سعد جاسمالى نوس..

إِمرأَتي التي رحلَتْ فجأَةً الى فراديس الأَعالي

على مسافةِ موجتينِ

من شغافِ الفرات

أنجبتْكِ غزالةُ المدى

وقدْ تعهّدَكِ الرعاةُ

والطائرُ الجبليُّ

والشجرُ الرافديني

والغيمُ والندى

فشببتِ بَريّةً ونقيّةً

وبكِ فتنةُ الحبِّ

ولكِ شهوةُ الخصبِ

ومنكِ وفيكِ

تَخَلّقَ سرُّ الحياةِ

وأَشرقَ كهالةِ ضوءٍ

ونمى كعشبةِ خلاصٍ

في حقولِ الروحِ

وفي قلبِ اللهِ

وفي قلبي اليعْشقُكِ

من أَولِ الماءِ

حتى صيرورتكِ الاولى

ثمَّ الى كينونتكِ الباذخةِ

 في الوجودِ الحُر

حتى رحلتكِ الغامضةِ

 الى عالمكِ الآخر

وإقامتكِ السعيدة

في فراديسِ الابدية

 -2-

كُلَّما أَحلمُ بكِ

توقظُني الملائكةُ

بالقُبَلِ والتراتيلْ

 

ياااااااااااه ياأَنتِ

أَهذهِ موسيقى جنائزية

أَمْ انَّها دموعُ الرحيلْ؟

-3-

تعالي ...

ولاتقلقي كثيراً

فالبيتُ مفتوحٌ

على مدىً من زرقةٍ وندى

لاباب ..لاجدران

لا كلاب ولا حراس

لاشئ غير الورد والعصافير

والشجيرات الرهيفة

وكائن من شغف

وقرنفل وحنين

هو أنا ......

مازال واقفاً

في شرفة إنتظاركِ

حالماً بإطلالتِك القزحية

وحضورِكِ الباذخ

-4-

لو كنتِ معي

لعزفتُ على جسدِكِ

موسيقى حبٍّ صوفي

ولكنكِ نائيةٌ ووحيدة

وأَبعدُ من مدى أصابعي

***

سعد جاسم

 

 

 

سردار محمد سعيدياتاركي وحدي مع الأعداء   

                         في ليلة مغبرّة ظلماء

أشجاك ضعفي أم ذهاب فتوتي  

                    وسنيّ عمري آذنت بفناء

وعرفت أن لن تسقطي أبداً بوحـ 

                      ل نميمة أوغيبة وهجاء

ولقد علمت صبابتي وتلهفي  

             لرضابك الأشهى وعذب رواء

قرب الحبيب يثيرلوعات الهوى 

                 وبعاده يذكي جوى الأحشاء

مترجح متذبذب وكأنني      

                 في برزخ الأموات والأحياء

لا يرتجيني واحد منهم وهم      

                  أسرى رقيم خامد الأضواء

أنا في مواطن ينتشي فيها سرا   

                     ب قاتم في كالح الأجواء

ومظنتي أن السراب وليد نو     

                   ريرتوي من رائق الأنواء

أصوات حيّات يفح فحيحها      

                   فتحيطني كالغارة الشعواء

والريح امثال اللظى مشبوبة     

                    فكأنني في غمرة الهيجاء

وخز الغبارعلى الجلود بوشيه 

               ككواكب حطت بعرض سماء

دبّت هوام الأر ض يسبقها أزيـ   

                ز والصدى مزجا معاً بخلاء

لويستديم العشق دهراً في القلو 

                  ب لشوهدت آثارفي البيداء

 ببداية منحطة  ونهاية         

                        بدنائة تمضي به لهباء

ألديك شك في قساوة وحدتي     

                  ورزيتي وصبابتي وعنائي

وحبيبة وجدت هوى بظلامتي   

             فاستمرأت رغم النحيب  بكائي

لفجيعة الزمن الوبيل رداءة   

                وحمامها قد حلّ في الأحشاء

أَوَيُرتجى وغد يخلص حالنا  

                من سطوة الأموات والأحياء

أبداً ويحسب أنه في منتها     

               ه وقد بدت لحظات  وقت فناء

هل تخجل الصحراء إذ وصفت بوا 

                       دٍ قاحل في بقعة جرداء

في غمرة الأحزان والألم الممي 

                ت يلوح طيف جاحم الإعياء

فحلمت والأحلام محض تصور

           يذوي سريعاً  في جوى الرمضاء

ووجدت نفسي عالقاً بجزيرة    

                في فاحشا ت الأبحرالشوهاء

فيها غصون لا يرى إلا تشا   

                بكها على أشجارها الملحاء1

حتى إذا دقت طبول سحابة    

                    فظننتها ستسح في البيداء

فالرمل يخفي وجهه خجلاً بما   

                  سموه: جلد الفاتن الشمطاء

فقوامه من أيبس الأشياء        

                       ودقاقه حطت بكل فناء

لكنه يخفي عذيب ندى زوى      

                  يحكي دموع الغادة الحسناء

وعلى جوانبه خطوط زخارف   

                مثل الحروف بصفحة شهباء

فظننت أن الغيث فاتنة بدا           

                    إبراقها من ألمع الأضواء

أقنعت نفسي في وميض سحابة  

                  خلباء  شبت على الإغراء2

ولقد نسيت بأن في طبع الجما    

                   ل طرائق من فتنة الإغواء

وأملت أن يأتي الصباح بنوره  

               فكأنه ثغرٌيصم مسامع الرفقاء

وبرغم ذاك فإنني أرنو إلى    

                   مندوحة  بكواكب الجوزاء

يا ناعم الأوراد في نسق يفي  

                    ض رهافة بجنانها الغناء

آمنت أن الكون أزواج مُرتـ   

                        تبة خلاه مفلّق الأشياء

وإذاجرت بسمائنا سحب خفا  

                فُ وقد زهت بالحلّة البيضاء

فتأملي فتّانتي سحباً قتا   

                  متها ككحل المقلة الحوراء

وتفبلي الأزواج إنهم ضيو     

               فٌ في ربى الأرواح  والأنداء

وتذكري أني على عهد الهوى    

                     وبزحمة الأفكار والآراء

حبي عفيف والهوى شعب  تفو   

                      ق هوى الأهلين والآباء

ماانفك شوقي عارم ألق له     

                     يأتي الربيع بحلة صهباء

دوماً يعاودني خيال صامت   

                   وله بروق أومضت بسماء

نتبادل القبلات والهمسات تج   

                   معنا وتبعدنا عن الرمضاء

وإذا حرقنا روحنا نلقي بأنـ   

                   فسنا بعذب من زلال الماء

أنفاسنا فيما إذاانبثقت سرت   

                  بفتات عظمات من الأشلاء

وزفيرآهات نسائمها تزي    

                د جوى في رجفة الرحضاء3

يا لصّة الوصل الشهي ولطفه   

                      كنسائم في غاية الإخفاء

وتململت أكمام خدك إذ بدت     

                      تزهو بحبات من الأنداء

شخنا ولم تأفل لنا من صبوة       

                      تذّبذب  بترجح الأجزاء

تتزاحم القبلات حول خدودنا     

                     كزنابق في جنة خضراء

خوفي على أهدابها لوبالغت    

                      تحديقها من مقلة وطفاء

ومخافتي أن تنتهي مزقاً إذا        

                   ما قوضت كمنارة الحدباء

فتشابكت أغصاننا وتداخلت      

                      ألوانها في دوحة فرعاء

 لسنا بأول عاشقين تآلفا               

                      وتخلصا من قيعةغبراء

                 ***

سردار محمد سعيد – اربيل

.........................

1 - ملحاء شجرة فقدت اوراقها

2 - خلباء مثل خرقاء ، والخلّب معروف

3 - الرحضاء الحمّى بعرق

 

 

 

جعفر الديريبلىْ ورمآدِ الأحبَّةِ...

مازلت مُحتفظا بالندىْ...

سورةً سورة وكتابا كتابا

لا تزال الأماسِيْ التي لملمَتها الطيور...

تزفُّ إليَّ سلاما سلاما

كُنتَ في أُبهَة الموتِ تتبعني...

تتقصَّى يمينيْ.

تَرى في الشُعاعِ المباغتِ...

أرجوحةً تتهادىْ.

كنتَ تسألُ عن جُبَّة للحيارىْ

وكنتَ نقيضَ الذين أناخُوا سفائِنهم...

ترسلُ الليلَ ما بين قوسينِ...

تحفظ فوقَ البساطِ نجوما بِعادا

وكُنتُ أرآكَ كعُشبٍ بكفِّ الطفولةِ...

يزهر يطوي المِهَادا

كان ليْ أن أرىْ في بواكيرِ ذاكَ المساءِ...

شموعا تراقَصُ ما بين عصفورتينِ...

وروحٍ مجنَّحة تتندَّى.

وراء خيالاتِنا كان ضوءُ المدينة يغفوْ...

ويسألُ ريح الشمالْ:

"أيُّ حُلمٍ تُرى أوقعتَه الدماءُ...

ففرَّ وُقيتَ الشجا"؟!

حينَ ألقيتَ وجهَك نحو اليمَامةِ...

شاهدتُ نخلكَ يعبُر في قارب الفجرِ...

منتشِياً بالحكايا.

مرَّ دمعُ هناك يُسائِل عن صخرةٍ تتهَاوىْ.

عنْ مدىْ عَتمةٍ تتخطَّى مكانَ اليباسِ...

لتنزلَ في الياسمينةِ حِبرا... ِمدادا.

***

جعفر الديري – البحرين

عضو أسرة أدباء وكتاب البحرين

 

 

فاطمة الزهراء العلويكـ ابْتسامة الغيّابات المُؤقتة

تلحظني الشّوارعُ الخاليَة من أصْوات البَاعَة على رصِيف الشّتاء / قادمةً من هَيَاكِل الذكْرى :

امْرأةٌ مُسنّة تقفُ على عَتبة بابِ الله

سائقُ سيّارة يَلْهَجُ بكلمات غيْر مَفْهومة عِند تقاطُع الأسْفَار

طِفْلٌ يسابق الريح بعجلة متآكلة

جِدارٌ يَعُجّ برُسُومَاتٍ يسَاريّة

شارعٌ ونافِذة ٌ

ونصْفُ جسَدٍ وقُبّعة

حوارُ عاشقيْن على رصيف وَجْدٍ

قبّرتان تُمسكان بخيط العش

ارتعَاشة قَلمٍ

مَساءٌ قادم من ثَنِيّات جَريحَة

حديقةٌ تفقس ُالغرامَ

قبُلاتٌ في الهَواء من شابّ لحبيبته على شُرفة الحُلم

قصيدة ٌهَاربَة من قبْضة المَجَاز

وكوكب يخترق النّهار يقُترب من مَجَرتنا

يحملني إلى عدسَة رسّام

ينْجِزني نَدى على ورَقَة ضَيَاع

 

وأكبر..

وأكبُر عشرين سنة حيث كنا

على اغتيال رحِيلٍ نُودِعُ الحقائبَ

نُودِعُ الدمع

نودع أسُرارَ سُورَةِ الوجْد المُعَلق على باب الصّبْح ..

 

هـي الغيابات

مَرايا الظّل حين يستودِعُه الجسدُ هزالَه

حين يُسَخّرُ فَوْضاهُ عبْر الضّوْء غواية ..

