نيرمين ماجد البورنوتعتبر الضغوطات اليومية من الأمور التي تصاحب الكثير من الناس لكن بدرجات وأشكال والوان مختلفة، فقد تجتمع كل جيوش الأفكار والظروف القاسية جملة واحدة بلا مقدمات فتجعل الكثير يحس بأنه حبيس سجين لجملة من الأفكار المنهكة وتشعره بأنه يصارع ويكابد الزمن وكأنه آلة تعمل بمقاييس وحسابات وأرقام فقط ليعيش وبلا جدوي، لقد أعجبتني قاعدة نفسية تقول "ما تمارسه يوميا ستتقنه بكفاءة، فعندما تمارس القلق ستقلق لأتفه الأمور، وعندما تمارس الغضب ستغضب بدون سبب، لذا مارس الطمأنينة لتتقن السكينة، ومارس التفاؤل والأمل لتتقن راحة البال ومارس الثقة وحسن الظن بالله في حياتك تنعم السعادة والأمان والخير" وهي ربما ما دفعني لكتابة هذا المقال، فالأفكار أذن هي بمثابة الجيوش تبني وتهدم تسند وتكسر تزهر وتسحق تقبع في أعماق أرواحنا ،قادرة بلحظة على أن تملك  احساسنا اما بالنصر أو الهزيمة وأنت من يحدد المسار.

لكل انسان فلسفة معينة في مواجهة ضغوطات الحياة لكني كثيرا ما اتساءل لماذا بعض البشر يصر على قتل روحه وهو حي بمصاحبة المرضي النفسين من الناس والمتلونين، ولماذا تكون رده فعله بالمواقف تجاههم باردة وكأنه يصبح أعمي البصر والبصيرة فيمحي ويغفر ويصبر على الأذية وعلى حواراتهم السفسطائية التي تزعزع وتهدم، فهل الحب يغفر الأذى للدرجة التي تسحق الروح، ولماذا يتمسك ويهتم بأناس همهم الوحيد الصعود على الأكتاف متثعلبين متلونين حسب مزاجهم لا يعرفهم ولا يتعرفون عليه الا في وقت المصائب والأزمات والمصالح والديون، يتمسك بهم ويتابعهم ويسحق وينهش روحه فينطوي وينعزل بذكرياتهم وتصرفاتهم ويتبع ويتحسس أخبارهم التي تشعره بالضيق وتعكر صفوه ويفقد احساس المتعة في الحياة ويضخم أحاسيسه السلبية ويفقد الكلام ويلجأ بالنهاية الى المهدئات والأطباء النفسيين لكي يتجاوز على مضض الحياة المرهقة، ولماذا لا يتعلم بأن الرحيل عن مثل هؤلاء حياة وفي ابتعادهم سعادة وفي مسح صورهم سكينة وفي نسيانهم ومقاطعتهم راحة نفسية كبيرة، وأنه يجب أن يبني حوله سورا حتى لو كان افتراضيا يدخل فيه الناس الأصحاء الأسوياء لكي ينعم بحياة سوية، ويجب أن يلغي ويعي ويعتزل كل ما يؤذيه من الانصاف في الحياة سواء أكان نصف صديق أو نصف حب أو نصف اهتمام.

أنت لست نصفا ولست بعاجز لكي ترتضي هكذا نوعية من البشر، أنت انسان من لحم ودم وشعور واحساس وروح وجدت كي تعيش الحياة، فيجب أن تعي وتعلم وتتعلم أن الشخص الذي يؤلمك لا يستحقك، فلا تجبر نفسك على الاعتراف بذلك واحترم نفسك وكيانك وتجاوز ضعفك وأرسم حدودك ولا تخف من وضع الحدود وقل "لا " للمواقف وللأشخاص وللأشياء التي لا تحبها أو التي تسبب لك الألم والنزيف والتي تؤذيك وتقتلك بصمت، حتى لو اتهمت بالغرور فليكن ذلك فهي تهمة لا عار فيها لأنك ستدرك مع مرور الوقت أنك هولت الأمر ونسيت نفسك، لحظتها فقط ستدرك وستحزن على عمرك الى ضاع وأحاسيسك التي أكلت وشيبت شعرك حزنا وألما ، وان حزنك لم يكن الا بسبب تحليلك العميق للأشياء التي مرت عابرة في حياتك وأنها لم تكن تتطلب منك سوى أن تتخطاها وتشطبها من مخيلتك.

الحياة قطار محطاته سنوات العمر نحياها مع أناس بقوا وأناس اختفوا وتلاشوا وأناس غردوا وخانوا وأناس جحدوا وأناس بقوا صامتين على ناصية الحياة وأناس صانوا الود والحب والعشرة، وفي كل محطة رحلة قصيرة نحياها بحلوها بمرها ونتلاقى بوجوه عابرة، وكل يوم يمر ونحن على قيد الحياة نتعلم دروس وعبر ونتلقى صفعات لم نكن نتوقعها، ليس سهلًا على الإطلاق أن تتعرض لخيبة أمل لكن الحياة مدرسة تعلمنا من فصولها المؤلمة الصفعات تلو الصفعات، علمتنا أكثر مما تعلمنا من الكتب في المدارس ولكن لا يعرف تلك الدروس والعبر الا من خاض وغاص بين الصفحات المطوية وحارب في معارك الحياة ونبش في ثناياها وتعمق في معاني وسر جمالها، عبارة ترددت على أسماعنا كثيرا وهي" الحياة مدرسة " لكننا لا نسمعها الا ممن خاضوا وتعاركوا مع الحياة وصدموا بخسارات مؤلمة وذاقوا مرارة الهجران والجحود وتعلموا الدروس والعبر الكثيرة والكبيرة فنضجوا وتصدوا وعاشوا أحرارا، فلنتعلم اذن ممن صفعتهم الحياة التجاهل وان نراجع حسابتنا ونصالح الحياة ونحب من يحبنا ويقدرنا، فالحياة تعلمنا الحب والتجارب تعلمنا من نحب والمواقف تعلما من يحبنا، فلا تخسر نفسك وأنت تحاول الحفاظ على أشخاص لا يهتمون بفقدانك، فبقدر الصفعات نتعلم ونزداد خبرة وصلابة ونتعلم كيف نملك القوة الحقيقة التي تعانق الروح وتتربع في القلب فهي اختيار وليس اجبار، لكي نعيش بسلام وأمان، وأن لا ننخدع بجمال الوجوه وزينة الملابس وعطرها الفواح لان للأسف كثير من الناس تبدل الأقنعة حسب المصلحة كما يبدلون ثيابهم فلا مبادئ تحكمهم، ولا قوانين الأخلاق تسيِّرهم ،وابحث فقط عن جمال الروح لأن بقربها تداوي وتلتئم الجروح، الأيام دول بين الناس، شراً فعلت أو خيراً، سترُده الحياة لك يوماً ما، فلا بد اذن من السير قدما والنجاح في مسيرة الحياة ولنجعلها مزدهرة عامرة بأناس محبين متفائلين وكفانا غباءا واستهتارا، فلا بد أن نتعلم ونرتقي باختياراتنا لنكمل بذكاء المسار والمشوار، فالحياة سلاسل وورود وأشواك ومحن وثقل يحنيك بلا رحمة، من منا لم تصفعه الحياة صفعات، ومن منا لم تحط عليه مرات ومرات، فحياتكم متوقفة على اختياركم، فلا تعطي الأشياء ولا الأشخاص أكبر من حجمهم وتوقف عن كونك مخذولا ضعيفا فالأقوياء فقط هم من يخوضون معارك الحياة، وينبغي التوقف عن التمسك بوجود هؤلاء في حياتك وحولك لأنهم مصدر يأسك فأهم علاج لك قبول نفسك وحب الحياة والتفاؤل والابتعاد عن الأفراد الذين يرون الأشياء بمنظور سلبي ومتشائم ويمدوك بالتالي بالطاقة السلبية، فالحياة اذن أكبر من أن تختصر في كلمات ووريقات ومقالات وأشعار وخواطر وأقوال وحكم، لكن هل سألت نفسك يوما ماذا تعلمت من الطعنات والخيبات وكيف تصرفت مع ضغوط الحياة ....!

 

د. نيرمين ماجد البورنو

 

 

محمد حسين النجمكان المعلم اساس البناء الاجتماعي للوطن، وهي الحقيقة التي يعرفها اعداء الوطن وتناساها غباءا او عمدا الفاسدون . كرامة الوطن من كرامته، ففي اليوم الذي كان المعلم جزءا من الطبقة الوسطى، ويوم كان ابناء المجتمع يرفعون رؤوسهم عاليا املا بان تطال قامة المعلم السامقة، استطاع المجتمع ان يصل الى ذرى المجد ويضع اقدامه على طريق التقدم .

ولاجل اسقاط شموخ المعلم وقيادته لمجتمعه كان يجب اسقاط كرامته، وليس اكثر مهانة للمعلم من ان يشعر بالضعة والهوان ازاء من ينبغي ان يقودهم . وكان الحرمان اساس هذه الضعة والهوان .

خلال تسعينيات القرن الماضي كان الحصار الاقتصادي اكثر الوسائل فتكا بمفاصل المجتمع حين استطاع الاطاحة بأهم ما يمكن ان يبني المجتمع وهو القيم الاخلاقية . فإزاء انتشار قيم الفهلوة والخداع والرياء والغش والسرقة والتحايل والمحسوبية والوساطة، بات ابناء المجتمع يشعرون ببؤس ما تعلموا من قيم، بل وصار حق الحياة ،الذي هددته ظروف الحصار، المبرر لكل ما يسلكه الفرد من اساليب، كان يوما ما يدعوها بالقذرة . .

لم يكن حال المعلم بأفضل من بقية ابناء مجتمعه، بل وجدناه ينزل من مهابته وعليائه ليخوض مع الخائضين، وكان لابد ان يترك ما تعلمه من قيم وراء ظهره، وكان لابد ان تنتقل هذه المسالك الى ميدان عمله . وهكذا بدئنا نشهد صعود قطعان من المتخرجين من المدارس لايملكون من القيم ولا من العلم، كونهم صعدوا بالاساليب القذرة التي فرضتها ظروف الحصار التي كرست قيما بديلة ليس من السهولة قلعها واستئصالها ما لم تتم معالجتها باساليب علمية قادرة على ان تعيد الى المجتمع والى المعلم قيمه وتقاليده المفقودة .

يحضرني هنا احد الامثلة التي تم من خلالها اسقاط هيبة المعلم وعلو شانه بين ابناء مجتمعه .

في عهد النظام السابق، وحين انحدر المستوى المعيشي للمعلم الى الحد الادنى، كان يصعب عليه ان يؤمّن مستلزمات عيشه، فضلا عن اجور سفر من تنسب للتعليم في  مناطق الارياف والمناطق النائية . وعلى الرغم من ان بقايا ما يحمله ابناء المجتمع من تقدير للمعلم ودوره، بالاضافة الى الحاجة الاجتماعية للتعليم دفعت  الكثير من ميسوري تلك المناطق واعيانها الى النظر بعين العطف والشفقة على المعلم فبدات بتامين اجور سفره الى مناطقهم من خلال جمع التبرعات، الا انها كانت جرحا غائرا في قلب المعلم الذي صار بين نارين، نار هوان العوز والحاجة التي تضطره لان لايانف اخذ العطايا تلك وبين نار الدكتاتورية التي تمنعه ان يصرخ ثارا لكرامته، وقد استطاع احد اولئك المعلمين ان يعبر بصدق عن هذه المعاناة من خلال خطابه الموجه للمعلم، قصيدة يقول فيها:

شلونك انته

ادري بيك تموت سكته

وادري بيه رويتبك بين الرواتب صار نكته

جم درس عمدن تركته؟ وجم قلم تلميذ بكته؟

صار عنوانك حرامي مو معلم مجتمع وانته قدوته

انتهت قم للمعلم وفه التبجيل وانجل بحضرته

انتهت من كامو الوادم يلموله كروته .

هذا الواقع المريع الذي مر به المعلم كان ينبغي ان تتم معالجته اذا مااردنا للمجتمع ان ينبني على اسس اخلاقية ترى بالعلم قيمة اسمى من كثير من القيم المادية والتي يمكن ان تعيده الى طريق التقدم والرقي . وعلى الرغم من بعض بوادر الانفراج والتطور بالمستوى المعيشي للمعلم بعد التغيير اسوة بباقي موظفي الدولة، الا ان الاكتفاء بتحسين رواتب المعلمين لايكفي بحد ذاته علاجا للامراض التي استشرت بمفاصل التعليم ليس اقلها التباين الكبير بين المدخولات التي جعلت المتمسكين بالاساليب (القذرة) اعلى شانا منه نتيجة لانتشار الفساد في مفاصل الدولة، بالاضافة الى غياب المعالجات الاقتصادية العلمية القادرة على حمايته من اهتزاز مستواه ذاك امام آفة التضخم، فالمعلم الذي كان احد عناصر الطبقة الوسطى، وصاحب التاثير الاجتماعي على مر التاريخ، انحدر الى مستوى الطبقة الفقيرة، وصار يزجي وقته في البحث عن اعادة التوازن الى متطلبات حياته المعيشية تاركا تواصله العلمي، بل والبعض ممن انحدر يوما لضعفه وعاد الى رشده صار نادما على تركه ماكان يمتاز به من امتيازات الاساليب القذرة والتي دفعت قطاع منهم الى العودة اليها .

لنستمع الى شاعرنا المعلم في خطابه لزميله:

شلونك انته

ادري ماميّت ضميرك بس غصب بيدك خنكته

جي رفض يحترمك السافل قبل وانت احترمته

صار تاجر واحتقر ذات المعلم وانته سكته

وقلمك (ابغمده) انتحر جي ماشهرته

ادري ماميت ضميرك، بس مثل قلمك كسرته

ليس اقسى من ان تكون بين خيارين افضلهما مر، وليس اقسى من صورة ذاك المعلم الذي  سعى جاهدا ليؤمن لقمة عيش ابنائه بكل شرف ولم يجد الا ان يمتنع عن اطعام نفسه توفيرا لاطفاله فذهب شهيد شرفه وعزة نفسه .وهل اقسى على المرء من ان لايجد قوت عياله؟ باع المعلم، ابان الحصار، كل مايملك ثم باع كثير منهم شرفه الوظيفي والعلمي لاجل تامين لقمة عيشه:

شلونك انته

الله يعينك ع الوكت صعبه خبزته

وادري بيك تفكر بسعر الطحين ولا درس يمكن شرحته

وحته اعرفك، حته اعز كتبك عليك

برخص بعته .

هذا ماانتهى اليه حال المعلم في مخطط مدروس اتقن العدو وضعه واجاد اغبياء المجتمع تنفيذه، واستمر الفاسدون على انتهاجه كي لا يكون شاهدا على فسادهم وكشف عوراتهم . في مقابل هذا تجد بعضا من سقطة المجتمع من يحاول النيل من المعلم بترديد غبي لتبريرات غبية يحاول الفاسدون ترويجها لديمومة فسادهم . ان اكثر ما يغيظ الفاسدين ان يرتفع شان المعلم ويعود الى مكانته قائدا لمجتمعه، فالفاسدون يعلمون تماما بالتاريخ المشرف الذي سجله المعلم طيلة تاريخه قبل ان تدور عليه الدوائر، لنستمع الى شاعرنا:

واول المطلوب منك

من تموت تموت سكته

واكف يموت النخل، وعروكه ماتنكر تربته

مو جنت عنوان كل جيل اليمر وانته شمعته

جم عهد بايد هدمته، وجم حكم كامل رفضته

لقد تمت تصفية مهمة المعلم لكي لاتقوم للمجتمع قائمة، ولازال في مجتمعنا، وجلهم من استفاد من فترة الانهيار القيمي، من يحاول تكريس هذه التصفية كي يستمر مستفيدا من فرص الانهيار والسقوط والذي يجد في ارتقاء منزلة المعلم تهديدا لمكاسبه وفساده .انه مسعى لتكريس قيم الوضاعة التي جعلت من الوضيع سيدا :

اشمعنه من تاجر وضيع تموت سكته

وتخدم الدلال والدجال وتعيش بخدمته

المعلم مو معلم من تجر ياخة قميصه

اكبال تلميذه سمل دلاله وتلوث بدلته

المعلم آية من آيات وجدان الزمان

ولا نبي ماجل مهنته

نعم انه المعلم الذي يحاول الرعاع ان يسئ الى قدره يعينهم في ذلك المطبلون من جهلة الامة، والسذج الذين لايجدون في مطالبات المعلم بالعيش الكريم الا مطمع مادي متناسين تلك الدعوة السامية التي اطلقها ابو ذر الغفاري: عجبي من من لا يجد قوت يومه ولا يرفع السيف بوجه ظالميه . وبمستوى عقليات اغبياء الامة لابد ان ابا ذر كان ماديا قبيحا مثله مثل اساتذة الجامعات ومعلمي المدارس حين دافعوا عن عيشهم الكفاف .

واخيرا يطلقها شاعرنا، وهو آنئذ يعيش في جور الدكتاتورية، دعوته للثورة بوجه ظالميه:

شكك الثوب الحقير الذلك او بيدك لبسته

وفصل من (الله واكبر) من علم مدرستك الثوبك ركعته .

واذا كان للمجتمع من امل بالعودة الى قيمه الاصيلة وبنائه الراسخ فعليه ان يعيد النظر بالكثير مما يحمل من مساوئ النظر الى دور المعلم الذي عمل النظام السابق ويعمل النظام الحالي على ترسيخها متحججا بصعوبة الظروف والازمة المالية للتستر على اجندته التي اوصلت الوطن الى هذا المستوى بفسادهم وسوء ادارتهم للحكم . ان الذي يحاول النيل من المعلم، ويتباكى حسرة على عدم وصول وطنه الى مستوى الاوطان الاخرى عليه ان يتذكر بان انهيار اليابان في عام 1945 واستسلامها كان يمكن ان يكون ابديا لولا وجود من عرف قيمة المعلم، فما يشاع عن امبراطور اليابان حين اشر سبب تقدم اليابان ووصولها الى ماوصلت اليه اشار الى المعلم، وقال: لقد منحنا المعلم راتب الوزير وسلطة القاضي وهيبة الامبراطور . وا ن مجتمعا يبخل على معلمه ببعض هذه مصيره مزبلة التاريخ، وهو ماوصلنا اليه.

 

د. محمد حسين النجم

الجامعة المستنصرية

 

بليغ حمدي اسماعيلبين مشروعية الفنون الإنسانية وتحريمها بنصوص تراثية قاطعة تدور المعركة من جديد بين أنصار ورواد التنوير في الوطن العربي الذين لا يزالوا يتشبثون بمشروعهم النهضوي منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبين ما يحلو لي تسميتهم بأمراء النساء لكثرة اهتمامهم بل ولولعهم بفقه المرأة بنفس القدر بهوس الدعوة إلى الجهاد ضد الأنظمة العربية الإسلامية القائمة والفتوى بالتحريم للفنون أولئك أيضا الذين لم يتخلوا فقط عن طروحاتهم الراديكالية الأكثر تطرفا فحسب، بل اجتهدوا أيضا في توسيع دوائر جهالاتهم الإنسانية بتحريم كل ما هو جميل وإباحة كل ما يتعلق بهوسهم المستدام بجسد المرأة وصوتها وزيها والحصول على براءات اختراع لجهاد النكاح وجهاد الحب، وإطلاق العنان لدعوات الترويع والاغتيال والقتل لكل ما هو مخالف لفكرهم الذي تم توصيفه من جانب علماء الدين الأجلاء بأنه فاسد ومغلوط وبحاجة إلى تصحيح ومراجعة .

في الوقت نفسه نجد عشرات الأئمة وشيوخا منتسبين إلى أكبر مؤسسة دينية إسلامية في العالم الأزهر الشريف يؤكدون في صحائفهم وكتبهم الأكاديمية رهينة الحبس على أرفف مكتبات الجامعات فقط وكذلك بعض المواقع الإلكترونية محدودة الانتشار يؤكدون قيمة الفن في الإسلام، وأن الإسلام الحنيف القويم لا يتصادم مع الفنون الجميلة بكافة صورها، وعلى حسب نص قول أحدهم بأنه لا وجود ولا مكان ولا حيز مسافة ربما لمن يقول إن هناك تعارضا بين الفن والإسلام.

ولكن على الشاطئ الآخر الأكثر احتداما وعصبية وقلقا بشأن ترسيخ وجودهم غير الفطري في المجتمعات الإسلامية الصحيحة يرون تحريم كل صور الفنون وأشكالها وصانعيها أيضا، وهؤلاء وصل بهم الأمر إلى تحريم دمى الأطفال الصغار ومنع الصور المصاحبة لقصص الناشئة أيضا بجانب الفتوى القطعية بتحريم أفلام الكارتون للصغار فقط هم يدشنون حروبهم من أجل خلافة واهية لا أساس لها سوى نصوص تراثية كتبها أشخاص ينتمون لعصور بائدة هم أنفسهم أسهموا في إسقاط دولة الخلافة الإسلامية بخروجهم الزمني عن أحداث العصر الذي عاشوا فيه.

وبين الفريقين ـ حقا ـ تدور معركة حامية الوطيس إن جاز استخدام تعبير تراثي غير متداول لكن إنها معركة بين فريق على إصراره في شهود الإنسانية وحضورها، وفريق آخر يبدو أن لا نهاية لهوسه بالتحريم .

ولقد اتفق المتخصصون في مجال الفنون على تقسيمات مميزة للفن عبر عصوره التاريخية، حتى أصبحت هذه التقسيمات متغلغلة في الوعي الجمعي لدى أفراد المجتمع العربي الضارب في اتساعه الثقافي والأيديولوجي والانتماء المذهبي أيضا باختلاف تكوينهم وتأسيسهم الفكري الأمر الذي يزيد من المشهد الراهن اضطرابا وغموضا، ومن هذه التقسيمات ما عرف بالفن الإسلامي الذي امتلك خصوصية ميزته عن باقي التصنيفات والتقسيمات  التاريخية للفن عبر العصور . وقصد بالفن الإسلامي وفقا لزعم الخبراء والمتخصصين أنفسهم  ذلك المنتج الذي تم إبداعه منذ الفتوحات العربية للأقطار والأمصار والذي اتسم بطراز إسلامي لم يخل من العمارة ذات الطابع الديني أو المتعلق بالرموز والإشارات الدينية مثل الخطوط العربية والنقوش المختلفة لها، وكذلك رموز خاصة مثل الهلال أو العرائس الصغيرة التي توضع داخل مجسمات وهياكل علاوة على الرسم العثماني للقرآن الكريم الذي حفلت به كافة العمارة الإسلامية .

ولاشك أن الفن الإسلامي لعب دوراً كبيراً في الحفاظ على التراث المادي للثقافة العربية والإسلامية  هذا الشأن الذي يعكر صفو كافة التنظيمات الجهادية في الشرق الأوسط فقد برعت تلك التنظيمات في تدمير كل مظاهر الشهود المعماري العربي بحجة أنها تمثل ملمحا من ملامح جاهلية العصر، فلقد مثل هذا الفن عبر عصوره جزءاً من ذاكرة الثقافة البصرية المرتبطة بتاريخ الإنسان العربي في بيئته، وهذا المنتج العربي الخالص كان يقف وراءه مبدع تشكيلي يتسم بالإبداع والجدة والأصالة، يستعين بكافة الطقوس الإسلامية الفريدة لتغليف منتجه الإبداعي الذي مثل خصوصية فريدة .

ويكفي المرء أن يطالع عملاً فنياً مصبوغاً بإشارات وطقوس إسلامية عربية حتى يتبين طبيعة وكنه هذا العمل، والذي كان يحمل عدة وظائف نفعية وجمالية، حيث إن الإنسان العربي قديماً كان يحتاج إلى الجمال الذي يحقق له ثقة وتميزاً وإشباعاً للوجدان .لكن للأسف كل يوم وليلة نشاهد هذا التدمير الداعشي الخبيث بكافة مظاهر المعمار الإسلامي الفريد الذي لم يتكرر لأسباب تتعلق بظروف الثقافة العربية المعاصرة.

