عبد الخالق حسينغني عن القول أن الشعب العراقي هو ليس الشعب الوحيد الذي يتكون من تعددية الأثنيات، والأديان، والمذاهب واللغات، فمعظم شعوب العالم هكذا، وعلى سبيل المثال لا الحصر، الشعب الهندي يتكون من أكثر من 2000 أثنية ودينية ولغوية (حسب غوغل)، ولكن مع ذلك فالهند تُعد أكبر دولة ديمقراطية متماسكة بوحدتها الوطنية. ونفس الكلام ينطبق على روسيا الاتحادية وغيرها. ولكن الفرق بيننا وبينهم، أن أغلب هذه الشعوب تعيش في وحدة وطنية متآخية بين مكوناتها، وفق مبدأ (الوحدة في التعددية=Unity in the diversity)، بينما العراق الذي هو مهد الحضارة، ومخترع الكتابة والعجلة، وأول مدونة قانونية (شريعة حمورابي...الخ)، صارت التعددية فيه وسيلة لتفتيت الشعب، وإثارة النعرات والصراعات الدموية، فبدلاً من الولاء الوطني للعراق، راح السياسيون يمنحون ولاءهم لدول الجوار، وكل فئة سياسية تحاول الإستقواء بدولة مجاورة لإلحاق أشد الأضرار بالوحدة الوطنية العراقية.

فالعراق ما أن يتخلص، أو يكاد أن يتخلص من خطر داهم حتى ويظهر له خطر آخر. فبعد دحر عصابات (داعش) ظهرت له مخاطر المليشيات الولائية الموالية لإيران، والتي هي لا تقل خطورة من داعش. وهذه المليشيات وقواها السياسية والإعلامية راحت تستخدم المشاعر الدينية والمذهبية، والمصطلحات السياسية ذات النكهة الرومانسية الثورية والجاذبية لدى أغلب العراقيين البسطاء، مثل (المقاومة الوطنية)، و(خط المقاومة) ويقصدون بها مقاومة "الاحتلال الأمريكي"، وكأن العراق فعلاً محتل من قبل أمريكا. بينما الكل يعرف أن وجود عدد قليل من العسكريين الدوليين من بينهم أمريكان، جاؤوا بناءً على دعوة من الحكومة العراقية لمساعدة العراق في حربه على داعش، وليسوا قوات احتلال إطلاقاً.

فقد كتب في هذا الخصوص الباحث الأكاديمي العراقي الدكتور عقيل عباس، مقالاً قيماً بحلقات بعنوان: ("المقاومة" من خطاب التحرير إلى اضعاف الدولة)، شرح فيه بمنتهى الموضوعية، والوضوح مخاطر التلاعب بالألفاظ  لإظهار الحق بالباطل والباطل بالحق، لدغدغة مشاعر المواطنين الدينية والوطنية وتوجيهها لتدمير الوطن وإضعافه بدلاً من تقويته وإعماره. (1، 2).

 فمن يتابع مواقع التواصل الاجتماعي، يقرأ العجب من تعليقات ومجادلات، وبمختلف الدرجات من  السخف والتفاهة والهراء، و الحدة، والعنف اللفظي في التخوين والتكفير ضد كل من يختلف معهم، وتعليق كل مساوئنا على نظرية المؤامرة وشماعة الآخرين.

فعلى سبيل المثال، نقرأ هذه الأيام عن زيارة قداسة البابا فرانسيس للعراق، التي في رأي كل ذي عقل سليم ومخلص للعراق، أن هذه الزيارة لها فوائد كبيرة وكثيرة للشعب العراقي الجريح المحروم من الأمن والاستقرار. فهذه الزيارة مناسبة للتقارب بين الأديان، والتآخي بين مكونات الشعب العراقي، و الفات نظر العالم إلى ما يتمتع به العراق من مواقع أثرية وتاريخية ودينية، حيث وُلد فيه أبو الأنبياء النبي إبراهيم، ومنه ظهرت الأديان السماوية (الإبراهيمية) الثلاثة الكبرى: اليهودية والمسيحية والإسلام، وسيستفيد منها العراق اقتصادياً، وإعلامياً، ومعنوياً في تشجيع السياحة الدينية من أتباع مختلف الديانات في العالم... إلى آخره، فيما لو تم التعامل مع هذه المناسبة المهمة بطريقة حضارية راقية تتناسب ومكانة العراق التاريخية.

ولكن بدلاً من ذلك نرى البعض الآخر وخاصة من أنصار إيران، يحاولون تسميم عقول العراقيين، و الرأي العام العالمي، فيتمادون في تضليل الجهلة، فيقولون أن الغرض الوحيد من زيارة البابا للعراق هو لخدمة الصهيونية بالترويج لسياسة التطبيع مع إسرائيل!!

والأسوأ من ذلك طلع علينا جهبذ آخر يقول: أن ((زيارة البابا الى العراق في هذا الوقت بالذات لها علاقة بالتنبؤات التوراتية والانجيلية.. انهم يحاولون تأخير ظهور الامام المهدي القائم صاحب العصر والزمان ارواحنا لتراب مقدمه الفداء .. وتأخير عودة السيد المسيح على الحبيب المصطفى نبينا وآله وعليه أفضل الصلاة والسلام .. وذلك ليحافظوا على مكاسبهم الدنيوية الفانية... ولكن هيهات فإنهم لن يستطيعوا( وان اجتمعوا ) تحدي مشيئة الخالق وإيقاف عجلة التاريخ...)) أنتهى الاقتباس، وأترك الحكم لنباهة القارئ الكريم على هذا التخريف.

وإذا ما ذكرت لهم خلاف ذلك فسرعان ما يتهمونك بأبشع التهم، وينعتونك بأسوأ النعوت من بينها أنك جاهل، وجوكر أمريكي، وعميل صهيوني، ...الخ. وهذا بالطبع نوع من الإبتزاز، ولإسكات كل من يتجرأ ليفهمهم الحقيقة.

فمنذ سقوط النظام البعثي الفاشي في العراق استغلت إيران الوضع الجديد الهش في العراق، وعملت على إضعافه وحرمانه من أي استقرار، وذلك عن طريق تشكيل عشرات المليشيات المسلحة الموالية لها والممولة من قبلها. والسؤال المهم هو لماذا تصر الحكومة الإيرانية الإسلامية على إضعاف العراق وإبقاء شعبه مفتتاً، وفي صراعات دائمة بين مكوناته وقواه السياسية، وتريد مواجهة أمريكا في العراق؟

في الحقيقة إن إيران ليست وحدها التي لا تريد نجاح الديمقراطية في العراق ولا استقراره، بل جميع دول الجوار تسعى لهذا الغرض الدنيء ، وذلك بسبب خوفها من نجاح الديمقراطية التي يسمونها بـ"الديمقراطية الأمريكية" لتقبيح صورتها، وذلك خوفاً من وصول عدواها إلى شعوبهم، وخاصة إيران لأن ظروفها تشبه ظروف العراق.

فإيران تعاونت مع الامريكان في أول الأمر لتغيير نظام صدام في العراق، ونظام طلبان في أفغانستان، ليصبح العراق تحت سيطرتهم، والتخلص من طلبان عدوتهم. ولكن الايرانيين لن يسمحوا للعراق ان يستقر سياسياً، ويزدهر إقتصادياً في الصناعة والزراعة والخدمات وغيرها، لأنهم يريدون العراق أن يبقى متخلفاً وضعيفاً وساحة لتصفية حساباتهم، وسوقًا لبضائعهم، وامتدادا الى حدودهم .... وقد أخبرني صديق مطلع على السياسة الإيرانية نقلاً عن مسؤول ايراني كبير، قائلاً: "لن نسمح للعراق ان يستقر لأن استقرار العراق يفتح علينا ابواب جهنم. لأن الشعب الإيراني مثل الشعب العراقي مكون من قوميات وأديان وطوائف متعددة، ونجاح التجربة الديمقراطية العراقية سوف يشجع هؤلاء للمطالبة بنفس الاشياء، وتكون لهم نفس الاهداف." لذلك لن يسمحوا للعراقيين ان يستمتعوا بالديمقراطية.

والجدير بالذكر أن إيران تاريخيا سبب عدم استقرار العراق منذ الدولة الساسانية وإلى اليوم. والحكام الملالي رغم أنهم يدَّعون التشيع إلى الإمام علي وأهل البيت، إلا إنهم عملياً يتبعون سياسة معاوية وعمر ابن العاص في الخبث والدهاء. فإيران لم تبعث جيشاً لتحتل العراق، بل شكلت عشرات المليشيات الولائية من العراقيين، والتي تأتمر بأوامر الولي الفقيه الإيراني، وتعمل على إضعاف الحكومة العراقية، وبعد أن أضفت القداسة الدينية على هذه المليشيات واعتبرتها ضمن الحشد الشعبي. وهذا ما يسميه المفكر الإيراني الراحل علي شريعتي بـ(الإستحمار)، أي أن الدولة الأجنبية تستحمر أبناء البلد، ويسيطرون عليه عن طريقهم. وهذا ما اتبعته إيران في لبنان، وسوريا، واليمن بالإضافة إلى العراق طبعاً. وقد وضحنا ذلك وأكدنا عليه في مقال لنا بعنوان (المليشيات (الولائية) ليست من الحشد الشعبي)، أن هذه المليشيات هي ضد استقرار العراق وتحقيق الأجندة الإيرانية.(3)

لقد ذكرنا مراراً ونعيد عسى أن تنفع الذكرى، أن إيران تستغل شيعة البلدان العربية، والقضية الفلسطينية لأغراضها السياسية التوسعية، وبذلك فهي أضرت بمصلحة الشيعة العرب حيث جعلتهم في موضع الشبهة في ولائهم لأوطانهم العربية، كما ألحقت أشد الأضرار بالقضية الفلسطينية.

 

د.عبد الخالق حسين

...........................

روابط ذات صلة

1- د.عقيل عباس: "المقاومة" من خطاب التحرير إلى اضعاف الدولة (1)

https://akhbaar.org/home/2021/2/280047.html

 2- د.عقيل عباس: المقاومة من خطاب التحرير إلى إضعاف الدولة (2)

https://akhbaar.org/home/2021/2/280047.html

3- عبدالخالق حسين: المليشيات (الولائية) ليست من الحشد الشعبي

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=696336

 

عبد الحسين صالح الطائيقرن على تشكيل الدولة العراقية (3).

شجعت السلطات العثمانية سياسة النزاع والتنافس بين العشائر العراقية لغرض إضعافها، لكي لا يتفقوا ضدها، فعملت على تقوية الإدارة المركزية العثمانية على حساب المشايخ. من نتائج هذه السياسة المنازعات الكثيرة بين العشائر وإضطراب الأمن، وتصاعد عمليات السلب والنهب وقطع الطرق. ولما حصلت الحرب العالمية الأولى 1914، وضعفت سيطرة الحكومة عن بعض المناطق، أصبح الكثير من التجار مضطرين أن يدفعوا لشيوخ العشائر الاتاوات، وإلا تعرضوا للنهب والسلب.

مارست سلطة الإحتلال البريطانية للفترة (1914-1920)، سياسة توطيد الإحتلال. وهي على وعي تام بالتركيبة الإجتماعية في العراق. كانت رؤيتهم بإنه  لو أتيح للعراقيين الإستقلال التام في حكم أنفسهم لأكل بعضهم بعضاً. ولهذا من واجبهم الإستمرار في حكم العراق مدة كافية إلى أن يتعودوا على الحياة المدنية الحديثة، ويتركوا عاداتهم القبلية القديمة في الغزو والثأر وسفك الدماء. ولكي تُرسخ إحتلالها وتُبقي العراق تحت هيمنتها، وجدت بأن أفضل طريقة لذلك هي ترسيخ العادات والأعراف البالية السائدة آنذاك.

لذا خلقت كيانات عشائرية منفصلة لإستخدامها كسلاح وقوة توازن مع المتغيرات الجديدة في العراق. إعتمدت العادات والأعراف العشائرية وصاغتها على شكل قواعد قانونية نافذة، ووضعتها موضع التنفيذ. فأصبح قانون دعاوي العشائر سارياً منذ 21/02/ 1916، وفحواه أن أي نزاع، بإستثناء نزاع الأراضي، يكون أحد طرفيه أو كليهما من أفراد العشائر، يحال من الحاكم السياسي للمنطقة التي حدث فيها النزاع إلى جهة قضائية عشائرية تتألف من شيوخ أو محكمين عشائريين لإنهاء النزاع وفقاً للعرف. القانون أعطى لبعض المشايخ سلطة التفرد في فصل الدعاوي والمنازعات التي تحدث بين الفلاحين أو أبناء العشائر، وبالتنسيق مع سلطة الإحتلال، وبهذا لم يعد بالإمكان أن يتحرر أي فلاح من الإلتزامات التي تقيده.

كانت مبررات إختيار هذا النظام بإنه يناسب العادات والتقاليد المحلية، وصعوبة تطبيق القانون المدني وقانون العقوبات على أفراد العشائر. وتشكيل المجالس الإدارية المحلية في كل وحدة إدارية عامل مشجع للشيوخ على حفظ الأمن والنظام في مناطقهم. وفي نفس الوقت تم تشكيل قوات جديدة من أبناء المناطق التي دخلتها سلطة الإحتلال سميت (الشبانة)، التي وضعت تحت قيادة أبناء الشيوخ لتقوم بأعمال الحراسة الليلية ونقل البريد.

اتبعت السلطات البريطانية سياسة الإحتواء من خلال العمل على توحيد العشائر بدلاً من تشتيتها بإختيار شيخ واحد في كل منطقة أو عشيرة كبيرة وتقديم كل الدعم له، سواء أكان ذلك بالمال والنفوذ، أو بالسلاح عند الضرورة، ليكون قائداً يقوم بمسؤولية الأمن والنظام في المنطقة المحددة له. أرادت سلطة الإحتلال بهذه العملية الحصول على منفعة متبادلة، بحصر السلطة بيد الشيوخ الذين وقع عليهم الإختيار، وضمان حماية مصالحهم بجعل الشيوخ على الإستعداد بتنفيذ ما يطلب منهم.