ويخرج الحلمُ من شُوَاظ الغِوايَة مَاء

 

هـا مُسْوَدّة جَديدة ..

طفْل يبيت جُوعًا على أسْوار الجِراح

كَذّب الصّدى

كَانت آهَة المَساء قَطرةَ جُوْعٍ تُلاحقها مَرارةُ البَيادرِ المُقنعة

كذب الصّدى وكذبنا

فاضَتْ دُمُوعُنا هُزُوّا

أحرقنا الأجراس

عُراة ً مَفتُونين بـِ بَياض ثلج على صَدْر زفت مُبَاح ..

 

هـا مُسْودّة أخْرى

انزلاقُ الرّمْح إلى جثة الانتكاسة

والمدينةُ بمكيالين .. تعفو ثم تعود .. 

***

فاطمة الزهراء العلوي

 

عبد اللطيف الحسينيمها التي تطفيءُ النجومَ فوقي بلمسةٍ من يديها، مها الخضراء تصنعُ جزيرةً، فتضعُ كيساً من الصحراء في وسط النهر. ما كتبتُه لمها باتَ كابوساً تراه في ليل شتائِها الطويل، كما في اﻷحلام: سرقتُ أنهارَها.. فبقيت مها تحتدُّ وحيدةً.. تستجدي يداها الملائكيتان بسماء منخفضة.. اﻷنهارُ ترافقُها.. تحرسُها.. تطيّرُ شعرَها، تمسّدُ ضفيرتَها حين تغنّي. أحملُ فانوساً في لياليَ المُعتمة ألملمُ صوتَ مها من ضفاف اﻷنهار.

كيف ألتقطُ صورةَ المَلَاك في المرآة؟

أكادُ ألمسُها.. هذا وشاحُها يطردُ الوحشةَ عني، هذه يدُها الدافئة تشعلُ تلويحتي الباردة.

التقطتُ صورةَ لمها عند كنيسةٍ مهجورةٍ وهي تُطعمُ الحَبَّ للعصافير.

إنها نافذتُكِ.. مرآتُه يتملّاكِ خلالَها.

أضرمَ النارَ بنفسِه وسطَ الشارع ولم يرَه أحدٌ سواكِ، ولم تمنعيه.

أينما صادفَ امرأةً جميلةً يقبّلُ يدَها، اسألي النهرَ الذي اشتراه لك، اسألي ضحكتَكِ الشجرية، ضحكتُكِ ألفُ ارنبٍ يركض.

اسألي الوردةَ تذبلُ

والأنهارَ التي تجفُّ

واﻷشجارَ التي تتيتّمُ.

يا لرائحة امرأة الجنوب.

***

عبد اللطيف الحسيني - هانوفر

راضي المترفيلم يكن حدسا لكنها الصدفة المجردة التي دفعت امر الدورية للطلب من السائق التوقف أمام هذه البناية بعد الساعة العاشرة مساء بدقائق معدودة وعند ترجله من السيارة شاهد شخصا يقفز من شقة في الطابق الثاني وسقط قريبا منه وعند لحظة السقوط لم يتبادر إلى ذهن امر الدورية غير ان هذا الساقط من الأعلى لم يكن غير لص دخل الشقة في غياب ساكنيها ولما فتحوا بابها قفز منها للشارع لكي لا يمسك بالجرم المشهود . كلمه فلم يرد عليه سوى بتاوهات وتوجع وتجمع حولهم بعض المارة لكن الدورية حملته إلى داخل السيارة وذهبت به نحو المستشفى وفي الطريق اتصل امر الدورية بالجهات ذات العلاقة وزودهم بتقرير شفهي عن الحال فصدرت الأوامر بايصاله المستشفى والتحفظ عليه لحين وصول الحراسة .

تبين في المستشفى انه أصيب بكسر في ساقه وبعض الكدمات والرضوض البسيطة وسمح الطبيب المعالج باستجوابه لكنه امتنع عن الإدلاء بأية معلومات عن سبب قفزه من الشقة ولم يرد على التهمة التي وجهت له فظن المحقق انه لص شعر بدخول اهل الشقة فقفز منها حسب ما جاء في تقرير امر الدورية الشفهي بعدها قام المحقق بالاتصال بأمر الدورية والطلب منه الذهاب إلى الشقة المذكورة والاستفسار من صاحبها في حال تعرضها للسرقة ومن ثم الاتيان به إلى المستشفى للتعرف على المتهم .

. طرق امر الدورية باب الشقة ففتح له رجل ثلاثيني له بعض الوسامة والهدوء ورحب به وسأله عن سبب الزيارة فأخبره امر الدورية بقضية الرجل الراقد في المستشفى وقفزه من شقته وتهمة السرقة وطلب منه تفقد المحتويات وطلب منه الدخول ريثما يقوم بذلك وعند استقراره في غرفة الضيوف أخبره صاحب الشقة انه عاد للبيت قبل العاشرة بقليل وطرق الباب فلم تفتح زوجته الباب إلا بعد عشرين دقيقة ولما سألها عن سبب تأخرها اعتذرت بتعكر مزاجها . هنا شعر امر الدورية انه امسك بأول خيوط السر وان الأمر ليس سرقة فطلب منه التأكد من عدم وجود أشياء مسروقة والاتيان بزوجته وذهب وعاد سريعا مع زوجته وأخبر بعدم وجود مسروقات ومن دون إضاعة للوقت سأله امر الدورية : اين تقع غرفة نومك ؟ وطلب منه الذهاب معه إليها مع التأكيد على بقاء الزوجة في مكانها ولما دخلها وجد انها تطل على الشارع ولازال الشباك الذي قفز منه المتهم مفتوحا ولاحظ تناثر زجاجات خمر فارغة في المكان واعقاب اكثر من نوع من السجائر ثم طلب منه أن يصاحباه هو وزوجته إلى مركز الشرطة واتصل بالمحقق وطلب منه ترك المتهم تحت الحراسة والعودة إلى مركز الشرطة وانتظاره في غرفة التحقيق .

. في الطريق إلى مركز الشرطة دارت في رأس امر الدورية عشرات الأفكار واكثر من سيناريو لجريمة خيانة زوجية قد تكون معتادة وتنفذ كل يوم إلا أن عودة الزوج في وقت غير متوقع هو من أدى إلى كشفها وخوفا من الفضيحة رمى المتهم نفسه خارج غرفة النوم وربما بسبب كونه أخ أو صديق حميم للزوج المخدوع لكنه تظاهر بعدم الاكتراث وسال الزوجة بطريقة تبدو عفوية .. كم مضى على زواجكما ؟ فأخبرته أنهما تزوجا منذ سبعة سنوات وانتقلا إلى هذه الشقة في المجمع الذي خصصه البنك لموظفيه قبل خمسة سنوات وأنهما يعيشان حياة زوجية رتيبة إذ لم ينحبا أطفال وان زوجها كان كثير الارتياب بها لكنه لم يتعدى حدود ارتيابه من الكلام للفعل ولم تحاول الانفصال هي .

.دخلا على المحقق بصحبة امر الدورية فاجلسهما امامه متقاربين ورحب بهما واختلى بامر الدورية لعدة دقائق ثم عاد الى مكانه وامر بفتح المحضر وسال الزوج: اشرح لي بالتفصيل اين قضيت وقتك الذي كنت به خارج السكن ولا تنسى تفاصيل العودة وتاخرها في فتح الباب لك ؟

انا اعترف اني كثير الارتياب بزوجتي لكني لا ابني عليه أمرا واعتدت أثناء العمل وفي فترات خروجي منفردا الاتصال بها وسؤالها عن مكان تواجدها ثم بعد ذلك اطلب منها ان تصور نفسها في المكان وترسلها لي وينتهي الأمر علما انا وهي بلا اصدقاء أو معارف عدا صديق يعمل معي في نفس المصرف اعتاد زيارتي في البيت والسهر عندنا مرة لمشاهدة فيلم وأخرى نلعب الورق وغيرها للدردشة وأحيانا تأتي زوجته معه لكن في كل سهراتنا شبه اليومية تكون زوجتي معنا وفي هذا المساء اتصلت بها وسالتها عن مكان تواجدها فاخبرتني انها في السوق لشراء بعض اللوازم والاحتياجات فاكدت عليها ان لاتنسى شراء لوازم سهرتنا اليومية فطمانتني وكالمعتاد طلبت منها التقاط صورة وإرسالها لي ولما وصلتني الصورة وجدت أنها التقطتها في البيت فارتبت في ذلك وقررت الرجوع إلى الشقة وعند الباب بحثت عن مفتاحي الخاص فلم أجده فطرقت الباب لأكثر من مرة لكنها تأخرت لمدة عشرين دقيقة فزاد ارتيابي بها وحاولت البحث عن دليل إدانة وشغلت نفسها عني بدخول الحمام حتى طرقت الشرطة الباب وسالوني هل تعرضت شقتي للسرقة ؟ .

. التفت لها المحقق وسألها عن سبب ارتياب زوجها الدائم بها ؟ وهل لتصرفها علاقة بذلك أو أن لها ماض يدفعه للشك بها ؟ ثم قدم لها سجارة من احد النوعين الذي رآهما امر الدورية في غرفة النوم فاعتذرت بعدم تغيير نوع سجائرها وقالت:

منذ زواجنا وانا اعاني من بروده العاطفي وانغماسه بعمله وتقديمه على كل امر اخر إضافة إلى كوني بلا اصدقاء في هذا المجمع الكبير ولا عندي أقارب اتزاور معهم ولا عمل يشغلني ساعات الدوام فأصبح منهاجي الدائم الذهاب إلى السوق والتجوال وشراء الاحتياجات اليومية ومن ثم الطبخ وانتظاره على الغداء وهكذا سارت حياتنا بشكل نمطي إضافة على عدم رغبته في إنجاب أطفال حتى زارنا صديقه الوحيد إلى شقتنا ذات مساء وسهر معنا وكان لطيفا ودودا واستمرت زياراته لنا بشكل شبه يومي ندردش ونشاهد التلفاز أو نلعب الورق نحن الثلاثة وسهرات معدودة كانت زوجته تحضر معه

سألها المحقق :

. هل زاركم هذا الصديق يوما في غياب زوجك ؟

. نعم اكثر من مرة

. وماذا فعل في هذه الزيارات ؟

. كنا ندردش ونلعب الورق احيانا وندخن ونحتسي القهوة أو بعض الخمر حتى اعتدت على وجوده في حياتي

وعندما هم المحقق بسؤالها عن تواجده هذه الليلة وماذا فعل بها واتصال زوجها وارتيابه بعد إرسال صورتها في البيت وهي التي أخبرته أنها في السوق رن التلفون فرفع السماعة المحقق فاخبروه ان المتهم اختفى من المستشفى بطريقة غامضة ولازال البحث جاريا عنه فامتقع لون المحقق وانتبهت هي لذلك قبل غيرها لكنه عاد إلى ثباته وطلب منها ومن زوجها وامر الدورية الذهاب معه للمستشفى .

