واستجارة بالآخر للحفاظ على حياته، فاللجوء والإجارة كما يفيد الفقيه الكرباسي: (لفظتان وردتا في اللغة العربية هما الإجارة واللجوء، فالأولى استخدمها القرآن الكريم وتأتي لغة بمعنى الإغاثة والإنقاذ والحماية، والثانية تأتي بمعنى الإعتصام واللواذ، تقول لجأ إلى الحصن مثلا أي اعتصم به ولاذ إليه)، إذاً: (اللجوء: هو الإعتصام بالآخر واللوذ به ليؤويه ويدفع بذلك عنه الخطر والشر المحدق به .. والإستجارة: هي الإستغاثة بالآخر والإلتجاء إليه والإحتماء به .. فاللجوء والإستجارة في المآل مؤداه واحد).

دوافع اللجوء ومبرراته

ليس العمل السياسي المحض هو وحده الدافع لطلب اللجوء، وإن كان هو الظاهر للعيان حينما يحتكر شخص أو مجموعة أو حزب كامل العمل الحزبي والسياسي في البلد ويحظر على الآخرين العمل إلا تحت واجهته أو الملاحقة كما هي معظم الحكومات الشمولية، فالأسباب كثيرة، ويشير المعلق في مقدمته إلى أربعة دوافع يراها هي محور طلب اللجوء إذ: "لا يخفى على المتتبع الخبير أن المجتمعات البشرية تواجه التخاصم والتنازع بين أهلها بشكل وآخر، فتارة بسبب الإختلاف في العقيدة، والأخرى في الأمور المالية والإجتماعية والثالثة في العادات القومية ونحوها، ورابعة الخلاف في المسائل السياسية والحكومية، والأخيرة من العلل العامة التي سببت شيوع اللجوء بين الناس).

وإذا كانت هذه مجمل دوافع اللجوء، فإن الفقيه الكرباسي يحدد وفقا للقرآن الكريم ثلاث حالات من اللجوء: (لجوء المسلم إلى بلاد غير المسلم، ولجوء غير المسلم إلى المسلم، ولجوء المسلم إلى المسلم)، وقد سنّ القرآن أعظم قانون للإجارة واللجوء عندما قبل حتى لجوء المشرك وترك له حرية الإيمان من عدمه وتوفير الحماية الأمنية له بقوله تعالى: (وَإِنْ أَحَدٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْلَمُونَ) سورة التوبة: 6، وبناءً عليه كما يؤكد الفقيه الكرباسي: (يجب على المسلم قبول الإلتجاء لمن ليس بمسلم، ويعد هذا حقاً من حقوق المواطنة في الدولة الإسلامية)، بالطبع: (على اللاجيء غير المسلم ان لا يعمل على نقض الإسلام وضده، بل الواجب عليه أن يلتزم بالقوانين الشرعية السائدة وعدم مخالفتها) مع الإحتفاظ بحقه في ممارسة طقوسه وعبادته دون تبشير، ويزيد الفقيه الغديري: (بل وعلى الدولة الإسلامية الإهتمام بمعتقداته وأداء واجباته الإعتقادية بعد القبول المعطى له، ويراعي في ذلك أن لا يكون فيه نشر معتقده أو تشويه وجه الإسلام بنحو وإلا فلا يسمح له في العلانية"، وعليه ومن حيث القانون العام وكما يفيد الفقيه الكرباسي: (يطبق قانون الدولة الحاكمة والعدالة على المستجير واللاجئ إلا في العقيدة فإنه حرٌّ فيها).

وللجوء سيئاته

لاشك أن اللجوء عملية قائمة منذ الخليقة تشترك فيها ذوات الأرواح من عاقلة وغير عاقلة لحماية الكائن الحي ومن يلوذ به، فاللجوء ليس هروبا طوعيا، ولكنه محاولة صعبة من أجل البقاء وفيه تبعات كثيرة على المرء ومن يحيط به، بل يصل الى مرحلة الوجوب، وبتعبير صاحب الشريعة: (اللجوء قد يصبح واجبا إذا كانت هناك ضغوط هائلة بحيث لا يمكن من إقامة الدين فيها، إذ من الواجب على المسلم أن يأخذ حريته في الحياة كما فرضها الإسلام).

وإذا خُير المضطهد بين اللجوء إلى دولة إسلامية أو غير إسلامية فالأولى مقدمة إذا توفرت له فيها أدوات الحرية، وكما يؤكد الفقيه الكرباسي: (إذا تمكن اللاجئ المسلم أن يلتجئ إلى دولة إسلامية يمكن أن يعيش فيها بسلام فعليه أن يفعل ذلك، ولا يلجأ إلى دولة غير إسلامية).

ويقتضي في اللجوء السليم وجود المبررات حقاً، إذ: (لا يجوز للاجئ المسلم الكذب على دولته الإسلامية القادم منها بأنه مضطهد أو أنه ملاحق من قبل رجال الأمن ليتمكن من الحصول على اللجوء)، كما: (لا يجوز أن يكون لجوؤه لأجل الحصول على المال وهو غير محتاج ويكذب ليكون لاجئا سياسيا ويزور أوراقا بذلك)، فالتزوير في هذا المقام إنما هو تدليس غير مبرر من أجل الكسب الحرام، وإلا فإن تزوير الجوازات أو سمة الدخول هي الصفة الغالبة لمن يطلب اللجوء السياسي حقا، وهو ما يشير إليه الفقيه الغديري في تعليقه: (يجوز تزوير الأوراق الرسمية إذا تمت شروط اللجوء ويكون الخطر على نفسه أو عرضه أو ماله).

ولكون القاعدة العقلائية قائلة بأن الناس عند شروطهم، فإنه: (لا يحق للاجئ مخالفة قوانين الدولة المستضيفة وإرباكها والتحايل عليها بأي وجه من وجوه الإخلال بالقانون)، وعدم المخالفة لا يعني التماهي مع العادات والتقاليد المتعارضة مع تقاليد اللاجئ ومعتقداته، وبالنسبة للاجئ المسلم عليه: (أن يحصِّن نفسه وعياله وأولاده من الإنزلاق نحو الإنحراف والتخلق بأخلاق غير المسلمين وعقائدهم المرفوضة إسلاميا).

في الواقع ورغم الهالة الكبيرة التي تحيط بعنوان اللجوء فإن فيه من السيئات ما جاءت على سلامة العائلة وأواصرها بغض النظر عن كونها مسلمة أو غير مسلمة، فالإغراءات أمام الشباب والشابات كثيرة، والممانعات أمام الوالدين أكثر مما أوقع البعض في المنزلق البعيد عن تقاليد البلد الأم وعاداته ومعتقداته، فليس اللجوء كله جنة (!)، وأسوأ من اللجوء عندما لا يجد المغترب موطئ قدم في بلده عندما ترتفع أسباب الهجرة القسرية، فيرى بالمهجر وعلى مضض وطناً له ولعقبه!

 

د. نضير الخزرجي

لندن- الرأي الآخر للدراسات

 

جمعة عبد اللهقراءة في كتاب: د. جمال العتابي .

يحاول د. جمال العتابي في كتابه الجامع غير المانع لموضوعات مختلفة (داخل المكان) يحاول رصد الزمان عبر قراءة مستفيضة للمكان، وهو يدخل على موضوعاته بنوع من الحميمية والمعرفة بها عن دراية وحالة من التماس، وداخل المكان، عنوان يحمل بين طياته غايته الدلالية الواضحة اذ يهدف الى وضع اليد على تفاصيل غير متوقعة في المكان المزمع قراءته، لقد قسم الكتاب الى اكثر من ثلاثين مقالاً تراوحت اغلبها بين قراءة مخلصة لتاريخ الامكنة، التي عاش فيها وادرك اسرارها وخفاياها كمقالاته الثماني عن (مدينة الحرية عمارة انسانية) وهي من شغله السردي المهم والمؤثر في نفوس قرائه حيث قدم لنا صور رائعة وبانوراميا تثير الاعجاب، خصوصاً لدى الذين عاشوا في هذه البقعة الحميمة لدى الكثير ممن عاش في مدينة الحرية وعاصر وشهد جل الاحداث التي مرت بها المدينة او تفاعل مع بعضها، وقد سعى لارضاء خاطر تعرض الى انتهاك، هذا الخاطر النبيل الذي عرف به جمال العتابي ومن كتب عنهم، ومن تعرض الى المزيد من التهميش والاقصاء او الاعتقال، وهو ليس شاهدا فقط بل احد الذين وقع عليهم الاضطهاد والأذى بسبب الفكر الذي تبناه منذ كان طالبا في المرحلة الاعدادية كذلك من خلال اب مناضل عنيد وقوي الشكيمة، وعلى ذكر المناضل اقصد به الراحل حسن العتابي، المعلم والانسان الصلب كلنا نعرفه عن قرب، نحن الذين كنا نرتاد مقهى الساقية ومقهى ابو خالد، فقد كان الرجل ملتزما بمبادئه، يدرك خطواته القادمة، متوقعا ما الذي سيواجهه من صعوبات بل ومطاردات عسيرة تلوح في الافق دائماً، وكان بيته محط انظارنا جميعا، ولقد مزج المؤلف (د. جمال) بين سيرة والده المناضل، مع ما مر به اليسار العراقي من تجارب مريرة، لمناضلين قدموا تضحيات جسام كمظفر النواب وعلي عبد الحميد مدير مدرسة الفجر، وعبر متابعة مضنية ومدركة، قدمتها صفحات الكتاب بصورة مشرقة وواضحة ..

داخل المكان، محاولة جادة لأعادة كتابة التاريخ الوطني، من خلال عنصرين مهمين اولهما المناضل السياسي، الذي قدم التضحيات تلو التضحيات، وثانيهما المهمش و المنسي وهو تاريخ يعني لدى المؤلف خصوصية الالتزام بهموم الناس، وان كان الاب هو البوصلة للطريق الطويل والصعب: (... مشيا على الاقدام او ظهر فرس، لابد لحسن العتابي ان يصل الشطرة، ويمضي يوم الجمعة للاتصال برفاقه، يعود محملاً بالاسرار والكتب ومجلات الاديب والرسالة والهلال التي توفرها مكتبة الغراف) ص37 . ان سيرة المعلم المناضل (حسن العتابي) وحدها يمكن ان تضع الكثير من النقاط على الحروف، فيما يخص الحياة السياسية في الخمسينات والستينات والسبعينات، من القرن العشرين، وما عاشه من اختار النضال طريقا للوصول الى اهداف نبيلة وسامية ، وهذه السيرة التي اراد المؤلف ان يكون الفاعل والشاهد عليها، يعلم كم عدد الذين يشهدون ويشاركونه الشهادة، على نقاء هذه السيرة ونظافة صاحبها رغم الاعتقالات والتعذيب والمطاردات عبر كل العهود والحكومات الوطنية اوالقومية النزعة .

امر طبيعي ان يقسم د . جمال العتابي كتابه (داخل المكان) الى اقسام اشبه بالفصول معتمدا على اهمية الموضوع وقربه من المتلقي اولاً ومعرفته الشخصية له، ولعل مدينة الحرية لأهميتها الحياتية والاجتماعية في تشكيلها لشخصية المؤلف (في شبابه) نجدها قد فازت بعد التركيز على موضوعة النضال الوطني، يأتي دور المدينة لتحتل مكانة مبرزة في الكتاب: (مدينة الحرية كانت انيقة بساكنيها، وفي بيوتها نسل طيب ينتمي لكل الاعراق والقوميات من عرب وكرد وطوائف، فسيفساء مختلفة عن بقية احياء بغداد الاخرى ... هي مسكن لمبدعين من المثقفين والفنانين والاكاديميين في اختصاصات وميادين متعددة) ص51 / 52. لذا نجدها كموضوعة قد فازت بحصة الاسد في فصول الكتاب وصفحاته وفقراته اذ خصص لها اكثر من ثمانية حقول تعريف بها وبتاريخها وناسها وفنانيها ومثقفيها، مقاهيها ومغنيها وبرياضييها الذين بزغوا في ملاعبها الشعبية ثم تسلقوا سلم المجد في الرياضة العراقية، لم يبخل الكتاب على مبدعي (المدينة) كما يطلق عليها اهلها وساكنيها، ولعل من طلع مغنيا منها نال من الكتاب الاوفر حظا من الصفحات، وتشير الى اسماء بارزة في الغناء الستيني: ــــ فاضل عواد صاحب الاغنية الاشهر (لا خبر) وسعدون جابر واغنيته المعروفة والتي قدمته للجمهور (افيش بروج الحنية) ثم ينعطف الى كاظم الساهر واغنيته الاولى (الحية والحبل) وبهذا يمكن ان يكون داخل المكان سجل حافل بالكثير مما لا نتوقعه من مؤلف واحد، في الوقت الذي نجد الكتاب يمكن ان تتوزع موضوعاته على مختلف الاختصاصات او مشارب مختلفة، كيف لمؤلف واحد ان يحتويها بالبراعة التي اعتمدها د . جمال العتابي وخصوصا اننا لم نلحظ اللغة قد تبدلت او هبطت او تغيرت نبرتها الهادئة، وبشاعرية يصف فيه القاص غانم الدباغ بعد مجيئه الى بغداد تاركا مدينته الموصل: (ولأنك لا تريد ان تضيع المفتاح الصغير للدخول الى العصر، تركت الضجيج والدوي والاجوبة غير المقنعة، ففتحت لك بغداد بيتها وقلبها ورحت نحو الافاق المشرقة، تنتج وتعطي ابداعا وانسانية، ليزهو من بعدك مريدوك بما منحت من عطاء ...) ص 126...

ان اي محاولة للكتابة عن هذا النوع من الكتب، التي تشتغل على حشد من الموضوعات المتباينة، في اتجاهاتها حتى لو بدت لنا للوهلة الاولى انها موضوعاً واحداً من خلال العنوان (سنكتشف ان الكتاب هو سيرة ذاتية للمؤلف) الا اننا سندرك ضرورة تعرفنا عليها، وسنرى كم هي قريبة منا ومن همومنا اليومية الساخنة كحديثه عن مجموعة الاصدقاء الذين اختاروا المنفى قسرا : ابرزهم الشاعر المغترب جليل حيدر ورسام الكاركتير بسام فرج والناقد السينمي رضا الاعرجي . وحال هؤلاء كحال الاخرين الذين استمروا يعيشون في الوطن كأنهم لا يعيشون فيه ولا ينتمون اليه انهم غرباء عن المكان الوحيد الذي يملكون ..

 

جمعة عبد الله

 

 

 

محمود محمد علييختلف مفهوم التجديد باختلاف الباعث عليه، والمحرك لمحرر ذلك المفهوم، فللأنثربولوجية، والابستمولوجيا دور كبير في ذلك، إضافة إلي الايديولوجيات المطروحة علي الساحة علي تباينها في نقاط واتفاقها في أخري، كل ذلك أدي بدوره إلي صعوبة تحديد هذا المصطلح حداً جامعاً مانعاً وإن أمكنت المقاربة .

وفي التراث الإسلامي نجد تعريف التجديد حاضراً في مدوناتهم، فحين تعرض الإمام المناوي صاحب فيض القدير لشرح حديث المجددين نقل عن العقلمي :" إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة والأمر بمقتضاهما، كما عرفوا المجدد بأنه : من له حنكة رد المتشابهات إلي المحكمات، وقوة استنباط الحقائق والنظريات من نصوص الفرقان وإشاراته ودلالاته .

ومنذ أكثر من قرن ونصف والبحث مستمر في مسألة تجديد الفكر الإسلامي ؛ حيث اتخذ التجديد الديني في الفكر العربي المعاصر مناحي شتي، بعضه اتجه إلي ما هو سياسي بمحاولة نقد الأسس الدينية التي يقوم عليها دعاة الإسلام السياسي، وبدا ذلك بكتاب الشيخ "علي عبد الرازق " (الإسلام وأصول الحكم)، والذي قوض فرضية قيام شكل الحكم السياسي في المجتمعات الإسلامية علي نصوص دينية قاطعة، كان مخرجها النهائي هو اعتماد الخلافة الإسلامية كقالب واحد ووحيد للحكم، وجعل الأمر اجتهاداً بشرياً بحسب تطور الخبرات البشرية ومطلوبات العصر .

ثم زلزل عبد المتعال الصعيدي الساحة الفكرية بكتابه (المجددون في الإسلام) وهو ما أكد علي ضرورة واستصحاب البعد النقدي عند النظر للتراث الفكر بشكل عام والفكر الديني يدخل تحت ذلك وعدم التسليم به بشكل مطلق.

ومن هذا المنطلق رأينا أن قضية تجديد الفكر الديني عند المتعال الصعيدي تستحق الدراسة والتوقف أمامها بتفحص وعناية، وذلك علي الرغم من كثرة الدراسات في الفكر الحديث والمعاصر، وذلك لأنها مؤشر هام علي تطور الفكر الإسلامي وواقعيته من ناحية، وقدرته علي التجدد الذاتي ومواجهة التحديات من جهة ثانية، كما أنها مؤشر علي أن تقدم المجتمع مرتبط بقضية التجديد بربط وثيق.

قصدت أن أقدم هذه المقدمة عن تجديد الفكر الديني لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان " كتاب العمامة المستنيرة – تجديد الفكر الديني عند عبد المتعال الصعيدي " للدكتور أحمد محمد سالم  (ويقع في (230) صفحة من القطع الكبير)، وفي رأيي أن هناك نمطان من الأساتذة الجامعيين،نمط تقليدي تتوقف مهارته عند تقليد الآخرين والنقل عنهم وضبط الهوامش، والحرص علي أن يكون النقل أميناً، وكلما كان من مصادر ومراجع أجنبية كان أفضل، وكلما قل فيما يقولون فإن ذلك هو الصواب عينه، ونمط مبدع يسخر قراءته لإبداء الرأي أو للتدليل علي صواب الاجتهاد العقلي الشخصي، وبالطبع فإن النمط الثاني هو الأقرب إلي النمط الفلسفي الحق، فالتفلسف ينتج الإبداع ولا يتوقف عند النقل وإثراء الهوامش .

ولا شك في أن أحمد سالم (مع حفظ الألقاب) من هؤلاء الذين ينتمون إلي النمط الثاني، فهو صاحب موقف فلسفي ونقدي واضح من كل ما يقرأ ولا يكتب إلا في حول أو في قضايا معاصرة  بغرض بلورة موقف مبدع ومستقل عن كل المواقف ومختلف عن كل الآراء المطروحة حول نفس الموضوع سواء قيل من قبل .

إن البحث الفلسفي في نظر أحمد سالم تعبير خالص عن الموقف الفكري المستقل الخالص بالباحث وليس مجرد مجموعة من النقول والشروح والتعليقات المفتعلة . وعلاوة علي ذلك فإن جدية أحمد سالم وأصالته تتكشف عندما يطرح القضايا الفكرية والسياسية، حيث نجد الغاية من هذا الطرح ليست مجرد تكرار للأفكار، وإنما يسلط الضوء علي أفكار وقصايا بعينها، من أجل أن يكشف عن المجتمعات العربية عموما، والمجتمع المصري خصوصا، وكذلك من أجل أن يستقي القارئ العربي منها مصادر خلاصة من مشكلاته التي تؤرقه وخاصة مشكلة وجوده كإنسان له كرامته الأصلية.

ولهذا يعد أحمد سالم واحداً من أبرز الوجوه الثقافية من زملائنا المعاصرين، وهو يمثل قيمة كبيرة وشعلة من التنوير الفكري التي بدأها منذ ربع قرن باحثاً ومنقباً عن الحقيقة والحكمة . إنه الباحث عن سبيل يحفظ للإنسان حريته وكرامته فهو ينقب في ثنايا الفكر العربي الحديث والمعاصر، لكنه لا يسلم به من ما يكتب عنه من قبل زملائه الباحثين، بل لديه قدرة عظيمة علي أن يلقي بنفسه في خضم المشكلات المطروحة، ويشق لنفسه طريقه الخاص غير عابئ بما يقوله هذا الفيلسوف أو ذاك من أعلام الفلسفة الشوامخ.

وإذا ما أكتب اليوم عنه هذه  الوريقات القليلة، فما ذلك إلا نقطة في بحر فكره، وقد آثرت أن تكون ورقتي منصبة حول أحد إسهاماته في الفكر العربي المعاصر، وقد اخترت كتبه بعنوان "العمامة المستنيرة – تجديد الفكر الديني عند عبد المتعال الصعيدي"، حيث يعد هذا الكتاب واحداً من تلك المؤلفات الني عني بها مؤلفها أحمد سالم بالدفاع عن  تجديد الفكر الديني عند عبد المتعال الصعيدي"  حيث تبني الكاتب فكرة الإصلاح والتجديد المنشودة لمجتمعاتنا الإسلامية باعتبارها الأمل المرجو في تغيير الوضع المؤلم الذي تعاني منه الشعوب والدول الإسلامية.

وقد عمد الكاتب في مناقشة قضية تجديد الفكر الديني إلي تحليل كتابات وآراء عبد المتعال الصعيدي (1894-1966م) وقد جاء انتخاب المؤلف لهذا المفكر لانتمائه لمدرسة الفكر المستنير علي نفس نهج الإمام محمد عبده في مطلع القرن الماضي، ومن الجدير بالذكر أن الشيخ عبد المتعال الصعيدي علي الرغم من قلة الأبحاث أو الدراسات التي عنيت بدراسة أفكار هذا المفكر إلا أنه قد خاض حياة فكرية حافلة بالمساجلات والحوارات في قضايا الإصلاح والتجديد مخلفا وراءه الكثير من الخلافات بينه وبين علماء عصره والعديد من المؤلفات في هذه الموضوعات، وكذلك أيضا القليل  من الضوء الملقي علي فكره وشخصه بعد رحيله.

ويتناول الباحث في بداية الكتاب للصراع المحموم بين  النخبة العلمانية والإسلاميين حول رؤية تطور حركة المجتمع في كافة المجالات ؛ حيث قال الباحث :" دارات معارك حامية الوطيس بين العلمانيين والإسلاميين، وانتقلت من صراع الأيديولوجيات إلي صراع التسفيه والتشويه والتجريح ".. ويفيض الباحث في شرح هذا الصراع ثم يعلن بأن كتاب العمامة المستنيرة .. تجديد الفكر الديني عند عبد المتعال الصعيدي" جاء محاولاً تجسير الفجوة بين الإسلام والعلمانية، الديني والمدني، من خلال عرض رؤية الصعيدي التجديدية، فالصعيدي هو كما ذكرنا من قبل هو امتداد لمدرسة جمال الدين  الأفغاني ومحمد عبده، وسعي من خلال فكره التجديدي لتقديم قراءة معاصرة للفكر الديني تراعي تطور المجتمع والزمن والبيئة التي يعيش فيها، ففي فكر الصعيدي إعادة الاعتبار للعلم والعقل، وإدراك أهمية الزمن في النظر إلي الفكر الديني الجديد .

ومن هذا المنطلق اختار أحمد سالم "عبد المتعال الصعيدي" ليس بوصفه مجددا فقط، بل بوصفه يخدم قضيته الأساسية وهي محاولة تجسير الفجوة بين الإسلام والعلمانية عبر فكر ديني جديد مستنير هو فكر الشيخ الصعيدي، ولعل الاطلاع علي فكر هذا المسلح كما يقول أحمد سالم أن يقلل حدة الاستقطاب بين العملانيين والإسلاميين علي فضاء الانترنت، ووسائل الإعلام.

ولهذا قام سالم بتقسيم البحث إلي مقدمة واربع فصول وخاتمة ؛ ففي المقدمة تعرص أحمد سالم لحالة الاستقطاب بين العلمانيين والإسلاميين، وأبعاد الاتهامات المتبادلة  بينهما، والتأثير السلبي لهذا علي حياة المجتمع .

وفي الفصل الأول، وقد خصصه أحمد سالم بعنوان (الأزهر: من الديني إلي العلماني)، وفيه ناقش سالم مشروع الصعيدي لتطوير الأزهر، وذلك عبر أفق الإصلاح التي تم المناداة بها من داخل الأزهر، وقدم فيها رؤية لعلمنة الأزهر، وضرورة  دخول العلوم الحديثة إليه، ومناقشته لأهمية تجديد العلوم السائدة داخل الأزهر، وأهمية الفضل بين العلم الديني، والعلم المدني الحديث.

وفي الفصل الثاني  وقد خصصه أحمد سالم بعنوان (التجديد: من الغيبي إلي الاجتماعي)، ويعالج هذا الفصل معني التجديد ومعوقاته، وكيف يري الصعيدي ضرورة أن ينتقل التجديد الديني من الغيبي إلي المادي والاجتماعي، وأن يركز علي نقل وظيفة الدين، إلي تحسين حالة الاجتماع والنهضة به، ولهذا كان ينتقد العطالة الصوفية، ومن جانب آخر يري الصعيدي ضرورة إرساء العقلانية والعلم في الفكر الديني الجديد، وكيف كان الصعيدي أقرب لمدرسة الاعتزال الجديد في هذا الأمر، تلك المدرسة التي أرسي دعائمها الإمام محمد عبده.

وفي الفصل الثالث وقد خصصه أحمد سالم تحت عنوان (التجديد: العلوم الإسلامية  من التاريخي إلي العصري، وفي هذا الفصل ناقش سالم تجديد  العلوم الإسلامية في مجالات علم الكلام، وأصول الفقه، والفقه، وناقش المؤلف أيضا حجم إسهام الصعيدي التجديدي  في هذه المجالات، ومدي الإضافة  التي قدمها هذا المجدد في هذه المجالات.

وفي الفصل الرابع والأخير فقد خصصه  المؤلف بعنوان (التجديد: من الديني إلي السياسي)، وقد ناقش فيه علاقة الروحي بالزمني، والديني بالسياسي في مسألة الدولة، وهل ثمة كهانة في الإسلام، ويطرح رؤي الصعيدي التجديدية حول هذه الموضوعات، وحواره مع أعلام عصره مثل خالد محمد خالد، ومحمد الغزالي حول هذه القضايا.

وفي خاتمة الكتاب أبرز أحمد سالم لأهم النتائج التي توصل إليها، ولعل من أهمها أن محاولة عبد المتعال الصعيدي جاءت لتخط الطريق نحو انفتاح الإسلام علي العالم والحداثة والعقل والعلم، وتسعي نحو قراءة مستنيرة للإسلام في ضوء تطور الاجتماع المعاصر بما يعني مسايرة الفكر الديني لمشكلات المجتمع ومستجداته، والدين من خلال فكر الصعيدي لا يقف حجر عثرة في سبيل النهضة والتقديم بل هو معول وداعم لهما .. كما يركز عبد المتعال الصعيدي في مشروعه الإصلاحي علي ضرورة إصلاح التعليم  الأزهري بما يوافق تطور التعليم في زمننا الحديث، فلم تعد متون الكتب القديمة في العلوم الإسلامية قدرة علي إبلاغ رسالتها لتغير العلوم والمعارف والشبهات في العصر الحديث، بما يعني ضرورة تطوير التعليم الديني ليكون قادرا علي أداء الإسلام  لرسالته في العصر الحديث، وأن يظل الإسلام فاعلا في حياة المجتمع بفكر جديد، وقراءة جديدة، ولهذا ركز الصعيدي علي  أهمية إعادة النظر في طريقة ومقررات التدريس بالأزهر الشريف . ومن ناحية أخري طالب الصعيدي بتطوير أنظمة التعليم بالأزهر ووصلها العلوم الحديثة بمتطلباتها، ويوازي خريجي المدارس الحديثة في التعليم، وذلك لأن التعليم بالأزهر منقطع الصلة  عن متطلبات الحياة العملية، كما أكد الصعيدي علي  أهمية تدريس العلوم الحديثة في الأزهر بعيدا عن الخلافات الدينية واللاهوتية، وذلك لأن موضوع علوم الدنيا مغاير في بنيته لطبيعة علوم  الدين فلا ينبغي أن تكون علوم الدين حكماً علي علوم الدنيا، وهو ما يعني أن الصعيدي كان أقرب إلي تجديد  المجالات والاختصاصات بين ما هو يدني وما هو دنيوي.

وأخيراً وليس آخراً أقول إنني استمتعت بقراءة هذا الكتاب الجاد الذي نجح صاحبه أن يبرز لنا كيف حملت رسالة عبد المتعال الصعيدي في تجديد الفكر الديني الإيمان بمركزية العقل والعلم  في الإسلام باعتبار أن إعمار الحياة الدنيا يقوم علي العقل والعلم، كما نجح المؤلف أيضا في أن يثبت لنا بأن مسار الفكر التجديدي عند الصعيدي يتمحور في  دعوته لتجديد العلوم الإسلامية، وضرورة الانتقال بها من الماضي التاريخي إلي الواقع الراهن، لتغير تطور حركة الاجتماع، وتغير الظروف التاريخية للمسلمين من الانتشار إلي الانحصار، ومن الرفعة إلي الانكسار، فتجديد العلوم الإسلامية ضرورة تاريخية وحضارية  لإعادة إنتاج  فكر ديني جديد يسهم  في نهضة المجتمع .

فتحية للأستاذ الدكتور أحمد سالم والذي كشف لي من خلال هذا الكتاب بأنني إزاء نموذج نادر يصعب أن يتكرر، لمثقف واسع الثقافة وكذلك لمفكر حر نزيه لا يقيم وزناً ولا يحسب حساباً إلا للحقيقة العلمية وحدها، وفوق ذلك وأهم من ذلك بالنسبة لنا أنه كان يقدم مادته العلمية فى أسلوب بالغ الجاذبية والتشويق تجعلها أشبه ما تكون بالعمل الفني الممتع دون أن تفقد مع ذلك شيئا من دقتها الأكاديمية، ولهذا لم أكن مبالغاً حين قلت في عنوان الكتاب بأن أحمد  سالم - مؤلف الكتاب يعد بالفعل في مرحلتنا الراهنة "أحمد سالم أيقونة الإبداع في زمن تجلي الاله ".

فتحية طيبة للدكتور أحمد سالم التي كان وما يزال يمثل لنا نموذجاً فذاً للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

 

 

محمود محمد عليتخيل أنك ترتدي عدسات ذات ألوانا زرقاء ماذا ستري ! بالطبع ستري كل ما حولك باللون الأزرق .. قد يكون الأمر غريباً عليك في البداية، لكن بالتدريج سيبدو الأمر طبيعياً دون أن تدري .. لكنك ستبقي تري الأمور من منظور أزرق .. هذا ما اعتقده الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1824) أن كل منا يري الأمور من منظور مختلف، وقل من يري الصورة الحقيقية .. فأنت تري ما حولك أزرقاً، وهناك آخر يري الأشياء حمراء لأنه يرتدي نظارات حمراء، وهناك آخر باللون الأصفر،وآخر باللون الأخضر .. وهكذا كانط كان يدرك أن الأفكار والقناعات تختلف من شخص إلي آخر، وأننا نخلط بين الموضوعية والشخصية لتؤول الحقيقة إلي أوهام، وهذه الأوهام مختلفة بين الأفراد والمجتمعات .. كيف لك أن تتأكد من أن ما تعرفه تقتنع به صحيح.. كانط رفض كل الأيدولوجيات السابقة .. أراد أن ننزع نظاراتنا لكي نطلع علي الحقيقة المطلقة والتي لا تقبل الشك، والتي هي حقيقية في كل زماناً ومكان .. أراد بهذه الطريقة أن نتجنب الأنانية في تصرفاتنا، ومن خلال كتاباته ورسائله، أراد أن يوصلنا إلي قناعة أن من أسوأ الطبائع هو الكذب أو استغلال الآخرين، وهي من الأمور الغير مقبولة أبداً تحت أي ظرف.

إيمانويل كانط يمثل تحدياً لكل من يدرس أعماله بسبب المنهجية المعقدة، لأنه بحث في أصعب مجال فكري، وهي الفلسفة النقدية؛ حيث يعد كانط أحد أبرز الفلاسفة الألمان خلال القرنين الثامن عشر الميلادي، وأهم وأكثر الفلاسفة إثارة للجدل في تاريخ الفلسفة الحديثة. وحتى أولئك الذين يعترضون علي هذا الرأي، فإنهم يعترضون – ضمناً – به حين يقولون إن من تساووا معه في الأهمية ليسوا سوى قلة نادرة. فلقد أحدث تأثراً عارماً في أوروبا والبلدان الناطقة بالإنجليزية على السواء. وترتفع هامة مذهبه الفلسفي كأحد الشواهق في تاريخ الفكر، وكل هذا على الرغم من أنه لم يؤلف كتبه التي تركَّزت شهرته عليها إلا بعد أن تجاوز الخمسين من عمره. فلقد نشر كتاب " نقد العقل الخالص" حين كان في السادسة والخمسين، ونشر كتاب "نقد العقل العملي " حين كان في الرابعة والستين ونقد ملكة الحكم عند بلوغه السادسة والستين، وكتاب "ميتافزيقا الأخلاق" حين كان في الثالثة والسبعين. أما كتابه الأخرى عن الأنثروبولوجيا فنشره بعد أن جاوز الرابعة والسبعين عاماً. والحق أن كانط ينفرد في ميدان البذل الفكري حيث لا نظير لأصالته الفكرية وإبداعاته.

قصدت أن أقدم هذه المقدمة عن كانط لأمهد للحديث عن تحليلي للكتاب الشيق الذي بين يدي، وهو كتاب بعنوان " نحن وكانط " للدكتور أحمد عبد الحليم عطية (ويقع في (205) صفحة من القطع الكبير)، ومن عادتي عند قراءة كتاب لا أعرف محتواه أن أخمن موضوعه من عنوانه، وغالباً ما يكون تخميني صحيحاً؛ فحسب علمي لم يكتب قبله كتاب في فن كتابة فلسفة كانط وشرح أفكارها بطريقة نقدية، وهذا واضح من خلال الإهداء الذي أهداه المؤلف للقاري العربي، والذي يقول فيه :" إلى كل من حاولوا أن: يمارسوا العقلانية والنقد. ومن تساءلوا عن حقيقة التنوير والثورة عندنا وعند كانط تحقيقا لفهم مستقبلي لهم.

وكتاب "نحن وكانط " كُتب تحت عنوانه "من النقد إلي التاريخ"، ففرحت كثيراً ظناً مني أني سأقرأ كتابا في فلسفة التاريخ التي أعشق قراءتها. ولكني إذ بدأت بقراءة الكتاب فوجئت بموضوع طريف وجديد وماتع، لم أقرأ مثيلا له من قبل.

في هذا الكتاب استطاع أحمد عبد الحليم (مع حفظ الألقاب) إيجاد كتابة فلسفية جديدة ومنظور مغاير للفلسفة المعروفة عندنا اليوم؛ الفلسفة التي يغلب عليها حتي الآن النقل والترجمة والعرض والتأريخ لقضايا وأعلام الفلسفة كما تحددت في الغرب؛ وغلب علي الأجيال من رواد الفلسفة في ثقافتنا العربية (كما يقول المؤلف) الاجتهاد في تقديم رؤي خاصة في إطار المذاهب والتيارات الفلسفية الغربية، وأصبحنا نتحدث عن الوجودية العربية والوضعية العربية والماركسية العربية .

ومن هذا المنطلق راح أحمد عبد الحليم يطرح علينا هذا العمل الذي يدور حول " نحن وكانط " إشكاليات ثلاث؛ ملحة علي مستويات متعددة؛ نظرية وواقعية، فلسفية وتاريخية؛ يطرحها المؤلف من أجل ثلاث غايات يروم لتحقيقها ويسترشد في هذا السبيل بثلاث طرق وآليات وتقنيات؛ تمثل مناهج في الرؤية العامة للوقوف علي موجات ثلاث من اللقاء بينه وبين كانط منذ بداية توجهه للفلسفة النقدية؛ وصولا إلي ما يمكن أن يعتبره برؤيته النقدية لفيلسوف النقد وهي ما أطلق عليه أحمد عبد الحليم " التأسيسية التجاوزية" وهي مفاهيم كانطية يمارسها علي قضايانا ونظرتنا لكانط ونظرة كانط لنا .

وأول الإشكاليات الثلاث كما يقول المؤلف إشكالية اصطلاحية تتعلق بالمفاهيم المستخدمة في العمل، بالإضافة للتأسيس والتجاوز، وفي مقدمتها، أو المفهوم الأساسي، مفتاح أو عنوان هذا العمل وهو مفهوم " النحن" وتحديد المقصود به ومستوياته وتنوعاته وآفاقه ومجالاته، متجاوزين (كما يؤكد المؤلف) في تحديده؛ النحن الفردي والعرقي والجغرافي وصولا إلي" النحن التاريخي الاجتماعي الحضاري"؛ الذي تتداخل فيه دوائر عدة تمثل مستويات وصور له : مصرية وعربية وإفريقية وإسلامية، وإنسانية كونية .

وحول المنهج التي يستخدمه أحمد عبد الحليم في التعامل مع تلك الإشكاليات، يمثل إشكالية معرفية لكونه يتعامل مع قضايا فلسفية وتأريخية تدور بين الشمال والجنوب، بين الشرق والغرب، وليس بين أوروبا والعرب.

ومن الإشكاليات إلي المنهج ينتقل أحمد عبد الحليم إلي تحديد الغايات التي تمثل المقصد الأسني من عمله؛ حيث تسري الأهداف التي يسعي إلي تحقيقها والتي نحاول مناقشتها في الفصول التالية؛ وهي الانتقال من تاريخ ونظريات وأعلام الفلسفة إلي التفلسف؛ فكانط في نظر أحمد عبد الحليم هو أكبر وأهم الفلاسفة في القرن الثامن عشر؛ مثله مثل هيجل في القرن التاسع عشر ونظرياته في نقد المعرفة والواجب هي قضايا نظرية أساسية، لكن ما يهم أحمد عبد الحليم هو القراءات العربية لها والتي رأي أن من واجبه أن يطبق عليها "النقد الكانطي" .

ولبيان ماذا يمكن أن يقدمه أحمد عبد الحليم لتحيين وتسكين الفلسفة في العقل والواقع العربي نجده يقول :" هنا يتجلي الهدف الثاني، والذي هو في الحقيقة الهدف الأول وهو التأكيد علي الإنسان؛ باعتباره الغاية من التفلسف والهدف؛ الذي علي الفلسفة جعله الغاية العليا ليس في الفكر، بل في الوجود . وبدلا من التقسيمات المتعددة الإنسان وتقديم الأنا، لأن الأنا هنا هو الأنا المسيطر والمهيمن معرفياُ واقتصاديا وعسكريا، لكن الأنا الذي شغلنا هنا هو الأنا الذي يعترف بوجود واختلاف الآخر. هنا نصل إلي الهدف الثالث الذي يؤكد المعاني والقيم المختلفة التي سعت إليها الفلسفة طوال تاريخها وجسدتها فلسفة كانط، وهي احترام الآخر باعتبار الإنسان غاية في ذاته . من هنا علينا تأكيد أهمية الاعتراف بالآخر والاختلاف وأهمية الحوار في سبيل تحقيق عالم واحد مشترك نحيا فيه سويا. فالحياة معا والعيش سويا يمكن أن تكون من ثمار الفلسفة الكانطية التي علينا أن نعيد قراءتها ونبحث في العلاقة التي تربطنا بها".

ثم يستطرد أحمد عبد الحليم قائلاً :" يقتضي منا ذلك عدة مناهج مثل : تحليل النص والقراءة المقارنة وشيئا من البحث التاريخي والتأويل مع العناية بالمناهج الابستمولوجية في التحليل التي قدمتها التيارات الوضعية والتحليلية والواقعية الجديدة . فإذا كانت المعرفة تقوم عند الأخيرة علي العلاقة بين الذات والموضوع، فنحن نهدف هنا الامتداد بالعلاقة المعرفية بيننا وبين الغرب وهو ما اسميناه التجاوز وهو ما يستوجب جهود عديدة من الباحثين المخلصين لتأريخهم وعصرهم قدر إخلاصهم للفلسفة وتاريخها وكانط ونقده".

وعلي ضوء النص الكانطي من جهة وتواريخ تلقينا واهتمامنا بترجمة كتاباته من جهة ثانية وتوضيح أثرها علي قضايانا وواقعنا من جهة ثالثة، فقد قسم أحمد عبد الحليم هذا العمل إلي مقدمة وستة فصول وخاتمة كل منها يحتوي علي عدة فقرات تبين المقدمة إشكالية البحث وموضوعه ومنهجه . وبدايات التعرف علي الفلسفة الكانطية وترجمات أعماله وما لم يترجم منها، وطرح الفصل الاول إشكالية هذا العمل تحت عنوان من التلقي إلي اللقاء لمناقشة كيفية فهم أحمد عبد الحليم للتعامل علي ثقافتنا والفلسفة الكانطية .

وخصص أحمد عبد الحليم الفصل الثاني للنص الكانطي في العربية والثالث من النقد إلي التنوير؛ حيث حللنا فيه القراءات العقلانية النقدية، التي تمثل موقف كانط من الميتافيزيقا ويلي ذلك القراءات العربية للأخلاق الكانطية مناقشا المؤلف من تمثلوا هذه الأخلاق ومن انتقدوها ومن ربطوا بينها وبين العربية والإسلام.

وفي الفصل الرابع تناول أحمد عبد الحليم القراءات والتأويلات المختلفة لمفهوم التنوير أحد أهم المفاهيم الأساسية عند كانط عبر وضعه في المقابل مع التنوير عند أبي حامد الغزالي أو من ربط بينه وبين التأويل عند أبي الوليد بن رشد، ومن رفض ذلك أو قارن بينه، وبين الإصلاح عند الإمام محمد عبده أو من ربط بينهما وبين الاستعمار .

ثم ينتقل المؤلف في الفصول الخامس والسادس إلي الإشكاليتين الأكثر أهمية اللتان مثلتا في نظره مرحلة أكثر تطورا في العلاقة مع النص الكانطي للحديث عن الدين والسياسة أو القراءات العربية للدين عند كانط في الفصل الخامس والذي دار علي كانط والإسلام .

وناقش أحمد عبد الحليم ذلك من زوايا متعددة، حيث أوضح فيها صراع التأويلات بين القراءات الغربية لهذه المسألة والقراءات لها . وهو نفس ما قام به في الفصل السادس والأخير والذي تناول فيه الدراسات العربية للسلام العالمي عند كانط، وكذلك القراءات التي وجدت في الفلسفة السياسية والأخلاقية عنده، عونا علي الطائفية وتأييد للديمقراطية وبابا للعولمة ووسيلة لتصحيح مسار الصراع العربي الإسرائيلي وكشف انحيازات الغرب ضد الشرق وعلي امتداد عمل أحمد عبد الحليم ساعيا بشكل رائع للتعقيب علي كل فصل وربما كل فقرة .