هذه السياسة أفادت وأضرت سلطة الإحتلال، فهي وطدت من هيمنتهم وسيطرتهم على الكثير من المناطق، لا سيما الريفية منها، فأدت إلى زيادة في الإنتاج الزراعي. ولكن من جهة أخرى هذه السياسة جعلت الكثير من العراقيين وشيوخ العشائر يقفون بالضد منهم، محملين بالحقد والغضب والكراهية ضدهم. لأنهم أرضوا شيخاً واحداً في كل منطقة، ومنحوه سلطة التحكم بالآخرين. فليس من الهين على شيوخ المنطقة أن يروا واحداً منهم قد أصبح السيد المطلق يأمر وينهي من غير رادع. ومما زاد في الأمر سوءاً أن سلطة الإحتلال في إختيارهم بعض الشيوخ لم يراعوا قواعد وراثة المشيخة المتعارف عليها. كان اختيارهم لمن أبدى لهم الطاعة والولاء، أو له سابقة إتصال بهم في العهد التركي، بغض النظر عن مقامه الحقيقي في العشيرة.

إعتمدت سلطة الإحتلال على إستغلال وإذكاء تناقضات المجتمع العراقي وتوظيفها بإدارة الأزمات وليس حلها. وذلك من خلال الإستراتيجية المعروفة في إدارة المستعمرات على مبدأ "فرق تسد".  لصالح إقامة وإدامة بنية كولونيالية تابعة وخاضعة للهيمنة. كما ساهمت في إعادة تشكيل الطبقات الاجتماعية ـ الاقتصادية وإنتاج طبقة سياسية، كقاعدة للنظام، من كبار ملاك الأراضي والشرائح الكمبرادورية وكبار الضباط الذين خدموا في الدولة العثمانية وبعض الشرائح الهامشية. وذلك من خلال العديد من القوانين التي حولت الملكية العامة للأراضي العشائرية إلى ملك لشيوخ العشائر. والخطوة الأشد خطورة للتحكم بالإقتصاد العراقي هي تسليم النفط الذي يمثل الثروة الأساسية في العراق كبلد يعتمد على الإقتصاد الريعي إلى الشركات الإحتكارية البريطانية في أغلبه، وربط الدينار العراقي بالجنيه الإسترليني فأحكمت سيطرتها على الإقتصاد العراقي.

أسس البريطانيون الدولة العراقية الحديثة بضغط من التحالف الديني العشائري، لكنهم لم يفلحوا في إرساء قيم المجتمع السياسي المعاصر في العراق. فمثلما أهمل العثمانيون وضع العشائر واقتصروا على جباية الضرائب منها، تعامل البريطانيون معها كأمر واقع. وقد فشلت الحكومات المتعاقبة في صهر الإنتماءات القبلية والطائفية في وعاء وطني واحد، وبهذا فالمشكلة العشائرية متشعبة وقديمة قدم تأسيس الدولة العراقية.

وقد إتضح لسلطة الإحتلال، فيما بعد، ضرر سياستهم هذه عند إندلاع ثورة العشرين. وهذا ما أكده فيليب آيرلاند في كتابه "العراق، دراسة في تطوره السياسي"، بأن الكثيرمن الشيوخ الذين شاركوا في الثورة العراقية الكبرى كانت خصومتهم موجهة نحو الشيوخ المقربين لسلطة الإحتلال أكثر مما كانت موجهة نحو سلطة الإحتلال. فهم قد وجدوا في الثورة أملاً يرفع عنهم كابوس أولئك الشيوخ وكابوس الحكومة التي تؤيدهم.

أبقت الدولة العراقية الحديثة الأنظمة والتشريعات التي أصدرها القائد العام للقوات البريطانية، في القانون الأساسي الذي صدر في 1925. ويمكن الرجوع إلى المادة 114، التي نصت على أن: "جميع البيانات والأنظمة والقوانين التي أصدرها القائد العام والمندوب السامي والتي أصدرتها حكومة الملك فيصل منذ 1914 تعد قوانين صحيحة من تاريخ تنفيذها".

 المجتمع العراقي لم يستفد من الإحتلال البريطاني في توسيع دائرة المدنية وتحديث العراق على غرار الدول المتقدمة بالحدود الممكنة. وذلك بسبب الموروث الثقافي الذي ورثناه من الدولة العثمانية، وصدى فتاوى الجهاد والشعارات الأيديولوجية. لقد تمادى الكثير من رؤساء العشائر في التدخل والتأثير بمسارات السياسة الحكومية، الكثير منها كانت بسبب المصالح الذاتية لشيوخ العشائر. هذه الحالة برهنت على تشتت الوحدة الوطنية لدى العشائر وغياب دوافع المواطنة التي زعزعت الإستقرار السياسي، مما ضيع فرص التطور الحضاري المدني للدولة. وبقيت السمة العامة للعشائر، بمختلف المراحل الزمنية، في إتجاه إنماء الروح العشائرية على حساب الروح الوطنية العراقية، أي تغليب الهُوِيَّة الفرعية على الهُوِيَّة الوطنية. عدا فترة إنحسار قصيرة في زمن الزعيم عبدالكريم قاسم الذي حدّ من النفوذ الإقطاعي بإصدار قانون الإصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958، الذي قلص نفوذ الشيوخ والأعيان المستمد من ملكية الأرض.

 

د.  عبد الحسين صالح الطائي

...............

المراجع:

- د. علي الوردي: لمحات إجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ج6، دار كوفان للنشر، لندن 1992.

- الحسني، عبدالرزاق: تاريخ العراق السياسي الحديث، الرافدين للطباعة والنشر والتوزيع، ج1، ط7، بغداد 2008.

- الفياض، د. عامر حسن، وحمادي، صفد عبدالعزيز، المواطنة وبناء الدولة المدنية الحديثة، في العهد الملكي مجلة المعهد، العدد 11، معهد العلمين للدراسات العليا، النجف 2017.

- وجدان فالح حسن: المواطنة ودورها في ترصين الوحدة الوطنية في العراق، مجلة دراسات إسلامية معاصرة، العدد السادس، السنة الثالثة، 2012.

 - كامل هادي الجباري: إشكاليات بناء الدولة، الدولة العراقية الأولى، مركز النور للدراسات، بتاريخ 19/09/2009.

- محمد عبدالرحمن عريف: السياسة البريطانية مع العشائر العراقية.. مقدمات ثورة العشرين، الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.

رابط المقالة الأولى:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953410

رابط المقالة الثانية:

https://www.almothaqaf.com/a/opinions/953571

 

 

ابراهيم أبراشبالرغم من مرور أكثر من عشر سنوات على بداية ما تواترت وسائل الإعلام على نعته بـ (الربيع العربي) إلا أن فوضاه ما زالت مستمرة في تونس ومصر حيث كانت البداية والمراهنات الواعدة والتدخل الخارجي محدوداً، إلى اليمن وليبيا وسوريا حيث التدخل الخارجي الفج والمفضوح، كما أن الجدل والنقاش ما زال محتدماً ما إن كان ما يجري ثورات شعبية و ربيعاً عربياً أم مخططاً يندرج في سياق (الفوضى الخلاقة أو البناءة Creative Chaos التي بشرت بها وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس منذ 2005 في سياق مشروع الشرق الأوسط الكبير والجديد؟.

لا نقلل من دوافع التحركات الشعبية في أيامها الأولى ولا في الأحزاب والقوى الوطنية التي شاركت فيها، كما لا نقلل من حجم المعاناة بسبب ممارسات أنظمة مستبِدة والحاجة الملحة للتغيير، إلا أن حجم وسرعة التدخل الغربي في مجرى الثورات العربية يؤكد أن الغرب لم يكن بعيداً عما يجري سواء من خلال التخطيط المُسبق موظِفاً شعار دمقرطة الشرق الأوسط ونشر الحريات وصناعة شرق أوسط جديد الخ، أو التدخل اللاحق كما جرى في ليبيا حيث قامت طائرات حلف الأطلسي باستهداف الجيش الليبي والرئيس القذافي مباشرة، أيضاُ من خلال تحريك الجماعات والدول التابعة للغرب كجماعات الإسلام السياسي وخصوصاً الإخوان المسلمين الذين كانوا يراقبون الوضع ويديرونه في البداية من مواقعهم ومراكزهم القيادية في عواصم الغرب، ومن بعض دول الخليج العربي وتركيا التي قدمت كل التسهيلات اللوجستية بالإضافة إلى تدخلها العسكري المباشر في سوريا والعراق وليبيا.

هذا التدخل الخارجي الفج اعترف به رئيس الوزراء ووزير خارجية قطر السابق حمد بن جاسم آل ثاني في برنامج "الحقيقة" في تلفزيون قطر في أكتوبر 2017 حين اعترف أنه وفي السنوات الأولى للأحداث تم انفاق أكثر من 13 مليار دولار لإسقاط نظام الاسد ودعم المعارضة في ليبيا واليمن، وعن التدخل في سوريا تحديداً قال : " أي شيء يذهب إلى سوريا كان يتم عبر تركيا ويُنسَّق مع القوّات الأميركية وكان توزيع كل شيء يتمّ عن طريق القوات الأميركية والأتراك ونحن والأخوان في السعودية، كلهم موجودون عسكرياً في سوريا".

ربما يقول قائل كيف يُعقل أن هذا التحالف الكبير الذي تقوده أمريكا وهذه المليارات التي أنفِقت لم تستطع اسقاط نظام الأسد وتنهي الحروب المتواصلة حتى اليوم في اليمن وليبيا والعراق بحيث تستلم قوى المعارضة الديمقراطية المدعومة غربياً زمام الأمور؟ وهل استمرار الحروب الأهلية يعني فشل الغرب وحلفائه في تحقيق أهدافهم؟ وهل هناك فعلاً نظرية تسمى الفوضى الخلاقة؟.

نفس التساؤلات يمكن استحضارها عندما قامت قوات التحالف الثلاثيني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية في بداية 1991 بحرب تحرير الكويت من الاحتلال العراقي وتم آنذاك تدمير الجزء الأكبر من الجيش العراقي وكان في استطاعة التحالف الاستمرار بالحرب واسقاط نظام صدام حسين ولكنه لم يفعل، وحتى بعد احتلال العراق 2003 وانهاء حكم صدام حسين استمرت الفوضى والحرب الأهلية إلى اليوم؟. ولا يخرج عن هذا السياق ما جرى ويجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة حيث قام جيش الاحتلال الصهيوني بحصار قطاع غزة بعد سيطرة حركة حماس عليه في يونيو 2007 كما شنت ثلاثة حروب مدمرة على القطاع دون أن يصل الأمر لإعادة احتلال قطاع غزة وانهاء سلطة حماس ولا مساعدة السلطة على استعادة القطاع؟. أيضاً استمرار النزاع مع إيران دون الدخول في حرب مباشرة معها.

فهل كل هذا يعني فشل أمريكا والغرب وإسرائيل في تحقيق أهدافهم؟ أم أن هناك قراءة أخرى لكل ما يجري ملخصها أن استمرار الحروب الأهلية وحالة الفوضى والانقسام الفلسطيني وتجزئة دول المنطقة كان الهدف الرئيس لأمريكا وتحالف الثورات المضادة ؟ وبالتالي فإن أمريكا وحلفاءها لم يفشلوا بل يحققون أهدافهم كما خططوا لها .

في محاولة لفهم ما يجري في المنطقة العربية وما سيكون عليه الحال في عهد الرئيس جو بايدن الذي يبدو أنه سيُحيي ويجدد سياسة الفوضى الخلاقة، يجب معرفة ما طرأ على الاستراتيجية العسكرية الأمريكية في العقود الأخيرة حيث تم اعتماد ما يسمى (الجيل الرابع من الحروب (Fourth-generation warfare. وذلك بعد صدور كتاب بهذا الاسم عام 1989 للمؤلف الأمريكي وليام ليند William S. Lind، ومن بعده شاع المصطلح وتعددت الكتابات عنه، ويمكن تعريف هذه الحرب بأنها تجاوز للأشكال أو الأجيال الثلاثة السابقة للحروب إلى نوع جديد تتميز بأنها حروب بالإكراه تهدف إلى إفشال الدولة القومية المستهدفة وزعزعة استقرارها وإفقادها سيطرتها شبه الكاملة على القوات العسكرية وعودة أنماط الصراعات التقليدية من طائفية ومذهبية وقبلية، ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الامريكية، وفي هذا الواقع الجديد يصبح المواطنون مرتزقة عند عدوهم أي أمريكا أو من يدير هذه الحرب.

كان البروفسور “ماكس مانوارينج” MaxG.Manwaring أستاذ و باحث في الاستراتيجية العسكرية في معهد الدراسات الاستراتيجية والعسكرية التابع للجيش الأمريكي أهم من تحدث عن هذا النوع من الحروب وكانت غالبية محاضراته مغلفة وقاصرة على القيادات العسكرية والأمنية الأمريكية والإسرائيلية ، إلا أن مضامينها تم تسريبها ومنها المحاضرة التي ألقاها في إسرائيل في الأول من ديسمبر 2018 أمام عدد من كبار الضباط من حلف الناتو والجيش الصهيوني، حيث وضح أهداف الجيل الرابع من الحرب وملخصها كما قال “ليس الهدف تحطيم المؤسسة العسكرية لإحدى الأمم أو تدمير قدرتها العسكرية، بل الهدف هو الإنهاك، التآكل البطيء، لكن بثبات..!فهدفنا هو إرغام العدو على الرضوخ لإرادتنا... الهدف زعزعة الاستقرار، وهذه الزعزعة ينفذها مواطنون من الدولة العدو لخلق الدولة الفاشلة، وهنا نستطيع التحكم، وهذه العملية تنفذ بخطوات ببطء وهدوء وباستخدام مواطني دولة العدو" .

أما لماذا لا يتم الانهيار السريع بدل التآكل الهادئ والبطيء؟ لأن التآكل البطيء يعني خراب متدرج للمدن، وتحويل الناس الى قطعان هائمة وشل قدرة البلد العدو على تلبية الحاجات الاساسية، بل تحويل نقص هذه الحاجات الى وجه آخر من وجوه الحرب، وهو عمل مدروس ومنظم بدقة..!!