ولم يقتصر الفن الإسلامي على الفنون التشكيلية المتعلقة بالمعمار أو الرسم بل تجاوز ذلك ليشمل فنوناً أخرى مثل الموسيقى والغناء وما يرتبط به من إيقاع جسدي يمكننا أن نطلق عليه على استحياء كلمة الرقص، ومن هنا تأتي المشكلة التي قد يواجهها الفن الإسلامي في المرحلة المقبلة والتي تشهد تصاعداً كبيراً للتيارات الدينية السلفية والتي ترى في الفن حرمة وبدعة .

فكتب معظم إن لم تكن كافة الجماعات الراديكالية بدءا من الجماعة الإسلامية التي انفجر تكوينها في سبعينيات القرن العشرين وزاد انفجارها بتكوين وتأسيس فرق صغرى عنها مثل جماعة التكفير والهجرة والسلفية الجهادية حتى انتهى بنا المشهد إلى التسليم بوجود تنظيم داعش الإرهابي  تؤكد على حرمة الفن بل تذهب بفكرها القمعي المتطرف  بعيداً بأن الفن شرك بالله وكفر بين، ومن هذا المنطلق فجميع الفنون حرام لأنها أولاً تلهي عن ذكر الله، بالإضافة إلى أنها من وساوس الشيطان التي تبعد المرء عن ربه، وبشأن فتاويهم دار الجدل الطويل بين المتزعمين لتكفير الفنون، وبين المستنيرين من رجال الدين الذي لا يرون حرمة أو شركاً في الفنون التي تبعث الجمال بالوجدان وليس من شأنها أن تبعد المرء عن ربه في عباداته وفرائضه المكتوبة .

ولكن تجد في سياق الكتابات الأصولية المعاصرة  من يشير إلى وجود ما يسمى بالفن الإسلامي ولكن متجنبين كلمة الفن ليضعوا مكانها كلمة عمل هذا مع اختلاف توجهات أصحاب هذه الكتابات التي قد تشير إلى الفن باعتباره ثمة خطوط وتصاميم تشبه الأرابيسك فحسب، وهم يقصدون بالطبع العمارة الإسلامية التي تتمثل في النقوش والزخارف والرسوم المجردة من التجسيد، لذا فلا وجود للأنواع الأخرى من الفنون التي ارتبطت بالفن الإسلامي مثل الرسم والنحت والموسيقى وأخيراً الغناء أو الإنشاد.

ولا يستطيع منكر أن ينسى الدور الذي لعبه الفن الراقي البعيد عن المشاعر الرخيصة المبتذلة، حين ساهم في تأجيج مشاعر الكثير من البلدان العربية وقت مشاهداتهم التاريخية من انتصارات أو أعياد أو ما تزامن وقت ثورات الربيع العربي حيث كان الفن من تصوير وموسيقى خصيصة رئيسة في المشهد الثوري آنذاك ، وكم كان الفن باعثاً لاستمرارية تلك الاحتجاجات والانتفاضات والثورات ورغم ذلك الحضور الطاغي للفن لم نجد ساعتها من أولياء التيارات الدينية من يحرمه أو أن ينكر دوره بالقول أو بالفعل .

هذا ما يؤده تأريخ تلك الفترات حيث كمون فتاوى التحريم وتعطيل العمل بقانون الرفض والتجريم والتفسيق الجاهز لدى تلك التيارات والجماعات، هي فقط جديرة وماهرة في القفز على مكتسبات الفعل الشعبي الجمعي واقتناصها بعيدا عن طموحات الوطن وآماله.

لكن، ماذا يحدث لو تمكنت تنظيمات الراديكالية مثل تنظيم داعش من افتراس المدنية ووجوه الثقافة الجمالية،  وسقطت الأوطان والمجتمعات  في أيدي هذه التيارات المتشددة ؟ هذا سؤال لابد وأن يطرح استشرافاً لمستقبل قد يبدو غامضاً بعض الشئ، ولا يستطيع شخص أن يتنبئ بإحداثيات هذا الشرق المسكين ثقافيا وتنويريا  في ظل حالات الالتباس والغموض التي تعتريه . فهل حينئذ سيتم القضاء على هذا الرصيد التاريخي للفن في كل دول العرب ؟ وحينما أتكلم على الفن لا أشير إلى الفنون الاقتصادية تلك التي تستحوذ على ما في جيوب العوام المستهلكين للثقافة بغير انتاجها من نقود مثل السينما والغناء التجاري والمسرح الاستثماري، بل الفن في منحاه غير الاقتصادي مثل الرسم والنحت والأشغال الفنية والفنون الشعبية والموسيقى التي لا تستهدف الربح .

وهؤلاء المنتمون لهذه الفنون الجميلة بالطبع يعانون من أزمة الاستبعاد الاجتماعي من الأساس فلا تراهم في برامج التوك شو، وربما تتعمد الفضائيات العربية واسعة الانتشار  في  استضافتهم إلا  في أوقات عادة ما يكون جهاز التلفاز مغلقاً كساعات العصر المنسية، أو بعد الثالثة صباحاً، وبالتالي لن يشاهد الفنان سواه منفرداً بالجلوس على مقعده وهو يتجرع أحزانه .

وظاهرة تحريم الفن وإقصائه من الوجود الإنساني لم تكن حاضرة اليوم فقط، بل كلنا لا يزال يتذكر  ما شاهدناه منذ فترة ليست بالوجيزة زمنيا في مدينة الإسكندرية المصرية من تغطية لبعض التماثيل التاريخية في إحدى اللقاءات الدينية لشيوخ السلفية لهو خير دليل على مستقبل آت، يحرم فيه الفن الجميل، ولست أدعي رغم كوني متخصصاً في الدراسات الإسلامية بأن وجود تلك التماثيل وغيرها لا تدخل في باب التحريم من منطق الاجتهاد، أولاً لأننا لا نعبد مثل هذه التماثيل والحمد لله منذ بزوغ الإسلام، ثانياً أن هذه الأعمال الفنية هي خير شاهد على حقبة تاريخية مرت واستقرت بمصر المحروسة وجزء من ماضيها الذي لم نشاهده رأي العين . لكن تظل المشكلة ذهنية وزمنية لدى هؤلاء نظرا لتوقف عجلة الزمن بهم عند نص تراثي أنتجه شخص في ظروف معينة وتوقيت يصعب معه تأويل الحاضر بالماضي.

وإذا كان المنتمون للتيارات المتشددة دينياً يدركون أن هناك وجوداً لا يمكن طمسه اسمه الفن الإسلامي، فكيف يجوز لهم بعد ذلك طمس معالم هذا الفن الذي كان ضمن سياق الحضارة الإسلامية في أزهر وأزهى عصورها، وتكفي شهادة عالمين أثريين هما (دوجلاس بريور) و(إيملي تيتر) حينما أكدا انفراد الإنسان المصري في صبغ جميع ألوان الفنون، وأن الهوية المصرية تبدو ثابتة في كافة الفنون التي أنتجتها الحضارة الإنسانية .

وإذا كنا غير مشاركين للدولة العثمانية حينما قررت أن تنقل الصناع المهرة إلى الأستانة لتشييد حضارة عالمية هي تركيا الآن، فإننا نبدو الآن أكثر تخاذلاً حينما نصمت ونحن نرى بعض مظاهر القمع المتمثل في فتاوى داعش تجاه الفن الراقي النظيف والبعيد عن الابتذال والعهر .

وعودة إلى تأريخ معاصر بعض الشئ، تحديدا في مطلع شهر فبراير من العام 2012م أي في ظل المد السياسي والتصاعد الشعبوي المحموم لتنظيم حسن البنا المعروف بجماعة الإخوان وأيضا  فصائل التيار السلفي المتعددة، تناقلت معظم الوسائط الإعلامية خبرين مفادهما صدور حكم بحبس بعض الفنانين وتغريمهم ماليا نتيجة الدعوى القضائية التي اتهمتهم وقتئذ بالإساءة إلى الدين الإسلامي وازدرائهم له في أعمالهم السينمائية والمسرحية في بعض الأعمال السينمائية التي تم عرضها منذ عشرات السنين. والخبر الثاني هو الاعتداء على طاقم العمل الفني لمسلسل ذات عن رواية المبدع صنع الله إبراهيم التي تحمل نفس الاسم، والاعتراض جاء نتيجة لارتداء بطلات المسلسل ملابس لا تليق بالحرم الجامعي نظراً لأن المشاهد كانت تصور به . ولا أظن أن هؤلاء قد قرأوا نص الرواية التي خطها صنع الله إبراهيم والتي طالعتها منذ سنوات بعيدة وإلا رموا هذا الرجل بالكفر ونشر الرذيلة والإباحية كما كان يفعل ذلك أباطرة التكفير مع عميد الرواية العربية نجيب محفوظ في القرن الماضي وفعلوها مع المفكر نصر حامد أبو زيد وأدونيس وكثيرين غيرهم .

والحق أقول إن من يدعي لنفسه امتيازاً للدفاع عن الإسلام فلينتبه إلى مزاعم المستشرقين ومطاعنهم في الدين، ومطاعن الاستشراق المعاصر ومحاولات تشويه الإسلام، أما المزايدات الإعلامية التي انتشرت ولا تزال تنتشر بخطىً وئيدة على استحياء الظهور نتيجة ارتفاع وهبوط  موجة التيارات الراديكالية المتطرفة فهي محاولة لإيجاد مقعد وثير لفئات وطوائف وفصائل باتت محرومة من التواجد داخل أنساق المجتمعات العربية لفترات طويلة .

وكم هو مضحك عندما نشاهد ونحن أكثر ولعا بالفرجة بعض الفنانين أنفسهم أولئك المدعين بالانتماءات الدينية والذين قفزوا على مشهد استلاب الجماعة لحكم مصر بأنهم أعلنوا توبتهم عن أعمالهم التي قدموها، فماذا سيفعل إذن أولئك الموتورين حينما لا يجدون قضايا يدغدغون مشاعر البسطاء بها ويدخلونا في قضايا ترهق عقل الوطن الذي هو بحاجة ماسة لفكر واضح ورأي سديد .وليت هؤلاء الذين أعلنوا وصايتهم على نشر الفضيلة في المحروسة تيقنوا من حجمهم حينما علموا حجم وكم التيارات والائتلافات والحركات التي أعلنت تضامنها على سبيل المثال لا الحصر مع عادل إمام في قضيته التي لا محل لها من الإعراب في نص بات مشوهاً لغوياً أقصد مصر الجميلة وقتما أقيمت دعوى قضائية ضده بشأن ازدراء الإسلام.

وإذا كان المتشددون قد أضافوا لأنفسهم دوراً جديداً في المشهد الاجتماعي المعاصر وهو دور المخرج لذلك أعلنوا إنهاء المشهد الحالي، فكان عليهم أن يقدموا لنا تصوراً واضحاً في صورة مكتوبة عن رؤيتهم للفن، وإذا كان حراماً أو ضلالاً بائناً، فإنني أطالبهم بصفة استثنائية أن يقترحوا لنا بدائل ترويحية لا تخرجنا من باب الفضيلة ولا تزهق أرواحنا من الفتنة، وأعتقد أنهم لا يجيدون ذلك لأن من اعتاد الرفض والقمع لم يعتاد على التجديد والإبداع .

حقاً إن الفنون جميعها في مرحلة استثنائية في ظل هذا التصاعد غير المحمود للأفكار التي باتت غير صالحة هذه الأيام، الفنون التي تحيا في ظل الحريات بعض التيارات تحاول وأدها بطريقة مفجعة وحشية، لذا سيبقى هناك جدل واسع وصراع مستدام بين حالة راهنة؛ مبدعون يشكلون وجهاً لهذا الوطن، وأمير وخليفة واهم ارتدى ثوب المخرج متطرف لا علاقة له بالفن الخام ولا بما يتشابك مع جوهر الثقافة العربية، كل ما يعنيه هو أن يتقمص دور المخرج فيصرح بصوت عال دونما علم أو رؤية : اقطع ..

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر

 

 

يسري عبد الغنيإلى الباحثين عن الشهرة والأضواء..

ابن خلدون هو صاحب نظرية: صعود وهبوط الحضارات، الذي تأثر به المفكر الألماني / شيبنجلر في كتابه المشهور: أُفول أُوربا، ابن خلدون الذي أعجب به وبفكره الرئيس الأمريكي الأسبق / رونالد ريجان، عندما درس الاقتصاد والاجتماع، واعترف بأنه تأثر به في العديد في قراراته، وليس ريجان فقط الذي أقر بذلك، بل العديد من أهل الفكر والرأي والحل والعقد في الشرق والغرب .

وفي كل العصور منذ عرفت الدنيا الفكر الخلدوني. كلما جاءت سيرة العلامة عبد الرحمن بن خلدون يجب علينا أن نتأمل هذه اللحظة المهمة والفارقة في حياته ونعني بها «غرق أسرته» وهم على مشارف الوصول، هذا الحادث الذي دفعه إلى طريق الزهد، وألقى بظلاله عليه طوال حياته، لدرجة أن المؤرخين يؤكدون أن إدراك «مؤسس علم الاجتماع» للمأساة لم يكن واضحا، فأحيانا كثيرة كان يسقطها من ذاكرته ويحكى عن ابنه «زيد» الذي يعمل كاتبا لدى سلطان تونس .

أتذكر ذلك كلما هاجم أحدهم الشيخ الجليل / عبد الرحمن بن خلدون، وقلل من قيمته وعلمه، وذهب إلى أن ابن خلدون مؤرخ دون المتوسط، وأن كتابه في التاريخ «العبر» هو نقل عن نسخة رديئة لكتاب الكامل لابن الأثير.

لا أعرف الغرض من التقليل من علمائنا الأجلاء، وهو أمر بعيد تماما عن النقد، وللأسف نحن مضطرون للقول بأن الأوروبيين هم الذين اكتشفوا أهمية ابن خلدون، ودوره في بداية القرن التاسع عشر، حتى أن بالمؤرخ الإنجليزي / أرنولد توينبى رفعه إلى أعلى المستويات، وذلك عندما قال: بـأنه أكبر منظر لفلسفة التاريخ في كل الأزمنة وكل البلاد..

ابن خلدون الذي بلور نظرية متكاملة عن صعود الحضارات وانهيارها وأسباب ذلك، وأقر بذلك المؤرخ الفرنسي المعروف / فيرنان بروديل قال: ابن خلدون يعتبر من قبل المفكرين المعاصرين وهو بمثابة أحد مؤسسي علم الاجتماع السياسي.

لقد كانت فلسفته للتاريخ تقول بما معناه: الإمبراطوريات أو السلالات، كالبشر، لها حياتها الخاصة، وكثيرون منحوا الرجل حقه ودرسوا فكره واختلفوا واتفقوا معه لكن في حدود إدراك قيمته، لكن البعض لا يزال يؤمن بالبحث عن «دور» من خلال تحطيم الثابت من الأمور.

عبد الرحمن بن خلدون، رجل شغل الناس ولا يزال قادرا على فعل ذلك بأفكاره السارية منذ قرون، إنه عالم جليل وبحر فياض ومحيط واسع، ويكفيه شرفا أنه المؤسس الأول في العالم لعلم الاجتماع، وكتابه "العبر وديوان المبتدأ والخبر" من أجلّ الكتب وأعظمها في العالم على الإطلاق.

نعجب من هؤلاء الذين يزعمون كذبًا إن ابن خلدون مؤرخ دون المستوى، وأنه نقل كتابه عن نسخة رديئة من كتاب الكامل لابن الأثير، إن مقدمة كتاب ابن خلدون نتحدث عنها ولا حرج، فمن لم يقرأ مقدمة ابن خلدون، يفوته الكثير والكثير، وإذا أراد المؤرخ أن يكون مفكرا فلا بد من أن يقرأ العبر والمقدمة.

في هذه الأيام نجد أن البعض يتطاول على القامات إما رغبة في الظهور أو رغبة في الإعلام والإعلان، فكما نعلم فإن العقل البشرى لديه المقدرة على إحقاق الحق وإبطال الباطل لكنه في الوقت نفسه لديه القدرة على جعل الباطل حقا، والحق باطلا، وفق زاوية معينة.

في أيامنا هذه كثرت القامات الهزيلة الراغبة في المزاحمة في الحياة والخروج بضوء شارد، يلقى بعض أضوائه على شخصيات معينة، فمن المؤرخ إذًا، ومن عالم الاجتماع الأول في العالم إذا لم يكن ابن خلدون؟!!، وإن مثل هذه الآراء التي تهون من شأن علمائنا وتصمهم وتصفهم بأوصاف هي محض خيالات في أذهان قائليه، ثم تلقى على آذاننا على أنها نتاجات فكر، أو نتيجة بحث عميق كل هذا لا يعطى لأي إنسان الحق في التهوين من عظماء فكرنا وتاريخنا .

يكتب أهل الجزائر الشقيقة عن المكان الذي كتب فيه ابن خلدون كتاب العبر في وسط الجزائر بالقرب من مدينة "تيارت" عاصمة الرستميين، وفيها نرى الروضة الغناء التي جلس فيها "ابن خلدون" والتي يصفو فيها الفكر ويسمو العقل ويرتقى الذهن.

أقول لكم: ابن خلدون علامة فارقة في مجال العلوم، ويكفى فخرا له أن بعضنا يتناولونه بالنقد، نعم ليس إنسان فوق النقد، لكن العيب كله أن ينتفص من قدره، أو أن يقال عليه إنه مؤرخ دون المستوى، وفى النهاية يسمح لي شيخنا ومعلمنا ابن خلدون بأن نقول عنه "جزاه الله خيرا عما قدم للإسلام وللمسلمين وللبشرية كلها".

إن المقارنة بين ابن الأثير وابن خلدون غير صحيحة بالمرة، وذلك لأن ابن الأثير كان مشغولا بالتاريخ العام حتى الفترة التي عاش فيها، بينما ابن خلدون "متفرد" بما يسمى بعلم الاجتماع، وهو أمر قائم على التحليل للحوادث التاريخية.

أما هؤلاء الزاعمين بكون ابن خلدون "مؤرخ دون المتوسط"، بمثابة البحث عن إحداث ضجة بالحديث عن شخصية في حجم ابن خلدون.

ابن خلدون صاحب الفكر الاجتماعي والمعرفي الذي لا ينتهي بالتقادم، بل قادر على التجدد والتعايش مع كل المستجدات الاجتماعية والاقتصادية، وبمعنى آخر مع كل ما تعيشه أوطاننا من أحداث ووقائع، وهذا هو الفكر الأصيل الخالد الصالح لكل مكان وزمان دون إدعاءات أو أكاذيب أو تأويلات .

ابن خلدون هو صاحب الفكر الاجتماعي الأصيل الذي كان نتيجة طبيعية لكل الظروف والملابسات والأحوال التي عاشها الرجل في المعمورة العربية الإسلامية، ونتيجة أيضًا للثقافات المختلفة التي استوعبها وهضمها وتمثلها وأخرجها لنا فكرًا أصيلاً واعيًا .

إذن لا داعي لأن يأتي في أيامنا هذه من يدعي ويزعم دون أسانيد علمية أو أدلة موثقة أو براهين معمقة، يدعي أن ابن خلدون نقل أو أخذ مقدمته من رسائل إخوان الصفا وخلان الوفا أو من ابن الأثير في الكامل، وبالطبع هذا نوع من الخلط الشديد في الأوراق والبديهيات، فرسائل إخوان الصفا الفلسفية والعلمية لها منطلقاتها وتوجهاتها الثقافية والفكرية التي تختلف تمامًا عن رؤى وأطروحات وأطر ابن خلدون الفكرية، والتي اعترف بأهميتها وأصالتها القاصي والداني ..

ونشير إلى أن هذا الزعم الغريب لم يقل به أحد من المفكرين أو المؤرخين أو الباحثين من قبل، في القديم أو الحديث، حتى أهل الاستشراق الذين لا يوارون أو يجاملون، وتأتي توجهاتهم في بعض الأحايين مستفزة وصادمة، وليس لديهم أي مانع من إيضاح أي مسألة من هذا القبيل، حتى هؤلاء لم يقولوا لنا أو يشيروا مجرد إشارة إلى أن ابن خلدون أخذ مقدمته من إخوان الصفا .

سيظل ابن خلدون دائمًا وأبدا هو صاحب اجتماع العمران، وصاحب فلسفة التاريخ الإنساني، وصاحب تصنيف العلوم والمعارف، يضاف إلى ذلك كونه أول واضع لعلم الاجتماع الإنساني، وليس أوجست كونت أو إميل دور كايم، كما يحلو للبعض أن يقول ويدعي في غيبة أو غفلة منا .

أقول لكم:أن مشكلتنا الحقيقية أننا لم نهتم الاهتمام الكافي والواعي بمشروع ابن خلدون الفكري، أو بالفكر الخلدوني بوجه عام، لم نطوره ونحدثه ونجعل له الآليات الفاعلة على أرض الواقع، لو فعلنا ذلك لارتقينا بفكرنا الاجتماعي بعيدًا عن الانغلاقية والجهل والتخلف .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

صادق السامرائيالخليفة: مَن يخلف غيره ويقوم مقامه، من ولي الإمامة العامة للمسلمين، الرئيس الأعلى لدولة الإسلام.

فكرة حكم تطورت مع الزمن لتصبح تعني نائب الله أو ممثل الله في الأرض، وهذا هو السبب الذي دفع بالخلفاء منذ الدولة الأموية إلى إنتهاج الحكم المطلق، وتسويغ سفك الدماء وقتل الأبرياء، لأنهم صاروا يتوهمون بأنهم ينفذون إرادة الله.

في فترة الخلفاء الراشدين كانت تعني القائد الذي جاء بعد الرسول ليقود دولة الإسلام  فالدين دولة، وإمتزج فيها القائد السياسي والديني، وما تطورت إلى حد أن يكون الخليفة متماهيا مع الله كما حصل بعدها.

وقد وردت في آيات عديدة توصيفات النبي الكريم ومعناه، ومنها:

"وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل...." آل عمران: 144

" ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيئ عليما" الأحزاب: 44

"...فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد" آل عمران: 20

"...إنما على الرسول البلاغ المبين" المائدة: 92

"مأ على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون" المائدة: 99

"فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين" النحل: 82

"لستَ عليهم يمصيطر" الغاشية: 22

"....وما أنا إلا نذير مبين" الأحقاف: 9

"قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي...."الكهف: 110

وفي جميع الآيات هناك فصل واضح بين النبي والرسول والرب، ولكل حدوده ودائرته التي يتحرك داخلها، فالرب مطلق وما دونه محدود ونسبي، وإرادة ما دونه نسبية، وإرادته متعالية ينفذها كما يشاء، لا كما يشاء عباده، أيا كانوا.

فكرة الخليفة تطورت، وإكتسبت قدسية وخصائص إلهية وهمية، فالخليفة يتوهم بأنه يمثل الله وينوب عنه في تنفيذ أمره بالعباد، فالظلم يبرَر بسخط الله على الضحية، والقتل إرادة الله التي ينفذها نائبه في الأرض، ولهذا إكتسب الخليفة معنى أكثر من نبي أو رسول، فهو سلطة إلهية مسلطة على الناس.

وسُخِّر الدين بأساليب متنوعة للفتك بالناس، فالمعارض يقتل بتهمة دينية، وقميص (الزندقة) معروف، وقتِلَ الآلاف من الأبرياء بتلك التهمة.

وعندما نتصفح تأريخ الخلفاء، نكتشف بأنهم كانوا مستبدين ظالمين يسفكون الدماء، ويتخذون من الدين مطية لتنفيذ رغباتهم وتصوراتهم، ويحيط بهم جمهرة من الفقهاء المنافقين الدجالين المتاجرين بالدين.