. عند وصولهم للمستشفى لم يجدوا للمتهم اثرا ولم يتم تدوين اسمه أو عنوانه أو حتى صورة له مما أسقط في يد المحقق من مواجهتها به او ترتيب لقاء للزوج بصديقه الخائن المفترض فعاد بهم إلى مركز الشرطة ووجه للزوجة السؤال التالي :

. وماذا فعلت في ساعات غياب زوجك اليوم ؟

. لا شيء تمددت على الأريكة في غرفة الضيوف ونمت وعندما طرق الباب لم يكن لي مزاج للنهوض وفتح الباب حتى اضطررت للنهوض وفتحه بعد تواصل الطرق عليه

. الم يزوركم صديقكم اليوم في ساعات غياب زوجك ؟

. لا واذا عندك شك في ذلك فاستدعه وتأكد منه بنفسك واذا كان زوجي شاكا بحضوره فليطلقني ان رغب بذلك .

. التفت المحقق للزوج فقال الزوج :

. نعم سأذهب معك للماذون لتثبيت الطلاق لكن بعد أن يغلق المحقق المحضر بدون فضائح .

***

قصة قصيرة

راضي المترفي

 

كريم الاسديمثنويّات ورباعيّات عربية..


لوعبرتُ الدربَ في هاجعةِ الأسحارِ نحو الدارِ داري

كنتُ روَّيتُ ونوَّرتُ دنى العشّاقِ من مائي وناري

**

لو قطعتُ الدربَ للماضي لَألغيتُ الحروبْ

من قواميس البشرْ

وللَأهديتُ الى العشّاقِ آلافَ الدروبْ

ولَوزعتُ على الأنهارِ أقمارَ السَمَرْ

**

لو عبرتُ الدربَ للماضي لَصرتُ الفجرَ بالأنوارِ قادمْ

ولَلامستُ قرارَ البحرِ مرفوعاً الى أعلى السلالمْ

**

لو وصلتُ الدربَ بالماضي لَأهديتُ شبابيكَ النساءْ

أُغنياتٍ من عصافيرِ النجومْ

ولَأولمتُ الى سربِ الغيومْ

أن يحيلَ المَحْلَ بستانَ سماءْ

**

لو عبرتُ الدربَ للماضي الى تلكَ الجُزرْ

لَأمرتُ الناسَ ان يمضوا الى عمقِ الفراتْ

ثم يأتي كلُّ منهم بحصاةْ

نبتنيها هيكلاً للحبِ في تلك الجُزرْ

**

لو أتى نحوي صديقُ الأمسِ في ثوبِ الطفولهْ

لَرأى النهرُ بقلبِ النهرِ ظلاً ونخيلَهْ

**

لو أتى نحوي نديمُ الأمسِ في صحوِ الثمالهْ

لرأى النهرُ بروحِ النهرِ نخلاً وظلالهْ

**

لو قطعتُ الدربَ للماضي الى فجرِ العصورْ

كنتُ باركتُ الطقوسَ السومريهْ

ولَمجدتُ بزوغَ الأبجدية

وقطعتُ الحقدَ من قلبِ الدهورْ

**

لو وصلتُ الدربَ بالماضي الى أيامِ بابلْ

لَعبرتُ الدربَ من بابٍ لعشتار الجميلهْ

ذاهبا في كلِّ يومٍ لخميلهْ

واستضفتُ الليلَ نجماً ورياحاً وسنابلْ

**

لو عبرتُ  الدربَ للماضي لبغدادَ ودجلهْ

وسمعتُ الشعرَ والقيثارَ من قلبِ الليالي

كنتُ أبدعتُ جمالاً  يتسامى نحو آفاقِ الجلالِ

جاعلاً متسعَ الكونِ رواقاً ومحلهْ

**

لو جلستُ الليلَ فوق الجسرِ في تلكَ الديارْ

وسمعتُ الماءَ ينداحُ ضجيجاَ وسكوتْ

وتمليتُ نجوماً في فسيحِ الملكوتْ

كنتُ أوصلتُ نهاياتِ مسارٍ في بدايات مسارْ

**

لو مضى سمعي رهيفاً نحو أنباء الروافدْ

لَمنحتُ السرَّ للماءِ مع النورِ المذابْ

ولَوحدتُ جواباً في سؤالٍ ، وسؤالاً في جوابْ

ولَأرجعتُ زماناً ومكاناً نحو بعدٍ لانهائيٍ وواحدْ 

**

لو ملكتُ الكونَ شذراً ومياهاً وعقيقْ

كنتُ أنفقتُ الذي أملكُ كي اغسلَ قلباً لصديقْ

**

لو سكبتُ الحبَّ من أنهر قلبي في قوارير النساءْ

كنتُ رويتُ القواريرَ مدى الأزمانِ مِن أوَّلِ حوّاءٍ الى آخر حاءٍ ثم باءْ

**

لو منحتُ الهمّ همَّ الروحِ للجِنِّ لَجُنَّ الجنُّ في الوديانِ والجوِّ وهاموا

ولَثارتْ سحبٌ سودٌ من النجماتِ وانقضَّ على الدهرِ مدى الدهرِ قتامُ

**

لو درى النخلُ بما أهجسُ في الأضلعِ من حرِّ الفراقْ

لَأقتنى قلبيَ شمساً لا تضاهيها لظىً شمسٌ لتموزٍ وآبْ

ولآبَ الرطبُ اليانعُ للأعذاقِ في كانون في كلِّ بساتينِ العراقْ

ولَعادَ الناسُ أسراباً الى النهرين ، والأِشعارُ ماءً لا سرابْ

**

لو زرعتُ (اللوَ) في البيداءِ واخضَّرتْ من (اللوِ)  خمائلْ

لَشتلتُ الدربَ مابيني وبين الدارِ نخلاً وفسائلْ 

***

شعر: كريم الأسدي

...........................

ملاحظات:

* نُشرتْ هذه المقاطع في الملحق الأدبي والثقافي الأسبوعي لجريدة النهار البيروتية في نهاية شهر آيار من العام  2009 وذلك بعد كتابتي لها في برلين بفترة قصيرة ، ما عدا ثلاثة مقاطع جديدة أضفتُها يوم الثاني من كانون الأول 2020 ، وموقع المقاطع الجديدة هنا في النص قبل المقطع الأخير.

** في النظرية النسبية ونظرية الأنفجار الكوني ونظريات الفيزياء الفلكية الحديثة هناك اشارات ان بُعدي الزمان والمكان يتوحدان في بُعدٍ واحد بَعد حوالي 15 بليون سنة ضوئية، وبهذا يجتمع الماضي والحاضر والمستقبل في كلٍ واحد ويكون من الممكن حينها استعادت كل حدث من الذكريات واقعاً معاشاً بما يشبه في السينما والأفلام السينمائية  تقنية ال (Flashback) .

*** هذا النص المعنون ب (امنيات لو) يشتغل على كلمة بؤرة من الكلمات الأدوات في اللغة العربية محاولاً كشف كم الضوء والطاقة في هذه الكلمة وسبر أغوارها، والكلمة في هذه الحالة (لو)، وقد سبق ان نشرت نصوصاً مماثلة حيث الكلمات  الأدوات بؤر ضوء فقدمتُ مثلاً (احتمالات ربّما) وها أنا اقدم الآن (أمنيات لو) في هذا النص الذي  هو جزء من مشروعي الشعري (مثنويات ورباعيات عربية) والذي سبق وان عرَّفت فيه القاريء في النصوص المنشورة السابقة، وستتبعه فصول جديدة، وكل أملي ان يكون فيها اشتغال جديد ومبتكرعلى الأوزان والطرائق الشعرية العربية .

 

قصي الشيخ عسكرسهوا

تلك الدنيا

تسقط في حلم

منقوع في قطرات الليلك

**

عثرة

أحجار الصمت الجاثم في صدري

تتعثر بالخوف

تغريني

**

البحر

إنه البحر غازلته ظنونــــي      فتلاشى بقطرة مـــــــن هباء

يستميح الشوق الذي لملمته     نظرتي أن يعود بعض اشتهاء

لتتيه الصحراء فيه ربيعـــا     أو يرى وجهه مــــرايا السماء

**

الزمان

مبحر في الخواء هذا الزمان    مبحــــر فينا منذ كنا وكان

سادر لايروم عنا فكاكـــــــا   أين يمضي وقد فقدنا الأمان

**

الليل

هذا الشيخ المتعب ذو الظهر الأحدب

يدعوه الناس الليل

قبل طلوع الشمس يراه الناس

يهدي قبلاته للبحر

يحلم أن النورس غاب وراء الأغنية الأحلى

تلك إذا غناها شيخ محني الظهر

يمكن أن يرجع طفلا يحبو كالفجر

**

وطن

وطن يسكن حبة قلبي

لكنه

يسع الدنيا

**

قبلة

النخلة لا تطبع قبلتها

فوق جبيني

إلا عند الفجر

**

وطني

وطني تلاشى في عروقي لحظة       ونآى يريق دمي على الآفاق

ولطالما خطف العيـــــون بريقه       ليــــــردّ عني قسوة الأحداق

                                      ***

قصي الشيخ عسكر

 

زهرة الحواشيإني أراهم

بعينَيْ زرقاء اليمامة

قادمين

كما ذات فجر

أبرد

أمرد

أكحل

أكلح

أحلك

أطلس

أسود

أغبر

أغرّ

أمرّ

أحرّ

كحرّ بارود السّلاح

كالسّراب

كالسّحاب

كالضّباب

كعاصفة الرّمال و الرّياح

من الغيران خرجوا

من القضبان هربوا

من النسيان انتبهوا

من بؤسهم غضبوا

كالأثقال

كالأفيال

ككثبان من الأشباح

كالوعود

كالرّعود

كالفهود

كالأسود

كفيالق الجلمود

كهامات نمرود صُراح

كما الصّحاري الخاويات

الزّاحفات

الطّاويات

الدّاهمات

الجائرات

النّاهرات

القاهرات

الثّائرات لحقّ مستباح

من الهضاب الكالحة

قادمون

من العيون الجافّة المالحة

من تخوم المنهكين

أراهم قادمين

يلعقون عرق الملح

لإطفاء الظمأ

لا يعون لعشب و ماء

و كلأ

يغمغمون

حروفهم جُلّنار حمراء

و يهتفون باسم آخر مولود

في العراء

أن هُبّوا..هُبّوا

يا بقايا البؤساء

ضدّ سطوٍ الجائر

ضدّ حكّام البغاء

ضدّ طابور الخصيان

ضدّ أسطول الخناء

ضدّ آكلات الجِيفٍ

ضدّ مصّاصي الدّماء

ضدّ من قتّلوا شعبا

ضدّ من زرّعوا رعبا

ضدّ من حطّموا آفاق العلا

ّضدّ من سرقوا البسمة

من شفاه الرّضّع

و الفرحة من عيون الأبرياء

أتراها حقّا عيونك يا زرقاء

قوية

أزلية

جارحة

حارقة

خارقة

مارقة

كخيوط الصّهبّاء

أم سراب و خدعة

من أحاييل الصّحراء...

الشاعرة التونسية زهرة الحواشي

من ديوان رأسي في قفص الاتهام .

***

زهرة الحواشي

 

عبد اللطيف رعرياليَوم

وتحْتَ غَمضٍ بَائسٍ أسَاءَ الظَّن بِقَدرٍ ملْعُونٍ

ستُسْحَبُ

الأغْنِياتُ مِن حَلقِ البَلابلِ

وتُعلّقُ الشَّارَاتُ بَعيدًا عنِ الأبوابِ

وَستَخضعُ الأهالِي لقُرفصاءِ الخزي

فَوحْدها الكِلابُ تُخلدُ استِجابتَهَا لصَفير الأسيادِ،

لِميلادُ أعْجُوبة بينَ مَسْعَى السُّجناءِ...