خلاصة حروب الجيل الرابع أو ما يُطلق عليها أيضاً الحرب غير المتماثلة Asymmetric Warfare فصلتها بشكل أشمل النسخة الإنكليزية من موسوعة Wikipediaحيث ذكرت بأنها تتميز عن الحروب السابقة ببعض أو كل العناصر أدناه :"

1- مُعقّدة وطويلة الأجل.

2- تستخدم الإرهاب.

3- لا تستند إلى قاعدة وطنية، فهي متعددة الجنسيات وغير مركزية.

4- تشهد هجوماً مباشراً على المبادئ والمثل العليا الأساسية للعدو.

5- حرب نفسية متطورة ومعقدة للغاية، لا سيما من خلال التضليل الإعلامي وشن حرب قانونية.

6- استخدام جميع الضغوط المتاحة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً.

7- عدم وجود تسلسل هرمي.

8- تعتمد على عمليات صغيرة الحجم وشبكة ممتدة من الاتصالات والدعم المالي.

9- استخدام حركات التمرَّد وتكتيكات حرب العصابات."

هذا التحول في مفهوم واستراتيجية الحرب يكمن في جوهر الفوضى الخلاقة أو البناءة التي قررت الإدارة الامريكية تبنيها للتعامل مع منطقة الشرق الأوسط مع حرب الخليج الثانية ثم بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

 

إن من يتمعن بتفاصيل وعناصر ما يجري في المنطقة العربية منذ حرب الخليج الثانية وفي ظل ما يسمى بالربيع العربي وما جرى ويجري في العراق ومناطق السلطة الفلسطينية سيجد إجابة عن كل التساؤلات التي سبق أن أشرنا إليها. الجيل الرابع من الحرب هو الوجه الآخر أو التطبيق العملي لسياسة الفوضى الخلاقة التي تحدثت عنها كونداليزا رايس عندما أشارت إلى أن هدف الولايات المتحدة هو تفكيك الشرق الأوسط وإعادة تركيبه من جديد بما يشمل إسرائيل – وهو ما جرى مع التطبيع الأخير- وبما لا يتعارض من المصالح الامريكية.

الولايات المتحدة وإسرائيل ومن يتم توظيفهم من حلفاء لم يكونوا يستهدفون زعيماً عربياً بعينه أو دولة عربية محددة بسبب غياب الديمقراطية وانتهاك حقوق الإنسان، بل الأمة العربية ومشروعها القومي وإمكانية نهضتها وتوحدها، وبالتالي فإن العدو أو الخصم الذي يجب تدميره وتفكيكه هو الأمة العربية والزعماء والدول الذين يمكنهم أن يشكلوا قاعدة منطلق لنهضة الأمة العربية .

ما يؤكد نجاح أدوات الاستراتيجية الأمريكية الجديدة لتحقق أهدافها من خلال تطبيق الجيل الرابع من الحرب نلمسه من خلال مقارنة ما ورد حول أهداف هذه الحرب مع نتائج فوضى الربيع العربي حيث آل (الربيع العربي) إلى:

1- إثارة النعرات الطائفية والعرقية والمناطقية

2- صعود جماعات الإسلام السياسي المتطرفة وتراجع القوى المدنية والديمقراطية .

3- تهديد وتفكيك الدولة الوطنية وما تم مراكمته من انجازات تم تحقبقها بمعاناة ونضالات الشعب.

4- انهيار الروابط القومية العربية أو ما يسمى المشروع القومي العربي.

5- تراجع مسار الانتقال الديمقراطي السلمي .

6- تدخل دول الجوار وخصوصا تركيا وإيران والكيان الصهيوني.

7- تزايد النفوذ الغربي والروسي.

8- استنزاف الثروات والمقدرات المالية العربية.

9- تغُّول إسرائيل وغياب أية مصادر تهددها.

10- تحويل دول ما يسمى الربيع العربي إلى دول فاشلة.

 وأخيراً فإن ما صدر من تصريحات عن الرئيس الأمريكي بايدن وفريقه تجاه المنطقة يؤشر إلى العودة لتوظيف الجيل الرابع من الحرب أو الفوضى الخلاقة تحت شعار الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان أو حل الدولتين بالنسبة للقضية الفلسطينية، ولا يوجد لدى الإدارة الأمريكية الجديدة أية نية أو توجه لحل مشاكل دول المنطقة بل إدارة للصراعات والحروب .

 

إبراهيم أبراش

 

 

كاظم الموسويمن مراسلات بين الراحل (الجورنالجي) الاستاذ محمد حسنين هيكل (ت2016/2/17) والسير ستيفن رانسيمان، أستاذ التاريخ، (الاشهر الذي حقق لنفسه مكانة فريدة، حين جلس على كرسي التاريخ في جامعة كامبردج، وفي جامعة أوكسفورد، رغم المنافسة التقليدية بين الجامعتين، كما وصفه هيكل). خطاب نشره هيكل في تقديمه لكتابه؛ الانفجار عام 1967، وفيه أشار السير، بعد قراءة اول كتاب من مجموعة "حرب الثلاثين سنة" لهيكل، وارسل الخطاب مع السفير اللبناني في لندن، نديم دمشقية، صديق الشخصيتين، اشار الى إعجابه بمؤلف هيكل، وكتب فيه: "عزيزي... لقد فرغت قبل  أيام من قراءة كتابك الأخير وكنت ابحث عن وسيلة اتصل بك، ولسعادتي  قابلت السفير دمشقية ومن خلال حديثي معه، عرفت انكما اصدقاء، وقد بعثت إليك معه بكتابي عن الحروب الصليبية ولست اعرف اذا كنت اطلعت عليه، فإذا كان الأمر كذلك فلا اظنك تمانع ان تكون لديك نسخة مكررة منه، كتب لك مؤلفه عليها، اهداء بخطه.. انني قرأت كتابك وتصورت كم كان يمكن أن يختلف  كتابي، وكتب كثيرين من الذين عانوا  كتابة التاريخ غيري. لو انه اتيحت لنا جميعاً رواية شاهد عيان عاش وقائع الأحداث التي نتعرض لها ثم فعل مثلما فعلت انت وسجل لنا ما رأى.

ولا اخفي عليك أنني احسدك على تجربتك التي اعطتك الفرصة لتعيش التاريخ وتكتب عنه أيضا.

هناك قول شائع لعلك تتذكره، وهو يقول، أن التاريخ له آذان، ولكن ليس له عيون، بمعنى أننا نسمع روايات عما جرى من وقائعه منقولة لنا بالسماع والتواتر عن هذا أو ذلك. من الناس، ومعظمها مكتوبة باثر رجعي يخلط الوهم بالحقيقة إلى درجة تتركنا مع نوع من الفولكلور الاسطوري يعذبنا كثيرا فرزه، اذا كان ذلك الفرز ممكنا على الاطلاق، وصحيح اننا نصادف في بعض المرات وثائق مكتوبة، ولكننا نجد أنفسنا حائرين أمامها لا نستطيع أن نقدر بالضبط أصالتها وظروفها ومدى تعبير ما فيها عن الواقع كما جرى. ولقد كان ما أثار اهتمامي في تجربتك هو أن التاريخ عندك له آذان، وله ايضا عيون، وهذه تجربة اتمنى لو ناقشتها معك اذا خطر لك يوما أن تعود إلى أكسفورد..".

ولا يمكن إلا أن يرد عليه الاستاذ هيكل برسالة شكر وتقدير، وهو يرى ان الشكر فيها على فضل السير جاء في ثلاثة افضال في آن معا، كما عبّر الاستاذ، فضل أنه قرأ ما كتب، وفضل أنه بادر إلى الاتصال، وفضل أنه أهداه عمله الضخم عن الحروب الصليبية. وكتب في الرد: "انك تكرمت فنسبت ما اكتبه إلى "علم التاريخ"، وهذا شرف، لا اظنني استحقه. فقد كنت وما ازال حتى الآن كاتبا وصحفيا همومه كلها في الحاضر والمستقبل، وليست في الأمس وما قبله، ومن ثم فهو قاريء للتاريخ وليس كاتبا له.

وانت تعرف اكثر مني الف مرة أن التاريخ حي في الحاضر ومؤثر في المستقبل. وفي نفس الوقت فإن الماضي نفسه مفتوح، رغم مرور الحقب والقرون، لرؤى الحاضر والمستقبل. فانتم في الغرب مثلا رجعتم إلى إعادة تفسير الماضي بل وإعادة بنائه مرات متكررة على ضوء منظورات لاحقة ومستجدة.

وواصل الاستاذ هيكل رسالته: وهكذا عاش هذا الماضي مرة أخرى في الحاضر والمستقبل. بمقدار ما أن الحاضر والمستقبل كانا يعيشان في الماضي.

أن العودة إلى التاريخ من منظور جديد تجربة جرت عندكم، ومازالت تجري، وسوف تظل جارية طالما هناك فكر إنساني واثق من حريته مهتد بعقله، وأما في العالم الثالث، ونحن فيه، فإن التعرض للتاريخ حكاية مختلفة.

وعرج الاستاذ الى ما يعانيه المؤرخ من مؤثرات ومن صراع ضد قوى السيطرة والتخلف التي تتحكم في تاريخنا الحديث. مؤكدا له : أن الصراع على "الشرق الأوسط" وفيه مازال مستمرا وقصته مفتوحة. هي بعد نوع من التاريخ السائل لم يتماسك، وبالتالي يمكن التعرض له بتحويل أو تعطيل مجراه، أو تغيير مادته وشكله ولونه.(....)

وهنا تشتد الحاجة إلى محاولة قراءة التاريخ اكثر من مما تشتد الحاجة إلى محاولة كتابته.

وانتهى إلى: هكذا فإن قصارى ما اطمح إليه مما اكتبه عن، حرب الثلاثين سنة، الحرب المستمرة الى الان، هو المشاركة مع كثيرين غيري في تنشيط ذاكرة أمة. ونحن جميعا نفعل ذلك عن إعتقاد بأن الذاكرة هي اكبر محرض على الفعل.

وختام الخطاب تركيز على أهمية الحفاظ على ذاكرة الأمة وسبل النهوض في الحاضر والمستقبل وهي المهمة والأهمية التي تولاها ككاتب وقاريء للتاريخ، للامس والحاضر وما بعد. وفي المراسلات هذه واضح قيمة الحوار والمحتوى وأهمية التراسل والتواصل الثقافي. ففيه اعتراف بقدر الشخصية وقدرة المؤلف، ومقدار الكتاب، وما بذل من جهد وما سطر من صفحات وما نشر في كتب، رغم كل التواضع والاحترام والتقدير للجهود والأعمال والأهداف.

في هذه المراسلات بين شخصيتين مرموقين، إضافة إلى النص والاتصال فيها أو الأسباب التي فعلتها أو حفزتها دروس في الأخلاق والقيم ودلالات في معنى أن يضع الباحث، العربي والاجنبي، نصب عينيه ما ينفع الناس من كنوز معرفة ومصداقية احداث واخبار وعبر تاريخ مازالت تعيش بيننا، كبشر على هذه المعمورة. ومهما اختلف أو اتفق مع الآراء أو التوجهات الا ان ما يخلص إليه في النهاية، في كل جهود واعمال، أو إلى اين يصب مجراه هو الأهم وهو الباقي في السجلات والذاكرة. ولعل ما نشر من وثائق وصفحات لم تتيسر لغير الاستاذ، مثلا، وبدونه لضاعت او أهملت على الرفوف كما حاصل مع غيرها الكثير وكما اريد لها أن تبعد أو تغيب عن ذاكرة اهلها وحقهم فيها. ليكون فعلا ليس آذان التاريخ وحدها فقط، بل وعيونه ايضا، وتلك شهادة احترام تقدر.

 

كاظم الموسوي

 

 

عباس علي مرادحسب دراسة لمكتب الإحصاء الأسترالي عن السلامة الشخصية في البلاد اجريت عام 2016، وجدت هذه الدراسة أن  148,000 امرأة و57,200 رجل تعرضوا لإعتداءات جنسية بشكل أو بآخر، وان معظم هذه الإعتداءات لم يتم إخبار البوليس بها، ومن أهم الأسباب لعدم تبليغ الشرطة هو الخوف من عدم تصديق أصحاب الشكوى. 

عقب ظهور الموظفة السابقة في مكتب وزيرة الدفاع  برينتي هيكنز على القناة العاشرة وزعمها أنها تعرضت لعملية اغتصاب من قبل زميل لها بعد ان احتسيا المشروبات الروحية  في إحدى الحانات قبل العودة إلى مكتب وزيرة الدفاع ليندا رينولد حيث تمت عملية الإغتصاب المزعومة (أذار عام 2019) وكانت رينولد تشغل أنذاك منصب وزيرة الصناعات الدفاعية.

على أثر انتشار الخبر طغت أخبار قضايا الإغتصاب والتحرش الجنسي على ما عداها، وادخلت الحكومة الفيدرالية في أزمة قد لا تنتهي من دون تدحرج بعض الرؤوس المسؤولة والتي لم تعالج المسألة او لم تأخذها على محمل الجد.

رئيس الوزراء سكوت موريسن نفسه يقول انه لم يعلم بالقضية الا بعد ظهورها إلى الإعلام في 15 شباط ،2021 مع انه اصبح مؤكداً ان وزيرة الدفاع ووزير الداخلية وبعض موظفي مكتب رئيس الوزراء كانوا على إطلاع على تفاصيل الحادثة ولم يبلغوا رئيس الوزراء وكل منهم لسبب مختلف!

حزب العمال من  جهته سخر من مقولة موريسن انه لم يعلم سابقا بالقضية ولكن ليس لدى الحزب أي دليل على عدم صحة كلام موريسن.

تقول وزيرة الدفاع ليندا رينولد أنها لم تبلغ رئيس الوزراء بالقصة وذلك من اجل المحافظة على الخصوصية وقالت انها حاولت مساعدة هيكنز إذا ما ارادت ان تتقدم بشكوى للشرطة.

هناك من يعتقد انه تم التعامل مع قضية هكينز على انها اختراق أمني وليست جريمة اغتصاب، كأنها محاولة للفلفة القضية رغم انه تم تنظيف مكتب الوزيرة بالبخار مكان وقوع الجريمة المزعومة.