وحياة الخلفاء قاسية دامية لكثرة مظالمهم، وسيادة إنفعالاتهم، وما يقترفونه بحق الرعية وأنفسهم، وهم المقدسون المهابون المطاعون الذين لا يخطئون، فالجميع لا يراهم بل يتخيلهم ويضفي عليهم ما ليس فيهم من الصفات، لأنهم قد خرجوا من كونهم بشرا، وتحولوا في الوعي الجمعي إلى آلهة.

والحقيقة أن الخلفاء بشر كأي البشر  وفيهم من العاهات والإضطرابات السلوكية والنفسية ما لدى البشر، خصوصا عندما أصبحت الخلاقة وراثية، مما يعني أن الذي يأتي للخلافة قد يكون مصابا بأمراض، ولا يمتلك المهارات القيادية لإدارة دولة شاسعة الأطراف، وأنه في عمر مبكر، وبلا خبرات إجتماعية وثقافية وسياسية وغيرها، فيتحول إلى دمية بيد الحاشية التي تمرر تطلعاتها ورغباتها من خلاله، وترسم له صورة في أذهان الناس مغايرة لواقع حاله.

وقد لعب الشعراء دورهم السلبي في إظهار الخلفاء على غير ما هم عليه، لأنهم كانوا يتصورونهم ولا يرونهم على حقيقتهم، و يسقطون عليهم صورا متخيلة من نسج خيالهم المستجدي، الذي يبحث عن العطايا بأساليب تسولية مشينة.

فالشعراء في وصفهم أو مدحهم للخلفاء كانوا من أفظع الكذابين، لأنهم يتكسبون بشعرهم.

والحالة المحيّرة التي لا يتوقف عندها المؤرخون والفقهاء، أن القرآن واضح في وصفه للنبي الكريم، وما رفعه إلى درجات تخرجه من بشريته، ولم يمنحه صفات ذات معاني إلهية، فكيف تمكن الخلفاء من بعده الوصول إلى درجة النيابة عن الله في الأرض؟!!

مَن الذي أوصل الحالة إلى هذا المستوى من الوهم؟

وكيف تحقق توارثها وتطويرها حتى صارت وهما لذيذا، نتمتع به في أنظمة حكمنا العتيدة المعاصرة، التي تحول فيها الكرسي إلى ممثل للرب؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

منى زيتونفي مقال سابق بعنوان "اضطراب الشخصية المتعدد كحل سياسي" تطرقت إلى قضية تقمص الرئيس السيسي لبعض الشخصيات التاريخية لتخرجه من ورطاته وعثراته المتلاحقة سياسيًا ‏واقتصاديًا!‏

شرحت في ذلك المقال مفهوم هذا الاضطراب وأسبابه، وذكرت فيه أن السيسي يتبادل تقمص شخصيتين رئيسيتين منذ عرفناه؛ هما شخصية الخديو إسماعيل، وشخصية الرئيس السادات. ثم ذكرت أنه عندما تلاحق الضغوط كلا الشخصيتين اللاتي يتم تبادل تقمصهما ولا يمكن لأيهما تخفيفها عن النفس فإن ذلك يدفع الفرد إلى الهروب إلى شخصية ثالثة وربما رابعة لتخفيف أو تجنب الضغط النفسي الذي تضعه فيه سلوكياته.

وكان ذلك المقال بمناسبة استقبال مصر وفد من القبائل الليبية والتي فُسرت بمحاولة التدخل العسكري المصري في ليبيا، وقلت إن التاريخ لا زال يذكر لعبد الناصر اجتماعه بوفد قبائل اليمن ليعطوه تفويضًا بالتدخل العسكري في اليمن. وكان المقال متزامنًا أيضًا مع قرارات السيسي المتفرقة بشأن مخالفات البناء ونزع الملكيات الخاصة، وقلت وقتها إنه أصبح معنا عمر المختار، وأيضًا جمال عبد الناصر!‏

وربما كان علينا أن نحمد الله تعالى لأنه لولا نكسة 1967 التي تُذيل تاريخ عبد الناصر لكانت شخصية جمال عبد الناصر هي الشخصية الرئيسية التي يتقمصها السيسي؛ فهو الضابط الثائر مثله، والذي تحالف مع الإخوان ثم غدر بهم مثله، والذي يرى في نفسه زعيمًا ذا كاريزما مثله! وإن كان أي مدقق سيرى البون الشاسع بين الشخصيتين، خاصة في مسألة الكاريزما، فكاريزما السيسي متوهمة لا وجود لها سوى في عقله.

لكن يمكنني الجزم بأن نكسة 1967 لم تلغِ حالة الإعجاب والتقمص لدى السيسي بشخصية عبد الناصر، ولكنها جعلته يكتفي بمحاكاته جزئيًا في بعض سياساته الداخلية مع تخوف وحذر من تقليده في سياساته الخارجية خشية أن تدور الأيام عليه، فتخوف السيسي من إرسال جنود مصريين إلى اليمن، وتخوف أيضًا من التدخل العسكري في ليبيا، وهذا من حسن الحظ. والقول ذاته صحيح بأن السيسي أيضًا يحذر من أن تسوقه السلوكيات التي يحاكيها لدى عبد الناصر في سياساته الداخلية إلى أن تنقلب الأوضاع داخليًا عليه، ولعل حالة عدم الاستقرار التي سادت الشارع المصري في الربع الثالث من سنة 2020 اعتراضًا على قراراته بهدم المباني غير المرخصة قد زادت تخوفه من أن يحذو حذو ناصر تمامًا.

وهنا يجدر بي أن أشير إلى أنه ليس كل بناء يُبنى دون ترخيص هو عدوان من المواطنين على الرقعة الزراعية أو تخطي لسيادة القانون، فكثير من الأراضي التي تعتبرها الدولة أراضٍ زراعية ليس لها مسقى لتُروى منه؛ لأن الترع والقنايات التي كانت توصل مياه الري إليها تم ردمها منذ عقود. وهناك حي في محافظة الشرقية بُني على أكتاف المواطنين وبأموالهم، وكانت تُعطى تراخيص البناء فيه للمواطنين في أواخر القرن العشرين، ثم أوقف الحي تراخيص البناء لاستغلال المواطنين بإجبارهم على تحمل تكاليف إدخال المرافق إلى مبانيهم، وهو ما حدث، ثم يأتي الحي ذاته اليوم يطالب المواطنين بدفع غرامات لترخيص مبانيهم التي بُنيت تحت سمع وبصر الحي! والأدهى والأمر أن طالب الحي أحد الحاصلين على ترخيص بالبناء منذ حوالي ربع قرن بسداد غرامة البناء دون ترخيص! وبرج بالكامل كان مرخصًا للبناء من أرضه لسمائه تم هدمه ضمن حملة الإزالة، ودون إنذار، فأصابت صاحبه جلطة ومات من فوره.

فلم تكن حملة نظام السيسي بشأن تراخيص البناء هي قراراته الأولى التي تظهر رغبته في التعدي على الملكيات الخاصة للمواطنين وكأن ليس لأحد أن يملك في مصر غيره أو بإذنه، وكأن كل ما في مصر ملك للدولة –والتي يراها مساوية لنفسه؛ فالدولة= السيسي- وله أن يتصرف فيه كما يشاء، محاكيًا ومقلدًا بذلك جمال عبد الناصر، وكان السيسي قد أصدر قبل سنوات قرارات خصت الاستيلاء على ملكيات ‏الإخوان تحديدًا فيما يشبه التأميم الناصري لأموال فئة الباشوات، وقرارات أخرى لنزع الملكية الخاصة عن سكان مناطق كثيرة بدعوى المنفعة العامة، وادعاء ملكية الدولة لمناطق أخرى كجزيرة الوراق وغيرها ومحاولة نزع ملكيتها من سكانها، وإلغاء تطبيق مبدأ "التقادم المكسب للملكية" على أرض الواقع، وعدم الاعتراف به.

ولن أتكلم كثيرًا عن تأميم عبد الناصر وما أحدثه من خلل وتغير في تركيبة المجتمع المصري، لأن السيسي لا يقلده بحذافيره، فعلى الأقل كان ناصر يبني صروحًا صناعية عملاقة مملوكة للدولة، ولكن السيسي لا يهدر فقط الملكية الخاصة للمواطنين، بل ولا يبقي ملكية عامة ذات قيمة وتدر دخلًا للدولة، فكل ما عدا القصور والطرق والكباري يعاديه ويفسده، فلم يسلم منه حتى الشجر، ورأينا مؤخرًا إفساده مصنع الحديد والصلب، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وقانون الإيجار القديم الممتد رغمًا عن أنف المالك بأمر من الدولة هو مثال آخر على إهدار الدولة للملكية الخاصة للمواطنين؛ حيث قامت الدولة بتأبيد العقد، ثم بتوريثه لورثة المستأجر، وكأن الدولة قد حولت العقار من ملك للمالك إلى وقف خيري يجري على المستأجر وورثته من بعده، في سابقة لم يسمع بها العالمين من قبل عبد الناصر، ولا زالت المهزلة مستمرة ولا حياء لدى المسئولين ولا المستأجرين!

وبدءًا من مارس 2021 تسعى الدولة المصرية إلى إجبار المواطنين على تسجيل ملكية وحداتهم العقارية بالشهر العقاري عن طريق ربط إدخال ونقل المرافق للعقار بوجود عقد مسجل في الشهر العقاري يثبت الملكية. وهو إجراء يبدو ظاهريًا منطقيًا ومتعارفًا عليه في دول العالم كافة، كما كان عُرفًا سائدًا لدى المصريين حتى عهد عبد الناصر، ثم بدأ المصريون منذ الستينات من القرن العشرين يلجأون إلى عقود البيع الابتدائية وعقود الإيجار الصورية -لوحداتهم التي يملكونها- عوضًا عن التسجيل في الشهر العقاري، ولعل في هذا ما يدعو العاقلين للتساؤل عن أسبابه. فهل السبب كان التهرب من دفع رسوم تسجيل الوحدة أم أن هناك أسبابًا إضافية قل أن يتكلم عنها أحد؟

المتعارف عليه شرعًا وقانونًا أن العقد المدني هو شريعة المتعاقدين، وأن للعقد طرفين لا ثالث لهما هما من يحددان بنوده، وبالنسبة لعقد البيع فطرفاه هما البائع والمشتري، والمفترض قانونًا أن يقوما بالتوجه إلى مكتب الشهر العقاري التابع له العقار لتسجيل ما اتفقا عليه في عقد البيع والتوقيع عليه أمام موثق العقود، والذي تقتصر وظيفته على الإشهاد وأخذ التوقيعات ووضع الأختام الرسمية التي تؤكد صحة العقد، فموثق العقد ليس طرفًا من أطراف التعاقد، وهو أمر بدهي لم تكن هناك حاجة بي لذكره لولا الانقلاب المفاهيمي الذي حدث لدى موظفي الدولة منذ الستينات، والذي جعلهم يظنون أنفسهم شركاء للمواطن في ملكه!

إن المشكلة الكبرى التي تواجه المواطنين والمقاولين في مصر عند بيع وحدات عقارية في بناء كبير هي توزيع حصص الوحدات (الشُقق والمحلات) في أرض العقار، وذلك لأن مساحات الوحدات قد تختلف ومن ثم تختلف حصتها في الأرض، كما أن مساحة الأرض غالبًا ما يُترك جزء منها لا يتم البناء عليه، وكثيرًا ما يخصص المالك هذه الأرض التي لم يُبنَ عليها كحديقة خاصة له إن كان يسكن في العقار، ولا توزع مساحتها على باقي السكان، بل توزع عليهم فقط حصتهم في مساحة الأرض التي تم البناء عليها، وأحيانًا ما يضيف المالك تلك المساحة الإضافية إلى حصة وحدات الدور الأرضي ترغيبًا للمشترين في شرائها باعتبارها فللًا صغيرة ذات حديقة خاصة، وأحيانًا يضيف المالك مساحة إضافية في أرض العقار لبعض الوحدات التي لا تطل على واجهة أو تقع في الدور الأخير ترغيبًا للمشترين، وكل هذه الممارسات المشروعة للمالك -باعتبار أن من حكم في ماله ما ظلم- قد صارت في خبر كان منذ أصبح موثقو العقود يضعون أنوفهم في بنود العقد ويغيرونها!

ومن أقسى ما سمعت في هذا السياق أن مقاولًا حصل على ترخيص بناء لبرج من تسعة طوابق، وبنى أول ستة طوابق منه، وباعها وأعطى المشترين عقودًا ابتدائية، فسارعوا إلى تسجيلها، وكان بناء الطوابق الثلاثة الأخيرة لم يتم بعد، فقام موظفو الشهر العقاري بإعادة تحصيص وتقسيم أرض العقار على الشقق التي تم بناؤها فقط فزادوا في حصصها، ولم يراعوا حصص ما لم يتم بناؤه، ما أدى إلى أن شقق الأدوار الأخيرة لم يصبح لها نصيب في أرض العقار وفقًا لعقود الشهر العقاري، وكأن أصحابها يملكون الهواء فقط، فليس لهم نصيب في الأرض رغم أن حصصهم في الأرض مثبتة في العقود الابتدائية!

ولأجل قيام موظفي الشهر العقاري بذلك التلاعب وخيانة الأمانة دون أن يلتفت إليهم أحد فهم يطلبون من المواطنين تقديم "التماس" بقبول تسجيل حصص وحدات العقار في الأرض ويوقعونهم عليه! كما يسجل موثقو العقود في العقد المشهر مساحة حصة الوحدة في العقار بالأسهم وليس بالأمتار كي لا يلحظ أحد تلاعبهم.

إن هذه المشكلة بالإصرار على تعديل حصص وحدات العقارات في الأرض وفقًا لما يراه موظفو الشهر العقاري تتسبب في عزوف كثيرين عن تسجيل وحداتهم والاكتفاء بدعوى صحة التوقيع. والحل ببساطة ليس أن تربط الدولة إدخال المرافق إلى العقار بتسجيله في الشهر العقاري، بل الحل يكمن في أن يعرف موثقو العقود في مصلحة الشهر العقاري حدودهم ولا يتخطوها، ويتفهموا أنهم ليسوا أحد أطراف العقد فلا يعدلوا في حصص الوحدات من الأرض التي اتفق عليها طرفا العقد، والتي تحددت قيمة الوحدة العقارية على أساسها، ولا يعدلوا في أي بند آخر، بل يسجلوا بنود العقد كما اتفق عليها طرفا التعاقد.

وينبغي اعتبار أي تغيير من موثق العقود في بنود العقد الابتدائي بين المالك والمستأجر أو في بنود توكيل المالك للمستأجر بالبيع إخلال بالأمانة من موثق العقود يُعاقب ويُجازى عليه، ونظرًا لأن هناك الآلاف من عقود البيع التي أشهرت في مصر عبر أكثر من نصف قرن قام موثقو العقود بالتلاعب في حصص الوحدات في أرض العقار، فالحل الأمثل هو عدم إلغاء هذه العقود وتعديل القانون بحيث يمكن للمواطن –بائعًا كان أم مشتريًا- التقدم بطلب تصحيح لحصة الوحدات العقارية مصحوبًا بالعقد الابتدائي أو توكيل البيع الصادر من البائع للمشتري، وأن تُضاف "استمارة تصحيح" حمراء اللون وصورة من العقد الابتدائي أو توكيل البيع إلى العقد المُشهر ذي اللون الأخضر، ويتم إعلام جميع الأطراف بذلك التصحيح بواسطة خطابات مسجلة. ويمكن أيضًا إضافة استمارة إلى العقد المُشهر لكل وحدة عقارية تُسمى بـ "استمارة تقسيم أرض العقار على الوحدات"، يوقع عليها مالك العقار الأول، على أن تشمل حصص الوحدات المبنية والمعتزم بناؤها، مع ذكر اسم المشتري صاحب الوحدة التي يتم تسجيلها، ولا يلزم ذكر أسماء أصحاب الوحدات الأخرى، مع تحديد ملكية جزء الأرض التي لم يتم البناء عليها –إن وجدت- في تلك الاستمارة. والأهم أن تفهم الدولة أن هناك ما يُعرف بـ "الملكية الخاصة".

 

د. منى زيتون

السبت 27 فبراير 2021

 

 

صادق السامرائيالشعر: للشعر تعريفات متنوعة، وكلٌّ ربما يراه وفقا لما يبصره منه، لكنه "كلام خالد"، أو "كلام موزون مقفى قصدا"، أو "كلام بليغ مسجوع يجري على نهج الشعر في التخيل والتأثير دون الوزن"

الشعراء: جمع شاعر، الذين يكتبون الشعر.

لو رجعنا إلى منحنى الإنتشار الطبيعي، وركزنا على النسبة حول المعدل لتبين أن  أكثر من (70%) من الشعراء ربما يموتون مبكرا، وهناك نسبة تزيد على (2.5%) لا تنطبق عليهم الظاهرة.

وهذه محاولة للبحث في أسباب الموت المبكر الذي يصيب الشعراء، وهي مبنية على الملاحظة والمتابعة، وقد لا يتفق معها مَن يرى غير ذلك.

أولا: الإنفعالات

الطاقة الإنفعالية لدى الشعراء عالية، وتستنزف طاقاتهم وتؤذي قلوبهم، والكثيرون  يكتبون عندما يتأججون عاطفيا ويبلغون ذروة إنفعالاتهم، التي يجتهدون للتعبير عنها بالكلمات، مما يزيد من الجهد المبذول والأذى الغير منظور على أبدانهم.

والذين أعرفهم لا يكتبون من غير لهيب عاطفي، ولهذا يقولون بأنهم ليسوا في مزاج كتابة القصيدة، وكان لي صديق كنت  أحسبه سيموت عندما يلد القصيدة كما تلد المرأة، وأحيانا أحس به وكأنه في حالة عسر ولادة، فيفقد قدرته على الوقوف، ويُصاب بالغثيان وبنوبات من الغيبوبة الخفيفة، وبسبب هذه التفاعلات أصيب بداء السكر وتراكمت عليه مضاعفاته حتى داهمته المنية.

ثانيا: التدخين

الشعراء يدخنون، ومن النادر أن تجد شاعرا لا يدخن، وللنيكوتين دوره التحفيزي والإدماني بإطلاقه مادة الدوبامين، الذي يؤهل الشاعر للشعور بالنشوة والتهيؤ للإبداع، والشعراء يدخنون بإفراط، وتقترن عندهم الكتابة بالدخان، فهذا يولع سكارته، وذاك يشعل سيكاره، وغيرهم قد يدخن أشياء أخرى!!

ومعظم الشعراء يصابون بأمراض الجهاز التنفسي، كالربو والتهاب القصبات، وغيرها من الأمراض المزمنة التي تدمر الرئتين.

ومن الصعب عزوف الشعراء عن التدخين، لأن هناك إقران ما بين كتابة الشعر وإستحواذ النيكوتين على أدمغتهم.

والنيكوتين مادة سامة منبهة للخلايا الدماغية، ومعظم الشعراء مدمنون عليه مما يجعل إقلاعهم عن التدخين أمرا صعبا، وبسبب إقرانه بالإبداع فأن إقلاع الشعراء عن التدخين يكون من أعسر الأمور.

ثالثا: الخمر

الشعر والخمر متلازمان، وكأنك إن قلت فلان شاعر فأنك قلت أنه يتناول الخمر، والعجيب في الأمر أن العديد من الشعراء ما أن يجلس لكتابة الشعر، إلا ووجد نفسه مجالسا لقنينة الخمر.

كان لي صديق أستاذ يرى بأنه شاعر، ويأتيني بقصيدة بين آونة وأخرى، وعندما أراجعها أقول له أنها كهذربات مخمور، فينزعج، ويقول : أ تريدني أن أكتب شعرا بلا خمر!!

الشعر والخمر لا ينفصلان!!

والكثير من مرضاي المدمنين على الخمر يمارسون كتابة الشعر، وكم عاينت في بلدي حالات صعبة من الإدمان لشعراء وفنانين، فالربط بين الخمر والإبداع حالة متواصلة ومكثفة خصوصا عند الشعراء.

ولا يخفى ما لتأثيرات الخمر على الكبد والبنكرياس والدماغ وباقي أعضاء الجسم.

رابعا: الخيالات

الشعراء خياليون وبعيدون عن الواقع، ويحلقون في فضاءات لا رصيد لها فوق التراب الذي تلامسه أقدامهم، وهم مأسورون بالجاذبية الأرضية كغيرهم من المخلوقات، لكنهم يتوهمون التحرر من سطوتها، ويتفاعلون وكأنهم في عالم آخر من التصورات والرؤى.

وبسبب هذا الإنقطاع ينصدمون بصخرة الواقع، فيصابون بأضرار جسيمة ومخاطر وخيمة، تودي بهم إلى مصير صعب وأليم.

ولهذا فأن العديد من الشعراء ينتهون إلى حالة معيشية مزرية، يقاسون فيها خصوصا في أواخر أعمارهم.

خامسا: مناوءة الواقع

العدوانية المتواصلة ما بين الشاعر وواقعه تستنزف طاقاته، وتملأه بالمشاعر السلبية المؤذية التي تؤثر على صحته البدنية والنفسية، فهو رافض لواقعه، ومحلق فوقه، وقد لا يراه كما هو بل كما يبدو له، ويحاول أن يساهم بإنتشاله من قيعان الوجيع الذي يراه، لكنه يُصاب بأوجاع الإحباط والقهر والفشل والإنكسار، فيتجه نحو الرثاء والكتابة بالدماء والدموع.

ولهذا يسود الرثاء في معظم قصائد الشعراء، لأنهم في خصام مع واقعهم، ويعجزون عن التفاعل الإيجابي مع مفرداته، فيطيح بهم، ولا يؤثرون فيه، وتبقى قصائدهم هامشية ، وأصواتهم بلا صدى، وإن أمعنت بالرثاء والبكاء على أطلال التصورات الوهمية.

سادسا: المثالية والنرجسية

كتابة الشعر تمنح الشاعر شعورا غريبا بالمثالية، وتنفخه ليتحول إلى بالون، ما أن تعترضه حتى ينفجر بوجهك، ولهذا من الصعب أن توجِّه نقدا لشاعر، لأنه سيهتاج ويستحضر آليات الدفاع بأجمعها لتأكيد أنه على حق وأنت على باطل، فنقد الشعراء أشبه بالعدوان عليهم، هكذا يفهمونه، وبموجب ذلك يتفاعلون مع النقد.

ويميلون إلى تقبل المديح لأنه يغذي بالونيتهم النفسية وغرورهم، ونرجسيتهم المنتفخة، وهذا يدفع بالكثيرين منهم إلى التوهم بأنهم في مقامات إبداعية معينة، وعلى الناس أن تستمع إليهم وتترنم بكلماتهم، ولا يمكنهم أن يقرؤا ما يكتبونه ببصيرة ناقد.

ولهذا فهم يصابون بعمى إدراكي لما يكتبونه، ويأخذ منهم الوهم مأخذه حتى تجدهم يتطوحون على قارعة الطرقات، لأن الوهم لا يطعم من جوع ولا يأمن من خوف.

سايعا: القسوة على الذات

الشاعر عندما يكتب وكأنه يجلد ذاته ويعصرها ليستخلصها سلاف ما فيها من رحيق الإبداع الذي يراه أصيلا وخالصا ونقيا.

وهذه القسوة الذاتية الإستيلادية تكلف الشاعر عافيته النفسية والعقلية والبدنية، لأنها تطلق الهرمونات المساهمة في إستنفار ما فيه، وتأجيج أعماقه وتحويله إلى موقد ملتهب، يحرق ما فيه من الموجودات، وخصوصا الأعضاء التي يرهقها هذا الجلد الفتاك.

ثامنا: القلب المريض

الشعراء يمتلكون قلوبا مريضة أنهكوها بالعشق والغرام ومطاردة سراب الأحلام، والتحليق في فضاءات الأيام والآلام بلا أجنحة، ولا قدرات حقيقية على الإرتفاع والنظر الموضوعي للأشياء.

فالشعراء يمتلكون حواس غير متوفرة عند غيرهم، وهذه تستحضر حالات لا يستوعبها الآخرون من حولهم، وكأن موضع هذه الحواس في قلوبهم، فهم يبصرون بها، ويدركون ما يتناولونه من موضوعات بواسطتها، وهذه الحالة تتسبب بأمراض متنوعة للقلب، فتجد الشعراء يموتون من أمراض القلب.