مِن سِجنِ مْيامِي دَايْدْ إلى سَانْ بِيدْرُو ....

**

اليوْم

وتحْتَ وَطأةِ نفْس الغَمضِ

ستمُرُّ الحُشودُ مُكبّلة القَدمَينِ

تعِد مَصيرهَا بانتفاضةٍ عمْياءَ، مُصْطفَّة فَوقَ طَللِ اللَّامُبالاةِ

وَرَاء شُباكِ المُقاومة

وسَطَ وَرَشَات حَفارِي القبُورِ...

وحُثالةِ آخرِ الّليلِ..

وضُيوف القُمامَات ....

وعبَدة الشيْطانِ .....

وَحدَه الجِنيرال مُحاطٌ بِحرَسِهِ الخَاصِ

**

حُشُودٌ

تجُرُّ بأسْمالها نتفَ السَّاعاتِ الثَّقيلةِ...

وسِنينَ الاحتضَارِ...

وتفَاصِيلِ الجُدرانِ ...

ومتاهات السَّقفِ العتيدِ...

بينَ أشْلاءٍ صَامتة كصَمتِ الحَجرِ...

بين أقلامٍ يحركُها الضَّجر

بينَ البُعدِ والقُربِ

في لوْحةٍ شكّلهَا شَيطانٌ يحتضَر

ليَمزحَ بالوِجْدانِ

ويعمِي النَّظر

**

حشُودٌ مُجبَرةٌ...

تجُرُّ أكياس البلوَى منْ نفسِ الحِكايةِ

التّى ينتَصرُ فِيها  ظالِم أعورٌ...

أجرَبٌ...

عُمرُه أقْصرَ من سَكرةِ المَوتِ

وتتَرامَى  من تَحتِها ألغَاز

لبُطولاتٍ

صَنَعَها الفشَلُ

تجُر الوَهمَ بالوَهمِ...

وتَحكُم ضَيقها المَحرُوسِ بالأشْواكِ...

**

هنا وهناك

أثارُ المشْي لا يحْرقُ شَغفَ الأفُقِ

وتنْهِيدَات مُنتصفِ الّلَّيلِ لا تُبعدُ كابوسَ الحُراسِ..

كُلُّ نوافذِ الزنَازِين مِن حَديدٍ ..

.لا طَائرَ ينقرُ الحَديدَ...

لا إطلالة تُبشِّرُ بالجَديدِ

كل أيادِي السُجناء بارِدةَ ...

**

مَلْعونٌ هَذا الصَّمتُ يَطوفُ كُل السِّجنِ

بسَلاسِل تتكلمُ لُغة واحِدة...

هُو رَجلٌ....

بلْ هُو امرَأة..

هُو سِتارٌ بدُونِ لَونٍ علَى مَرايا الزمَنِ.

**

ملْعونٌ هو اللاشَيء فِي ممَراتٍ مُظْلمة

يَبتسِم لكَ ولا تَراهُ...

سِلاحُهُ حافِي لكنَّهُ يقْطعُ للوَقتِ رَقبتهُ...

يَحرقُ أصَابعَ الظِّلِ ليُبكِي شَجَرة

فلَا يحيا بقُربهِ سَواه...

**

مَلعُونٌ هُو الهَواء الذِّي يمْسحُ بَقايَا

الحُروفِ عن قليل منَ  السّمَاءِ..

السّمَاءُ

مَعدنٌ ثَمينٌ في حَوزَة السُلْطانِ

يُضيءُ دَهاليزَ القُبورِ...

حتَّى لا يخبُو نُورَ نجْمهِ فِي الرَّمادِ .

وتَضِيعُ الحِكمةُ فِي تَلَوْلُبِ الخَاتم

**

ملْعُونة تلكَ الخَطوَات البَطيئةِ بأحْذية المَاغنُوم

السَّميكةِ

ترْسُم في الصَّدرِ تاريخَ الرَّتابةِ...

وتتْركُ يداكَ علَى الحائِطِ لِلأزلِ

وعُنوانُ حَالكَ سجِينٌ يتَأهَّبُ للهُرُوبِ...

**

ملعُونٌ هَذا الحَظ الذّي يُشبهُ المَوت

هذا الحَظ الذّي يُشبهُ اللاحَظّ....

يَختارُ مِن الأحْبارِ سَجينًا

لِفكِ طَلاسِمِ المَرئياتِ فِي الكَنائِسِ ...

**

اليوم

سَتمرُ حَتمًا فِي زيِّ العَراءِ مُلتَوية

فِي ثَوبٍ ضَبابِي كاشِف للمَصَائبِ

وعُيُّونُها

تَخْطفُ النظرَات

مِن شَمسٍ سَارِدة بدُخَانِ

الموتَى...

سَتمرُّ بلاَ أسْماءْ بلا تَارِيخ،

سَتمرُّ لكنَّهَا تَحيا تتحَرَكُ ولا تُخْفي نَفَسَ البَقاءِ

لعلَّ الذِّي أسرَها، سَيرَى غَيْمًا فِي السَّماءِ

**

جَمَاعَاتٌ جَماعَات

سَتمرُّ ولا مَشرُوعَ غيْرَ الهُروبِ ...

لَا صُلحَ ولا تفاوُضَ

النُقطةُ السَّوداءُ يتَّسعُ وَهجُها بين القِبابِ

والقَلبُ بَالُون الزَّفراتِ

لا مَجالَ للخَطأ تحْتَ وَابلٍ مِن النَّظراتِ

سَتلْطَمُ الوُجُوهُ بأيادِي تزِنُ زَمنَ القَهرِ

وتُسَمِّي الانتِكَاسَة وَدَاعًا

وهي قَابِعَة علَى الدوَامِ، تُنقِبُ في الطِّينِ عن خَبرِ المَوتَى

**

اليَّوْم...

سَتَسقُطُ أجْسَاد علُى الترَاب....

وأخْرَى بينَ دمَعاتِ اليتامَى

سَتُحرقُ المَحْمياتِ

سَيرْحل السِّربُ مِن الطَّير إلى جبَلِ الحُلمِ

سَيمرَّ برْدٌ بارِدًا ويحْرقُ تصْفيفَاتَ الشَّعرِ

وتحُطُّ صَواعقُ الرَّملِ فوقَ السُطوحِ

وسيُدَثَّرُ الغرابُ بجِلبابِ العَريسِ، ويفترسُ قلبَ الحَمامةِ ....

وتنسجُ بيْننَا كالعَادَة ألفُ حِكايةٍ وحِكَايَة...

ونَحنُ نَنتَظرُ مَوْتًا طَائِشًاً مِن نَافِذة لا يُطِّلُ منْهَا إلاِّ غَادِر،

**

اليوْم

منُهم مَن سَيدقُ آخرَ مِسمَارٍ في جوفِ الشَّجرَةِ

ومنْهمْ من سَيواصِلُ الزَّحفَ حافياً

ليَصنعَ لنَفسِه ورُبّما للآخَرِ تابُوتًا من وَرقٍ

ويَرمِي سِرَّه تحْتَ ثلة حَارِقة...

إن احْترَقتِ الغَابة سَينبعثُ مِن رَمادِها طيرًا

مُكَللاً بتاجِ المُلكِ ...

وانْ جفَّ مَاءُ النَّهرِ فالأرْجلُ التِّي فِي الوَحلِ طُعْمٌ،

سَيكْشِفُ أصْلَ الصفْصافةِ...

وتضِيعُ بَيْنا الأسْماءُ ..

وانْ كانَ هذَا الحمقُ لا يَكفِي فَلنَا فِي الغَد حُمقًا آخَرَ..

فلِمنْ تَعذَّرَ علَيهِ،

فليمسِك ِبيمِينهِ كِتابَ الهَويَّةِ وَيغْتسِلُ عِندَ مَصَبِّ النَّهرِ بِدمٍ الأوَّلِين،

وَقُلْ لنفسِكَ انَّكَ في الطِّريقِ لاَ فِي الهَاوِيةِ....

**

كَعادة الحُراسِ يُتمُّونَ رحلةَ الغَضبِ بصُنعِ الهَولِ

بالصوتِ...

بالأقفَالِ...

باحْمرارِ العَينِ...

يُسطّرُونَ للمعتقدِ فِيهم حُلولاً للنِسيانِ

يَهتفُونَ بجلاجِلَ الشَّكْوى

ويُطَوِّعُونَ الأبَد بأصَابعهم....

***

عبد اللطيف رعري /مونبولي /فرنسا

 