وزير الداخلية بيتر داتون يقول انه قيّم الموضوع  ولم يريد ان يدخل في مسألة هو قال وهي قالت، ولم يجد من الضرورة ان يبلغ رئيس الوزراء مباشرة بالأمر لأنها مسألة حساسة وإجرائية ولا يريد التدخل في عمل الشرطة الفيدرالية التي تخضع لأمرته !

الإغتصاب جريمة يعاقب عليها القانون فكيف إذا وقعت هكذا جريمة داخل البرلمان وبمسافة تبعد عشرات الامتار فقط عن مكتب رئيس الوزراء!

السؤال الرئيسي والبديهي الذي يطرح نفسه وبقوة، اذا كان ليس من المهم ان يطلع رئيس الوزراء على المشاكل بسبب الخصوصية او الحساسية  أو لأي سبب آخر مهما صغر او عظم هذا السبب،  فكيف سيدير رئيس الوزراء البلاد؟!

والأنكى من ذلك، ان رئيس الوزراء دافع عن تصرفات وزير داخليته، علماً ان موريسن كان قد وبّخ وزيرة الدفاع بقوة لأنه كان يجب عليها ابلاغه بعملية الإغتصاب المزعوم.

اولاً، نحن كمواطنون من حقنا ان نعرف أين هي الحقيقة ومن كان يعرف وماذا كان يعرف ومتى عرف ولماذا لم يبلغ السلطات المختصة.

ثانياً، هل كان علينا ان ننتظر مفوّض الشرطة الفيدرالية ريس كيرشو ليذكّر نواب الأمة وحكومتها بالإبلاغ مباشرة عن أي قضية حتى يتمكن من إجراء التحقيقات اللازمة قبل ضياع الأدلة!

ثالثاً، لماذا على الموظفين الذين يتعرضون لهكذا اعتداءات الخوف من تبليغ الشرطة وذلك من اجل المحافظة على وظيفتهم. هذا هو السبب الذي تحدثت عنه هيكنز.

رابعاً، على السياسيين الكفّ عن تسييس هكذا قضايا من أجل تحقيق مكاسب سياسية على حساب معاناة المواطنين وأمنهم الإجتماعي والنفسي، لأن كل الأحزاب لها مشاكلها الخاصة. هذا ما أظهره استطلاع نقابي لما يقرب من 100 موظف سياسي من مختلف الأطياف السياسية في ديسمبر أن واحدًا من كل ثمانية قد تعرض للتحرش الجنسي أو الإعتداء في مكان العمل في العام الماضي.

خامساً، اذا كانت هكذا جرائم منتشرة بهذه النسب العالية كما تقدم في دراسة مكتب الإحصاء، لماذا لم تبادر الحكومات المتعاقبة على الحد منها ان لم نقل إستئصالها؟

رئيس الوزراء بادر إلى تشكيل أربع لجان لدراسة الموضوع ولكن النائبة مادلين كينغ من حزب العمال طالبت بمراجعة مستقلة لثقافة مكان العمل في البرلمان التي أعلن عنها السيد موريسون، وطالبت بتوسيع عمل اللجنة للنظر في التهديدات التي تواجه النواب وموظفيهم من قبل الجمهور.

مع الإعلان عن المزيد من حالات الإغتصاب يبقى السؤال من سيكون كبش الفداء الحكومي لوضع حد لتفاقم الأزمة التي وبدون أدنى شك سوف تؤثر على شعبية الحكومة ورئيسها الذي يحتفظ بشعبية عالية على خلفية معالجته ازمة كوفيد 19.

ولكن بنظر المواطنيين، هذا يوم أخر وموضوع لا يقل أهمية عن وباء كورونا خصوصاً بعد مزاعم إغتصاب جديدة يعود تاريخها لعام 1988تطال وزير في حكومة موريسن والتي تسربت أخبارها بعد ان ارسلت رسائل من جهة مجهولة الى كل من رئيس الوزراء ووزيرة الخارجية في حكومة الظل (حزب العمال) باني وونغ والنائبة من حزب الخضر سارة هانسون يانغ.

يشار الى ان الضحية البالغة من العمر 49 عاماً انتحرت السنة الماضية.

فهل يقدم رئيس الوزراء على تعديل حكومي ويطيح بوزيرة دفاعه التي تواجه انتقادات من زملائها الذين تكلموا بشرط عدم الإفصاح عن أسمائهم كما سربت الصحافة.

وحسب الصحفيتان روزي لويس (صحيفة الاستراليان) ولاناي سكار(وست أستراليان) قالتا على برنامج انسايدر الذي يقدمه ديفيد سبييرز على تلفزيون أي بي سي 28/2/2021  ان بعض زملاء وزيرة الدفاع يقولون اذا لم تستطع الوزيرة مواجهة نادي الصحافة فكيف لها ان تتخذ قررات على مستوى الاجهزة الامنية  وزارة الدفاع التي تأتمربأمرتها كارسال الجنود الى المعركة.

والجدير ذكره ان الوزيرة رينولد كانت قد دخلت الى المستشفى الاربعاء 24/2/2021 بعد نصيحة الاطباء لها بسبب معاناتها من مرض القلب وكان من المفترض ان تحاضر في نادي الصحافة ذلك اليوم وتجيب على أسئلة الصحافيين حول قضية الاغتصاب المزعوم لبريتني هيكنز.  

أخيراً، يجب وضع حد لثقافة التحرش والإستقواء والتنمّر ولثقافة لوم الضحايا ووضع القوى السياسية أمام مسؤولياتها.

 

عباس علي مراد

         

 

مصدق الحبيبالكلبتوقراطية  Kleptocracy هي سلطة اللصوص وحكومة الفاسدين والمفسدين التي تقوم بشكل اساسي على سرقة اموال الشعب واستنزاف الثروة الوطنية من اجل الاغراض والمنافع الشخصية لافرادها. وهذا ما يؤدي الى تراكم الثروات الفردية واستحداث طبقة اجتماعية جديدة متميزة بثرائها المغتصب مما يثبت دعائم الهيمنة الاقتصادية ويقوي النفوذ السياسي في البلاد.

والمصطلح المركب يعود لأصله الاغريقي حيث Kleptes  تعني لص وKratia تعني سلطة او نظام. على ان من الضروري تمييز النظام الكلبتوقراطي عن النظام الپلوتوقراطي Plutocracy  الذي تؤسسه طبقة الاغنياء، أي اولئك الذين اغنوا قبل استلامهم السلطة. وهذا النظام يقوم على التأثير الحاسم للقوى المتميزة بثرائها ونفوذها السابقين لتكوين النظام. كما ينبغي تمييز الكلبتوقراطية ايضا عن النظام الأوليگاركي  Oligarchy الذي تقوم فيه الحكومة على سلطة القوى المؤثرة اجتماعيا، ليس فقط على اساس الغنى والثروة التي تملكها انما ايضا على اسس مؤثرة اخرى كالجاه والانتماء العشائري والتأريخ العسكري والمنزلة الدينية.

يستمد النظام الكلبتوقراطي هيمنته وديمومته من اشاعة الفساد الاداري والسماح لاعوانه باستخدامه كماكنة لانتاج الثروة الفردية عن طريق الخداع والدجل والرشاوي والاختلاس وغسيل الاموال وحصر المقاولات بأيدي معروفة قليلة وتلفيق العقود واتخام الحسابات الاجنبية بالودائع الشخصية وتزوير الشهادات وحصر النشاطات الاقتصادية المربحة بشركات قليلة تسمح بتضخيم وصولات الكلف ومستندات الخدمات من أجل ادخال هامش متفق عليه لعملائها في الدولة والقفز على نظم وضوابط المزايدات والمناقصات التجارية.

كما تستمد السلطة الكلبتوقراطية هيمنتها عن طريق سلطة البنوك المالية والتلاعب بقيم العملات ومعاملات الاستيراد والتصدير. ولاشك فان كل ذلك يتطلب وقوف سلطة القانون الى جانب من يدير دفة البلاد وسن التشريعات وتنفيذها بما يخدم تلك النوايا والاغراض وتحجيم او الغاء دور الرقابة المالية والاداريةوغض النظر عن كل الجرائم والتجاوزات.

تنتعش الكلبتوقراطية عادة في الدول المنهارة بعد الحروب او بعد تغيير انظمتها السياسية وخاصة تلك الدول التي تمتاز باقتصاداتها الريعية التي يسهل فيها استنزاف الموارد الوطنية عن طريق السيطرة الحكومية الكاملة على انشطتها الاقتصادية وهياكلها الاجتماعية . وغالبا ماتتحول هذه البلدان الى مايشبه واحات سخية للنهب والفرهود كما يصفها المصطلح الالماني Roubwirtschaft . واشد ما يشرعن نهب الثروة الوطنية هو الدعاوى الزائفة للخصخصة وتفكيك القاعدة الصناعية والبنى التحتية في البلاد تحت حجج الاعمار ومن ثم توزيعها كحصص سكراب على تلك الايادي الامينة للنظام وتعطيل القدرات الاقتصادية الوطنية وتهيئة الفرصة للاعتماد شبه الكامل على القروض الخارجية، والاعتماد على قطاع الاستيراد لاغراق الاسواق بالسلع المستوردة من اجل ابهار المستهلك واستحصال رضاه. وطبيعي فإن الاستيراد هو القطاع المناسب للابتزاز والاجازة الذهبية للفوز بالغنائم. 2255 بسام فرج وضياء الحجار

اللوحتان للفنانين بسام فرج وضياء الحجار

مصدق الحبيب

 

 

 

 

2258 أليسيا لو پورتو ليفيبوربقلم: أليسيا لو پورتو ليفيبور*

ترجمة: عادل حبه


كيف يمكن للمرء أن يفسر التقدم الملحوظ الذي حققته الصين، والتي أصبحت قوة علمية وأكاديمية وتكنولوجية عظمى، في حين أن نظامها لا يزال شمولياً، بل وأكثر سلطوية؟ وكيف يمكن أن يكون نظام حكم الحزب الواحد هناك، المطبق في الصين منذ عام 1988، وهو الغير ديمقراطي، أن يصبح في نفس الوقت مبتكراً ويعزز الانفتاح على العالم؟ اليوم أكثر ومن أي وقت مضى، وبدون معارضة النظام الحاكم، فإن تقدم الصين يعود بالكثير إلى شكل إدارة الحكم. ويشير لي جينگ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بكين وخريج جامعة هارفارد إلى: "إن الموظفين هم من ينفذون الإصلاحات ويضعون الأساس لأهداف الصين في بناء مجتمع مزدهر".

 دراسة المدراء الصينيين على الطريقة الأمريكية

يرتكز التقدم الذي أحدثته الدولة الصينية على أسس تقوم على إرث "الاشتراكية الخاصة بالصين"، الذي وضع نظّرلها في الستينيات الزعيم الصيني دنغ شياو بينغ، وعلى أساس النموذج الرأسمالي للسوق والثقافة الإستهلاكية الممزوجة بالتخطيط الفعال. فعلى مدى أربعة عقود من سيطرة الحزب الشيوعي الصيني على الحكم، إضطرت الأجهزة الإدارية إلى التعامل مع القطاع الخاص والتأكيد باستمرار على شرعيته دون التدخل في الأمور المعقدة المتعلقة به بنحو متزايد.

إن الأجهزة الإدارية والحكومية في الصين غامضة وغير معروفة للأجانب. ويتمتع القادة رفيعو المستوى فقط ببعض الظهور الإعلامي. نحن نعلم بشكل أو بآخر أنه خلال العشرين سنة الماضية، تخرج عدة آلاف من موظفي القطاع العام الصيني من دورة MPA، التي إستنسخت مباشرة من الولايات المتحدة ومن برنامج مدرسة جون إف كينيدي العامة بجامعة هارفارد.

بدأت دورة "الخبراء الأقدم في إدارة الدولة" (MPA) في الصين في عام 1991، وشرع منذ عام 2001 في تدريس الطلاب، وهم من المهنيين الذين يتمتعون بخبرة عملية لا تقل عن ثلاث سنوات، ومعظمهم من ينحدرون من مناطق مختلفة من البلاد، إضافة إلى العاملين في المؤسسات الحكومية أو المنظمات غير الحكومية والجمعيات غير الربحية التي تعمل تحت سيطرة الحكومة. كما يتسنى لموظفي القطاع الخاص أيضاً الدراسة في هذه الدورة.

ويبدو أن اللجوء إلى الأساليب والتطبيقات التعليمية السائدة في الولايات المتحدة الأمريكية من أجل تشكيل الثقافة المهنية للنخبة البيروقراطية الصينية يتناقض مع طموحات الحزب الشيوعي الصيني، الذي يسعى إلى توفير بديل مستقل للرأسمالية الغربية. ولكن في هذا الابتكار على الطراز الأمريكي، لم يتحول أي عضو في الحزب الشيوعي الصيني إلى حصان طروادة لتأييد القوى المطالبة بالديمقراطية. قد يؤثر هذا المسعى لإستنساخ الخبرة الأجنبية على النخبة الجديدة في الصين ويؤدي بذلك إلى الانتقال إلى نظام ديمقراطي. لكن إذا كان "ماجستير الإدارة العامة" (MPA) يعد سلاحاً سرياً بيد الإصلاحيين، فلماذا قدمت الحكومة له الدعم وشجعته بقوة؟

وتتحدد مهمة هذه الدورة، كما شرحتها جامعة تسينغهوا (بكين)، في "الاستعداد لتولي القيادة والإدارة في القطاع العام". وهذا جزء من مبادرة مبتكرة لتحسين جودة الأداء الحكومي. ومع ذلك، وعلى عكس ما يتم في عمل مدارس الحزب الشيوعي والمدارس الإدارية، يتم اختيار المرشحين في هذه الدورة، الحاصلين على درجة البكالوريوس، بغض النظر عن عضويتهم في الحزب الشيوعي أو في التسلسل الهرمي في أجهزتهم الإدارية، أو عن طريق النجاح في امتحان التقديم للدورة.