فطريقة إستيعاب الشعراء للأحزان والآلام ومقدار تأثرهم بما حولهم يختلف تماما عمّا لدى عامة الناس.

تاسعا: داء السكر

لا أدري لماذا هناك علاقة قوية بين الشعر وداء السكر، ولا يُعرف هل أن الدرجة الإنفعالية للشعراء تتسبب بتعويق عمليات تسرب الكلوكوز إلى الخلايا، أم أنها تؤثر على الجهاز الهضمي والكبد والبنكرياس، وتعيق عمليات إنتاج الإنسولين.

ليست العلاقة واضحة، لكن الحالة الإنفعالية المتوقدة عند الشعراء لها دور في هذا الداء، وليس غريبا أن تجد النسبة العظمى من الشعراء يعانون من مرض السكر.

عاشرا: السرطانات

السرطان ببساطة هو جنون الخلايا، فالخلايا البدنية تصاب بالجنون، وتنطلق في نشاطاتها الإنقسامية وتستحوذ على باقي أعضاء الجسم.

والبعض يرى أن الشعراء من صنف المجانين، وأن هناك علاقة وطيدة بين الشعر والجنون، والكثير من الشعراء الذين يكتبون بلا قيود يمكن قراءة بعض ملامح إضطراب الأفكار فيما يبدعون.

والشاعر يداهمه السرطان، من حيث يدري ولا يدري ومهما كان حذرا فأنه سيصيبه، وكلما أمعن الشاعر بتوطنه في شعره، كلما إقترب منه السرطان.

وهذا لغز محير يحتاج لدراسات وأبحاث!!

حادي عشر: إنهاك البدن وإهماله

الشعراء ينهكون أبدانهم عاطفيا وإنفعاليا، ويهملون العناية بأجسامهم، وكأنهم في حرب معها، فتراهم بلا قدرة على الإعتناء بمظهرهم، وطعامهم وشرابهم، وينسحبون من التفاعل مع مفردات الحياة من حولهم، ويهيمون في فضاءات ما يعتلج في خيالاتهم من رؤى وتصورات.

أي أنهم ي حالة إنقطاعية تساهم في إزاحتهم من دائرة الحياة التي يتحركون فيها.

فهل يهتم الشعراء بأنفسهم؟

وهل يسطيعون الإنفصال عما يكتبونه ويستريحون من وعثاء الإبداع؟

إن معظم الشعراء يقتلون أنفسهم فيما يكتبونه، لأنهم يحسبونه جزء منهم، ويمثلهم، وفي ذلك إنهاك نفسي وفكري وبدني يتصاحب مع تداعيات نفسجسمانية وخيمة.

ثاني عشر: الغرور

أي إنخداع المرء بنفسه وإعجابه بها ورضاه عنها، وغرور النفس تعني شعور خادع بالأهمية.

ومن تداعياته، رفض الإعتراف بالخطأ وتبريره، وعدم تقبل الإختلاف مع الآخرين، ويحسب من لا يحبه عدوه، وإنكار نقاط الفشل والضعف، والغرور ينقص السرور.

وهو إيهام يحمل الإنسان على فعل ما يضره، وحب الإنسان لنفسه بزيادة قد ينتج عنه الكره والحقد.

ويندرج تحت تركيز الإنفعالات وتوجيهها نحو ما يتوهمه من التصورات الذاتية، وبذلك يساهم بإحراق بدنه.

ذات مرة كانت تردني رسائل أسبوعية من أحد الأخوة يطلب رأيِّ فيما يكتبه من قصائد، وترددت كثيرا في إبداء الرأي فهذا ليس من طبعي، وبسبب إلحاحه أشرت بأدب إلى أن هناك خلل بالوزن والقافية في آخر قصيدة وردتني منه، وإذا به ينفجر غاضبا ويرسل رسالة طويلة يبرر فيها ويدافع، وأنها ضرورة شعرية وغيرها، وإدّعى أن رسائله تصلني بالخطأ!!

فالغرور يساهم بإطلاق الهرمونات الضارة بكثافتها وأخواتها، مما يصيب الأجسام بعلل متنوعة إعتمادا على بؤر الضعف التي تتوطنها.

والخلاصة أن الشعراء ربما يموتون قبل أوانهم، ودرجة إنفعاليتهم تحدد أعمارهم، وكذلك عاداتهم وسلوكياتهم المنبثقة من أفكارهم وتصوراتهم.

وهم كغيرهم من الذين تقتلهم مهنهم أو حِرَفهم، فلكل نشاط فوق التراب أضرار جانبية وقد تكون قاسية، وللشعر أضراره على أصحابه!!

و"فوق كل ذي علمٍ عليم"!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

علي الزاغينيبالوقت الذي كانت العوائل حريصة على عدم استخدام ابنائهم الانترنت بصورة مستمرة، الا انها اصبحوا مرغمين على ذلك رغم المساوئ الصحية التي قد تنتج من الاستخدام المفرط للانترنت، وقد يكون هذا الاستخدام بحجة الدراسة ولكنهم منشغلين بأمور اخرى لا تمت بالدارسة بشيء .

قد لا نختلف كثيراً اذا ما قلت ان الكتاب كان الرفيق الوحيد للجميع سواء كان هذا الكتاب منهجي دراسي (او بمختلف المجالات العامة)، لكن على مايبدو ان نسبة الاقبال على قراءة الكتب وخصوصاً العامة قد تضائل بشكل واضح، بالاخص بعد استخدام الانترنت وتطور التكنلوجيا الحديثة وانتشار الهواتف الذكية، هذا كله جعل من العالم قرية صغيرة ، كل هذا جعل من الكتاب والمكتبة المنزلية مجرد ديكور يراد من خلاله ملء حيز شاغر داخل المنزل .

لم يتوقف الامر عند هذا فقط، بل ازداد كثيراً بعد انتشار فيروس كورونا في العالم، مما جعل الدول تضطر الى فرض حالة الطوارئ ومنع التجوال فيما بينها وكذلك في جميع المدن للحد من انتشار الفيروس، وهذا ما جعل المدن اشبه المهجورة واصبح التواصل بين الجميع عن طريق الانترنت فقط .

انعكس هذا الامر على المدارس والجامعات واغلقت جميعها خوفاً من اصابة الطلبة وانتشار الفيروس بينهم، لذا تم اغلاقها بشكل مباشر في اغلب دول العالم، مما جعل من وزارتي التربية والتعليم العالي العمل بنظام التعليم الالكتروني، حتى يتمكن الطلبة بمختلف مستوياتهم الدراسية من مواصلة المنهاج الدراسي عن بعد وتلقي دروسهم ولو بالشكل البسيط.

ان تجربة التعليم الالكتروني في العراقي ربما لم تكن بالطريقة المثالية او الناجحة مقارنة بدول العالم الاخرى، رغم بعض الايجابيات لكن هنالك سلبيات كثيرة تسهم في عدم نجاح التعليم الالكتروني منها :-

1- عدم استقرار الطاقة الكهربائية .

2- ضعف او عدم وجود الانترنت في بعض مدن العراق ولاسيما القرى والارياف.

3- عدم الالمام باستخدام التكنلوجيا و الانترنت من اغلب الطلبة وعوائلهم وخصوصاً في القرى والارياف .

4- الاستخدام الغير صحيح من قبل الطلبة للانترنت .

5- الاعتماد الكلي على المحاضرات او الواجبات التي يرسلها المدرسين وعدم قراءة المنهج الدراسي بالشكل الصحيح .

6- قد يكون الامتحان الالكتروني ليس عادلاً في التمييز بين الطلبة ومعرفة مستوياتهم الحقيقة، لذا تكون الدرجات غير حقيقة نتيجة عدم وجود رقابة على تلك الامتحانات الالكترونية .

7- عدم وجود جدول ثابت بالدروس والواجبات والمحاضرات التي ترسل للطلبة، وهذا يؤثر سلباً على استيعابهم .

كما انه الاستخدام المفرط للانترنت مساوئ صحية جسدية ونفسية تؤثر سلبا ًعلى الطلبة قد تكون انية او تظهر مستقبلاً منها:

1- الادمان على استخدام الانترنت وهذا مايولد الانعزال وعدم الاختلاط مع الاخرين .

2- ضعف البصر نتيجة الاستخدام المفرط للانترنت دون تخطيط .

3- التأثير على اعضاء الجسم ولا سيما المفاصل منها .

وغيرها من التأثيرات الجانبية الاخرى .

اما فيما يخص الهيئة التدريسية هنالك ايضاً تأثيرات نتيجة استخدامهم للانترنت لايصال المنهم المقرر، اذا ما علمنا ان البعض منهم قد يجد صعوبة في استخدام الانترنت او بعض البرامج التي تستخدم في ارسال الممناهج الدراسية للطلبة، ليس هذا فحسب وانما عدم التوازن في تخصيص وقت للتدريس المباشر في المدرسة والتدريس على الانترنت مما يجعله يشتت وقته ويربك عمله، اضافة الى عدم فرصة للاختبارات الورقية المباشرة مما يجعل عدم تقييم الطالب بالشكل الصحيح الذي يستحقه .

 

علي الزاغيني

 

عادل بن خليفة بالكحلةتمثّل «النحن» الاتّحادي و«النحن» الإسلامي في «القوقاز» المعاصر:

حالة رمضان عبد اللطيبوف


1- مشكل العمل:

يتناول هذا العمل ذاتًا هي من «النَّحْنُ» لأنّها مسلمة مثل «النَّحْنُ»، وهي في الآن نفسه من «الهُمْ»، لأنّها تنتمي إلى عالم آخر هو «العالم الثاني»، كما  صُنِّف منذ تأسيس أوروبّا الشرقيّة الموالية للاتّحاد السوفياتي عقب الحرب الإمبرياليّة الثانية. هذه الذات هي الذات «القوقازيّة»، أو «القبْقيّة»[1].

لماذا المثقّف «القوقازي» وليس المثقّف الفرنسي أو الألماني أو الأمريكي كما تجري العادة؟

من سوء الحظّ أنّنا لا نملك معرفة جيّدة بالآخر الذي فينا، أي بذوات ذاتنا، وليس لنا بالجامعة التونسيّة قسم متخصّص في العالم الآسيوي- الإفريقي أو قسم متخصّص في العالم الإسلامي، بل نجد ذلك في جامعات أوروبّا الغربيّة وأمريكا الشماليّة.

و«القوقاز» هو جزء من مجال الانتشار العربي الإسلامي الأوّل، قبل دخول المغرب ضمنه، وهو من الجوار العربي الرئيس (الأثيوبي/ الإفريقي ـ الغربي/ الإيراني/ الأناضولي). والعربي لا يعرف عنه سوى أنّه موطن خير الدين باشا، النهضوي التونسي.

2- الحالة المختارة: حالة رمضان عبد اللطيبوف:

كان من المفترض أن يختار هذا العمل ثلاث حالات: حالة المثقّف القوقازي الذي ما زال ماركسيّا بعد سقوط الاتّحاد السوفياتي (حالة فصيح بدرخان)، وحالة المثقّف المتصوّف (حالة محمّد أميرخانوف)، وحالة المثقّف الليبرالي (رمضان عبد اللطيبوف)، وهم جميعا من داغستان. ولكنّ ضغوط التوقيت وتعقّد الموضوع اضطرّني إلى الاقتصار على الحالة الأخيرة.

3- التعريف برمضان عبد اللطيبوف:

هو مفكّر وسياسيّ معا. له دكتوراه فلسفة، رئيس منظّمة اتّحاد شعوب روسيا. وهو أوّل قوقازي يصل مناصب سياسيّة رفيعة، فكان رئيس دائرة الشؤون القوميّة في المجلس الأعلى للاتّحاد الإيلافي (الفيدرالي)، ونائب رئيس الاتّحاد «الفيدرالي» الروسي، والنائب الأوّل لرئيس مجلس الوزراء الروسي. وقد نُشِر له أكثر من عشرين كتابا ومائتيْ بحث في قضايا الفكر السياسي والدين. وسنتعامل في هذا المبحث أساسا على كتابه المعرّب: مصائر الإسلام في روسيا، الصادر عن دار المدار بدمشق، ترجمه يوسف سلمان عن الروسيّة مباشرة، وقد صدر بالروسيّة سنة 2000.

4- تعريف التمثّل:

تطرح نظريّة التمثّلات «عدم وجود قطيعة بين العالم الخارجي والعالم الداخلي للفرد (أو الجماعة)»[2]. والتمثّل «رؤية وظيفيّة للعالم، تسمح للفرد أو الجماعة بإضفاء معنى على هذه السلوكات، عبر نسق مراجعة الخاصّ، أي بالتكيّف وتحديد مكان»[3]

إنّه «شكل معرفة، هيّأ اجتماعيّا ومقتسم، وذو مقصد عماي متقاطع مع بناء الحقيقة المشتركة مع المجمل الاجتماعي»(Jodelet, 1989). إنّه في الوقت نفسه «نتاج نشاط ذهني وسيرورته، يعيد الفرد أو الجماعة عبره الواقعيّ الذي يواجهه، ويمنحه دلالة خصوصيّة»[4]. فالتمثّل ليس إذن انعكاسا عن الحقيقة، فهو تنظيم دالّ. وهذه الدلالة تتبع في الوقت نفسه العوامل الجائزة («الظروف» كما يقول فْلاَمُنْ) وإكراهات الوضع، والسياق الفوري، وغاية الوضع – والعوامل الأكثر عموميّة التي تتجاوز الوضع نفسه، أي السياق الاجتماعي والملّي، ومكانَ الفرد بالتنظيم الاجتماعي، وتاريخ الفرد والجماعة والرهانات الاجتماعيّة[5].

يشتغل التمثّل باعتباره نسق تأويل للحقيقة التي تسوس علاقات الأفراد ببيئتهم الماديّة والاجتماعيّة ، يحدّد سلوكاتهم ومواقفهم ومارساتهم. فالتمثّل هو دليل للفعل، يوجّه الأفعال والعلاقات الاجتماعيّة. إنّه نسق ما قبل فكّ رموز الحقيقة لأنّه يحدّد جملة التوقّعات والانتظارات. ومن وظائف التمثّلات الاجتماعيّة أنّها تسمح «بفهم الواقع وتفسيره»[6]، و«تحدّد الضمير»[7]، وأنّها «تقود السلوكات والممارسات»[8]، وتبرّر اتّخاذ المواقف.

يحتوي التمثّل على جملة معلومات ومعتقدات وآراء تجاه المسائل، وهو جملة عناصر ضمن تنظيم وبنية. فتحليل تمثّل وفهم اشتغاله يقتضيان الوصول إلى مضمونه وإلى بنيته المتراتبة، وذلك مشروط بالوصول إلى النواة المركزيّة للنسق التمثّلي. فكلّ عناصر التمثّل منظّمة حول نواة مركزيّة «مكوّنة من عنصر أو بضعة عناصر تمنح للتمثّل دلالته»[9]. ووظيفة النواة المركزيّة الأولى توليد دلالات عناصر التمثّل الأخرى، أمّا الثانية فهي تنظيم الصلات التراتبيّة والتوحيديّة والتوازنيّة بينها.

5- النواة المركزيّة لتمثّل عبد اللطيبوف عن الإسلام:

محور تمثّل عبد اللطيبوف عن الإسلام هو فكرة «التسامح» وفكرة «وحدة الأديان»: «الله واحد والدين واحد»[10]. فللأديان جوهر واحد: «يتجسّد جوهر كلّ دين في إنقاذ الإنسان وروحه، وفي إيقاظ الخير والوداعة والرحمة والتعاطف فيه؛ وتدعو اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام والبوذيّة إلى الخير والعدالة والمساواة والتفاهم»[11].

وما يعني عبد اللطيبوف في الإسلام أكثر هو نظامه السلمي، فيستشهد بالحديث النبوي: «ما كان الرفق في شيء إلاّ زانة ولا نُزِع من شيء إلاّ شانهُ»[12]، ليؤكّد على دعوة الإسلام إلى الرحمة وتقييده استعمال العنف، حتّى مع الحيوان، فضلا عن الإنسان: «اتّقوا الظلم، فإنّ الظلم ظلمات يوم القيامة»[13]. وهو يرى أنّ الحقوق الإسلاميّة متطابقة مع حقوق الإنسان العالميّة وأنّ النظام السلمي للإسلام يتّسم «بطابع إنساني متتابع، وهو يتبنّى الدفاع عن كرامة الإنسان وحقوقه، حتّى في أكثر الظروف تطرّفا»[14].

ويرى أنّ أهمّ وصايا الإسلام الأخلاقيّة هي أن يكون المسلم متميّزًا «بالصدق، والابتعاد كليّا عن الخداع والتكبّر والغدر والحسد، وأن يكون مخلصا ووفيّا لالتزاماته، متميّزا بالأخلاق الحميدة ورقّة القلب والحياء، محسنا ومتسامحا مع الناس»[15].

إنّ فكرة وحدة الأديان عند عبد اللطيبوف تؤدّي ثانويّا وبالتبعيّة إلى فكرة التسامح بينها ضرورة. فاختلافها لا يعني أنّها لا تملك جوهرا واحدا، بل العكس هو واقعها، فما هو فيها «جوهريّ يوحّده فينا، ويوحّدنا جميعا (....) ومن الأهميّة بمكان أن ندرك هذا التنوّع ونفهمه ونظهره (...) فينبغي أن ندعو لمساعدتنا كلّ الآلهة، وأن نستعين بالمعارف كلّها، وبالروحانيّة والحقيقة كلّها وبالإيمان. لكن، من أجل تحقيق ذلك، ينبغي أن نكون أكثر روحانيّة وأخلاقيّة وتسامحا دينيّا. فالإنسان المثّقف والمؤمن، لا يمكن أن يكون عدوانيّا، ولا غير متسامح»[16]، فليس هناك في رأي عبد اللطيبوف «أديان سيّئة وأخرى معتمدة، فكلّها من عند الله»[17]، و«كلّها منزّلة من عند الله»[18]. وهنا ينتقل عبد اللطيبوف من «الآلهة» لينتهي إلى «الله» الواحد.

وعبد اللطيبوف لا يعدم تأثير الأديان الأخرى في الإسلام مسيحيّا وعربيّا ـ جزيريّا ثمّ فارسيّا وبَرْهميّا، لكنّه يستدرك ليقول: «إنّ التصوّر ينبغي أن يتمّ النظر إليه رغم ذلك على أنّه ظاهرة أصيلة لأنّه طوّر الإيمان العربي بالله، الذي لا يتطابق لا مع التصوّرات اليهوديّة ولا المسيحيّة بشأن علاقة الله بالبشريّة، ناهيك عن التصوّرات البرهميّة»[19]. وهو يرى أنّ الإسلام كان «فكرة قوميّة جامعة للعرب، وفي سير التطوّر استطاع أن يتغلّب على محدوديّة الثقافة الإثنيّة ويصبح دينا عالميّا، كما كان مقدّرا له، فبدأ يؤثّر في نِحَل شعوب كثيرة وحضاراتها»[20].

6- أعلام المسلمين عند عبد اللطيبوف:

استعمل عبد اللطيبوف في مصائر الإسلام في روسيا 42 عَلَمًا، كان منهم 25 عَلَمًا مسلما، وكان من هؤلاء 14 عربيّا.

وقد استشهد بأهمّ أنبياء الإسلام (محمد وموسى وعيسى)، واستعمل 16 حديثا نبويّا، لكن ليست من مصادرها بل من مراجع استشراقيّة روسيّة في غالب الأحيان، أو مراجع لمفكّرين مسلمين من المجال الروسي.

غطّت فترة النبيّ والخلفاء الأربعة الأوائل 7 أسماء، ولكنْ عددا هامّا من الصفحات، فالعصر الأموي- العباسي لم يشمله عبد اللطيبوف إلاّ باسم وحيد هو اسم المأمون(الذي يعني عبد اللطيبوف في تأسيسه بيت الحكمة وتقريبه كلّ أهل الأديان في دولته). فهذا العصر إمّا أنّه لا يهمّ مشروع عبد اللطيبوف التسامحي في المجال الروسي، أو إنّه أقلّ أهميّة بالنسبة إلى العصر التأسيسي للإسلام (عصر النبيّ والخلفاء الأربعة)، أو إنّ معلوماته عنه ضعيفة. هو لا ينظر إلى المأمون نظرة نقديّة ـ تاريخيّة، فلا يرى فيه إلاّ وجه بيت الحكمة، بينما لا يراه في كلاّنيّته ورفضه التعدديّة المذهبيّة والسياسيّة والعدالة المعاشيّة.

وهو يتناول المذهب الحنبلي بتسرّع وابتسار قائلا إنّه «يتميّز بالحرْفيّة المبالغ فيها»[21]، فلم يوضّح إن كان يتناول المؤسّس (أحمد بن حنبل) في موقفه من تعسّفية المأمون إذ فرض فكرةً (وإن كانت معقولة) بالعنف، أو في مدوّنته الحديثيّة التي كانت غير «حرْفيّة» نسبيّا، إذ كانت أوسع من فضاء موطّأ مالك بن أنس وصحيحيْ البخاري ومسلم وأكثر تسامحا منهما؛ ولم يوضّح إن كان يتناول المذهب الحنبلي في تبلوراته المتأخرة والتي ذهبت في كثير من الأحيان عكس أطروحات أحمد بن حنبل (في الموقف من الشفاعة، والولاية، وفي فضائل الصحابة...) أو في مرحلته التأسيسيّة.

ومن يهُمُّ عبد اللطيبوف في الصحابة هم: أبو بكر وعمر وعلي بن أبي طالب وعائشة والعبّاس وعبد الرحمان بن عوف، لكن رؤيته لهم كانت تمجيديّة، غير تاريخيّة، ولم يبرّر اقتصاره عليهم، وترتيبه لهم. فمن المعلوم أهميّة عثمان في بلورة التاريخ الإسلامي بعده (تقريب بني أميّة سياسيّا ومعاشيّاالذي على أساسهم سلطانهم)، ومن المعلوم الأهميّة المِليّة لعبد الله بن عبّاس وعبد الله بن عمر وأمّ سلمة النقيضة المليّة والسياسيّة لعائشة، ولكنّ عبد اللطيبوف لا يعرف لهم أهميّة تاريخيّة.

7- تمثّل عبد اللطيبوف عن العالم الإسلامي المعاصر:

يقدّم عبد اللطيبوف العالم الإسلامي المعاصر على أنّه عالم يشمل «52 دولة مستقلّة ذات سيادة»، فالمركزيّ في هذا التمثّل هو التقديم السياسي القانوني لا الديني.

أمّا الأجناس التي يراها المكوّن الرئيس لهذا العالم فهي العرب أوّلا ثمّ الهنود، فالأتراك والصينيّين والماليزيّين والأُزْبَك والروس[22]. فأمّا جعله العرب أوّلا، فيمكن تبريره بأنّ النبيّ محمّدا عربيّ، وأنّ المسلمين الأوائل هم عرب، وأنّ أوّل بلاد مسلمة هي الجزيرة العربيّة. وأمّا جعله الهنود ثانيا، فيمكن تبريره بأنّهم أكثر المسلمين عددا (199 مليونا بباكستان و101 مليون بِبِنْغَالَدِيش و99 مليونا بالاتّحاد الهندي). وأمّا جعله الأتراك بعد ذلك (حتّى وإن قصد بهم أتراك تركيا وآسيا الوسطى وأذريبجان مجتمعين)، فعددهم ليس أعلى من عدد مسلمي جنوب شرق آسيا (إندونيسيا وماليزيا والفيليبّين.....). وأمّا أن يجعل من الأُزْبَك جنسا مستقلاّ فهو خطأ فادح لأنّهم من الجنس التركي. وأمّا جعله الماليزيّين جنسا مستقلاّ وكذلك الروس فهو كذلك أمر غير عمليّ. فتمثّله عن العالم الإسلامي يشوبه بعض الارتباك والضبابيّة، أي ما زال نسبيّا بعيدا عنه وعيًا.