عبد الفتاح المطلبيفي باحةِ الكونِ المديدةِ

كنتُ منفرداً هناك

النجمُ والقمرُ السعيد

يراقبان

الرأسُ  واليدُ يرجفان

كأنما قصبٌ تداعبهُ الرياح

الدميةُ الصلعاءُ ترقصُ

يضحكُ الجمهورُ

(ماريونيت) قلبي

قد تقطع  نيطهُ

والنجمُ والقمرُ السعيد

يراقبان ويضحكان

ولأن قلبي لا يُجيد الرقص،

أمسى شاكياً

حتى بكى الجوقُ الكبير

من الملائكةِ الصِغار

مُوَلوِلاً أن المجرّةَ قد تسدّ الباب

كي لا يسرق العشّاق بعضَ زفيرها

ويُطلّ قلبي، الدميةُ الصلعاء

من ثقبِ الرتاج

تراقبُ الأحزانَ في قلب الصبايا

الحالمات النائمات على الأسرةِ

يَنهمِكنَ بمعضلاتِ الحب

في جدلٍ عقيمٍ

والسرير يضجُّ بالأعرافِ

والأعراق والأوباش و الأفذاذ

والولدُ الغريرِأنا أطير

وأستعيرُ جناحَ هادلةٍ

وسعفةَ نخلةٍ

كي استطيعَ النوم في الفردوسِ فرداً

قد أمَلُّ وقد أعود إلى الجحيم

لكنني حتى أعودُ

سأمنح الأحلامَ رأساً

والزوارقَ بعضَ غرقى

وطفقتُ أرسم في الهواء

دوائرَ الأحلامِ في رأسي الصغير

وأشَرتُ والإبهامُ توغلُ بالسرابِ

وليس في كفّي سوى سبّابةٍ

دأبت على سبّ المصائبِ

والأصابعُ قد تساقط في هزيع الليل

بعضُ بنانِها

تهتزّ كالبندول بين مثابتين

ما بين حدي آهةٍ

والوقتُ منتصف الدُجى

حينَ العقاربُ تلدغُ الأوقات

تحقنها بسمّ الإنتظار

وأرسم الآهاتِ أشجاراً

وأجلسُ تحتها ضَجِراً

أمشّطُ شعرَ أغنيتي بضغثٍ من بكاء

يموت في عيني النهار

الليلُ بردٌ والمسافةُ منك حتى الغوث

تقربُ من مدارٍ

كلما يصل الفؤاد إلى شَفا ضلعٍ مكينٍ

يستحيلُ إلى عِثار

ويعودُ يبحثُ عن قرار

ولا قرار

فمتى سيحظى بالوصولِ إلى الديار

وأعودُ من حيث البداية

والمدار هو المدار

حتى إذا ظنّ المعذبُ خلف أسوارالخديعةِ

أن نيل البابِ أو مسك الجدار

غدا كمرهفةِ الشِفار

رهيفةٍ جرداءَ

تهزأُ من صراخ المقبض المكسور

في كفّ النهار

تدري بأن الموت أصبح ممكناً

والوردُ في شجرِ

الفؤاد غزتهُ جائحة الجراد

و يكادُ ينتشرُ الغبار

أصيح من قلبٍ جريح

هل سأنعمُ بالوصولِ

وهل سأقتطفُ الثمار

يرد من خلفي الصدى

لا شيءَ في هذا المدى

فاركبْ وعُدْ من حيث دار

فلا وقوفَ ولا مسار

ولا سكوتَ ولا حوار

وأنت لستَ سوى صدىً يمضي

ولا ضرٌّ يكونُ ولا ضرار

الدهرُ دارَ

وأصبحَ العصفورُ يوصمُ بالخوار

النجمُ يهوي للقرار

للوقتِ بي غرقٌ سيأكل قاربي

ويصاحب الأمواج  مجدافي

وليس لهُ فِرار

وإن ماء الوجهِ يأخذُ بانحسار

تمزقت تلك الشفوف

وصارت العوراتُ فينا كالكهوف

مخيفةً يرتادُها وحشٌ

لهُ من لحمنا حلوى ومن دمنا خمور

وكأننا بغثٌ تدورُ

على أكنّتنا الصقور

تخطفتنا الغائلات

وما يزال الغول ينتظر النذور

.فمتى ستبزغُ من غيابتها البدور

وتحمل الأخبار عن صوت القطار

ومتى أراك وقد شققتَ الجيب

من هول الفجائعِ

واالقوارضُ في مهاجعها

تجدد عهدها لليلِ

تعلنُ عصرها الذهبي

في حفلِ السَعار

وتبشر الموتى الذين غزو مواطننا

بموتٍ آخرِ

وتفي بوعدٍ كان أقربهُ بعيداً

والقيامةُ في الجوار.

***

عبد الفتاح المطلبي

 

 

عدنان البلداويعِــفَّـةُ الــقـلـبِ لـلـنَـقـاءِ وِعــــاءُ

ولــِمَـــن نَـــزَّهَ  الِـلـقـــاءَ ، وَلاءُ

 

وإذا الــحُـبُّ لـلـتَـعــفُــفِ يَـصْبـُو

يَـتَســـــامى بـنَـهْجـــهِ الإرْتِـقــاءُ

 

نَـسْمةُ العِــشـقِ إنْ عَـداهـا التأني

قـــد يَـضيعُ الـوِصالُ  والإحْـتِفاءُ

 

هَـمْـسَـةُ الـوِدِّ إنْ تَجَـلّتْ بـصِـدقٍ

يشـْهَـدُ الصُبْـحُ صِدْقَهـا والمسـاءُ

 

كــلُّ مَـنْ يَـدَّعـي المَـحـبَـةَ زُورا

بـَـيْـنَ عَــيـنَـيـهِ غَـيْـمَـةٌ سَـــوْداءُ

 

نَـظَـرات إنْ شَــكَّ فيــهــا فـُــؤادٌ

لَـجَـدِيــرٌ أنْ تُــغْـلَـقَ الأجْـــــواءُ

 

لاتُـجـامِـلْ فالـحُبُّ يُـفْـصِحُ عَـمّا

عَـلَّـمَـتْـهُ  الأسْــــرارُ والأنْــبـاءُ

 

إنْ تَوالَتْ مَراحِلُ الوَصْلِ تَـتْرى

فَـتَـرَقّـبْ مـا تَكْـشِفُ الأضْـواءُ :

 

( نَـظـرَةٌ فـابْـتِسـامــةٌ فـسـَـــلامٌ

فــكــلامٌ  فــمَـوْعِــدٌ  فَــلــِقـاءُ)

 

لم يَـدَعْ (شــوقي) مَـوعِـدا لِلقـاءٍ

تَـعْتَـرِيــــه الشُــكـوكُ والضّـرّاءُ

 

فَتَســامى إذ قـــال : للشوقِ نُــبْلٌ

أنْ يُــصانَ العَـفـافُ والإقْـــتِـداءُ

 

فَسَعَتْ - طوْعَ ماأرادَ - القوافـي

لـِيَـفـي  حَـقَّ مــــا أجــادَ الـوَفـاءُ

 

سًـئِلَ البـَوْحُ عــن مَسار التلاقـي،

قال والـوصْفُ في الشِـفاه غناءُ:

 

(يـوم كنـّا ولاتَـسَـلْ كيــف كـنا

نـتهادى مــن الهـوى مـا نـشاءُ

 

وعـلـينا مـــن العـفـافِ رقـيـــبٌ

تعِـبَـتْ فــي مِـراسِـه الأهــواءُ)

 

فَسَــلامٌ عــلى المُبَجّلِ (شوقي)

فــــقـوافيــه أنــجُــمٌ زهــــراءُ

 

هَـذَّبَ القولَ فـــي النّسيـبِ بِـنَـهْجٍ

ســـار فيــه (الرّضيُّ) والأنْـقياءُ

 

فـالـتَحـايـــا لــــكـلِّ قــلْـبٍ نَــزِيـهٍ

صِنْـوُهُ  المَـجْــدُ والعُــلا والإبــاءُ

***

شعر عدنان عبد النبي البلداوي

 

 

جميل حسين الساعديقصة اللاجئ العراقي

والمراكشية

فتىً قابلتهُ أمسِ              شكا لي حالةَ  َ البؤسِ

وحدّثنــــي بقصتهِ التي حــــــــزنت لهــا نفسي

وقدّمَ نفسهُ خَجلا        (أنا المتشـــــرّدُ المنسي)

فذكّرني بمـــا يلقى       كثيرٌ مـــــن بني جنسي

وتابعَ وهْوَ من سهَرٍ     بدا في صفرة الورْسِ(1)

قصدتُ بلادَ أوربا           ولمْ ترغبْ بها نفسي

لجأتُ بها على مضَض ٍ   هروبا ً من بني عبْسِ

فقدْ أفتى مشايخهم           لهمْ أنْ يقطعوا رأسي

لأنّـــــي مولــــــعٌ بالنقْـــدِ والتحليلِ والــــدرْسِ

ورأيي لا يوافقُ رأْ   يَ منْ جلسوا على الكرسي

فصارتْ عيشتي رُعْبا ً        وألوانا ً من التعْسِ

وما أغمضتُ لي جفنا ً          ولمْ ألتذّ بالنَعْسِ(2)

سهامي لمْ تُصِبْ هدفي   فرحتُ محطّما ً قوسي

فقلتُ هو َ اللجوءُ يكو     نُ لِي بمثابةِ التُرْس ِ(3)

وطمأنني المحقّقُ قارئا ً    ما خُطَّ في طِرْسي(4)

بجسمكَ يا فتى أثرٌ           من اللكماتِ والرفْسِ

وهذا وَحْدهُ  يكفي              دليلا ً دونما لبْسِ(5)

وعشتُ هنا بلا روحٍ       وحانتْ لحظةُ النحْسِ

فقرّرتُ الزواجَ لكي             أبدّدَ ظلمة َ اليأس ِ

وأنهي وحدة ً طالتْ       وأبصرُ مثمرا ً غرسي

فطرْتُ الى مراكشَ لي سَ مِنْ هاد ٍسوى حَدْسي(6)

هنالكَ صادفتني في         طـــريقي مُنْية النفْسِ

فتاةٌ وجهها طلــــقٌ          لـــهُ إشراقةُ  الشمسِ

تحدّثنا وقالـــــت آ         خرَ الكلماتِ في همْسِ

أنا (ليلاكَ) فاتبعني           هلمَّ إليّ يا (قيسي)(7)

فقلتُ لها وقد ختمَتْ        بصورتها على حِسّي

أنا (المجنونُ) يا ليلى        قسا زمني فلا تقسي

وكوني لي على الأيّا       مِ عونا ً أرجعي أُنْسي

فقدْ ضاقتْ بيَ الدنيا       وعيشي صارَ كالحبْسِ

                       ***

ومرّ الوقتُ في عَجَل ٍ         وحانتْ ليلةُ العرْسِ

غدتْ لي زوجة ً فضّل        تُها حتّى على نفسي

لمستُ بها التقى تبدي    ــه ِ في صلواتها الخمْسِ

وعنْدَ الصبْحِ تدعواللهَ،      تتلو الآيَ إذْ تُمْسي(8)

ظننتُ بأنَّ رابعة ً    معي.. بُعِثتْ من الرَمْس ِ(9)

ولكنْ فجأةَ حدث َ الذي        ما كان َ في حَدْسي

لقد هربتْ وصرتُ فري   سة ً للغشِّ والدسٍّ(10)

رصيدي كلّهُ سحبت    ـهُ ما أبْقتْ على فلْسِ(11)

ذهلتُ لما جرى في (البنكِ) ثمّ صرختُ واتعسي(12)

وفيما بعْدُ جاءت  دفْ عةَ ٌ أخرى من النحسِ(13)

فقدتُ البيتَ فاكتملتْ       فصولُ روايةِ البؤس ِ

وكمْ حاولتُ أنْ انسى        وهلْ شئٌ تُرى يُنسي

                       ***

جميل حسين الساعدي

........................

(1) الورْس: نبت أصفر يزرع في اليمن

 (2) النعس: النُعاس الوسن

 (3) التُرْس: الدرع

 (4) طِرْس: صحيفة   ورقة  

 (5) لبْس: شك   شبهة

 (6) مراكش مدينة تقع في المغرب

 (7) في البيت اشارة الى قصة الحب الخالدة قيس وليلى. أو مجنون ليلى والمجنون هو الشاعر قيس بن الملوح الذي أحب بنت عمه ليلى العامرية وقال فيها شعرا كثيرا

(8) الآي: جمع آية وهي  كل فقرة أو جملة من القرآن

(9) رابعة: عابدة مسلمة تأريخية  من الشخصيات المشهورة في التصوف الإسلامي وهي التي أسست مذهب الحب الإلهي

الرَمْس: القبر

 (10) الدسّ: المكر وتدبير المكائد

 (11) فلس: عملة نقدية مضروبة من غير الذهب والفضة تستخدم في عدد من الدول العربية، ومنها العراق، وفي البيت اشارة الى النقد بشكل عام وبالتحديد العملة المعدنية

 (12) البنك: المصرف

 (13) النّحس: الضرّ والشؤم والشقاء   

 

انعام كمونةتحت شفاعة لهفة الاحتضار

وكرنفال غربة

 تنغرز لحظات وجودي

بخطى موت متردد

لااا تنثر ورد اهتمامك للوعة غيابي

لااا تحذر حنين عيوني من اختناق دموعك

راحلة أنا ... رغم همس العتاب

رغم انهمار آهات العذاب

يستشهدني صمتك بوطأة الهزيمة..!!

يستنفرني ذهولك بصمت الصراخ..!!

لقاع شهقتي الملتفعة بالصبر

المترامية بسفوح الوداع

هناك …ستبكيني اقداري

بقناديل كافور

وثريات الكفن..!!

تغني ..راحلة..!!

***

إنعام كمونة

 

 

عاطف الدرابسةقلتُ لها:

الشَّرقُ

يا وصالَ الأرضِ بالسَّماءِ

يصبُونَ إليكَ

يطوفونَ حولَ كعبةِ الرُّوحِ

يسعونَ إلى التَّوحّْدِ مع الإلهِ

لتكتملَ دورةُ الجسدِ والرُّوح ..