من المثير للدهشة أن برنامج "ماجستير الإدارة العامة" (MPA) يتم تنفيذه في المؤسسات الأكاديمية التي لعبت حتى ذلك الوقت دوراً هامشياً في تعليم موظفي ومسؤولي القطاع العام. وتستثنى من ذلك المدارس الإدارية المتعلقة بالحزب الشيوعي. كل ذلك يشيرإلى أن البرامج القديمة والجديدة يمكن أن تتعايش لأنها تخدم أغراضاً مختلفة.

لقد حدثت هذه الإنعطافة في التعليم الجامعي في تسعينيات القرن الماضي، في وقت كان التخصص العلمي، وخاصة في المؤسسات ذات الشهرة العالمية، قد شاع في جميع أنحاء العالم، وخاصة في حالة الجامعات البحثية في أمريكيا الشمالية. إن هذا التطابق في المعايير والآراء يفسر جزئياً السبب في قيام الحكومة الصينية في تشجيع هذه الدورات الدراسية في الجامعات، والتي كانت تعتبر حتى ذلك الوقت محايدة وأكاديمية. بالطبع، كان بإمكان "ماجستير الإدارة العامة" أن يجعل البيروقراطية هشة بإعتبارها أفكار أجنبية، ولكن الجانب الأكاديمي فيها، على وجه الخصوص، كان يمكن أن يمنحها الشرعية المهنية اللازمة للبقاء والإستمرار.

قرن من التبادل الجامعي

كان هذا الخيار جزءاً من برنامج أوسع يهدف إلى مواكبة الانتقال إلى اقتصاد السوق في الصين من خلال تعزيز القدرات الفنية، وإستجابة لتوقعات سوق العمل المتنوع والمتطور من الناحيتين الكمية والنوعية. وهكذا، أطلقت حكومة الحزب الشيوعي الصيني موجة من توفير الشهادات المهنية المستوحاة من الولايات المتحدة وومنحت الجامعات مهمة توفيرها مثل : ماجستير إدارة التجارة (MBA) في عام 1991، ثم ماجستير الهندسة المعمارية في عام 1992، و "ماجستير في الحقوق" في عام 1996، و"ماجستير بكالوريوس في التربية والهندسة "في عام 1997"، و"ماجستير في العلوم الزراعية" في عام 1999.

و لم تستثنى  إدارات الدولة من هذه الإجراءات. وتم الاتفاق بين النشطاء الفعالين في الحياة السياسية مثل (اللجنة الوطنية للتنمية والإصلاح، ومجلس الشؤون الحكومية، ووزارة التربية والتعليم، ووزارة شؤون الموظفين) على أن العضوية في الحزب لا يمكن ولا ينبغي أن تكون شرطاً ملزماً للعمل في قطاع الدولة. في ذلك الوقت، لم يبد أي عضو في الحزب الشيوعي إعتراضه على ضرورة تعليم طاقم عمل كفؤ ومحترف.

بدا تعليم إدارة الدولة، الذي طبق في عقد العشرينيات من القرن الماضي في الولايات المتحدة، أسلوباً ناجحاً. ولعبت هذه الدورات دوراً مهماً في الحد من القصور والفساد في إدارات الدولة، خاصة على مستوى البلديات، وتشكلت أولى مبادىء العلوم الإدارية، التي سبقت ماجستير الإدارة العامة، في عام 1914 في جامعة ميشيغان وبيركلي وستانفورد. واليوم، هناك عدة مئات من دورات "ماجستير الإدارة العامة" المختلفة التي لها هدف واحد وهو: تعزيز الرؤية حول الإدارة العامة، والتي أضحت إرثاً سياسياً تاريخياً وإسلوب ديمقراطي لضمان أسس "حكومة القانون"، والفصل بين السلطات، وضمان حرية التعبير و الحريات الأساسية الأخرى.

كيف يمكن لمثل هذا البرنامج أن يغري الحكومة الصينية؟ إن فرض النفوذ الثقافي والرمزي والمبدئي الذي تمارسه الولايات المتحدة على العالم بقوتها الجيوسياسية واللغوية والاقتصادية، ومن خلال وجودها الواسع في مؤسسات التعليم العالي والمؤسسات الأكاديمية الصينية من شأنه أن يزيد من هذا التأثير. وخلال أكثر من قرن من سفر الطلاب والباحثين بين الصين والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الاستراتيجية التطوعية لجذب المواهب العلمية، سمحت للدولة الصينية بالاستفادة من الخبرة المباشرة لأعداد كبيرة منهم. فقد وافق هؤلاء الخريجون من المعاهد الأجنبية على العودة إلى البلاد، وجلبوا معهم الخبرة والمعرفة وشبكات اتصالاتهم.

في حالة خاصة تدور العجلة الوطنية للأفكار، حيث ترسخت دورة الماجستير الأمريكية في الإدارة العامة (MPA)، بطريقة متفق عليها من قبل الجميع وفي جميع أنحاء الصين. وسافر ممثلو الأكاديميين وموظفي وزارة التعليم إلى الولايات المتحدة وكندا وأوروبا في الفترة بين عامي 1990 و 1996 لدراسة أفضل الأساليب الإدارية. وقد أولو اهتماما خاصا لدراسة شؤون إدارة  الدولة، وتحديداً مدرسة ماكسويل في جامعة سيراكيوز، ومدرسة جون ف. كينيدي في جامعة هارفارد، وجامعة كارنيجي ميلون في بيتسبرج، وجامعة كولومبيا في نيويورك. وبعد ذلك، تمت دعوة أساتذة هذه المعاهد إلى الصين لغرض تنظيم برامج التقييم والاستشارة. وقد أتاحت هذه اللقاءات الثنائية الفرصة لفهم الأداء في الخارج وتقييم فعاليته، وتحديد العوامل التي يمكن اكتسابها وتوطينها في الصين. وفي المقابل  كتب بعض أعضاء هذه الوفود ملاحظات داخلية دعوا فيها إلى أن تستخدم الصين دورة الماجستير الأمريكية في الإدارة العامة (MPA).

في عام 1999، وافقت الحكومة الصينية على البرنامج، ودعت أفضل الجامعات لتقديم مقترحاتها. وتم تقديم 24 اقتراحاً للبدء بهذه الدورة كجزء من برنامج تجريبي. وبدأت دورة ماجستير الإدارة العامة (MPA) في أكثر المؤسسات العلمية شهرة بما في ذلك جامعة بكين، وجامعة شينخوا، وجامعة الصين الشعبية، وجامعة فودان في شنغهاي، وهي أماكن تقليدية لتعليم النخبة، وراحت تسعى للحصول على الموارد والقدرة التنافسية بشكل أكثر وغير مسبوق على ساحة المنافسة العالمية.

وتم إنشاء المئات من هذه المدارس في كل مكان على مدى السنوات الخمس عشر التالية. وارتفع عدد دورات MPA من 24 دورة في سنة 2001 إلى 146 دورة في عام 2016، وزاد عدد الخريجين من 1055  في عام 2004، وإرتفع العدد إلى 10476 خلال العشر سنوات التالية. وإجتاز أكثر من 150000 شخص هذه الدورة. ويعد هذا الرقم صغير لو قورن بعدد موظفي الدولة الصينية البالغ 701 مليون شخص. ولكنه بالنسبة لدورة جامعية فهو رقم غير مسبوق. وقد كان هذا الارتباط التعليمي ناجحاً، واستمر نموه في الفروع وعدد المسجلين رغم عدم التشابه بين النظامين الإداريين والسياسيين في الصين والولايات المتحدة.

ويروي تشين وي، خريج جامعة هونج كونج الصينية والأستاذ في جامعة شينخوا:"لقد انجذب الطلاب إلى تجربتي الأجنبية لأن الأفكار والنتائج موجودة الآن في الكتب الغربية". في إطار دورة MPA، كما هو الحال في الولايات المتحدة، يتم أيضاً تدريس سياسة الدولة، والنظرية التنظيمية، والعلوم الاجتماعية، والاقتصاد السياسي، وإدارة الموارد البشرية، والأساليب الكمية، والحقوق الإدارية، وإستخدام النظرية الإشتراكية واللغة الانجليزية وتنمية المناطق وإدارة المدن. ويوضح تشين وي أن:"التحدي الذي أواجهه هو كيفية جذب انتباه الطلاب. ومن أجل تحقيق ذلك، أستخدمت طريقتين: حيث قمت بتدريس الرؤى الأكثر تقدماً. وقدمت العديد من الأمثلة من واقع الحياة. هذه الأمثلة مهمة جداً، وهي مفيدة للطلبة الدراسين في دورة MPA. وأجريت محادثة مع المجموعة حول كل موضوع جديد، وأترك مناقشة الموضوع تدريجياً للطلاب، وأتحدث أن بأقل الكلمات والعبارات."

ستكون هذه الدروس المستندة إلى محتوى وأمثلة أجنبية، عديمة الفائدة بدون دور وسيط، حيث لا يمكن استخدامها في العملية المهنية اليومية للمؤسسات الإدارية الصينية. وبدلاً من الاعتراف بالإختلاف السياسي أو الأيديولوجي، ينبغي على الأساتذة والمسؤولين الإشارة إلى  الفجوة بين النظرية الغربية والممارسة المحلية. لقد أضفوا على البرنامج صبغة صينية وركزوا كثيراً على التعليم والتربية.

ولهذا السبب إدرجت الدراسات الموضوعية على نطاق واسع في جميع دورات "ماجستير الإدارة العامة". إن هذا الأسلوب الذي يعتمد طريقة التدريس القائمة على المحاكاة والتشبيه قد نشأ في كليات الحقوق الأمريكية في أواخر عقد 1880، ثم أصبح محط اهتمام جميع كليات الإدارة في الولايات المتحدة، وأصبحت الآن تتمتع بميزة خاصة في دورات دراسات ماجستير الإدارة  العامة الصينية.

إن إرساء قواعد تعليمية وتربوية لحالة ما واستخدامها في الفصل الدراسي يستلزم إتباع أساليب خاصة. وبدونها، لا يمكن تطبيق الحدث وتغطيته في دروس المحامين والقضاة وفي سياق تعليم العلوم الاجتماعية أو السياسة العامة. إن دراسة الحالة في الفصول الدراسية حول مواضيع تعتبر "حساسة"، مثل عدم المساواة الاجتماعية، والفساد والاختلاس، والمصادرات القسرية، وإعادة التوطين، والتلوث، وخصخصة مصادر الوقود، والبطالة، وعدم الاستقرار، وعدم كفاءة النظام الضريبي وما إلى ذلك. خاصة وإنه من الممكن السماح بمناقشة هذه القضايا لأنها تتعامل مع التعليم في أطر قواعد محددة سلفاً. في الصين، يحدد الموظف أو الموظفة نفسها في سياق بسيط يبدو مهيناً، تم انتقاده في الولايات المتحدة، وبذلك يفتح فضاءاً متناقضاً للحوار.

وهكذا، ففي خلال فصل دراسي في جامعة تشينهوا، طرح النموذج التالي: "إذا واجه مكتب إقليمي نزاعاً إدارياً، فما هو الخيار الذي يجب يولي المكتب له الأولوية: تجنب الفيضانات أم المشاركة في الإجتماعات؟" وطُلب من الطلاب التفكير في سلسلة المراتب الهرمية واتخاذ موقف بشأن الموقف من الأوامر العليا وبين الحاجة إلى التدخل في حدث طارئ وغير مسبوق، مثل خطر الفيضانات بالقرب من نهر اليانغتسي. وانتهت المحادثة بالأسئلة التالية: "ماذا ستفعل لو كنت مدير مكتب إقليمي؟" ماذا سيكون خيارك؟ اشرح الأسباب. هل من الممكن تجنب حالة الارتباك؟. إن هذه الأسئلة وكل الرواية، تقود إلى التفكير في التطبيق المحدد لعملية العمل، وحتى في الطاعة لتسلسل المراتب. وبدون التوجه إلى أبعد من ذلك في التوصية بالتمرد أو المقاومة، فإن هذه الأسئلة تطرح مسألة الحكم الحر والعقل السليم الذي يجب أن يوجه خيارات المسؤولين الإداريين، خاصة عندما يكون المستجيبون هم من ذوي الخبرة ولديهم فهم عميق للوضع على الأرض.

في هذا الوقت، يمكن الإشارة إلى مسألة المناطق المعتمة والغامضة التي كانت موجودة خلال عقود في البلاد، وهي مشكلة خلقها الأداء البيروقراطي والجهاز الحزبي لتجنب إثارة موقف ضد القواعد المعمول بها. من خلال ممارسة لعبة الأسئلة المفتوحة، يصبح من الواضح أن جميع الخيارات مشروعة ويمكن الدفاع عنها ويمكن مناقشتها في الفصل. يتحدث الطلاب دائماً، وبدرجات متفاوتة من المشاركة، عن الصين المعاصرة، لكن كل شيء يسير كما لو أنهم يبحثون في موضوع مجرد. ولكن قواعد هذه العملية تفرض على اللاعبين القائمين بأدوار محددة الأخذ بنظر الإعتبار التفاعل المتبادل للظواهر مع بعضها البعض. إذ يحتوي الإطار المستمر في هذا التبادل على وهم بأن هذه الأدوار يمكن الاستشهاد بها وحتى أنها غير قابلة للتغيير. يقوم المعلم فقط بتسهيل المحادثة، في حين يعبر الطلاب عن آراء مختلفة حول موقف قد لا يعنيهم. يمكن للمرء أن يتحدث عن أي شيء دون الخوف من المبالغة في ذلك ودون أن يستجوبه أعضاء آخرون في المجموعة، والسبب المعقول لذلك هو أن المرء لا يتحدث عن الواقع بشكل مباشر.

ويشار هنا إلى دراسة الحالة عموماً حول "العائدين"، وهو مفهوم ينطبق على جميع الصينيين الذين درسوا في الغرب أو في بلد آسيوي مثل اليابان أو هونغ كونغ لتحمل المسؤولية في الأوساط الأكاديمية وفي التجارة وعادوا إلى البلاد. وبفضل هؤلاء الأساتذة المطلعين على النظريات الغربية، تعد دراسات الحالة من ناحية، جسراً بين الأفكار والتطبيقات الغريبة، ومن ناحية أخرى قدرة الطلاب على فهمها ووضعها في سياق مهني. في الواقع، فإن الكثير مما يتعلمه الطلاب في الفصل الدراسي لا علاقة له بما يستخدمونه في مكاتب إداراتهم. و"العائدون" فقط هم من يمكنهم التغلب على هذا التحول الخطير من خلال معرفة هذين العالمين ومراجعهما ومتطلباتهما.