ويرى عبد اللطيبوف أنّ تقسيم العالم المعاصر إلى «إسلامي» «وغير إسلامي» هو «تقسيم صارم» وهو «يتناقض مع مصالح البشريّة»[23]، وذلك لأنّ انتماء لروسيا المتعدّدة الأديان وذات الأكثريّة الأرثوذكسية يعني في لاوعي عبد اللطيبوف مفارقة لعالم إسلامي ذي أكثريّة ذات دين إسلامي، أو بالأحرى قد يعني انتماء مسلم الفيدراليّة الروسيّة (الإيلاف الروسي) للهويّتيْن (الهويّة العالم ـ إسلاميّة والهويّة العالم ـ روسيّة) في لاوعيه شرخا هوويّا يهدّد الوحدة «الروسيّة»، «فمصالح البشريّة» هي في الحقيقة «مصالح الوحدة الروسيّة»[24]، أو يجب أن تكون كذلك في لاوعيه، في حين أنّ المطابقة هنا ليست ضرورةً.

8- الاتّحاد الروسي والإسلام والعرب:

يؤكّد عبد اللطيبوف أنّ «الإسلام هو دين التقدّم والحضارة والخير والأخلاق. والإسلام يعني في العربيّة الأمان والسلام مع النفس»[25]. وهو يركّز كثيرًا على ارتباط النهضة الأوروبيّة بالنهضة الإسلاميّة، وعلى أنّ الإسلام وجد «مكانا له في ثقافة روسيا وفي الروحانيّة الروسيّة، وأصبح دينا تقليديّا لأكثر من أربعين شعبا، ممّا يسمح لنا بالحديث عن عالم روسيا الإسلامي حيث يعتنقه الملايين من مواطني روسيا»[26]. أمّا اليوم فالإسلام في روسيا «يتجدّد على خلفيّة السيرورة الديمقراطيّة»[27].

وإن كان يرى أنّ أصل الإسلام السياسي، وهو «خطر» كلّه[28] عربيٌّ، وقد دخل شيشانيا وداغستان، فإنّه ينبغي أن «تتغلّب أشكال التمثيل السياسي الحضاري الهادئة ومشاركة المؤمنين كافّة في حياة المجتمع والدولة على الراديكاليّة والتطرّف اللّتين تجدان لها مكانا على هامش كلّ الأديان»[29].

وهو يدعو إلى تقوية الصلات بالدول العربيّة، وقد نشط هو نفسه - باعتباره سِفَاريّا- في هذا الاتّجاه. وزار عديد الدول العربيّة، وتفعيل دور روسيا في التوسّط بين «العرب وإسرائيل»[30]. فالقوقاز والقوقازيّون المسلمون لن يكونوا بذلك شركاء في الصراع، بل شركاء في التوسّط.

ويرى عبد اللطيبوف أنّ «العالم العربي هو عالم سحريّ، عالم الفرادة الروحانيّة والاكتشافات العلميّة، عالم الفلسفة العظيمة والشعر الفنّي»[31]، وهي نظرة ابتساريّة انتقائيّة ترجع إلى مراحل الاستشراق الغربي الأولى وهو تمثّل غير تاريخي، وغير علمي، إذ لا يحيلنا على تعقّد هذا العالم العربي ماضيا، ولا تعقّد واقعه الراهن. ولم يستشهد بأيّ عَلَم قوقازي واحد، ولا نعرف هل أنتج القوقازيّ أمس واليوم للإسلام؟ فجلّ الإنتاج الذي استشهد به كان عربيّا وفارسيّا غير قوقازيّ. ولم يؤكّد لنا توطّن الإسلام في القوقاز التي أنجبت حسن حلمي القَحِِي وشعيب الباكنيّ ومحمّد الدَّرْبَنْدي وعبد الوهاب الجَسطاوي والفاضل الدَرْبَنْدي وغيرهم.

وهو متمزّق بين داغستان تريد الاستقلال الناجز عن الروس إذ يذكر بإعجاب شديد بطل حرب الاستقلال، الإمام شاميل: «كان الشيخ شاميل، قائد سكان الجبال الشجاع والموهوب، إنسانا عميق الإيمان، مدافعا عن دينه وأرضه»[32] طامرا نزعته الاستقلاليّة اللاواعية بالتسترّ وراء الشيخ شاميل، وبين تأكيده في جلّ ما يكتبه عن اندماج في «الفيدراليّة» الروسيّة.

خاتمة

يمكننا أن نفترض أنّ المثقّف الداغستاني اليوم، من خلال رمضان عبد اللطيبوف يعيش نواة ضميريّة متشظّية. فهو يريد أن يعيش قوقازيّته وإسلاميّته وروسيّته ضمن تأليفة مستعصية نسبيّا. فقوقازيّته ما زال غير ممسك بها، ما دام لم يستشهد في بناء أطروحته بأيّ عَلَم قوقازيّ شارك في بناء الحضارة الإنسانيّة. وإسلاميّته ما زالت غير تاريخيّة وغير نقديّة وغير علميّة، بل ما زالت انتقائيّة، غير مستدلّ عليها. و«روسيّتة» ما زالت دون وضوح دستوريّ كافٍ، ينفي تغلّب الهويّة الروسيّة «الفيدراليّة» وافتراسها لقوقازيّته.

فهذا النسق التمثّلي الدّاغستاني المؤوّل لحقيقة الانتماء الداغستاني للعالم ما زال دون عناصر متماسكة، ومن ثمّة دون نجاعة كافية للتأثير في تاريخ داغستان والقوقاز الآتي.

 

د. عادل بن خليفة بالكحلة

(باحث إناسي، الجامعة التونسية)

....................................

[1] نسبة إلى بلاد "القَبْق" (بلاد القوقاز) حسب الجغرافيّين والمَسَالكيين بالعصر الوسيط (البلاذري، اليعقوبي، البكري...).

[2] Moscovici, Preface, in C. Herzlich, Santé et maladie, Mouton, Paris, 1969.

[3] Jodelet, (D.), Folies et representations sociales, PUF, 1989, p. 9.

[4] Abric (J. C.), « les représentations sociales : aspects théoriques », in : Abric (J. C.) (dir.), pratiques sociales et représentations, P.U.F., Paris, 1994, p. 64.

[5] م. س، ص. 13.

[6] م. ن.، ص. 15.

[7] م. ن.، ص. 16.

[8] م. ن. ص. 16 أيضا.

[9] م. ن.، ص. 19.

[10] ص. 118.

[11] ص. 119.

[12] ص. 113.

[13] ص. 114.

[14] ص. 114.

[15] ص. 114.

[16] ص. 119.

[17] ص. 78.

[18]  ص. 305.

[19] ص. 271.

[20] ص. 271.

[21] ص. 97.

[22] ص. 69.

[23] ص. 106.

[24] ص. 106.

[25] ص. 319.

[26] ص. 318.

[27] ص. 318.

[28] ص. 123.

[29] ص. 319.

[30] ص. 78.

[31] ص. 76.

[32] ص. 6.

 

الفكرُ الإنساني ليس له معنى ولا فائدة في العلوم الاجتماعية، إذا لَم يُقَدِّم حُلولًا منطقية قابلة للتطبيق العملي. والعلومُ الاجتماعية تفقد قيمتها الوجودية وسُلطتها الاعتبارية، إذا لَم تُقَدِّم مشروعًا لخَلاصِ الفرد من الاغتراب النَّفْسي، وتَحَرُّرِ المجتمع من القَلَق الوجودي. وهذا يستلزم أن يندمج الفكرُ الإنساني معَ العلوم الاجتماعية، مِن أجل إنقاذِ الإنسان مِن الوحش الساكن فيه، ونَقْلِ العلاقات الشعورية من التوحُّش إلى الإنسانية. وهذه هي الخُطوة الأُولَى لنقل المعنى المعرفي من جسد اللغة إلى تجسيد اللغة على شكل رموز قادرة على حمل تاريخ المجتمع، والحفاظ على هُويته الحضارية. والرموز تُمثِّل أركانَ فلسفة الطاقة الذهنية العابرة لحدود الزمان والمكان. وكُل ظاهرة اجتماعية محصورة في لحظتها الزمنية الآنِيَّة وإطارها المَكاني الضَّيق، يُمكن إيجاد تفسير عقلاني لها عن طريق فهم رمزيتها المُجرَّدة مِن مركزية الأفراد ومصالحهم الشخصية. فالرَّمْزُ هو النَّوَاةُ الفلسفية، والمركزُ الذي يستقطب الأضدادَ، ويُعيد صَهْرَها في بَوتقة الذاكرة الجمعية، لتحويلها إلى نظام عقلاني مُتجانس. وهذا النظامُ قائم على التكامل، حيث يُتمِّم العُنصرُ الآخَرَ ويتَّحدان معًا. لذلك يَقبل هذا النظامُ الاختلافَ (تلاقح الأفكار المُتعدِّدة)، ويَرفض الخِلافَ (تعارُض المصالح). وكما أنَّنا لا نستطيع الوصول إلى النَّواة إلا بإزالة القِشرة الخارجية، كذلك لا نستطيع الوصول إلى الرمز إلا بإزالة الغلاف اللغوي. وهذا يعني أنَّ الرمزية عملية تعرية مُستمرة للشعارات النفعية والأبجديات المُغرِضة والأيديولوجيات الفئوية، مِن أجل الوصول إلى الوجه الحقيقي للشيء خارج نُفوذ الأقنعة وسُلطةِ المرايا.

2

الرمزُ الإنساني في مصادر المعرفة الاجتماعية لَيس شخصًا، ولكنه تشخيص، وليس جسدًا، ولكنه تجسيد. إنَّه تشخيص للحالة الشعورية من أجل تفسيرها نفسيًّا واجتماعيًّا، وتجسيد لأشكال التفاعل الاجتماعي بين الوعي الأخلاقي واللغة النَّقِيَّة الخالية مِن الشعارات، كالماء المُقطَّر الخالي من الشوائب. وهذا يُسبِّب اتِّزَانًا في عناصر المنظومة الثقافية العامَّة، ويُحدِث توازنًا في التجربة الإنسانية الشخصية. أي إنَّ تفعيل ثنائية (التشخيص / التجسيد) في الفكر الاجتماعي يُؤَدِّي بالضرورة إلى تجذير ثنائية (الاتزان / التوازن) في المجتمع الإنساني، وهذا يكشف مدى الترابط بين المعنى والرموز التي تُعبِّر عنه. وإذا تكرَّسَ المعنى كَطَوْق نجاة للمجتمع، فإنَّ الرموز سَوْفَ تتَّحد لتصبح رمزًا واحدًا يُمثِّل بَرَّ الأمان وشاطئَ السلامة.

3

أخطر إشكالية تُهدِّد طبيعةَ التسلسل المنطقي في الأنساق الاجتماعية، هي مَوت المَعنى المعرفي، وغياب الرمز الفكري. والنَّوَاةُ المركزية في اللغة تتكوَّن من المعنى والرمز، وإذا زالَ هذان المُكوِّنان، زالت شرعيةُ اللغة، واختفت مشروعيتها، وفقدت جَدْواها، وخسرت ماهيتها. وبدون اللغة سيتحرَّك الإنسانُ في الفراغ ، ويتنقَّل بين الأوهام ضِمن متاهة لا مَخرَج مِنها، ونَفَق لا ضَوء في آخره. وهذا يعني أن غياب اللغة هو غياب للإنسان. وبما أنَّ اللغة هي الجهة المانحة للضَّوء في نهاية النَّفَق، فينبغي بناء الأنساق الاجتماعية وَفق مَنطق اللغة، والحِرص على تَوليد المعنى، وتأسيس الرمز. وهكذا يَحْمي الإنسانُ نَفْسَه مِن السقوط في الفراغ، ويَحْمي أفكارَه مِن الغرق في العَدَم. وفي نَفْس الوقت، يُحافظ المجتمعُ على معناه الروحي، وكِيانه المادي، وقُوَّته الناعمة المُتمثِّلة في الثقافة الحقيقية، التي تُعلِّم الإنسانَ التَّحليقَ في عوالم الإبداع، ولا تُعلِّمه كيفيةَ الدُّخول إلى القفص.

 

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

 

 

رانيا عاطفلا شك أن عالمنا الآن يشهد تقدمًا علميًا وتكنولوجيًا هائلاً، نلمس نحن البشر ثمار هذا التقدم المذهل في حياتنا اليومية، ولكن السؤال الذي يشغل أذهاننا هو هل واكب هذا التقدم العلمي والتكنولوجي تقدمًا أخلاقيًا؟ بمعنى آخر هل هناك توازن بين الجانبين العلمي والتكنولوجي والأخلاقي؟

لقد أصبحت اللإجابة على هذه الأسئلة إحدى متطلبات العصر، لما لها من أثر كبير على حياة البشر، وخاصة أنه لا جدوى لأى تقدم سواء علمي أو تكنولوجي ما لم يواكبه تقدم أخلاقي، فقد أكد على هذه الحقيقة "شاعر النيل" بقوله:

لا تحسبن العلم ينفع وحده     مالم يتوج ربه بخلاق

علمًا بأن هذا التقدم العلمي والتكنولوجي لم يقف عند هذا الحد، بل سينمو ويتضاعف بالطبع في السنوات القادمة، وليس بالأمر الخفي ما أدت إليه هذه التكنولوجيا من تقدم في إستخدام المزيد من الأسلحة، وخاصة التي توصف بأسلحة الدمار الشامل على المستوى العسكري كأثر سلبي لهذا التقدم التكنولوجي

ذلك في الوقت نفسه قد لانجد في أكثر الدول المتقدمة تكنولوجيٱ تقدمٱ أخلاقيٱ يواكبها، فهذه الدول تتبنى العمل وفق سياسة المصلحة الذاتية، وتمضي لتحقيق أهدافها حتى على حساب الدول الأخرى

غير ملتفتة لأضرار هذه السياسة وذلك ما جعل عالمنا يبدو مخيفًا لأن التكنولوجيا قد أنتجت ما يكفي لتدمير هذا العالم إذ لم ننهض نحن البشر لتفعيل دورالأخلاق فقد عني الفلاسفة منذ سقراط مرورًا بأفلاطون وحتى جون لوك وبرتراند رسل بالحديث عن الأخلاق، لإعتقادهم بأنها السبيل الوحيد إلى تحقيق السعادة، ولم تكن أفكارهم قاصرة على بلدانهم فحسب، بل كانوا يتحدثون عن البشر جميعًا

فنحن نجد أن النزعة الإنسانية قد غلبت على كتابات معظم الفلاسفة والمفكرين الذين قامت على جهودهم الحضارة الحديثة، فقد أرادوا نشر قيم العدل والحرية والمساواة والإيخاء والتسامح؛ ليسود السلام العالمي بين دول العالم أجمع

ذلك لأنهم أدركوا ضرورة قيام نسق أخلاقي إجتماعي يسمو بالإنسان لكونه محور كل حضارة، وأساس كل تقدم، لذلك فنحن اليوم في أمسَ الحاجة إلى تفعيل دور تلك القيم الأخلاقية السامية

التي على أساسها نستطيع إستغلال هذا التقدم التكنولوجي فى تحقيق أكبر نفع ممكن للبشرية، لأن هذه التكنولوجيا متعادلة القيمة، فلا تحمل قدرًا من الخير أو الشر

وإنما الإستخدام البشري هو ما يضفي عليها تلك القيم، إذًا فما علينا نحن البشر سوى النهوض لتفعيل دور القيم الأخلاقية بالحجم الذي يتناسب مع هذا التقدم التكنولوجي الهائل.

 

رانيا عاطف

 

 

نجيب طلال(كورونا ذاك) الفيروس (عبر امتداده؛ وتوغله عبر أرجاء الكون؛ حتى أمسى "مُكوْننا " مما لاح في الأفق ظهور سلالته (الآن) ولربما سيظهر أحفاده في الشهور المقبلة؛ ومن يدري؟ ولكن الذي ندريه جيدا أنه أفرز مفارقات غريبة وعجيبة في حياتنا اليومية؛ وخاصة لدى الفنانين والمبدعين بحيث علت بعض الأصوات في بداية الآمر، في عريضة يتم توقيعها من طرف (بعض) الفنانين واستعملت (الفايس بوك) كوسيلة للتواصل ...تطالب بفتح القاعات السينمائية والمسارح وإعادة الحياة إلى هذه المؤسسات ولتفادي مضاعفة متاعب هذه الفئة، ولا سيما الذين لا يتوفرون على مدخول آخر؟ بحيث مر أسبوع على تلك البلبلة التي لم ينخرط فيها العديد من المسرحيين؛ مقارنة بالتفاعل النسبي مع العريضة الإلكترونية الذي تقدم به أحد (نقاد السينما) للمطالبة بفتح القاعات السينمائية والسماح باستئناف الأنشطة الثقافية؟ مقابل هذا فالوزارة الوصية التزمت الصمت ! ولم تشر ولو إشارة من باب إستراتيجية التسويف ! مما التزم الكل الصمت وانعدم مفعول العريضتين؛ لكن الملاحظ عندي، أن الذين طرحوا (العريضة) موظفين لهم رقم تأجير؛ ولم تصبهم الضائقة المالية؛ هنا لما ذا لم تطرح النقابات الفنية (عرائضها) بدل (الفيدرالية) التي ليست (نقابة) وبدل تدوينات بعضهم؛ والذين لم تصبهم كذلك لفحات الوضعية المزرية التي يعيشها بعض الفنانين والمهنيّين عموما، ولاسيما الرواد الذين لم يفكروا في اكتناز (المال) وإنشاء مشاريع خارجة عن التصنيف (الذاتي)؟ هنا يتبين لنا بأننا نحن المسرح؛ بمعنى : أننا نمارسه خارج طبيعته ومنظوماته وضوابطه [ لنكن صرحاء مع أنفسنا ] لأننا نحتاج (الآن) لأشخاص يقولون بثبات ويتفوهون بلا تراجع (كلمة صدق) خالصة . وهنا الأمر ليس عنترية أومباهاة أوحُبا للتصدر والتمظهر، بل المسألة تندرج في سياق جرأة نفسيّة، وقوَّة داخليّة، يدفعك إيمانُك الشامخ لكي تقولها، بكل وإباء، ورسوخٍ : بأن المسرح المغربي؛ بكثرة المناورات والخلفيات ذات البعد (الذاتي/ المصلحي) والتلاعب بالأقنعة وممارسة المزايدات؛ وانتظار لحظات الهجوم،أمسى أكثر تخلفا مما كان؛ وانزلق في وضع غير طبيعي وحقيقي، وضع يعكس بؤس الخيال عند جل المسرحيين؛ فلماذا لم يبادرالفنانون الذين صرَّحوا وَصرَخوا (لا، لاستمرارية إغلاق المسارح، ودور السينما، وقاعات العروض الفنية، أفتحوها سنموت اختناقا) للبحث عن بدائل لممارسة أنشطتهم؟ أليست هنالك الوسائط الاجتماعية ؟ أليس هناك مسرح الشارع؟ أين هي تلك [الجمعيات = تعاونيات/ وكالة/ التي تتهافت عن الدعم، فلماذا لم تبادر بتقديم عروض مسرحية عبر (الافتراضي / أونلاين) وذلك تماشياً مع الظرفية الوبائية الراهنة، لضمان نسبة التواصل مع الجمهور والحضور الثابت في المشهد، باعتباره (الآن) بديل عن الوضعية التي أنتجها (الفيروس) فارضا بانتشاره إيقاعا مختلفا في مختلف القطاعات، ومنطوقا جديدا للتوازنات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في العالم كله. وفي نفس الوقت؛ فالمسرح الوسائطي/ الافتراضي يعتبر متنفسا ضد الخواء النفسي والروحي،الذي يعيشه الممثلون كما (يدعون) علما أن الاختناق يؤدي لا محالة للموت؛ ولحد اليوم لم يمت أحد من (الفراغ) ! فالذي يكره الفراغ، فبطبيعة دوره يبحث عن بدائل لتبديد ذاك الفراغ؛ ولكي لا يعيش مختنقا ولو (رمزيا) ؟ فالتكنولوجيا مهما اختلفنا ستبقى هي البديل والخيار الأبرز بالنسبة لمختلف مجالات العمل والإنتاج، بما في ذلك الفنون التي تأثرت أكثر من غيرها بسبب الجائحة. وفي هذا السياق قد يكون المسرح المغربي اليوم كائنا بلا معنى لأنه معذور في تخلفه وتخلف أغلب فنانيه ومبدعيه عن الركب الوسائطي والتكنولوجي ! إلى جانب شبه غياب للخبرة والدربة والكفاءة التي يتطلبها التعامل مع الشبكة العنكبوتية – انترنيت - وبالتالي عبر هذا العطب، كيف يمكن للمسرح أن يبرز العاهات والأعْطاب وأن يقدم على الأقل تصورا (ما) لواقع اجتماعي وسياسي آخر وهو معطوب ""منْ وفي"" مكوناته؟

فلماذا بعض المبدعين والفنانين في أقطار عربية كلبنان و مصر والعراق رغم الاضطرابات الاجتماعية والفوضى السياسية والتفجيرات التي تعيشها بشكل مروع ومؤسف في كل لحظة؛ أقدموا على إنجاز عروض ومهرجانات افتراضية نالت استحسانا وعددا هائلا من المتتبعين؛ رغم بعض الاعتراضات والمعارضات تجاه " افتراضي" كبديل عن اللقاء الحي والمباشر بالجمهور [مثلا] مهرجان (ميسان) المسرحي الدولي للمونودراما وتم إهداؤه للراحل المسرحي العراقي [سامي عبد الحميد] (أو) الدورة (1) لمهرجان مسرح الدمى بمدينة البصرة (العراق) والدورة (27) لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي(مصر) ناهينا عن العروض المستقلة عن المهرجانات التي وظفت عروضها - أونلاين – فهناك (مثلا) العرض الافتراضي "'همسات'" والذي يعالج الواقع اللبناني من خلال نخبة من الممثلين البارزين ....

طبعا لا وجود لقياس مع وجود الفارق ففي ربوع أوربا وروسيا فالمسارح مغلقة، لكن العروض مستمرة كتجربة المسرح الألماني رقميا، إما من خلال البث المباشر أو تسجيلات عبر الفيديو .لأعمال مسرحية سبق عرضها على خشبات المسارح،؛ ومنهم من أعاد إنتاجاته بصيغة الملائمة مع الإنترنت كمسرح شكسبير (بريطانيا) لكي يبقى الفعل المسرحي والإبداعي أكثر تعبيرا عن الحياة والحيوية، وله وجود حقيقي وليس بالقوة جوانية المعنى الحقيقي للوجود.

وهنا أتساءل؛ ولا أطعن في أحد بين عيني أو نتيجة حسابات شخصية (قاتلة)؛ بل أجس جزء من كينونتي؛ وأشخص واقعا مسرحيا كما أراه مريضا؛ ولقد كشف مرضه (كوفيد 19) وبالتالي أين هؤلاء المسرحيين المغاربة الذين ينظرون في النقد وفي فنون الفرجة؛ وتقديم أفق مسرح الشارع ومدى أهميته . فهل (كورونا) قزمت شطحاتهم وخرجاتهم الإعلامية والندواتية؛ بأهمية فنون الشارع؟ أم أنهم لن يستفيدوا ليس هنالك من (أموال) طائشة ومن الجهات التي (كانوا) ينطون ويناورون حولها وعليها وبالتالي يسامون أنفسهم بالتسْعيرة (حضور) هم !! إليها كأنهم سمسارة لبيع الملابس القديمة ! أليس الآن وفي هاته الظروف لمسرح (الشارع) أهميته ؟ مادامت القاعات رغم قلتها مغلقة؛ فهل المطالبة به والدفاع عنه سيخرق البروتوكولات الصحية ؟ أم أنه سيكون جرابا فارغ الزاد للمتهافتين؟ لأن هناك في بلادنا (فيدرالية لفنون الشارع) تتشكل من عناصر ومواهب شابة. قدمت عروضها من سكناهم في إطار مبادرة “شارع الحجر" ولا أحد تكلم عنهم أو قدم ورقة نقدية ليس من فئة (200 درهما) بل ورقة تحليلية / معرفية، بفنون الفرجة. عبر المنابر والصحف الورقية أو الالكترونية ؟ وإذا عدنا قليلا لسمة 2019 لم نجد فنانا ولا فرجويا ولا ناقدا أدان أو علَّق على اعتقال أحد الفنانين الشباب لمسرح الشارع (بدر معتز) رفقة مجموعة من الفنانين الشباب الذين واجهوا سلطة المنع لنشاطهم . لكن كانت السلطة في الأخيرة رحيمة بإطلاق سراحهم، وإحداث ميثاق أخلاقي لممارسة فن الشارع، بكل حرية وبشكل قانوني لكل الفنانين الذين لم يجدوا الفرصة لتقديم أنفسهم أمام الجمهور وفي المسارح.. والتي وافقت عليه ولاية مدينة – الدار البيضاء .