 

الشَّرق

يا أوَّلَ الكُتبِ المُقدَّسةِ

ويا آخرَ الكُتبِ المُقدَّسةِ

من سرقَ أوَّلَ ريشةٍ مُقدَّسةٍ

سالَ دمُها فخطَّ على الجلدِ 

أوَّل كلمةٍ : الله

من سرقَ أوَّل مسمارٍ ذهبيٍّ

نقشَ على الحجرِ صورةَ الكأسِ المُقدَّسةِ

ليشربَ منها الإنسانُ والطَّيرُ والشَّجرُ

كلَّما تنزَّلَ عليها المطر

سالت أوديةٌ 

وفاضت أنهارٌ 

وثارت ريحٌ 

تحملُ غُبارَ الحُبِّ

حبوبَ لقاحٍ تحطُّ في رحمِ البرقِ

لأُولدَ من سُلالةِ النَّارِ

وقوسِ قُزح ..

 

أنا سليلُ الكأسِ المُقدَّسةِ

عرشي ثورٌ مُجنَّحٌ

وناري موطنُ الحديدِ والذَّهب

بيني وبينَ سُلالةِ الرَّعدِ نَسَب

وبيني وبينَ سلالةِ المطرِ خَمرٌ

تناسلَ من عناقيدِ العِنب ..

 

أنا استعارةُ الإلهِ لبني البشر

وأنا اصطفاءُ المَجازِ للصُّور

كلَّما اقتربتم منِّي أكثر

اقتربتُم من جوهرِ السَّماءِ أكثر ..

 

أنا من زرعَ الشَّجرةَ المُقدَّسةَ في الشَّرق ..

كلَّما شربت من ماءِ مجازي

غاصت جُذورُها تحتَ الجبالِ

وتحتَ أعماقِ أعماقِ البحار

فكانت الهندُ هنداً

وصارت الصِّينُ صيناً

وصارَ الغربُ غربا ..

 

أنا من سُلالةِ الشَّمسِ المُقدَّسةِ

هديَّةُ الشَّرقِ للجهاتِ

فكلَّما طُفتُم حولي

تبيَّنتُم وجهَ الإلهِ ..

***

د. عاطف الدرابسة

...................

هامش:

لا قُدسيَّةَ لبشر 

اللهُ، الله للجميع ..

 

 

ناجي ظاهر.. وتسالونني لماذا اختفيت.. لماذا ابتعدت عنكم؟ سؤالكم يتسبب لي بالكثير من الالم، ويفتح جرحًا ما زال نازفًا رغم مضي الوقت الكافي. جرحًا ترك ندبة لا تمحوها الايام وكلما نظرت اليها عدت الى الم ممضّ نغّص علي ايامي وليالي.. المٍ اردت دائما ان انساه او اتناساه، ان اتجاهله عندما يلحّ عليّ في اوساط الليالي الطويلة. كم كنت اود الا توجهوا الي هذا السؤال، اما وقد وجهتموه وابيتم الا ان تعودوا الى الماضي فإنني سأجيبكم عليه، وسوف افتح دفتر ذكرياتي خلال وجودي معكم وبينكم، يا من اردتهم ان يجبروا خاطري فكسروا قلبي.

اعتقد انكم ما زلتم تتذكرون ايام جئت اليكم وقد سدت الدنيا منافذها كلها بوجهي، املا في ان تفتحوا انتم ابوابكم امامي، يومها دخلت بيتكم ومنذ اللحظة الاولى لوضع قدمي على ارض بيتكم شعرت انني بين اهلي واحبابي المنشودين، زاد في شعوري هذا تلكما العينان اللتان ارسلتا نظرة وحيدة تشبه نظرتي واختفت اختفاء برقة في يوم عاصف، يومها جلست اليكم، وجرت بيني وبينكم احاديث واحاديث، فهمت منها كل شيء عنكم، كنتم اناسًا بسطاء من مهجّري قرية " هندباء". كنتم باختصار تشبهونني.. انا المهجر الابدي،. وكنتم، وانا لا انكر فضلكم رغم كل ما فعلتموه بي واحدثتموه لي من الام، تستقبلونني بابتسامة وتودعونني بأفضل منها. اما انا فمنذ لمعت تلكما العينان من وراء احد ابواب بيتكم، وانا احلم بان اراها مرة اخرى.. الى ان كان يوم ربيعي مشمس.

في ذلك اليوم قمت بزيارتكم كما كنت افعل في العادة، لأجد باب بيتكم مشرعًا في وجهي، دخلت إلى هناك وسط صمت قال لي انكم لستم هنا، واخذت اتمعّن البيت واغراضه، في انتظار عودتكم من الخارج، ولفتت نظري صورة معلّقة على جدار خفي لرجل يعتمر الحطة والعقال، كان رجلًا معمّرًا، شعرت على الفور انه شخصٌ مهمٌ بالنسبة لكم، كانت ملامحه تدل على طيبة اصيلة ومتأصلة فيه، وقد اثارني ما لمست في وجهه من حزن، فعزوت ذلك الحزن الشفاف الى تهجيره من هندبائه، وقذفه لان يتشرد في طول البلاد وعرضها، باحثًا عن طعام يقريه وملبس من البرد يحميه وسقف يؤويه. تمعنت في ذلك الوجه وطال تمعني، الى ان شعرت بحركة تخترق السكون المهيمن على المكان حوالي، يومها لم التفت الى الوراء، قلبي قال لي انني امام بوابة سرّية بحثت عنها طويلا اقف. وانتظرت ان تكشف لي تلك الحركة عن نفسها، لا فاجأ بعد لحظة من الترقّب والانتظار، كادت تكون دهرًا، بصوت نسوي ناعم يأتيني من خلفي كأنما هو مطرٌ ناعمٌ في خريفٍ بعيد بعيد:

-الا تعرفه؟

بقت صامتًا، فعاد الصوت يُعرّفني:

-انه جدي الهندبائي.

التفت باتجاه الصوت، لتحط عيناي في غابة نخيلِ اجمل عينين في الوجود.. مثل طائر ارهقه الطيران بحثًا عن شجرة يرتاح فيها، ووجد تلك الشجرة الوارفة فجأة امامه وقبالة عينيه. كانت تلكما هما العينان اللتان رايتهما في اول عهدي بكم، توقفت مكاني، انعم النظر في تلكم العينين. كنت اشعر بنفسي في عالم آخر اتجوّل بين الاشجار والانهار، كأنما انا الابن الاول وكأنما هي البنت الاولى. غبت عن الوجود.. طائرا مُحوّمًا في عالمٍ هلاميٍّ حالم. ما اجمل ان تجد نفسك فيما تمنيته ونشدته. بقيت على تلك الحال الى ان جاءني صوتها:

-جدي كان رجلًا حقيقيًا بسيطًا.. لكنه لم يكن متساهلًا.

-اشعر بهذا. قلت وانا في غيابي عن الوجدان.

-حقًا ما تقول؟ قالت بانفعال شديد، واضافت: كلامك يشبه كثيرًا ما سمعته عنه. لكن كيف عرفت صفاته؟

-وجهه قال لي كل شيء. قلت.

وفاجأتني ببراءة غير متناهية:

-وماذا يقول لك وجهي؟

بقيت صامتًا. خشيت ان اضايق اميرتي بأي كلمة، فعادت تكرّر سؤالها، وعدت اتابع صمتي. وعندما شعرت بالفراغ الرهيب يحطُّ بيني وبينها، مثل طائر اسود، قلت لها فيما بعد اخبرك. عندها اضاء وجهُها بابتسامة ابرزت عمق عينيها، والحّت علي، فاغتنمت الفرصة وتجرأت سائلًا اياها عمّا اذا كان بإمكاني ان اراها في مكان آخر، لأنني لا استطيع ان اراها في بيتها، وفوجئت بها توافق على اللقاء بي.

اقترحت عليها من فوري ان نغتنم الفرصة للقاء الان الان وليس غدًا، وتمكّنا من اللقاء، وفي اول فرصة سانحة سألتني عمّا اراه في عينيها، فقلت لها بسرعة من يريد ان يكسب العالم كله بضربة حظ واحدة.. انني ارى فيهما الدنيا.

وحدث كما عرفت فيما بعد انها عند عودتها إلى البيت، وجدتكم هناك، فشرع كلٌ منكم بالتحقيق معها، مَن سمح لك بالخروج من البيت، اين كنتِ وماذا فعلت؟ وقد بقيتْ صامتةً لم تصرّح بما يدل على انها كانت معي، ما زاد في شككم انها فعلت امرًا عظيمًا.. ادًا. وارتكبت جرمًا سيمرغ رؤوسكم في تراب البلد، اما انا فقد هيأتُ نفسي لأن ازوركم في اقرب وقت ممكن، لطلب يدها، كي اضمها إلى عشي الوحيد الدافئ، ولا اخفي عليكم انني بتُّ اشعر، بعد ذلك اللقاء اليتيم بها ان الحياة بدونها لن تكون وانها تربّعت على عرش قلبي وعيني.. وملكت قياد حياتي ووجودي.

انني اشعر الآن وانا اكتب لكم هذه الكلمات، بحسرة في قلبي ودمعة في عيني، لقد فقدت بفقدها كلَّ شيء، وبتّ اشبه ما اكون بشجيرة عارية منكمشة على ذاتها قرب الطريق.. لقد تاهت باختفائها حياتي.. فبات من الصعب علي ان اعود اليكم.. إلى هناك حيث اختفى قلبي.

ملاحظة: عندما تصلكم رسالتي هذه سأكون هناك لغز الاختفاء

 في عالمي الآخر.. معها وإلى جانبها.

***

قصة: ناجي ظاهر

 

 

فراس ميهوبوعد حسَّان ولده كرم، ذي السنوات العشر، برحلة صيف إلى برشلونة، إن نجح بتفوق في شهادة الدراسة الابتدائية، وهذا ما كان.

كانت خُطَّة الرحلة، تستغرق أسبوعا واحدا، وتتضمن زيارة نادي المدينة، وملعبها العريق، وتمضية بعد الوقت على شاطئ البحر، وما تبقى في أسواق المدينة، ومركزها القديم.

وصل حسان و كرم إلى برشلونة، مع حلول المساء، بعد سفر مريح بالطائرة، برحلة مباشرة من مطار حميميم.

اهتديا دون صعوبة إلى فندق "موديرنو"، في قلب المدينة القديمة.

صباح اليوم التالي، كان الجو ساحرا، تغطي ظلال الأشجار الممرات الحجرية الضيقة، ونسيم بحري لطيف يداعب الوجوه.

أحسَّ حسان بالاسترخاء بعيدا عن توترات العمل، قال لطفله الصغير:

- يجب ألَّا نضيع وقتنا، ما رأيك بنزهة على الدراجة في شوارع المدينة، نصل إلى البحر، ونعود قبل الغداء؟

وافق كرم دون تردد.

سأل حسان موظفة الاستقبال في الفندق، عن إمكانية استئجار دراجتين هوائيتين، له ولابنه.

أجابته بلطف:

- بالطبع، يوجد أمام الفندق موقف دراجات تابع للبلدية، يمكنك أن تحرِّر دراجة، أو أكثر بوضع قطع نقدية، في الحصالة الخاصة به.