ويمكن أن تساعد تجربة الترقية الأولى في مواقع المسؤولية على فهم التغيير الحالي في المؤسسات الإدارية الصينية. فالإلهام الذي إكتسبوه من الخارج لا يعد عاملاً في عدم الإستقرار، بل عنصراً أساسياً. إن طلاب ماجستير الإدارة العامة يجعلون هذه التصورات ضرباً من مَلَكة العقل. فالأفكار والقيم مثل المسؤولية ومكافحة الفساد والقدرة التقنية والإدارة الجيدة كلها محفورة في أذهانهم. إنهم يتعايشون بين الثقافة الإدارية السابقة وبين الإطار المجدد والمبتكر. ويسمح لهم ذلك اجتياز دورة الماجستير هذه بالوصول إلى المصادر الخارجية وتحديد مدى الإستفادة منها. وتماشيا مع التحولات السياسية، يمكن زيادة هذا المعدل أو خفضه أو تعليقه مؤقتاً.

إيجاد حركة في العمل

يعلن وانگ بينگ، خريج ماجستير الإدارة العامة:"إن المفهوم التقليدي للإدارة لا يسمح لنا بمواجهة التحديات التي يفرضها المجتمع". في الماضي، كان مواطنينا يذهبون إلى المحكمة في حالة نشوب نزاع. أما الآن فهم على دراية بالوساطة، أي القدرة على حل الإختلافات دون تدخل الدولة، إذ يوفر النفقات في الموارد. لذلك، فإن دورنا ينصب على تغيير عادات الناس بحيث يمكن حل المزيد من الخلافات عبر الوساطة. وكل هذا ممكن فقط من خلال إدخال نظريات جديدة."

ويستطرد وانگ بينگ قائلاً:"بالطبع، لا يمكنني دائماً استخدام كل ما تعلمته. فهذه عملية طويلة. ولكن بفضل المعرفة التي تعلمتها، يمكنني التأثير عبر الممارسة على المدى الطويل الإحاطة بعملي". غالباً ما يستخدم خريجو هذه الدورة كلمة "قدرة" (نينگ باللغة الصينية). في الواقع، تمنحهم الدرجة العلمية قدرة كبيرة على الأداء والأدوات اللازمة للقيام بذلك، وحتى قدرة كبيرة على المدى الطويل (تعني كلمة (نينگ) باللغة الصينية "القدرة" و"المهارة" و "الإذن" وتعني كلمة (لي) أيضًا "القوة" "،"القوة"، و"التأثير"). ويذكر وانگ بينگ أن "النظريات التي تمت دراستها في ماجستير الإدارة العامة (MPA) هي المبادئ التوجيهية لعملي وتغيير العمل الإداري ويساعد على إحداث فرق في الأداء. بعد حصولي على شهادتي، أجبرت موظفي مكتبي على إرسال العديد من الزملاء للدراسة في هذه الدورة. "هذه الدرجة ليست مفيدة جداً للتقدم الوظيفي والتطوير الوظيفي، لكنني أعتقد أنه من المفيد جداً في تحريك عجلة العمل الذي يقوم به الموظفون."

ويسمح الحصول على درجة الماجستير في الإدارة العامة للشباب بتجسيد "الفضيلة" (باللغة الصينية)، وهي إحدى السمات المميزة للأداء الجيد لموظفي حكومة الحزب، ولكن لأسباب لا علاقة لها بالترتيبات الأيديولوجية الشيوعية. ومن خلال قوة رؤية القيم المشتركة، يرى هؤلاء الطلاب أنفسهم مستنيرون وحديثون وقادرون على الجمع بين القواعد القديمة والجديدة. إنهم قادرون على التكيف، على طول الطريق، والتطور مهنياً في نظام الجدارة القائم على الصدق السياسي الذي يعتمد بشكل أكبر على المعرفة والقدرة المهنية. يسعى هذا  النمط من الإدارة الجديدة إلى أن تلعب الحكومة دوراً على جميع الجبهات، لتعظيم فرص التقدم الاجتماعي  مهما كانت العقبات التي تواجه البلاد. هذا النظام جاهز لاغتنام الفرص الذي يعكس ديناميكية التحديث.

 

.................

* أليسيا لو بورتو ليفيبور ALESSIA LO PORTO LEFEBURE عالمة اجتماع، مدرسة الدراسات الصحية العليا المتقدمة (EHESP)، مؤلفة: "مندرين، بيروقراطية صينية أمريكية"، مطبعة العلوم السياسية، باريس 2995.

* صحيفة لوموند الفرنسية

 

 

 

فتحي الحبوبيولا حاجة لها إلى طهوري يعوق تقدّمها

منذ إنتخابه والتونسيون جميعا أو يكادون يلهجون بنظافة يد الرئيس التونسي قيس سعيّد ونقاوته فضلا عن زهده . فهو النزيه، المنزّه عن الأدناس. وهو الجدير بالتنويه والإشادة بطهوريّته، حتّى كادوا يعتبرونه قدّيسا. وهم يردّدون هذه المعزوفة التمجيديّة التأليهيّة المشروخة - صباحا مساء- بشكل ببّغائي، بمن فيهم أغلب المحلّلين السياسيين الذين يخوضون في كلّ شيء، فيما هم لا يفقهون إلّا السطحي من كلّ شيء. بما لا يفيد المتلقّي العادي، فضلا عن ذوي الاختصاص. والسؤال الإشكالي الذي يفرض نفسه للطرح هنا، إنّما هو حول ما إذا أفادتهم هذه النظافة والطهوريّة المزعومة للرجل؟ الذي انخرط هو نفسه في التذكير بها في كلّ مناسبة وفي سياقات غير سياقها، حتّى أصبح يتندّر بها البعض في السرّ والعلن، وباتت من قبيل الحشو اللغوي وفق قواعد الخطاب البلاغي، لا سيّما وهو يفضّل الحديث باللغة العربيّة الفصحى وفي كلّ الاحوال والظروف .علما وأنّ الحشو يفقد الخطاب ميزة الفصاحة لخلوّه من الفائدة. يقول عبد القاهر الجرجاني في هذا الخصوص "... وأمّا الحَشْوُ فإنّما كُرِهَ وَذُمَّ وَأُنْكِرَ وَرُدَّ، لأنه خلا من الفائدة".

لا يجادل أحد في أنّ مزايا اليد النظيفة والطهوريّة والتعفّف مطلوب توفّرها لدى الحاكم. إلّا أنّه لا يجادل أحد كذلك، في أنّها لا تكفي وحدها لتصنع سياسي ناجح. فهي كما يقول الرياضيون "شرط ضروري، لكنّه غير كاف" لقيادة شعب بأكمله والوصول به إلى ساحل النجاة بتحقيق التقدّم الحضاري الذي ينشده. لا سيّما عندما يكون هذا الشعب يعيش أوضاعا صعبة ومآسي بالجملة تتطلّب سرعة المعالجة لأنّها قابلة للاستنساخ والتعقيد والتأزّم يوما بعد يوم، فيما لو يتأجّل إيجاد الحلول الجذريّة لها. لهذه الأسباب، وفي غير ما مواربة - أي بصراحة ووضوح وقناعة ترتقي إلى حدّ الإيمان- فإنّي لا أرى أيّة أهمّيّة لنظافة يد الرئيس التونسي ولا لطهوريّته، بالقياس إلى أهمّيّة المصالح "المقدّسة" للشعب التونسي، بما هي وجوب تحسين ظروفه المعيشية الآنيّة منها وكذا المستقبليّة. كما أنّي لا أرى معنى لأيّة أهميّة للنظافة والطهوريّة المزعومتين في مقابل معاينة الرئيس لانهيار الدولة على طريقة السقوط الحرّ إلى الهاوية، لا بل إلى "الجحيم"- من باب التجوّز في القول - دون ردّة فعل في الغرض، ولا حتّى تحريك ساكن. ثمّ عطفا على الأزمة الحكوميّة الحاليّة التي تعيش على وقعها تونس اليوم، فانّي لا أرى أيّة أهميّة لنظافة اليد والطهوريّة لرئيس جمهوريّة يعطّل السير العادي- في خدمة الشعب- للمرافق الإدارية الحيويّة للجهاز التنفيذي الذي يشرف عليه رئيس الحكومة وفريقه الوزاري، برفضه المتعنّت، مثولهم أمامه لأداء اليمين الدستوريّة، إستكمالا لمشوارمسار تشكيل الحكومة الجديدة بعد المصادقة عليها بالبرلمان. وذلك لمجرّد خلاف شخصي بينه وبين رئيس الحكومة. وهو ما يمثّل خرقا واضحا للدستور وفق رأي جهابذة وأشهر كبار أساتذة القانون الدستوري المشهود لهم دوليّا بكفاءتهم العلمية. فيما هم في نظر الرئيس، في مسعى واضح لتحقيرهم، أصحاب "دور شعوذة كتب عليها دور إفتاء" (1). وقد سوّق الرئيس هذا الخرق باختلاق تعلّات عديدة لا تقوى على الصمود، ثمّ تمترس بصفة خاصّة وراء إتهام نفر قليل من الوزراء الجدد بالتورّط في ملفّات فساد هي في الأصل- إن وجدت- من أنظارالقضاء بمختلف درجات محاكمه، ولا تعود له بالنظر مطلقا.إلّا أن يكون الرئيس يريد أن يحلّ محلّ الجميع، ويصبح الرجل صاحب السلطة الأوحد في تونس كما في الأنظمة الشموليّة سيّئة الذكر. فهو الرئيس، وهو القاضي، وهو الفقيه في القانون ولا أحد له حقّ تأويله سواه، وهو رئيس الحكومة إن لزم الأمر.لأنّ مربط الفرس للصراع القائم بينه وبين هشام المشّيشي رئيس الحكومة كان منطلقه إعفاء وزير الداخلية ووزراء آخرين محسوبين على الرئيس. فهو إذن لا علاقة له بمقاومة الفساد والطهوريّة ونظافة اليد التي اصبحت شعارا فضفاضا لا معنى له في ظلّ فساد مستشري في جميع مفاصل الدولة وغياب المقاومة الجدّية لهذا الغول الذي ليس للرئيس أداوات مقاومته غير الخطب الرنّانة التي مجّتها الاسماع فضلا عن أنّها لا تسمن ولا تغني من جوع. فالفساد لا تقضي عليه الخطب المنمّقة ولا الكلمات. حتّى وإن كانت بليغة وذات سحر وجمال كما جاءت في القصيدة الشهيرة "كلمات" للشاعر العصامي الموهوب منوّر صمادح.

وأخيرا أيّة أهميّة لنظافة اليد والطهوريّة يمكن أن تشحن المواطن بالأمل في غد أفضل، فيما الرئيس يقف موقف المتفرّج من الأحداث الكبرى لبلاده، التي أصابها الضعف والوهن وانحرفت عن مسارها الصحيح، المؤدّي إلى صلابة إقتصادها وسلامة توازناتها الماليّة وانعدام توتّر مختلف قطاعاتها المهنيّة إجتماعيّا.

فلو كانت الصفات الرئاسيّة التي أسلفنا ذكرها كافية لوحدها للنهوض بشعب ما وتحقيق الرفاه له، لأختارت كلّ الدول حكّاما لقيادتها من القدّيسين والأيمّة والشيوخ والفقهاء والملالي أو الرهبان أو نحو ذلك من رجال الدين المشهود لهم بالطهوريّة. وقد أتيحت الفرصة لهؤلاء جميعا عبر فترات تاريخيّة مختلفة فأظهروا -دون استثناء- فشلا ذريعا سجّله لهم التاريخ في صفحاته السوداء. فضلا عن أنّ العودة إلى إعادة التجربة لإنتاج الفشل لا تستقيم بعد قرون من الثورة الفرنسيّة العظيمة التي أنارت العقول المتحجّرة بطبقات التكلّس وتخلّصت نهائيّا ممّن يدّعون إحتكار عباءة الطهوريّة التي لا تنطلي إلّا على من يؤمن بالفلسفة المعصوميّة/ اللاتخطيئية. قناعتي التي لا حياد عنها، أن لا طهوريّة عند البشر، الحامل بين طيّاته لبذرات الخير والشرّ.كما لا قداسة لهم إطلاقا. بما يعني أن لا وجود بيننا على الأرض لملاك طاهر. بهذه الأوصاف المبالغ فيها تصنع الشعوب المتخلّفة- للأسف- من رؤسائها أصناما ثمّ تعبدها كما الآلهة، في محاكاة لما كان يجري في الأزمان الغابرة.

يشهد علي الله ويعلم أقرب الأصدقاء أنّي لا اروم الكتابة في السياسة ولا أفعل ذلك إلّا مضطرّا وفي حالة توتّر قصوى إثر إستفزازي بحدث سياسي مختلف عن السائد مثل ما يجري في تونس اليوم من إنسداد أفق الحلّ السياسي لما عرف بأزمة اليمين الدستوريّة التي أسلفنا فيها القول واالتي تتواصل منذ عدّة أسابيع وتؤشّر بالتأكيد على التصحّر السياسي لمختلف الفاعلين السياسيين الحاليين، وفي مقدّمتهم الرئيس. فهم لم يبلغوا بعد حتّى مرحلة المراهقة السياسيّة لمن سبقوهم. ولا استثني منهم أحدا.

 حيث أنّهم ارتكبوا جميعا أخطاء جسيمة لا تغتفر في حقّ الشعب التونسي منذ فجرالإستقلال. وسيحاسبهم التاريخ عن ذلك مهما سعوا للتستّر عنها ومحاولة تزييفهم للحقائق بكتابتهم للتاريخ في قائم حياتهم. ولعلّ المجال الآن ليس مجال تعدادها، وقد تكون موضوعا مستقلّا بذاته في قادم الأيّام.