مقابل هذا وفي عز الوضعية الحرجة التي عرفتها وتعرفها الأسر والعائلات المغربية جراء الحجر الصحي وانتشار فيروس (كورونا/ كوفيد19) نجد النقابات الفنية ترفع دعوى قضائية ضد حرية التعبير التي مارسها الناشط الفايسبوكي [محمد تغرة] المعروف ب (حمزة الحزين) الذي أدى ضريبة سجنية على تموقفه ورأيه في الفن والفنانين؛ تراوحت إلى شهرين ونصف (استئنافيا) بحيث اعتبرت شكاية (الفنانين) تصريحات (الناشط) (هي) حملة تحريضية ضدهم، بسبب مطالبتهم بالاستفادة من دعم صندوق تدبير جائحة كورونا كغيرهم من المواطنين الذين تعرض قوتهم اليومي للضرر من قرار الحجر الصحي. هنا من أساء للقطاع الفني الذي يرنو للجمال وحرية القول؟ ومن أساء حقيقة للفنانين الذين يعتبرون أنفسهم لسان حال الناس والعباد؟

مدعاة كل هذا؛ أن المسرح في طبيعة انوجاده بريء من عدة مسلكيات وسلوكات؛ ومن فدلكات وخرجات وتمويهات وتهافتا صارخا وتلوينات حربائية...أمست دخيلة في الجسد المسرحي؛ بشكل علني وفاضح. مما أفقدته قيمته الإبداعية والامتاعية ونسفت بالكاد وروحانيته؛ كروح فاعلة في كينونة الوجود الإنساني؛ لأن رهان وجود المسرح عندنا بالمساومة المادية؛ وليس بالعشق ونبل التضحية والكبرياء كسابق عهده؛ بحيث الإشكالية ذات تبعات الدعم المسرحي الذي خلفه، فلو قدمت وزارة الثقافة (فرضا) مشروع دعم (استثنائي) وبناء على دفتر التحملات نحو مسرح افتراضي / وسائطي/ سبيرنطيقي؛ لوجدنا جيشا من المسرحيين يتهافتون ويهرولون بشتى الطرق والمسالك للوصول حول الغنيمة؛ لأننا في الأصل أصبحنا (نحن) المسرح وليس المسرح ب (النحن) عبر اجتهاداتنا وتضحياتنا ونكران الذات؛ والبحث عن بدائل ومكتسبات نبيلة ومقبولة؛ بها يكون ويزداد إشعاعا وإشراقا!! ومن له رأي آخر فليدلي به .....

 

نجيب طلال  

 

يسري عبد الغنيقضية التقريب بين المذاهب، هي في نظر الكثيرين من أهل العلم والفكر قضية إيمان وعلم معًا. فإذا رأينا أن نحل مشكلاتها أو نقف أمامها بالدرس والتحليل على ضوء من صدق الإيمان وسعة العلم فمن المحال أن تستعصي علينا عقدة، ولن يقف أمامنا عائق بإذن الله تعالى طالما صدقت النيات .

أما إذا تركنا ـ للمعرفة القاصرة واليقين الواهي ـ أمر النظر في هذه القضية، والبت في مصيرها، فلن يقع إلا الشر والعياذ بالله .

وهذا الشر الواقع إذا جاز له أن ينتمي إلى نسب، أو يعتمد على سبب، فليبحث عن كل نسب في الدنيا، وعن كل سبب في الحياة، إلا نسبًا إلى الإيمان الصحيح، أو سببًا إلى المعرفة الحقة المنزهة عن الأغراض والأهواء والميول والتعصب الأعمى الذي يضر دائمًا دون أن يفيد ..

نعم، هي قضية علم وإيمان ... فأما أنها قضية علم، فإن أهل الشيعة وأهل السنة يقيمان صلتهما بالإسلام الحنيف على الإيمان بكتاب الله المجيد وسنة رسوله الكريم (صلى الله عليه وسلم) محمد بن عبد الله المبعوث هدى ورحمة للعالمين، ويتفقان اتفاقًا مطلقًا على الأصول الجامعة في هذا الدين القيم، وما سمعنا أو قرأنا لأي أحد من الفريقين إلا أكد لنا ذلك تمام التأكيد، فإذا اشتجرت الآراء بعد ذلك في الفروع الفقهية والتشريعية، فإن مذاهب المسلمين كلها سواء، معلنة بوضوح لا مواربة فيه أن للمجتهد أجره، أخطأ أم أصاب .

وثبوت الأجر له قاطع بداهة في إبعاد الظن ونفي الريبة أن تناله من قرب أو بعد، على أن الخطأ العلمي ـ وتلك سماحة الإسلام ـ ليس حكرًا على مذهب بعينه، ومن الشطط أو عدم المنطقية القول بذلك .

وعندما نقرأ ونبحث في مجال الفقه المقارن، ونقيس الشُقة التي يحدثها الخلاف العلمي بين رأي ورأي، أو بين تصحيح حديث وتضعيفه، نجد أن المدى بين الشيعة والسنة كالمدى بين المذهب الفقهي لأبي حنيفة النعمان، والمذهب الفقهي لمالك أو الشافعي، أو المدى بين من يعملون ظاهر نص ومن يأخذون بموضوعه وفحواه، ونحن نرى الجميع سواء في البحث عن الحقيقة، وإن اختلفت الأساليب والطرائق ..

ونرى الحصيلة العلمية لهذا الجهد الفقهي جديرة كل الجدارة بالحفاوة وإطالة النظر وإحسان الدراسة، فهي تراث علمي محترم مقدور مشكور ..

وأما أنها قضية إيمان فإني لا أحسب على وجه الإطلاق ضمير مسلم في أي مكان أو زمان يرضى بافتعال الخلاف والشقاق وإشعال البغضاء وإعلاء الأحقاد بين أبناء أمة واحدة، ولو كان ذلك لعلة قائمة، أمة عليها أن تعتصم دائمًا وأبدًا بحبل الله المتين، كي تكون بحق وحقيق خير أمة أخرجت للناس .

فكيف لو لم تكن هناك علة قط ؟ ... كيف يرضى المؤمن صادق الإيمان، صادق الصلة بالله العلي القدير، كيف يرضى أن يختلق الأسباب لإفساد ما بين الأخوة من محبة وتضامن وتكافل وتعاون، و إقامة العلاقة بينهم على اصطياد الشُبه وتجسيم التوافه، وإطلاق الدعايات الماكرة الخبيثة الهدامة، والتغرير بالسذج والعوام والهُمل ...

تصور معي ـ أيها القارئ المفضال ـ أن هذا يقع فيه امرؤ تنقصه التجربة، أو العلم القائم على أسس منهجية سليمة، أو تنقصه الخبرة، فكيف تقع فيه أمة ذاقت على مر العصور الويلات من شؤم الخلاف، ولم يجد عدوها ثغرة للنفاذ إلى صميمها إلا من خلال هذا الخلل المصطنع عن خطأ أو عن تهور أو عن اندفاع أو عن عقول لا تدرك بحق الواقع الذي نحياه، وما الذي يدبر لنا بليل حتى نزداد انقسامًا وتفتيتًا، ونتحول إلى دويلات أو طوائف تذروها الرياح ..

ولقد قرأنا ودرسنا فكر رجال التقريب الأفاضل ـ جزاهم الله خيرًا على كل ما قدموا ـ هؤلاء الذين قاموا بعمل إيجابي مشكور نأمل أن يتكرر هذا العمل في أيامنا هذه من أهل الرأي والفكر، وأن يكون هذا العمل حاسمًا دائمًا تشارك فيه جميع مؤسساتنا الدينية و الثقافية والتعليمية والتربوية يضاف إلى ذلك منظمات المجتمع المدني على كل الأصعدة، سدًا لهذه الفجوة التي صنعتها الأوهام، وإنهاءً لهذه الجفوة التي خلقتها الأهواء .

وأذكر هنا أن وزارة الأوقاف المصرية في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، قامت بضم المذهب الفقهي للشيعة الإمامية إلى فقه المذاهب الأربعة التي تدرس في مصر، كما قررت إنشاء إدارة ثقافية تقوم بتقديم أبواب العبادات والمعاملات من هذا الفقه الإسلامي إلى جمهور المسلمين . 

وفي دار الكتب المصرية بالقاهرة مجموعة من الكتب التي أصدرتها وزارة الأوقاف المصرية في هذا المجال، منها على سبيل المثال كتاب : المختصر النافع في فقه الإمامية، والذي ألفه الشيخ الأجل المحقق / أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي (رضي الله عنه)، والمتوفى سنة 676 هـ، وعندما يطلع القارئ هذه الجهود العلمية سيجد أن الشبه قريب بين ما كتبه أهل السنة من كتابات فقهية، وبين ما باعدتنا عنه الأحداث السيئة .

ويجدر بالذكر أن الذي قام بمراجعة النسخة الخطية لكتاب : المختصر النافع للحلي، وتحقيق نصها، والمقابلة بينها وبين أصولها للمؤلف وغيره، والإشراف على إخراج الكتاب، لجنة علمية من حضرات السادة: صاحب السماحة العلامة الأستاذ / محمد تقي القمي السكرتير العام لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية، ومن أعضاء اللجنة الثقافية لدار التقريب كل من : صاحب الفضيلة الشيخ / محمد محمد المدني رئيس قسم العلوم الإسلامية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وصاحب الفضيلة الشيخ / عبد العزيز محمد عيسى أستاذ الفقه المساعد في كلية الشريعة بجامعة الأزهر الشريف، وصاحب الفضيلة الشيخ / عبد الجواد البنا الأستاذ بقسم البعوث الإسلامية بالجامع الأزهر الشريف، وعن وزارة الأوقاف المصرية : صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ / محمد الغزالي مدير إدارة تفتيش المساجد بوزارة الأوقاف، وصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ / السيد سابق مدير إدارة الثقافة بوزارة الأوقاف، مع مراعاة أن مناصبهم ودرجاتهم العلمية المذكورة موافقة لما كانوا عليه أيام صدور الكتاب المشار إليه، كما يجدر بالذكر أن الذي كتب كلمة تقديم كتاب: المختصر النافع، هو صاحب الفضيلة الشيخ / أحمد حسن الباقوري الذي كان وزيرًا للأوقاف آنذاك، بينما كتب المقدمة العلمية له صاحب السماحة العلامة الأستاذ / محمد تقي القمي .

في هذه السطور المتواضعة أطالب وألح على ضرورة عمل تصفية شاملة تقوم على أساس علمي سليم لتنقية تراثنا الثقافي والتاريخي من الأدران التي علقت به وهي ليست منه، وقد دعوت مرارًا وتكرارًا خلال مقالاتي ودراساتي وأبحاثي إلى هذا الأمر، وبكل أسف لم أجد من يستجب، شفى الله الجميع من الصمم الأزلي الذي نعيش فيه، وعليه أحسب أن كل بذل في هذا السبيل مضاعف الأجر مذخور عند المولى جل شأنه، وأن أي ثمرات منه عاجلة أو آجلة تحتم علينا المزيد من العناية والاهتمام، والمزيد من التحمل والمصابرة .

أقول لكم : إنه لن ينجح في هذا المجال ـ مجال التقريب بين أهل الشيعة والسنة أو بين جميع المذاهب الإسلامية ـ إلا من استجمع خلتين اثنتين: سعة العلم، وصدق الإيمان، ومن كان يحمل هاتين الصفتين فدون شك سيكون من أهل الأفق الرحب والوسطية والاعتدال والإدراك والوعي والاستنارة ..

إن الأصالة الفكرية في مجال البحث عن الحق وتعليمه، تلتقي مع متانة الخلق القويم، وبراءة النفس من العقد والخلل والتعصب البغيض والمصالح الذاتية الدنيوية الفانية، والثروة الطائلة من الثقافة والمعرفة تورث النفس الإنسانية رحابة تشبه الرحابة التي يورثها الإيمان الخالص النقي ...

ذلك أن الحصيلة العلمية الضخمة تجعل دائمًا وأبدا صاحبها بعيد النظر، وتجعله يعرف عن خبرة ووعي ودراية آراء معارضيه ومنطلقاتهم، وكيف تكونت هذه الآراء، ومدى ما للملابسات والأحوال والظروف المختلفة من عمل في تكوينها ...

إن صدق الإيمان يجعل المسلم بادي التلطف مع الناس، حذرًا من قطع أواصرهم، لبقًا في بيان الحق والدعوة إليه بالتي هي أحسن، أمنيته الغالية أن تنشرح الصدور بالهدى، وتستنير العقول بالفكر الجاد المستنير، وأن تنأى عن مواطن الخلل والشطط والردى ... هيهات .. هيهات .. أن يشمت، أو يعتد، أو يحقد، أو يشارك في مراء أو نفاق أو كذب أو ادعاء وهو يريد لنفسه الغلب، ويبغي لصاحبه العطب، كلا .. كلا .. فشرط الإخلاص بالله ينفي كل هذا .

وختامًا لسطورنا هذه نؤكد على أننا نحن المسلمين في أمس الحاجة إلى أن نبني على هذه الأسس القويمة، وأن نزيح من طريقنا المستقبلية الهادف إلى الأمن والأمان والاستقرار والبناء والتنمية، نزيح ما خلفته الأيام والأهواء من عقبات حالت دون وحدتنا وتضامننا وتعاونا مما أعاق إلى يومنا هذا نهوضنا وتقدمنا ورقينا . ..

نسأل الله القوي القادر التوفيق لأمتنا، وهو المسئول برحمته التي وسعت كل شيء، أن يقيها عوادي السوء، ومغبات الفرقة والتمزق والانقسام ...

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

عدنان عويدفي عام 1766خاطب الملك الفرنسي "لويس الخامس عشر" البرلمان الفرنسي قائلاً: (في شخصي فقط تكمن السلطة العليا، ومن شخصي بالذات تستمد مجالسي وجودها وسلطتها، وإليّ فقط تعود السلطة التشريعيّة بلا شريك أو رقيب، وعني ينبثق النظام برمته.

بهذا الإعلان استطاع (لويس الخامس عشر) ليس توضيح مفهوم الدولة الشموليّة/ الكليانيّة فحسب، بل والعمل على إعادة تأسيسها وبلورتها قانونيّا أيضاً. وعلى الرغم من كل محاولات الطبقة الرأسمالية الهادفة إلى القضاء على آليّة عمل هذه الدولة بعد وصولها إلى السلطة في أوربا، إلا أن مصالحها بعد سيطرتها على السلطة دفعتها أن تعمل جاهدة على إعادة إنتاج هذه الدولة الشموليّة في منظومة الدول الأوربية في القرن التاسع عشر، على يد كل من نابليون بونابرت، وبسمارك وغاري باردي، ثم في القرن العشرين على يد هتلر وموسوليني وفرانكو وغيرهم.

أما بالنسبة لدول العالم الثالث أو مجتمعاتها ومنها عالمنا العربي من حيث تكوينها البنيوي العام، فقد ظلت هي الساحة الأكثر تقبلاً إلى اليوم للأنظمة الشموليّة، كونها هي الدول أو المجتمعات الأكثر تخلفاً في بناها الاقتصاديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة. فهي الدول أو المجتمعات التي لم تتطور فيها بعد قوى وعلاقات الإنتاج، أو ما يسمى (البنيّة التحتيّة)، التي لازال يتحكم فيها الاقتصاد البضاعي الصغير، أو الاقتصاد الريعي، وما يقوم عليهما من بناء اجتماعي وسياسي وثقافي غير قادر على تجاوز هذه البنية التحتيّة لهذه الدول المتخلفة. أو بتعبير آخر، لم يتشكل فيها حراك اقتصادي واجتماعي عميق قادر على تشكيل قوى طبقيّة واعية لذاتها، وقادرة على قيادة الدولة والمجتمع بشكل عقلاني، أي امتلاك هذه الطبقة أو الكتلة الاجتماعيّة القدرة على خدمة نفسها والمجتمع معاً، هذا وعلينا أن نؤكد هنا على الدور السلبي الذي مارسته وتمارسه القوى السياسية الحاكمة في هذه الدول لسنين طويلة، وهي قوى لم تستطع مع أحزابها الخروج من منظومتها الاجتماعيّة والدينيّة المغلقة والمأزومة معاً بتخلفها، ممثلة بمنظومة العشيرة والقبيلة والطائفة والمذهب، وبالتالي، فالسياسة عندها لم تمارس بعد كفعل سياسي عقلاني تحكمه آلية عمل لمؤسسات دستورية يتم عبرها اختيار قادة هذه الدول أو حكامها من قبل الشعب نفسه بالرغم من وجود هذه المؤسسات الدستوريّة في بعض هذه الدول، إلا أنها لم ترتق إلى ممارسة دورها وفقاً لروح المواطنة الحقيقيّة ودولة القانون، أو بتعبير آخر: لا يوجد لدى القوى الحاكمة هنا رضى سياسي أو قناعة سياسيّة على تفعيل دور المؤسسات التشريعيّة بشكل حقيقي يقوم على تداول السلطة، والإيمان بدور دولة المؤسسات والمواطنة والتعدديّة السياسيّة والديمقراطيّة واحترام الرأي والرأي الآخر وغير ذلك من آلية عمل الدولة العلمانيّة وقوانينها التي تهدف إلى ضبط آليّة عمل هذه الدولة وعلاقتها بالمواطنين، بقدر ما تمارس السياسة هنا من قبل القوى الحاكمة فعلاً "سياسويّاً" براغماتيّاً إلى أعلى درجات البراغماتيّة بصيغتها النفعيّة والأنانيّة الضيقة وعلى أرضية مرجعيات تقليديّة للقوى الحاكمة. فهذا الفعل السياسوي الذي يعتبر نتاجاً للوجود الاجتماعي المتخلف لم يزل يساهم في إنتاج وإعادة إنتاج الدولة الكليانيّة/ الشموليّة، بأدواتها ممثلة هنا بعشيرة أو قبيلة أو طائفة أو حزب وحيد، و"بطل" ملهم اعتقد هو أو من يؤمن بدوره أنه هو وحده في دولته هذه من يستطيع رفع رعاياه من مأزق تخلفهم التاريخي، إلى رحاب المجتمعات والدول الحضارية المتقدمة، دون أن يدرك هذا (البطل) بأن ما يقوم به في حالة تفرده بالسلطة، يكون هو ذاته أحد الأسباب التي تعمل على تكريس هذا التخلف وتعميقه وتعميمّه، مع تقديرنا لكل النوايا الحسنة والحس الوطني وحتى القومي الذي يتمتع به بعض هؤلاء القادة (الأبطال) بما يمثلونه من دور للفرد في التاريخ تجاه شعوبهم. هذا ويعتبر عالمنا العربي أحد الساحات التي لم يزل يمارس فيها البطل بشقيه الإيجابي على المستوى السياسي/ الدولتي، أو على المستوى الاجتماعي بشقه السلبي ممثلاً بشيخ العشيرة والقبيلة والطريقة والطائفة والمذهب، دوره، في خلق وتكريس الدولة الكليانيّة/ الشموليّة، كون هذه الدولة لم تتوفر فيها بعد كما أشرنا أعلاه الشروط الموضوعيّة والذاتيّة لتجاوز محنة تخلفها، ولم تستطع طموحات أحزابها الحاكمة التي تدعي العلمانية، أو أسرها الحاكمة بأبطالها من ملوك وقادة ورؤساء جمهوريات، أن يخلقوا بعد تلك التحولات الكبيرة والعميقة القادرة على تحقيق دولة القانون والمؤسسات، لأنها طموحات محاصرة بشهوتهم هم ذاتهم للسلطة من جهة، ولظروف التخلف البنيوي للدولة والمجتمع معاً من جهة ثانية. هذا إضافة إلى جملة المعوقات الخارجيّة ممثلة سابقاً وحالياً في الغرب الاستعماري وبحثه الدائم عن منافعه ومصالحه في هذه الدول، والتي غالباً ما يجد تحقيقها سهلاً لتعاون السلطات الحاكمة في الكثير من هذه الدول معه، إن لم يشاركوه في اقتسام حصة الفطير فيها - وهذا هو الصحيح -، ثم بسبب التحولات الكبيرة التي انتابت العالم بأسره تحت مظلّة النظام العالمي الجديد وثورته العلميّة والتكنولوجيّة والثقافيّة، وخاصة بعد سقوط المنظومة الاشتراكيّة بعقليتها الكاريزميّة/ الستالينية، ثم ظهور الولايات المتحدة الأميركيّة كدولة قويّة بمشروعها الرأسمالي الاحتكاري الذي راح يفرض نفسه كقوة قادرة على ليّ ذراع ليس دول العالم الثالث فحسب، بل وحتى دول المعسكر الغربي وإخضاعها لتنفيذ السياسة الأمريكيّة الخادمة لهذا المشروع، وقبوله كنظام عالمي جديد، وهي الدول التي كانت تعمل وتتناغم معها في فترة الحرب الباردة لإسقاط المنظومة الاشتراكيّة.

إن ما حققته الثورة المعلوماتيّة اليوم من تطور على مستوى الاتصالات ونقلٍ للمعلومات قد حوّل العالم إلى قرية صغيرة، مكشوفة أمام الصغير والكبير، وقد كشف تلك الهوة الواسعة جداً ما بين تطور الدول العظمى، وتخلف دول العالم الثالث بشكل عام والوطن العربي بشكل خاص، بحيث لم يعد بإمكان قادة الدول الشموليّة إخفاء أسرار وخفايا دولهم، وخاصة ما تعانيه هذه الدول من فساد واحتكار للسلطة أمام شعوبهم، أو سيطرتهم على شعوبهم تحت غطاء أيديولوجيات كبيرة، اشتراكية، أو قومية، أو دينية.

 

د. عدنان عويّد

كاتب وباحث من سورية.

 

 

يسري عبد الغنيلقد مرت البشرية بحقب تاريخية مختلفة لكل منها ملامحها وقسماتها، ولكن هناك خيطًا واحدًا يجمعها هو التاريخ البشري، ومن هنا فإن كل أمة من الأمم، وبخاصة الأمم العريقة لها تاريخ يشتمل على ماض انقضى وترك آثاره في حاضر تعيشه وتخطط في الوقت نفسه لمستقبل تتطلع إليه، والأمة التي ليس لها ماض يحمل بصمة خاصة بها ليس لها أيضًا حاضر متميز ولا مستقبل واضح المعالم، وتاريخ كل أمة يشتمل على مجموع تجاربها وخبراتها وانجازاتها وإحباطاتها على جميع المستويات.

 ومما لا جدال فيه أن صحائف التاريخ الماضي لكل أمة ليست دائمًا ناصعة البياض ولا هي أيضًا حالكة السواد، ومن هنا تحرص الأمم الواعية على أن تستفيد من تجاربها وخبراتها السابقة، ولا تهمل تاريخها، بل تستحضره دائمًا لاستخلاص الدروس والعبر لتتفادى السلبيات، وتؤكد على الإيجابيات وتستشرف آفاق المستقبل بخطى ثابتة، ويمكن القول بأن : حضارة الأمة تتمثل في مجمل إنجازاتها على الصعيدين المادي والروحي، وقد قامت الحضارة الإسلامية منذ يومها الأول على أساس من المادة والروح، وحققت في عصر ازدهارها إنجازات رائعة استفادت منها الشعوب الأخرى وخاصة الحضارة الأوربية .