صعد حسان وكرم، كلٌّ على دراجته، وهمَّا بالانطلاق.

اعترضهم عند المخرج، رجل يقارب السبعين عاما، أو يزيد قليلا.

بعد سلام ودود بالإسبانية:

Buenos  dias" "

بادر الرجلُ الوقور حسَّانا بالسؤال:

- أتعرف برشلونة جيدا يا سيِّدي؟!

دون أن ينتظر جواب حسَّان، أو يسمعه، ومع انحناءة احترام، عرَّف بنفسه، بأدب جم:

- السيِّد مون فينكيرو، دليل سياحي معتمد، في مدينة برشلونة وضواحيها.

بدا العجوز بصحة ممتازة رغم عبء السنين، وتجاعيدها على وجهه، وتقوُّس ظهره قليلا.

قبل أن يردَّ حسان بأي كلمة، أضاف مون فينكيرو:

- لا تستغرب  تقدمي في السن، فأنا حقا في الثالثة والسبعين، أعشقُ مهنتي، وصحتي جيدة.

أحبُّ صحبة السياح، وأفيدهم من خبرتي الكبيرة.

سأله حسَّان:

- كم أدفع لك.

- لا شيء، أتقاضى راتبي من البلدية، ولا أقبل أي مبالغ إضافية من السيَّاح، يمكنك إن شئت، أن تستأجر لي دراجة، لأرافقكما عليها.

استراح حسان للطف الدليل العجوز، ونزاهته النادرة، وافق على مرافقة رجل خبير بالمدينة ، وأحوالها.

اشترط عليه أن يعودوا إلى الفندق، قبل موعد الغداء، وافق العجوز:

- لا بأس، القرار لك، لنبدأ رحلتنا، ونرى بعد ذلك، فقد تعجبك الجولة، وتريد إطالتها.

كان السيد مون فينكيرو غاية في التهذيب، ترسم شفتاه ابتسامة خافتة، شعره قليل الغزارة أبيض بالكامل، وطويل بشكل ملفت.

معالم وجهه النحيل المغضن، ظهره المحدودب قليلا، ذقنه الخفيف، وجريان كلماته ببطء، منحه مظهرا بالغ الجدية، وربما كئيبا أيضا.

تشبه ثيابه لباسا موحدا شائعا للأدلَّاء السياحيين، ولكنها تبدو بالية أكثر من اللازم، وغير مكويَّة، وحذاؤه بحالة يرثى لها.

لاحظ حسَّان ذلك كلَّه، ولكنه لم يكن ممن يعوُّلُ على المظاهر الخارجية، أو يحكم من خلالها على الناس.

تجهَّز الأب وابنه ومرشدهم للانطلاق، لكن طفلا اقترب منهم فجأة، قال أن اسمه مانويل، وطلب أن يصحبهم أيضا.

لم يتحمس حسَّان أبدا:

- لا، نحن غرباء هنا، ولن أتحمَّل مسؤولية صبي لا نعرفه.

تدَّخل السيد مون فينكيرو:

- لا عليك يا سيدي، أطفال برشلونة معتادون على السيَّاح، سيساعد ابنك على معرفة أشياء كثيرة، ثمَّ أننا سنتحرك ببطء، في مسارات مخصصة للدراجات، أمَّا من الناحية القانونية ، فأنا أتعهده.

لكن، إن سمحت، سرِّح له دراجة.

رأى حسان ابنه سعيدا، بالتعرِّف على مانويل ، فلم يستطع الاستمرار في الرفض.

سار الجميع أخيرا.

في بدء التجوال ، كان كل شيء على ما يرام.

توقف مع ابنه لشراء المثلجات، وبالطبع اشترى للسيِّد مون فينكيرو، وللولد الغريب أيضا.

أخذ الطفل العابر يسخَّر من كرم:

- أرى أنك لا تحسن القيادة.

أجابه كرم:

- هذا أمر طبيعي، لأني تعلمت حديثا ركوب الدراجة.

كظم حسَّان غيظه.

أراد التوجه مباشرة صوب الشاطئ، قدَّر المسافة بثلاث كيلومترات، قال الدليل العجوز:

-  3250 مترا، من هنا إلى البحر، لكني اقترح أن ندور حول المدينة القديمة، بدل اختراقها، فالدروب هنالك أفضل، وأسهل على ابنك.

عاد طفل الرحلة الطارئ للتهكم، وجَّه كلامه إلى كرم:

- نعم هذا أحسن، حتى لا تسقط على الأرض من التعب.

انزعج حسان من الولد الدخيل، ولكنه استوعب الأمر، ونظر إلى ابنه، ليفعل الشيء ذاته.

سلك الدرَّاجون الأربعة طريقا، أوصى به الدليل الخبير، وكان بالفعل يمرُّ في منطقة جميلة، تغطي الأشجار العالية جوانبه، وحركة الناس فيه قليلة.

أمام متجر للألعاب، توقف مانويل، وطلب من حسَّان، بلهجة شبه آمرة، أن يشتري له لعبة الكترونية، وقال أنَّ ثمنها سبع أوروات فقط.

أحسَّ حسَّان بحرج شديد، فميزانية الرحلة لا تسمح له بمصاريف إضافية غير محسوبة، لكن مون فينكيرو قال له:

- لا تستجب لطلبه، لست مجبرا على ذلك، يكفي أنَّك وافقت على مرافقته لنا!

اشترى حسَّان اللعبة لابن برشلونة الغامض، ولم يكلف مانويل نفسه بكلمة شكر.

سأل حسان ولده إن كان يرغب بشراء لعبة ما، فأجابه بالنفي.

تابعوا سيرهم قاصدين البحر، أنهك التعب كرم، ولم يعد قادرا على الاستمرار.

عاد مانويل للسخرية اللاذعة، رأى حسَّان الدموع ، تنهمر من عينيِّ ولده، نفد صبره:

- جئتُ مع ابني إلى هنا للترويح عن أنفسنا، لا ليسمع تقريعك، كفَّ عن ذلك، إن أردت المتابعة معنا ، وإلَّا سنعود إلى الفندق، ولتذهب في حال سبيلك.

مدَّ الولد المشاغب لسانه ساخرا، استدار، وغادر بعيدا.

حاول حسَّان التحدث معه، خشي أن يضيع، أو يتعرض لمكروه.

واساه السيِّد مون فينكيرو:

- لا تأبه يا سيدي، هذا الشقي يعرف المدينة جيدا، أنا أتكفَّل به.

ارتاح حسَّان في قرارة نفسه، من عبء ثقيل، غرابة أطوار مانويل المغرور ، وإزعاجاته .

جاء وقت الغداء، كفرصة لالتقاط الأنفاس، تبرَّع مون فينكيرو،  باسم مطعم  قريب، يقدِّم وجبات بحرية، وفعلا كان الطعام جيدا للغاية، رغم غلاء أسعاره قليلا.

بعد الغداء، أصيب كرم بوهن كامل، واستأذن والده بالعودة إلى الفندق، لأخذ قيلولة، وتأجيل تجوالهم للمساء.

تولَّى الدليل مون الردَّ بحنان الجدِّ:

- تحمَّل يا ولدي، لم يبق الكثير، لنصل إلى البحر.

فقد حسَّان السيطرة على الرحلة القصيرة، واستلم مون فينكيرو القيادة.

بعد مئات أخرى من الأمتار، أصبح الطريق أكثر تعرجا، وغاب البحر عن المرأى.

كاد الطفل المسكين يفقد الوعي من التعب، وسلَّطتِ الشمس أشعتها الحارقة، على الرؤوس المكشوفة.

أوشك حلم السياحة ،أن ينقلب إلى كابوس مزعج، استعاد حسَّان إدراكه.

لام نفسه على قبول خدمات المرشد السياحي، فرغم لطافته ومعلوماته الغزيرة، إلَّا أنَّه صار قائدا للمسيرة.

حزم حسَّان رأيه، وقرَّر استعادة زمام الأمور.

فقد كرم قدرته على المشي، واضطروا لأخذ قيلولة، تحت شجرة صفصاف عملاقة.

أثناء نوم كرم، قصَّ السيِّد مون فينكيرو، جوانب من حياته، على مسامع حسَّان، وأنَّه بعد وفاة زوجته، وتفرق أولاده أيدي سبأ، قرَّر العودة للعمل دليلا سياحيا، ليتجنب الملل والوحدة.

قال حسَّان بصراحة لمون فينكيرو:

- أعتقد يا سيِّدي، أنَّه يجب أن ترتاح، هذا العمل متعب، ولم يعد مناسبا لك.

أضمر حسَّان أنَّ الدليل ضائع، ولولا ذلك لما ابتعدوا عن البحر، واتجهوا إلى خارج المدينة، استعان ببرنامج تحديد المواقع الموجود، على هاتفه الجوَّال.

تجاهل نصائح مون فينكيرو بأدب، ولكن بحزم قاطع.

ترك الدارجات في مكانها، حمل ابنه، وقفل عائدا إلى الفندق، مشى بضع خطوات.

فرملت سيارة عابرة بغتة ، عقب إشارة من يد حسان، أشبه باستغاثة غريق يائس.

قبل السائق إيصالهم  دون مقابل، وساعدهم بتثبيت الدرَّاجات، على ظهر السيَّارة.

بدأت غمامة القلق، بالانزياح عن ناظري حسَّان، بينما كان كرم نائما بعمق.

كانت الشمس تستعد للغروب، توقَّفت السيَّارة أمام الفندق، شكر حسَّان السائق الطيِّب.

همَّ حسَّان بالنزول، اعترضت سيارة زرقاء وبيضاء، طريقهم إلى الفندق،

اقترب شرطيٌّ من السيد مون فينكيرو، وقال له بلهجة، فيها كثير من خيبة الأمل:

- أتعلم أن زوجتك اتصلت بنا، والخوف يملأ صوتها، قالت أنَّك غافلتها من جديد، وخرجت للمرة الألف إلى وجهة مجهولة ؟!

كان مون فينكيرو عاملا،  في فندق "موديرنو" ذاته، تقاعد منذ سنوات، أصرَّ دون هوادة على العودة إليه، كلما أمكنه التفلُّت من رقابة زوجته وولده.

لم يكن دليلا سيَّاحيَّا، بل مصابا بفجوات خطرة في الذاكرة، أحبَّ مرافقة السيَّاح دائما، ليروِّح عن نفسه.

أمَّا  مانويل الخبيث فلم يكُ إلا حفيد مون فينكيرو، يتبع جدَّه أينما ذهب، ويدخل في لعبته العبثية.

صعد حسَّان وولده إلى غرفتهما، ضحكا طويلا، رغم الإنهاك الشديد، من المواقف الغريبة في يومهما العجيب في برشلونة.

استعدا للذهاب إلى البحر غدا، ولكن هذه المرَّة، دون دليل سيَّاحي.