وفي نهاية حديثي لا أملك إلا أن أقول بأن هذه المقالة ليست قراءة في كتاب (نحن وكانط)، ولا عرض لمحتوياته، إذ إن ذلك يتطلب مقالات عديدة، وإنما هي تحية للمؤلف أحمد عبد الحليم، الذي قدّم للمكتبة المصرية (والعربية أيضاً) هذا المصدر المبتكر والأصيل؛ ومن ثم يبقى هذا الكتاب مبتكراً جديداً في موضوعه وطريفاً ممتعاً للقارئ والكاتب على السواء.

ويسرني في نهاية المقال أن أبارك للأستاذ الدكتور أحمد عبد الحليم تأسيسه لموضوع جديد يهم الكاتب والمؤلف؛ خاصة وأنه يعد بحق قامة فلسفية وإبداعية في ساحة الفكر والثقافة المصرية والعربية، فقد استطاع بفكره أن يخصص له مساحة واسعة لنشر أفكاره والمتتبع لكتاباته الأخيرة يقف على أن عبد الحليم مفكرا، مُنَظِّرًا وناقدًا في نفس الوقت فقد ارتكزت أبحاثه على قراءة الفكر الغربي في ثنايا فكرنا العربي المعاصر؛ وذلك من أجل تحرير العقل البشري من دوجماطيقية التقليد، علاوة علي تسليطه الضوء على كثير من القضايا الفلسفية التي نالت حظاً من النقاش لدى النخبة المثقفة (سواء في مصر أو الوطن العربي) متخذاً في ذلك مساراً جديداً في عالم الفكر والإستبصار .

فتحية طيبة للدكتور أحمد عبد الحليم الذي كان وما زال يمثل لنا نموذجا فذا للمفكر الموسوعي الذي يعرف كيف يتعامل مع العالم المحيط به ويسايره في تطوره، وهذا النموذج هو ما نفتقده بشدة في هذه الأيام والذي يحاول الكثيرون فيها أن يثبتوا إخلاصهم لوطنهم بالانغلاق والتزمت وكراهية الحياة، وإغماض العين عن كل ما في العالم من تنوع وتعدد وثراء.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

 

 

 

 

علجية عيشللباحث المغربي أحمد شراك

هل السياسي رجل مفكر؟ وهل يجوز له أن يهيمن على المثقف؟ ومن له الحلول أكثر للمشكلات؟

أسئلة وجب طرحها..

"الثقافي والسياسي من منظور سوسيولوجي" عنوان كتاب أصدره الباحث المغربي أحمد شراك، وأجرى له الباحث المغربي محمد عبد الفتاح قراءة شبه نقدية نشرته صحيفة " القدس العربي" عبر موقعها الإلكتروني، في هذا الكتاب الذي لفت انتباهي يتحدث أحمد شراك عن قيم اليسار وما يتصف به اتباعه بإنكار الذات والتشبع بالبعد الأخلاقي، ويصفه بجيل التضحية بامتياز، حيث أصبح المثقف بخلاف جيل السبعينيات، يناضل من أجل مناطق أكثر ضوءاً، ويجعل المقام العلمي في خطابه هو المقام الأساس، من زاوية تحسين الأوضاع المادية ثم المعرفية، إلا أن هذا الخطاب تغير وانتكس خلال فترة الثمانينيات الذي اشتد فيه الحديث عن العلم، والمنهج، والمصطلح، والشهادات العلمية، وأصبح المثقف يبتعد عن لغة الدكاكين السياسية وشغبها، ملتفتا إلى تحسين وضعه الاجتماعي والمعرفي، قد رصد الباحث مجموعة من فئات المثقفين:

- المثقف الرمزي وهو نموذج المثقف، الذي اختار الكتابة والبحث، بدون انعزال مطلق عن التطور السياسي

- المثقف الحركي وهو الذي انتصر للفعل السياسي المباشر، على حساب الإنتاجية الفكرية والعلمية والإبداعية، بدون انعزال مطلق عن التطور الثقافي.

- المثقف المزدوج هو المثقف الذي زاوج بين الحضور الثقافي، والحضور السياسي، بشكل يكاد يكون متزامناً ومتوازياً.

- المثقف البراغماتي، وهم فئة من المثقفين، أصبح عندهم الإبداع والكتابة والبحث العلمي هاجساً ثانوياً، وحسموا في اختيارات وجودهم ضمن أجهزة الدولة، والدكاكين السياسية، والولوج إلى دواليب القرار والمراكز.

- المثقف المشاكس الفئة التي اختارت عن إصرار البقاء في المعارضة، فضلت ممارسة ثقافة نقدية اتجاه الدولة والحزب الذي تنتمي إليه وتحفظت من كل العروض المغرية.

- المثقف الفقهي: يتميز خطابه بالطهارة والنقاء، ويمتد في الهامش، ويستثمر في الواقع، على صعيد الخطاب والممارسة، يراقب ويرفض ويناهض، ويتجلى في شخص المثقف الإسلامي الذي يجر وراءه؛ تضحيات، وأياماً طويلة؛ في القلاع والمنافي، والذي أصبح ينتج نفس الخطاب السبعيني لقوى اليسار، ولكن بحمولة إسلامية.

من خلال هذه التعريفات يرصد صاحب الكتاب العلاقة بين المثقف والسياسي أو بالأحرى إشكالية علاقة الثقافة بالسياسة، يتجلى ذلك من خلال الانتخابات، وهي في نظره علاقة مركبة ومعقدة في آن واحد إذر تطرح أكثر من استفهام، على الصعيدين: النظري والعملي، والسياسي والثقافي، ويفهم من كلامه أن المثقف محصور بين اثنين: الثقافة والسياسة، ويكاد يكون جزءًا لا يتجزأ منهما، لأنه يستجيب إلى متطلبات الحياة المادية والمعنوية كما تكون الانتخابات أحد هذه التجليات، التي تبرز دور المثقف، بوصفه مالكا لرأس مال ثقافي، من حيث ممارسته لما يسميه الباحث بعلم المتع الرمزية من إبداع ونقد وفكر وبحث.

كما يحاول الكاتب أن يشخص ظاهرة الفساد في العملية السياسية لاسيما في مرحلة الإنتخابات وماهي الآليات التي يمكن العمل بها لإمتصاص النزوعات الفردية ورسم أفق مرشح مشترك موضوعي، وليس على أساس تصورات ذاتية للهيئات السياسية، ما يفتح الباب نحو القراءة والتأويل، والمزايدة مقدما انتتخابات المغرب كنموذج والمنافسة الشرسة التي دارت بين عضو الحزب الاشتراكي الموحد، ونائب الأمين العام، محمد الساسي الراحل أحمد بنجلون الكاتب الوطني لحزب الطليعي الديمقراطي الاشتراكي، للظفر بالمقعد البرلماني، وعدم رغبة الطرفين في التنازل لبعضهما، فما طرحه شراك في ما يخص علاقة المثقف بالانتخابات، بوصفها آلية ديمقراطية لتدبير العمل السياسي، بين فرقاء سياسيين، يفترض فيهم أنهم يحملون هماً وطنياً، ومشروعاً سياسياً واضحاً، ويمتلكون مشروعاً ثقافياً نحو الدولة والمجتمع.

لا نعلم إن كانت هذه الرؤية الواردة في هذه الفقرة لصاحب الكتاب أم لقارئه عندما عرض واقع السياسة اليوم، حيث قال: " أن السياسة اليوم غدت وسيلة للاغتناء، أمام من أوصدت الحياة في وجوههم أبواب الرزق، فالتجأوا للعمل السياسي، لعله يغيّر شيئاً من بؤس حالهم، وضنك واقعهم"، ثم أضاف: " هكذا غدت السياسة (بمفهومها النبيل) وسيلة للاغتناء غير المشروع والوصولية والانتهازية وشيئاً فشيئاً تحولت هذه النماذج البشرية، التي طغت في المجال السياسي إلى الحزب، الذي احتضن الكثير من هذه الكائنات الحربائية، ووفر لها غطاءً سياسياً، وصار يطعِّم بها الحقل السياسي، مغتنماً مناسبة العرس الانتخابي الذي يتكرر بنفس المشهد" .

هي أحكام لا يمكن أن نقول أنها غير عقلانية ولكن قد يرفضها البعض، فليس كل من يمارس السياسة جائعٌ ويسعى للإسترزاق منها، وإنما طمعا في السلطة بدليل أن المترشحين للمناصب العليا ( البرلمان مثل) معظمهم رجال أعمال، يلجأون إلى "الرشوة " من أجل الفوز في الإنتخابات، ولكن نقف معه في أن بعض الأحزاب احتضنت ما سمّاهم (الكاتب / القارئ) بالكائنات "الحربائية"، وهي الأحزاب التي تخلت عن مبادئها التي تاسست من أجلها لاسيما الأحزاب الثورية، وهذا لا يحدث في المغرب فقط، بل في دول أخرى ومنها الجزائر.

فمن خلال ما جاء في هذا الكتاب أن مضونه يسلط الضوء على الصراع بين المثقف والسلطة، وكيف استغلت الأحزاب، وهو إمّا يقف موقف المتفرج فيما يحدث، وإمّا أنه ينجذب إليها وينخرط فيها، بدليل أننا نجد كوادر طبية تترشح في الإنتخابات وبدلا من أن تترأس لجنة صحية مثلا نجدها على رأس المجالس المنتخبة توزع الميزانية وهي لا تفقه في هذا المجال وتوقّع على صفقات عمومية، وفي النهاية تجد نفسها متابعة أمام المحاكم في قضايا تتعلق بالفساد، لأنها تدير أمورا خارج اختصاصها، وقد وقفنا في مرحة انتخابية سابقة على باحث ومؤرخ ترشح ليكون رئيسا للمجلس الشعبي البلدي، وسمح لنفسه أن يكون أضحوكة أمام مترشحين هم أقل منه مرتبة علمية وكفاءة وأخلاقا، نعيب طبعا على النخبة المثقفة التي تقبل بمثل هذه النازلات ليكون حضورها مع ديناصورات أو صعالكة لا يعترفون بالقيم النبيلة بل يدوسونها ويضربونها عرض الحائط من أجل الوصول إلى السلطة، وقد يستخدمون المال الوسخ لتحقيق أغراضهم.

أما عن أصناف المثقف، فصاحب الكتاب ذكر أصنافا وأهمل أصنافا أخرى تطرق إليها من سبقوه في البحث والتحليل، ومن الأصناف التي ذكروها للمثقف هي: المثقف المتفرج، المتشائم، الانتهازي، الوصولي الذي يستغل الأحداث لإبراز اسمه، المثقف الهروبي أو المتراجع كما يحلو للبعض تسميته، المثقف المستعدي، والمثقف الموالي والإعتذاري، وهذه الأصناف ذكرها الدكتورسماح إدريس من لبنان في كتابه "المثقف العربي والسلطة" بحث في روايات التجربة الناصرية، كما يوجد أصناف أخرى للمثقفين بحيث نقرأ عن مثقفي السلاطين والحكام، في حين يوجد ما يسمونه بمثقف "الإنتلجانسيا" والمثقف "النرجسي" الذي يؤكد أسبقيته على الآخر، المثقف المستخفي، وهو المثقف المجهول والمستغنى عنه اجتماعيا، مقدما رؤية واضحة حول علاقة المثقف بالسلطةثم المثقف "المدرسي" الذي ينقل ما يكتبه الأخر من دون تحليل وتمحيص ونقد، وهو بذلك يمارس ثقافة "العنعنة" .

 تبقى فئة من المثقفين وجدت نفسها على الهامش، إنهم مثقفو الجماهير، الذين يشكلون روح الثورة والطغيان والتمرد على السلطة، تتميز بالفعالية والغيرة على الوطن والشعب والأمة وتسعى إلى التغيير الهادف، ما يمكن قوله هو أنه لا يمكن الفصل بين السياسي والثقافي في التفكير البشري، ولا يمكن لأحد نفي الدور المحوري للسياسي في حياتنا اليومية، فالنظام السياسي مسؤول بشكل كبير عن حل أو تأزيم كثير من المشكلات السياسية وألإجتماعية وحتى المشكلات الثقافية، ولذا لا يمكن في جميع الأحوال أن يهيمن السياسي على الثقافي، فكلما نتعمق في قراءة من يفكر به الآخر وما يكتبه تتضح لنا الصورة، رغم أن هناك مشترك إنساني في كل الثقافات والسياسات، وهناك خصوصيات ثقافية تستبطنها الثقافة الذاتية للأمة، لكن لا يمكن أن يهيمن السياسي على المثقف، المطلوب هنا كما يقال هو تثقيف السياسة وليس انخراط المثقف في العمل السياسي .

 

علجية عيش بتصرف

 

89 majed 250العديد من الموبقات تُرتكب تحت ستار الدين، بدءًا من موجة الإرهاب التى تضرب العالم وتتخذ من نصوص دينية ذريعة لجرائمها ومرورًا بقدسية تُضفى على شخصيّات تتحدث باسم الإله ووصولًا إلى التشبث بقراءات دينية تجافى الواقع ومتغيراته. لتلك الأسباب مجتمعة ولغيرها يصير البحث فى الفكر الدينى السائد وتفكيك مُسلماته حاجة يفرضها العصر.

عبر سلسلة من الكتابات جاءت بعنوان «متاهات الحقيقة»، عمد الباحث والكاتب الأسترالي من أصل العراقى ماجد الغرباوى إلى مساءلة تلك الأنساق الدينية الراسخة.

يوضح الغرباوى فى حديثه مع «الدستور» أنه عمد من خلال تلك السلسلة إلى «التوغل عميقًا فى بنية الوعى ومقولات العقل الجمعى، واستدعاء المُهمّش والمُستبعد من النصوص والروايات، وتكثيف النقد والمساءلة، وتفكيك المألوف، ورصد المتداول، واستنطاق دلالات الخطاب الدينى، بعد تجاوز مسلَّماته ويقينياته، والسعى إلى تقديم رؤية مغايرة لدور الإنسان فى الحياة، فى ضوء فهم مختلف للدين.

يأتى كتاب «الفقيه والعقل التراثى» الصادر حديثًا عن «مؤسسة المثقف العربى بأستراليا ودار أمل الجديدة» لتفكيك منطلقات العقل الفقهى القائمة على العديد من المغالطات، فى إطار سلسلة كتابات تهدف إلى نقد النسق العقدى المألوف وسلطة القداسة وغيرها الكثير من الموضوعات بدأت بكتاب «الهوية والفعل الحضارى» ثم «مواربات النص».

يقول الغرباوى لـ«الدستور»: السلسلة تنتمى إلى تراكم معرفى امتد لأربعين عامًا، سبقته أسئلة أبت مغادرة الوعى تبحث عن أجوبة تعالج إشكالية التخلف برؤية مغايرة تمارس النقد وتكف عن منطق التبرير، بعيدًا عن رهاب القداسة ويقينيات العقل الدائرى.

جهود عدة فى الإصلاح والتجديد للفكر الدينى لم تؤتِ ثمارها فى ظل سطوة العقل التراثى الذى جعل الدين دافعًا باتجاه العنف والإرهاب تارة والخرافة والسحر تارة أخرى، وظل السؤال حول إمكانات النهوض من كبوة أبقت المسلمين فى كنف الماضى دون القدرة على مسايرة العصر وإشكالياته مستمرًا مع بقاء اتجاهات إسلامية قابعة فى سجون معرفية مرتهنة لسلطة التراث ومنطق العبودية.

ونظرًا لأن الخطوة الأولى لإصلاح تلك الحالة تبدأ من النقد الجذرى لمرجعيات التفكير الدينى، يسعى الكاتب فى هذا الكتاب إلى تفكيك العديد من المقولات التى اكتسبت قدسية على مدار عقود الممارسة الدينية ليشدد عبر ذلك على أهمية بناء معرفة مؤسسة على الدليل والبرهان ومرجعية العقل، وهو ما يمكن من خلاله التغلب على التحديات التى تواجه الدين على صعيد حقوق الإنسان والتطور الحضارى.

89 majed 600

يرى «الغرباوى» فى كتابه أن ربط الإرادة الإلهية بالمرجعية الدينية للفقيه من أبرز النقاط التى تحتاج إلى مراجعة جادة وجريئة، فالوعى الجمعى للمسلمين احتفظ بصورة مثالية للفقيه، جعلته فوق النقد والمُساءلة باعتباره مصدرًا للمعرفة الدينية وأحكام الشريعة وموضع أسرارها، وأسهم الصراع السياسى فى ترسيخ علاقته بالسلطة وتعزيز خطاب رسمى عزز من الالتباس لدى قطاعات جماهيرية بين أحكام الشريعة وأحكام الفقه التى هى اجتهادات ووجهات نظر وفهم للنصوص المقدسة.

ويشير الكاتب إلى أن «الفتوى تجل لوعى الفقيه وانحيازه اللاشعورى لقبلياته ومصالحه، ومن الخطأ وصفها بالموضوعية والتجرد التام بل ولا علاقة لها بالتقوى ومراعاة القواعد العلمية والمنطقية دائمًا، لأن المعرفة البشرية تخضع لنظام اللغة، وآلية اشتغالها داخل فضائه المعرفى، وفهم النص يتأثر بثقافته ومستوى وعيه ويقينياته، لذا يتعين تحرى بدايات وعيه ونقد مقولاته التى ترسبت لا شعوريًا ضمن أنساق مضمرة يصعب اكتشافها وتقويضها إلا بالنقد والتفكيك».

تسهم تلك النظرة النقدية لحدود دور الفقيه وعلاقته بالنص الدينى فى نزع القداسة التى تضفى على مقولات فقهية بالية هى بالأساس انعكاس لاستقبال الفقيه الخاص للنص الدين بما يتماهى مع بيئته الثقافية والاجتماعية، فقد يأتى العقل الفقهى ازدواجيًا فى معاييره، أو منغلقًا على نسقه العقدى بما ينتج فقهًا مُستلبًا يفرض قناعاته على النص الدينى، ومن هنا تأتى خطورة الانقياد الأعمى للأطروحات الفقهية وإضفاء القداسة عليها.

ويلفت الكاتب إلى أن «التباس القبلى بالفقهى والسياسى بالشرعى الذى كان الفقيه وراءه كان السبب الأساسى وراء تزوير الوعى الدينى وتكريس الاستبداد والعبودية والطاعة والانقياد، فالنظام الدينى للمسلمين مهما اختلفت صيغه هو حكم ثيوقراطى يكرس سُلطة الحاكم الأعلى ويُحرِّم الخروج عليه ويمنحه سلطات واسعة، وهو نظام ينسجم مع القيم القبلية ويتناغم مع وعى الفرد فى نظرته وتقديسه بشيخ العشيرة».

يُشدّد الكاتب على أهمية إعادة النظر فى الأحكام المتعلقة بقضايا المرأة والجهاد والقتال، وتحرى أسباب العنف وجذوره وكوامنه فى الفكر والفقه. فرغم أن الأحكام الشرعية لا تلغى ما دام مصدرها النص القرآنى، إلا أنه من الممكن ألا تكون فعلية بسبب عدم فعلية موضوعها فتسقط عن التكليف استنادًا لكون الأحكام الشرعية جاءت لتحقيق المصالح وليس المفاسد.

ويُبيّن الغرباوى أن «صدقية العقائد التى ظهرت بعد وفاة الرسول تتطلب معرفة ظروف نشأتها ومسارها التاريخى وفلسفتها والأجواء الثقافية والسياسية والدينية والفكرية المحيطة بها، فالعقائد والمفاهيم لم تأت من فراغ بل مهدت لها ضرورات مذهبية وسياسية»، وذلك بهدف نزع قدسية مقولات فقهية جاءت لتحقيق مكاسب وقتيّة لا يمكن أن تكون مطابقة لكل واقع.

وينطلق الكاتب من حديثه فى تلك المسألة من خلال نقطة ارتكاز مُحددة، إذ يشير إلى أن ثمة قاعدتين أصوليتين: الأولى حق الطاعة والثانية قُبح العقاب بلا بيان.

تعتقد القاعدة الأولى بشمول الشريعة لكل صغيرة وكبيرة وتسمح للفقيه بتشريع أحكام واسعة النطاق، وتنعدم فيها مساحة الحرية. أما القاعدة الثانية فهى: قبح العقاب بلا بيان، والتى تنطلق من قناعة بأن الحكم الشرعى الصادر عن الله يواكب حركة الإنسان والمجتمع ضمن دور الدين فى الحياة، وعليه لا يجوز تقديم الرواية على الآية.

وحسب رأى الكاتب، التعامل مع النص الدينى يخضع إما إلى منطق العبودية أو منطق الخلافة. ففى منطق العبودية، تأتى فتاوى الفقهاء مُتخمة بالتحريم والاحتياط الوجوبى بما يختزل دور الإنسان بالفتنة والاختبار ويقتصر فيه دور الفرد على تطبيق الأحكام الشرعية وسلبه حرية الحركة خارج ما هو مشرع منها، فى اتجاه يضع النص فوق العقل ولا يؤمن بأى فلسفة وراء الأحكام الشرعية.

فى مقابل منطق العبودية، هناك منطق الخلافة الذى يختلف فى رؤيته للإنسان والدين وأحكام الشريعة، فيعزز من مركزية الإنسان ودوره فى استخلاف الأرض، وتأتى الغاية من تشريع الأحكام وفق هذا الاتجاه لتحقيق مصالح الاجتماع البشرى وليس لقياس درجة طاعة الإنسان ومستوى عبوديته.

وانطلاقًا من تلك الرؤية، يشير الكاتب إلى أن معالجة «روح العبودية» سيحد من تضخم الفتاوى والأحكام، «فما جاء فى القرآن من تشريعات تكفى حاجة الإنسان ليواصل حياته اعتمادًا على عقله وقيمه ومبادئه الإنسانية التى تحفظ له كرامته وتحقق شروطه الحياتية، فهو فهم مختلف لا يسمح بتضخم الأحكام الشرعية، لكن الفقهاء لم يلتزموا به لأنه لا يحقق سلطتهم ومركزيتهم، فالأحكام الشرعية الزائدة عما هو مدون فى الكتاب الكريم مشكوك فى حجيتها وشرعيتها ما لم يكن لها جذر قرآنى، وعند الشك فالأصل حاكم وهو الأحكام الشرعية القرآنية».

وفى إطار نقده الأحكام المُطلقة التى ترسخها فتاوى دينية بالية، يتحدث الكاتب عن كثير من نقاط الالتباس المتعلقة بالسنة النبوية ليشدد على أن الشرط فى حجية السنة هو وجود جذر قرآنى للحكم النبوية، وهو ما يفترض توظيف مناهج حديثة فى دراسة حيثيات الحكم الشرعى قرآنيًا وتفكيك المنهج النبوى فى التفصيل والبيان لمعرفة خلفياته ودوافعه والكشف عن بشريته.

ورغم أن «علم الجرح والتعديل» فى السنة جاء لتدارك الضعف فى فرز الأحاديث وتمييزها، فإن الكاتب يرى أنه كرّس الاستبداد السياسى والدينى وتمت صياغته بما يخدم الفرق الدينية المتصارعة، ومن ثم جرى أدلجته بما يوافق رؤية الفقيه وأهدافه السياسية، ولكن فى الآن ذاته ثمة حاجة لدراسة الأحكام النبوية ذات الجذر القرآنى ومعرفة دوافعها وضروراتها.

ويوضح: «ثمة ضرورات موضوعية لتجديد مناهج علوم الحديث تفرضها نظرة مغايرة للدين تحد من إطلاقات الأحكام عندما ترتهن فعلية الحكم بفعلية موضوعه، وهذه الضرورات هى عدم الاعتناء بحديث يخالف العقل والمنطق والقوانين الكونية والقيم الإنسانية أو يُكرّس الظلم والاستبداد والاستهانة بالإنسان وعقله ووعيه أو يؤسس لمذاهب تنأى عن هدف الدين».

ويشدد «الغرباوى» على أن علوم الحديث «لا يمكن التعويل عليها مطلقًا»، لا سيّما بعد أن اختلف المسلمون حول القيم العلمية لأحاديث الصحاح وحول عدالة أو وثاقة عدد كبير من الرواة وشروط التحديث، فضلًا عن تسقيط بعض الرواة لأسباب طائفية، «فحينما تتحكم منطلقات الفقيه الأصولية والفقهية بهذا العلم وتتأثر بخلفيته العقيدية فلا يمكن الاعتماد عليه فى جميع الأحوال، مما يبعث الريبة فى قيمته المعرفية».

 

حنان عقيل - القاهرة

نقلا عن صحيفة الدستور المصرية

 ليوم 26 – 11 – 2020م

https://www.dostor.org/3272279

 

 

كاظم الموسويفي كتابه، افكار.. ومواقف، الذي جمع فيه مقالات له منشورة، كتب الدكتور أمام  عبد الفتاح امام، أستاذ الفلسفة: في هذا الكتاب مجموعة من المقالات المنوّعة، كتبت على فترات متباعدة.. واضاف، وقد يكون من المفيد أن تجمع بين دفتي كتاب، حتى يستطيع من يريد قراءتها أن يحصل عليها في سهولة ويسر، ورأيت أيضا أن تظل بعنوان الزاوية الأسبوعية التي كانت تظهر في الصحيفة..، افكار .. ومواقف. وختم تقديمه، وإني لآمل أن تفتح هذه المقالات أمام القارئ أبواب التساؤل الثقافي، فماساتنا الحقيقية أننا نملك من الأجوبة اكثر بكثير مما نطرح من الأسئلة، وهذا هو المعنى الدقيق للانغلاق، بل التخلف الفكري الذي يمنعنا من الحركة والانطلاق.

والاستاذ إمام عبد الفتاح إمام (1934 - 18  حزيران/ يونيو 2019)، كما كتب عنه في ويكيبيديا، أكاديمي ومترجم مصري تخصص في الفلسفة والعلوم الإنسانية، واشتهر بترجمته لأعمال الفيلسوف الألماني هيغل إلى العربية. درس بجامعة عين شمس وعمل في العديد من الجامعات المصرية والعربية وله مؤلفات وترجمات غزيرة متفاوتة الجودة والدقة. هو أبرز تلاميذ أستاذ الفلسفة المصري زكي نجيب محمود، وأحد من تولوا التعليق على فكره في الفكر العربي المعاصر. له مساهمات فكرية في الأوساط الثقافية المصرية.

قسم الكتاب الى ابواب، وعناوين، ووضع تحت كل عنوان مجموعة من المقالات. تساءل في مقاله الاول المنشور تحت باب؛ تخلف المجتمع العربي، والذي وضع له عنوان، كلكم يبكي .. فمن سرق المصحف؟! عن وقائع واحداث، عاشها أو شاهدها. وابتدأها استشهادا بما نقله عن حادث حصل لأبي موسى الأشعري ( ت 42  او44 هج), واصفا; جلس أبو موسى يلقي درسه على تلاميذه في مسجد البصرة، فافاض الشيخ وأجاد. لكنه ما أن انتهى من الدرس، وتلفت حوله حتى اكتشف أنه فقد المصحف. وقبل أن ينطق لسانه بسؤال كانت آيات التقوى، والورع، والخشوع ترتسم على وجوه التلاميذ، وكانت الدموع الغزيرة تبلل منهم اللحى، فعجب الشيخ مما رأى، وشاهد، وتساءل في دهشة، كلكم يبكي... فمن سرق المصحف؟!.

واضح بعد هذا النص ما اراد الكاتب الوصول اليه، أو التعبير عنه، فالنص التراثي شهادة له تذكره وهو يرى أمثاله في المجتمع الذي يعيش، والألم يحز في نفسه، كما فعل في الشيخ الذي استذكره، ولا سيما حين يجد من حوله يبكون ولا يجد مصحفه الذي تلا منه إليهم آيات بينات. لا يعرف صحة البكاء والهدف منه، هل هو ورع وتقوى ام خداع وتضليل؟!.. وفي المرويات التاريخية عرف عنه استخدامه المصحف، وتوارث عنه تلاميذه ما كان هو عليه، أو ما حصل معه ورد عليه، ولكن الكاتب هنا اخذ منه ما يعنيه في علم النفس من انفصام الشخصية وتناقضها في المجتمع العربي. وبعد اقتناع من خلال أمثلة كثيرة حدثت أو شاهدها بنفسه، "اني اتذكرك يا ابا الحسن صباح مساء، كلما اجيل النظر في اي مجال من مجالات الحياة التي يؤمن فيها المرء بأفكار ويسلك سلوكا يتناقض مع هذه الأفكار، فيحدث هنا " الصدع " العجيب بين الفكر والواقع، بين النظر والعمل الظاهر والسلوك المعوج بين الإعتقاد من ناحية والحياة من ناحية أخرى. وافهم ما الذي يعنيه الفيلسوف الألماني هيجل عندما قال: أن الأمانة والوداعة وبراءة الوجه لا علاقة لها بالاخلاق"!."

ما تذكره الكاتب الفيلسوف من صراعات اجتماعية في مجتمعه وما ذكره بقصة الأشعري عممت عنده الحالة وزادتها قلقا واعتبارا، فلفت الإنتباه واراد أن يكون المجتمع افضل مما رآه، ودعا من يحرص عليه أن يعمل من أجله وسبيله، فمثل هذه الصراعات لا تتولد من نفسها وانما تحركها عوامل متعددة، اساسها في المجتمع وطبقاته ودورها او بعضها فيها. احزنه ما رآه وكأنه في درس الأشعري، رغم كل السنوات التي مرت واندثرت. ومن المسؤول عما يحصل أو يحدث أو يجري أمامه وبين ناسه، تلاميذه من أبناء الأجيال التي تدير العباد وتعمر البلاد، حاضرا ومستقبلا.

واصل الأستاذ امام تعجبه مما شاهده من أمثلة صارخة، "والعجب أن انفصام الشخصية في بلادنا لا يقتصر على "فئة"  ولا طبقة، فسواء  كان الفرد عندنا من علية القوم أو أوسطهم أو ادناهم، فهو يعاني من هذه الشخصية المزدوجة." وضرب أمثلة عديدة ومعبرة، وهو ما دعاه إلى كشف المستور فيها والحث على تصحيح المسار. ومثله أو في وصف أهمية دور المثقف في مجتمع كهذا، يمكن الذهاب الى ما طرحه المثقف علي شريعتي (23  تشرين ثاني/ نوفمبر 1933 - 18  حزيران/ يونيو 1977 م) في أكثر ما كتب ونشر، من مقالات وكتب. ففي مقالاته رسائل للمثقفين، ومنها كتب: كن على وعي دائما بمسؤوليتك العظيمة داخل المجتمع، فعلى المثقف أن يجد السبب الأساسي لانحطاط المجتمع، وإن التناقضات الاجتماعية كالفقر والغنى لن تحرك الشعوب إلا إذا حُملت تلك التناقضات من داخل النظام الاجتماعي ووضعت في ضمائر الناس ووعيهم. وحده الفقر لن يحرك أحدا وإنما الإحساس به، فكن على وعي بالتناقضات الاجتماعية، فالمجتمع ليس مفعولا به نسقط عليه أفكارنا ونجرب فيه أساليب تعسفية تناقض الفطرة السوية غالبا ولا تقود إلا إلى انهيار. عامل المجتمع كفاعل به لكنه فاعل مريض ينطق بأسباب مرضه. كن كالطبيب خذ احتياطاتك، وقم بتفحصاتك وابحث عن التناقضات الموجودة واعلمها جيدا قبل أي خطوة عملية تقوم بها على الأرض.

في ما كتبه علي شريعتي عموما او في اغلبه قدم لما تعجب منه أمام عبد الفتاح أجوبة موضوعية تسجل للإصلاح والتغيير الاجتماعي والنظر إلى الأسباب التي المت بالمجتمع وتطوره. وتبقى الصورة التي عرضها الأستاذ امام معبرة عن حالة من الحالات التي تعاني منها مجتمعاتنا، في زمنه أو بعده، ولكن الدكتور شريعتي رد عليه بما يكمل الصورة نحو خيارات افضل وحلول توفر ما يمنع التلاميذ من سرقة المصحف، بكل ما يعنيه، من استاذهم وينطلقون معا اذا ما وعوا وأدركوا موقعهم ودورهم في مجتمعهم نحو آفاق جديدة. ولابد من وضع الأسئلة الصحيحة قبل معرفة الأجوبة عليها، وبلا وعي وإرادة يبقى الأشعري يلقى درسه ويفقد مصحفه.. ويظل سؤاله.. من سرق المصحف؟!.

 

كاظم الموسوي

 

في البدء ارى صواب عنونة الكتاب بمسيها "اشكالية الدين والهوية –بحث في المسكوت عنه" للكاتب: "صادق إطيمش" كانت مدخل قبول لموضوع الكتاب، حيث تواجدت العنونة بدلالاتها وتوسعت في تواجدها هذا وبوضوح داخل متن الكتاب، ومن تحليلها المسند بالمعلومة والتاريخ واسباب وجودها وتناولها المنطقي في تحقيق قبولها العقلي .

ولابد ان ننوه هنا حَرَصْ الكاتب لذكر موقفه المبدئي وبواضح قوله (...لا اريد بهذا الطرح الدفاع عن اي دين او الانحياز الى اي عقيدة دينية، حيث اني اومن تماماً بان الانحياز الأول والأخير يجب ان يكون للانسان والوطن، وما تجاوز ذلك لايشكل من وجهة نظري عاملاً من عوامل التقييم للعلاقات بين الناس، إلا ان المغالطات التي ترافق المعتقدات، خاصة الدينية منها، لايمكن السكوت عنها خاصة اذا ماتعلق الامر باستغفال الناس وتعميق الجهالة بين صفوفهم لأغراض اقل مايقال عنها إنها لاتخدم السلم الاجتماعي ولاتصب في مجرى الانتماء الوطني..)ص38.

وفي تناول لثيمة موضوع كتابه (اشكالية الدين والهوية-بحث في المسكوت عنه) الصادر عن دار القناديل، عمل وحقق الكاتب على عبور المسكوت عنه، ومن تحليل بعض مواضيع الديانات الثلاث ومتعلقاتها مع الاديان الارضية واساطير الاقوام القديمة في التاريخ البشري وماقبله، من العراق ومصر والصين وغيرها وهو يبحث في المكسوت عنه من الناس لخشيتهم من قمع سلطة ولي الامر الماسك بشدة سوطه وهو ملتصق بفساد كرسي الحكم الدنيوي بعد لبوسه كاذباً بلبوس الرحمة وهو ذاهب لشر الاعمال في قتل الانسان وسرقة قوته.

وهذا المغالطات للعقائد الدينية، عطلت البناء الصائب للمواطن وعثرت بناء موطنه المناسب الموفر له الرفاه وباقي حقوقه الانسانية. ومن نشر الجهل حرص الفقية وبطلب سياسيه الحكام، على تغليف خطاب سياستهم بخطاب ديني يهدد الاخرين بعقاب النار ويطمعهم بالجنة، وهذا ما يذكرنا في قول ابن رشد بهذا الموضوع -اذا اردت ان تتحكم في جاهل فعليك ان تغلف كل باطل بغلاف ديني-

وقد محور الكاتب في تناولات كتابه اختلاف نصوص الديانات الثلاث بينها من جهة وبين نصوص الديانات الاخرى، وهي اختلاف داخل النص واخر خارجه حيث المفسرين والفقهين، من الكنسين ومراجع الدين والمذهب، وهذا ماذكر مثلاً، حول منح الله لابراهيم واولاده ارض الميعاد في سفر التكوين الاصحاح 15الفقرة 18ا للعهد القديم.(في ذلك اليوم قطع الرب مع ارام –ابراهيم- ميثاقاً قائلاً، لنسلك اعطي هذه الارض من نهر مصر الى النهر الكبير نهر الفرات) هذه النصوص التوراتية كما ذكر الكاتب (استند ايضاً لها "موشي ديان" وزير الدفاع الاسرئيلي السابق قائلاً :اذا كنا نملك كتاب التوراة واذ كنا نعتبر انفسنا شعب التوراة، يجب علينا ان نملك كل الارض التوراتية - يوروزاليم بوست 1967)ص19.

في حين هناك قراءة لهذا النص التوراتي بان الارض لكل ذرية ابراهيم وليس فقط لابنه اسحاق وابناءه متناسين ابنه الاكبر اسماعيل من زوجته الثانية "هاجر" كما ذكر الكاتب.

وهذا من اختلاف الحفظ للنصوص الدينية والقراءة لها وفهمها وتحويرها على هواهم، وقد كان هناك من اليهود الملتزمين بتدينهم ينكرون حقهم بوراثة هذه الارض وهي ارض كنعان الفلسطينية الاصل.كما في مشاهدتنا لهم في بعض المسيرات المنددة لممارسات سلطة اسرائيل في سياسة التوطين وترحيل الفلسطينين بالقوة عن ديارهم.

و اختلف المسيحون ايضاً حول الكثير من المواضيع المنصوص فيها في الانجيل، منها التثليث والتوحيد لأقانيم الآب والابن والروح القدس، ليذهبوا في تفسيرهم لعدة مفاهيم لهم من قبل اتباع المسيح لتظهر بعدها الكاثوليكية والارثوذكسية والبروستانتية، وقد حصل الكثير من التصادم بينهم ولكن باقل ما ظهر بين طوائف وفرق المسلمين.لتنتهي بكثرها عندهم وتبقى عند المسلمين وللان.

كذلك اختلف المسلمون في قراءة كتابهم القرآن، ليعملوا في صناعة فرق اختلفت وتضادت وتخاصمت حتى تقاتلت، علما قول القرآن ان اياته بائنه اي واضحة وبليغة بقوله (تلك ايات المبين). وكما اكد الكاتب "صادق اطيمش" انها ذكرت واكدت -بيانها- ثلاث مرات فى القرآن الكريم فى سور (يونس ويوسف والحجر)، لكن اختلف مراجعهم كثيرا وفق كل حسب فهمه للقران والتي تذكرنا بالمقولةُ التي وردتْ عن عليٍّ - قالها لعبد الله بن عبَّاس، لمَّا بعثه للاحتِجاج على الخوارج، قال له: "لا تُخاصِمْهم بالقُرآن؛ فإنَّ القُرْآن حمَّالُ أوجُه، ذو وجوه، تقول ويقولون، ولكنْ حاجِجْهم بالسنَّة؛ فإنَّهم لن يَجدوا عنْها مَحيصًا".

وهنا تأكيد القرآن بحصر فهم آياته بالتأويل الذي لا يبلغه غير الله وذو العلمية العالية كما في الأية (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ)ايه7 العمران. وهذا يقودنا للغرابة في كيف لايات بينات لايفهمها إلا الله والراسخون في العلم؟!!! لتضع عامة المسلمون، وهم قوم منغلقين انذاك تحيطهم الصحراء، فلم يورثوا سقراط وافلاطون وارسطو ولم يتداولا المعرفة والحكمة والحوار فيهما، وكانوا يعيشون على الغزو والغنائم ويقتلون ابنائهم خشية املاق..ليكونوا في حيرة فهمهم ويذهبون الى الفقهاء ليفهموا، علما ان الفقيه يسمعها لهم حسب معرفته وانتماءه الخاص ومصلحته في الامر.

وقد تناول الكاتب اهم مظاهر مثولات الاديان التي اشكلت على الانسان في فهمها، مثل الصعود للسماء والمتواجدة من قبل لدى اقوام الحضارات من سومرين واكدين وفراعنه وزردشتين.وكذلك موضوعة المهدي المنتظر لدى المسلمين، الذي سبقهم فيها اليهود والمسيح، مثلما سبقتهم هذه الاساطير في موضوع الطوفان قبل طوفان نوح، وتنقل هذهِ المفاهيم من حضارة لحضارة ومن دين الى دين وفق صيغ متنوعه، كما لدى اليهود ومنه للمسيحة والاسلام، وما ادخل عليه رجال الدين من كنسيين وقساوسه وفقهين وتوظيفهم لما يخدم مصلحتهم الحياتية البعيدة عن الايمان الديني.

و في موضوعة اطاعة اولي الأمر واختلافهم فقهيا فيه باختلاف وضعهم للاقتراب لمسك امور الحياة والسيطرة عليها كما في الاية (يا اُّيهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ –سورة النساء 59) وفيهم من ايد الحاكم الظالم والاخر المؤيد للثورة عليه وكما في واقعة الامام الحسين ضد تسلط يزيد وفهم الاموين لها بمثل الردة والخروج عن طاعة خليفة المسلمين، وعدت موقعة كربلاء ثورة ضد الظلم حظيت بالتأيد من مختلف الجهات الفكرية المختلفة.

ومن المسكتات عن الحاكم الظالم وظلمه ايضاً عند الطائفة الشيعية بمقولتهم – لاترمي نفسك بالتهلكة- تاركين امرهم لله كما في فهمهم للاية (قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) التوبة 51.ومنه جاء مفهوم التقية.رغم عدم ايمانهم بالحاكم كولي امر المسلمين بمثل ايمان اهل السنة له. وكل هذا يحدده طائفية الحاكم ليكون ولي امر الله ام لا.

وتناول الكاتب موضع مسخ الايات وتنوع مسخها داخل النص او عزلها عن العمل بها كما في قتال اهل الذمة من يهود ونصارى وغيرهم او اخذ الجزية منهم، هذه الاية التي مسخت الان في دساتير وقوانين البلدان ذات السمة الاسلامية، الاية التي تقول...(قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُ بدِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّىٰ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (29)س التوبة. لكن يعيش اهل الذمة الان من مسيح ويهود عيشة طبيعية اسوة بالمسلمين بدون دفع جزية وغيرها، ويعني هنا مسخ المسلمين للاية رغم وجودها في القرآن.