 إن الماضي الحضاري للأمة هو تراثها الذي خلفه لها السابقون، وهذا التراث هو ميراث الأمة الذي لا يجوز لها أن تبدده أو تبيعه، فهي مسئولة عنه مسئولية تامة، والأمة التي تبدد مواريثها أمة لا تستحق الحياة ومصيرها النسيان تمامًا مثل أي فرد يبدد الميراث الذي ورثه عن آبائه وأجداده فيكون مصيره الخزي والعار .

 والأمة    العربية كما هو معلوم عنها غنية بتراثها الحافل بالإنجازات التي حققتها في جميع المجالات وكانت منفتحة في ذلك على كل الحضارات التي سبقتها والتي استفادت من إنجازاتها الحضارية .

 وهذا الانفتاح الحضاري أو التعرف على ما لدى الآخرين يعد في نظر الفيلسوف / ابن رشد واجبًا شرعيًا، ويضيف إلى ذلك قوله : " ننظر في الذي قالوه من ذلك ، وما الذي أثبتوه في كتبهم، فما كان منها موافقًا للحق قبلناه منه وسررنا به وشكرناهم عليه، وما كان منها غير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه " .

 ومن ذلك يتضح أن التواصل الحضاري الذي سلكته الحضارة  الإسلامية في السابق والذي عليها أن تسلكه في حاضرها ومستقبلها يتمثل في بعدين أساسيين، أولهما : التواصل مع التراث الحضاري للأمة بصفة خاصة، وثانيهما : التواصل مع التراث الإنساني بصفة عامة .

 فالتراث الإنساني أخذ وعطاء، وهو ميراث مشترك للبشرية جمعاء، ولا توجد أمة عريقة في التاريخ إلا وقد أعطت كما أخذت من هذا التراث، و التواصل المقصود هو تواصل معرفي يقوم على الدراسة الجادة لاستخراج العناصر الدافعة إلى التقدم والبناء، وإذا كنا نؤكد على ضرورة التواصل مع التراث فإن ذلك لا يعني بأي حال من الأحوال العبودية لهذا التراث والسير على خطى السابقين بتقليد أعمى لا يميز بين الغث والثمين والجيد والرديء، وإنما التواصل الذي نعنيه هو التواصل القائم على التفكير النقدي الذي يشق الطريق أمام الأمة مزيلاً من طريقها ما في هذا التراث من ركام معطل لمسيرة التقدم، ومبقيًا فقط على العوامل والمقومات الإيجابية التي كان لها الفضل في كل ما حققته الحضارة الإسلامية الغراء من إنجازات .

 إن التواصل مع التراث ليس مجرد أن نحاكي السابقين في كل أفعالهم وأقوالهم فهذا أمر لا يجوز في العقل أو الدين نظرًا لاختلاف الزمان والمكان ومتغيرات الحياة وتطورات العصر، وإنما المقصود أيضًا هو محاكاة التراث في الاتجاه لا في خطوات السير وفي المواقف لا في مادة المشكلات وأساليب حلها، وفي القيم الإيجابية التي يقاس عليها ما يصح وما لا يصح، وليس المجال الذي ندير عليه تلك القيمة المستعارة وفي كل ذلك يمكن الحديث عن التواصل بين التراث والمعاصرة، فالتراث يكون بمثابة إطار عام يقدم المبادئ، ولكنه لا يعوق الحركة أو يعطل مسيرة الأمة نحو التقدم والارتقاء .

 نقول : إنه  ليس من مصلحة أمة من الأمم وعلى الأخص الأمة    العربية أن تضرب صفحًا عن تراثها ومواريثها الحضارية وتحدث قطيعة معها بحجة اللحاق بركب العصر، صحيح أن من حق كل أمة والأمة العربية على وجه الخصوص أن تواكب تطورات العصر ولا تتخلف عن ركب التقدم على جميع المستويات، ولكن المعاصرة لا تعني، ولا يجوز أن تعني، اتخاذ موقف عدائي من التراث، بحجة أنه ماض كانت له ظروفه التي لم تعد قائمة، كما يروج الرافضون للتراث، فمن الوهم الاعتقاد بأن التراث مناقض تمامًا للمعاصرة، أو أنه يشكل قيدًا على حركة الأمة، فالحق أنه لولا التراث ما كانت المعاصرة .

 إن الفهم الصحيح للمعاصرة يعني أنه امتداد زمني للتراث تستمد منه مقوماتها وترتكز عليه وتضيف إليه وتبني على قواعده الراسخة، أما المعاصرة التي تبني قواعدها على الرمال فإنه لن يكون لها ثبات ولا استقرار .

 وفي عالمنا المعاصر ظهر تيار جديد لا يستطيع أحد أن يتجاهله أو يقف في طريقه (مهما كانت درجة تحفظنا عليه) هو تيار العولمة الجارف، والعولمة مثلها مثل أي ظاهرة جديدة تشتمل على إيجابيات كما تشتمل أيضًا على سلبيات، ولا شك أن من الآثار السلبية للعولمة محاولتها تذويب حضارات الأمم والشعوب المختلفة في حضارة واحدة هي حضارة الأقوى، ولكن الأقوى ليس دائمًا على صواب، وإذا كانت الأمة الإسلامية قد توقف عطاؤها وتراجعت حضاريًا في القرون الأخيرة فإن هذا التراجع ليس قدرًا محتومًا لا يمكن تغيره، وإنما هو مرحلة من مراحل تاريخ الأمة .

 وإذا كانت هذه المرحلة قد طالت أكثر مما ينبغي فليس معنى ذلك أنه لا نهاية لها، فكل ما له بداية له نهاية، وفي الغد الذي نراه قريبًا بإذن الله ويراه أعداء الأمة بعيدًا سوف تكتب النهاية لهذا التراجع الحضاري بإرادة الأمة وعزيمتها وسواعد وعقول أبنائها، ومن هنا فإنه لا يجوز أن يكون هذا التراجع الحضاري المؤقت مبررًا لتخلينا عن مواريثنا الثقافية وهويتنا الحضارية،فارتباطنا بمواريثنا بمثابة ارتباط الروح بالجسد .

 وعلى أمتنا أن تتبين مواطن الخلل في مسيرتها لإصلاح المسار، والعرب اليوم فى محاولتهم النهوض واللحاق بركب العصر في حاجة ماسة إلى التعرف على منجزات العصر بعيون نافذة كما فعل أسلافنا من قبل، وهذه النظرة النقدية لا يجوز أن تقتصر فقط على نقد ما لدى الآخرين، وإنما تنسحب أيضًا على تراثنا، وهذا يعني ضرورة تمكين العقل الإنساني من أداء دوره في مسيرتنا الحضارية ومراجعة تراثنا مراجعة دقيقة بهدف وصل ما انقطع بينه وبين تطورات العصر، وذلك بإزالة أسباب الجفوة المصطنعة بينهما، تلك الجفوة أو القطيعة التي يتبناها فريقان متنافران له أسبابه المختلفة تمامًا عن الفريق الآخر .

 فالفريق الأول يتمسك بالتراث بإيجابياته وسلبياته ويغلق الباب تمامًا أمام أي شكل من أشكال المعاصرة ويرى أن المعاصرة ما هي إلا غطاء لمؤامرة كبرى تحاك ضد التراث ومحاولة ماكرة لمح الخصائص الحضارية للأمة الإسلامية، ومن أجل ذلك وفقًا لوجه نظر هذا الفريق : يجب التشبث بالتراث وحمايته من أخطار المعاصرة التي تشكل تهديدًا حقيقيًا للتراث .

 أما الفريق الثاني فعلى الرغم من تبنيه للقطيعة بين التراث والمعاصرة فإن الأسباب التي تدفعه إلى ذلك مختلفة تمامًا عما يذهب إليه الفريق الأول، فإذا كان الفريق الأول يرفض المعاصرة لحساب التراث والحفاظ عليه، فإن الفريق الثاني على العكس من ذلك يرفض التراث لحساب المعاصرة، وينبني هذا الرفض على أساس أن التمسك بالتراث هو سبب تخلف الأمة الإسلامية، وأما المعاصرة هي طوق النجاة للأمة، وهي سبيلها الأوحد للتقدم والرقي .

 ونعتقد أن كلا الفريقين قد جانبه الصواب، أو بمعنى آخر غير محق فيما ذهب إليه من تطرف ومبالغة في وجهة النظر التي يتبناها كل منهما، فالتراث ليس خيرًا كله وليس شرًا كله أيضًا، ومن أجل ذلك فإن علينا أن ننقي تراثنا من الشوائب التي تضر ولا تنفع، ولا ضرر وضرار إذا نظرنا في تراثنا نظرة نقدية تبقي على كل ما هو إيجابي في التراث، وتنفي عنه كل السلبيات، وعندئذ سوف نرى أن التراث نفسه يدعو إلى المعاصرة الإيجابية .

 ومن ناحية أخرى فإن المعاصرة أيضًا وإن شئت فقل العولمة ومستجداتها ليست خيرًا كلها ولا شرًا كلها، ومن هنا فإن من واجبنا أن ننظر إليها نظرة نقدية نأخذ منها ما ينفعنا ويساعدنا في مسيرتنا الحياتية والتنموية، ومن حقنا أن نرفض ما لا يلائمنا وما نرى أنه سيعود علينا بآثار سلبية، كما سبق وأوصانا بذلك ابن رشد الذي علم العالم التفكير النقدي .

 وبعد هذه النظرة النقدية في التراث من جانب وفي العولمة من جانب    آخر، سنجد أن القطيعة بينهما قد سقطت وحل محلها التواصل، وأمتنا الإسلامية كم هي في حاجة ماسة إلى هذا التواصل المبني على الوضوح وعلى النظرة النقدية البناءة، ولن يجدي أمتنا أن تقف موقف الرافض لكل شيء، فقطار التطور يسير بسرعة مذهلة، ولن نستطيع أن نعزل أنفسنا بعيدًا عما يدور في عصرنا من متغيرات متلاحقة . 

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

كاظم لفتة جبرالدهشة مصطلح يراد به إظهار ما بطن من الأشياء. ويستخدم اساس للتفلسف الحر الذي يحرك المياه الراكدة في عقل كل انسان، فالدهشة هي الخصيصة التي تميز بها الإنسان دون غيره من الكائنات بحسب جان جرش في كتابه الدهشة الفلسفية، لتمثل تلك الدهشة لحظة مفارقة في حياة كل انسان يتفتح عقله لاستقبال إشارات الحقيقة سواء كانت تلك الحقيقة مرتبطة بالماديات أو بالإلهيات، فالإنسان العارف هو الذي يكون مندهشاً من أبسط واقل الأشياء الموجودة في العالم، لأنه يرى الأشياء بمنظار الاندهاش، وهذا الاندهاش هو الذي يلهمنا لعبة التساؤل وسط غموض المعنى وتمظهر الموضوع، أو لنقل هي الحيرة التي تعيش معنا، كأنما لم نراها من قبل بالرغم أنها معرفتها بديهية كنا نظن بها، لكن الاندهاش هو الذي يزيح الظلمة من بصريتنا بعدما كنا نرى الأشياء بالعين فقط كحاسة، وقد يكون أمر الاندهاش مقتصراً على بعض الأفراد لأننا نعرف وظيفة الحواس هي تأدية وظائف الجسد والاقتصار بمعرفتها على ما هو نافع وعملي، لذلك لا تسمح لنا تلك الأشياء بالاندهاش، أما البصيرة فهي مفهوم اكثر اتساعاً ولا يحدهُ الحدود العملية الزمكانية، بل ترتفع بنا البصيرة الجزئيات إلى الكليات أو من المحسوس إلى المعقول، ولا يمكن أن نغفل أهمية الموضوع الخارجي المحسوس في تقوية البصيرة ورفدها بالصور الحسية، ثم ان أمر الاندهاش هل يمكن يكون عملية تذكر، أو معرفة تذكريّه بحسب نظرية افلاطون في المعرفة، نحن نعرف ان افلاطون يقر بأن النفس الانسانية قبل نزولها إلى الجسد كانت روحاً تتطاير وسط الابدية وقد تعرفت على جميع صور المعارف، ثم بعد نزولها إلى الجسد المحدود بالحاجة والمنفعة نَست تلك المعارف فأخذت تتعرف على الأشياء الحسية من خلال الحاجات الحياتية والنفسية لكن ما ان يحدث الاندهاش حتى تتذكر الصورة الحقيقية لكل موضوع محسوس. ويمكن ربط أمر الاندهاش في جانب الفن لكونه ظاهره إنسانية يختص بها الإنسان دون غيره من الكائنات الأخرى فجميع العمليات الفكرية والحسية هي من اختصاصه، لذلك يمكن أن نفسر أمر الدهشة عند الفيلسوف بالتساؤل وتصورها، لكن من يقوم بعملية تحويل تلك الأفكار أو الصور إلى حقائق واقعية أو تقريبها من ذهن الإنسان وحساسيته هو الفنان، لذلك يكون الفن الواسطة ما بين الفلسفة والعلم فكل فرضية أو احتمالية يراد تجريبها لا يمكن ذلك إلا بعد تحويلها إلى صورة محسوسة من خلال الفن والأشكال التي ترمز إليها ومن ثم العمل تجريبها فعلياً فالدهشة عند الفيلسوف تساؤل ومعرفة، أما الدهشة عند الفنان عمل وفعل . لكن دهشة الفنان تختلف عن دهشة الفيلسوف من حيث ان الأولى تتسم بالاختلاف من فنان الى آخر، أما الثانية فهي ثابته مطلقة فالأولى دهشته عقلية أما الثانية فهي دهشة حدسية متحولة ما بين الفنان و المتذوق أو المشاهد للعمل الفني .

 

كاظم لفته جبر 

المقدمة: بادئ ذي بدئ أعتقد أن مفهوم التفاهة قديم جداً بقدم الحياة، وكل عصر به من الأمور التافهة التي يمكن أن يقبل عليها سكان تلك العصور، فالبشرية لم تكون كلها بتلك الجدية المتناولة في عصرها، ولكن ما جعل التفاهة تبرز في هذا العصر ويزداد الحديث عنها هو التطور التكنولوجي والالكتروني؛ والذي جعل الناس يطلعون على بعضهم ويعرفوا ثقافة غيرهم، فالجميع أصبح مرصودا للجميع من الكبير إلى الصغير ومن العزيز إلى الحقير

من هذا المنطلق وبالبحث والقراءة في أنواع التفاهة المستشرية والتي يثار حولها، استوقفني مقال لأحد أهم الباحثين والنقاد الأدبيين وهو الكاتب الإنجليزي تيري إيجلتون، حيث تطرق لمفهوم التفاهة في إحدى مقالته من جانب مختلف ومغاير عن ما هو سائد، وبالتحديد عن تفاهة التفائل وفي جزء من مقاله يقول بما معناه أنه يستحيل أن يحكم أمريكا متشائم، وأن الشعب الأمريكي ربما يقبل بأن يحكمه شمبانزي على أن يحكمه شخص يقول لهم إن أفضل أزمانهم قد ولى...

اختلاف الخطاب:

حديث الكاتب جعلني اضاهيه بما يقال لنا في أوطاننا، مثل تصريحات بعض المسؤولين بقولهم: دولة الرفاه انتهت وزمن الرفاهية ولى وانقضى، ويجب شد الحزام وإن الآن غير زمان والوضع ليس على ما يرام وما إلى ذلك من كلام...

المعضلة هنا أن أغلب من يطلق تلك التصاريح الرنانة وكأنهم يمنون على المواطن بهذا الرفاه المزعوم، هم مسؤولون في دول بها دساتير تعد المواطن بالرفاه، والمستمد من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فإذاً من المنطقي من يقول بعكس هذا يجب أن يتخلى عن منصبه، الذي لم يستطع من خلاله أن يصل بالمواطن لهذا الرفاه الموعود والحلم المنشود ويجعله حقيقية مستدامة!

السؤال الذي يفرض نفسه هنا لما لغة الخطاب الموجه للمواطن العربي، تختلف عن الموجه للمواطن الغربي، فهناك في الغرب الكثير من التنمر، ولكن هذا يعتبر نوع من التنفيس وذلك طلباً للأفضل وليس استعداد للأسوء، وهنا الفرق واضح فهو بحديثه المتذمر هو انتقاد لعدم الاستجابة السريعة للمشكلة التي يعاني منها، وهي محددة في زمن ومكان معين يجد بها المتذمر إخلال في جزء منه، كما أن يكون في بلدته والتي هي تتبع مدينة والمدينة تتبع محافظة مقاطعة أو ولاية، ولكن نحن عندما نتعدى مرحلة التذمر والوصول لحد التشاؤم، لأننا نرى أن كل ما يحصل لنا هو ذاته ما يحصل في كل جزء من وطننا، ولربما يكون هناك من بقعة أخرى في الوطن قاطنيها أكثر معاناة وأسوأ حال مما نحن فيه، ولا يوجد حل لهذه المشكلة بل إنها تتراكم وتتفاقم وتسوء وتكثر المعاناة التي نعانيها من آثارها، التي بدت في بادئ الأمر بسيطة صغيرة حتى كبرت استصعبت واستعصى حلها، هنا أصل الاختلاف ومنبع الاختلال الذي يوصلنا لتشاؤم، هذا عدا أن المعاناة التي يعاني منها الغربي والتي ننظر لها على أنها من القضايا التافهة مقارنة مع ما نحن نعانيه، وهنا نقترب ونبتعد على حسب تطبيقنا لمفهوم الدولة المدنية والحكم الرشيد

الإعلام والتسويق لتفاهة التفاؤل:

الأمر الآخر هو أن الإعلام في دولنا العربية هو من يحض على الإيجابية الكاذبة ويكرس لتفاهة التفاؤل على النقيض تماماً من الإعلام الغربي، الذي يكون ناقم متذمر بل ويتجه للسخرية السوداء مبتعد في الكثير من الأحيان عن معنى الحيادية إن كان الأمر يختص بمعيشة الناس وحياة الإنسان، فهنا تتجلى لديه سوداوية التشاؤم عنها من تفاهة التفاؤل فهو لا يتجاوز الخطأ ولا يجيز الخلل.

أما الإعلام العربي الموجه فهو يتغافل عن الإخفاق ويطبل للإنجاز الأقل من العادي، والذي هو من المفترض أن يكون أمر مستحق، وعلى كل حكومة أن تقوم فيه إذا كان هذا يختص في الأمور الحياتية والتسهيل على الناس ويقود للسير على عجلة العمل والتنمية، وليس لزيادة رفاهية المواطن والذي يتوجب أن يكون من أولى أولوياتها ومن أكثر إنجازاتها، بعد أن أنتهت الأساسيات وتفرغت لرفاهية المواطن وتحسين معيشته، ومساعدته والوقوف بجانبه في أحلك الظروف التي يكابدها، في وقت الكوارث والأزمات الطارئة التي تحل عليه أو يتأثر منها، كما هو الحال مثلاً الآن في جائحة كورونا، فعندما ننظر لدول الغرب نجد الكثير من المساعدات التي قدمتها تلك الدول لرعاياها حتى يتجاوزوا الأزمة الإقتصادية التي يعانون منها؛ من أثر الجائحة، وعلى النقيض من هذا هو حال أغلب الدول العربية التي تحرك أدواتها الإعلامية لترويج خطابها المقيت الذي يقول هذه الجائحة عالمية، ويتأثر منها كل سكان الارض وليس لنا يد بها، بل وجعل من هذه الجائحة شماعة تعلق عليها الحكومات لباسها المهترئ، فكل تخاذل منها اتجاه المواطن تكون تلك الجائحة هي سببها، لدرجة تعتقد معها أن الجائحة هذه أتت كعذر للحكومات حتى تنقذها من المسائلة، هذا إن كانت تلك المسائلة أصلاً موجودة في أغلب دولنا العربية، فضلاً على أن تكون مجدية

القصد والمعنى:

التفائل أقرب لنا وهو يُستمد من تراثنا، والحديث يطول به، وهناك مقولات كثيرة أتت عليه، ولكن يجب أن نقرن هذا التفاؤل بخطة عمل لا أن نتفائل دون أن يكون هناك برامج وخطط ومراحل للإنجاز نقف عليها، وعلى أساسها نحدد مدى هذا التفاؤل، أما غير هذا فلا يعتبر سوى تفاؤل تافه لا يقود لرفاه المواطن بل إلى رفات الوطن والمواطن

 

الكاتب: عبد الله المشعان

 

 

 

علي المرهجقرأت الكثير من الكتب وشغلتني الكثير من الأفكار الفلسفية التي كُنت أظنها ستُغير التاريخ عند بعض المفكرين الغربيين والعرب والمسلمين، ولا أنفي أصالة بعضهم وإبداعهم، ولكنني وجدت الكثير منهم يُجيدون اللعب على وتر التغريب أو التدين الأصولي أو الطائفية المقيتة أو التحزب والدفاع عن (الحزب القائد) أو الانبهار بشخص القائد لحزب أو جماعة، فتحسبه هذه الجماعة أنه ملاذهم الذي لا ملاذ لهم غيره للخلاص!!..

ذكر لي مرة أستاذي الأحب الكبير (مدني صالح) عن أحد هؤلاء المفكرين الذين علا نجمهم في أواسط الثمانينيات وبدايات التسعينيات من القرن الماضي، بعد أن طلب مني بعض من كتبه، لأنه وجدني وجيلي مُنبهرين به، وبعد أن إطلع على كتب هذا المفكر أعادها لي، وقال لي عبارة لن أنساها، وهي: (علي هذا المفكر الذي أنتم منبهرون به شاطر، ولا أخشى على الثقافة إلا من الشطار)، ومعنى الشاطر عنده هو الذي يستطيع تأويل الكلام ليُظهر لك الباطل حقاً..

أظن أننا نعيش في زمن شطار السياسة والفكر، وشطار السياسة عرفناهم، أما شطار الفكر، والذين يُجيدون اللعب على سيرك الفكر، فهؤلاء هم الأخطر..

من لا يعرف بضاعتهم لا يعرف الحكم عليهم، هل هم مفكرون فعلاً ويصح عليهم المفهوم أم هم شطار يُتقنون اللعب على سيرك المعرفة، ومن خبر دروبهم يعرف أنهم لا جديد عندهم، وكل الجديد انهم يُجيدون تهويم بسطاء القراء على أنهم منتجون، وهم مستهلكون، كل الفضل لهم وعندهم أنهم يُتقنون إعادة إنتاج المقول من قبل بإنشاء جميل لقول مفكرين أو فلاسفة مبدعين أكلوهم لحماً ورموهم عظماً!!..

 

ا. د. علي المرهج

"قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار قليلا ماتشكرون" الملك23

خلق الله الحياة والكون بما رحب، الارض وما حوت من كنوز، السماء واجرامها على حساب دقيق قائم على تبادل الطاقات، من اجل تيسير الحياة والحفاظ على نعمها، وإن أحد صور الحفاظ على هذه النعم من الزوال هو الشكر لله "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات مارزقناكم إن كنتم إياه تعبدون" البقرة 172

وفي الحقيقة ان الكون يقوم على طاقات لامرئية محسوبة لايعلمها غير خالقها وان اي خلل فيها سيؤدي الى خلل في الحياة، وكل المخلوقات تسبح وتشكر الله كل بطريقته"النجم والشجر يسجدان"هل سالت نفسك كيف يسجدان ولما يسجدان؟ انهما يسجدان شكرا لله للتعبير عن الامتنان لهذا الخالق العظيم، هذا الشكر الذي يجعل الله جل وعلا يكافأ مخلوقاته كل حسب تكوينه، وان طاقة الكون انما وضعت لخدمة الانسان فطاقةالقمر والنجوم يجعلان الانسان في حالة توازن، لذلك فان الانسان قبل ان يصل الى ماوصل اليه من عولمة كانت الطبيعة هي مسرحه الذي يمده بالطاقة، فكان ينام ليلا بسطح الدار، يستمد طاقة القمر والنجوم دون ان يدرك ان هذه الطاقة تجعله متوازنا معتدلا هادئا، مستمتعا بحياة سوية صحية لاتقارن بحياة انسان اليوم الذي باتت العصبية والانفعالات تلازمانه في ظل هذا التشويش العظيم الذي احدثته اشعاعات العولمة وطاقاتها السلبية!