 

فراس ميهوب

 

خالد الحليبينَ جسورِ النثرِ،

وأنهارِ الشعرِ

تُنادينا أشرعةٌ،

تَأخذُنا نحو بحارٍ من كلماتْ

تتركنا نختارْ

ما قد يتألقُ بالنثرِ،

وما قد يتموسقُ بالأشعارْ

حين وصلنا بَحْرَ حروفٍ بيضاءْ

وكلماتٍ خضراءْ

اصطفَ الشعراءْ

تَحْجِبُ كلٌّ منهم طاقيةٌ للإخفاءْ

ما كانت عندي طاقيةٌ تُخْفيني

جاءتني أمواجٌ، قالت لي:

أجدادُكَ كانوا

يتلقّون الشّعرَ من الجنّ

بوادي عبقرْ*

فلماذا جئتَ هنا؟

ولماذا ما رُحْتَ هناكْ

هربتْ بي أقدامي

لا بحرَ ولا وادي عبقرَ

خلفي و أمامي

شيطانُ الشّعرِ أتاني

يهمِسُ في آذاني

الشّعر الحقُّ متى ما شاءْ

يفتحُ أبواباً مشرعةً للشِّعراءْ

***

شعر: خالد الحلّي - ملبورن

 

1/5/2020

..........................

* وادي عبقر هو وادٍ سحيق كان يقع في الجزيرة العربية، وتقول الأسطورة أن  شعراء الجن كانوا يسكنونه، وأن من أمسى ليلة فيه يجيئه أحدهم ليلقنه الشعر، وإن كلَّ شاعرٍ من شعراء ما قبل الإسلام كان له قرينٌ من هذا الوادي يلقّنه الشعر.

 

 

حمودي الكنانيدفع الباب الزجاجي بقوة ودخل، صاح بصوت سمعه كلُ من كان جالسا: - ما هذه المدخنة ؟ نظر بوجوه الجالسين جميعا بدون أن يسلم على أحد .التفت يمينا وشمالا ثم استدار لينظر إلى الشارع المزدحم بالسيارات واخذ يهز رأسه، برم شفتيه باشمئزاز وبدا يتلمس صيوان أذنه، استدار ثانية ونظر بوجوه الجالسين من جديد كأنه يبحثُ عن أحدهم . تفحصهم واحدًا واحدًا وهو يقلب رأسه ذات اليمين وذات الشمال . بعد ذلك نظر إلى الكراسي والمناضد وكأن هناك معرفة قديمة بينه وبينها . تأمل المكان جيدا، كل شيء فيه ينبئك بتقادم السنين عليه، و هناك بعيداً عنه منضدةٌ تراكمت عليها مخلفات الدخان، وهنا كرسي مقلوب وفي الركن قريبا منه كرسي هو الآخر متهالك، دنا منه ورفعه بيده ثم أسنده بقوة إلى الحائط قريبا من الباب جلس، عليه وبدأ يفتش في جيوبه وما أكثرها . لم يجد شيئا في جيوب الرداء الأول، ولم يجد ضالته في جيوب الرداء الثاني، ثم مد يده إلى جيبٍ في ثوب بالٍ كان يلبسه تحت أرديته البالية أخرج منه علبة سجائر مسكها بقوة بين يديه ورماها على المنضدة التي كانت أمامه ثم مد يده إلى الجيب الآخر في الجانب الثاني من الثوب، اخرج علبة الكبريت نظر إليها وتبسم، ثم أتبع الابتسامة بقهقهة عالية، التفت الجميع إليه باستغراب ولكنه لم يأبه لذلك مد يده إلى علبة السجائر، اخرج سيجارة وضعها بين شفتيه، أشعلها ثم بدأ يمصها بمودة وينفث الدخان بعصبية نحو صدره حتى بدأ الدخان ينبعث من بين شعر لحيته الكثة المبعثرة كما ينبعث البخار من عادم سيارة في صباح يوم بارد . تربع على الكرسي ونادى على صاحب المقهى بصوت وقور وبعبارة مهذبة:

أخي، لو سمحت أعطني كأسا من الشاي .

نظر إليه صاحب المقهى وقال له باستهجان:

ولكننا لا نبيع الشاي بالكأس، وإنما بالقدح . فان أردت قدحا من الشاي ناولتك واحدا..

نظر إلى صاحب المقهى بتأمل، ثم تساءل ضاحكا:

وما الفرق بين القدح والكأس ؟ كل منهما يمكن صبُ الشاي فيه . وإذا كان الثمن يختلف فانا سأدفع لك الفرق.

فنظر إليه صاحب المقهى ثم قال متباهياً :

نحن لا نشرب الشاي بالكؤوس وإنما بالأقداح . وملأ له قدحا ووضعه على المنضدة أمامه ولم يعقب بأي كلام.

فبدأ الرجل ينظر إلى القدح تارة وتارة أخرى إلى صاحب المقهى . هزّ رأسه مستغرباً وبدأ يدير الملعقة على مهلٍ وهو يمص بسيجارته التي لم يخرجها من بين شفتيه . ثم مصها مصة قوية ونفخ الدخان نحو الباب الزجاجي الذي صد الدخان وعكسه عليه حتى اختفى وجهه تماما . وعندما انجلى الدخان نظر إلى الشارع المزدحم بالسيارات و بدأ يتمتم مع نفسه:

لا يشربون الشاي بالكؤوس،بل يشربونه بالأقداح ! وما الفارق ؟ لعل التسميات تعني كثيرا .... ولكنني لا أرى ثمة اختلاف، كل منهما وعاء يمكن ملؤه بالشاي، وكل منهما يعطيك متعة شرب الشاي منه . لعل صاحب المقهى لم يعجبه مظهري، ملابسي بالية، غفت عليها سني عمرٍ طويل، لحيتي التي تنبعث منها رائحة التبغ والدخان الذي أنفثه، كل هذه ربما أدت إلى أن يشمئزالرجل مني، ولكنّ أهل هذه المدينة طيبون لم يقيِّموا الناس بناء على مظاهرهم، هم ينظرون إلى الفعل والقول أكثر مما يأخذون بالمظاهر، يرحم الله جدي كيف كان يشرب الشاي، لربما كان يكرعه أو يغترفه، لا ادري ربما لم يتعود جدي شرب الشاي وحتى لم يتذوق طعم التبغ . أووووو.... لم يكن جدي متمدنا كما نحن اليوم، أصبحنا نشرب الشاي بالأقداح الزجاجية المذهبة ورغم جمالها لكنها لا تشبع وتبقيك تطلب المزيد . ولكن يا ترى لا ادري هل تغزلوا بالكأس أكثر أم بالقدح أكثر . ليتني اعرف . ليتني كنت شاعراً، حتى أخلّد الكأس بشعري وانتصر له أكثر مما حاز عليه القدح..... لكن ربما هذا الرجل على حق : هم لم يقولوا قدح المنون بل قالوا كاس المنون لذ يفضل هؤلاء القوم شرب الشاي بالأقداح.

لما فرغ الرجل من شرب الشاي نهض، ناول صاحب المقهى ورقة نقدية، فتح الباب الزجاجي استدار حتى واجه جميع الجالسين وقال:

لا تشربوا الشاي بالكأس أبدا لأنهم قالوا كاس الردى وكاس المنون ولم يقولوا قدح الردى وقدح المنون.

***

قصة قصيرة

حمودي الكناني

 

صادق السامرائيلنْ يَزورَ الطيْرُ أعْشاشَ المُنى

غابَ عَنْها فتَناسَتْ مـــــا بَنى

 

تاهَ طيْرٌ وتَرامى حـــائِرا

بَيْنَ أحْراشٍ أَباها فاكْتَنى

 

كغَريْبٍ فاضَ شَدْوا دامِعـــــــا

وسؤالُ الرُّوْحِ أضْحى مَنْ أنا؟!

 

أيّها الطيْرُ تَشاكَتْ أمَّـــــــةٌ

خَلعَتْ ذاتا فأرْداها الضَّنى

 

بخِلافٍ هَلْ أضاعَتْ دَرْبَها

فَوجيعُ الضَّيْم مِنْهــا إقْتَنى

 

هَلْ أراهــــا أمَّةً في مَجْدِهـــا

أمْ تَهاوَتْ لحَضيْضِ المُنْحَنى؟

 

قالتِ الأشْجـــــــــــــارُ إنّا إنَّها

كلُّ غُصْنٍ مِنْ غُصُوني إغْتَنى

 

فاقْطِفِ الأثْمارَ واطْعِمْ جيْلَها

واطْلِقِ الآمالَ حيْنَ المُجْتَنى

 

بَعْضُ أغْصاني تَهاوَتْ وانْثنَتْ

وأرى الأخْـــرى تَنامَتْ كالسَّنا

 

فانْثُرِ النورَ بَهيْجا ساطِعا

وامْنَحِ المَوْجَ مُرادا أبْيَنا 

 

أيْنَ ذاكَ الطيرُ يا أمَّ العُلى

أيْنَ أزْمانٌ تَّباهَتْ بَيْنَنا؟

 

حَدَّثتْني بَعْضُ أفْياضِ الأُلى

عَنْ خِطاباتٍ أصابَتْ وَعْيَنا

 

 أ بِنا نَحْنُ الخَطايا أيْنَعَتْ

ولنا فيهـــــــا أثيْمٌ إعْتَنى؟

 

يا سَماءً مِنْ أليْمٍ أمْطــرَتْ

عاقَبَتْ خَلقا تَلاحى وانْفَنى

 

كيْفَ أحْوالُ بلادٍ أوْغَلْتْ

بخَــــرابٍ يتولاّهُ الطَّنى؟

 

وَطــــنٌ غابَ وجَوْرٌ إعْتلى

وخُطى التقليدِ أشْقَتْ عيْشَنا

 

تابِعٌ هذا وذَيْلٌ ذا كــــذا

وبِهِمْ جاءَتْ بلادٌ للوَنى

 

خائنٌ أنْتَ وتَحْيا رَمْزُهــــا

ولها تَبقى عَزيْزا أحْصَنا!!

 

عَطّلوا عَقْلا وحَيَّوْا كيْدَهُم

بِرُعـــــاعٍ إسْتباحَتْ أمْنَنا

 

بفَتاوى وكلامٍ ناقِـــــــــــمٍ

حَكَموا شَعْبا وهانوا عِزَّنا

 

ربُّهـــــم أعْطى فَنالوا مَغْنما

والكراسيُّ أصابَتْ مَوْطِنا!!

 

عَرْبَدَ الإفْسادُ فيها وانْتَشى

فَتَمـــــادى واعْتلاها مُدْمِنا

 

هكــــــــذا الدِّينُ بسوءٍ إبْتلى

ورَبيْبُ الشرِّ أضْحى مُؤْمِنا

 

عَيْبُنا فيْنا ومِنّا داؤنا

فلماذا إدَّعَيْنا ضُدَّنا؟

 

قلْ لجيْلٍ بضَلالٍ غارقٍ

أمُّنا تَرْقى وتَحْيا عِنْدَنا

 

إنّها كَوْنٌ مُضيْئٌ خـــــالدٌ

وبها الأنوارُ شَعَّتْ نُورَنا

 

أيُّها الشّاكونَ أنْتُــــمْ عِلّةٌ

فاتْركونا أوْ أَعِيْنوا فِعْلَنا

 

لا تَقُلْ ماتَتْ ولكنْ إنْ كبَتْ

بَعْدَهــــا قامَتْ فأحْيَتْ كُلَّنا

 

غايةُ الدُّنْيا تَوالتْ واقْتَضَتْ

فجْــــــــرُنا آتٍ فلمُّوْا شَمْلنا

 

يا بلادَ العُرْبِ يا كَنْزَ الرُّؤى

أشرَقـــتْ روحٌ وناجَتْ ربَّنا

***

د. صادق السامرائي

7\9\2020