ومن تأكيد الكاتب بعدم سكوته عن المغالطات الدينية التي سادت في المجتمعات العربية والاسلامية والتي مزقت المجتمع وفرقت وحدة الصف الوطني، واحالته للضعف الذي اشتغلت عليه الدول الطامعة، لتعمل تمزقات اكبر واكثر وبما يناسبها في التدخل في امور الدولة لتنهب ما تستطيع من ثروات لها.وهذا من النتائج السيئة الحاصلة من الاختلاف الديني الاسلامي المنتج من قراءة النص او من خارجه، حيث الفقه الذي فرق الجمع الوطني الضروري لبناء البلد، لياخذ بهم الى التناحر الطائفي حتى وصل لولادات فرق داخل الفرقة الواحدة، وهذا ماحصل بعد التغير 2003 في العراق نموذجاً، حين لبست الاحزاب لباس الدين لكنها رمته خلف ظهرها والتصقت بالكراسي التي يحقق لها اكثر الغنائم في غزوهم لنيل المناصب.

ومن مردئات الوضع في العراق، ذكر الكاتب تلك الولادات التي ظهرت مابعد2003، وهي الاحلال الاول لقانون العشائر بدل القانون العدلي للدولة، خاصة ونحن في زمن الحقبة الثانية من الالفية الثالثة، وفي بلد حموابي الذي سبق بلدان العالم في سن القوانين المعالجة لاي ظاهرة وواقعة وموضوع، وقد وضعها في بلاد النهرين عام 1750 ق.م، حيث يتم الان في بلد حمورابي استغفال القوانين العدلية واالمتاجرة بالمال تحت مفاهيم بالية باسم الفصل والدية وبما يخلص منها الغني المجرم بماله ليقوم بتاسيس عصابة له من القرية او العشيرة، خاصة ونحن في زمن حكومات فتحت اموالها للسرقة والنهب. وقد تحول الاستعمار بدل استعمال الجيش لاستعمال الاقتصاد والمال، لتورث سلفيات دين التخلف واغلاق العقل الذين يصبان في مصلحة الاستعمار واسلوبه الجديد لتمرير مأربه اللانسانيه، ومن تعطيل العقل وتياه الوعي لتضع عاملي السلفيات... الدين والاستعمار وجهي عملة لتدهور الشعوب والأمم.

وتبقى قولة الكاتب "صادق إطيمش" - انتمائي للانسان اولا وللوطن ثانيا دون اي اعتبار لأي انتماء اخر احترمه وحتى ادافع عنه، تبنيته ام لم اتبنّه ..ص47- معلم ينير القاريء لوجوده الانساني ازاء اعلى القيم حيث الانسان والوطن. ولازمها الكاتب بعدم سكوت الانسان عن التوجات الفكرية والسياسية للجهالة الدينية التي تطمر وخفي الحقيقة الجدلية للنفع البشري ومن خلالها الفصل بين الضار والنافع لبناء اسس الحياة الانسانية –وكما في قولة الكاتب والروائي الامريكي –"وليم فوكنر" - لا تخف أبداً أن ترفع صوتك من أجل الصدق والحقيقة ومن أجل التعاطف ضد الظلم والكذب والطمع . لو فعل كل الناس ذلك .. سيتغير العالم-

 

خليل مزهر الغالبي

 

 

محمود محمد علينعود وننهي حديثنا عن قراءة جورج طرابيشي للتحول من إسلام  القرآن إلي إسلام الحديث، وهن نقول : يبدأ طرابيشي هذا الفصل بتعريف العقل النصي بانه العقل الذي يقدم تعقل النصوص على تعقل الواقع، أو يرهن الثاني بالأول ويمكن أن نقول من طرفنا أن طرابيشي يعمد في هذا الفصل إلى توضيح أن العقل النصي في زمن مالك أو في الحالة المالكية كان لم يكن قد فقد بعد مرونته الجدلية وهذا ما قصد به بأن مالك قد أعطى لعقله هامشا من الحرية حيث أن اختلافه كأحد عواميد مدارس الحديث عن بقيتهم بأنه كان لا يستبعد وجود تناقض في النصوص حيث كان يأتي مالك بالحديث وضده في نفس المكان وكان يصمت في أحيان من منطق ان اختلاف الأمة رحمة ويعطي لنفسه الحق أحيانا في التعليق على النصوص حيث أن نصاب المشكلة كما أوضح طرابيشي في هذا الفصل أن حد التعارض في النصوص كان يصل أحيانا بالصحابة إلى حد التكذيب أو الاتهام بالكذب (ص118)، وباختصار شديد يمكننا أن نقول أن مالكا والذي كان له يد طولى في بناء المنظومة الحديثية فقد رفض أن يغلقها سواء من رده من أحاديث العراقيين فلقد كان كان يقول "يا أهل العراق يخرج الحديث من عندنا شبرا ويصير عندكم ذراعا"، أو من خلال ما رده من أحاديث أهل المدينة إذا كان عمل أهل المدينة قد مضى بخلافها .

ثم يأتي طرابيشي ليوضح الخطأ الذي اثر في مسار العقل في الحضارة العربية الإسلامية،وقبل أن نوضح ذلك الخطأ يجب علينا أن نقول أن تلك الحضارة كانت دائما ما تنتج عقليا نقديا –حتى ولو كان تابعا للنص- وعقلا يغلق العقل ويمقت النقد . فيما يخص المنظومة الحديثية فقد كان هناك مدرستان مدرسة الرأي ومدرسة الحديث، وكان الخطأ الذي نوه إليه طرابيشي أنه قد وضع مالك رائدا لمدرسة الحديث وأبو حنيفة رائدا لمدرسة الرأي، وقد أسهب طرابيشي بشكل مطول على أن كيف أن مالك كان "رأييا" بامتياز، بل وكيف تصدى له الشافعي في كتابه الأم لما رأى له من استخدام للرأي أو للعقل –ولو بشكل محدود.

، ثم يبهرنا طرابيشي بتحليل إحصائي للموطأ يقوم فيه بتحليل داخلي لمعجم مفردات مالك والذي كان على سبيل المثال يدل على أن مالكا كان لا يتواني على قول "أنا أحب" أو "أنا اكره"، وأنه قد ذكر قول "أنا رأيي" في 1529 مرة. ثم نرى بعد ذلك كيف تم رد مالك إلى صراط النص المستقيم بخلق روايات تؤكد أن مالكا كان قد تراجع عن أقواله وأرائه في آخر حياته وقد افحم طرابيشي من تقول على مالك بهذا الهراء، وينطلق من هنا طرابيشي غوصا في علم الحديث حيث يشرح الآليات التي اعتمدها مالك في كشكل من أشكال مدرسة الرأي وهي "القياس والاستحسان والاستصلاح" .

وقد وضح طرابيشي أن القياس عند مالك هو واحدة من الآليات، وهو الآلة الأولى عند أبو حنيفة، وهي الآلة الوحيدة لدى الشافعي، ويمكننا تلخيص منهج القياس بقول أن فيه ظاهر من الحرية وباطن من العبودية، وأما بالنسبة للاستحسان فلنقل أنه كآلية أن فيه حرية أكثر من القياس لأن استخدامه مشروط بإشكالية استخدام القياس، أما الاستصلاح فهو ذروة الاجتهادالمالكي حيث أباح للعقل أن يجتهد في حالة غياب النص .ثم ينطلق طرابيشي من هنا ليتكلم على الفقه الافتراضي والظاهري الحنبلي ويورد الفروق بينهما.

ثم نأتي على "الإسناد" والتي سيعكف طرابيشي على هدم صرح تلك الآلية وقلع أسسها وتحطيم بنيانها بل وفضح منظومتها بأكملها ولأني هنا أقول هذا فذلك لأن مالكا عاش وقال أقواله في حقبة كان لا تزال دوائر العقل مفتوحة ولقد أشار طرابيشي إلى كيف أن مالكا كان منعتقا بشكل نسبي من سلاسل الإسناد، ولكن قام المتأخرون بوصل كل حديث مرسل أو منقطع أو من البلاغات –أي خالي الإسناد أو في سلسلة اتصاله مشكلة- وبالتالي يصبح مالك خاليا من أي حرج . وفي عرض مشكلة الإسناد يعطينا طرابيشي مثالا عبقريا على تطور المدونة الحديثية بل وتغليبها على القرآن ويثبت لنا بالدليل القاطع كيف كانت عبارة عن تطور زمني وتلفيق محكم لحكم ما كان له أن يبقى لو للقرآن من وضع تقديسي أعلى بما آل له الحديث . ثم يأتي على ما وضعه مالك للتصرف مع الحديث .وقد اعتمد الاجتهاد المالكي على القرآن والسنة – وقد فصل طرابيشي تطور هذا المفهوم اللغوي بالتفصيل- وفتوى الصحابة وعمل أهل المدينة، وبالتالي كان اجتهاده نبويا صحابيا تابعيا.

ونخلص هنا بجمع ما لخصه طرابيشي وأكد عليه بما يتعلق بآلية الإسناد وما لمالك من أهمية بما كان له من هامش من الحرية : "إن آلية الإسناد في القرن الثالث الهجري فصاعدا لم تكن وظيفته الحقيقية ضمان عدم الكذب على الرسول ووضع حد لظاهرة وضع الحديث بل على النقيض، إتاحة الفرصة للمزيد من الكذب على الرسول وللتمادي في الوضع على لسانه تحت حماية سلسلة الضامنين .

والواقع إن العيب الإبستمولوجي الذي ينخر في المنظومة الحديثية كما تضخمت في القرن الثالث فصاعدا هو قلب معيار الصحة وإزاحته من المتن إلى السند وهذه الشكلية الخالصة هي المسؤولة عن اللامعقول الذي شحنت به المنظومة الحديثية ويمكننا أن نقول هامش الحرية الذي أعطاه مالك لنفسه في مداورة أسانيد الحديث كان لا بد أن يلغى، وبإلغائه تحدد المسار النهائي للعقل الفقهي الإسلامي كعقل يحكمه ميل وسواسي قهري إلى إغلاق الدوائر وسد كل الثغرات التي قد تتأدى إلى قدر من عدم الانضباط في الدوران داخل مدارات المركز .

وبالتالي يمكننا أن نقول أن السنة بمفهومها المالكي أكثر تعددية وأقل انغلاقية من السنة كما سيفرضها الشافعي فمرجعية مالك نبوية صحابية تابعية أما عند الشافعي فنبوية خالصة، ولا شك ان بين السنة متعددة الخلايا والسنة أحادية الخلية فارقا في درجة الإلزامية، وبالتالي في درجة المرونة في التأويل والاجتهاد، ومن دون أن نستخدم هنا كلمة "حرية" التي ستكون في هذه الحال مبالغا فيها إلى حد التورط في مغالطة إبستمولوجية فلنا أن نقول أن أسار العبودية في سنة متعددة الخلايا يبقى اكثر تراخيا مما في سنة أحادية الخلية".

إذن يسعي جورج طرابيشي في هذا الكتاب إلي توظيف المفهوم الخلدوني عن النشأة المستأنفة، بما  تنطوي عليه من معنى القطيعة والاستمرارية في آن معاً، يسلط هذا الكتاب ضوءاً  باهراً على عملية  إعادة تأسيس الإسلام  القرآني في إسلام  حديثي، وذلك طرداً  مع التحول الموازي  من إسلام الرسالة  إلى إسلام التاريخ، ومن إسلام " أم القرى " إلى  إسلام الفتوحات.

فعلى  حين أن إسلام الصدر  الأول قد ركّز كل مجهوده " الإبستمولوجي" على تثبيت الخطاب القرآني في نص مؤسس أول، فإن الإسلام القرون التالية قد صرف كل جهده بالمقابل إلى تثبيت السنة، أي الحديث المنسوب إلى الرسول، في نص مؤسس ثانٍ من خلال المقولة الشهيرة التي ما فتئ يرددها بصوت واحد الإمام الأوزاعي في القرن الثاني والإمام الشاطبي في القرن الثامن من أن السنة جاءت قاضية على الكتاب ولم يجئ الكتاب قاضياً على السنة.

والخطورة في هذه النقلة في المرجعية في الإسلام من القرآن إلى الحديث تتمثل أولاً في ما تمخضت عنه من انقلاب خطير من المنظور التشريعي: ففي القرآن لم يكن هناك من مشرِّع سوى الله وحده ولم يكن من نصاب للرسول سوى أنه مشرَّع له . ولكن مع الحديث لم يحوَّل الرسول إلى مشرِّع فحسب، بل إن أولئك الذين أباحوا لأنفسهم أن يضعوا الحديث على لسانه  قد نصّبوا أنفسهم في الواقع  مشرِّعين له كما لله.

ثم إن عدد الأحكام الملزمة للمكلّف  في القرآن محدود للغاية ؛ أما المدوّنة الحديثية، التي حكمها قانون التضخّم المتسارع، فتتضمن آلافاً وآلافاً من الأحكام . وعلى هذا النحو يكون المكلّف في الإسلام قد تحوّل إلى ما يشبه الإنسان الآلي الذي لا يتحرك في كل نأمة من نأماته إلا بالنصوص التي تتحكم بكل ما جلّ ودقّ من شؤون حياته العامة والخاصة. وبما أن الفرضية اللاهوتية التي انتصرت في الإسلام هي فرضية الشافعي القائلة إن الرسول لاينطق إلا عن وحي حتى عندما لا ينطق بالقرآن، فقد أُنزلت الأحاديث التي وُضعت  على لسان الرسول بعد وفاته  منزلة الوحي الموحى، وتواضع أهل الحديث والفقه على اعتبار السنة، كالقرآن، تشريعاً إلهياً متعالياً. وككل ما هو إلهي ومتعالٍ، أو مفترض فيه أنه كذلك، انعتقت السنة وأحكامها من شروط المكان والزمان، وصارت ملزِمة للمكلّف – كما يقول ابن حزم- "إلى يوم القيامة" : فلا يتغير فيها، ولا يجوز أن يتغير فيها شيء مهما تغيرت الأحوال والوقائع وشروط التاريخ . وهذا ما حكم على العقل العربي الإسلامي ابتداء من القرن الخامس الهجري بالانكفاء على نفسه وبالمراوحة في مكانه في تكرار لا نهاية له ؛ وهذا أيضاً ما سدّ عليه الطريق إلى اكتشاف مفهوم التطور وجدلية التقدم وما يستتبعانه من تغيّر في الأحكام الوضعية ذات المصدر البشري لا الإلهي ؛ وهذا ما أسّسه أخيراً في ممانعة للحداثة تنذر في يومنا هذا بالتحوّل إلى ردّة نحو قرون وسطى جديدة.

وبهذا الكتاب الذي يرصد الآليات الداخلية لإقالة العقل في الإسلام يختتم جورج طرابيشي مشروع " نقد نقدِ العقل العربي " ؛ ويُحسَب لدراسة طرابيشي أنها واحدةٌ من الدراسات المهمة التي أعادت صياغة إشكالية النهضة بالتركيز على العوامل الداخلية والبُنى الفكرية المؤسِّسة للوعي، ومع التسليم بالدور الفاعل الذي قام به تيار أصحاب الحديث عبر قرون وما خلفه من آثار ما تزال ماثلةً حتى اليوم.

إلا أن طرابيشي في تفكيكه الناقد لمنظومة أصحاب الحديث قد اصطف -عن قصدٍ ربما- في الاتجاه المضاد إيديولوجياً، ولعل واحداً من أهم ما يُستشكَل في دراسة طرابيشي هذه هو خلطه بين "السنة" كميراثٍ معرفي لا سبيل لإنكار وجوده موضوعياً، وبين ما آل إليه هذا الميراث بعد تداوله في أزمنة وأمكنة وثقافات مختلفة؛ فلئن لم تسعف طرابيشي قراءتُه الإحصائية/الظاهرية لألفاظ القرآن في العثور على اعترافٍ قرآنيٍّ بوجود "سنةٍ للرسول"، فإنه لا ينبغي أن يترتب على ذلك نفيُها بالمطلَق ثم ردُّ ما رُوي أو ورَدَ منها وإحالته على اختلاقات الرواة ورجال "الصنعة الحديثية" كما فعل طرابيشي، خصوصاً إذا لاحظنا الدعوة القرآنية الصريحة والمتكررة في أكثر من موضع إلى "اتباع" الرسول و"طاعته" و"اتخاذه أسوةً".

بل إننا إذا أخذنا بما يقرره طرابيشي نفسه من كون القرآن نصاً صاغ وعياً جديداً في البيئة العربية واتخذ موقعه المركزي في الحضارة العربية الإسلامية، فإن من غير الطبيعي أن يكون "مبلِّغُ" هذا النص نكرةً في التاريخ فلا يُعرَف من سيرته وسنته شيءٌ يذكَر، كما أنه من الطبيعي بالمقابل أن ينالَ "مبلِّغَ" هذا النص نصيبٌ من الوضع والدس والافتراء، وهو ما تم بالفعل؛ الأمر الذي يضطرنا إلى إعادة ترتيب فرضية طرابيشي بحيث تكون "السنة" كحاجةٍ دينيةٍ و"الرواية" كمصدرٍ معرفيٍّ هما مَن صَنَعَ رجال الحديث وليس العكس.

وبناءً على هذا فإنه يمكن النظر إلى دور أصحاب الحديث باعتباره دوراً تقنياً بحيث تملي عليهم "الصنعة الحديثية" إيلاء الإسناد عناية تفوق العناية بالمتن، وربما يكون "تكليفاً لهم بما لا يطاق" مطالبتُهم بأن يبرعوا في الجمع بآنٍ واحد بين "الرواية" و"الدراية" معاً؛ بل لنا أن نزيد على ذلك بالقول بأن "عقلية" أهل الحديث المنهمكة بطبيعتها في "التفاصيل" و"الحرْفية النصية" التي لا تجرؤ حتى على نقد الحديث أو رده إلا قليلاً هي العقلية الأكثر انسجاماً والأقدر "مهنياً" على القيام بمسؤولية "التوثيق من أجل التوثيق" تاركة مهمة النقد والتمحيص لمن يجيدها، ولا تنشأ المشكلة إلا عندما نطلب من مثل هذه العقلية أن تجتهد نقداً أو رداً أو حتى استنباطاً، وفي حال تم ذلك -وهو ما تم فعلاً بحسب طرابيشي- فإن التهمة لا ينبغي أن توجه للإيديولوجية المتغلبة المناوئة للعقل، بل للإيديولوجية العقلانية المهزومة التي فوتت فرصة إثبات نفسها سياسياً عندما قبلت ممارسة الإكراه ودعوياً عندما تعالت بنخبويتها على "العامة" ثم شلّتها المذهبية والتقليد أكثر مما شلتها الإيديولوجية الحديثية.

ولعلنا إن شئنا مجاراة طرابيشي في استعانته بعلم النفس التحليلي لقلنا إن "هاجسه الإنكاري" تجاه السنة قد شوش عليه الرؤية وأوقعه في حالة "نكوص" إلى أحضان المعتزلة الذين هم برأيه ممثلو "العقل" و"القرآن"، الأمر الذي يستبطن وصف "الآخر" بضد ذلك، وسنكون عندئذٍ إزاء دعوةٍ لاستئنافِ معركةٍ إيديولوجيةٍ قديمةٍ بكل تكتيكاتها واصطفافاتها، واستعادةٍ للمقولات الناظمة لذلك الصراع المزمن، وعندها لن نكون على أعتاب ردةٍ نحو قرون وسطى جديدة كما ينذر طرابيشي، بل سنكون مراوحين فيها دون مغادرةٍ لها أصلاً.

وإذا يختتم طرابيشي كتابه مشيراً إلي أن أصحاب الحديث أثبتوا مرجعية بالحديث، ثم بالحديث أثبتوا مرجعيتهم، وبالحديث انتصروا للحديث ولأنفسهم وباتوا بذلك هم المشرعين الحقيقيين، فإنه يري أن عشرة قرون من تقديم الحديث وسيادة أهله قد أفضلت إلي ثلاث نتائج بالغة الخطورة من حيث انعكاساتها علي جدلية التقدم/ التأخر الثقافي الحضاري، أولاها تغييب القرآن وخطابه الفتوح القابل للتأويل، وثانيتها تغييب العقل وتقليص فاعليته إلي  أدني مستوياتها إلي حد إدخاله في ضرب من البيات الشتوي، بحيث يمكن القول إن العقلانية العربية الإسلامية قد هُزمت تحت ضغط الإيديولوجيا الحديثية، وثالثتها القضاء علي التعديدات في الإسلام سواء كانت فرقاً داخلة أو طوائف وديانات من خارجه، وذلك بعد حصر الهدي في الفرقة الناجية ؛ ومن هنا فإنه ما لم يعد تفتيح ما أغفلته الإيديولوجية الحديثية من مسام العقل، وفي مقدمتها العقل الديني، فإنه لا أمل في كسب رهان تجديد النهضة، بل ستبقي الاحتمالات قائمة للارتداد نحو " قرون وسطي " وذلك كما أكد محمد أبو الخير.

كما يحسب لدراسة طرابيشي أنها كما قال محمد أبو الخير واحدة من الدراسات المهمة التي أعادت صياغة إشكالية النهضة بالتركيز علي العوامل الداخلية والبني الفكرية المؤسسة للوعي، ومع التسليم بالدور الفاعل الذي قام به تيار أصحاب الحديث عبر قرون وما خلفه من آثار ما تزال ماثلة حتي اليوم، إلا أن طرابيشي في تفكيكه الناقد لمنظومة أصحاب الحديث قد اصطف – عن قصد ربما – في الاتجاه المضاد إيديولوجيا، ولعل واحدا من أهم ما يُستشكل في دراسة طرابيشي هذه هو خلطه بين " السنة " كموروث معرفي لا سبيل لإنكار وجوده موضوعيا، وبين ما آل إليه هذا الميراث بعد تداوله في أزمنة وأمكنة وثقافات مختلفة ؛ فلئن لم تسعف طرابيشي قراءته الإحصائية / الظاهرية لألفاظ القرآن في العثور علي اعتراف قرآني بوجود " سنة للرسول " فإنه لا ينبغي أن يترتب علي ذلك نفيها بالمطلق ثم رد ما روي أو رد منها وإحالته علي اختلافات الرواة ورجال " الصنعة الحديثية" كما فعل طرابيشي ؛ خصوصاً إذا لاحظنا الدعوة القرآنية  الصريحة والمتكررة في أكثر من موضع إلي "اتباع " الرسول و" طاعته" و"اتخاذه أسوة".

بل إننا إذا أخذنا بما يقرره طرابيشي نفسه من كون القرآن نصاً صاغ وعياً جديداً في البيئة العربية واتخذ موقعه المركزي في الحضارة العربية الإسلامية، فإن من غير الطبيعي كما يقول محمد أبو الخير أن يكون " مبلغ" هذا النص نكرة في التاريخ فلا يُعرف من سيرته وسنته شئ يذكر، كما أنه من الطبعي بالمقابل أن ينال " مبلغ" هذا النص نصيب من الوضع والدس والافتراء، وهو ما تم بالفعل ؛ الأمر الذي يضطرنا إلي إعادة ترتيب فرضية طرابيشي بحيث تكون " السنة" كحاجة دينية و" الرواية" كمصدر معرفي هما من صنع رجال الحديث وليس العكس.

وبناء علي هذا فإنه يمكن النظر إلي دور أصحاب الحديث باعتباره دورا تقنيا بحيث تملي عليهم " الصنعة الحديثية" إبلاء الإسناد عناية تفوق العناية بالمتن، وربما يكون " تكليفا لهم بما لا يطاق" مطالبتهم بأن يبرعوا في الجمع بأن واحد بين " الرواية" و" الدراية" معا ؛ بل لنا أن نزيد علي ذلك بالقول بأن "عقلية" أهل الحديث المنهمكة بطبيعتها في " التفاصيل" و" الحرفية النصية" التي لا تجرؤ حتي علي نقد الحديث أو رده إلا قليلاً هي العقلية الأكثر انسجاما والأقدر " مهنيا" علي القيام بمسؤولية " التوثيق من أجل التوثيق " تاركة مهمة النقد والتمحيص لمن يجيدها، ولا تنشأ المشكلة إلا عندما نطلب من مثل هذه العقلية أن تجتهد نقدا أو ردا أو حتي استنباطا، وفي حال تم ذلك – وهو ما تم فعلاً بحسب طرابيشي – فإن التهمة لا ينبغي أن توجه للإيديولوجية المتغلبة المناوئة للعقل، بل للإيديولوجيا العقلانية المهزومة التي فوتت فرصة غثبات  نفسها سياسيا عندما قبلت ممارسة الإكراه ودعويا عندما تعالت بنخبويتها علي " العامة" ثم شلتها المذهبية والتقليد أكثر مما شلتها الإيديولوجية الحديثية.

ولعلنا إن شئنا مجاراة طرابيشي كما يقول محمد أبو الخير في استعانته بعلم النفس التحليلي لقلنا إن " هاجسه الإنكاري" تجاه السنة قد شوش عليه الرؤية وأوقعه في حالة نكوص إلي أحضان المعتزلة الذين هم برأيه ممثلو " العقل " و" القرآن"، الأمر الذي يستبطن وصف " الآخر" بضد ذلك،وسنكون إزاء دعوة لاستئناف معركة إيديولوجية قديمة بكل تكتيكاتها واصطفافاتها، واستعادة للمقولات الناظمة لذلك الصراع المزمن، وعندها لننكون علي اعتبار درة نحو قرون وسطي جديدة كما ينذر طرابيشي، بل سنكون مراوحين فيها دون مغادرة لها أصلا.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

...........................

2- عمر كوش: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث.. (مقال).

3- سعيد ناشيد: الحاجة الماسة لقراءة كتاب "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث".. (مقال).

4-من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث… النشأة المستأنفة .. الأوان .. (تقرير).

5- هاشم صالح: قراءة في كتاب: جورج طرابيشي .. (مقال).

6- محمد أبو الخير السيد: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة.. (مقال).

7- محمد أبو الخير السيد : عرض كتاب من إسلام القرآن إلي إسلام الحديث :  النشأة المستأنفة، المسلم المعاصر، جمعية المسلم المعاصر، مج 35، ع 140، 2011.

8-مناف الحمد : من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث (قراءة نقدية في كتاب جورج طرابيشي)، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 7  كانون الثاني/ يناير 2018.

 

 

هيثم نافل والي"حكمنا نحن شيخ جامع الأزهر بإجماع أربعة وعشرين عالماً معنا من هيئة كبار العلماء بإخراج الشيخ- علي عبد الرازق- أحد علماء الجامع الأزهر، والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية، ومؤلف كتاب- الإسلام وأصول الحكم- من زمرة العلماء، وطرده من وظيفته، وقطع مرتباته في أي جهة كانت وعدم أهليته للقيام بأي وظيفة عمومية دينية كانت أو غير دينية، ثم التنويه بحرمانه من الرعاية المصرية- وفي عرفنا الحاضر يعني ذلك- إسقاط الجنسية المصرية عنه.."

بهذا الحكم نبدأ مقالنا، ونبثه على العالمين لعلهم للعبرة التي نبتغيها يفطنون!

سنوات طويلة يبحث فيها القاضي علي عبد الرازق في كتب التاريخ المنصفة محاولاً أن يجد ثغرة ينبثق منها النور المعرفي على أخطر حقبة عاشها العرب في القرن السادس الميلادي لما لها من أثر بالغ جعل أمتهم تتغير نحو آفاق لم يكن يدركوها، ويفطنوا لأمور لم يقربوها من قبل. فأقبل عليهم الشيخ عبد الرازق ببحثه العلمي المتخالف عليه، والذي أحدث حوله ضجة لم يعرفها التاريخ العربي المعاصر، ثم جاء بعدها قرار الأزهر الذي كان قاطعاً كالمقصلة، عميقاً في قلب الشيخ مما جعله يركن إلى الانزواء والاختفاء كما يحدث في الغالب مع المبدعين عندما يساء لهم بغير حق، يتجاوزون عليهم لأنهم ينحازون للمعرفة وليس للخرافة، للعلم وليس للأسطورة، للحقيقة وليس للخيال، وكأنهم بأحكامهم تلك يقولون:

هذا عقاب كل من يحاول أن يعرف! 

فالظلمة حسب عرفهم تفوق سماحة النور، والسلطة تتغلب على قوة المعرفة مهما كانت!

وقتما ظهر كتاب الشيخ عبد الرازق الذي كان يتناول فيه موضوعاً خاصاً لم يتجرأ من قبله أحد الخوض فيه إلا وهو:

هل أن خليفة المسلمين ملكاً، أم لا؟ وهل للخليفة صفة دينية أم دنيوية؟ وهل يرسي زعامته بالتأثير الديني أم بحكم السيف ورهبة القوة؟ هذا ما أراد إثباته الشيخ علي عبد الرازق في بحثه الرنان الذي كان له صوت الذهب عندما يسقط على أرض صلبه،.. هذا وحده كان كافياً لأن يحكم عليه من قبل جماعة الأزهر!

الغريب هو أن الزعيم "سعد زغلول" بعد قراءته للكتاب صرح بالتالي:

" قرأت كثيراً للمستشرقين ولسواهم، فما وجدت ممن طعن منهم في الإسلام حدة كهذه الحدة في التعبير على نحو ما كتبه الشيخ علي عبد الرازق"..

ففي عام الظهور، ونعني به، عام صدور الكتاب 1925 أحدث كتاب الإسلام وأصول الحكم للشيخ ثورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ العرب المعاصر كما قلنا ولم يوازيه في القوة إلا كتاب عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين- الشعر الجاهلي- الذي صدر بعد عام من أزمة القاضي عبد الرازق وحوكم عليه وقتها، تم فصل العميد من الجامعة المصرية وبعد الاستئناف تم تعويضه وترقيته وزيراً للمعارف المصرية! لكن هذا الأمر فشل فيه شيخنا عبد الرازق، فلم يعوض ولم يرفع عنه الحصار إلا بعد أن حصلت تغيرات في وزارة الملك فؤاد بعد أن رفض وزير الحقانية تنفيذ قرار الأزهر وتم تبديله بعد أن شعر الملك بوجوب تخفيف الحكم وذلك بإعطاء الشيخ راتباً يعيش منه، لكنه ظل محروماً من الدخول مجدداً إلى زمرة علماء الأزهر، ولم يعد لمزاولة عمله كقاضي شرعي في مصر! كل هذا جعل الشيخ يكون سلبياً في حياته وإنتاجه، فهو لم يكتب بعدما حدث وما تعرض له حرفاً للعالمين!  

ترى ما الذي قاله الشيخ في بحثه ليحصل كل ذلك؟ 

نستطيع تلخيص بحثه في نقاط أساسية هي التي أثارت غضب الأزهر من ناحية والملك فؤاد الذي فهمه على أنه موجهة ضد خلافته من ناحية أخرى:

عنوان مقالنا هو خلاصة كتاب الشيخ القاضي علي عبد الرازق "رسالة لا حكم، ودين لا دولة" ويقصد بها بالحرف، الإسلام رسالة دينية بشرية، لا حكومة ولا دولة إسلامية. ثم يدرج نتائج بحثه وخلاصتها:

أن الإسلام لم يقرر نظاماً معيناً للحكومة، فترك للمسلمين مطلق الحرية في تنظيم أنفسهم طبقاً للأحوال الفكرية والاجتماعية والاقتصادية التي يتواجدون فيها مع مراعاة مقتضيات الزمن.  

الخلافة ليست نظاماً دينياً، والقرآن لم يشر أو يأمر بها.

الدين الإسلامي بريء من نظام الخلافة. 

الخلافة شلّت كل تطور في شكل الحكومة عند المسلمين نحو النظم الحرة خصوصاً بسبب التعسف الذي انزله بعض الخلفاء بتقدم العلوم السياسية والاجتماعية، فأنهم قد صاغوها في خير قالب يتفق مع مصالحهم.

الخليفة هو خليفة النبي، وهذا خطأ شائع. 

وعندما صدر الحكم على شيخنا صرح للصحافة وقتها بالحرف:

" لقد أخرجني الحكم من هيئة علماء الأزهر، وهي هيئة علمية أكثر منها دينية، ولم ينشئها الدين الإسلامي، ولكن أنشأها مشروع مدني لم تكن له أي صفة دينية، ولأغراض إدارية، وعلى هذا الأساس فإني لن أكون في حسن الإيمان والإخلاص للإسلام أقل من أولئك الذين قضوا بإخراجي".. 

 ثم ينهي كتابه بخلاصة خالصة تقول:

"الحق أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز وقوة. والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا، ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا، لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة "..

ترى ما العبرة المستوحاة مما تقدم؟

قبل أن نجيب على هذا التساؤل الخطير، نود أن نقدم مثالاً واقعياً حدث لي قبل يومين بالتحديد:

فقد سؤلت من أحدهم، لماذا تذكر في حديثك بأن الإبداع لن يتحرر إلا بكسر القيود وقضبان السجون التي تحد منه وتحيط به، ووقتها فقط تقول، بأن الإبداع يتحرر ليقول كلمته؟!

جوابنا هنا سيكون خلاصة بحث الشيخ علي عبد الرازق في كتابه القيم" الإسلام وأصول الحكم " وهو يجيب على تساؤل ذلك الذي ينكر علينا قولنا في الحرية الواجب مراعاتها وتواجدها كي يبدع الفنان والمفكر والعالم، يقول الشيخ بالحرف:

"أن جناية الملوك- الخلفاء – واستبدادهم أضلوا الناس عن الهدى، وعموا عليهم وجوه الحق، وحجبوا عنهم مسالك النور باسم الدين، وباسم الدين أيضاً استبدوا بهم، وأذلوهم، وحرموا عليهم النظر في علوم السياسة، وباسم الدين خدعوهم، وضيقوا على عقولهم، فصاروا لا يرون ذلك الدين مرجعاً، حتى في مسائل الإدارة الصرفة، والسياسة الخالصة. كل ذلك انتهى بموت قوى البحث، ونشاط الفكر بين المسلمين، فأصيبوا بشلل في التفكير السياسي، والنظر في كل ما يتصل بشأن الخلافة والخلفاء"

من هنا، وبعد أن استعرضنا تفاصيل التضييق الفكري على المبدع كيلا ينشر النور الذي يحتاجه عامة الناس لرؤية الواقع الذي انغمسوا فيه بحكم قمع السلطة المتحكمة جعل المبدع يتراجع في تفكيره، ثم ينحسر في إبداعه، وما يظهر على السطح كما يتوهم للبعض بأنه إبداع، وما هو بإبداع، لأنه فقط صدى لما يردده الحاكم، وتقليد لضحكاته، وحركاته، وهمساته، ورسم صوره، ومباركة حكمه ومن يقول غير ذلك واهم كما يوهم الكبار الصبيان بالزبيب!

 

بقلم: هيثم نافل والي  

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا هن قراءتنا لجورج طرابيشي من إسلام القرآن إلي إسلام الحديث، وهنا نقول: ولكي يوضح طرابيشي فكرته أكثر عن الفرق بين إسلام القرآن وإسلام الحديث أو السنة فإنه يدرس بشكل تاريخي كيفية تشكّل السنة على مدار القرون الثلاثة الأولى من عمر الحضارة العربية الإسلامية وارتباط ذلك بتشكل الفقه ومجموعات الحديث الكبرى. وهنا يكشف عن الدور الكبير الذي لعبه الفرس في تشكيل السنة. ومعلوم حجم المنافسة التي حصلت بين الفرس والعرب في القرون الأولى.

والواقع أن معظم مؤلفي كتب الحديث والمذاهب كانوا من الموالي لا من العرب: أبو حنيفة، والبخاري، وسيبويه فيما يخص علم اللغة، الخ.. يقول المؤلف بالحرف الواحد: “ذلك أنه ما كان لنار النزعة الاثنية الفارسية أن تخمد تحت رماد الإسلام. فالإسلام الذي حمل إلى أعاجم البلدان المفتوحة، وفي مقدمتهم الفرس، كان إسلام قرآن لا يد لهم فيه، وما أنزل أصلا برسمهم. بالمقابل فإن الإسلام الذي أعادوا تصديره إلى فاتحهم كان إسلام سنة كانت لهم اليد الطولى في إنتاجه، وهو الإنتاج الذي استطاعوا أن يؤسسوا أنفسهم من خلال إتقان صناعته- كما سيتضح في الفصول التالية-في طبقة متفقهة عاتية النفوذ حبت نفسها، عن طريق التطوير المتضافر للمدونة الحديثية والمدونة الفقهية، وبالتالي للمؤسسة الإفتائية، بسلطة تشريعية لم يقر بها القرآن للرسول نفسه”.

والمفارقة التي يمسك بتلابيبها جورج طرابيشي هنا في هذا الكتاب أن المسار الانقلابي بقدر ما ابتعد تدريجيا عن روح الخطاب القرآني، وعن القيم الأساسية للخطاب القرآني لفائدة مدوّنة حديثية تم تضخيمها، فإنه التصق في الأخير بالنص الديني التصاقاً مطلقا أكان النص قرآنا أم حديثا. بمعنى أن ثمة سيرورة انقلابية مزدوجة فارقت قيم القرآن وجمّدتها لأجل أن تمجّد النص في الأخير. أي أنها افترقت عن الخطاب القرآني لكي تدعي تقديس النص القرآني والنص الحديثي معاً. وهذا ما حدث منذ الشافعي وصولا إلى ابن حنبل.

في الفصل الأول يبتدأ طرابيشي الكتاب بثلاث جمل قاضيات تلخص ما جاء هو ليفصله في ستمائة صحفة ونيف، فأطروحته المركزية هنا تعتمد على الفصل بين إسلام الرسالة – إسلام النبي محمد- وإسلام الفتوحات –الإسلام المرتبط بالتركيبة الاجتماعية الثقافية السياسية.

ويبدأ كتابه بالحديث عن النبي ويذهب بنا في رحلة في حوالي ثمانين صفحة يحاول فيها باختصار غير مخل أن يشرح كيف أن النبي لم يكن له من الأمر شيء وأنه كان موحى إليه عن طريق القرآن فقط وأن الحديث لم يكن من ضمن اهتمامات النبي ولا أصحابه ! أي انه كان يعتبر كلامه كلام بشر يصيب ويخطأ ويمكن شرح ذلك عن طريق ما فصله طرابيشي بأن القرآن خطاب والنبي هو المخاطب فيه ليس إلا .

ويذهب طرابيشي بنا في رحلة في جوف القرآن وطريقة تعاطي الوحي مع محمد وتعاطي محمد معه، من آيات تقصر وظيفة النبي على التبليغ فقط وتتوعده بالعذاب إن زاد شيئاً أو انقص شيئا من القرآن أو بدله من عنده، وكما وضح أيضا كيف أن النبي كان ينتظر أحكاماً معينة ويقف فيها ولا يعطي رأيه بانتظار الوحي !

وهذا يعني أن كلامه كبشر لم يكن يعني شيئاً لا له ولا لصحابته إذا ما قارناه بالوحي والذي يقتصر على "القرأن"، بل ويتجه طرابيشي إلى أبعد من ذلك ليشير إلى أن القرآن كان يلوم محمداً إذا ما هو اتخذ موقفا استباقياً أو بادر إلى طرح رأيه من غير أن يكون له مرجع من غير الوحي !

فكيف لنا إذن أن نعطي الحديث ذات الأهمية التي نعطيها للقرآن إذا كان رسول الإسلام نفسه لم يفعل ذلك، لنا أيضا أن نشير هنا وبسرعة إلى خطأ وقع فيه المسلمون لاحقا وهو خلط الآيات المكية بالمدنية ! وهي خلطة أدت لتلبيس الآيات؛ بمعنى ليست لها فيه ناقة ولا جمل ! حيث مضمون الرسالة وحال الرسول وحال الإسلام كان يتغير بشكل كبير بين كل فترة وأخرى وبالذات النقلة النوعية اللاهوتية التي تعرض لها النبي ورسالته من مكة إلى المدينة.

ثم يتطرق طرابيشي بعد ذلك إلى أن القرآن والوحي كان يتدخل في حياة الرسول الشخصية وتحدد له ما هو مباح وما هو محرم في علاقاته الزوجية ورغائب نفسه الجنسية ! ورغم غرابة الطرح لأذن السامع إلى أنه حقيقي جدا وواضح في المدونة الحديثية وفي الآيات نفسها ولكن لم يفعل ذلك طرابيشي ليقدح في نبي الإسلام على قدر ما أراد أن يظهر "اللافاعلية النبوية" حتى في أمور كهذه وكيف أن الوحي كان له القول الاول والأخير حتى فيما يتعلق من هذه أمور، وليس لنا هنا أن نناقش مشكلة الوحي في هذه النقطة من مغزى لاهوتي لأممية وعالمية الرسالة، والتي سيتطرق لها طرابيشي تباعا في الفصل الثاني .

ثم يأتي طرابيشي إلى أكثر الأمور جدلا وهي ايات طاعة الرسول والتي بسببها ايضا حظى الحديث بقدسية لا متناهية ويشرح هنا طرابيشي باستخدام الوحي نفسه واحداث السيرة الى ان طاعة الرسول مقرونة بطاعة الله وان الطاعة هنا كانت كخطاب موجه للمشركين لا للمؤمنين !

ومن ثم إذا زال الخلط هنا ظهرت لنا حقيقة الأمر وهي أن طاعة رسول هي طاعة مقرونة وخاصة بحالاتها التي ذكرت فيها وليست طاعة عمياء كما فسرها لنا علماء المسلمين في القرون اللاحقة !

وينهي طرابيشي فصله بطرح أمثلة عديدة على تعامل الرسول برأيه كبشر في مواقف في حياته وفي حروبه وكيفية تعامل الصحابة معه بأريحية تامة كلما كان الأمر بعيدا عن "الوحي المنزل" أو عن "اللافاعلية النبوية"، ومن هنا ينتهي دور الرسول تقريبا في هذا الكتاب !

وفي خطوة تهدف إلى تفكيك أسس "الإيديولوجية الحديثية" التي صنعت التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، يقوم طرابيشي في الفصل الأول من كتابه بـ"رحلة استقرائية" لآيات القرآن يستنتج منها أن الخطاب القرآني قد صاغ جدلية من طرف واحد، يكون فيها الله آمراً مطلَق الحرية، والرسول مأموراً مطلق العبودية، يقف في موقع المفعولية دون الفاعلية، وتقتصر وظيفته على التبليغ دون التشريع، فهو مشَرَّعٌ له غير شارع، مأمورٌ بالقول غير قائل من عنده، ليس له حتى أن يستعجل الوحي وإن تأخر، بل يلومه الوحي أحياناً على مواقف اتخذها باجتهاده، ويتدخل أحياناً أخرى في حياته الخاصة بما في ذلك علاقاته الزوجية.