ما دعاني إلى إستحضار التاريخ هو أنّ تونس ما بعد الثورة التي بشّرت التونسيين بالحرّية والرفاه وعلّقت عليها آمالا كبيرة لتحقيق ذلك، يمرّ إقتصادها اليوم بأحلك فتراته عبر التاريخ المديد، قديمه وحديثه. حيث سجّلت خلال سنة 2020 نموّا ب(8,8-) بما يعني فقدان حوالي 150 الف موطن شغل وغلق عشرات المؤسّسات. وذلك جرّاء تراكم نتائج السياسات غير الناجعة المتّبعة مع الإتّحاد الأوروبّي إنطلاقا من سنة 1995.والتي إستفحلت بعد الثورة نتيجة لفقدان قيمة العمل وللمطلبيّة القطاعيّة المشطّة التي تميّزها العقليّة القبليّة المقيتة والاستقواء على الدولة على حساب الإستثمار والمصالح الوطنيّة الملحّة وعلى حساب بعض الفئات الهشّة ذات الأصوات الخافتة وغير المسموعة. وأمام هذا الوضع الإقتصادي الخطير يسمح رئيس الدولة لنفسه باحتكار تأويل الدستور على هواه معيقا تنصيب الحكومة الجديدة ومعطّلا للسير العادي لنشاطها.لا بل ورافضا للحوار مع كلّ من رئيس الحكومة ورئيس مجلس نواب الشعب فضلا عن مماطلته للشروع في الحوار الوطني الذي إقترحه الإتحاد العام التونسي للشغل بما لا يعني إلّا الرفض أيضا. إنّي أتساءل في استغراب وإنكار هل هذا هو دوره المفترض؟ وهل هذه مصلحة الشعب التونسي الذي إنتخبه من أجلها؟ إن كان ذلك كذلك، فإنّي أعترف أنّه لم يعد بوسعي إستيعاب الأحداث السياسيّة من هذا القبيل. فهي أقرب إلى ما يدور في مسرح العبث لبيكيت. لا بل هي أقرب إلى السرياليّة.

 

المهندس فتحي الحبّوبي

 

 

صلاح حزامفي اواسط السبعينيات عرض التلفزيون العراقي مسلسل يتناول قصة شخص انهار عليه الجليد في الجبال وبقي مطموراً تحت الجليد مئتي سنة. ثم ذاب عنه الجليد وعادت اليه الحياة وذهب للبحث عن بيته وعائلته ووجد احفاد احفاده وعرف حقيقة ماحصل له، واضطر للعيش معهم .. لكن المشكلة انه كان راعي بقر عندما غمره الجليد وعندما استيقظ جاء الى مدينة جديدة ومجتمع جديد لكنه هو لازال يتصرف بعقلية رعاة البقر.. وتنشأ عن ذلك مواقف طريفة لأن المسلسل كوميدي أصلاً.. حيث يدخل الى الحانة ممتطياً فرسه وهو يحمل المسدس التقليدي لرعاة البقر، وعندما يختلف مع شخص يدعوه للمبارزة في الخارج .. وهكذا من الممارسات المضحكة ..دون ان يدرِك ان هنالك شرطة وقانون وآلية جديدة لفض النزاعات ..

الآن، نلاحظ ان البعض يريد اعادة عقارب الساعة الى الوراء ويعتقدون ان ماكان سائداً خلال الفترة من ١٩٦٨ الى ٢٠٠٣ من سياسات واساليب ادارة في ميادين السياسة والأمن والاقتصاد والعلاقات الخارجية، يمكن ان يعود !!!. يعتقدون ان ذلك فقط هو ما ينفع مع العراق والعراقيين .. (وكأنما هو كان نافعاً في وقته) !!!

يتناسون ان ذلك أطاح باصحابه ودمرهم واطاح بالنظام وبالبلد ككل وسلط عليه ماموجود اليوم من مظاهر سيئة ...

لا يعني ذلك ان ماهو موجود حالياً هو رائع وناجح، ولكنه واقع مرير يرسخ وجوده كل يوم.. واي محاولة للتغيير نحو الافضل يجب ان تتبنى مقاربة جديدة تأخذ الحقائق بنظر الاعتبار.

يظهر اشخاص ويتحدثون بلغة قديمة لم يعد ممكناً استمرارها ابداً..

هنالك فاسدون في المشهد الحالي أسسوا لانفسهم مراكز قوة بالمال والسلاح وشراء الاتباع ومن الصعب اغفال دورهم، وهنالك جزء نزيه من المجتمع يريد التغيير نحو الافضل وهنالك جزء عاش اجواء "الديمقراطية" ويريد ان تتطور وتنضج التجربة.. هنالك قطاع خاص اصبحت له مصالح واسعة ويريدها ان تستمر ..

هنالك مجتمع دولي ودول جوار، لايريد تكرار دور العراق المشاكس والمُزايِد في كل القضايا العربية والعالمية..

هنالك مصالح نشأت في العراق لدول عديدة وتريدها ان تستمر.. العراق لازال تحت البند السابع من عقوبات الأمم المتحدة ولم يخرج تماماً..

هذا الواقع المرير في أجزاء كثيرة منه يحتاج الى سياسة جديدة في التعامل مع العالم الخارجي والداخلي..

نظرية اللباس العسكري (الزيتوني) والحذاء الاحمر والشوارب الكثيفة لم تعد مجدية ومقبولة ..

العراق الحالي بوضعه المعقّد جداً لايمكن ان يديره الجهلة المراهقون ابداً. انها لعبة خطيرة لايجب ان يغامر بالتورط فيها الهواة من الصبية والصبايا !!

تعاطف بعض العراقيين لاسيما صغار السن مع هذا الاتجاه، هو ناجم عن اسلوب رد الفعل الغاضب على ماهو موجود من وضع سيء وهو ناجم ايضاً عن جهل بما كان يحصل في الماضي بحكم السن الصغيرة لهؤلاء ورغبتهم بمجيء من ينتقم لهم من الفاسدين .

لايعلم هؤلاء الصغار ان الفساد كان موجوداً في العراق ولكن بشكل اكثر مركزية ومحدودية حيث يقتصر على جماعات معينة ..

لايعرفون ان من مظاهر الفساد توزيع اموال العراق على جهات خارجية لاحصر لها تحت حجج عديدة منها دعم حركات التحرر ودعم الجهد القومي وغيرها من حجج .

انها كانت تُدفع لتلميع صورة الحكم والحاكم على حساب مصالح وحياة الشعب ..

 

د. صلاح حزام

 

 

 

 

نجيب طلاللا يوجد شي في السياسة يحدث بالصدفة، والانقلاب العسكري الذي حدث في ميانمار من المستحيل ان يكون حدث دون اعداد مسبق، وخصوصا انه هناك تغيير قبل قرابة الشهر في الرئاسة الامريكية والانقلاب الذي حدث في ميانمار لا يمكن ان يكون فجائي من دون اعداد مسبق، لذلك تحركات مثل هذه يجب دراستها وتحليلها وتقييمها لمعرفة ماذا يجرى؟ وما خلف اللعبة؟ وما بين السطور؟ من كلام ممحي!

ميانمار بلد يقع ضمن محيط الصين وتحرك الرئيس المنتخب الحالي بايدن استعجاليا وفي سرعة ملحوظة في بداية حكمه للاهتمام بهذا البلد!؟ ضمن صراع تريده "المنظومة الامريكية الحاكمة" وبايدن الرئيس الحالي هو "الابن المطيع لها" وهو ممثل عنها ومنتوج منها ومعبر عما تريده تلك المنظومة، على العكس من الرئيس السابق ترامب الذي فرض نفسه على منظومة الحكم الامريكية الكلاسيكية، والذي نظر الى التعامل مع الصين من زاويتين: الأولى اقتصادية بحتة والزاوية الأخرى هي ضمن خطابه الدعائي العاطفي الذي يبحث عن شماعة لعدو يخلق المشاكل او سبب يتم القاء اللوم عليه، ولكن من هذه الزاوية وتلك وفأن المسألة عند ترامب انه لا يريد ان يكون "شرطي العالم" وكان ترامب في موقع "الشخصية القومية الامريكية" اذا صح التعبير بعيوبها ومزاياها من منظور امريكي بحت، وكان يريد التركيز على الداخل الأمريكي المتهالك والمتفكك، ونستطيع القول ان ترامب قد واجه الصين اقتصاديا ولكنه كان ضد التوسع الأمريكي !؟ الخارجي ويهتم بالداخل الامريكي ولم يدخل في أي حرب "مستمرة" طويلة وكذلك خلال فترته الرئاسية كانت الأمور غير طبيعية لأن وصوله الى الموقع الرئاسي منتوج رفض شعبي وغضب جماهيري على "منظومة الحكم الامريكية" وترامب كما ذكرنا بالأعلى هو خارج كلاسيكيات ما تنتجه منظومة الحكم من رؤساء وسياسيين، فاللوبي الصهيوني يتحكم بالحزبين وسيضع مصلحة الكيان الصهيوني قبل كل شيء، وبعد خروج ترامب من السلطة اتضح ان هناك عودة لما تريده المنظومة الحاكمة والتي تأخذ الإمبراطورية الامريكية الى الانهيار!؟

حصل في ميانمار "انقلاب عسكري" في بداية تولى الرئيس الحالي بايدن لموقعه الرئاسي ولنلاحظ تفجر الادانات الدولية المعتادة من حلف الناتو والتهديد بعقوبات دولية أوروبية شمال أمريكية وأسترالية !؟ ضد قادة الانقلاب ودعوات الى حظر دولي، ونفس هذه الدول التي هي ضمن خط النظام الطاغوتي الربوي العالمي هي نفسها من صمتت على قتل ديمقراطيات أخرى في مواقع مختلفة في العالم بالحاضر القريب وهي من سمحت في انقلاب عسكري هنا وهناك في الاستمرار في السلطة وقدمت لهم الاعتراف الدولي والمساعدات الاقتصادية وابتعدت عن العقوبات او معاقبة شخصيات تلك الانقلابات المتنوعة، وهي نفس "شلة" الدول بقيادة الولايات المتحدة الامريكية التي صنعت انقلابات عسكرية في ايران العام 1953 ضد حكم مصدق الديمقراطي وتأمرت ضد حكم سلفادور اليندي الديمقراطي، وهي نفس "شلة" الدول التي دعمت  ديكتاتور اسبانيا "فرانكو" صاحب ثاني اكبر مقابر جماعية في تاريخ البشرية ويليه بالمرتبة "صدام حسين" الذي كان مدعوم في الثمانينات من بريطانيا والولايات المتحدة الامريكية لضرب عصفورين بحجر واحد الأول هو ضرب الشعوب العربية القومية والثاني هي الجمهورية الإسلامية المقامة على ارض ايران، الى ان اختلف "صدام حسين" معهم واتت اكذوبة "أسلحة الدمار الشامل" كحجة لغزو العراق وتدميره كدولة ومجتمع وهذا ما حصل وتحقق.

هذه "الشلة" من الدول في خط النظام الطاغوتي الربوي العالمي ليست المسألة عندها هي ديمقراطية مفقودة او حقوق انسان سليبة او نضال رومانسي من اجل حرية!؟

فهؤلاء "الذئاب" لا يركضون عبثا بدون سبب ولا ينادون في الحرية والديمقراطية ألا لأن هناك شيء ما وراء السطور، ولأن هناك أشياء خلف الأعشاب الطويلة من أمور واحداث واهداف تخدم هذا النظام الطاغوتي الربوي العالمي و"شلة" دوله.

رئيسة وزراء ميانمار المقالة "اونغ سان شي" والتي تم إخراجها من مواقع السلطة بواسطة الجيش الميانماري، هي شخصية لها علاقة طويلة مع الغرب "الليبرالي"، وهي التي تم اعتبارها من هذا الغرب

 ك "ايقونة حقوق الانسان"!؟ هي نفسها من ايدت المذابح الجماعية ضد مسلمين الروهينجا وطردهم من ماينمار، وهي ذاتها من ساندت تصرفات الأجهزة الأمنية الميانمارية وممارسات القتل الجماعي والاغتصاب الجنسي للنساء وعمليات التطهير العرفي والقتل على الهوية الدينية، وممارسات التعذيب والقتل خارج نطاق الحكم القضائي، وهذا كذلك تم في عهد توليها المسئولية السياسية.

رئيسة الوزراء المقالة "اونغ سان شي" الحاصلة على جائزة نوبل للسلام !؟ من الغرب ايدت كل هذا؟

هل المسألة عند النظام الطاغوتي الربوي العالمي هي الحفاظ على حقوق الانسان !؟ بقيادة "اونغ سان شي" ام ان هناك امر اخر؟ وموضوع مختلف؟

لنلاحظ أمور مهمة حدثت بعد الانقلاب العسكري للجيش الميانماري ومنها ان "الصين" خرجت في تصريح جامد لا يأخذ جانب أي طرف.

وكذلك استقبال قائد الانقلاب الحالي "مين اونج هلينغ" لوزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قبل حدوث الانقلاب وكذلك استقبل وزير الخارجية الصيني.

وعلينا ان نعرف كذلك ان علاقة الروس مع الجيش الميانماري ليست علاقة جديدة او طارئة او حدث عابر، وكذلك علاقة ميانمار "الدولة" و"الجيش" مع الصين فيها تفاصيل، ستجعلنا نقرأ الحدث بواسطة عين النباهة القرأنية بعيدا عن الاستحمار الشيطاني.

الروس لديهم علاقات متميزة مع الجيش الميانماري من خلال صفقات السلاح المستمرة المتواصلة، وكذلك التدريب العسكري للضباط الذين جزء كبير منهم يتحدث اللغة الروسية بطلاقة.

والصين وروسيا كذلك منعا تحرك او استغلال الأمم المتحدة عبر حق الفيتو فيما يختص الانقلاب العسكري في ميانمار.

أهمية ميانمار هو وجودها ضمن الجغرافيا المحيطة في الصين، وهي ضمن خط وصولها الى المحيط الهادي في السنوات الأخيرة، حيث أبرمت الصين صفقات تطوير، بما في ذلك خطط لبناء خط قطار يربط أراضي الصين الواقعة غربًا إلى المحيط الهندي، واتفاقية تطوير ميناء المحيط الهندي إلى مركز شحن مزدحم، وهذا من الواضح هو سر الاهتمام الأمريكي بها منذ عهد الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، وهو العهد الذي انطلقت منه مسألة "نقل الاهتمام الامبراطوري الأمريكي" الى الشرق الأقصى أي "الصين" وروسيا وهو الامر الذي تم "لخبطة" التحرك فيه في عهد ترامب وتمت إعادة العمل بها بعد تنصيب بايدن.