والشمس التي خلقها الله ليتنعم الانسان بضياءها ودفئها وحركة الحياة المرتبطة ديناميكا بها"وكل في فلك يسبحون"، والطبيعة بما رحبت، الزهورالتي تمنحنا الجمال والعطر، والاشجار التي تمنحنا الظل واطيب الثمر، الجبال، البحار، الانهار، الماء الذي خلق منه كل شئ حي، الهواء الذي يملا رئتينا، ماذا لو انقطع!الا تعلم ان كل كل شئ في الكون له طاقة وان هذه الطاقة سخرت لخدمتك؟

هل سالت نفسك يوما لماذا نقول شكرا؟

وكم مرة باليوم تردد هذه الكلمة؟

هل ترددها كثيرا ام انك ممن لايحبون هذه العادة، لانك لم تتعلمها اصلا؟

هل تشكر الله كثيرا اوقليلا ام انك لاتشكره ابدا؟

هل تشكر والداك على نعمة الحياة او على اي خدمة يقدمانها لك؟

هل شكرت اخوتك او اصدقاءك على اي خدمة مهما كانت بسيطة؟

هل ربيت اطفالك على الشكر ام انك غير مكترث؟

هل شكرت الشمس على نعمة الضياء والدفئ شاكرا الله بذلك؟

هل شكرت القمر؟

هل شكرت الورود على جمالها الذي انعمت به عليك وعطرها؟

هل قلت "سبحان الله"عند نزول المطر او تساقط الثلوج ممتنا لله؟

هل شكرت المكان الذي يأويك، الوطن، البيت، غرفتك التي الفتها والفتك، فراشك وغطاؤك؟

هل شكرت الله على نعمة النوم والاستيقاظ؟

هل تعلم ان الشكر طاقة تهبها لتعود اليك شاكرة؟

لكي نجيب على هذه الاسئلة علينا ان نخوض اولا في معنى الشكر

ان الشاكر هو الذي يتوقع الخير في الحياة كنتيجة منطقية لشكره، وان الشكر والامتنان الدائم تجعل الانسان موصولا بربه، وهو سلوك عظيم، ينبع من قلب مؤمن بنعم الله واحسانه"ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن الله غني حميد"لقمان12

ومن البديهي ان كل شئ في الحياة يعتمد على فعل ورد فعل وهذا قانون فيزيائي وكوني، فمن قام بالفعل قد بذل جهدا بالتاكيد واستهلك جزءا من طاقته ليقدمه اليك، اي انك استلمت عملا جاهزا بمجهود وطاقة غيرك، هذا العمل أدخل على نفسك السرور او أدى لك خدمة كنت بحاجةا ليها، فهي بكل الاحوال طاقة إيجابية جعلتك تشعر بالارتياح، وبمقابل هذه الطاقة أنت تقول شكرا، تعتقد انها كلمة لكنها بالحقيقة طاقة ايجابية خرجت منك لتعبر عن إمتنانك ودخلت الى نفس المقابل الذي قام بالعمل وفق ترددات معينة، هذه الطاقة جعلته سعيدا وهويرى ان عمله ذات قيمة و لم يذهب سدى لانك أدخلت السرور الى نفسه مولدا بذلك طاقة ايجابية تعادل ماقام به من عمل مهما كان..

ان تبادل عبارات الامتنان تؤدي الى تبادل الطاقات الايجابية التي تدخل السرور الى النفس فيحصل المقابل على نشوة الرضا التي تجلب له المتعة والسرور، ومهما كان العمل صغيرا فان الثناء عليه يجعله نفيسا.

وهذا ينطبق كذلك على شكر الله جل وعلا على نعمه الكثيرة، فان كلمة"الحمد لله والشكر لله"هي عبارة الشكر والامتنان لله اولا وللنعمة ثانيا، وعلينا ان ندرك ان كل شئ في الحياة هو عبارة عن طاقة واذا ما وظفت هذه الطاقات بصورة صحيحة فانها تجعل حياة الانسان ايسر واجمل، هل سالت نفسك لماذا يعيش (س) من الناس حياة جميلة بينما يعيش اخاه حياة بائسة؟

والجواب ان (س) قدنظم حياته على مبدأالشكر الذي يجعل رصيده ممتلئ، فهو دائم الحمد والشكر لله على كل شئ مهما كان هذا الشكر يزيد عليه النعم كمكافاة من الله جل وعلا"لان شكرتم لازيدنكم"فهو يرسل طاقة الشكر الى الله ليثيبه على ذلك، بعكس اخيه الذي ينقم على الحياة فتراه متذمرا كثير الشكوى، يعامل الناس بفظاظة، ويشعر بانه غير مدين لاحد في حين انه غارق بالديون لكل انسان قدم له معروفا ولم يشكره حتى وان كانت زوجته او اولاده، او والديه اللذان انكر تعبهما لسبب او لاخر"ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك" ال عمران 159، لان كلمة الشكر هي تعبير عن الامتنان، هذه الديون ارهقت كاهله وجعلته غارقا بطاقاته السلبية وطاقات الاخرين السلبية التي ظلت تطارده لانه جحدها، فانعكست على شخصيته فبدا متجهما، عابسا، حاقدا، كارها لكل شئ، منبوذا ومكروها من الجميع!

فليس امامك سوى خيارين اما الرضا وهذا يجعلك دائم الشكر فتهدأنفسك وتزدهر طاقاتها الايجابية، واما السخط وهذا يجعلك حاقدا كارها طاردا للخير، بحيث ان المحيطين بك ينفرون منك مهما كنت قريبا منهم، فمثلا انك متخاصم مع صديق وبدات تجهز مشاعر الحقد والكراهية تجاهه، فمن هو المتضرر الاول بهذه الخصومة؟انت طبعا لان كرهك له لايؤثر عليه، بل لايشعر به اصلا، في حين ان تجمع الطاقة السلبية وتراكمها في نفسك تجعلك طاحونا تطحن نفسك قبل كل شئ.

هل فكرت لماذا الارض كروية؟

لان الشكل الكروي يدوّر الطاقة معه ويجددها، هذا الدوران يجدد الطاقة الكونية ويجعلها بحالة متجددة تمر بجميع المخلوقات دون استثناء(سبحان الله) وكل يشكر الله على هذه النعم.

هل رايت "كورالحياكة "عندما تبدا بلف الخيط عليه ماذا يحدث يبدأ الكور بالازدياد شيئا فشيئا فهو يكبرويكبر، وهذا بالضبط مايحدث للطاقة الايجابية او السلبية التي تزداد مع الدوران.

هل تاملت يوما المثل القائل"الصحة تاج على رؤوس الاصحاء"؟

هل شكرت الله على نعمة الصحة، هل شكرته على نعمة البصر، تلك النعمة التي لاتعرف قيمتها الا عندما تفقدها، هل شعرت بشعور الاعمى! ماهو شعورك عندما تنقطع الكهرباء عنك لمدة نصف ساعة!هل شكرت حواسك على كل ماتقدمه اليك، يديك وماتقدمانه لك من اعمال، كيف تاكل؟ كيف تكتب ؟ كيف تشرب؟ كيف ترتدي ملابسك؟ كيف تمارس حياتك اليومية؟فكرت كيف تمشي؟ كيف تذهب الى العمل وتمارس الرياضة؟ هل كسرت ساقك يوما وتعذر عليك دخول الحمام الا بمساعدة احدهم ؟هل شكرت ساقاك يوما؟هل شكرت الله على نعمة العقل؟ هل انت ممتن لهذه المنظومة الرائعة التي وضعها الله في خدمتك، فاذا كنت من الشاكرين لهذه النعم فان هذه الطاقة ستعود اليك بدوام الصحة والعافية "اذكروني اذكركم"، كل شئ يعتمد على تقديرك للنعم التي يثيبك الله عليها، وشيئا فشيئا سترى ان تفاؤلك يؤدي الى تحسين صحتك النفسية وابعاد الطاقات السلبية التي تحل محلها طاقات ايجابية جاذبة للخير كله، وان الحمد والشكر لله ولنعمه الكثيرة يجعل الله جل وعلا يزيد من بركته ويرفع اي ابتلاء او مكروه يعاني منه "قال ربِّ أوزعني أن أشكر نعمتك عليَّ وعلى والديَّ وأن أعملَ صالحاً ترضاه وأصلح لي في ذريتي.."

ان مداومة الانسان على الشكر تجعله كنزا من الرضا الذي يعكس جمال روحه مما يجعل هالته نورانية جاذبة للخيروتلك هي طاقة الامتنان، فيقال ان فلان وجهه نوراني وهذه حقيقة، لان الخير الذي فيه جعل طاقته مشعة يشعر بها المقابل حتى وان كان صامتا اوبعيدا، ولو علم الانسان عظمة هذه الطاقة لشكر حتى النملة التي تمشي على الارض! خذ قرارك اذن وغير حياتك بتغيير طاقتك وكن شاكرا دائم الشكر، فالشكر صفة من صفات الله عز وجل ومن اسماءه الشاكر والشكور"ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم".

 

مريم لطفي

 

بليغ حمدي اسماعيلتبدو المسألة عميقة ضاربة بجذورها في أواصل تاريخ مصر المعاصر حينما نستقرئ فكر الجماعات الدينية الإسلامية التي انخرطت في الشأن السياسي لاسيما وأن مساهماتها لم تصب في مصلحة الوطن والمواطن بنفس القدر الذي أحدثه هذا الفكر وتلك الطروحات التي بدت في معظم الوقت أكثر قمعية ووحشية بل وأعنفها شراسة إن جاز التوصيف.

ولا يظن القاصي والأكثر دنوا أن قيام هذه الجماعات بسبب أن المجتمعات العربية الإسلامية الأصل والنشأة والتكوين هي جاهلية وغارقة في جحودها صوب الربوبية كما زعم سيد قطب ومن تبعه من أنصار جماعات التكفير والهجرة الذين لجأوا إلى الدين الظاهري فحسب كستار لممارسات لا تليق بسماحة الإسلام ووسطيته واستثنائيته السماوية بل لتحقيق مطامح ومآرب تقترب إلى أرصدة الجاهلية نفسها. بل كانت النشأة الطبيعية هي سد الفراغ ومعالجة جهل العوام واستغلال فترات الضعف التعليمي وانتشار البطالة وأيضا الوقوف في وجه بعض الأنظمة الحاكمة لاسيما وقت قيامها على وجه التحديد فترة تكوين جماعة حسن البنا وتنظيمه.

وعمق التجربة السياسية للجماعات الإسلامية نسبة إلى الملامح العامة لتكوينها لا لانتمائها الديني، يعود إلى منطق التصارع الذهني لدى أمرائها تجاه مدنية الدولة ودينية السلطة، الأمر الذي جعلها بغير علل أو فلسفة تشير علانية بعلمانية أية تصريحات أو كتابات تنطق بالدولة المدنية التي هي في الأساس أيضا من منجزات العصر الحديث التي تحتاج إلى تصويب ومراجعات طويلة .

وفكرة المدنية التي كانت وستظل الهاجس المقلق لدى جماعات الإسلام السياسي هي مجرد أكذوبة روجت لها تلك الجماعات لدى مريديها وأنصارها بحجة أن الديموقراطية تزحف بالأوطان نحو الهاوية وأنها ـ أي الديموقراطية ـ وجه كاشف للضلال والكفر وعصيان الإله، رغم أنها في أوقات أخرى وفي أزمنة التمييع السياسي لظهور تيارات الإسلام السياسي استخدمت كافة رساميل الديموقراطية وخصائصها للترويج لفكرها وخداع الأنظمة الأمنية بسلمية هذه الجماعات، وسرعان ما تعود مجددا إلى طروحاتها الأصولية السابقة التي تقصي الآخر وتستقطب من يوافقها ويرافقها في التوجه والهدف.

وعودة تيارات الإسلام السياسي للأصول وتوصيفها بالأصولية ليست عيبا في حقيقة الأمر إذا كانت المرجعية لتلك الأصولية القرآن الكريم وفهمه الصحيح والسنة النبوية الصحيحة الخالية والخاوية من التحريف والتصحيف والتبديل والوضع والتجريح وهي مفردات أزعم أن جملة من أمراء تلك الجماعات لا يمكنه التفريق بينها بل أزعم حد اليقين بأن مجمل زعماء حركات التكفير والهجرة والجماعة السلفية الجهادية وصولا إلى تنظيم داعش الدموي بمنأى عن مفاهيم الناسخ والمنسوخ والجرح والتعديل وأكثر ابتعادا عن مزاحمة التأويل . 

لكن أصولية الجماعات المنسوبة للإسلام السياسي ليست كما أرى تهرع نحو مصادر التشريع بضوابط استخدامها، بل هي معتقدها الزمني تقر بحجب كافة محاولات التجديد والاجتهاد، بل هي نفسها تعاني من فقر الاجتهاد اللهم فقط فيما يتعلق بأمور النساء وتحكيم الرغبات الجنسية كما رأينا وطالعنا فتاوى عجيبة كإرضاع الكبير والزواج من الصغيرات انتهاء بفتاوى فساد الأدمغة من مثل نكاح الجهاد وجهاد الحب .

وفقر التجديد لدى أمراء وزعماء حركات الإسلام السياسي متعددة الأسماء والتوجهات من الإخوان المسلمين والجهاد والسرورية والتكفير والهجرة والسلفية الجهادية والقاعدة وغيرها من هو الذي دفع بغير إرادة إلى الاحتكام لطروحات تنظيرية لا يمكن الفكاك منها مثل الأدوار التي يقومون بها من توعية الجماهير مستغلين بساطتهم المعرفية بقضايا الدين وأحكام الفقه والحركات الدينية في الإسلام واختلاف المذاهب أيضا، كذلك أدوار من مثل رعاية الأيتام والخطابة التقليدية القائمة على الإقناع الصوتي والتفاعل غير اللفظي والتأكيد على مخارج الحروف دون المضمون المعرفي، وأخيرا الدور التقليدي تاريخيا لدى هذه الجماعات وهو نصح النساء، لدرجة أنني وغيري ممن يرون ضرورة في تنوير العقول، نرى أن رخصة قيادات جماعات الجهاد الشرعية هي تناول قضايا النساء بصورة مبالغة أكثر من تداولها بين النساء أنفسهن الأمر الذي يحتاج من رواد التخصص السيكولوجي دراسة هذه الظاهرة الملتبسة.

هذا الزعم بالأصولية التي يتزعمها شيوخ وأمراء التيارات الجهادية جعلهم أكثر اجترارا لقضية الخلافة التي طالما نجدها في كافة كتابات الراديكاليين بنفس القدر الذي نرصده عند التنويريين والمجددين أيضا، وفكرة الخلافة والكونية والصرامة المطلقة في تحقيقها أبعدت جماعات الإسلام السياسي عن مشكلات المجتمعات العربية الإسلامية الحقيقية، وأفقدتهم التزامنية مع أزمات الوطن الاقتصادية، وباتت الخلافة رهن ثلاثة محاور فقط من رؤاهم الضيقة ؛ الأولى هو الوصول إلى سدة الحكم كما حدث في مصر وتونس على سبيل المثال وهو الحلم الذي كرس له ودشنه حسن البنا وتنظيمه عبر مراحل محددة هي التكوين والتأهيل والكمون ثم التمكين، حتى كان السقوط في ثورة مصر الشعبية في الثلاثين من يونيو 2013، المحور الثاني هو فساد السلطة السياسية الحاكمة حتى وإن شُهد لها بالصلاح إلا أن أية سلطة حاكمة ليست تنتمي إلى فكرها ومنهجها والولاء المطلق لرموزها، أما المحور الأخير فهو اجتماعي يعود بنا إلى سياق سابق ألا وهو التفكير في المرأة، فالمجتمع سافر بأفعالها، مبتذل بخروجها إلى العمل، في طريقه إلى انحطاطه عبر ارتيادها مناطق الرجال الاجتماعية كالرياضة والجامعة والبرلمان، بلا شك الهوس المرتبط بالجسد يظل الملمح الأكثر بروزا واتساعا وارتيادا أيضا في فكر أمراء الجهاد المزعوم.

ويتفق كل مسلمي كوكب الأرض على شرف ومكانة وقدر الخلفاء الراشدين وزمنهم الطيب ذِكرًا وسيرة ورواية، ومن الصعوبة أن تجد من يخالف الاعتقاد بتلك المكانة التاريخية، وهي الساحة التي طالما يلعب على ثراها الجهاديون المعاصرون، لكن رغم هذا السمت العام الذي يتشاركه التنويريون والراديكاليون معا، بل والعلمانيون أيضا أراهم على نفس درجة تمجيد زمن الخلافة الراشدة وهو بحق يستحق التمجيد، إلا أن بقاء أمراء التيارات الجهادية عند تخوم زمن الخلافة وحدودها فقط يزيد من قمع كل محاولات التجديد بل والإصلاح أيضا، لأن المسلم وحسب استقطابه ذهنيا ووجدانيا عبر خطب الجهاديين مهما ارتقى في تدينه وصلاحه الفردي والجمعي سيجد نفسه بمنأى عن صلاح زمن الخلافة الراشدة حتى يصل به الأمر إلى مقاطعة العصر الذي يعيشه .

الأمر الذي وجدناه في الوقفة الاحتجاجية المصرية في شتاء يناير 2011 حينما ركبت جماعة الإخوان المسلمين وبعض جماعات الإسلام السياسي الأخرى في مصر موجة الغضب والانتفاضة الشعبية فوجدناها تنادي بشعارات لا علاقة لها بحضور المشهد الراهن مثل " خيبر خيبر يا يهود "، و"كلنا إلى الأقصى زاحفون " وهي شعارات قد نجدها طبيعية على أرض فلسطين المحتلة، مما يؤكد انفصال هذه الجماعات بأعضائها عن الوقت والحدث. 

ورغم هذا الانفصال، نجد أن الجماعات الجهادية نجحت فيما أخفقت فيه النظم العربية الحاكمة بمؤسساتها الرسمية ؛ فتيارات الجهاد المسلح استطاعت استقطاب ملايين الشباب العربي والغربي لأفكارها عبر الإنترنت، ونجحت بامتهار وكفاءة في انتزاع عقول الشباب العربي من حضن المؤسسات التعليمية الرسمية، ففي الوقت الذي توقفت فيه الدراسة بمعظم الدول العربية ولجأت إلى اعتماد نظام التعليم عن بعد، كان الاستخدام قاصرا ومحدودا ولم يتمتع بالقدر الكافي من الريادة والانتشار وجذب الطلاب العرب رغم تعدد المنصات التعليمية .

في الوقت نفسه الذي هرعت مسرعة تلك الجماعات التكفيرية ومنها تنظيم داعش إلى تدشين عشرات المنصات الرقمية ومئات المواقع والصفحات الإلكترونية عبر شبكة فيسبوك لاستقطاب الشباب الذي بدا أكثر سطحية وأقل عمقا في الفكر والتحليل والتأويل لما يُعرض عليه، فاستحال لقمة سائعة وفريسة سهلة القنص لدى جماعات الجهاد التكفيرية.

وكل الخوف أن يكون التعلم عن بعد الذي تتباهى به الدول العربية اليوم هو السلاح الأكثر شراسة في أيدي جماعات التكفير الجهادية لاسيما وأن الطلاب أصبحوا بعيدين عن خبرة الأساتذة المباشرة والإقناع والتواصل المباشر معهم.

وحينما نرصد نوافذ جماعات الإسلام السياسي المعاصرة، لا يمكننا التغافل عن استخدمها التاريخي بغير كلل لفكرة ممنهجة مفادها وضع الدين (ظاهريا) في خدمة الفكر السياسي الخاص بأيديولوجياتها، وتاريخ العرب المعاصر تحديدا منذ بدايات ظهور تنظيم البنا يؤكد أن الغرض الأساسي لهذه التنظيمات هو الوصول إلى السلطة رغم آلاف التصريحات والأيمان وأغلظ القسم بأنها ـ الجماعات ـ لا تسعى إلى الحكم أو السلطة لكن حقيقة المشهد تبدو دائما مغايرة للمنطوق اللفظي لديها.

لذلك، ما ينبغي التنويه عليه والتشدد كما يفعل الراديكاليون أنفسهم، أن فكرة المراجعات الدينية لأمراء هذه الجماعات وشيوخ تلك الفرق وقيادات التنظيمات الجهادية بعد أن يتم القبض عليهم يجب أن تؤخذ بعين الحذر والترقب، ففي زعمي أن منطق الاستتابة لدى هؤلاء غير حقيقي أو صادق تماما، وأن سياسات التسامح ومظاهر الاعتدال المؤقت لديهم سرعان ما تنقلب إلى وحشية وقمعية واستلاب حين التمكن تماما كما شاهدنا في أحداث رابعة العدوية وكل محاولات مقاومة السلطة العسكرية في مصر، ومن الغريب أن جماعات تدِّعي السماحة وهي في جوهر الأمر وواقعه تستخدم كل الحلول المسلحة عند المواجهة .

وأيديولوجية الجماعات الجهادية التي ينبغي أن تكون معروفة ومحفوظة لدى أجهزة الأمن العربية تبدأ بالتدرج في العرض والصبر في الترويج والشيوع داخل التجمعات البشرية، ثم اللجوء إلى حلول جذرية تمثلت ولا تزال في الاغتيال السريع للمخالف، ثم التوسع مرة أخرى في مقابل التشدد في تطبيق نظريات تلك الجماعات، هذا ما جعلني وقت الكتابة استرجع ثمة إشارات تاريخية منها ما قام به صلاح هاشم من تكوين جماعة دينية بجامعة أسيوط ضمت بعض الرموز الجهادية مثل كرم زهدي وعاصم عبد الماجد وأسامة حافظ وغيرهم من رموز التكفير والغلو والراديكالية الذين لا أثق بعد في استتابتهم الفقهية غير المقنعة، هذه الجماعة التي أسسها طلاح عاشم جاءت كما زعمت لمقاومة منكرات الحرم الجامعي وأبرزها وأهمها وأخطرها من وجهة تفكير هؤلاء المهووسين جسد المرأة وزيها وفساتينها وأحذيتها وكل ما يتعلق بالأنثى، فبدلا من أن يقوم هو وفريقه الجهادي بتثوير البحث العلمي والانطلاق إلى مجالات مجهولة في العلم كان المنكر في نظرهم هذا الجسد الأنثوي الذي يروح ويغدو، في نفس الوقت الذي كانت المنيا على موعد مشهود مع ترويع المدنيين لاسيما الأقباط في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي .

كل هذا يجعل العقل يتذكر بدايات السلطة الدينية في أوروبا حينما حاولت الكنيسة الكاثوليكية الجمع بين السلطة الدينية والسلطة السياسية وفرض الزمن التاريخي على الواقع المشهود مما أدى إلى ممارسات أكثر وحشية بشأن كل معارض كما تم على أيدي البابا جريجوري التاسع في عام 1233 من خلال محاكم التفتيش وأصبحت هذه المحاكم بقوة القانون على يد البابا إنوسنت الرابع عام 1252 وما قام به من وحشية وقمع تمثلت في حرق المخالف .

إن الإسلام دين يدعو إلى الرقي والارتقاء بالعقل البشري وبالإنسانية في كافة صورها، دين سماوي يحث على إعلاء كل قيم السمو والرفعة ويدفع الإنسان من خلال الاتصال بربه عبر العبادات والطاعات أن يستحق ولاية الأرض وخلافتها هذا ما يغفل عنه أنصار وأمراء جماعات الجهاد والتكفير .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

ـ أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية (م) .

ـ كلية التربية ـ جامعة المنيا ـ مصر