ويرى طرابيشي أن "بشرية" الرسول هي الثابت، وأنه بشرٌ قبل الوحي وبعدَه، فهو بدون الوحي بشرٌ يخطئ ويصيب ويدرأ خطأ الرأي بالمشاورة، وعلى هذا فلا بد إذن من "التمييز في شخصية الرسول بين البشر الذي يتكلم من عند نفسه والبشر الذي يتكلم من عند الله"، وهذا هو "أس الأسس في لاهوت الوحي في الإسلام".

وفي الفصل الثاني وعنوانه من النبي الأمي إلى النبي الأممي، "معضلة الأمة وعماد جهلها" أضفت أنا هذه الجملة لأوضح موقفي من هذه المشكلة ثم لأطرح ملخصا لما فصله طرابيشي في هذا الفصل الصغير "عشرون صفحة فقط" والذي أوفاه حقه، فأنا أرى انه منذ أن تأخر المسلمون منذ تسعة قرون تقريبا في كل المجالات وهم لا يتاونون عن وصف أنفسهم ووصف تاريخهم بالمعجز !

ثم أتوا على نبي الإسلام وحولوه لدمية ووعاء فارغ ليس له حول ولا قوة ! حولوه لشخص لا يعرف القراءة والكتابة جاهل بأمور العالمين وكل شيء عنده وكل تصرف يفعله بحياته يمكن تلخصيه بالآية "ان هو إلا وحي يوحى" ويجب هنا على القارئ الا يختلط عليه الأمر، فالوحي كان مؤثرا بل ومن منطق لاهوتي فالنبي وعاء الوحي، ولكن نفي العلم عنه وجعل النبي نفسه معجزة لهي مشكلة في حد ذاتها لأن هذا يساهم في تحويل النبي إلى "نصف إله" لا يمكن نقده أو نقد سيرته أو أفعاله الدنيوية والتي لم يكن للوحي فيها قول، وهي ليست بالقليلة.

يذهب طرابيشي في البداية لشرح معنى كلمة "أمي" وهي كلمة وصف بها اليهود أولاد عمومتهم العرب، وجاء القرآن في عدة آيات ليؤكد هذا الوصف، وهو باختصار الأمة التي ليست لها كتاب، ولم يأتي المعنى ولا مرة في القرآن بالمعنى الدراج بمعنى عدم معرفة القراءة والكتابة !!

ثم يتطرق طرابيشي للفكرة التي أرى أن اغلب المسلمين سيروا فيها إجحافا على رسالة الإسلام نفسها، وهي فكرة أن الإسلام هو دين جاء لعرب الجزيرة فقط ولم يأت للعالمين ! ويحاجج طرابيشي هنا من يتقول على الاسلام فيقول انه عالمي بآيات من القرآن نفسه .

ثم يتطرق طرابيشي باستفاضة لشرح الوضع الجيوبوليتيكي لجزيرة العرب ومن حولها وتعامل القرآن والرسالة معها وكيف أن الإسلام كان مقتصرا على العرب بل ويتميز القرآن بعروبته لأنه جاء "لأم القرى ومن حولها"، ثم يتطرق طرابيشي لمعركة تبوك والتي تخلف فيها الكثير ويربطها ربطا ممتازا بالوضع الإقليمي والوضع الديني ومفهوم الرسالة لدى الأمة الوليدة ولدى القرآن نفسه، ثم يتطرق مرة أخرى لسورة التوبة والتي يستند فيها تقريبا كل الجهاديين اليوم على أفعالهم ويحاول أن يشرحها من وجهة نظر دين محلي يحاول أن يسيطر على أمته الوليدة، ويثبت أن في القرآن كله في ستة آلاف اية ونيف لم يجد المدافعون عن عالمية الرسالة إلا آية واحدة فقط ليثبتوا فيها موقفهم ويظهر التدليس المتعمد لتفسير هذه الآية من المحدثين والمفسرين واختلاف تفسيرها عن مضمون وبقية آيات القرآن.

وبعد شرح مطول جدا لكل هذه المشاكل ينهي طرابيشي الفصل نهاية درامية مفجعة فهو يقول: "فما ربحه الوجود العربي الإسلامي على صعيد " الاستمرارية التاريخية" خسره على صعيد "الانقطاعية الحضارية" فإن كان التشريع الإسلامي حفظ نفسه من خلال السنة المنسوبة إلى النبي مصدرا إلهيا قد صان ذلك الوجود وحفظه، فإنه بالمقابل قد شله عن التطور بقدر ما جمده في وضعية ثابتة ومكررة لنفسها وعابرة لشروط الزمان والمكان.

فتشريع كهذا ما كان له إلا ان يكون حاكما على التاريخ بدل أن يكون- كما في التشريع الوضعي- محكوما به . والخروج من حكم التاريخ هو بمثابة الخروج من التاريخ نفسه . وربما تكون تلك هي كبرى مفارقات إسلام التاريخ . فقد أصبح إسلاما لا تاريخيا وهذه اللاتاريخية كانت ولا تزال هي النسخ المغذي للممانعة العربية على صعيد العقليات والبنى الاجتماعية على الأقل لأمر الحداثة.

والفصل الثالث يمكننا القول بأن بداية من هذا الفصل سنرى "بداية السقوط" وهنا نتكلم عن اغتيال مفجع لإسلام الرسالة تباعا بشكل زمني .. فكلما تقدم بنا الزمن سنرى الإسلام وهو يتحول لآلة لاهوتية عملاقة تحبس المسلمين داخلها وتعطيهم حكما مؤبدا باغتيال العقل والتضحية به على مذبح الخرافة... وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

...........................

1- جورج طرابيشي: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، دار الساقي للطباعة والنشر، 2010.

2- سعيد ناشيد: الحاجة الماسة لقراءة كتاب "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث".. (مقال).

3- هاشم صالح: قراءة في كتاب: جورج طرابيشي .. (مقال).

4- محمد أبو الخير السيد: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث: النشأة المستأنفة.. (مقال).

5- محمد أبو الخير السيد: عرض كتاب من إسلام القرآن إلي إسلام الحديث: النشأة المستأنفة، المسلم المعاصر، جمعية المسلم المعاصر، مج 35، ع 140، 2011.

 

جوتيار تمراستلمت قبل يومين النسخة التي اهداها لي الدكتور جكر عبدالله من والده الدكتور عبدالله جاسم الذي اتصل بي قبل ايام وقال بان نسختي محفوظة عنده، حقيقة كتجربة سابقة في قراءة احدى كتب الدكتور جكر او الابحرى ترجماته، احسست بضرورة ان اتحدى الظروف القسرية الني نعيشها سواء ما فرضه واقع كورونا او الدراسة المكثفة التي تأخذ الكثير من وقتنا حالياً، استلمت الكتاب وما ان عدت حتى بدأت بتصفح اولي للفهرست – محتويات الكتاب – لاخذ فكرة عامة عنه، خاصة وان الكتاب نفسه اخذ حيزاً اعلامياً كبيراً لاسيما بين الاوساط الثقافية والدينية، وحين اقول الثقافية وافصلها عن الدينية، لاافعل من باب الفصل بين الدين والثقافة، انما من باب نظرة الدين الى هكذا نظريات، وفي المقابل كيفية تدوالها بين الاوساط الثقافية سواء العلمانية او الالحادية او حتى العامة، فالنظرة بلاشك تختلف بشكل كبير، ففي الاوساط الدينية الحتمية والسبقية هي اساس الرؤية التي يتم تبنيها، في حين تتفاوت الرؤية في الاوساط الاخرى بين قبول وتداول وبين انحياز واكتراث وبين لامبالاة ، وفي الحصيلة لابد ان يكون لكل وسط رؤيته التي لانقوم ولانعطي الحق لانفسنا بالحكم عليها، او حتى تقيميها.

عودة الى الكتاب " سابينس: موجز تاريخ الانسان " لمؤلفه يوفال نوح هراري وهو كما يعرفه المتابعون للكتاب والمفكر وألاكاديمي الاسرائيلي والمؤرخ المتخصص في تاريخ العصر الوسيط بالجامعة العبرية في القدس، والغريب في عنوان الكتاب اني وجدت في بعض المواقع الالكترونية اسم "العاقل :تاريخ موجز للبشرية"، وضمن السلسة ذاتها "الانسان الاله: موجز تاريخ الغد"، وما يهم في الامر هو كتاب سابينس الذي بين يدي، حيث الترجمة التي اعتبرها دائما مدخلاً مهما للتغلب على اي تحدي يمكن ان يواجهه البحث العلمي، لان الترجمة في الغالب تطرح آليات يمكن من خلالها سد الفجوة المعرفية التي نعاني منها ليس في اقليم كوردستان فحسب انما في غالبية دول الشرق الاوسط، باعتبار ان الترجمة هنا بالذات اما مسيسة او منحازة لمذهب وطائفة على حساب الرؤية الاكاديمية والعلمية والحقائق التاريخية والانسانية، لذا كباحث تاريخي اكاديمي اجد في الترجمة رافداً مهماً يمكن من خلاله اثراء الحركة العلمية، فالبحث العلمي هو الوسيلة التي يمكن من خلالها ان نصل الى فهم دقيق للمشكلات التي نواجهها، وفي الوقت نفسه الوصول الى حل لتلك المشكلات واكتشاف حقائق جديدة ومن خلال الغوص في الماهيات التي ترافقها والعلل التي توجدها واستنباط القوانين والنظريات التي تساهم في اغناء الحركة العلمية بصورة عامة، وذلك ما لامسته من خلال قراءة الكتاب، الترجمة التي تعطينا الرؤية الناضجة حول المفاهيم والقدرة على تبسيطها للمتلقي كي يتعايش معها وفق ما هو مطروح دون انحياز او تجاوز للمنطق المخصوص، وبحق ذلك ليس بغريب على الدكتور جكر الذي اقدر سعيه الدائم لخلق انموذج كوردستاني شرقي يقتدى به ليس هنا فحسب انما حتى في اغترابه.

اما الكتاب فقد بقيت اقرأ فيه ليومين حتى لااقطع سلسلة الافكار التي تنتابني كمتلقي اولاً وكباحث ثانياً، ووجدتني اقف عند مفترق الطرق في الرؤية التي طرحها الكاتب، لاسيما اني استنبطت من النظرية التي يطرحها حول تاريخ البشرية ان هناك متغيرات اساسية تتحكم في مسألة تطور الانسانية، او بعبارة اخرى مرت البشرية بها، كالثورة المعرفية التي اعطتنا القدرة على ادراك الواقع والحقائق بشكل يتناسب ووجودنا الفعلي المغاير والمختلف عن الحيوانات، ومن ثم الثورة النيوليثية – الثورة الزراعية أو التحول الديموغرافي في العصر الحجري الحديث -  التي من خلالها خرجنا من طور اللااستقرار والتنقل والبحث والجمع والصيد  الى حالة من الاستقرار بسبب تعلمنا زراعة الارض، والمعترك الثوري الثالث هو الثورة العلمية التي دفعتنا كعنصر " عاقل " الى تطوير قابلياتنا المعرفية خارج دوائر مراقبة الاخر.

وهنا استحضر  ما قاله احد الكتاب " معتز ممدوح "  الانسانوية الجديدة: الوريث الاخير لمشروع التنوير الغربي، حول ما قاله هراري في كتابه الذي عنونه ب " الانسان الاله: موجز تاريخ الغد " : الانسانية في زماننا تجاوزت المجاعة والفقر والامراض والحروب، وصارت تواجه تحديات اخرى مختلفة في عصر مابعد الصناعة، ومن ابرز تلك التحديات الذكاء الاصطناعي، الذي يعتقد هراري انه من الممكن ان يؤدي الى زوال سيادة البشر واستعبادهم من قبل جيل جديد من الآليين. هذا فضلًا عن تحدي آخر ألا وهو محاولة هزيمة الموت، أي سعى الإنسان من خلال الطب الحديث لتجاوز الموت وتحقيق الخلود.

وهذا ما جعلني انحاز الى التاريخ كمدخل اكثر قيمة لفهم النظرية التي يطرحها هراري، فالتاريخ الذي طرحه من خلال كتابه بدءاً بيوم في حياة آدم وحواء، ومروراً بالطوفان – الفيضان – وسفينة نوح، ومن ثم تجليات التطور الانساني عبر الثورة الزراعية والتلازميات التي فرضها الواقع الجديد للانسان، ومن ثم الوقوف على معالم التطور الجسماني والمعرفي والانتاجي الانساني والاهرامات انموذجاً، وما اثار انتباهي هو طرحه لمفهوم لا عدالة التاريخ وفق منظور ربما لااتفق معه، ولكنه في الاجمال طرحٌ يثير في المتلقي التساؤل لاسيما انه لم يتوقف عند الطرح لذلك المفهوم فحسب بل ارفقه ببعض القرائن ومحاولات توحيد النوع البشري، ومن ثم محاولته لربط تلك المحاولة بمنظور السيطرة على البشرية عبر توظيفات مغايرة للرؤية نفسها – القمر الاصطناعي التجسسي -  وسطوة المال وتناسل الافكار – الايديولوجيات المتناحرة – الامبريالية والنظام العالمي الجديد والرأسمالية التي طرحها كعقيدة ومن ثم عقيدة السلام التي تؤرق الانسانية، ومن ثم على الرغم من طرحه لفكرة الوثنية والوحدوية – الخير والشر – الا ان منطقه فرض عليه الانصياع لمبدأ الانسانوية وطرح فكرة عبادة الاديان للانسانية، الا انه بنظري اخفق في خلق مسار متوازن يمكنه من خلاله الوقوف بجدلية اخرى غير المثالية، على حقيقة العوالم غير المهمينة، بعبارة ادق عوالم الجوع والفقر والمرض والطائفية والمذهبية واللااستقرار وحتى الصراعات الدموية المستمرة والتي لم تتوقف منذ قرون، وهذا ما سيتطلب في الحقيقة فرض ايديولوجية انسانوية غير التي ساقها هراري وغيره من دعاة الانسانية، وبالطبع ذلك سيفرض ثورة اخرى نتيجة نزوح البشرية نحو العدمية واحتمالية تحولهم الى السايبورج الذين يستحيل تقريباً التعرف عليهم على انهم الهومو سابينس، ومع ان الفكرة يسيطر عليها الخيال العلمي بالاخص فيما يتعلق بالتصميم البيولوجي او الهندسة البيولوجية وخلق انموذج من الاحياء والتكنولوجيا في جسم واحد، الامر الذي يفرض قناعات قد تخالط ذهنية الانسان في وقتنا الحاضر باعتباره يعيش حالة من الذهول حول الفرضيات التي لامسها خلال العقود الماضية لاسيما فيما يتعلق بطروحات الفيروسات التي تحولت الى حقائق جعلت العالم يعيش حالة من العدمية واليأس لاسيما انه وجد كيف حول الحيوان حياته الى صراع مع البقاء وكأن الحيوان اصبح الهاً فرض عليه واقعاً جديداً ربما لم يكن ليخطر على باله يوماً، لذا فانه يريد احياء اسطورة فرانكشتاين، السؤال هل هذا هو المستقبل المتوقع، او هل هذا هو مايريده الانسان، او لنصيغها بعبارة هراري " ماذا نريد أن نصبح في المستقبل ؟ ، بل ما الرغبة التي نريد تحقيقها..؟ " ... من لايخاف من هذا السؤال ، ربما لم يعطِ نفسه الوقت الكافي للتدبر فيه.

 

جوتيار تمر/ كوردستان

19-11-2020

 

 

2010 اشكالية النهضةيجيء كتاب "إشكالية النهضة في الوطن العربي من التوابل الى النفط" لمؤلفه الصديق العزيز د. عدنان عويّد، كدراسة موضوعية تتوغل في عمق مشكلات النهضة العربية الحديثة، وتغوص في قاعها لتكشف وتثير وتحاور من أجل بحث تحليلي معرفي، للأسس النظرية التي ترتكز على رؤى شاملة للواقع العربي المتمثلة بالثقافة الثيوقراطية المهيمنة، والرؤى النهضوية المتمثلة بالوعي وعقلنته، لإثبات الوجود والهوية المعاصرة.

إن إشكالية النهضة في الوطن العربي ترجع في أسبابها إلى عوامل عدة، منها الداخلي ومنها الخارجي، ومنها الذاتي ومنها الموضوعي.

إن هذه العوامل تتداخل وتتشابك .. تتجاذب وتتناحر، أو تتصارع مع بعضها أحيانا، مما جعل المجتمعات العربية على هامش التاريخ المعاصر، تراوح عند نقطة انطلاق النهضة العربية. فالخطاب العربي النهضوي المعاصر لا زال نفسه منذ عقود، تتصارع فيه التيارات الفكرية والاصلاحية المتنوعة، التي تعبر عن مصالح طبقية وقومية وطائفية ومذهبية، ما هي إلا انعكاس لمقتضيات محلية ودولية.

من خلال هذا الصراع يستأنف المشروع النهضوي بحثه في مقولات الزمن الضائع وفق اتجاهين رئيسيين هما : السلفية والأصالة في مواجهة المعاصرة والحداثة. والتراث بمواجهة الحداثة والتنوير. ودعاة التعددية في وجه المركزية والإقصاء. وهذا ما يشكل إشكالية تعبر عن وضع مأزوم، لا يمكن الخروج منه بسهولة، كما خرجت كثير من الشعوب الأخرى.

أعتقد جازما أن السبب الأساسي في هذه المراوحة - التي أدت إلى أزمة مستعصية - يعود إلى عدم استطاعتنا الخروج من الشرنقة التي لازمت الخطاب العربي النهضوي المعاصر منذ عقود من الزمن، المتمثلة - بشكل أساسي - في تعنت الأصولية الدينية في تقديسها الماضي وليّها عنق استعمال العقل، وفي جمود الخطاب الديني وعدم عقلنته، بالاعتماد على مفاهيم النقل والتقليد والاتباع بكل ما تعنيه من سلبية وانحدار ورجعية، ووضع المحاذير في طريق تجديده بفتاوى التكفير والتفسيق وهدر الدم، مما أدى إلى الثقافة الثيوقراطية البدوية القروسطية الدوغماطية التي تعتبر أنها تمتلك الحقيقة المطلقة .

لقد ظهرت حركات سلفية إصلاحية في القرن التاسع عشر لكنها فشلت، لأن الفكر السلفي حينها قد ساد العقول، ولأن بعض رواد مشروع النهضة العربية قد وظفوا الدين لصالح السلطة السياسية، والبعض منهم جعل السياسة في خدمة الدين. والبعض الآخر عمل على أسلمة الحداثة.

اما الفكر القومي فقد أسهم بمشاريع نهضوية، ولكنها لم ترق في تحولاتها إلى مستوى حيز الفعل والواقع الملموس.

إن العامل الأساسي المتعلق بنجاح أي من المشاريع الإصلاحية النهضوية المطروحة والذي يلعب دورا هاما في نجاحها هو الوعي الجماهيري العقلاني النقدي، وبوجود حوامل اجتماعية مؤمنه بأفكار ومبادئ هذه المشاريع.

فالجمهور العقلاني التنويري أو ما يسمى (الحامل الاجتماعي) هو الأداة التي تقع عليها مهمة المساهمة في تنفيذ الإصلاح النهضوي.

إن هذا الحامل لم تتبلور مفاهيمه المعرفية والطبقية بعد، وظل مشتتا تتجاذبه الأفكار المختلفة وتسيطر على غالبيته العظمى الأفكار السلفية المتخلفة السائدة التي تنتمي إلى عصور الانحطاط القروسطية، التي تتحكم فيها السلطة الدينية والسياسية المستبدة، بما تبثه من مفاهيم النقل والتقليد .

إن من أهم المعوقات التي واجهت الحركة النهضوية هي الأنظمة العربية القمعية التي نصّبت نفسها وصيّة على الفكر العربي، وتحكمت بروافد تغذيته، وطوعته وأخضعته لإرادتها ورؤيتها، فهدمت بذلك كل إتجاه حداثي تنويري.

كما لعب الصراع التناحري بين النخب الثقافية - بسبب تضارب مصالحها وتوجهاتها وتطلعاتها - دورا كبيرا في انقساهما على نفسها، مما انعكس سلبا على الحلول النهضوية، وأدى إلى فشلها أو تعطيلها.

هذ مع تأكيدنا أن للمنطق العشائري القبلي في بعض البلدان العربية دوره التصادمي بالعملية النهضوية الذي أدى إلى تغيب الكثير من مقوماتها.

 

مصطفى السكري "سوريا"

 

صدر عن دار ميزر في مالمو – السويد، كتاب الدكتور جواد بشارة (الكون الإله أو الحقيقة الكونية وألغاز الكون العصية)، الذي يبحث فيه بطريقة سلسة وممتعة عن أسرار الكون المرئي وغير المرئي، ويتطرق إلى الأساطير التي تتعلق بنشأة الكون ويشرح بصورة مستفيضة المفاهيم والنظريات العلمية بهذا الصدد، ابتداء من طروحات السومريين والإغريق، مروراً بعلماء عصر النهضة الأوربية وانتهاء بعلماء القرن الحالي. سيتعرف القاريء خلال 850 صفحة من القطع الكبير، التي يضمها الكتاب، على كل ما هو مثير وغامض في هذا الكون، في أصغر مكوناته وأكبرها حجماً. وسوية مع المؤلف يسبر القاريء أغوار الكون الفسيح، حيث الثقوب السوداء، المادة المظلمة، المادة المضادة، الكتلة السالبة، الزمكان، الموجات الثقالية، الفرادات، اللانهائيات والأكوان المتعددة. كما سيطلع القاريء على آخر ما توصل إليه العلماء من نظريات وأفكار بشأن مستقبل الكون، الأمر الذي يشعر معه المتابع بالدهشة، الغرابة، وفي بعض الأحيان، بصعوبة تصور ذلك!

2006 الكون الاله

خلاصة أطروحة الدكتور جواد بشارة، بعد البحث والتقصي على مدى ربع قرن، هو أننا لا شيء في هذا الوجود، لا الأرض لها قيمة وتأثير ولا النظام الشمسي الذي يحتويها ولا المجرة التي تأوي نظامنا الشمسي وهي درب التبانة هي الحدود القصوى للعالم، بل ولا حتى كوننا المرئي المتخم بالأسرار والألغاز. الجسيمات الأولية للوجود الكلي المطلق، لانهائية العدد وتمتلك طاقة لانهائية وهي بمثابة أكوان متعددة، ككوننا المرئي ومحتوياته، وهي تشكل بنية وهيكيلية الكون المطلق الحي العاقل الصمد، السرمدي، الأبدي الأزلي، اللامحدود واللانهائي، والذي لا يوجد وجود آخر غيره، لا يخلق شيئاً، ولم يخلقه أحد، وكل ما موجود في هذا الوجود إن هو إلا جزء منه ومن مكوناته فهو الموجود بذاته ولذاته. إنه كتاب جاء ثمرة بحث معمق لمقاربة الواقع وماهيته ومحاولة لاختراق جوهر الأشياء والتساؤل حول التحولات التي حدثت في الطبيعة كما قدمها العلم على مر العصور. فمنذ مقدمة الكتاب طرح الباحث بعض التساؤلات الوجودية العصية على الإجابة مثل: ما أصل الكون؟ ما هو الزمان؟ ما أصل الحياة؟ ما معنى الحياة؟ ما هو الوعي؟ ما هو الخير وما هو الشر؟ ماذا يوجد بعد الموت؟ ماذا كان يوجد قبل الانفجار العظيم؟  مماذا تتكون المادة؟ ماذا يوجد داخل التقب الأسود؟ هل هناك وجود لحياة في منطقة ما في هذا الكون؟ هل هناك وجود لأكوان اخرى؟١- لماذا نرى الزمن يتحرك باتجاه واحد وماهو الزمن وماهي ماهيته الحقيقية؟ وقد شغل حيزاً كبيراً من محتويات الكتاب ٢- أين ذهبت كل المادة المضادة وهل هناك أكوان موزاية مكونة من المادة المضادة؟ ٣- ما هي المادة والطاقة المظلمة أو السوداء أو المعتمة؟ ٤- هل هناك أبعاد أخرى في الكون المرئي؟ ٥- ما هو الوعي؟ ٦- ماذا يحدث داخل الثقب الأسود؟ ٧- أين ستتوقف غرابة ميكانيكا الكموم الكوانتوم؟ ٨- ماذا حدث قبل الانفجار العظيم؟ فما هي المادة والطاقة، وماهو الفضاء والمكان والزمن؟ وهل نسيج الزمكان هو نسيج بالفعل؟ هل كان هناك مكان وقع فيه حدث الانفجار العظيم؟ وهل كانت هناك حقبة زمنية سبقت وقوع حدث الانفجار العظيم؟ وفي أي حيز مكاني حدث التضخم الكوني المفاجئ والدائم، وهل هو محدود أم لانهائي؟ هل الزمن مكون حقيقي من مكونات الكون المرئي أم هو منبثق جراء عملية تفاعل كونية أو مجرد وهم؟ وهل المكان مكون حقيقي من مكونات الكون المرئي أم متولد ومنبثق من عملية تفاعل كونية عرفت باسم الانفجار العظيم أي مجرد وهم هو أيضاً؟ ولماذا لا يكون حدث الانفجار العظيم البغ بانغ مجرد وهم مختلق من قبل العلماء؟ اكتشف البشر عن طريق علمائهم الأفذاذ أن الكون المرئي تقوده أربع قوى جوهرية هي الكهرومغناطيسية والقوة النووية الشديدة أو القوية، والقوة النووية الضعيفة، والثقال أو الجاذبية. ولكن حتى الجاذبية أو الثقالة باعتبارها إحدى القوى الكونية الجوهرية الأربعة، تتصرف على نحو مختلف مع الطاقات الفائقة. فعلماء الفيزياء والكونيات يقفون اليوم أمام مفارقة عويصة فهم لايعرفون على وجه الدقة كيف تتصرف الجاذبية أو الثقالة في الطاقات القصوى التي كانت موجودة إبان مرحلة التضخم. فنظرية النسبية العامة لآينشتين تخبرنا بأن كل مادة تتأثر بالثقالة أو الجاذبية بنفس الطريقة حيثما تكون الثقالة أو الجاذبية ثابتة مهما كانت طاقة الجسيمات. والحال، وبسبب الخصائص والميزات الغريبة للميكانيك الكمومي أو الكوانتي، فإن العلماء يعتقدون اليوم أنه في حال الطاقات القصوى أو الفائقة جداً تتصرف المادة على نحو مختلف إزاء الجاذبية أو الثقالة. وعند إجراء المحاكاة المشار إليها أعلاه أدخل فريق البحث هذه الفرضية في نموذجهم الرقمي بتغييرهم لقوة تفاعل الجسيمات مع الثقالة أو الجاذبية واكتشفوا أنه كلما زادوا من قيمة قوة الجاذبية أو الثقالة كلما زادت فاعلية التضخم بنقله للطاقة لإنتاج حقل أو مجال الجسيمات المادية اللازمة للبغ بانغ.

يتضمن الكتاب فصول كثيرة تبحث في الثقوب السوداء وماهيتها وأنواعها، وعن الزمن وماهيته وحقيقته وعن الثوابت الكونية وعن علاقة العلم بالدين وبالأطروحة اللاهوتية عنن الخلق ومقارنتها بالأطروحة العلمية، ويغوص في نظرية تعدد الأكوان وتعدد العوالم والأكوان الموازية، فقد تكون فرضية الأكوان المتوازية المفتاح لفهم الانفجار العظيم البغ بانغ، فمفهوم الأكوان المتوازية تفسير لغز الدقة المتناهية للثوابت الجوهرية التي تدير الكون المرئي وتتحكم به. فكيف يمكن أن نفسر أن الكون المرئي، ومنذ لحظة ولادته، يمتلك تنظيماً وضبطاً خليقاً بأن يكون ميكانيك قياسي أو معياري للدقة؟ ومن هنا أعتبر عدد من العلماء أن يكون مثل هذا الإتقان والكمال perfection وليد الصدفة لذلك يعزون هذا الضبط السماوي الدقيق للغاية إلى عقل وذكاء كوني علوي فائق ومتسامي. والحال إن نظرية الأكوان المتوازية تتعاطى مع الأمور بطريقة مغايرة معتبرة عملية خلق الكون المرئي بمثابة حدث كوانتي أو كمومي فالكون المرئي لم يكن كاملاً بل غدا كاملاً فيما بعد بعد أن استكشف كل الطرق الكمومية أو الكوانتية الممكنة. وهناك ما يشبه الاستراحة وخروج عن السياق المألوف لفصل كرسه الباحث لموضع يتصف بالغموض والإثارة عن الكوسمولوجيا الفضائية وغير البشرية من خلال عرض لحضارة الأوميين اللاأرضية. قبل العودة لمناقشة نشأة الحلق بين العلم والدين ومحاولة البحث عن إجابة لسؤال جوهري هو "لماذا يوجد شيء ما بدلاً من لاشيء في الوجود؟"  الكتاب عبارة عن رحلة استغرقت ثلاثين فصلاً وتمهيد ومقدمة وخاتمة للوصول إلى تصور وإدراك علمي صارم صامداً في وجه الخرافة والطرح الثيولوجي اللاهوتي الغيبي والماورائي.

 

 

 

 

1999 عبد الحسين شعبانالإمام الحسني البغدادي.. سسيولوجيا الدين والتدين

تأليف: د. عبدالحسين شعبان

يقدّم كتاب المفكر عبد الحسين شعبان مائدة ثقافية دسمة للقارئ فيما يتعلق بسسيولوجيا الدين والتديّن، من خلال الإمام الحسني البغدادي الشخصية الإسلامية المثيرة للجدل والإشكالية بامتياز، وقد صدر عن مركز إحياء تراث الإمام البغدادي في النجف عام 2018، وهو كتاب من القطع المتوسط، بعدد صفحات بلغ (333) صفحة.

والأصل في الكتاب كما يقول الباحث، دراسة أو مقالة، لكنه ظلّ يتوغل عميقاً في شخصية الحسني البغدادي، ويديم البحث بلا هوادة عن أية معلومة عنه وعن تراثه، وفي أحيان كثيرة نراه يتوقف عند الكتابة للتأكد من (كلمة) واحدة، قيلت من قبله أو قيلت فيه.

إنه بحث في السرديات التاريخية، للشخصية وللأحداث والمواقف، وما يرافقها وما يترتّب عليها، وهو بحث يماثل عمل الآثاريين في التحقيب والتنقيب في مكنونات وتحف وآثار السابقين، لاسيّما في الغوص في أعماق المجتمع النجفي الديني والمدني في آن، لكي يفي الموضوع حقه، لابد له من إيراد الشواهد والموروثات المدونة منها وغير المدوّنة. وهو ما يجعل العمل متجاوزاً للصيغة التي أريد لها أن تكون، تبعاً لثراء ما وفره المؤلف حول هذه الشخصية موضع البحث والمثيرة للجدل.

ولعل ما دفع المفكر شعبان لتناول هذه الشخصية، بجانب العلاقة الأسرية التي تربط أسرة الإمام الحسني البغدادي وأسرة آل شعبان، لكون هذه الأخيرة من العوائل التي أشرفت على خدمة الروضة العلوية المقدسة بالنجف قبل أكثر من خمسة قرون من الزمن، إلّا أن هناك هدفاً يرافق اهتماماته هذه، هو سعيه الحثيث في المساهمة في كتابة تاريخ العراق السياسي، فالكتب والسير والمراحل التاريخية، تميط اللثام عن هذا الاهتمام، ولم يكن يحكمه في هذا مدى توافق هذه الشخصية مع توجهاته الفكرية أو السياسية، بقدر ما يريد أن يقدم اختيارات منتقاة بعناية، يسلط من خلالها ضوءًا كاشفاً مع الحرص على أن تتم قراءة التاريخ (الماضي) قراءة صحيحة لا خاطئة، كما يقول عبد الرحمن منيف، وهذا المنهج كان لازمة للباحث والبحث من مقدمته وحتى خاتمته وأقسامه السبعة.

فاختيار شخصية الحسني البغدادي لا تقتصر على ما فيها من الخصائص والطبائع، والأدوار والمواقف، وبخاصة عندما تكون هذه الشخصية موصوفة بأنها إشكالية، فإن الاختيار يتعلق بفك بعضاً منها، فما بالك عندما يحسبها شعبان (ظاهرة) فمن المؤكد أن جوانبها سياسية ودينية وثقافية،لهذا سوغ لنفسه الغوص في قراءتها من منظور سسيولوجيا الدين والتديّن وما بينهما، وشعبان لم يكن في كل ما كتبه من سير وسرديات، ساعياً إلى الترجيح أو لوي المواقف واستجلابها لصالح رؤية أو موقف أيديولوجي، بل جلّ ما يسعى إليه هو فكّ الالتباس والاختلاط، وفصل الخيط الأبيض عن الخيط الأسود.

ولما كان الباحث ابن البيئة النجفية عائلياً ومدينياً، عارفاً بأزقتها وحاراتها، شخصياتها وعوائلها، سراديبها وبرانياتها، وعلى معرفة بتوجهات نخبها الدينية والفكرية والثقافية، بإزاء مختلف المواضع والمواقف، ومن منظوره أن لكل موقف أو توجه مقصده ومبناه، حتى في الدين والتديّن، وعلى وفق هذا لا يمكن لباحث من خارج هذا التوصيف،أن يحصل على دقائق الأمور وأصغرها فيما يخص تفكيك تلافيف الظاهرة الدينية، فالنجف ليست ككل المدن، ولا يمكن وصفها بمدينة دينية فحسب، بل هي مدينة ثقافية شديدة التنوع، ومدارسها الفكرية يستبطنها (جدل كبير)، بين التقليدية والحداثوية، وبين اليسار واليمين، كما أنها مدينة مالية واقتصادية، تدخلها الأموال وتخرج كما يدخل الوافدون إليها من شتى الأمصار، وفي كل هذا كانت هناك مدخلات ومخرجات، لهذا فهي عبارة عن متدفقات وتيارات لا تهدأ، في سكونها الظاهر، وتفاعلها المستتر، وهو ما يذكره شعبان بدقة وملاحظة لا متناهية.

ولربما ما دفع شعبان إلى كتابة هذه السردية عن الإمام الحسني البغدادي، هو بيان المختلف عنده والمتفرد فيه، والتي وسمت دوره ومواقفه، لكونها جوانب محفزة للمهتم بتفاصيل الوقائع والتاريخ، فالحسني البغدادي لم يكن ليناً أو مترجياً لمصلحة أو مغنمه، لهذا نجده راديكالياً في الكثير من مواقفه، وحاداً وخارجاً عن سياق الخطاب المعتاد في مؤسسته، فمواقفه من شاه إيران أبان انتفاضة خرداد، جعلته موضع تقدير من الإمام الخميني، وظلّت العلاقة دافئة بينهما ظلت حتى وفاته دليلاً على تميّزه مثلما هي مواقفه الناقدة للعديد من زعامات الحكم في العراق، منذ رفضه للاحتلال البريطاني ومشاركته في مقاومته مع السيد محمد سعيد الحبوبي، قبل (ثورة العشرين) إضافة إلى دوره المشهود لاحقاً بفضح أساليبه الخبيثة تجاه العراقيين، وإيمانه المطلق بالمقاومة الفلسطينية، وتشجيعه العمل الفدائي ضد الصهاينة، ، وطبيعة الصراعات ما بين التيارات الرئيسة في العمل السياسي في العراق والمنطقة،  وجميع هذه المواقف اتسمت بالوضوح من دون لبس أو تأويل. لهذا عدت مثابات لمواقف عروبية وقومية ومبدئية، وهو ما يتناوله شعبان بعمق، لاسيّما باستعادة قراءة التاريخ بروح حرّة منفتحة.

ومن وجهة نظري إن كتاب مقاربات في سسيولوجيا الدين والتديّن ، يتمحور حول مفاصل رئيسة هي:

أولاً: الدين والتدين

وهنا أراد الكاتب أن يقدّم إضاءة على رمزية دينية، كجزء من مقاربة تتعلق بسسيولوجيا الدين والتدين، وأكثر وضوحاً بيان العلاقة بين المعتقدات وتجلياتها الفعلية على الأرض، فبينما الأديان تظل محل قدسية لا خلاف عليها، فالتدين ظاهرة اجتماعية متحركة ومتغيرة، وتتأثر بمحيطها سلباً أو إيجاباً، وتنعكس طبيعياً على واقع المجتمع وأحواله، وتمارس تأثيرها في أنماط وطبيعة الصراع بين القوى المحركة للمجتمع في مرحلة تاريخية مشخصة وموصوفة. لهذا بدا هناك افتراق بين الدين والتدين، وخصوصاً لمن يذهب إلى الادعاء بامتلاك الحقيقية وفهم النص الديني كما يجب، ويضفي التفسير القاصر والفهم المسطح للنص الديني قدسية على الحاكم، بغية إلزام الناس وتغييب عقولهم بعدم الخروج عليه، حتى وأن كان ظالماً وغير عادل. في حين تتسم تعاليم الدين بالعدل والمساواة وحق الاختلاف.

ثانياً: الفتاوى في التكفير والإلحاد

ويشكّل التجريم والتكفير الجزء الأكثر جاذبية في هذه السردية، ولعل شعبان أراد أن الأمر كله ينصب فيه، لكونه يأتي على وفق معطى ديني، سواء لمذهب أم لجماعات دينية أو سياسية كما جرى لليسار بشكل عام والماركسي بخاصة،عندما أصدر المرجع الديني (الأعلى) السيد محسن الحكيم، فتوى تكفير وتحريم للشيوعية في شباط 1960- والمفارقة أن الفتوى حين صدرت  من النجف، كان السيد (صاحب الحكيم) هو مسؤول محلية النجف للحزب الشيوعي أي نفس عائلة الحكيم، وينتسب لهذا التنظيم العشرات من الأسر الدينية الكبيرة والمعروفة في النجف من مثل آل الحكيم، آل الرفيعي، آل الخرسان، آل الجواهري، والشبيبي وآل شعبان (أسرة المؤلف) وغيرهم .

وقد جرى استثمار ذلك في إطار الصراع الداخلي بين القوى السياسية المحلية لصالح التلوينات الطاغية بالقومية واليمنية (فقد وظفها حزب البعث لتسلّم السلطة في العام 1963)، وفي ميدان الصراع العالمي بين الإمبريالية والاشتراكية، فقد جرى تلقّفها من قبل القوى الدولية الكبرى آنذاك وبخاصة الولايات المتحدة القوة الصاعدة الكبرى، لتحشد إعلامياً وثقافياً وفكرياً لمواجهة الانتشار الشيوعي (الماركسي) في المنطقة، وتعقد مؤتمرات وأبرزها مؤتمر بحمدون والذي ردّ عليه الإمام محمد حسين كاشف الغطاء بكرّاس (المثل العليا في الإسلام لا في بحمدون) والذي قام اليسار العراقي بإعادة طبعه وتوزيعه لما فيه من ردود على القوى الإمبريالية وحلفائها الرجعيين. ومن الجدير بالذكر أن كاشف الغطاء، كان قد دعي إلى المؤتمر الذي انعقد لمحاربة الأفكار المادية الهدامة، لكنه اعتذر عن حضور المؤتمر وكتب جواباً عليه الكراس المشار إليه.

وبالرغم من الضغوط التي مورست على السيد الحسني البغدادي،لإصدار فتوى متزامنة مع فتوى السيد الحكيم، لكنه رفض ذلك بعناد وإصرار، ويروي (البغدادي الحفيد) أن ثلاثة من علماء الشيعة، زاروا البغدادي الكبير لإقناعه بإصدار فتوى ضد الشيوعية، وهم الشيخ مرتضى آل ياسين والسيد إسماعيل الصدر والسيد محمد جمال الهاشمي، ومع قناعته التامة بالحادية الأفكار الشيوعية، ومحاولة الهاشمي استمالته بأن فتواه ستكون مقدّمة على فتوى الحكيم، إلّا أنه ظل متمسكاً بموقفه في رفض الإفتاء، وشاركه بموقفه هذا كل من:آية الله حسين الحمامي وآية الله عبد الكريم الزنجاني وآية الله الشيخ محمد فاضل القائيني، وتحملوا بسبب ذلك الكثير من الاتهامات والإساءات، فقد ترتب على هذا الرفض اتهام القائيني بالشيوعية، وتم تسفيره إلى إيران، والتهمة نفسها روّجت ضد الحمامي، أما الزنجاني فقد أتهم بأنه عميل بريطاني، فيما كانت تهمة كاشف الغطاء بأنه سلطوي، هذه أجواء فاح منها شدة الصراع الحاصل في الأوساط الدينية في النجف آنذاك.

ويسوق الكاتب (شعبان) جملة مسوغات لذهاب (الحسني البغدادي)، لمجاراة التوجه العام، ربما تحت الضغط، أو بدافع الحيطة والحذر أو ما يسمى (التقيّة)، أو أنه موقف قد استدرج إليه، فقد قدم شيئاً موافقاً لتكفير الشيوعية، يقرأه بعضهم "فتوى"، وبعضهم يعد مجرد رأي في سياق الآراء. وهذا جزء من إشكالية المواقف عند الإمام الحسني البغدادي. بالرغم من أن " فتواه" إن اعتبرت فتوى أو رأيه إن اعتبر رأياً جاء باهتاً وفي غير وقته، لذلك لم يثر أي ردود أفعال بشأنه في حينها، مقارنة بما أحدثته فتوى السيد الحكيم. فالسياق العام لتوجهات (البغدادي)، لا تؤشر وجود شواهد تدفعه لتبني خطاب أو فتوى تحريمية، ولربما جاء موقفه من اليسار والشيوعية في إطار نتاجه الفكري وليس الافتائي، أو تجنّب الانتقاد، وهذا الظن أراد المؤلف إشاعته في الكتاب من خلال سياق تناوله لمواقف الإمام (البغدادي).

ثالثاً: الخفايا والصراع

ما يمكن قوله أن (البغدادي)، لم يكن راغباً في الانخراط بالعمل السياسي، وكان يفضل العمل الدعوي والوعظي والتدريسي في الحوزة، وظلت توجهاته تتعارض وتفترق قليلاً أو كثيراً عن توجهات الكثير من العلماء في النجف. وهذا نابع من رؤيته في أحقية الفرد في الاختلاف فكرياً أو دينياً أو مذهبياً. وهو ما أعطى للإمام (البغدادي) مساحة كبيرة من القبول والالتقاء، بل وتعضيد مواقفه ومناصرتها .

ولعل عدم رغبة الإمام (الحسني البغدادي) في الدخول في الشأن السياسي، تعود في جزء منها إلى طبيعته الراديكالية ومواقفه الصلبة وعدم المساومة أو عدم تبني اللين بإزاء بعضها، ناهيك عن حدة الخطاب الذي يعتمده، والذي عادة ما يكون بسيطاً ومباشراً وواضحاً، فهو لا يجيد استخدام العبارات المنمّقة وكلمات المجاملة، مثلما يعتمدها غيره، وإن اتخذ موقفاً لا حياد فيه إزاء الاحتلال البريطاني والعهد الملكي وقضية فلسطين والعدوان الثلاثي على مصر وما يجري للمسلمين من ظلم أينما كانوا ومهما كانت طبيعة النظام، لأنه يعتقد أنه يتبع نهج الإسلام المحمدي الأصيل، الذي لا يرضى بالخنوع والذل والعبودية واستغلال الإنسان للإنسان.

وحتى علاقته بنظم الحكم التي تعاقبت ورجالات السلطة، فإنها ظلت على وتيرة واحدة، وكانوا هؤلاء يخشون من آرائه المباشرة والقوية، يحاولون التودّد إليه، وجميعهم حاولوا تقديم أموال له أو تخصيص راتب شهري، نظراً لما يعرف وينقل لهم عن حياة الزهد والتقشف التي يعيشها، بدءاً من الزعيم عبد الكريم قاسم عبر (حميد الحصونة) قائد الفرقة الأولى، ومروراً بـ عبد السلام عارف الذي كان يريد تخصيص راتب شهري له، عبر مبعوثه (نجم الدين النعيمي) وصولاً إلى أحمد حسن البكر، حين زاره (عبد المجيد الرافعي) عضو القيادة القومية لحزب البعث في عام 1969، الذي أراد أن يطرح على القيادة آنذاك دعم (الحسني البغدادي) مادياً نظراً لأوضاع سكنه ومكتبه، إلّا أن شبيب المالكي الذي كان محافظاً لكربلاء في حينه، أعلمه بأن الإمام (البغدادي) لا يستلم هدايا ولا يقبل أموال، وعلى المنوال نفسه كان خير الله طلفاح قد طلب من الرئيس أحمد حسن البكر، تقديم مساعدة مادية للحسني، أسوة بنظرائه الذين يحصلون على أموال من جهات أخرى، فكان رد الرئيس عليه بأنه رفض أكثر من عرض مني ومن الدولة.

وفي خواتيم هذا الكتاب المهم والغني لابدّ من المرور على قصة الخلاف بين الحسني البغدادي والحكيم، فالرجلين وما بينهما من خلاف واختلاف مبعثه (من وجهة نظر المؤلف)، لكونهما يمثلان منهجين متعارضين ومزاجين مختلفين، فقد كان البغدادي حاداً في صراحته وواضحاً في رأيه، في حين كان الحكيم أميل إلى الحذر والتحوّط وتقليب الأمور لدرجة التردّد أحياناً، ويورد الكاتب (نقلاً عن البغدادي الحفيد)، بأن علاقتهما كانت طبيعية حتى وفاة النائيني (مطلع القرن العشرين)، إلا أن الخلاف دبّ بينهما، على خلفية طلب الحكيم انتزاع المرجعية من الحوزة الفارسية في النجف، بوصفها ظلمت الحوزة العربية، لكن الحسني البغدادي الكبير ومعه أبو الحسن الاصفهاني ومحمد حسين كاشف الغطاء كانوا يعتقدون أن طلب الحكيم هذا يستبطن طلب المرجعية لنفسه.

ومن الجدير بالذكر أن كاشف الغطاء الكبير كان أستاذ الحكيم والنائيني والسيد أبو الحسن، وقد وجد لمعة اجتهاد عند النائيني وأبو الحسن ولم يجدها عند الحكيم، وعلى وفق هذا سوّغ اعتراضه على ما طلبه الحكيم، وهذا الأمر أثار حساسية شديدة وعداوة مستمرة بين الحكيم وكاشف الغطاء، لم تنتهي حتى بوفاة الأخير، مثلما ظلّت العداوة بين الحكيم والحسني البغدادي قائمة طيلة نحو خمسة عقود من الزمان.

ومن الجدير بالذكر فأن خصائص المرجعية فضلاً عن مركزية توافر الأعلمية في شخص المرجع، فأنها تمتد إلى الزهد والتسامح والتواضع ورحابة الصدر والأقدمية في العلم وسعة المدارك والمعارف وتراكم الخبرة والقدرة على قول الحق ومدّ يد الوحدة والتعاون، فهو يعد مرجعاً ليس لطائفة بل لعموم المسلمين.

وما يمكن قوله في خاتمة هذا العرض، أنني لم أستطع أن أعرض كل ما في الكتاب الذي تضمن سبعة أقسام وما يشبه التمهيد وخاتمة تمثل خلاصات مهمة وجريئة وقد سلّط الباحث الضوء على " دين العقل وعقل الدين" في القسم الأول، وفي القسم الثاني تناول الظاهرة الدينية بين الموضوعي والذاتي، وخصص القسم الثالث لـ " ما بين الديني والسياسي"، وتوقّف في القسم الرابع عند جدليات الحوزة الدينية، أما القسم الخامس فقد كرّسه لـ " تحريم الشيوعية"، وكان القسم السادس قد تناول فيه بعض إصدارات الحسني البغدادي، وبحث في القسم السابع والأخير فكرة الجهاد وآراء فقهاء الشيعة ومسألة الجهاد الكفائي التي قال بها السيد السيستاني في مواجهة داعش بعد احتلالها للموصل عام 2014، وسلّط ضوءًا على كتاب وجوب النهضة للحسني البغدادي الذي نقل فقرات ضافية منه كمقتطفات.

لقد  استطعت أن أغترف من هذا الكتاب الغزير بأفكاره وفي شواهده ومحطاته، وحتى ألغازه وأحباره وخباياه، فالكثير من روح الجمل موجودة في المتن، ولكنها غير مكتوبة، ومن يقرأ الكتاب لابدّ له  من إعادة قراءته، بل وسيجبر على البدء برحلة سباحة في بحر لا ضفاف له.

 

عرض: ا. د. عبد علي كاظم المعموري

 

 

محمود محمد علييعد جورج طرابيشي واحدا من أهم واشهر المفكرين السوريين في العصر الحديث، نظرا للقيمة المعرفية المتنوعة التي تحوزها مؤلفات وترجماته، فقد ترجم لـ " فرويد " و" هيجل "، و"سارتر" وآخرين، كما انتقل من النقد الأدبي أو نقد الرواية خصوصاً إلي نقد التراث، حيث راوح في بداياته بين النقد النفسي والنقد الاجتماعي في دراسة الرواية العربية، فحلل أعمال توفيق الحكيم، إبراهيم المازني، سهيل إدريس... وخص نجيب محفوظ بمؤلف " الله في رحلة نجيب محفوظ، وبحث في "رمزية المرأة في الرواية العربية" .. لكنه، كما سبق الذكر، غادر هذا الحقل المعرفي وانشغل بقضايا الفكر ونقد التراث ليرتبط اسمه بـ" نقد نقد العقل العربي " . تنضاف إلي ذلك مؤلفات حركها شاغل النهضة ونقد الفكر العربي المعاصر منها : " هرطقات بجزأيه "، و"من النهضة إلي الردة، تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة "، و" ازدواجية العقل، دراسة تحليلية نفسية لكتابات حسن حنفي "، المعجزة أو سبات العقل في الإسلام"، " مذبحة التراث في الثقافة العربية المعاصرة" .

وجورج طرابيشي (1939م - 16 مارس 2016م)، مفكر وكاتب وناقد ومترجم عربي سوري. من مواليد مدينة حلب عام 1939، يحمل الإجازة باللغة العربية والماجستير بالتربية من جامعة دمشق. عمل مديراً لإذاعة دمشق (1963-1964)، ورئيساً لتحرير مجلة دراسات عربية (1972-1984)، ومحرراً رئيسياً لمجلة الوحدة (1984-1989). أقام فترة في لبنان، ولكنه غادره، وقد بعد حربه الأهلية، إلى فرنسا -التي بقي فيها حتى وفاته متفرغاً للكتابة والتأليف.

تميز طرابيشي بكثرة ترجماته ومؤلفاته؛ حيث ترجم لفرويد وهيجل وسارتر وبرهييه وغارودي وسيمون دي بوفوار وآخرين. بلغت ترجماته ما يزيد عن مئتي كتاب في الفلسفة والأيديولوجيا والتحليل النفسي والرواية.

وللدكتور طرابيشي مؤلفات هامة في الماركسية والنظرية القومية، وفي النقد الأدبي للرواية العربية التي كان سباقاً في اللغة العربية إلى تطبيق مناهج التحليل النفسي عليها. من أبرز مؤلفاته: "معجم الفلاسفة" و" من النهضة إلى الردة" و" هرطقات 1 و2 " ومشروعه الضخم الذي عمل عليه أكثر من 20 عاماً وصدر منه خمسة مجلدات في "نقد نقد العقل العربي" كان آخرها الجزء الخامس "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث" (دار الساقي، بيروت، 2010)، أي في نقد مشروع الكاتب والمفكر المغربي محمد عابد الجابري في نقد العقل العربي، ويوصف هذا العمل بأنه موسوعي؛ إذ احتوى على قراءة ومراجعة للتراث اليوناني وللتراث الأوروبي الفلسفي وللتراث العربي الإسلامي ليس الفلسفي فحسب، بل أيضاً الكلامي والفقهي والصوفي واللغوي، وقد حاول فيه الإجابة عن هذا السؤال الأساسي: هل استقالة العقل في الإسلام جاءت نتيجةً لعامل خارجي، وقابلة للتعليق على مشجب الغير؟ أم هي مأساة داخلية ومحكومة بآليات ذاتية يتحمل فيها العقل العربي الإسلامي مسؤولية إقالة نفسه بنفسه؟

وأهم نقاط المسار الفكري لطرابيشي هو انتقاله عبر عدة محطات أبرزها الفكر القومي والثوري والوجودية والماركسية. انتهى طرابيشي إلى تبني نزعة نقدية جذرية يرى أنها الموقف الوحيد الذي يمكن أن يصدر عنه المفكر، ولا سيما في الوضعية العربية الراهنة التي يتجاذبها قطبان: الرؤية المؤمثلة للماضي والرؤية المؤدلجة للحاضر.

طبعا وكما هو معروف عن المفكر جورج طرابيشي فقد تنقل بين العديد من المدارس الفكرية، بدءً من الماركسية إلي القومية العربية، ثم الوجودية، وأخيراً النقد الجذري أو  النقد الذاتي وهو رائد فعلا في هذا المجال، وهو يقول بأن هذا النقد الجذري يجب أن يصدر عن المفكر العربي في ظل الوضع الراهن بين رؤية مؤمنة للماضي ورؤية مؤدلجة للحاضر.

وقد توفى المفكر والفيلسوف جورج طرابيشي يوم الأربعاء 16 مارس 2016م في العاصمة الفرنسية باريس عن عمرٍ ناهز 77 عاماً.

في هذا المقال سأقدم لكتاب من إسلام القرآن إلي إسلام الحديث – النشأة المستأنفة للمفكر والفيلسوف السوري الراحل جورج طرابيشي، وهذا الكتاب قيل عنه أنه جاء كجزء خامس من مشروعه الضخم " نقد العقل العربي"، وهو ذلك المشروع الذي خصصه من أجل نقد مشروع الفيلسوف المغربي الراحل محمد عابد الجابري، الذي يشمل أربع كتب له: نقد العقل العربي، وبنية العقل العربي، والعقل العربي الأخلاقي، والعقل العربي السياسي، وقد رد عليه الفيلسوف طرابيشي بخمسة مجلدات: العقل المستقيل في الإسلام، ووحدة العقل العربي الإسلامي، ونظرية العقل، وإشكالية العقل العربي، من إسلام القرآن إلي إسلام الحديث.

عكف جورج طرابيشي في كتابه " من إسلام القرآن إلي إسلام الحديث: النشأة المستأنفة" علي بناء اشكاليته الخاصة حول ما سماه :" استقالة العقل في الإسلام"، وكان من المفترض أن يأتي هذا الكتاب كحلقة أخيرة من سلسلة رده علي المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري في " نقد العقل العربي"، ولكنه وجد نفسه يغادر ساحة سجاله مع الجابري ليصوغ رؤية مغايرة مستقلة، وفي الاتجاه المعاكس فإذا كان الجابري قد قرر أن " استقالة العقل في الإسلام"، إنما تمت بفعل عوامل خارجية من غنوصية وهرمسية وعرفان مشرقي وغيرها من تيارات الموروث القديم " للآخر" تسللت إليه كحصان طرواده، فإن طرابيشي علي النقيض من ذلك يؤكد أن تلك الاستقالة داخلية لا شأن "للآخر" بها، فالعقل العربي الإسلامي بحسب طرابيشي قد استقال وظل منكفئاً علي نفسه يراوح في حلقة مفرغة بفعل هيمنة " الأيديولوجية الحديثية" عليه ردحا طويلا من الزمن، وكان من أعظم جنايات تلك الأيديولوجية أنها غيبت صراحة أو ضمنا القرآن لصالح " الحديث"، وغيبت فاعلية العقل لصالح المعجزة، وقضت علي التعدديات، وهي برأيه – أيديولوجية ما تزال ماثلة حتي اليوم، تتبدي في ممانعة للحداثة وعجز عن استيعاب مفهوم التطور وجدلية التقدم، الأمر الذي ينذر – إن استمر – بالردة نحو قرون وسطي جديدة وذلك حسب محمد أبو الخير السيد.

والكتاب على جدّته وحداثة صدوره ينتمي كما يقول سعيد ناشيد إلى جنس الكتب المؤسسة والبناءة، إذ يؤسس لنظر جديد للواقع العربي وللتراث العربي الإسلامي بما لفه وغمره من غشاوات والتباسات عطلت تطوره أو اجتهاده. في الكتاب استدعاء للمدوّنة القرآنية الأساسية في التراث العربي الإسلامي، وفي نهل من المدوّنة الخلدونية الكثيفة بمقولات القطيعة والاستمرارية التي سماها طرابيشي النشأة المستأنفة، وفي الكتاب أيضا استدعاء نقدي لمشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري. وإذا أضفنا للكتاب أثره في النظر إلى التحول الخطير من الإسلام القرآني إلى الإسلام الحديثي وتاليا إسلام الفقهاء، ومن إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ، فإنه يكتسي أهمية وخطورة بالغتين. “الآليات التي أدت إلى استقالة العقل وغروبه في الحضارة هي آليات داخلية نابعة من انكفاء ذاتي ومن انكماش لهذا العقل على نفسه وليس من غزوة خارجية” هكذا لخص طرابيشي في كتابه “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” تصوّره للازمة الفكرية والحضارية التي تطبع كامل الفضاء العربي الإسلامي، والتي حمّل فيها المسؤولية للمنظومة الفكرية الداخلية ونقد خلالها في آن واحد مدوّنة الجابري. كتاب طرابيشي هو محاكمة للتراث العربي الإسلامي الذي سمحت آلياته الفكرية بالزيغ من مرجعية القرآن إلى مرجعية الحديث بما أدى إلى “إقالة العقل” وتعطيل الاجتهاد، ولعل ما نعيشه اليوم من تمثلات إسلام القدامة تعبير عن أهمية أثر طرابيشي.

وكتاب “من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث” كتاب بالغ الأهمية؛ لتسليطه الضوء على مناطق شديدة الحساسية في المنظومة التراثية، وتجاوزه خطوطًا يعدها كثيرون من المختصين في التراث، ومن أهل الثقافة غير العالِمة خطوطًا حمرًا ؛ حيث يضع جورج طرابيشي فيه أسس مساهمة فكرية قد تحقّق اختراقات وازنة في مسألة الإصلاح الديني، وذلك على أساس استعادة إسلام القرآن في مواجهة إسلام الفقهاء وإسلام الشيوخ. إن الكتاب لهو لبنة أساسية ضمن مشروع يتوجب علينا أن نواصله بحكمة وهدوء وتبصّر. علاوة علي أن الكتاب يقدم رؤية للنقد الذاتي وللفحص الابستمولوجي الدقيق من خلال عرض الأفكار علي المعرفة وأدواتها وليس البحث عبر الايديولوجيا، وكما قلنا فإن هذا الكتاب يقدم نموذجا رائعا للنقد الذاتي والفحص الابستمولوجي الدقيق لكامل المنظومة الفكرية للعالم الإسلامي كأمة وكحضارة .

يبني مؤلف الكتاب، جورج طرابيشي، كما يقول عمر كوش أطروحاته في الأبحاث التي يتطرق إليها، على مقدمات ومقولات، كبرى وصغرى، يخرج منها بنتيجة تعتبر أن التحول من إسلام الرسالة إلى إسلام التاريخ، الذي اقترن بتحول ذي خطورة تشريعية ولاهوتية هو التحول من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، وما استتبعه، من حكم على العقل العربي الإسلامي، ابتداء من القرن الخامس الهجري، بالانغلاق والانكفاء على نفسه، ومنعه من اكتشاف مفهوم التطور وجدلية التقدم، الأمر الذي أسسه في خانة «ممانعة للحداثة».

يبين الكتاب أن الإسلام، والذي خرج إلى الفتوحات، حاملاً الرسالة القرآنية، ارتدّ بعدها نحو نفسه محملاً بما سيتم تكريسه تحت اسم السنة النبوية. وفي البداية، لم يكن للإسلام من أهل آخرين سوى أهل القرآن، لكن بعد الفتوحات الإسلامية ظهر أهل السنة، وانتزعوا الغلبة تدريجياً لأنفسهم ولمصطلحهم، وخاصة بعد تكريس الهزيمة النهائية للمعتزلة، والقضاء على التفكير العقلاني وعلى عقلانيات المتكلمين، فظهر الإسلام الحديثي، المنتصر على أثر «محنة» أحمد بن حنبل، ووقوف السلطة السياسية منذ أيام الخليفة المتوكل مع العامة من أهل السنّة. وكان لشعوب البلدان المفتوحة دور في تطوير علوم القرآن وشروحه، وفعلوا ذلك - في غالب الأحيان - تحت شعار "السنة هي القاضية على القرآن، وليس القرآن هو القاضي على السنة".

ويشير الكتاب إلي أنه كانت بداية "الانقلاب السني" أو التحول الخطير من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث مع مالك ابن انس، ثم اكتملت أبعاده مع الشافعي، واستأنفه ابن حزم، فيما يكاد أن يكون انقلاباً على الانقلاب في «نشأة ثانية». وكان الشافعي أول من نظر لتحويل الرسول (ص) من مشرَّع له إلى مشرِّع.

أما ابن حزم، فقد تخطى العتبة التي وقف عندها الشافعي في انقلابه ليجيز نسخ القرآن بالحديث، وليعطي التشريع الرسولي عين مكانة الصدارة التي للتشريع الإلهي، لكن الانقلاب الحزمي الظاهري، على خطورته هذه، يلابسه انقلاب «باطني» أكثر خطورة، من خلال تنصيب نفسه في الحقيقة مشرِّعاً، وإن وضع تشريعه على لسان الرسول (ص)، وبالتالي على لسان الله عز وجل، طبقاً للمعادلة الأقنومية الحزمية. وبهذا المعنى لا يكون الرسول(ص) قد تحول من مشرَّع له إلى مشرِّع إلا في الظاهر فحسب، أما في الباطن، فالعكس هو الصحيح. وإن كان الشافعي قد قام، حسب طرابيشي، بالمهمة الإيديولوجية والإبستمولوجية الأولى، وهي تأسيس السنّة، وربما كقرآن بعد القرآن، فإن الإمام ابن حنبل هو بحق المؤسس الثاني للسنّة، وربما كقرآن قبل القرآن، ليكتمل بذلك الانقلاب السني الذي يفترضه طرابيشي في إسلام العصر الوسيط. وهذا يقتضي أو يستجر المقايسة مع الغرب، الذي دخل طور التقدم بعد التحول من مسيحية الكنيسة إلى مسيحية الإنجيل، بواسطة الثورة التي قام بها مارتن لوثر، وبالتالي فإن الإسلام بحاجة إلى لوثري جديد أو ثائر مسلم، من أجل تحقيق الانتقال من إسلام الحديث إلى إسلام القرآن.

ثم يفرق طرابيشي بين القرآن والسنة. وهو نفس التفريق الوارد لدى بلاشير وتلميذه أركون بين الحدث القرآني، والحدث الإسلامي. لماذا هذا التفريق؟ لأنه يوجد لدى الوعي الإسلامي خلط كبير بينهما حتى ليكادان يشكلان شيئا واحدا. ولكن القراءة التاريخية المتدرجة التي يتبعها طرابيشي تثبت العكس. فلحظة القرآن غير لحظة تشكل السنة والحديث النبوي والفقه والتشريع.. من هنا عنوان الكتاب: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث. هذا لا يعني أنه لا توجد علاقة بينهما! ولكن يوجد تمايز لا ينبغي إغفاله. من هنا تلك العبارة الشهيرة التي يستشهد بها طرابيشي ويضعها في مقدمة كتابه: السنّة هي القاضية على القرآن وليس القرآن هو القاضي على السنة. بالطبع لا ينبغي أن نفهم هذه العبارة المنسوبة إلى الإمام الشاطبي أو الإمام الأوزاعي قبله على أساس أنّ السنّة أعلى من القرآن أو أفضل منه. وإنّما ينبغي ان نفهمها على الأساس التالي: بما أن السنة جاءت بعد القرآن من حيث الزمن فإنها هي التي عن طريقها نفهم القرآن ونحكم عليه (قاضية)، وليس عن طريق القرآن نحكم عليها. القرآن ليس حكما أو قاضيا على السنة لسبب بسيط: هو أنه جاء قبلها وبالتالي لم يعرفها فكيف يمكن أن يحكم عليها؟.. وللحديث بقية..

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

...........................

1- جورج طرابيشي: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، دار الساقي للطباعة والنشر، 2010.

2- مناف الحمد : من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث (قراءة نقدية) .. (مقال).

3- عمر كوش: من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث.. (مقال).

4- سعيد ناشيد: الحاجة الماسة لقراءة كتاب "من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث".. (مقال).

 

 

 

 

 

 

حسين سرمك حسنبيل غيتس ومؤامرة إلغاء العملة الورقية- مؤامرة العملة الرقمية: كيف أصبحت الهند حيوان تجارب لبيل غيتس: المؤامرة كما يرويها الفاعلون الرئيسيون

 بقلم: نوربرت هرينج

ترجمة: حسين سرمك حسن


 

ملاحظة: مع اندلاع وباء كورونا ظهرت الإشاعات التي لم يدعمها أي دليل علمي وأطلقها مدير منظمة الصحة العالمية حول نقل العملات الورقية لفيروس كورونا وهو تمهيد لتمرير مؤامرة العملة الإلكترونية لبيل غيتس تحت غطاء مؤامرة الوباء لتحل محل العملة الورقية.

يُعد بيل جيتس واحدًا من أغنى الأشخاص وأكثرهم نفوذاً على وجه الأرض. أعلن في عام 2015 أن مؤسسة بيل وميلندا غيتس Bill & Melinda  Gates كانت تهدف إلى تحقيق الرقمنة الكاملة لأنظمة الدفع worldwide digitalization of payments في الهند وغيرها من البلدان النامية المكتظة بالسكان بحلول عام 2018. يعود تاريخ برنامج "الشمول المالي financial inclusion" للهند إلى فترة طويلة قبل وصول ناريندا مودي Narendra Modi (رئيس وزراء الهند منذ 2014 – المترجم) إلى السلطة. تم رفع هذا البرنامج إلى السياسة الأمريكية الرسمية بموجب الأمر التنفيذي في عام 2012، لأن الرئيس الأمريكي رأى أن المصالح الأمنية الأمريكية الحيوية على المحك.

1984 1 العملة الورقية

قال بيل جيتس في حديث لمؤسسة بيل وميليندا غيتس (الدقيقة 17 من حديثه في الفيديو) في "منتدى الشمول المالي" في واشنطن، الذي نظمته وزارة الخزانة ووكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة:

"قد تحدث رقمنة كاملة للاقتصاد في البلدان النامية بشكل أسرع من أي مكان آخر. ومن المؤكد أن هدفنا هو تحقيق ذلك في السنوات الثلاث المقبلة في البلدان النامية الكبيرة. لدينا جهود كبيرة للغاية في نيجيريا وباكستان والهند، واثنتي عشرة دولة أخرى، حيث نعمل مع البنوك المركزية للتأكد من توفر النوع الصحيح من تحويل المعاملات ... (الدقيقة 20) ... لقد عملنا مباشرة مع البنك المركزي هناك (الهند) على مدى السنوات الثلاث الماضية وأنشأوا نوعًا جديدًا من التفويض يسمى بنك المدفوعات، وسيكون هؤلاء العملاء قادرين على استخدام هواتفهم المحمولة لإجراء المعاملات المالية الأساسية. وقد تم تطبيق 11 كيانًا، بما في ذلك جميع مزودي الهواتف المحمولة، وتم منحهم وضع بنك الدفع"

تم تعريف "الشمول المالي" من قبل الرئيس التنفيذي لشركة PayPal دان شولمان Dan Schulman في مقابلة خلال المنتدى على أنه:

"الشمول المالي كلمة صاخبة لإدخال الناس إلى النظام"

تعاون مؤسسة جيتس والبنك الاحتياطي الهندي (RBI) كان ولا يزال تعاونًا ضيقًا للغاية. ناشيكيت مور، "زميل ييل وورلد"، ورئيس مؤسسة غيتس في الهند. وهو أيضًا عضو مجلس إدارة RBI، وهو مسؤول عن الإشراف المالي. ترأس لجنة RBI بشأن ترخيص بنوك الدفع ولجنة الشمول المالي التي عقدها RBI في عام 2013.

- ملاحظة: نظرًا لأن هذا النص يطرح نظرية مؤامرة، فأنا أريد أن أترك الممثلين ووثائقهم يتحدثون عن أنفسهم قدر الإمكان. حيث يكون رأيي ومعلوماتي الإضافية مُحدّدة بين علامات (+++) بشكل ملحوظ. إذا كنت متشككًا، فقد ترغب في القفز فوق هذه المقاطع، حتى لا تتأثر بلا داع في تفسيرك للاقتباسات من الممثلين الرئيسيين ووثائقهم.

++++إذا كان تعاون مؤسسة جيتس و RBI مستمرًا بالفعل لمدة ثلاث سنوات في أوائل ديسمبر 2015، فهذا يعني ضمناً بداية في أواخر عام 2012 أو أوائل عام 2013. سيكون هذا أكثر من عام قبل أن يصبح ناريندرا مودي رئيسًا لوزراء الهند. كان من الممكن أن يكون قد مرّ ما يقرب من عامين، قبل أن يقوم مودي بزيارة باراك أوباما، وأخبره عن خططه للقيام بشيء ما من أجل الشمول المالي وتلقي رسالة سعيدة بأن الولايات المتحدة مستعدة للمساعدة. كان يمكن أن تبدأ قبل ثلاث سنوات من الإعلان عن شراكة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ووزارة المالية الهندية بشأن الشمول المالي رسميًا في نفس المنتدى وخمس سنوات قبل أن يقوم RBI وناريندرا مودي بالتجربة العظيمة والوحشية المتمثلة في تجويع الهند بأسرها نقدياً بالكامل لشهور. طوال هذا الوقت، كانت مؤسسة بيل وميليندا غيتس تعمل بهدوء وبشكل وثيق ومباشر مع RBI نحو هدف غيتس المعلن المتمثل في جعل نظام الدفع الهندي غير نقدي تمامًا بحلول نهاية عام 2018. وقد فعل ذلك بدعم ومشاركة الحكومة الأمريكية. وبمساعدة الحلفاء مثل المنتدى الاقتصادي العالمي++++

وقد اقتبست كلمات غيتس في سياق شدّد فيه على أن مساعدة الحكومة للفقراء والمحتاجين يجب ألا يتم تقديمها من خلال طريقة "غير فعالة بشكل لا يصدق" لتوفير النقد أو الحبوب للمستلم. وقال "إن الرقمنة تساعد على الاستهداف" إذا تم الدفع عن طريق الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول. وأشاد بالمكسيك (الدقيقة 18)، التي حضرها وزير المالية لويس فيديجاراي كاسو، معلنا:

"سوف نستخدم برامج دعم الدخل الحكومية كأدوات للشمول المالي"

كأدوات لجلب الجميع إلى النظام. كانت الفكرة التي أيّدها غيتس و "المجتمع" للشمول المالي في المنتدى هي توجيه الفقراء إلى المشاركة في نظام الدفع الرقمي بجعله شرطًا لتلقي أي شكل من أشكال الدعم أو بعضها.

- هوية عالمية لتتبع الجميع وخدمتهم

أشاد جيتس بالوفد المشارك المكسيكي:

"كانت المكسيك رائدة في هذا (المساعدة الحكومية عبر الدفع بواسطة الهاتف المحمول) ولكننا الآن ننقل هذا إلى بلدان منخفضة الدخل".

وشدّد على مدى فائدة نظام تحديد الهوية البيومترية والرقمية المعياري biometric and digital identification - والموحد عالميًا بشكل مثالي - لأنه سيجعل من السهل على مزودي الدفع والحكومات تحديد عملائها (المحتملين). أخبر جمهوره المتحمس كيف كان يعمل على ذلك (الدقيقة 21):

"إنه لأمر رائع الدخول وإنشاء نظام تحديد واسع النطاق. مرة أخرى الهند مثال مثير للاهتمام لهذا. هناك، أصبح نظام Aadhaar، وهو عبارة عن تحديد مكون من 12 رقمًا مرتبطًا بقياسات المقاييس الحيوية، منتشرًا في جميع أنحاء البلاد. سيكون هذا هو الأساس لكيفية تحويل هذا التبديل إلى كل هاتف محمول في الهند. نتوقع استخدام هذه المعرفات، حتى عندما تظهر في أي خدمة حكومية، لنفترض أنك تدخل عيادة صحية أولية، سنتمكن من استخدام هذا المعرف لإحضار سجلك الصحي بسرعة كبيرة. إذا انتقلت من جزء من البلد إلى آخر، فسيتم تتبعك وتقديمك بشكل جيد".

وذكر جيتس أن مثل هذه الهوية البيومترية الموحدة يتم تطويرها أيضًا في باكستان وأفريقيا، على الأرجح بمساعدة مؤسسة جيتس، التي تعمل بشكل وثيق مع البنوك المركزية في باكستان ونيجيريا. يجب أن تأخذ بطاقات الهوية الموحدة من نفس النوع المقدمة في ثلاث من أكثر دول العالم من حيث عدد السكان مؤسسة غيتس خطوة كبيرة إلى حد بعيد نحو حلمه باستخدام معرف بيومتري موحد عالميًا "لتتبع وخدمة" كل شخص على وجه الأرض.

+++ في الهند، يتم جعل بطاقات Aadhaar التي تحمل رقم التعريف البيومتري biometric identification "منتشرة في جميع أنحاء البلاد من خلال الهيئات الحكومية المخالفة للقانون. وكثيراً ما يُطلب منهم تلقي جميع أنواع الدعم الحكومي، على الرغم من حكم المحكمة الدستورية الهندية لعام 2015 الذي ينص على أنه لا يمكن جعل بطاقات Aadhaar إلزامية. لا يملك العديد من الهنود بطاقة Aadhaar ولديهم مشاكل في تحديد الهوية الشخصية ويتم إبعادهم، ولا يتلقون مساعدات غذائية أو أشكال أخرى من الدعم. يتم ربط الرقم بحسابات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول بمعلومات المقاييس الحيوية المستخدمة في تفويض المعاملات. إن إمكانية إساءة الاستخدام هائلة، حيث يمكن بسهولة تحديد المعرّفات البيومترية لأشخاص آخرين وإساءة استخدامها، على سبيل المثال من قبل أولئك الذين يتلقون مدفوعات أو وسطاء، يوزعون الدعم. لا يبدو أن هناك أي خطة لكيفية التعامل مع الأشخاص الذين سُرقت معرفاتهم البيومترية. يبدو الأمر كما لو تم اختراق رقم التعريف الشخصي المصرفي الخاص بك ولا يمكنك تغييره، وكلما فتحت حسابًا جديدًا، يجب عليك استخدام رقم التعريف الشخصي هذا. يتضح في التحالف القوي أن هناك حول بيل جيتس وهدفه المتمثل في رقم تعريف عالمي موحد لاستخدامه في جميع المدفوعات، ليس من المستغرب للغاية أنه لا يمكن السماح لرأي المحكمة الدستورية في دولة نامية بالوقوف في الطريق. +++

1984 2 العملة الورقية(بيل غيتس ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي- 2015)

- مؤسسة جيتس في خدمة الحكومة الأمريكية

في عام 2012، شكلت مؤسسة غيتس والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية "تحالف أفضل من النقد Better Than Cash Alliance"، إلى جانب شبكة أوميديار (PayPal) وسيتي وفيزا وماستر كارد وما شابه ذلك. في العام نفسه، أصدر الرئيس أوباما أمرًا تنفيذيًا بتثبيت "مجلس التنمية العالمية للرئيس" (GDC) في وكالة التنمية الدولية التابعة للولايات المتحدة، وكلفه بتقديم المشورة له حول كيفية زيادة القوة الأمريكية عن طريق سياسة التنمية. يبدأ المستند ببيان غرض صريح بشكل غير عادي:

"للمساعدة في حماية الأمن القومي والمزيد من المصالح الاقتصادية الأمريكية (..) والاستراتيجية في العالم، فإن سياسة الحكومة الفيدرالية هي تعزيز وتطوير التنمية كركيزة أساسية للقوة الأمريكية ورسم مسار التنمية والدبلوماسية، والدفاع لتعزيز وتكامل بعضها البعض. كما جاء في إستراتيجية الأمن القومي لعام 2010 والتوجيه الرئاسي للسياسة العامة بشأن التنمية العالمية، فإن السعي الناجح لتحقيق التنمية أمر أساسي لتحقيق أهدافنا الأمنية الوطنية"

تمت دعوة ممثل عن مؤسسة جيتس إلى هذا المجلس، إلى جانب عدد من رأس المال الاستثماري وشركات الاستثمار الدولية الكبرى الأخرى وعدد قليل من خبراء التنمية، كأعضاء مصوتين. وقد أُمر كبار ممثلي وزارتي الخارجية والدفاع بالمشاركة في الاجتماعات كأعضاء لا يحق لهم التصويت. وتماشياً مع التركيز الأمني، سيتم إرسال نصيحة المجلس، التي كانت نشطة حتى عام 2016، من خلال موظفي الأمن الوطني.

وبما أن الرئيس لم يتوقع بالتأكيد خلاف ذلك - بالنظر إلى أعضاء مجلس التنمية هذا الذي اختاره - توصلت GDC بدفع من أجل "الشمول المالي". وقد نصح الرئيس بجعل ذلك أولوية قصوى للعمل التنموي في الولايات المتحدة، وأنه يجب عليه إعادة تخصيص أموال المساعدة لصالح جهود الإدماج المالي، التي تتم بالشراكة مع ومعظمها من قبل القطاع الخاص. كما أوصت بأن تستخدم حكومة الولايات المتحدة تأثيرها الكبير على البنك الدولي وعلى مجموعة العشرين لحملهم على إصدار ومتابعة خطط شمولية مالية طموحة.

وصف الأمر التنفيذي تعزيز التعاون مع القطاع الخاص ومع الحكومات الأجنبية كواحد من الأغراض الأساسية لمركز التنمية العالمية. تماشيًا مع ذلك، فإن شراكة الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية والحكومة الهندية لتعزيز الشمول المالي، الذي تم الإعلان عنه في قمة الشمول المالي لعام 2015، لم تشمل فقط مؤسسة جيتس، ولكن أيضًا مجموعة كبيرة من الشركات التجارية المهتمة بممارسة الأعمال التجارية مع المستبعدين ماليًا، على سبيل المثال فيزا وماستر كارد وفودافون وسيتي.

+++ نتعلم، بالتالي، أن بدء التعاون المباشر لمؤسسة جيتس مع بنك الاحتياطي الهندي بشأن المدفوعات الرقمية يتزامن مع عمل مؤسسة جيتس في مجلس التنمية العالمية للرئيس، والذي كان يهدف إلى تعزيز التعاون مع الحكومات الأجنبية والقطاع الخاص بهدف الدفاع عن المصالح التجارية الأمريكية. +++

أعطى بيل جيتس مثالاً على العلاقة بين رقمنة المدفوعات العالمية (عبر شركات الدفع الأمريكية الكبيرة) والمصالح الأمنية الأمريكية في خطابه في عام 2015. يتحدث عن المشكلة التي قد تؤدي القواعد الصارمة للغاية لمقدمي خدمات الدفع إلى عكس ما هو مقصود (الدقيقة 23):

"إذا دخلت التدفقات المالية في نظام رقمي لا ترتبط به الولايات المتحدة، يصبح من الصعب جدًا العثور على تلك المعاملات التي تريد أن تكون على دراية بها أو تريد حظرها"

+++ هذا يعطي بعض الألوان لملاحظاته الأخرى حول كيفية خدمة الناس وتتبعهم إذا كان هناك رقم تعريف موحد وكيف يمكن تتبع المدفوعات عبر الهاتف المحمول أكثر من الأنظمة القديمة. من الواضح أن الفاعل المقصود وراء هذا التتبع والحظر يهدف إلى إشراك المؤسسات التي يقع مقرها في لانجلي وفرجينيا وفورت ميد بولاية ماريلاند. من الواضح الآن أن أجهزة الأمن الأمريكية مع وادي السيليكون لديها الوسائل التقنية للقيام بذلك. +++

أحد الأمثلة الأخيرة على المدفوعات التي قد ترغب الولايات المتحدة في تتبعها وحظرها في الخارج كانت حالة في كندا، والتي وصلت إلى الأخبار، لأنها أثرت على وسائل الإعلام. أرادت صحيفة المجتمع الكندي إدخال قصة جيدة عن عائلة من اللاجئين السوريين في مسابقة جوائز وأرسلت رسومًا إلى منظم المسابقة. ولغرض الدفع تم ذكر اسم المقال الذي تضمن كلمة سوريين. دفع هذا PayPal إلى تجميد حساب المؤسسة الإعلامية وإرسال رسالة تفيد: "قد تشتري أو تبيع سلعًا أو خدمات تنظمها أو تحظرها حكومة الولايات المتحدة". لقد كانت هذه حالة دفع مالي داخل كندا، ضع هذا في اعتبارك. طلبت المذكرة أيضًا "شرحًا كاملاً ومفصلاً للمعاملة" وقالت "نود معرفة المزيد عن عملك و / أو بعض معاملاتك الأخيرة"

كانت PayPal وشبكة Omidyar المرتبطة بـ Paypal حليفًا قديمًا لبيل جيتس في الضغط من أجل "إدخال الأشخاص إلى النظام" عبر تحالف أفضل من النقد Better Than Cash Alliance ومجموعة متنوعة من المجموعات الأخرى.

+++ كانت حالة ويكيليكس مثالاً أكثر خطورة على هذا التتبع والحظر. كان يكفي أن ترسل الحكومة الأمريكية طلبًا غير رسمي إلى عدد قليل من مزودي خدمة الدفع في الولايات المتحدة ليتم منع المنظمة "السيّئة" من تلقي أي تبرعات لفترة طويلة وواجهت صعوبات مالية خطيرة. ومن الأمثلة الأخرى الشركات الأجنبية وموظفوها، الذين تم إدراجهم في القائمة السوداء من قبل حكومة الولايات المتحدة للصفقات مع الدول المدرجة على قائمة الولايات المتحدة، والتي كانت قانونية تمامًا في بلدانهم الأصلية. المصطلح التقني لهذا هو تطبيق القانون خارج الحدود الإقليمية. +++

تم التأكيد على العلاقة الأمنية بشكل أكبر قبل أيام قليلة فقط من حقيقة أن بيل جيتس ووزير التعاون الاقتصادي بالحكومة الألمانية اختاروا مؤتمر ميونيخ الأمني لتوقيع مذكرة تفاهم بشأن التعاون في مجال المساعدة الإنمائية وتعزيز الإدماج المالي. تماشيا مع بيان الغرض من الأمر التنفيذي الذي أصدره رئيس الولايات المتحدة بإنشاء المؤتمر العالمي، قرأ البيان الصحفي الصادر عن الوزارة (ترجمتي): "سياسة التنمية هي أفضل سياسة للسلام" التي تستبدل السلام بعبارة أميركية أكثر صراحة " المصالح الأمنية للولايات المتحدة" وقوة الولايات المتحدة.

علاوة على ذلك، يتم التأكيد على العلاقة الأمنية من خلال حقيقة أنه فيما يتعلق بموضوع التعريف البيومتري الذي كان يلوح في الأفق في قمة الشمول المالي، فإن حكومات الولايات المتحدة تعقد "قمم الهوية العالمية"، والتي يهيمن عليها بشكل كبير للغاية من الجانب الرسمي من قبل وزارة الدفاع والجيش والأمن الداخلي وما شابه ذلك وعلى الجانب الصناعي من قبل الشركات المتوقعة (التي يقع مقرها في الغالب في الولايات المتحدة) التي تعمل على تحديد الهوية البيومترية والدفاع وتكنولوجيا المعلومات.

وقد أوصى مجلس التنمية العالمية للرئيس في تقريره بما يلي:

"ينبغي على حكومة الولايات المتحدة أن تستخدم دورها في مجموعة العشرين ومع البنك الدولي للجمع بين منتديات الإدماج المالي القائمة لتحديد تفاصيل خطة القطاعين العام والخاص العالمية بشكل أفضل لتحقيق الوصول المالي الشامل خلال العقد المقبل."

تصادف أن الحكومة الألمانية التي تترأس مجموعة العشرين هذا العام ترى ذلك بنفس الطريقة. عند توقيع اتفاقية التعاون مع مؤسسة جيتس، أكد وزير التعاون الاقتصادي الألماني، جيرد مولر، أن الشمول المالي سيكون موضوعًا رئيسيًا في اجتماعات مجموعة العشرين المقبلة في ألمانيا.

 - الخصوصية داخل النظام

1984 3 العملة الورقيةعلى لوحة منتدى التضمين المالي، سُئل بيل جيتس وأعضاء اللجنة الآخرون عن رأيهم في مخاوف خصوصية الأشخاص. جعلت ملاحظات غيتس بشأن التتبع والعرض والحظر إجابته غير مفاجئة، لكنها لا تزال مثيرة للاهتمام. قال (الدقيقة 38):

"في كثير من البلدان، يكون الناس أكثر استعدادًا للتخلي عن الخصوصية فيما يتعلق بالحكومة مما هو عليه الحال في الولايات المتحدة. أعتقد أننا لسنا النموذج الذي ستبدو عليه الأمور ".

وقد شارك زميله في الفريق، جيمي ديمون من بنك جي بي مورغان تشيس، في ملاحظة مختلفة قليلاً عندما قال (الدقيقة 38) "لدينا كميات هائلة من البيانات. نحن نعمل مع مؤسسة جيتس حول كيفية استخدامها".

وبالمثل، في تقرير حديث عن رقمنة نظام الدفع الهندي، حثّت مجموعة بوسطن الاستشارية وجوجل مقدمي خدمات الدفع على "استخراج بيانات العملاء لبناء مصادر دخل إضافية". يعدون بأن تعدين بيانات العملاء سيساعدهم على التلاعب بالمستهلكين لشراء المزيد. "ستدفع المدفوعات الاستهلاك - وليس العكس" على لوحة التوجيه للدراسة كانت Visa و Vodafone (M-Pesa).

كما أن الحكومات لديها اهتمام شديد بجمع جميع بيانات المدفوعات لمواطنيها التي يمكنهم الحصول عليها. في هذه الأيام، تحاول حكومة كينيا، الملصق المشارك لبيل جيتس للإدماج المالي، إجبار مزودي الهواتف المحمولة على منحها الفرصة لرصد جميع المكالمات الهاتفية والمدفوعات المحمولة. إنهم يطلبون من شركات الهاتف السماح لشركة متعاقدة (خاصة) بالتواصل مع جميع أجهزة التوجيه.

+++ كينيا بلد، تماشيا مع ملاحظات غيتس، ليس لديه قوانين لحماية البيانات يمكن الحديث عنها، مما يجعل الرقمنة أسهل بكثير. قد يرغب المقاول أو مزود الهاتف في القيام بأي شيء بهذه البيانات بأنفسهم، حتى قبل أن يجد طريقه إلى الحكومة. تم اختراق هيئة الاتصالات الكينية نفسها، التي ستحصل على هذه البيانات الحساسة وتخزنها، مؤخرًا وسرقت ملايين مجموعات البيانات. ليس هناك ما يشير إلى أن الناس كان لهم رأي في أي من هذا أو وافقوا على فكرة مشاركة بياناتهم. لا يوجد ببساطة بديل متاح لحماية البيانات. +++

- غيتس والمنتدى الاقتصادي العالمي

تعد Microsoft واحدة من 100 شركة عالمية رائدة، وهم شركاء استراتيجيون في المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF) الخاص بنادي المليارديرات. الشركاء الاستراتيجيون يدفعون أكثر وهم "يقدم كل منهم القيادة الأساسية لدعم مهمة المنتدى في تحسين حالة العالم".

+++ يمكن قياس درجة صدق عبارات المنتدى الاقتصادي العالمي من خلال الجملة التالية، التي تنص على أنه "فقط الشركات الأكثر شهرة التي لديها سجلات تتبع للحكم الرشيد مدعوة للانضمام إلى هذه المجموعة". ومع ذلك، فإنه يتضمن العديد من الشركات الأكثر مقاضاة في العالم، والتي اضطرت مؤخرًا إلى دفع المليارات من الغرامات بسبب مصادرة منازل الناس عن طريق الاحتيال، لبيع الأوراق المالية التي عرفوا أنها لا قيمة لها تقريبًا، للتلاعب بالأسواق لتحقيق مكاسبهم الخاصة، لغسل الأموال، ودعم الاحتيال الضريبي والعديد من الجرائم الأخرى. وهي تشمل دويتشه بنك وسيتي. سأل كتاب شعبي حديث في ألمانيا في العنوان: "هل دويتشه بنك منظمة إجرامية؟ Is Deutsche Bank a criminal organization?". عندما تكون هذه الشركات بسلطتها المالية الهائلة، تتدخل في مهمة "تحسين حالة العالم" يجب على المرء أن يسأل: لمن تُحسن حالة العالم؟ +++

نظرًا لثروته ومشاركته الشخصية، من المحتمل أن يكون بيل جيتس أحد الأعضاء الأكثر نفوذاً، وهو تأثير يبدو أنه استخدمه لتجنيد هذا النادي من أكبر الشركات العالمية في الحملة لرقمنة المدفوعات، وهو أمر مهم للغاية بالنسبة للمصالح الاقتصادية والأمنية للولايات المتحدة، وفقًا للأمر التنفيذي للرئيس وتوصيات مجلس التنمية العالمية. ومن العوامل الرئيسية الأخرى في المنتدى الاقتصادي العالمي، على سبيل المثال، الدوافع الكبيرة الأخرى والاستفادة من "الشمول المالي" والتتبع العالمي، على سبيل المثال. Citi و Visa و MasterCard و Google و McKinsey و Boston Consulting Group. +++

المنتدى الاقتصادي العالمي لديه برنامج يُسمى الابتكار المخل في الخدمات المالية Disruptive Innovation in Financial Services، بدعم من مؤسسة بيل وميليندا غيتس. وسيسعى برنامج "أصحاب المصلحة المتعددين" طويل الأمد "إلى تحديد دور المؤسسات المالية في إنشاء وتشغيل معيار عالمي للهوية الرقمية."

هذا هو العمل الذي يتقاطع مع قمم الهوية العالمية التي تقودها الأجهزة العسكرية والأمنية لحكومة الولايات المتحدة والشمول المالي عبر حملة تحديد الهوية البيومترية، والتي يمكن تتبعها أيضًا إلى حكومة الولايات المتحدة.

ولدى المنتدى الاقتصادي العالمي أيضًا مشروع يسمى "تعزيز الشمول المالي العالمي Promoting Global Financial Inclusion" يهدف إلى "تسريع الشمول المالي من خلال التعاون بين القطاعين العام والخاص على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية". ساهم الشركاء الاستراتيجيون للمنتدى الاقتصادي العالمي في هذا الجهد، خاصة فيما يتعلق بالهند، على سبيل المثال من خلال وضع الدراسات التي أشادت بفوائد الإدماج المالي للعملاء والحكومات (Google، Boston Consulting Group) أو للقطاع المالي وشركات التكنولوجيا (McKinsey). رئيس صناعة تكنولوجيا المعلومات في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس 2015 و 2016 ناتاراجان شاندراسيكاران Natarajan Chandrasekaran عضو في مجلس إدارة بنك الاحتياطي الهندي، وبالتالي فهو في وضع متميز للغاية للمساعدة في تحقيق أهداف المنتدى الاقتصادي العالمي في الهند.

- الشمول المالي والحرب على النقد

لعب دان شولمان، الرئيس التنفيذي لشركة PayPal، دورًا بارزًا في قمة الشمول المالي لعام 2015، حيث تحدث في الغالب عن إخراج الفقراء من الفقر والفرق بين تحقيق الربح والتربّح. شبكة Omidyar، وهي مؤسسة مرتبطة بـ PayPal، هي عضو رئيسي في مختلف مجموعات الشمول المالي ومجموعة Better Than Cash وهي و PayPal شريك استراتيجي للمنتدى الاقتصادي العالمي WEF .

وسُئل في مقابلة عن الحاجة وتكلفة الوجود المادي في الدول التي يحاول فيها التعامل مع الفقراء فقال:

"العالم يتحرك بسرعة رقمية ونحن رواد في ذلك، ولكن لا تزال هناك طرق للذهاب. وإلى أن تصبح رقمية بالكامل، ستكون هناك حاجة إلى طريقة لتحويل الأموال من النموذج الرقمي إلى نموذج نقدي".

التي يعتبرها مصدر إزعاج مكلف، مضيفًا:

 "إن المنافس الرئيسي لدينا هو النقد. في الوقت الحالي، تتم 85٪ من معاملات العالم نقدًا. هذا هو حقا ما نحاول مهاجمته الآن".

قالت الملكة ماكسيما ملكة هولندا، المسؤولة الخاصة للأمم المتحدة للتمويل الشامل من أجل التنمية، في حوار مع جاك ليو (الدقيقة 31):

"العدو هو النقود"،

مضيفة أن هذا كان اقتباسًا من سلف لو بصفته وزير الخزانة (تيم غيثنر).

الشخص الثالث الذي قال ذلك في ذلك اليوم كان سترايف ماسياوا Strive Masiyiwa، رئيس ومؤسس Econet، شركة أفريقية كبيرة للهواتف المحمولة مع منصة دفع (الدقيقة 52):

"منافسنا الرئيسي هو النقد. النقد هو ما نسعى للقضاء عليه ".

1984 4 العملة الورقية (ملكة هولندا ماكسيما والأمين العام للأمم المتحدة)

+++ إن الرغبة السائدة في مجتمع "الشمول المالي" في القضاء على النقد، سواء كان بالإكراه، هي حالة واضحة، حيث تختلف مصالح الفقراء عن مصالح مقدمي خدمات الدفع. سيتحسن الفقراء دائمًا إذا حصلوا على خيارات أكثر وأفضل، على سبيل المثال إذا تمكنوا من الوصول إلى طرق دفع جوّال جذابة (ليست مدفوعة بشكل زائد وغير معبأة برسوم خفية ومجمعة بخدمات غير ضرورية). ومع ذلك، إذا تم استبعاد خيار استخدام النقود - وهي تقنية يمكن الوصول إليها وموثوقة ورخيصة للغاية بالنسبة لهم - كما حدث في الهند وعلى نطاق أصغر في دول أخرى مثل نيجيريا، فسيكون الوضع أسوأ. ومع ذلك، سيستفيد مزودو الدفع. نظرًا لأنها تساعد أعمالهم التجارية وتعزز المصالح الأمنية للولايات المتحدة، فإن المجموعات والأفرقة المختلفة التي تدعو إلى "الشمول المالي" تدعم الاستبعاد المالي للفقراء من خلال منعهم من استخدام وسائل الدفع المفضلة لديهم وغالبًا فقط. كانوا جميعًا سعداء ومتحمسين عندما أعلن RBI (مع وجود مدير مؤسسة غيتس) ونارندرا مودي أن معظم النقود المتداولة في الهند باطلة، واستبعد بشكل فعال من الناحية المالية قطاعات كبيرة من السكان من المالية ومعظم أشكال التبادل الاقتصادي، وفي كثير من الأحيان تمّ الحكم عليهم بالجوع والبؤس لأسابيع وشهور أو إجبارهم على بيع أراضيهم وماشيتهم من أجل البقاء. لا يهم المحسنين المعلنين ذاتيًا، طالما تم جلب الكثير من التجار وشبه الريفيين وشبه الفقراء إلى النظام. +++

- نبذة عن الكاتب:

د. نوربرت هيرينغ صحفي أعمال ومدون ألماني. تم نشر كتابه الأكثر مبيعًا عن "إلغاء النقود والعواقب" في عام 2016. منذ عام 2002 قدم تقارير عن التمويل والاقتصاد لصحيفة الأعمال الألمانية Handelsblatt. وهو مؤلف (مع أولاف ستوربيك) لكتاب Ökonomie 2.0 الذي كان الأكثر مبيعًا في ألمانيا وفاز بجائزة GetAb abstract الدولية للكتاب لعام 2007 لأفضل كتاب أعمال. تم نشره باللغة الإنجليزية أيضا.

 

..........................

- هذه ترجمة لمقالة:

How India became Bill Gates’ guinea pig: A conspiracy as recounted by the main actors

 by Norbert Häring-

countercurrent.org- July 27, 2017

 

 

محمود محمد عليفي مطلع السبعينات، صدر كتاب «دراسات جديدة في الفكر العربي» للدكتور ماجد فخري عن «دار النهار» في بيروت ولاقى الاستحسان في الأوساط الفكرية، وهو اليوم في طبعته الثالثة، ما زال من مراجع الدراسة الجامعية في ميدان الفلسفة.

ويستهل الدكتور فخري هذا الكتاب بمقدمة مقتضبة "تبرر" الكتاب باعتباره انتقاء لدراسات عن عدد من القضايا التي اهتم الكاتب بنقاشها في غير مطبوعة عامة، إضافة إلى تلك التي حضرت في كتابه دراسات في الفكر العربيـ وتمتد تلك الدراسات زمنيا بين سنتي 1975 و2007ـفتشغل مساحة 32  سنة.

يتناول ماجد فخري في كتابه "دراسات في الفكر العربي" حيثيات التفكير الفلسفي والديني عبر اللغة العربية في تطوراته وفرقة وتوجهاته الأبرز منذ القرن التاسع عشر حتي منتصف القرن العشرين . ويركز في المقام الأول علي المؤثرات الهيلينية الإغريقية في تكون المسارات التاريخية للفلسفة المكتوبة باللغة العربية في السياق الثقافي المطبع علي سمات تمت إلي الفكر الديني في الحضارات الإسلاميةـ والمتفاعل في حيثياته معها . ويتناول كذلك في هذا المقام طبائع التيارات الفكرية البارزة في المشرق العربي في أبعادها الحديثة والمعاصرةـ وعلاقتها الدفينة والجدلية مع ظاهرة تأويل التراث الفلسفي: "إن الكتابة في تاريخ الفلسفةـ خلافا لسرد الأخبار والروايات الفلسفيةـ لا بد أن تشمل مقداراً كبيراً من التأويل والتقييم، إلي جانب سرد الأحداثـ وعرض القضاياـ وتعداد المؤلفينـ وإلا تعذر استيعاب حيوية العقل الدائمة في سعيه لتفهم كنه العالم علي نحو شامل ومنسجم". ويستهل ماجد فخري مباحثه بالنظر إلي الإرث الفلسفي الأرسطي كمدخل للتدبر في مسارات الفكر العربي ومعايير العلوم فيه حتي عصر ما سُمي بالنهضة العربية الحديثةـ وعبر ما كان لها من امتدادات معرفية حتي حقبتنا الراهنة  . وحاول من خلال ذلك تسليط الضوء علي التفاعلات الحضارية التاريخية بين الثقافات الإسلامية والمسيحيةـ مع التفكر بماهية العلاقات التي تربط مداورة الفلسفة السياسية وبالدين وبأحوال الجماعة.

وهنا يقسم فخري كتابه، موضوع المراجعة، إلى فصلين، فيخصص أولهما لتسع دراسات في الفكر المقارن، ويقدم فيه متابعة مدققة لأثر الفكر اليوناني في عقول أبرز مفكري الإمبراطورية العربية -الإسلامية. ويغرد ثانيهما لخمس مسائل فكرية معاصرة، خصوصا مسألة حوار الحضارات والعلاقة بين فكر الإسلام راهنا والغرب.

كما تقسم الدراسات الجديدة في الفكر العربي التي جمعها المؤلف إلى قسمين: محور القسم الأول الفكر المقارن، يتضمن: أثر أرسطو ومنطقه لدى الفلاسفة العرب القدامى؛ فلسفة الفارابي الخلقية وصلتها بالأخلاق النيقوماخية لأرسطو؛ قدم العالم بين ابن رشد وتوما الأكويني؛ أثر ابن رشد في الفكر الأوروبي الحديث؛ السهروردي ومآخذه على المشائين العرب؛ التفاعل بين علم الكلام العربي واللاهوت المسيحي وغيرها من المواضيع.

يدور القسم الثاني حول قضايا حديثة ومعاصرة هي اليوم في صلب اهتماماتنا الثقافية والسياسية، يتضمن: تطوّر الفكر السياسي في عصر النهضة؛ الإنسان أمام تحديات العصر الحديث؛ مقومات التقارب بين الإسلام والمسيحية والغرب؛ حوار الحضارات في أفقه التاريخي.

يرى الكاتب أن الفكر الفلسفي العربي القديم له خمس خصائص رئيسة: الأولى هي إقبال الفلاسفة العرب الأصلاء من دون تحفظ على التراث الفلسفي والعلمي العالمي، خصوصاً التراث اليوناني، ولا يكاد يشذ عن هذا النهج أي واحد من هؤلاء. والثانية، تجرد الفلاسفة العرب جميعاً ومن دون استثناء للخوض في الإشكالات الدينية والسياسية والخلقية التي شغلت العلماء والجمهور على السواء، منذ أن تسربت الفلسفة إلى العالم العربي في القرن الثامن، فاتصفت الحركة الفلسفية بهذا المعنى بصفة الالتزام. الخاصية الثالثة التي يدرجها الكاتب هي أن الفلسفة لم تفتح أمام العرب والمسلمين كوة شكلية وحسب، من حيث ألزمتهم بالأخذ بمناهج البحث أو أساليبه الصحيحة في الأبواب الدينية والفكرية المختلفة، بل فتحت أمامهم كوى موضوعية شتى لم يكن لهم عهد بها من قبل كالعدالة والخير والشر والتبعة الخلقية. الرابعة، لم يتنكب الفلاسفة العرب في الخوض كلياً في الجانب الآخر من الفلسفة العملية، أي السياسة، ويشير الكاتب إلى أن جولات الفلاسفة في مواضيع الفكر السياسي خصوصاً بقيت ضحلة جداً. أخيراً، كان من النتائج التي أسفر عنها دخول الفلسفة إلى العالم العربي في القرن التاسع، تحرير العقل العربي من نير التقليد من جهة، ومن الإطناب اللغوي والأدبي من جهة أخرى.يستخلص فخري في محور التجديد الفكري بعض العبر من خلال التمعن في خصائص التراث العربي، كذلك أسباب التعثر الذي منيت به الحركة الفلسفية في زماننا هذا.

وفي هذا السياق والمعني، يشدد فخري على دور الفكر الإسلامي في ظهور تيار العلمانية والعقل غربا، كما يظهر في كثير من أعمال دانتي، الذي حاكمته الكنيسة بتهمة ولائه لابن رشد، وتوما الإكويني، الذي كان أثر ابن رشد فيه مضمرا وسجاليا. ويستحضر أيضا بصمات كثيرة تركها الفكر الإسلامي على أعمال اللاهوت المسيحي. ويشير أيضا إلى ترجمة المستشرقين لفكر عربي يصعب إيجاد مواز يوناني مباشر له، كترجمة مقدمة ابن خلدون على يد فرانتزروزنتال، وترجمة الدراسات الصوفية على يد لويس ماسينيون و آن مارى شيمل. وبذا، يرذل فخري مقولة "صراع الحضارات"، بإظهاره ضيق أفقها لأنها لا تتناول سوى القرون الخمسة الأخري من علاقة الغرب بالعرب والإسلام، مغفلة الاتصال تاريخيا بني الأطراف..

وفي السياق عينه، ينظر فخري إلى أعمال المستشرقين، بداية من كتاب وصف مصر الذي وضعه علماء محلة نابليون بونابرت على مصر، بوصفها جسورا للاتصال بين الشرق والغرب أيضا. ويزيد في تدليله على ضيق أفق مفهوم "صراع الحضارات"، بإظهاره أن كثير من مفكري العرب عادوا إلى الفكر الغريب في عصر النهضة وما تلاه، وصولا إلى العصر الحديث، وتشربوا منه، وحاوروه، وتبنوا الكثير من مقولاته. ويضرب أمثلة على ذلك، منها التفاعل في أعمال الشيخ رفاعة الطهطاوي عن الاستبداد، وفقه الشيخ محمد عبده عن الدولة وأسباب التقدم، وقد تابعه الشيخ علي عبد الرازق ثم خالد محمد خالد وغيرهم ويلاحظ استمرار ذلك التفاعل إيجابيا في أعمال مفكرين حديثين تواصلوا مع أعصاب أساسية في الثقافة الغربية، مثل القومية والماركسية والفابية والدارونية الاجتماعية والعلمانية والوجودية والوضعية المنطقية وما بعد الحداثوية، كما يظهر في أعمال شبلي مشيل وفرح أنطون وسلامه موسى وعبد الرحمن بدوي وعبد العزيز الحبابي ورينه حبشي وزكي محمود وفؤاد زكريا وصادق جلال العظم وحسني مروة وعبد الله العروي ومحمد أركون وحسن حنفي وغيرهم. ويضيف فخري إليهم المفكرين الإسلاميين والعرب الذين ساجلوا ضد مشارب أساسية في الثقافة الأوروبية، لأن سجالهم ضدها يعين اطلاعهم عليها وتفاعلهم معها وإن سلبيا، خصوصا أبو الأعلى المودودي وسيد قطب.

ويظهر شيء من التفاؤل المتعجل في تحليل فخري لضعف التبادل الفلسفي بين الغرب والعرب المعاصرين؛ إذ يرده إلى عدم ترجمة أعمال فلاسفة أساسيين في الغرب، مثل رينه ديكارت وعمانوئيل كانط وجورج فيلهلم هيجل ومارتن هيدغر وبرتراند راسل وغيرهم. وقد اطلعت النخب العربية على تلك الأعمال، وتكاثرت ترجمتها. فهـل قوي التفاعل بني الفكر العربي المعاصر والغرب؟ سؤال يحتاج إلى تدقيق كبري.

يتساءل الكاتب عن احتمالات السلام أو التقارب بين الإسلام والغرب، فيجد أنها مرهونة بثلاثة أمور: التطورات الاقتصادية والسياسية في كل من الشرق والغرب، مستقبل العلمنة في العالم، كذلك مستقبل الديمقراطية والعصرنة في العالم الإسلامي وفي الشرق عامة. يرى الكاتب أن إدراك الإنسان يبدأ بالوقوف على حقيقته الجوهرية التي تختلف كل الاختلاف عن حقيقته العرضية وأحواله الطارئة والوضع الذي ارتضاه له المجتمع اتفاقاً وعرضاً، وفي الإدراك العرضي للإنسان، وهو الإدراك الذي ما زال سائداً في معظم المجتمعات العربية اليوم، يبدو الإنسان كذات مسخّرة أو ككائن مضاف، لا يكتسب وجوده معنى أو قيمة إلا بالإضافة إلى عشيرة أو قبيلة أو سلالة أو مذهب ديني أو حزب سياسي ما، أو بالإضافة إلى ما يملكه من المال أو العقار أو المتاع، الذي كثيراً ما يقيس به قدره وقدر غيره من الناس، فيفقد بذلك الإنسان قيمته الجوهرية، وعوضاً عن أن يكون غاية بحد ذاته يصبح وسيلة أو أداة أو سلعة تباع وتشترى. يتابع فخري أنه عوضاً عن أن ينظر إليه أقرانه في المجتمع ككائن قائم بحد ذاته، ينظرون إليه كجزء من طائفة أو طبقة أو عشيرة ما.

وثمة نقطة مهمة يشير إليه الدكتور فخري وهو توقفه عند مواقف بعض المفكرين المحافظين أمثال المودودي وسيد قطب الذي يعتبر أن الغرب يشكو من أزمة روحية لا يستطيع إخراجه منها إلا الإسلام، ويلقي قطب تبعة الأزمة على المسيحية التي التزمت بالمثال الروحي الفارغ الذي لم تجن منه أوروبا، في العصور الوسطى، سوى ثمار الرهبة العجفاء، ويتابع قطب قوله: «نحن أصحاب المذهب الحنيف فنملك للبشرية ما لا يملكه أحد على ظهر هذا الكوكب من الترحيب بالعلم والخروج بالدين عن الإطار الروحي الضيق الذي زجته المسيحية به، والانفتاح على العقل والصناعة والاقتصاد والصلاة والدعاء».

يلاحظ الدكتور فخري أن المودودي يبز سيد قطب في موضوع النقد للحضارة الغربية والعقيدة المستحبة التي تبناها الغرب، فهذه الحضارة عند المودودي ممنية بعلل ثلاث، هي العلمانية والقومية والديمقراطية. علة العلمانية هي أنها تفضي إلى إقصاء الدين عن سائر جوانب الحياة وتنظر إلى الدين على غرار المسيحية، كما لو كان عبارة عن علاقة شخصية بحتة بين الإنسان والله، أما القومية التي ظهرت أصلاً كثورة على الإقطاعية في العصور الوسطى، فأصبحت في العصور الوسطى عبارة عن عبادة القوم، بدلاً من عبادة الله. كذلك الديمقراطية التي تهدف أصلاً إلى تحرير الجماهير من سلطة أسيادهم الإقطاعيين، تحولت في العصور الحديثة إلى عبارة عن طغيان الجماعة.

ينبه فخري إلى أن النظرة الأصولية التي نحا دعاتها نحو العداوة للغرب لن تنج من المناوئين، لا سيما في الأوساط الفكرية والجامعية، من أمثال زكي نجيب وفؤاد زكريا من الفلاسفة الوضعيين، الذين حاولوا أن يبرزوا في مؤلفاتهم مقومات ما يمكن دعوته العصرنة والعقلنة في الفكر العربي، اللتين تتنافيان مع التقليدية والسلفية التي تتمسك بما يعتبره نجيب عبادة الألفاظ. كذلك ظهر فريق آخر من الماركسيين أمثال صادق العظم وعبدالله العروي، ذهب العظم إلى التمسك بالمذهب الماركسي الذي يعتبر البنية الكاملة للفكر الديني الموحى به عبارة عن أسطورة، بينما ذهب العروي إلى أن مأساة المفكر أنه وقع تحت سطوة الاستعمار الأوروبي بما فيه من تسخير فكري واستعباد سياسي، وبناءً عليه أصبح خارجاً على ثقافته الوطنية ومجرداً من هويته القومية، ولا أمل له بالتحرر من هذه العبودية إلا باللجوء إلى المادية الجدلية أو الماركسية والأخذ بتراثه العربي الإسلامي الذي تنكر له بحكم الاستعمار والاستعباد الغربيين.

ثم يتساءل الكاتب عن احتمالات السلام أو التقارب بين الإسلام والغرب، فيجد أنها مرهونة بثلاثة أمور: التطورات الاقتصادية والسياسية في كل من الشرق والغرب، مستقبل العلمنة في العالم، كذلك مستقبل الديمقراطية والعصرنة في العالم الإسلامي وفي الشرق عامة. يرى الكاتب أن إدراك الإنسان يبدأ بالوقوف على حقيقته الجوهرية التي تختلف كل الاختلاف عن حقيقته العرضية وأحواله الطارئة والوضع الذي ارتضاه له المجتمع اتفاقاً وعرضاً، وفي الإدراك العرضي للإنسان، وهو الإدراك الذي ما زال سائداً في معظم المجتمعات العربية اليوم، يبدو الإنسان كذات مسخّرة أو ككائن مضاف، لا يكتسب وجوده معنى أو قيمة إلا بالإضافة إلى عشيرة أو قبيلة أو سلالة أو مذهب ديني أو حزب سياسي ما، أو بالإضافة إلى ما يملكه من المال أو العقار أو المتاع، الذي كثيراً ما يقيس به قدره وقدر غيره من الناس، فيفقد بذلك الإنسان قيمته الجوهرية، وعوضاً عن أن يكون غاية بحد ذاته يصبح وسيلة أو أداة أو سلعة تباع وتشترى. يتابع فخري أنه عوضاً عن أن ينظر إليه أقرانه في المجتمع ككائن قائم بحد ذاته، ينظرون إليه كجزء من طائفة أو طبقة أو عشيرة ما.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

....................

المراجع

1- ماجد فخري: دراسات جديدة في الفكر العربي .. من أرسطو الى هنتجنتونـ بيروت: دار النهار للنشر، 2005.

2- مغربي، أحمد : دراسات جديدة في الفكر العربي، المستقبل العربى، مركز دراسات الوحدة العربية، مج33 ,ع385، 2011، ص 205-208.

3- جورج جحا منبيروت: ماجد فخري .. دراسات جديدة في الفكر العربي .. من ارسطو الى هنتجنتون، مثال منشور في إيلاف، لندن، 2020.

 

جواد بشارةهذا كتاب فريد من نوعه وأسلوبه وطريقة تعاطيه مع محتواه البالغ الثراء والمتعة، ولا يمكن تلخيصه، بل ويصعب نقده وتفكيكه بحثاً عن السقطات أو النقاط السلبية فيه. فهو يختزن كماً معرفياً موسوعياً هائلاً وقدرة تنظيرية يندر وجودها بين أقرانه من الباحثين في هذا الشأن.

الحيز الدائري هو المختبر التنظيري الذي يجري فيه الدكتور الباحث فالح مهدي أبحاثة ودراساته الإنسانية ومن خلاله يعرض مقارباته لمختلف المواضيع والثيمات وآخرها وليس أخيرها تاريخ الخوف، حيث يشير في عنوانه الثاني بأنه نقد المشاعر في الحيز الدائري، وهو استكمال لمشروعه النقدي الكبير والجريء " نقد العقل الدائري " الذي بده بكتابه المهم " الخضوع السني والإحباط الشيعي" الذي تحدثنا عنه بإسهاب في مقال سابق.

وكعادته، مثل أي باحث علمي جاد ورصين، يبدأ فالح مهدي بحثه بتعريف المصطلح كما ورد في القواميس الفرنسية والعربية وهو" حالة نفسية ذات خصيصة فعالة تلازم الشعور بخطر سواء أكان مبرراً أم لا، ويتضمن تهديداً للحياة مثلاً، وقد  يؤدي ذلك الإحساس بالخطر إلى حالة عاطفية ذات طابع مأزوم يصعب السيطرة عليها تتمثل بالانهيار العصبي، بالرعب، بالذعر، يصاحب ذلك شعور مؤلم بعدم الأمان" حسب القواميس الفرنسية بينما يعرفه قاموس أكسفورد بأنه " شعور سيء يمتلكك عندما تكون في خطر، أو إحساس بأن أمراً جللاً قد يحصل في لحظة ما" وهو في اللغة العربية يعني" الخوف: هو مصدر فعل خاف وخوّف فعل معنى، أرعبه وأرهبه" بيد أن الباحث  يعلن بأن كل تلك التعاريف لن تفيده في بحثه هذا فهو يريد أن يتوغل عميقاً في المعنى المجهول للخوف بعيداً عن البديهيات المتداولة عن إنسان مصاب بالذعر والفزع الذي قد يؤدي إلى موته بتأثير ما أصابه من ذعر وإرهاب ويستند إلى مقولة للفيلسوف الفرنسي الوجودي يقول فيها :من لا يخاف  ليس سوياً" . ثم يبدأ فالح مهدي رحلته متجهاً نحو جذور الخوف وأصوله، وبداياته الأولى، أي نشأته، منذ عصر الصيد وجمع القوت مروراً بالعصر الزراعي ومن ثم العصر الصناعي والتكنولوجي، حيث بات " الخوف" موضوع أبحاث اجتماعية وفلسفية واقتصادية وأنثروبولوجية ونفسية.

هناك عالمين يتعاملان مع الخوف كل بطريقته. الغرب والشرق. الأول ليس فيه خوف من عالم آخر بعد خروج الإنسان من هذا العالم المادي الذي يحيى فيه، وليس هناك خوف من نهاية العالم وحضور المنقذ ليخلص من يؤمن برسالته وينقله إلى جنات النعيم، على حد تعبير المؤلف في مقدمته الرائعة. وهذا تعميم متسرع لأنه ما يزال يوجد في الغرب مؤمنون، وهم كثر يؤمنون بالعالم الآخر وبيوم الحساب والقيامة والأديان المختلفة لا سيما السماوية. الثاني، هو الشرق الذي ينتمي إليه المؤلف وهو يعترف بذلك عندما يخبر القارئ الشرقي الذي يتوجه له بأنه " سيلج معه في هذه الدراسة:" لفهم علاقتنا كشرقيين بعالم الخوف". وكانت بوصلة بحثه عبارة ماركس الشهيرة:" نقد الدين هو أساس كل نقد". أي الخوف الذي تولده الأيديولوجية الدينية في نفس الإنسان وعمودها الفقري ألا وهو استغلال خوف الإنسان مما ينتظره بعد الموت. لكن دهشتي جاءت عندما وجدت الدكتور فالح مهدي يبدأ هجومه المباغت على " الدين الماركس الذي دعا إليه لينين في كتابه " نصوص حول الموقف من الدين" الذي كتبه بلغة رجال الدين كما ذكر الباحث واستند إلى فقرة استشهد بها الباحث:" ففي الصفحة 87 نجد لينين يكتب بتلك اللغة اليقينية التي تشبه لغة رجال الدين: «إن برنامجنا قائم كليًّا على الفلسفة العلمية المادية الصارمة، ولكي نشرح برنامجنا يتحتم علينا أن نشرح الجذور الحقيقية، التاريخية والاقتصادية للضباب الديني. إن دعايتنا يجب أن تكون بالضرورة مشتملة على الدعاية للإلحاد. وتحقيقًا لهذه الغاية فإن نشر الأدبيات العلمية، التي منعها ولاحقها بقسوة إلى اليوم النظام الأوتوقراطي الإقطاعي، يجب أن يصبح الآن مهمةً من مهام حزبنا... "بل ويتهم لينين بعدم الفهم عندما نقد كتاباً كبار مثل تولستوي ودستويفسكي، وإنه بالغ إلى حد الكذب والخداع عندما تكلم عن طبقة عمالية في بدايات القرن العشرين.  الباحث لا يعترض على مقولة ماركس لكنه يوضح " إن نقد الدين يتمثل بفهم شروط قيامه وآليات فعله ومدوناته، فهم العلاقة بينه وبين السياسة، كيفية فعله، فهم مؤسساته التي تعمل باسم ربٍّ لم تلتقيه لا هي ولا المؤمنون الذين يدينون بالولاء لذلك الرب، وكذلك فهم الطرق التي يلجأ إليها للسيطرة على المجتمعات التي تقع بين مخالبه".

لماذا ساندت كل الديانات إلى موضوع الخوف لكي تقوم ويستقيم أمرها؟ كما تساءل الباحث؟ في معرض إجابته أن موضوع الخوف متجذر في مخيلة البشر وقد ورد في القرآن «وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ» آل عمران: 175، ذلك أن الخوف من الله طريق الدخول إلى الجنة. كما جاء في المصادر الإسلامية، يُعّدُ الخوف من أعظم المنازل وأشدها نفعًا لقلب المؤمن، وهذا يرد في القرآن على النحو التالي «وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ» البقرة: 40. فالله الذي تقدمه الأديان هو في غالب الأحيان مخيف ومرعب وجبار ومنتقم ومعذب وإن الأيديولوجيا الدينية متمثلة بالحديث المنسوب إلى محمد فهي من لعبت دورًا مهمًّ في صناعة الخوف. إن الغرض من نقد الدين، كما يبين الباحث، لا يعني إظهار عيوب الشيء كما قد يتبادر إلى الذهن وكما ذكر ذلك في كتابي البحث عن جذور الإله الواحد، بل الكشف عن آليات فعله والغرض من قيامه وأهدافه المرتبطة بوجود ذلك الدين. فالدين حَكم وهيمن على الحياة البشرية منذ آلاف السنين، ولا يزال في معظم بقاع العالم. وفي هذا البحث يقدم الباحث محاولة لفهم مفهوم الخوف الذي قامت عليه كل الأديان ولا سيما التوحيدية. ولقد ركز على المشاعر الأساسية التي تقود السلوك الجماعي كالأوبئة، الموت وما بعد الموت أي الجحيم، وحيث إن الجنة مكافأة للعبد الصالح الذي يخاف من الله ويخضه لع ويطيعه.

يضع الباحث فالح مهدي إصبعه على الجرح، وعلى السر الأكبر الذي يقف وراء الخوف، ألا وهو الموت، فالموت أساس وجوهر مخاوف الإنسان، بل كان العامل الأول في قيام الحضارات وتطور الثقافات. الموت عنصر بيولوجي شأنه شأن كل ما موجود في الطبيعة من حولنا. الإنسان كالحيوان وكالنبات يولد، ينمو ويكبر ويشيخ وفي الأخير يموت. ما يميز الإنسان عن الحيوان والنبات، تأمله في هذا العنصر البيولوجي وتحويله إلى عنصر ثقافي، بل من أهم العناصر الثقافية، هو الموضوع الجوهري في هذا البحث.

من أروع وأجمل ما جاء في هذا الكتاب هو الرحلة التي قام بها الباحث في " الزمن" ولقد أطلعني الباحث على معلومة كنت أجهلها وهي إن الزمن في العالم القديم كان زمناً دائريًّا في محتواه، ولم يُلْغَ ذلك التصور عن الزمن إلا بفضل التطور العلمي الذي بدأ في القرن السادس عشر في أوربا الغربية بالذات. فالزمن المعاصر زمن أُفقي ونسبي، تم الأخذ به بفضل التطور العلمي في نهاية القرن الثامن عشر. كما أن الثورة العلمية في النظرة إلى الكون التي بدأت في القرن السادس عشر صاحبتها ثورة في أنماط التفكير، في الأدب، والموسيقى، بل الأهم من كل ذلك وربما يكون مصاحبًا له هو الخروج من الحيز الجماعي وقيام الفردية كمنهج في التعامل مع الذات ومع الآخر. اقتصاديًّا شهدت الثورة العلمية والفكرية، قيام النظام الرأسمالي، أي قيام نمط للإنتاج لم تعرفه البشرية سابقًا. في بدايات القرن التاسع، كان الناس المثقفون على يقين بأنّ الزمن طويل) قياسًا بالزمن القديم الذي صاغه الفكر الرافديني وتبنته الديانات التوحيدية الثلاث. إن عمر الزمن التوحيدي كان ولا يزال 6000 سنة، وهذا الرقم ليس رقمً تقديريًّا بل اعتمادًا على ما ورد في سفر التكوين من أن الله خلق الكون في ستة أيام، واستراح في اليوم السابع، كان أساس ذلك الرقم المتعلق بخلق الكون، والذي أخذه القرآن حرفياً وكرر إن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش. واعتمادًا على ما ورد في العهد القديم فإن الأرض عاشت 3000 سنة، ولم يبقَ أمامها إلا ثلاثة آلاف سنة! لم يردْ في سفر التكوين العبري الرقم 3000 سنة، بل وجدنا أثرًا لهذا الرقم في التلمود البابلي، إذ إن الحياة لن تستمر أكثر من ستة آلاف سنة. يتفوق التلمود البابلي في أهميته على العهد القديم. والسؤال هنا لماذا ستة آلاف سنة؟ ويأتي الجواب لأن الله خلق الكون في ستة أيام واستراح في اليوم السابع. هنا يُعبّ هذا الرقم المرتبط بالثقافة الرافدينية المبنية على رقم ستة، عن أن الحياة ستنتهي بعد ستة آلاف سنة، وبعدها سيدخل اليهودي في عالم الخلود، ذلك أن اليهود -وجريًا على الثقافة الرافدينية- جعلوا اليوم السابع، اليوم الذي يستريح فيه الله من عمله. لذا فبعد تلك السنين) 6000 سنة (، سيدخل المؤمن اليهودي في عالم الأبدية والذي يمثله الرقم سبعة أي يوم الراحة وهو شكل آخر من أشكال الموت.

بقي ذلك الرقم صامدًا فيما يتعلق بالتوحيد، حتى اللحظة التي أقرت بها الجمعية الجغرافية اللندنية التي أُسست في عام 1807، أن الزمن هائل. واليوم بات البشر على يقين بأن هناك أكثر من 65 مليون سنة مرت عندما وجدت الثدييات على الأرض وبعد عشرة ملايين سنة حدثت عملية تطور بيولوجية مذهلة.

يقول الباحث في معرض حديثه عن الزمن " العلمي" في مفهومنا المعاصر، إن الدراسات والبحوث الفيزيائية لا سيما أينشتاين في بداية القرن العشرين قادت خطانا إلى مفهوم الزمن النسبي. لم يأخذ أينشتاين بنظرية نيوتن التي تقول إن هناك جسمً ما ثابتًا وآخر يتحرك. حيث كان نيوتن من المؤمنين بأن عمر الأرض 6000 سنة.

إن الزمن الذي يقصده أينشتاين، هو الزمن الخارجي والموضوعي، ولم يتطرق إلى الزمن الذاتي، والذي يستحيل قياسه. فقد تمر ساعة من الزمن الموضوعي، يشعر بها السعيد بأنها بضع دقائق ويُعاني منها التعيس وكأنها الدهر كله. الزمن الذاتي هو الزمن الذي يُطلق عليه الفلاسفة الوجوديون) الزمن الوجودي.

أما الزمن النسبي فهو الزمن الخارجي الموضوعي. الزمن الذي تتحرك داخله النجوم والكواكب وعلى ضوء مفهوم المكان عند أينشتاين والذي هو غير مطلق، اعتُبر الزمن الخارجي والذي يمكن قياسه بالساعة واليوم والشهر وهذه مصطلحات ترمز إلى دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، بمعنى أنها مصطلحات ترمز لأوضاع مختلفة في المكان. إن الزمن الذي نعيشه وتجري كل حياتنا على ضوئه مبنيٌّ على النظام الشمسي. وبما أن النظام الشمسي يتعلق بكوكبنا ولا يمكن تعميمه على كل الكون، من هنا جاءت تسميته بالزمن النسبي. الزمن المعاصر يذهب إلى حقيقة أصبحت بديهة علمية وهي أنه ليس هناك زمن واحد لكل

الكون.

عندما نتحدث عن الزمن تبرز لدينا تساؤلان عن " ما قبل" وما بعد" وعن البداية والنهاية والأصل والماهية والاتجاه.

لغز الزمن الأبدي:

قال الفيلسوف والعالم الإغريقي العظيم آنكسيماندر: "كل الأشياء تولد من رحم بعضها البعض وتختفي إحداها داخل الأخرى حسب الضرورة، وتخضع لقانون الزمن ونظامه".

فما هو الزمن؟ ... هل الزمن واقعي وحقيقي، أي كينونة حقيقية كونية موجودة، أي جزء من المادة، أم وهم مختلق ومفهوم بشري؟ وما تأثير ذلك على صورة وحقيقة وطبيعة وماهية الكون؟ ما هي المعاني الحقيقية لمفاهيم القبل والبعد، الماضي والحاضر والمستقبل، والآن وفيما بعد؟

في الأساطير القديمة التي تبنتها الأديان هناك أشخاص يعيشون حالة من الخلود. فهم إما إله للزمن، أو سيد الزمان، أو صاحب الزمان، أو خالق المكان والزمان، والمحيط بماضي وحاضر ومستقبل الوجود، ويعرف كل ما جرى ويجري وسيجري من أحداث، أي هو مستقل عن الزمن وسيده والمتحكم به.

السؤال عن الزمن، الذي يعتقد غالبية البشر أنه بسيط ولا يحتاج للتساؤل والمناقشة، يأتي على رأس قائمة المشاكل والتحديات المهمة التي يواجهها العلم والدين على حد سواء، خاصة عندما نسبر أغوار الأسس الجوهرية للكون ولعملية الخلق الرباني.

جميع الألغاز التي واجهها الفيزيائيون وعلماء الكونيات الكوسمولوجيون، من الانفجار العظيم البغ بانغ إلى معضلة نهاية ومصير الكون، ومن صداع الرؤوس الذي أحدثته الفيزياء الكمومية أو الكوانتية والنسبية الخاصة والعامة الآينشتينية عند العلماء والمفكرين والفلاسفة، إلى محاولات توحيد القوى الجوهرية الكونية، وعالم الجسيمات الأولية البدئية، كل ذلك يقودنا نحو طبيعة وماهية وحقيقة الزمن كمعضلة يجب حلها.

وهذه المعضلة تصدى لها الباحث فالح مهدي بقوة وجرأة عندما قسم الزمن إلى زمن أيديولوجي، ويقصد به الزمن الذي رافق المسيرة البشرية منذ آلاف السنين ولم يزل في كثير من بقاع الأرض. وقد تمكنَّا من إيجاد آثاره عبر نمطين، الأول وُجد في منطقة الشرق الأوسط وكان السباقون إليه السومريين في جنوب العراق ومن ثم الأكديون في وسط العراق. يطلق على هذا الزمن بالزمن السهمي ويقصد بذلك أنه ينطلق من نقطة كما هو الحال مع السهم لكي ينتهي في نقطة أخرى. أما الزمن الآخر فهو الزمن الآسيوي الذي وُجد في الهند والصين واليونان وبقية شعوب المنطقة ويطلق عليه الزمن الدائري، إذ يجري تصويره على هيئة عجلة.

إنما وقبل الولوج إلى كلا الزمنين، سنحاول أولاً تعريف الزمن، عبر هذا السؤال البسيط: ما الزمن؟ السؤال عن الزمن من أصعب الأسئلة، علماً أنه مفهوم يأخذ بنظر الاعتبار التحولات التي تجري في العالم.

في اللغة اللاتينية يعني مصطلح tempus الزمن وهو نفس المصطلح الذي أخذت به اللغات التي تمتد جذورها الى تلك اللغة كالفرنسية والإيطالية والإسبانية.. إلخ. وفي اللغة الإغريقية القديمة يشير مفهوم      Temnein إلى معنى القطع أي آلة تقسيم الزمن. وفي الحضارة الإغريقية هناك الزمن التاريخي الذي يُقّطع إلى ثلاث مراحل) الماضي، الحاضر، والمستقبل (. ذلك أن مفهوم الزمن باللغة الإغريقية يعادل الحركة. وعندما نبحث عن تعريف الزمن في اللغة العربية، نجد: «والزمن في الأصل ملازم للحدث أو الفعل، وذلك أن الحدث، ومن الجانب المنطقي أو الفلسفي لا بد له من مُحدث، ولا بد له أنيجري في دائرة الزمان والمكان، إذ لا فعل ولا حدث يتحقق خارج هدا النطاق ". أما في معاجم اللغة العربية ولا سيما لسان العرب، فسنجد «زمن: الزمن والزمان: اسم لقليل الوقت وكثيره، وفي المحكم الزمن والزمان وأزمنة، وزمن زامن: شديد. وأزمن الشيء: طال عليه الزمان". وكما تلاحظ فإن القواميس عاجزة تمامًا عن إعطاء تعريف للزمن. هذا العجز بإيجاد تعريف شافٍ انتبه له أحد فلاسفة المسيحية، إذ يقول القديس أوغسطين) توفى في 430 (، لو سألتني ما هو الزمن؟ لن أتمكن من الإجابة. ولكن لو امتنعت عن السؤال فأنا أعرف ما هو الزمن! ولقد أرشدتنا الكتابات القديمة الرافدينية المسمارية والهيروغليفية المصرية إلى معرفة كيف تمكن السومريون والمصريون لاحقًا من حساب الزمن والذي هو موضوع بحثنا هذا. لقد قام كبار رجالات الدين السومريون وهم نخبة القوم بمراقبة السماء، ووجدوا أن الشمس تدور حول الأرض. تلك المراقبة تمثلت بوضع عصا مستقيمة في أعلى مكان في الزقورة، ويجري تحريك العصا عبر مرور الشمس. وقد سمحت تلك المراقبة الدقيقة وعبر تحريك العصا بدقة في كل مرة ينتقل فيها ضوء الشمس بتقسيم السنة إلى 360 يومًا، وتقسيم اليوم إلى أربع وعشرين ساعة، وتقسيم السنة إلى اثني عشر شهرًا، يبدأ مع الربيع.

لم يطلق السومريون أسماء على أشهر السنة، لكن التسمية كانت على النحو التالي: الشهر الأول، الشهر الثاني.. إلخ، في حين أطلق الأكديون أسماء على تلك الأشهر ما زالت قائمة لحد الآن. كان البابليون يحتفلون باليوم السابع من كل أسبوع ويطلقون عليه 'اليوم المقدس'، وفيه يُحظر العمل على عمَّل الدولة، وهو مخصص للإلهين مردوخ وعشتار. إن اليوم السابع الذي قدسه البابليون وتتوقف فيه الأعمال، أصبح في العبرية ومنذ السطور الأولى من السفر الثاني من كتاب التكوين اليوم الذي يتوقف فيه الله عن العمل ويخلد للراحة بعد أن خلق الكون!

لقد تطرق الباحث في سياق حديثه عن الزمن إلى سر الرقم سبعة كلغز تم تداوله عبر القرون. ف من السومرين وحتى يومنا الحاضر، بقي الرقم سبعة لغزًا. والسبب هو تأكيد كل الأيديولوجيات القديمة عليه. فنجد أن السومريين والبابليين تصوروا وجود سبع سنوات وأن الجحيم الذي تصوره الرافدانيون وأخذت به كل الديانات التوحيدية وأقصد بذلك أن الميت يذهب إلى باطن الأرض بعد موته. وأن باطن الأرض موزع إلى سبعة أقسام، كما أن السومريين قسموا أيام الأسبوع إلى سبعة. وأن السبت في العربية وشابات في العبرية يشير إلى الرقم سبعة. وكان هذا الرقم حاضرًا في معظم ثقافات العالم القديم، ففي الهندوسية مثلً فقد كان حاضرًا ولا يزال. واستُخدم هذا الرقم 77 مرة في العهد القديم، بل ذهبت الحكايات فيه إلى أن سليمان شيّد المعبد في سبع سنوات. كما أن أحد الكتب الأساسية في العهد القديم جرت تسميته باسم الأعداد. بل إن الطوفان في ملحمة كلكامش لم ينتهِ إلا في اليوم السابع، وكذلك الطوفان المتخيل والمنسوب إلى نوح. كما أن عجائب الدنيا سبع. والخطايا الكبرى سبع. والقارات سبع. والمحيطات سبع. بل إن عمر الإنسان حُسب وقُسّم إلى سبعة: الولادة، الطفولة، المراهقة، سن الرشد، النضج، الشيخوخة، ومن ثم الموت. كما أن الكائنات الشريرة عند البابليين والتي لا يمكن رؤيتها) الأشباح (تحولت في الديانات التوحيدية إلى شياطين، كان عددها سبعة، وأبواب الجحيم سبعة. المصائب العظيمة في الثقافة الدينيىة الفرعونية تتألف من سبعة: الطوفان، الطاعون) والحقيقة أن الطاعون كما سأشير إلى ذلك لاحقًا وُجد في القرن الثالث عشر، وهو وباء خطير في العالم القديم أُطلق عليه طاعون (، الهدم، الزلازل الأرضية، الخراب، الفوضى، وأخيرًا الإفلاس. وفي الصين وضعوا لأفعى الكوبرا سبعة رؤوس. وهناك سبعة أفلاك، وسبعة ألوان، وسبعة أذواق، وسبع روائح، وسبع عجائب في الدنيا، وعند السومريين هناك الحكماء السبعة الذين جاؤوا قبل الطوفان... أما في الثقافة الإسلامية فوجوده مؤكد لا ريب فيه، فستقوم القيامة في اليوم السابع من الأسبوع أي يوم الجمعة. وأبواب النار سبعة. والطواف حول الكعبة سبع دورات. والسعي بين الصفا والمروة سبعة أشواط. ويأمر نبي الإسلام بالصلاة عند سن السابعة للأطفال. وآيات سورة الفاتحة سبع. وعدد الجمرات التي يُرمى بها الشيطان في الحج سبع... إلخ. وقد ورد الرقم 7 في القرآن على عدة أوجه، فقد ورد لفظ) سبع (18 مرة، وذكر) سبعًا (مرتين، وجاءت) سبعة (4 مرات.. إلخ. كما أن الحسنات التي وردت في الأحاديث النبوية تتألف من 70 حسنة. وقد توصل الرافدنيون -ولا سيما البابليين البارعين في دراسة الأفلاك- إلى معرفة سبعة أفلاك:

المشتري) الإله مردوخ(، والزهرة )الإلهة عشتار(، وزحل )الإله ننيناب(، وعطارد )الإله نابو(، والمريخ )الإله نرغال(، والشمس )الإله شمش(، والقمر )الإله سين(. وتمكنوا من معرفة ألوان قوس قزح، والتي تتألف من سبعة ألوان. لكن أكثر ما قاد إلى إبراز أهمية الرقم سبعة هو توصُل السومريين والآكديين إلى أن الكون يحتوي على سبعة كواكب. ذلك الاكتشاف الذي عاصر العالم القديم وساهم في صناعة الحيز الدائري هو الأصل في تقديرنا، والذي أدى بدوره إلى إبراز أهمية هذا الرقم، فقد قامت عليه كل المعادلات، إذ إن أيام الأسبوع بل الأشهر كانت تُقسّم على ضوء أيام الأسبوع.

ولم ينس الباحث دور ملحمة كلكامش في قياس الزمن استناداً ماورد في رموز اللغة الأكدية. فهذه الملحمة دلتنا على الزمن الذي تخيله السومريون ولاتزال البشرية تسير على بعض  مما جاء فيه كتقسيم زمني للسنة والشهر والأسبوع واليوم والساعة. ولا ننسى أن هذه الملحمة تمثل أقدم وأعظم محاولة في التاريخ الإنساني للبحث عن الحياة الأبدية على حد تعبير الباحث. وهناك ملاحم إغريقية تتحدث عن خلود الآلهة وموت البشر ولكن أيضاً في تلك الثقافة الإغريقية نجد الأبطال يبكون وينحبون عند فقدان إنسان عزيز على أنفسهم، بل الآلهة الإغريقية تبكي أيضًا أي أنها قادرة عن التعبير على مشاعرها.

1981 تخاريخ الخوف

كان الخوف من الموت في تلك الثقافة من الأهمية إلى درجة أن خصصت تلك الثقافة مكانًا له في مجلس الآلهة أطلقت عليه فوبوس Phobos، وما زالت تلك التسمية في معظم اللغات اللاتينية. بل لجأ علم النفس ومنذ فرويد إلى مصطلح يعبر عن الأمراض الوهمية أطلق عليه فوبيا. في اللغة الفرنسية أصبح Phobie ويُقصد به خوف مرضي وقلق شديد في مواجهة بعض المواقف والأفعال والحالات. وفي اللغة الإنكليزية يكتب هكذا Phobia. أما في العربية فيطلق عليه 'رُهاب'، والذي يعني خوفًا عميقًا مستمرًّا على غير أساس من واقع الخطر أو التهديد. ورُهاب الموت: خوف مرضي من الموت. كان كلكامش يخاف من الموت ويبحث عن الخلود والحياة الأبدية ووصول كلكامش إلى نهاية الحيز الأسطوري والذي يقيم فيه أتونبشتم مع زوجته. هذا المكان الأتونبشتي هو الذي ستحوله الديانات التوحيدية إلى الزمن الأبدي، والذي سيأتي بعد أن تنتهي الحياة فوق الأرض بأمر الله والذي يعني انتهاء الزمن الأرضي.

يقول المؤلف في عرضه لمفهوم " الزمن التوحيدي" أن هناك زمن رافديني هو عبارة عن سهم وأسماه الزمن السهمي، والذي ينطلق من نقطة ويتوقف عند نقطة وهو شبيه بزمن الثقافة اليهودية المسيحية. وهناك " زمن دائري" الذي أخذت به الهند والصين واليونان، حيث نجد إن الديانة الهندوسية والبوذية أيضاً تصور الزمن على شكل دائرة وقد اخذ بهذا المفهوم الصينيون والإغريق ايضاً. إن مفهوم الزمن في الثقافة المسيحية التي حكمت أوربا منذ أكثر من ألف عام، عبارة عن سهم أو قوة موجهة لكي تسير في اتجاه واحد. هناك بداية ونهاية. فالله خلق العالم وخلق الحياة ومن ثم خلق الإنسان، ومن لحظة خلق ذلك الإنسان أصبح حبيس جدران الزمن الذي أوجده ربه له. فهذا الإنسان التوحيدي وعلى ضوء ثقافة المكان وهي بجوهرها رافدينيّة، انتبه إلى حقيقة ومنذ نعومة أظفاره أن حياته مؤقتة وأنه سيذوق الموت في اللحظة التي يقرر فيها إلهه أن لحظة رحلته التي لا عودة منها قد حانت. بل هو على يقين أيضًا وبسبب تلك الأيديولوجيا، بأن مصير العالم الفناء لا محالة، لكنه سينتقل إلى عالم آخر هو العالم الأبدي مفهوم الجنة والنار (. هنا نجد أن مفهوم السهم المرتبط بالزمن التوحيدي وهو في جوهره ذو أُصول سومرية، سيتوقف عند النقطة التي يقررها الله، ومن ثم ينطلق السهم ولكن هذه المرة ستكون انطلاقته أبدية). إن اليهود وبفضل ما يطلق عليه بالسبي البابلي، أخذوا مفهوم الزمن من البابليين، ذلك أن الأُصول الأُولى لعقيدتهم كانت بسيطة وبدائية. وتمكنوا بعد تأثرهم بالزرادشتية والتي هي بنت الثقافة الرافدينية، من صناعة الأمل عبر موضوع الجنة والنار. مفهوم الزمن الثاني الذي سيأتي بعد الموت لم يبتكره العبريون، بل أخذوه من العراقيين القدماء ومن المصريين، ذلك أن الثقافة الدينية المصرية تؤمن بأن هناك حياة بعد الموت دون أن تتمكن من خلق مفهوم الجنة التي جاءت به الزرادشتية، حالها الديانات العراقية القديمة. إن مفهوم المحاكمة الربانية بعد الموت، لم تأخذ طريقها في اليهودية إلا في القرن الثاني قبل ولادة المسيح. وبعد الميلاد بدأ التقويم البشري المحدود للزمن الأرضي. لقد خاض المؤلف بإسهاب في مفهوم المحاكمة الربانية في " نهاية الزمان" الذي سيأتي بعد موت البشرية برمتها وحلول يوم القيامة والذي وجد طريقه في اليهودية في القرن الثاني قبل ميلاد المسيح. استناداً إلى ما ورد في سفر حزقيال وروايته الخرافية عن إحياء الموتى وبث الحياة في العظام وهي رميم. وكذلك ما ورد في سفر إشعياء وهي إشارات سبق للباحث فالح مهدي أن ذكرها في كتابه السابق " البحث عن جذور الإله الواحد: نقد الأيديولوجية الدينية". إن الحياة في الديانات التوحيدية عبارة عن رحلة تعبُّد، تبدأ بنقطة وتنتهي بنقطة. ومع أن الهندوسية والبوذية تختلفان من حيث البنيوية المقدسة، لكن الحياة تبدأ عندهما بنقطة تتطلب تعبُّدًا يصل إلى حد ترك كل ما هو مُغْرٍ وممتع ولذيذ وعبر تمارين اليوغا للوصول إلى مرحلة النيرفانا أي أن يصبح المؤمن جزءًا من نور الكون. ولو عدنا إلى كتاب القديس أوغسطين) مدينة الله de Dieula Cité (، فسنجد أن الزمن عنده يعني التجربة. لذا فإن نهاية الزمن التوحيدي يعني في الحقيقة نقطة العبور من زمن مؤقت إلى زمن دائم، من الموت إلى الأبدية. الزمن المؤقت وهو الزمن الأرضي سيتم تعويضه بالزمن الدائم عبر مفهوم الأمل.

قام الكاتب بسياحة فكرية راقية فيما سماه" الزمن الهندوسي" وهو من نوع " الزمن الدائري" ويقدم على شكل عجلة ويمثل حركة مطلقة غير قابلة لأية تسوية، وهي حركة دورية تعاقبية. وكان الدخول في " الزمن الكالي" قد حدث حوالي 3200 سنة قبل ولاد المسيح في اليوم الذي شهد ولادة كرشنا الذي هو الاستنساخ الثامن للإله فيشنو والذي قال عن نفسه " أنا الزمن الذي شاخ". ولكن هل هناك مدة لهذا الزمن أم إنه زمن الديمومة؟ والملحمة الهندية العظيمة المهابهاراتا تقدم لنا معلومات مذهلة عن معضلة الزمن الهندوسي وتحدثت عن موضوع أصل الكون بأشكال عديدة عبر الأساطير المتعددة. وإحداها تقول أن الموسيقى كانت بداية الظهور على شكل اهتزازات منتظمة وعلى شكل موجات عبر أزمان سحيقة تقلت إجابات في تلك الأكوان المتعددة التي تحدثت عنها فيما بعد نظرية فيزيائية شهيرة هي نظرية الأوتار الفائقة. لقد لاحظ الفيزيائيون أن هناك عشرة أبعاد أو أحدَ عشرَ بعدًا للمكان، في حين ليس هناك إلا بعد واحد للزمان. الكل يشيخ، الكل يفنى عدا ما يطلق عليه في علم الفيزياء "الجسيمات الأولية".أنْ نخضع لقانون الزمن، يعني أن هناك تحولً وتطورًا. وكل ما يمسه الزمن ينتقل بمرور ذلك الزمن إلى الفناء. بيد أننا لاحظنا أن تلك الجسيمات لا تتطور ولا تتحول، ذلك أننا لم نعثر على إلكترون أو نيترون قد شاخ وحصل عليه تحول لا رجعةَ منه! لا يمكننا الكشف عن الجسيمات الأولية، إنما وعند المراقبة على آثاراها، نجد أن الزمن لا يمنح

الجسيمات الأولية، ولا يقوم بخلقها. وعندما تبدأ تلك الجسيمات بالتشكل على شكل أتون ويتحول الأتون إلى مثاقيل ذرية. يحمل الزمن هذه الأشكال، أي أنه لا يصنعها بل يقوم بحملها. ولأن الكائنات الحية خاضعة لقانون الزمن والمادة الأساسية التي شكّلت هذه الأشكال فلا تتبدل! لقد اعتقد أينشتاين أنّ الزمن مجرد وهم. في حين يذهب بريكوجين) عالم بلجيكي من أصل روسي (بالقول التالي «بالنسبة لنا نحن جمهور الفيزيائيين ومن هم على شاكلتي، نجد أن التفريق بين الماضي والحاضر والمستقبل، ليس إلا وهماً ف بالنسبة لهذا العالم المرموق، لا وجود لسهم الزمن. فهو من ضمن المؤمنين بأن الزمن موجودٌ قبل بداية الكون المرئي. الزمن الإلهي هو الزمن المقدس المطلق وهو بطبيعته متعالي ومتسامي وما عدداه نسبي، بمعنى أن الزمن الإنساني نسبي محدود. من هنا نشأت الخشية والخوف من نهاية العالم البشري، فالكائنات البشرية هي الوحيدة على الأرض التي تعي أنها ستموت وينتهي زمنها النسبي الأرضي. في البدء خلق الله الأرض، هذه العبارة التي تتضمن بدءًا، نجد أن لها ما يماثلها في الثقافة السومرية- الأكدية، بل إن الفكر المعاصر يحتاج هو الآخر إلى بداية. ففي البحوث الفيزيائية المعاصرة، يُعتقد أن هناك بداية تمتد إلى قرابة أربعة عشر مليار سنة لهذا الكون! إن تلك المعادلة لا تمثل يقينًا فهناك من يتساءل وماذا كان قبل الانفجار العظيم؟ ذلك السؤال الذي طرحه النص العبري) في البدء (يثير تساؤلً مهمًّ: ماذا كان يفعل الله قبل فعل الخلق ذاك؟  وعندما طرح هذا السؤال على القديس أوغسطين أجاب" كان يعد الجحيم لمن يطرحون هذا السؤال من أمثلكم". وحتى بالنسبة للمكان فالله في النصوص الدينية يسكن في السماوات ولكن أين كان موجوداً قبل خلق تلك السماوات؟ ولا توجد علاقة بين المكان والزمان الديني والزمكان الفيزيائي العلمي. لذلك كرّس الباحث فقرة مهم لمناقشة مفهوم الزمن بين الفلسفة والعلم واستشهد بأرسطو:" يذهب المفهوم الزمني والمعرفي إلى أن الزمن حركة مستقيمة تتطور على نحو يقيني. أرسطو وفي كتابه الطبيعة نجده يقول: «يقاس الزمن بالحركة، كما أن الحركة تقاس بالزمن... هنا إذنْ يمكننا قياس موضوعين من طبيعة واحدة، ذلك أن الانتقال عبر الدائرة المنتظمة سيؤدى إلى أن يكون ذلك القياس رفيع المستوى. لهذا السبب نعتقد أن الزمن هو حركة الأجرام السماوية. واعتمادًا عليه تصبح كل عمليات القياس المتعلقة بالحركة تقاس بالزمن... نحن نعتقد أن الزمن هو نفسه عبارة عن دائرة. يكون الزمن كنظام لكل الأحداث لا يتضمن حقيقة الزمن كحركة تحصل بفعل الأحداث. لكن تمييز الزمن يتم دومًا عبر المعادلات التالية: ماضٍ- حاضر- مستقبل، بمعنى آخر عبر مفهوم الخط المستقيم، ذاك الذي يحدد طبيعته. وقبل هيجل نجد الفيلسوف إيمانويل كانت الذي يعتقد هو الآخر وقبل هيجل أن الزمن في تطور مستمر من حركة إلى أخرى. ولكن هل الزمن كينونة فيزيائية موجودة على نحو مستقل عن الطبيعة أم هو خصيصة من خصائص الوعي الإنساني ولا وجود له في الطبيعة التي تخضع إلى قوانين أزلية؟ يذهب فينمان إلى أن «كل قوانين الطبيعة التي توصلنا إليها لحد هذه اللحظة، تقودنا إلى حقيقة مفادها أنه ليس هناك ما يميز الزمن الماضي عن الزمن المستقبلي. ومع كل الدراسات وفي شتى المجالات بقي الزمن أمرًا تجريديًا وخاليًا من أي معنى وغير واقعي. العلم ومنذ أكثر من قرن، توصل إلى مفهوم النسبية الذي قاد إلى مفهوم المكان– الزمان. أو الزمكان الأينشتايني، فالزمن في الأخير مرتبط بنا، متنوع كل التنوع كسلسلة من الأحداث.

الفصل الثاني من الكتاب كرسه الباحث لموضوع الذاكرة والزمن.  حيث للذاكرة دور في صناعة الأوهام كما قال المؤلف في كتابه السابق البحث عن جذور الإله الواحد كما أن لها دوراً جوهرياً في صناعة الخوف المحور الأساس للبحث في هذا الكتاب. في كتابه الذي صدر في عام 1949 بعنوان) الإنسان والموت (كان آدغار موران من المبادرين لطرح هذا الموضوع الذي لم يُثر اهتمام الكثير عند صدوره ولم يتمكن الناشر على حد تعبير موران نفسه من تسويقه إلا نسخًا محدودة منه. لكن ذلك الأمر لم يحبط همته، فقام بإعادة تحريره وصياغته على نحو يدل على أن ذلك الباحث المتميز قادر على إعادة النظر بما كتب وإغناء أفكاره. النسخة التي نتناولها هنا هي تلك التي نشرت في عام 1970. انتبه موران حتى في الطبعة الأولى التي صدرت في نهاية الأربعينيات إلى حقيقة رفض الإنسان للموت، لكنه لم يتوقف عن معالجة ذلك الموضوع وتلك العلاقة. فمنذ الفترة التي نطلق عليها ما قبل التاريخ بدأ عصر تاريخ جديد للإنسان. قال جيمس فرايزر في كتابه " أعتقد أو أصدق بالخلود" أن من المستحيل أن نتصور معتقدًا وفي كل أنحاء العالم دون أن يجد الخلود والاستمرارية مرتعًا في ثناياه ذلك أنه يعتبر ذلك التفكير ينطوي على استمرارية الحياة لزمن غير محدد لكنه ليس بالضرورة خالدًا. لذا قام الكاتب بمناقشة معنى الخلود عن الإنسان خاصة إنسان ما قبل التاريخ. وفي فقرة الذاكرة والمعرفة تقوم الأولى بمهمة تغذية وعي الإنسان بمفهوم الموت وبمؤقتية وجوده، لكن هذه المعرفة تمنحه الأمل بحياة أفضل في العالم الآخر. المعرفة هنا تستند على التاريخ المؤدلج، حتى أننا نجد صعوبة في التفريق بين التاريخ والذاكرة. التاريخ وسيلة فاعلة للحد من فداحة الموت. الماضي زمن مات، بيد أن الذاكرة تجعله حيًّا يرزق بل قد يقود سلوك الأفراد والجماعات في صناعة حاضرهم.

الفصل الثالث موضوعه هو أساس هذا البحث ألا وهو الخوف الأعظم الموت أولاً. الخوف يتغير بتغير العصور والأزمنة. الإنسان القديم كان يخاف من الظلام، من الأمراض التي كان يعتبرها علامة على عدم رضا الآلهة عليه، يتطيّر ويخاف إذا رأى في أحلامه خنازير محيطة ببيته، بل يخاف من أن تطبق السماء على رأسه في يوم ما، دون أن ننسى الخوف الأعظم المتمثل بالموت. في الزمن المعاصر هناك خوف من موت عزيز على النفس، أو الخوف الآني أي ذاك الذي لن يطول كثيرًا فقد تمكن هتشكوك وعبر فيلمه Psychos من خلق حالة من الخوف عند عدد من النساء في الغرب، ذلك أن مشهد جانيت لي وهي تُقتل على ذلك النحو الشنيع المتمثل برفع ستارة الحمام وطعنها عدة طعنات أدَّى بعدد من النساء بعد عرض ذلك الفيلم في عام 1960 إلى الخوف من الاستحمام في حمام يحتوي على ستارة. إن أفلام الرعب قامت على هذه القاعدة التي برع بها هتشكوك. لكن ذلك الخوف زال بمرور الزمن، فهو ذات طبيعة مؤقتة.

هناك أنواع أُخرى كالخوف من فقدان العمل، من فقدان الذاكرة، من شيخوخة براتب لا يسد رمق العيش الكريم... يبقى الموت قديمًا وحديثًا من أعظم المخاوف، بل الخوف الأكبر. حديثًا وهنا أقصد في العالم الغربي قد تمَّ تجاهله، في حين ما زال فاعلً في المجتمعات الدائرية. شكّل الموت الهاجس الميتافيزيقي الأول للإنسانية. فمنذ الصغر، أدركنا أننا زائلون. وكم أقلقتنا معرفة أن موتنا مبرمج وأننا كغيرنا من قبلنا مغادرون في تلك الرحلة التي لا عودة منها. وعلى خلاف بقية الحيوانات، لا يأتينا الموت فقط من الخارج، فنحن نتأمل فيه ونترقبه في بعض الأحيان بل نتهيأ له، وعندما تحين ساعة حضوره، نكون غالبًا قادرين على استقباله. كما أننا لا نرمي موتانا في سلة المهملات، فاخترعنا القبور، والمسلات والأهرام، بل ابتكرنا

الحرق ليس للتخلص ممن مات بأي ثمن بل لتكريمه. وفي الأخير يخلص الباحث إلى أن كل النظام الميتافيزيقي والديني، قائمٌ في جوهره للإجابة عن هذا السؤال: لماذا نموت؟ إضافة إلى أن شروط الحياة في الأزمنة القديمة تسمح بطرح هذا الصنف من الأسئلة إذا أدركنا أن معدل متوسط الأعمار لا تتجاوز - 30 40 سنة وأن طفلً من ثلاثة معرض للموت في لحظة الولادة، ويضيف أن معظم الأمراض كانت بدون علاج، وفي غياب الدولة والشرطة وقوات الأمن، قد يموت الإنسان موتًا عنيفًا. تعرضت البنية الفكرية المتعلقة بالموت إلى الانهيار مع التقدم الحضاري في الغرب. فالعقائد الدينية خرجت من عباءة الأيديولوجيات المظلمة، وأصبحت بعيدة عن التبشير باليوم الآخر بل تدعو في غالبيتها إلى أن يعيش الإنسان بسلام وشرف مع نفسه وأقرانه. وعن الفيلسوف الإغريقي أبيقور ينقل المؤلف هذه المقولة: "والآن، رّوض نفسك على التفكير بأن الموت لا يعني شيئًا لنا؛ لأنه ليس من خير وشر إلا في الأحاسيس والموت غائب عن الأحاسيس. وفي النتيجة، إذا اعتبرنا أن الموت لا يعني شيئًا لنا سيسمح لنا ذلك بالاستمتاع بهذه الحياة الزائلة، عندها سنتوقف عن الجدل وبلا نهاية، وسننتهي مع الأسف المرافق لنا كوننا غير خالدين...عندما سألت صديقي الباحث فالح مهدي ماهو الرابط بين الزمن والخوف أجابني إنه الموت فالموت هو تجسيد للخوف واستشهد بقول للفليلسوف إيمانويل ليفيناس الأستاذ في جامعة السوربون، من محاضرتين تشبهان التأمل حول بضع كلمات: الله، الموت، الزمن. في الافتتاح والموت والزمن. حيث، ولأول مرة، تم شرح هذين المفهومين اللذين يسريان في كامل عمل الفيلسوف بالتفصيل. في الوقت نفسه، يعود ليفيناس إلى بحثه حول كلمة الله، قالبًا مصطلحات التشخيص الهايدغري: عندما تخلط الفلسفة، من أصلها، بين الله والوجود أو الكينونة، لم يكن الأمر الثاني هو الذي يُنسى، بل هو الأول الذي تم حجبه. ثم تنزل مهمة الفكر إلى تحرير الله من سطوة الميتافيزيقيا. وأخيرا، أضفى هذا ضوءًا جديدًا ومن زاوية جديدة على ثلاثة من الموضوعات الرئيسية لتفكير إيمانويل ليفيناس. التي تعود أيضًا، من خلال كلمات عابرة، إلى مفاهيم أساسية أخرى للعمل - المسؤولية، الآخرين، الصبر، القول، التعالي، الشهادة ... الزمن ليس تقييداً للوجود بل توضيح لعلاقته باللانهاية. لذا يغدو الموت ليس فناءً ولكنه سؤال ضروري لهذه العلاقة مع اللانهاية أو وقت حدوثها. الخوف من الموت هو الخوف من ترك الأثر غير مكتملاً، وبالتالي الخوف من ألا يكون موجوداً هناك فشل في كل الحياة، وحزن هذا الفشل هو طريقته في النشوء في الكينونة الناقصة أو غير المكتملة. العلاقة بالموت، والطريقة التي يضرب بها الموت حياتنا، لها تأثيرها على طول الفترة التي نعيشها، أو اندلاعها في الوقت المناسب - أو اندلاعها خارج الزمن - الشعور بالخوف أو الكرب، هل لا يزال من الممكن استيعابه بالمعرفة وبالتالي بالخبرة والوحي؟ وبهذا الصدد يتحول الباحث للغوص في مفهوم ومعنى ثقافة الموت في الإسلام وخرافة عذا القبر. إذ يعتبر القبر في الإسلام أول منازل الآخرة، وهو إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من النار. وطقوس الدفن في الإسلام بسيطة، وتشبه في بعض وجوهها العادات البدوية، إذ يشترط الإسلام السني ولا سيما الحنبلي ألا يظهر من القبر إلا مقدار شبر واحد. إن القبر في الإسلام ليس إلا بداية الرحلة التي ستقود مَن مات إلى الخلود في جنات النعيم إذا كان مؤمنًا صالحًا. حيث يجد المؤمن الذي أدخله ربَّهُ في جناته أن نشاطه الأساسي هو النكاح. ففي تلك الجنة يتمتع كل واحد بأكثر من سبعين من الحور العين، وله أن يتذوق النبيذ الذي حرمه ربه عليه في دنياه طوال حياته. ليس في الجنة ليل، ولا برد ولا قيظ. هناك فصل واحد هو فصل الربيع. فُرض على المسلمين دفن موتاهم في قبور بسيطة وبدائية، الغرض منها أن تزول بمرور الزمن. ففي الحديث وردت عبارة) تسوية القبر (واضحة لا لبس فيها. أمام هذه العبارة نحن هنا أمام الثقافة البدوية بكل تجلياتها. يُراد بعبارة تسوية القبر إزالته واختفاؤه بمرور الزمن. وانتقال الروح إلى، إما الجنة والنعيم حيث الربيع الدائم والحياة الأبدية، أو إلى الجحيم أو جهنم. ف صاغت ذلك مخيلة مريضة. إنها المكان الذي سيرقد فيه المذنبون إلى الأبد، كما أنه المكان الذي سيقيم فيه من أُصيب بالجذام أو بما يطلق عليه طاعون في أدبيات العالم القديم.

إن جهنم التي تكتب في اللغة العبرية على هذا النحو Guehinnom ، هي جهنم الذي أخذ بها الإسلام.

ولدت جهنوم من قبل الرب قبل ولادة العالم حسب العلم الكهنوتي العبري. فقد خلقها الله في اليوم الثاني من أيام الخلق. إنها أكبر حجمً من العالم الذي يحيا في الإنسان، ووادي حنون أحد أبوابها، لكنما هناك باب آخر موجود في الصحراء وثالث في البحر. ويستفيض الباحث في عرض مفهوم الموت عند الإيرانيين القدماء في الثقافة الفارسية القديمة وفي الدينة الزرادشتية والمزدكية والمانوية. ويعرج إلى عرض مفهوم الموت في ثقافة وادي الرافدين في الحضارات السومرية والأكدية والبابلية والآشورية. كان لأبناء الرافدين) وهنا أقصد السومريين والآكديين (ومنذ البداية، نظرة ثنائية لفهم الكون) ليلنهار، ظلام نور... إلخ (وهم ليسوا وحيدين في ذلك؛ فكل العالم القديم قائم فطريًّا على تلك الثنائية. لقد اعتقدوا أن الكون عبارة عن كرة مجوّفة تتألف من قبتين، الواحدة مضادة للأُخرى، العليا تمثل السماء) آن في السومرية (وفي الأسفل عبّ عن الكرة الأرضية بالقبة التحتية. أما الحيز المواجه للسماء فيمكن أن نطلق عليه الجحيم على حد تعبير عالم الأشوريات الفرنسي جون بوتيرو. إن طبيعة الحيز السماوي المتخيل جرى تصويره كما هو الأمر مع عالم الموتى أي تحت الأرض، فهو مسكون بعالم الآلهة.

ليس بين العالمين من اختلاف في وظائف الآلهة. فالكائنات البشرية التي تعيش فوق الأرض تجد أنفسها تحت رحمة آلهة السماء، وبعد الموت تنتقل مهمة مراقبة ومحاسبة الكائنات البشرية الى آلهة السفلي. من الملاحظ أن الثقافة الدينية لبلاد وادي الرافدين تطلق على العالم العلوي والسفلي عبارة) مملكة (. هذه العبارة ستجد طريقها إلى كل ثقافات الديانات التوحيدية. ذلك العالم السفلي أي الجحيم الذي لا عودة منه على حد تعبير أبناء تلك الحضارة حُكم من قبل الرب نيركال Nergal وزوجته إيرشكيكال Ereškigal . كلا الإلهين ينظم أمر الكوارث، الحروب، الأمراض المعدية وكل أشكال الموت التي تتم بشكل جماعي. إن الكائن الذي يذوق الموت يعود فورًا إلى تراب، بل حتى طعامه يصبح تراباً وما خبزه إلا طين. مع أن أبناء تلك الحضارة على علم بأن كل شيء يتحول إلى تراب عدا العظام وتُكتب باللغة الآكدية على نحو قريب من اللغة العربية عظمتو esmatu . وعندَ عودتنا إلى موضوع خلق الإنسان الذي ورد في) عندما في الأعالي(، نجد الرب الخالق مردوخ قام بتخثير وضغط دم الإله كنكو Kingou والذي سيؤدي إلى خلق عظام تتمكن في النهاية من أن تقف لوحدها، حيث نجده يقول: "أُريد أن أخُثِّر دمًا حتى تصبح مجموعة عظام ستؤدي إلى خلق الكائن البشري سيكون اسمه: إنسان". الذي يسيطر عليه الخوف من الأشباح وعودة الموتى بعد موتهم إلى عالم الأحياء وهو التفكير الذي انتشر في ثقافة القرون الوسطى الدينية لا سيما في أوروبا. وكذلك عرض الكاتب مفهوم الموت عند المصريين القدماء واعتقادهم بوجود حياة بعد الموت. وإن الحياة بعد الموت أهم من الحياة التي يحيونها في الواقع الحياتي الآني لأنه ليست زائلة بل خالدة ومثالية. ملوك الحضارات الرافدينية يخشون الموت ويبحثون عن الخلود على الأرض كما جاء في ملحمة كلكامش بينما يبحث ملوك المصرين القدماء والفراعنة عن الخلود في حياة مابعد الموت. حددت كلتا العقليتين نمط السلوك والحياة لكلتا الحضارتين في هذه المنطقة من العالم. المصريون انطووا على ذواتهم عبر بناء تلك الأهرمات– القبور، في حين قام العراقيون القدماء بالبحث عن المجهول أي الخلود كما تمثل ذلك في ملحمة كلكامش.

أهم نتيجة من نتائج رحلة كلكامش هو تكوين فكرة عن الزمن السهمي أي ذاك الذي ينطلق من نقطة لكي يقف في نهاية المطاف عند نقطة أخرى. هذا الزمن كما ذكر الباحث سابقًا، هو عينه الزمن التوحيدي. ويسترسل الكاتب في عرض مفهوم الموت وطقوس الدفن عند اليهود المتأثرين بالحضارات الرافدينية القديمة والحضارة الفرعونية. ولم ينس التطرق إلى موضوع الموت في الديانة الهندوسية وحرق جثث الموتى بدلاً من دفنهم وفق طقوس متميزة منتشرة في شبه القارة الهندية حيث يُكّرم الميت بإحراق جثمانه، وذلك في احتفال كبير يوضع فيه الجثمان على عربة تغطيها الزهور وتجرها الخيول إلى المكان المخصص للحرق، حيث تغطى بالأغصان الجافة لتسهيل الاشتعال، ويغسل الميت بماء الورد ويُحاط بأطواق الورد.

وبعد انتهاء عملية الحرق يجمع الرماد المتبقي في إناء، ينثره أهله فوق مياه نهر الغانج، لما له من قدسية لديهم، حيث يعتبرونه الفيض الإلهي الذي يطهر الأرواح، لإعادة الخلق من جديد عن طريق تناسخ الأرواح.

إن الطقوس المتعلقة بتذكر مَن مات يطلق عليها پيجا Puja، تتم من قبل كاهن هندي البراهمان (يُرافقه أهل الميت ومحبوه، يقوم هذا الكاهن بتلاوة المانترا mantra وهو عبارة عن صيغة من الأدعية تُلقى باللغة السنسكريتية، قبل مراسيم طلب البركة والغفران للميت أثناء عملية حرق الجثمان. إنَّ طقوس الموت في الهند تتطلب وضع الميت على حمالة، وأن يكون جثمانه موشًّ بقماش ذي لون أبيض، تُغطِّيه الزهور والأوراد) يُفضَّل القرنفل (. ويحمله أربعة اشخاص على حمَّلة ثم يضعونه في المكان المعد للحرق، ويقوم شخص بنثر الماء خلال تلك الرحلة التي تمثل نقل الميت إلى مكان الحرق. يرافق عملية الحرق في بعض الأحيان موسيقى وغناء ورقص. كما أن ابن المتوفى البكر يرتدي ملابس بيضاء بهذه المناسبة وهو مَن يقوم بإشعال النيران بجسد أبيه. ويحدد دورة التجسيد.

الهندوسية تعتبر الموت مرحلة أو عبورًا من حالة إلى أُخرى. إنه يمثل رحلة الروح إلى عالم آخر. لا يعتبر الموت في هذا الديانة كحالة مأساوية، بل إنها تحرر مَن مات مما هو فيه وتسمح له بالانتقال إلى حالة أُخرى أفضل من حالته التي كان فيها.

يحمل الفصل الرابع عنواناً مثيراً:" الخوف الأكبر، الجحيم ثانياً". عند جميع الشعوب المعتنقة للديانات السماوية خوف وجزع من الموت واستسلام له، وخوف وهلع مما بعد الموت المتمثل بيوم الحساب والآخرة والعقاب والثواب والجنة والنار. يبدأ الزمن الأخروي عندما ينتهي الزمن الدنيوي ويكون الموت حدًّا فاصلً لكن الموتى ما زالوا في زمن الانتظار الذي امتد منذ آلاف السنين ولم يزل. إن الزمن الأُخروي هو الزمن الدائم الذي يخرج فيه الموتى من التاريخ الإنساني. ولكي نفهم تلك الثقافة التي لعبت دورًا في قيام الأديان وأدت إلى شل قدرات الناس بسبب ذلك الخوف الذي سيأتي في عالم الجحيم، سنلجأ إلى ثقافتين، أخذ المخيال الأخروي فيهما مدى من الصعب أن تجد له مثيلً، وأقصد المسيحية والإسلام. ولقد استغلت المؤسسات الدينية هذا الخوف المزمن عن الناس لتنشئ صناعة الخوف من العالم الآخر، لاسيما في السيحية والإسلام وانتشار خرافة صكوك الغفران والشفاعة. لا يخاف الناس من الموت بقدر خوفهم من يوم الحساب والعذاب الأبدي الذي سيتعرض له مَن لم يلتزم بطريق الرب فيُرمى في تلك النار الأبدية. الخوف من ذاك الذي لا يراه، لكنه على يقين بوجوده وسيكون في انتظاره. إنه على يقين من استمرارية الحياة بعد الموت. المؤمن في عالم القرون الوسطى على يقين بوجود الجنة والنار، ووجود العقاب والثواب. في الحياة اليومية كان ذلك الإنسان مكبلً بمفهوم الخطيئة. والذي يعني أنه معرَّض للعقاب في كل لحظة من حياته البائسة تلك. الأيديولوجية الدينية لذلك الزمان أوجدت الحل وهو بسيط، يتمثل في الذهاب للكنيسة يوميًّا من أجل الصلاة ومن أجل الاعتراف بذنوبه وإظهار فروض الطاعة. وفي كل الديانات التوحيدية التي قام عليها مفهوم الخوف، نجد أن الله سينتقم من أُولئك الذين لم يطيعوه ولم يسيروا في الطريق الذي رسمه لهم.

في الإسلام ورد هذا القول الشهير: "الله يمهل ولا يهمل"، وهذا يعني أن الله سيتسامح مع مَن تاب وسار على درب الرب، لكنه لن يهمل ذلك أبدًا بمعنى أنه لن ينسى أن ينتقم ممن خرج عن دروبه. الله وعد والله خير الواعدين ولا يمكن أن ينكث بوعده كما تذهب إلى ذلك الأيديولوجية الإسلامية، فهذه سنته وقانونه. إن القرون الوسطى شكلت حيزًا مأزومًا ومريضًا قائمًا على اتهام الآخرين بالإلحاد، والكفر والخروج على تعاليم المسيح حيث كان ينزع إلى زرع إيمان واحد هو الإيمان الحقيقي، وكل ما أتى به الآخرون باطل كما هو الأمر مع الإسلام على سبيل المثال. ولقد عرضت هذه العقيدة في الكثير من الأعمال الفنية والرسومات واللوحات والتماثيل المنحوتة التي تؤثث الكنائس وتعبر على نحو فذ عن العذاب الذي سينتظره الإنسان المسكين فالجحيم حاضر في كل زاوية في تلك الكنائس وشكل أساساً للخوف عند سكان القرون الوسطى. كان يقود ذلك العالم مجموعة من الدجالين والمشعوذين، ممن يبيعون تعاويذ للعبد المرعوب. كذلك وجدت سوق التطهير، حيث يبيع كبار المشعوذين والدجالين وصفات من أجل إخراج من مات توًّا من الجحيم وتوجيه مسيرته نحو الجنة. مقابل ذلك كان هؤلاء الدجالون يستولون

على ثروة مَن مات. لقد انتعشت تلك التجارة في القرن الثاني عشر))). كان يقود ذلك العالم مجموعة من الدجالين والمشعودين، ممن يبيعون تعاويذ للعبد المرعوب. كذلك وجدت سوق التطهير، حيث يبيع كبار المشعوذين والدجالين وصفات من أجل إخراج من مات توًّا من الجحيم وتوجيه مسيرته نحو الجنة ويبيعون صكوك الغفران للأحياء ممن يعتقد أنهم من مرتكبي الخطيئة وتعريضهم لأبشع عملية ترهيب من عذاب الآخرة. مقابل ذلك كان هؤلاء الدجالون يستولون على ثروة مَن مات. لقد انتعشت تلك التجارة في القرن الثاني عشر. من هنا نشأت ثقافة البحث عن المنقذ وانتظاره لدى كافة الشعوب وكل الديانات. لا سيما بعد انتشار الكوارث الطبيعية والجائحات والأوبئة وموت الآلاف من الناس في غضون أيام معدودة. كانت كل تلك التجارب والأحداث الرهيبة التربة الصالحة للتفكير بعودة الدجال ونهاية العالم، حتى أن القديس أوغسطين سيخصص كل كتابه مدينة الله La Cité de Dieu ليقول إن حضور الدجال سيسبق حضور المسيح، مستندًا في ذلك إلى عدد من النصوص المقدسة. في كل ذلك الزمن الذي مثلته القرون الوسطى كان التفكير بنهاية العالم وعودة المسيح حاضرًا في الوعي العام، بل إن الكنيسة كانت تشير إلى نهاية التاريخ ونهاية العالم في الصلوات التي كان يلقيها كهنة تلك الكنائس. هناك نصوص إسبانية ما بين القرن العاشر والقرن الثالث عشر تشير وعلى نحو متواتر إلى مفاهيم القيامة والانبعاث. في كتابه الشهير ذاك والذي أتينا على ذكره في كتابه مدينة الله، يتساءل القديس أوغسطين فيما إذا كان الزمن الذي تنفصل فيه الأرواح عن الأجساد يتطابق مع زمن الموت أو يعبر عن حالة ستحصل مستقبلً؟ ففي تقديره أن الموت كالزمن عبارة عن تعبير عن مرحلة مضت وهي موجودة في الزمن الراهن، بيد أنْ لا مستقبل لها أو أن مستقبلها سيتم في عالم آخر.. إنّ الانتقال من الحياة إلى الموت في تقديره ليس بلعنةٍ، بل يجب استقباله بحبور. في جهنم الإسلامية، بل القرآنية على وجه التحديد، نجد تلك اللغة الصارمة، الشديدة في عنفها، العظيمة المبالغة، المأزومة، نجد ما وجدناه في الثقافة الجهنمية لأوربا القرون الوسطى. وإذا اكتفينا بهاتين الآيتين من سورة النساء: }إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّما نضَجَتْ جُلوُدهُمْ بدَّلنْاَهُمْ جُلوُداً غيَرهَا ليِذَوقوُا العْذَابَ إنِّ اللهَّ كاَنَ عَزِيزًا حَكِيمًاً وَالذَّينَ آمَنوُا وَعَمِلُوا الصَّالحِاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تجَرِي مِنْ تحَتِهَا الأنَهْارُ خَالدِينَ فِيهَا أبَدَا لَهُمْ فِيهَا أزَوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً57 - 56 (، فسنجد ودون أية صعوبة تلك اللغة التي تعبر عن مخيلة مأزومة. وإذا أردنا أن نقرأ تلك الآية، فسنجد أن النص يؤكد ويجزم على نحو لا لبس فيه أن جلود مَن دخل تلك النار ستبدل في كل مرة تنضج فيها تلك الجلود. ولو أجرينا المعادلة التالية على ضوء الحقيقة المتاتية من أن جلد الإنسان من أرق جلود الكائنات الحية، لذا وخلال أقل من لحظة سينضج جلد ذلك الإنسان! وفي عملية حسابية بسيطة من تحويل الثواني إلى دقائق والدقائق إلى ساعات، سنجد أن جلد ذلك الإنسان سيتبدل إلى ما يعادل مليار مرة في السنة، فما بالك إذا تيقنت أن تلك العقوبة أبدية ولن تنتهي في يوم ما؟ ولو عدنا إلى الآية التي أعقبت آية} كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُوْدُهُمْ"، فسنجد أنه وضع الجنة مقابل النار، ولكن المخيلة هنا مضمرة وشديدة الاختصار، فمن آمن وعمل الصالحات سيدخله ربه جنة تجري من تحتها الأنهار! إن الجنة في الكتابات التوحيدية المقدسة مكافأة للمؤمن الذي عمل صالحًا، والنار أيضًا عقابٌ للجاحد الكافر، ذاك الذي خرج عن طريق الرب. ففي سورة الزلزلة نجد التالي:} فمَنَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَّراً يَرَه{) 8- 7(.هنا نجد أن النص يضع معيارًا لتلك المكافأة فمَن كثرت ذرات فعله الحَسَن فسيدخل الجنة، ومَن كثرت ذرات سوء فعله فسيدخل النار إلى أبد الآبدين. إن العذيب بمعناه الصريح وليس المجازي وارد في كل الديانات التوحيدية. ف لقد ابتكرت الكتابات المقدسة عبر تلك المخيلة المريضة، أساليب لم يتمكن أكبر طغاة العالم وعبر تاريخه الطويل من الوصول إليها. فلكل خطيئة صنف معين من التعذيب في الكتابات المسيحية في القرون الوسطى) سيعود الباحث للحديث عن الموضوع في الإسلام لاحقًا وبالتفصيل. وهنا نجد أن ذلك الحيز يتشظى على ضوء العذابات. كما أننا نجد براعة تلك المخيلة وبنيويتها ذات البناء المعقد، فلكل ذنب عقوبة في الحيز الجهنمي، فالخونة يتعرضون للبرد والحر، والأشرار لسوء الأحوال الجوية. هنا نجد أن الجبال والسهول والأنهار والبحيرات الموجودة في هذا الحيز تلعب دورًا مهمًّ في تنفيذ العقوبات. ولأن الحيز الأوربي بما فيه من غابات وجبال وأنهار وبحيرات فقد سمح لتلك المخيلة من إعادة توظيفها في عمليات التعذيب الأبدية. في الحيز الإسلامي الذي وُلد في أرض قاحلة وبثقافة تغلب عليها البداوة، ليس هناك أنهار وجبال وبحيرات تساهم في عمليات التعذيب الأبدي. لهذا نجد أن النار والجنة هما إعادة إنتاج أيديولوجية مستمدة من المكان الأرضي. كانت الأدوات المستخدمة في التعذيب في القرن الثاني عشر، ذات طبيعة حادة ومدببة، وذلك بسبب الثورة التكنولوجية التي حصلت في ذلك القرن))2). كما أنّ مهمة تلك الوسائل الجهنمية التي لا تُعَدُّ ولا تُحصى، هي صناعة الخوف. تؤدي وسائل التعذيب الجهنمية تلك إلى ثلمِ وتمزيقِ مَن تمسه. إن جلد الإنسان المُعذَّب رمز الجسد والكينونة، وهو ومن الناحية الرمزية، يعبر عن ظهور) الأنا (على نحو متميز. الندوب والجروح العميقة التي يتركها التعذيب، والتقطيع الذي يصيب البشرة ويقوم وعبر ذلك المتخيل بإيجاد وسائل اتصال ما بين خارج وداخل ذلك الكائن المجهنم) أي الذي دخل جهنم (. في القرون الوسطى لعب التشويه الجسدي أهم الأدوار أمام الحساسية الإنسانية، والذي يراد منه في النتيجة صناعة الخوف. من المجدي فعلً، تفسير المخيال الجهنمي من ضمن علاقة التجاوز والاحتواء، فهو -وفي نفس الوقت- مغلق ومفتوح. فذلك أن المكلف من قبل الرب بإدارة شؤون الجحيم سيكون الشيطان نفسه. إنه ذلك الذي ترتكز السلطات بين يديه ويكون على نحو ما ملكًا، حتى أُطلق عليه في ثقافة القرون الوسطى أمير النار. هنا تم تصوير النار كحيز، والشيطان هو سيد ذلك الحيز. النار تعرب عن نفسها باعتبارها فمً مفتوحًا ما إنْ يُملأ حتى ينغلق على نفسه. إنَّ عملية الإملاء والتفريغ تتم دون هوادة، باعتبار أن ذلك الفعل سيتكرر ودون توقف. الجسد وعاء لا بد منه لأنه يحمل الروح. ويتحمل الجسد خطايا الروح المذنبة فتظهر عليه باعتباره ملموسًا. فتبدو آثارٌ توحي بأن تلك الروح كانت عفنة. أما الجسد في هذه الحالة فيتحول إلى سجن لعبد اسمه الروح. وعندما يربط ذلك المَلك ما بين الجسد والروح، فإنه ينزع إلى تجنيب الروح للعذاب أثناء الحياة. كما أن العذاب الذي تتعرض له الروح يتجاوز ذاك الذي يصيب الأجساد. في الجحيم يمتلك الجسد خمس حواس، أهمها حاسة النظر، فهي الحاسة الجوهرية في رسم مسيرة الإنسان في اليوم الآخر. لذا فإن كل أعضائه تتعرض إلى ذلك العنف الرهيب. الرؤيا تمثل الأساس الذي يقود إلى الخطيئة. في الرحلة الجهنمية يرى المحكوم عليه نفسه وبوضوحٍ يتمثل بقيامه باجتياز كل أبوابها عبر عينيه وروحه. تلك الرؤية تسمح له بمشاهدة جسده خاليًا من الحركة ومرميًّا فوق روحه.  في ذلك العالم الجهنمي، تتوسع وتنتشر الظلمات عبر المراحل التي يمر بها مَنْ وقع عليه اختيار الرب لاجتياز تلك السفرة ببطاقة ذهاب فقط، فتبدأ تلك الظلمات بنشر العتمة وكلما تقدم ذلك المسكين ازدادت العتمة وتوسعت عبر كل مرحلة. في تلك الرحلة يتم هضم تلك الروح التي ضلّتْ طريقها في الدنيا، ومن ثمَّ تفسخُها إلى الأبد دون أن يفقد الجسد كل مكوناته الأخرى حتى لا تنتهي حفلة التعذيب الأبدية. تفَسّخ الروح والجسد وتعفنهما لا يسمح بأكلهما، لكن يتم التهامها بعد أن يتحوَّلا إلى جيف من قبل حيوانات شاذة وعنيفة وذات أشكال مرعبة. الجحيم هنا عبارة عن متخيل عظيم لالتهام الجيف. أما الشهداء والقديسون فيشترون أرواحهم عبر التضحية بأجسادهم. وستتم معاقبة مَلِك الظلمات لقيامه بالتهام جيف المغضوب عليهم في الجحيم من قبل الرب لاحقًا، حيث يقوم أمير الظلمات وهو الشيطان نفسه بشوي الجيف فوق قضبان متشابكة حيث يقوم بربط أعضاء تلك الأجساد المتهرئة. إن الغرض من تلك المخيلة المريضة هو تصوير الأهوال التي تتعرض لها أجساد وأرواح من ولج ذلك العالم المتخيل، حيث يقوم الشيطان بتقطيع الأوصال من أخمص القدميين وحتى الرأس. إن رحلة العذاب الأبدية والدائرية البنى تعطي تصورًا لعملية التقطيع التي تتم في الجحيم. الشيطان يأكل كل ما يثير انتباهه وكل ما يجسده ويشير إليه. لم يكن الشيطان ملك الظلمات بسبب قوته، بل لأنه يعاني من عذاب لا نهائي، أدهى وأعظم من أي عذاب آخر. إنه تعبير عن الموت متمثلً في الجسد بكل آيات الخزي والعار حيث يتم

حرقه إلى الأبد دون أن يموت. كما أن لحاسة اللمس علاقة حميمية مع الالتهام والتفسخ والخصب، تلك الحاسة تنتقل من نقطة إلى أُخرى. أما الروح المحترقة الممزقة فتنتقل من حيز جهنمي إلى آخر دون أن يتوقف فعل الاحتراق والتمزيق عبر تلك الدائرة الجهنمية. لكنما لحاسة اللمس جانب إيجابي لأن هناك

يد الملاك التي تلامس مَن تريد أن ترفعه من النار أو الجنة. هنا يدخل مفهوم الشفاعة الذي سيتطرق إليه الباحث لاحقًا. إنَّ حاستَي اللمس والتذوق تبرزان في الجنة والنار. وكما هو الأمر مع القديسين والشهداء، فإن العذراوات ممن يضحين بأجسادهن سيدخلن الجنة. كما أن النار ستكون شديدة الوطأة على أولئك الذين يدعون الإيمان بالله وهم أبعد الخلق عن دروبه. في النار سيتم إخصاء مَن زنى، وسترتفع بطونهم، دلالة على الحمل. وإنّ كل مَن يدخل النار رجا لً ونساء سيحمل، لكنه سيلد أفاعيَ. إن مشاهد الجحيم مرعبة ومقززة وسادية فيها نوع من التلذذ في تعذيب المارقين والكفار والمنكرين والمخطئين والزناة. من هنا نشأ الخوف الدائم في ثقافات الشعوب المؤمنة بإله السماوات لأن بطشه يتحول إلى مادة للإرهاب والذعر عندما نجد أن العالم الجهنمي يغص بالكائنات المرعبة وبالشياطين التي وجدت من أجل تعذيب الكائن الإنساني نتيجة ما اقترفه من آثام. خلق اللهُ الإنسانَ على صورته، لكن الخطيئة الأولى المتمثلة بعدم طاعة آدم، شوَّهت ذلك الإنسان. فهو فوق الأرض موزعٌ بين مجموعة من المفاهيم المتناقضة. فالإغراء يدعوه للاستمتاع بهذه الدنيا في مقابل الخطيئة التي تشكل جرس إنذار من أن الإغراء سيؤدي به إلى كل المهالك وبين الأمل في أن يقترب من الله.

يعالج الباحث أخطر أطروحة واجهت البشر وهي الروح ومصيرها وماهيتها ومحاكمتها بعد الموت. في جميع الأديان وكافة الحق الزمنية حيث أفاض في الحديث عن الملائكة والشياطين وصراعهما أو تنافسهما على التعاطي مع بني البشر في الدنيا ومع الأرواح البشرية في الآخرة من خلال عرض ومناقشة السرديات التي تتعاطى مع هذا الموضوع. كما استفاض في شرح ووصف الجحيم ويوم القيامة سواء في المسيحية أو في الإسلام حيث تكثر الأدبيات الإسلامية وكتب التراث بوصف عذا النار وأهوال يوم القيامة حيث نجد في نصوص قرآنية أخرى أن الناس لا أنساب بينهم يومئذٍ ولا يعرف أحدهم أخاه وأباه وأُمه... إلخ. هكذا يكرر القرآن كثيرًا، وشرَّاح القرآن يجدون أن التكرار لأجل الموعظة والعبرة. والأهم هنا بالنسبة للباحث هو المخيلة التي كتبت بها النصوص القرآنية عن الجحيم. فقد وجد أنها من طبيعة واحدة وتُعيد استخدام نفس المصطلحات. يذكر الباحث فقرة ذات مغزى عن أحوال الناس في يوم القيامة ويقول:" الكفار أولً: في ذلهم وهوانهم وحسرتهم ويأسهم، وإحباط اعمالهم. في ذلك اليوم يتخاصم أهل النار خصامًا شديدًا". وأتساءل من باب الطرافة كيف يتخاصم  أهل النار فيما بينهم خصاماً شديداً ولماذا وهم يحترقون ويعذبون ، هل لديهم الوقت والقدرة على ذلك وهم في حالة احتراق وتعذيب؟ ومن باب السخرية يعلق المؤلف على الشفاعة والسماح الإلهي والعفو عن المذنبين:" في صحيح مسلم ورد هذا الحديث للنبي محمد: «لكل نبي دعوة دعا بها في أُمته، وخبأت دعوتي شفاعةً لأمتي يوم القيامة 4(» )).وهناك أحاديث كثيرة عن الشفاعة وردت في الصحيحين، أروي هنا أحدها وهي تتشابه في بنائهِا ووظيفتها والعبرة من ورودها، كما ورد في الكتاب الذي أشرنا إليه: «ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخرُّ له ساجدًا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تُعَطه، واشفع تشفع، فأقول: يارب أمتي أمتي، فيقال لي: انطلق، فمَن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها، فأنطلق فأفعل... .((4(» هنا وكما ذكرت في كتابي نقد العقل الدائري يكفي مثقال من حبة الخردل من إيمان، حتى يخرج الله ذلك )المؤمن( الذي ارتكب كل المعاصي وفعل أشنع الجرائم وقتل وسفك دماء الأبرياء وشن حروبًا أودت بحياة ملايين الناس، ونهب من المال العام باسم المال السائب وليس هو بسائب، لكنه بنى جامعًا هنا وحسينية هناك، وعاش طفيليًّا مرتزقًا باسم الخمس... والسبب في دخوله الجنة يأتي من أن في قلبه مثقالً من حبة الخردل! ولو تأملت بصغر حبة الخردل، فستندهش من أن مثقالً حقيرًا من تلك الحبة البائسة سيكون كافيًا لا دخالك تلك الجنة من أوسع أبوابها". و لا يختلف الشيعة عن السنة في الإسلام في وصف الجحيم  والعذاب ووحشة القبر والترهيب والتخويف والتخريف كما ورد في كتاب سياحة في عالم البرزخ للسيد محمد حسن النجفي القوجاني:" يبدأ القوجاني كتابه الصغير ذاك بعنوان وحشة القبر حيث يقوم السرد بوظيفة التخويف والترهيب على النحو التالي: «في تلك الحال من الوحشة الرهيبة واليأس الشديد إلا من الله، جلست عند رأس الجنازة، ولاحظت شيئًا فشيئًا أن القبر أخذ يهتز وراح التراب ينهال من سقف اللحد، حيث كانت الأرض التي تلي قدمي الجثة تضطرب وكأن حيوانًا يحاول أن يشقها للولوج إلى داخل القبر، وأخيرًا انشقت الأرض وخرج منها شخصان لهما ملامح مخيفة وهيكلان مهيبان. كانا كوحشين قويين، يخرج من فميهما ومنخاريهما النار والدخان وبيديهما هراوتان من حديد محمر كجمرتين يتطاير منهما الشرر...»، ويستمر النص على ذلك المنوال القائم على إحداث الرعب في النفوس، فيقومان بطرح الأسئلة على الجثة، وهي نفس الأسئلة تقريبًا التي ترد في السرديات السنية: مَن ربك؟ ويتدخل السارد على النحو التالي «كنت أنا من شدة الخوف والهلع قد جف

لساني، وقلت إن هذه الجثة التي لا روح فيها، لا يمكن أن تجيب على سؤالهما، ولا شك أنهما سينهالان عليها بالضرب بهرواتي النار فيمتلئ القبر بالنار المحرقة ويشتد الأمر، فمن الخير إذنْ أن أردَّ أنا. فتوجهت إلى الله أمل اليائسين والمساكين وملجأ الحيارى وتوسلت في قلبي بعلي بن أبي طالب الذي كنت أعرفه جيدًا وأعرف أنه يدرك الملهوفين... وبعد أن قوي قلبي وانحلت عقدة لساني. أجبت بصوت ضعيف: الله ربي. وبعد ذلك سيسأل الوحشان الرهيبان: من هو نبيك؟ السرد يختلف عندما نصل إلى مَن هو إمامك؟ فأجيب إمامي؟ وأئمتي وخلفاء نبيَّ اثنا عشر إمامًا. كما يصف الجحيم والاخرة والجنة والصراط المستقيم في الديانة الزرادشتية التي أخذ منها الإسلام الكثير من النصوص والتفاصيل ونسبها لنفسه، في رسم رحلة الموت في الإسلام التي تبدأ بطقوس الدفن والبرزخ والانتظار وعبور الصراط المستقيم والحساب النهائي عقاباً أو ثواباً في الجنة أو النار، حيث هناك حضور دائم للشيطان في حياة المرء وفي مماته وما بعد وفاته. بات التخويف والترهيب ديباجة تشترك فيها جميع الأديان والخوف صناعة متقنة تتقنها المؤسسات الدينية كما جاء في الفصل الخامس من كتاب الدكتور فالح مهدي تحت عنوان" دور الخطيئة في صناعة الخوف". وكالعادة يتعمق الباحث في شرح مفهوم الخطيئة الأولى التي ارتكبها أبو البشر آدم، حيث لا اعتبار لأم البشر حواء لأنها تابعة له وأخرجت من ضلعه رغم اعتبار حوار رمز الأنثى هي مصدر الخطيئة والمحرضة على ارتكابها بتحريض من الشيطان لارتكاب المعصية ومخالفة أمر الله بالاقتراب من الشجرة المحرمة. ومن هنا نشأ الخوف من القيامة وعلاقته بالخطيئة حيث يبعث الموتى ويخرجون من قبورهم ليوم الآخرة، كما جاء في لاهوت الخطيئة الذي حكمت به الكنيسة مصائر الأتباع والمؤمنين طيلة قرون عديدة بذريعة أن هناك شرًّا متجذرًا في الطبيعة الإنسانية. وهذا يعني أيضًا التخلي كليًّا عن اعتبار الطبيعة نموذجًا وسنّة. وحتى في الوقت الحاضر، وعندما نعود إلى كتابات أهم المفكرين بل من أهم رواد الحداثة والعلمانية، نجد أنهم لم يغفلوا عن موضوع الخطيئة. فجان جاك روسو اعتبر أنَّ الخطيئة الأولى ولدت مع الإنسان الاجتماعي، أي في لحظة تغليبه أنانيته ومصالحه على المصلحة العامة. وإيمانويل كانط لا يعتقد بوجود خطيئة إلا عند ممارسة الحرية. وهناك شر أساسي يكمن في طبيعة الفرد عندما يكون موضع خيار عام أي يشمل المجتمع، إذ نجده يغلّب مصلحته على الصالح العام. أما كارل ماركس فقد كتب عن شر بدائي كان ولم يزل، في حين اعتبر فرويد أن الخطيئة الأولى تمثلت "بقتل الأب". وعندما تناول سارتر وكامي موضوع الخطيئة، وجدا أننا سجناء تراث يضعنا في تضاد مع ذواتنا. ذلك التراث يمنعنا من العيش بسلام ويعيق خياراتنا في أن نمتلك القدرة على الاختيار. بل يذهب بالتاسار وبارت إلى أن مفهوم الخطيئة شديد الغموض، إنه غيظُ وغضب يقوم بتحطيم ذاته، ويؤدي في النهاية إلى دمار وانهيار هويتنا الأخلاقية. وينهي الباحث كتابه بفصل أخير كرسه للخروج من الخوف وطرح مجموعة من الملاحظات والانطباعات. وخلص إلى أن تاريخ الخوف هو تاريخ الدين بمعناه الواسع؛ إذ قام الإنسان ومنذ عصر الصيد أي منذ أكثر من مئة ألف سنة بالتأمل بوجوده، بطفولته بشبابه، بشيخوخته والتأمل في فنائه. إذ ليست الولادة هي التي أقضّت مضجعه، بل الموت والفناء. باعتبار الولادة تمثل حضورًا منتظرًا لا سيما إذا كان المولود ذكرًا، واعتبار الموت يمثل غيابًا مطلقًا لمن كان حاضرًا. شكّل الموت الهاجس الميتافيزيقي الأول، فمنذ نعومة أظافرنا قد راودنا هذا السؤال. البسيط والجوهري: لِمَ ولدنا ولِمَ نموت؟ ليس الموت وحده من قاد إلى ولادة الدين، بل كان حاسمً وجوهريًّا في النظام الذي رسمه ذلك الإنسان للكون المحيط به. وإن الزمن كان حاسمً في ولادة تفكير الإنسان بالكون المحيط به. إن التعاقب الذي يشاهده في كل لحظة، كان المساهم الأكبر في صناعة مخيلته وحبْك أفكاره الأولى. وأن هناك " هندسة للخوف في الحيز الدائري الذي ابتكره الباحث كوعاء مجازي يحصر فيه مقارباته التنظيرية فيما يخص سلوك الإنسان والأديان ويقول بهذا الصدد:" قام الحيز الدائري على اعتبار مفهوم الجهات الأربعة) شرق، غرب، شمال جنوب (ومفهوم فوق) السماء (وتحت) الأرض (... إلخ. لكنه لم يتخيل إلا بعدًا واحدًا للزمان، فتصوره كسهم ينطلق من نقطة لكي يقف في نقطة أخرى، ومن ثم يبدأ من جديد. هذا الزمن الذي لا يعود إلى الوراء ويسير باتجاه واحد هو الزمن السهمي الذي ابتكره السومريون، وأخذ به الآكديون، وأصبح أساس التفكير في مفهوم الزمن في حضارة وادي الرافدين وارتكزت عليه كل الديانات التوحيدية. لقد تصور البابليون وعلى ضوء مشاهدتهم وملاحظاتهم للكواكب أن هناك سبع سماوات، وأن العالم السفلي وعلى ضوء السماوات السبع، قسم إلى سبع طبقات. ساد هذا المفهوم الزمني كل المنطقة الشرق أوسطية من العالم القديم، بل أخذت به كل الديانات التوحيدية. وهو أن الزمن السهمي قائم أيديولوجيًّا على المحن والتجارب. هناك زمن آخر هو الزمن الدائري الذي وجد في آسيا وأخذت به الحضارة اليونانية، هو الآخر ذو بعد واحد إذ ينطلق من نقطة، وفي نهاية المطاف سيبدأ بداية جديدة تُعّبر عن لحظة الإشراق المنتظرة. كما أن المكان رسم مخيلة الإنسان القديم، فأصبح السهم معبرًا ومنذ السومريين ولحد هذه اللحظة عن تصور تلك الأقوام التي وجدت قبل أكثر من خمسة آلاف سنة عن الموت وما بعد الموت. وهكذا فعلت الهندوسية التي أوجدت الزمن الدائري. وهنا أصر على الهندوسية كما أخذت به الثقافة الإغريقية وآسيا بدءًا من الصين، لكن الزمن الهندوسي ما زال فاعلً في ثقافة هذا البلد. لقد غلب الزمن السهمي على كل ثقافات العالم المعاصر، عدا الهند في ثقافتها العميقة. بات واضحاً أن الخوف في هذا البحث هو تعبير عن غريزتنا الأساسية وهي بطبيعتها حيوانية من أجل البقاء. لذا فهو رد فعل لكل تهديد لحياتنا سواء كانت حقيقية أم مفترضة. لأنَّ أهم المخاطر التي تهدد حياتنا تتمثل أولاً بالموت، أو تلك التي تهدد الأمن والسلام الذي ننعم به. أمّا الخوف من الله، فإنه يختلف عن ذاك الذي أتينا على ذكره، لكنما يجمعهما الكثير من الوشائج. الأول غريزي ولكن الثاني تزودنا به ثقافتنا المؤدلجة، حيث تتحكم بمفهوم الخوف من الله. لذا فإننا لا نولد مع ذلك الخوف، إنما تقدمه لنا الثقافة السائدة ولن يحتاج المرء أن يتعلمه في المدرسة وهو غض أهيف، إنما ترد إلى مسمعه عبارة "خاف من الله، والله سيرميك في النار. ويستنتج الكاتب أنه ليس هناك أخطر على السلوك الإنساني من الخوف الممنهج. ولكي يتمكن الكائن البشري الخاضع لأهوال هذه المخاوف من تطليقها سيحتاج إلى التخلي عن الأساطير واللجوء إلى العقل في كل ما يتعلق بحياته، وهذا يعني الخروج من بؤس الدائرة والولوج في العالم الأفقي. ليس الخروج من الخوف بوصفة سحرية ما إن يقرؤها المرء حتى يصبح حرًّا؛ لأن الخروج من

الخوف يعني الخروج من عبودية الأيديولوجيات المطلقة.

 

د. جواد بشارة

 

 

محمود محمد علينعود ونكمل حديثنا عن رحلة الأستاذ الدكتور ماجد فجري في كتابه عن "الفلسفة الإسلامية"، حيث أشاد بهذا الكتاب الأستاذ زكي الميلاد، حيث قال عنه بأنه هذا الكتاب يعد أحد من أهم مؤلفاته، وأكثرها شمولية وسعة من حيث القضايا والموضوعات أثارها وعالجها، ومن حيث المدى الزمني أو التاريخي الذي يشمله، وما يميز هذه المحاولة عن غيرها من المحاولات الأخرى، العربية والإسلامية وحتى الأوروبية التي تناولت تاريخ الفلسفة الإسلامية، كونها – حسب ما جاء في غلاف الكتاب – تغطي حقبة طويلة من التاريخ تمتد من القرن الثامن الميلادي إلى وقتنا الحاضر. ولا شك أن هذه ميزة تذكر لهذا الكتاب، وتميزه عن غيره من المؤلفات الأخرى التي لم تتابع تاريخ تطور الفلسفة الإسلامية إلى عصرنا الراهن.

كما أشاد به الأستاذ تمام حسان بقوله: " حين قرأت هذا الكتاب لأول مرة راعني منه موقفه من الثقافة العربية، وشق علي أن يقرأه بعض القادرين على قراءة اللغة الإنجليزية من العرب، فيعتقدون ما فيه من طعن على العرب، دون أن تكون لهم المقدرة على رد آرائه، فمعظم الذين يقرؤون الإنجليزية عندنا من غير المتعمقين في الثقافة العربية القديمة، ومن هنا لابد أن نتوقع منهم أن يكون موقفهم من آراء هذا الكتاب هو وقف القارئ العادي الذي ورد ذكره، لهذا قررت أن أترجم هذا الكتاب إلى اللغة العربية، وأن أعلق على ما يمكنني التعليق عليه من مغالطاته، ثم حين يصبح النص العربي في يد القراء، يكون من السهل على أصحاب الثقافة الإسلامية الذين لا يقرؤون الإنجليزية أن يردوا على ما في هذا الكتاب، بأكثر مما كان في طوقي أن أرد  به في هذا التقديم".

وقد أراد الدكتور فخري من هذا الكتاب أن يقدم تاريخاً جامعاً أو شبه جامع، ييسر للقارئ حسب قوله مهمة الإلمام بالفلسفة العربية الإسلامية بصورة إجمالية، ويدل على النواحي التي ينبغي مواصلة البحث والتنقيب فيها، وذلك بالاعتماد على ما نشر  إلى زمن صدور الكتاب من نصوص فلسفية محققة.

وعن منهج الكتابة في تاريخ الفلسفة، يرى الدكتور فخري أنه خلافـاً لـسرد الأخبار والروايات الفلسفية، لابد من أن يشمل هذا المنهج قدراً كبيراً من التأويـل والتقييم إلى جانب سرد الوقائع والمعلومات، وعرض القضايا، وتعداد المؤلفين، ولذلك فهو وأنه وجد من المفيد – في رأيه – إعادة النظر في نواح من هذا الموضوع قد سبقه آخرون إلى درسها، للاستفادة مما أنجزوه، وفي هذا السياق آثار في عرضه للآراء والقضايا الفلسفية آثر الاعتماد بالدرجة الأولى على نصوص الفلاسفة أنفسهم، بينما سلك في شرح المذاهب الفلسفية والآراء الكلامية مسلكاً اضطره أحياناً - كما يقول - للاستعانة بدراسات الثقات من المؤلفين المحدثين.

وأما ما يميز بها الكتاب عن سائر المؤلفات الأخرى العربية والإسلامية وحتى الأوروبية التي تناولت تاريخ الفلسفة الإسلامية، فهو في اعتقاد فخري المدى الزمني المتطاول من القرن الثامن الميلادي، إلى يومنا هذا كما سبق أن ذكرنا.

وحول موقف الدكتور فخري تجاه تراث الاستشراق وعلاقة هذا الموقف بكتابـة تاريخ الفلسفة الإسلامية ؛ فنجده يشيد بالاستشراق ويمتدح ما نهض به المستشرقون في الكشف عن الكنوز العلمية والفلسفية للعرب والمـسلمين، بطريقة تثير الشك في طبيعة موقفه من الاستشراق، فهو يقول: " فلا يسعنا في هذا المقام، إلا أن نشيد بفضل هؤلاء المستشرقين وأقرانهم، الذين عملوا طيلة القرنين الأخيرين على الكشف عن كنوز العرب العلمية والفلسفية بعناية فائقة . وإذا كان العرب قد أقبلـوا اليوم على النظر في تراثهم العلمي والفلسفي القديم، فما ذلك إلى حد بعيد إلا ضرباً على غرار هؤلاء العلماء، الذين دلَّلوا من خلال دراساتهم للفلسفة العربية والتأريخ لها على ما لهذه الفلسفة من شأن في تطور الفكر الفلسفي العام، حتى حيث تجنوا عليها أو غضوا من قدرها بعض الشيء، فلولا إقرارهم بشأن هذه الفلسفة، لما أبهوا لها أو قبلوا  على دراستها هذا الإقبال.

لم يكتف بذلك بل لتأكيد هذا الموقف القاطع به، يقول الدكتور فخري: "ويكفي أن ننظر في أي بحث فلسفي يخط بالعربية اليوم، كي نتحقق من مدى اتكال الباحثين عندنا على هؤلاء المستشرقين ودراساتهم في حقل الفلسفة خاصة، إذ يكاد لا يخلو بحث فلسفي جدي من إشارات إلى آثارهم واستشهادات بأقوالهم، ناهيك بالتزام المقاييس والقواعد العلمية التي وضعوها فيها، أو الترجمات المختلفة لآثارهم إلى العربية وتدارسها في شتى الأوساط",

ولذلك جاء هذا كتاب الدكتور ماجد فخري شديد الـشبه بكتابـات ومؤلفات المستشرقين من حيث اللغة التي بها، ومن حيث الرؤية والمنظورات الـتي تقف وراءه، وكذلك من حيث الروح العامة التي تسري فيه، ومن جهات عديدة أخرى.

وحول علاقة الفلسفة الإسلامية بالفلسفة اليونانية، فقد حدد الدكتور فخري في مقدمة كتابه بشكل واضح ما يقصده بالفلسفة الإسـلامية كمـا تبلورت وتحددت في تاريخ المسلمين، مقررا أنها تعني عنده ذلك التيار الفكري الذي تأثر بالفلسفة اليونانية، وأصبح الطابع اليوناني هو الجانب الأبرز فيه، وبات يعرف بالفلـسفة الإسلامية، تمييزاً له من سائر تيارات الفكر الإسلامي . واعتبر فخري أن نشأة هذا التيـار الفلسفي وتطوره، هما الغرض الرئيسي من وضع كتابه "تاريخ الفلسفة الإسلامية".

ليس هذا فحسب، وإنما ظل الدكتور فخري ينبه إلى الأثر أو التأثير اليوناني عند الحديث عن الفلاسفة المسلمين ولم ي ستثن أحداً، بدءًا من الكندي في القرن التاسـع الميلادي الذي وصفه بأنه أول مؤلف فلسفي مبدع في الإسلام، إلى ملا صدرا في القرن السابع عشر الذي وصفه بأنه ألمع فلاسفة العهد الصفوي، مروراً بأولئك الفلاسـفة المعروفين مثل الفارابي وابن سينا وأبو حيان التوحيدي ومسكويه، وابن عربي وابـن طفيل وابن رشد والسهروردي.

ويزيد هذا المنحى تأكيداً عند معرفة أن أول مؤلفات الدكتور فخري هو كتاب "أرسطو طاليس المعلم الأول " الصادر سنة 1958م، وكأنه أراد بهذا الكتاب أن يعرف بنفسه في الوسط الفكري والأكاديمي الذي ينتمي إليه ويتواصل معه، والكتاب الأول كثيراً ما يمثل محطة مهمة في تطور التجربة الفكرية عند المؤلف، ويكشف عادة عـن طبيعة الميول الفكرية الأولى.

وقد استمرت تلك الميول عند الدكتور فخري وترسخت، فجاء الكتاب الثاني عن ابن رشد بعنوان "ابن رشد فيلسوف قرطبة" الصادر سنة 1960م، وقد وصف ابن رشد في كتابه "تاريخ الفلسفة الإسلامية " بأنه أول وآخر أرسطوطالي بارز على المـسرح الفلسفي في الإسلام، وبهذا الوصف الدال جدا افتتح فخري الحديث عن ابن رشد.

ومن جانب آخر، فإن الدكتور فخري كما يقول الأستاذ زكي الميلاد:" لم يعط أحكاماً على الفلسفة الإسـلامية على طريقة أحكام المستشرقين التعسفية والمتحيزة، مثل أحكام فيكتور كوزان وأرنست رينان وليون جوتييه، وسائر الذين تحدث عنهم الشيخ مصطفى عبد الرازق في كتابه "تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية ". وأقصى ما قام به الدكتور فخري من حكـم أو انطباع على الفلسفة الإسلامية، قوله في خاتمة مقدمة كتابة: " ينبغي أن يقال في الفلسفة الإسلامية أنها سلكت في نشوئها وتطورها مسلكاً خاصاً أسبغ عليها وحدة منسجمة، هي الميزة الخاصة بالحركات الفكرية الكبرى في التاريخ، على أننا يجب أن لا نتوهم أن  السبيل الذي سلكته في نشوئها كان سديداً تماماً".

وعند النظر في المنهج الذي سلكه الدكتور فخري في دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية، يمكن القول مع الأستاذ زكي الميلاد إنه اعتمد تماماً على منهج المستشرقين في هذا المجال، وهو منهج قائم أساساً على تتبع أثر وتأثير الفلسفة اليونانية في ثقافة المسلمين، وكيفية تموجت هذه الفلسفة اليونانية وتشكلت في هذه البيئة المختلفة عن البيئات المـسيحية الأوروبيـة، والكشف عن الصورة التي ظهرت عليها هذه الفلسفة بعد تفاعلها مع الثقافة الإسلامية.

وإذا اعتبرنا أن هؤلاء المستشرقين بهذا المنهج، كانوا منسجمين مع أنفسهم في إطار رؤيتهم الاستشراقية، وثقافتهم الأوروبية، فإن الدكتور فخري ما كان يجدر به الإطلاق أن يلزم نفسه بالتقيد بهذا المنهج تقيداً لا يمكن تسويغه بدعوى الموضوعية والعلميـة والمنهجية والحياد وعدم التحيز، وبذريعة أن ذلك أقرب إلى دراسات الأوروبيين أكثر من غيرهم، وعلى خلفية أن على أيدي هؤلاء الأوروبيين تطورت العلوم والمنهجيات وتراكمت وتقدمت، ووصلت إلى ما وصلت إليه اليوم، فكل هذه الأمور لا تسوغ ولا تبرر تقليدهم في المنهج.

هذه ملاحظات عامة في المنهج والموضوع اقتصرت عليها، وهناك ملاحظـات أخرى في التفاصيل أرتأيت عدم التوقف عندها، لأنني فضلت أن يكون البحث والنقاش في المنهج وحوله.

 

د. محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو  مركز دراسات المستقبل بجامعة أسيوط

.....................

المراجع

1- ماجد فخري: تاريخ الفلسفة اليونانية من طاليس إلي أفلوطين وبرقليس، دار العلم للملايين، ط1، 1991..

2- ماجد فخري: تاريخ الفلسفة الإسلامية منذ القرن الثامن حتى يومنا هذا، دار المشرق، بيروت، ط2، 2000م.

3- زكي الميلاد: ماجد فخري ومنهج دراسة تاريخ الفلسفة الإسلامية: نظرات نقدية، 204  التجديد -المجلد الخامس عشر . العدد التاسع والعشرون. 1432ه / 2011م.