ومن هذا كله نستنتج أهمية ما قالته وزيرة الخارجية الامريكية آنذاك "هيلاري كلينتون"، حين وصفت ميانمار ك "جزء من استراتيجية أكبر"!؟ وكذلك لكي نعرف سبب زيارة باراك أوباما الرئيس السابق لهذا البلد.

في تفاصيل النظام الحاكم وطبيعة التاريخ الميانماري إذا صح التعبير هناك فترتين للحكم، الأولى عسكرية بحتة امتدت الى نصف قرن وبعدها فترة ديمقراطية ذات طابع ليبرالي امتدت الى عشرة سنوات توقفت مع الانقلاب العسكري الحالي.

ولكي نفكر بعقولنا علينا ان نعرف ان "مؤسسة الجيش" حتى في فترة الحكم الديمقراطي العشارية السنوات في ميانمار كان لهذا الجيش ممثليه في البرلمان، والسؤال المطروح هنا لماذا هذا الانقلاب حدث؟ والجيش نفسه لديه نفوذ وهيمنة في ظل هذا النظام الديمقراطي، فعلى مستوى السيطرة والاستفادة والهيمنة، فأن الجيش مشارك ولديه "قدرة" و"قرار"

 فماذا حدث؟ وماذا جرى؟

لنلاحظ ان فترة الحكم الديمقراطي العشاري السنوات في ميانمار، ازداد داخل هذا البلد نفوذ الولايات المتحدة الامريكية، ومع ظهور بايدن في السلطة جرى تحرك الجيش؟

هل هو تناقض" صيني" "امريكي" على ارض ميانمار؟ هل هو توظيف" أدوات" ضد "أدوات"؟ ام هو تحرك احترازي من قبل الجيش لوقف أي تحرك عدائي من إدارة بايدن؟

ردة الفعل الامريكية على هذا الانقلاب "الطارد لنفوذها" في ميانمار هو تحريك قيامها بتحريك مواقع قوتها المتواجدة داخل ميانمار، وهنا نلاحظ تحريك "ثورات الألوان color revolution كردة فعل على الانقلاب العسكري، وتم استخدام نفس كلاسيكيات ثورات الأوان التي كان يتم تدريبها لعملاء وجواسيس الولايات المتحدة الامريكية في معهد ألبرت اينشتاين التابع ل "جين شارب" المؤسس لثورات الألوان.

وضمن الواقع الداخلي الميانماري هناك إمكانية كبيرة لتوظيف أطراف كثيرة مسلحة ضمن صراع عرقي ديني مناطقي موجود بالأساس هناك، وهو صراع متداخل على ارض ميانمار، وماذا لو اذ قررت الولايات المتحدة الامريكية شن حرب عسكرية بالوكالة وتوظيف مليشيات مسلحة ضد السلطة العسكرية الحالية المرتبطة مع النفوذ الصيني؟

في الجمهورية العربية السورية تم تفعيل ثورات الألوان هناك وحين استوعبتها الدولة بنجاح ولم تجد لها امتداد شعبي يستطيع اسقاط الدولة هناك، قام حلف الناتو والصهاينة في تسليح عملائهم وجواسيسهم من كل انحاء العالم، فهل سنشاهد تكرار للسيناريو السوري مرة أخرى في ميانمار؟

اذن هناك احتمالات كثيرة؟ فماذا سيحدث؟ وماذا سيجري على ارض الواقع الميانماري في المستقبل؟

هذه أسئلة تحتاج الى إجابة وسنستطيع الإجابة عليها إذا عرفنا تفاصيل كاملة بادين مع الرئيس الصيني "شي جين بينغ" التي تم الإعلان عنها والتي أيضا استمرت لمدة ساعتين حسب تصريحات وسائل الاعلام !؟ وهذه التفاصيل والمعلومات تحتاج الى جهاز استخباراتي وحالة جاسوسية احترافية تخترق الصين او الولايات المتحدة الامريكية ومؤسساتهم لكي تزودنا في التفاصيل والمعلومات ونصوص المحادثة الهاتفية.

وهذا الجهاز الاستخباراتي وذاك الاختراق الجاسوسي ليس متوفر لدى كاتب هذه السطور بطبيعة الحال، فالمعرفة والمعلومات مفقودة التي ان عرفناها وكشفناها فمن خلالها ستتضح الأمور ونستطيع استنتاج و"كشف" عما هو متوقع ان يحدث في المستقبل.

الا إذا قرر أحد أطراف المحادثة التلفونية الطويلة تسريب ما جاء بها او نشر ما تقرر فيها؟

هل حدث توافق امريكي صيني او ازداد التناقض؟ هل جرت تفاهمات؟ هل تمت مقايضات سياسية في منطقة جغرافية في العالم مقابل منطقة أخرى؟

الإجابة لا اعرف.

ولكن ما وصلت اليه ان ما حدث في ميانمار هو محطة في صراع الأقطاب، وهو صراع امبراطوري امريكي ضد النفوذ الصيني والروسي، وما التحرك السريع بعد تنصيب بايدن الا دليل، ولندع التواريخ الرسمية تتحدث؟ كما جعلنا الاحداث والمنطق وقراءة التاريخ تكشف لنا رقعة شطرنج "صراع الأقطاب" الحاصل في ميانمار وهي محطة أولى من محطات قادمة.

 

د. عادل رضا

كاتب كويتي في الشئون العربية والاسلامية

 

محمد سعد عبداللطيفتطورت جغرافية الصراعات المادية والجيوسياسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وظهور التحولات في طبيعة الصراع الأهلي والنظام العالمي إلى ثلاث فترات صعبة .

 تبدآ من عام 1946م إلی إنهیار الإتحاد السوفیتي وسقوط حاٸط برلین في نهاية الربع الأخير من القرن المنصرم (الحرب الباردة)، ومرحلة ما بعد الحرب الباردة ونظام العولمة وتتطلع الصين إلي الصعود كقطب منافس للولايات المتحدة مع إحياء مشروع طريق الحرير الجديد وهيكلة الصين للعالم جيوسياسيا.

ففي الماضي شيدت الصين سورها العظيم من أجل الإنعزال عن العالم، وهو تصور دفاعي قديم يلخص فلسفة هذا البلد العملاق من أجل الحفاظ على قيمهٌ وأمنهٌ في مواجهة الآخر.

 لكن الآن تشيد الصين أكبر جسر تجاري في العالم يجعلها تتبوأ التجارة العالمية في وقت تتراجع فيه الولايات المتحدة وتتبنى مفهوم السور المغلق مع إدارة ترامب السابقة فالصين التي شيدت أكبر سور قديماً الأن تشيد أكبر جسر تجاري عالمي يربط حوالي 70 دولة وتعود الصين إلى تراثها وتاريخها من أجل منح نفسها مكانة في مسرح جيوسياسي بإحياء هذا الطريق في وقتنا الراهن ويكون «طريق الحرير» الذي يعد بداية نهاية الهيمنة الغربية على العالم،ولكن الأهمية الاستراتيجية والموقع الجغرافي المهم لبحر الصين الجنوبي يعتبر ممر مهم عالميا حيث يعبر منة نصف التجارة العالمية إن النزاعات الإقليمية في المحيط الجغرافي للصين وخاصتاً النزاع الحدودي بين الهند والصين في إقليم (دوكلام) أخذ شكل من المواجهات العسكرية بعد أن ظل نصف قرن مناوشات بالعصا والأيادي ليعيد عام 1962م الي الذاكرة بهزيمه الهند .

 إن الوضع في هضبة التبت والحدود الشاسعه التي تتجاوز 4000كم خلقت صراع في مملكة( بوتان) الحدودية المشكلة الرئيسية الآتية.

 كيف ساهمت موارد الطاقة في بحر الصين الجنوبي والجيوبوليتيك في تحديد طبيعة التّفاعلات السّياسية ضمن هذا النّطاق الجغرافي المهم في الخريطة العالمية في بحر الصين الجنوبي؟

فالدول في هذا المحيط الإقليمي التي تعد 9 دول تتنافس للسيطرة على البحر بسبب وجود إمكانات نفطية وغازية في أعماقه تؤهّله ليكون موازياً للخليج العربي من أهمية أقتصادية وسياسية وسياحية، والصراع الصيني مع دول الجوار علي أحقية الصين في الإستحواذ علي حوالي 80% من مساحة المياه الإقليمية للبحر.

 تعتمد الصين علي القرائن الجغرافية في ذلك الحق، وإصطفاف الهند مع الولايات المتحدة ضد الصين يجعل النزاع الحدودي يأخذ شكل أخر في دولةبوتانأو ماتعرف بدولة السعادة . تخلق وضعا جديدا بين صراع القوة الصاعدة في النظام العالمي الجديد .

إن مملكة بوتان التي تقع في هضبة التبت أشعلت ملف النزاع الحدودي الملتهب بين الصين والهند في الماضي القريب في ستينيات القرن المنصرم،والذي ينفجر من حين لآخر سبباً من ضمن أسباب التوتر المستمر في العلاقات بين البلدين، والذي أدى إلى انفجار الوضع بينهما العام قبل الماضي بعد أن تدخلت قوات الحدود الهندية لإيقاف المهندسين الصينيين عن الاستمرار في بناء طريق في منطقة «دوكلام» التي تتنازع عليها "مملكة بوتان والصين." مع صعود التنين الصيني في الصراع العالمي كقوة اقتصادية وسياسية تفرض نفسها البديل عن الولايات المتحدة بعد جائحة كوفيد 19 كقطب منافس وفرض الأمر الواقع علي الأرض مع مشروع طريق الحرير الجديد، والصراع أو الحرب الغير مٌعلنة مع أمريكا أو ما يعرف بالحرب التجارية .

تحاول الاستخبارات الامريكية فتح ملفات شائكة جيوسياسية مع منافس صاعد موالي لسياسات الولايات الأمريكية مع جيران للصين وجعلها مناطق صراع وتوتر في العلاقات وخاصتاً مع "فوتين نوويتين" وأكبر عدد من الديمٌغرافيا في العالم كذلك باكستان التي انحازت اخيراً للصين بعد تخلي السعودية عن مساعدتها في قرض مالي جاءت الصين تعرض مساعدتها لباكستان العدو للهند، والوضع في شرق الصين من المسلمين وزعزعة نسيج المجتمع الصيني تلعب امريكا في خلق دور للإسلام السياسي في المناطق الإسلامية ضد الايدولوجية للصين ..

من المعروف أن الهند تدعم مطالبات «بوتان» في هذه المنطقة القريبة، وقد آوت الزعيم الروحي لهضبة التبتإن الأرض الهندية المتنازع عليها تعرف باسم «رقبة الدجاجة»،

ولكن منطقة «دوكلام»، ظهرت مرة أخرى كموضوع للنزاع بين البلدين، وذلك عندما واصلت الصين الإجراءات الرامية إلى تعزيز وجودها، وقدراتها الدفاعية في هذه المنطقة،وبدأ صراع التسلح في بناء قواعد جوية وعسكرية علي طرفي حدود النزاع، ومع دخول الهند عضو في تشكيل المجموعة الرباعية

 التي تتكون منها، ومن الولايات المتحدة الأميركية، واليابان، وأستراليا، والدول الأربع في المجموعة تشعر بنفس القدر من القلق تجاه الصعود الصيني.

 كما أن الصين ترى من جانبها أن هذا التجمع الرباعي يضر بمصالحها، وأنه قد أنشئ في الأساس من أجل احتواء نموها ممايجعل الصراع قائم وكذلك وجود صراع القوى الإقليمية في بحر الصين الجنوبي فإن للولايات المتحدة الأميركية لها مصالحها (جيوبوليتيكية) في هذا البحر باعتمادها الأساسي في حرية الملاحة فيه للسفن الأميركية التّي تجوب نطاقه لأغراض تجارية وعسكرية إضافة إلى تأمين السفن دون تحويل هذا البحر إلى مجال حيوي للمصالح الصينية فحسب هذا فضلاً عن الرغبة في توظيف نقاط الضّعف الجغرافية فيه عبر التّحكم في المضائق التّي تحيط به سواء من طريق نشر القواعد العسكريّة، أو من طريق التّحالف مع القوى الصّديقة لأميركا المطلّة عليه.

لذلك من المعروف أن الهند قد عملت بسبب تنامي الطموحات الصينية على توطيد أواصر العلاقات بينها وبين الولايات المتحدة التي تنظر إلى الهند كدولة يمكن أن تكون قادرة على مواجهة، واحتواء الصين.

فليس هناك مقارنة بين الصين والهند من صراع القوة فالصين ناتجها القومي بالنسبة لناتج الهندي خمس أضعاف الناتج الهندي كذلك القوة العسكرية.

فعلى سبيل المثال، تدعي الصين ملكيتها لولاية (أروناشال براديش) الواقعة شمال شرقي الهند بكاملها، وتعتبرها جزءاً من أراضيها، وفي الوقت الذي تندلع فيه النزاعات الحدودية بين البلدين من وقت لآخر إلا أن البلدين توصلا في عام 1962م بعد الحرب الي هدنة بعد مؤتمر باندونج لدول عدم الإنحياز الي تهدئه الاوضاع فقط ولم تستطيع حل النزاع،وفي التسعينيات من القرن المنصرم إلى قرار بعدم السماح لتلك النزاعات حول الحدود بالتأثير على المجالات الأخرى في منظومة العلاقات بينهما، وهو ما كان له تأثير في نمو العلاقات الاقتصادية بين البلدين إلى الدرجة التي باتت فيها الصين أكبر شريك تجاري للهند.

ومع ذلك يمكن القول إن اشتعال الوضع في «دوكلام»، يُعد واحدة من أكثر الأزمات الحدودية التي نشأت بين البلدين من حيث درجة الخطورة، ومع أن الهند قد أعلنت حينها أن النزاع قد جرى حله إلا أن المحللين خلصوا إلى أنه لم ينته بعد بدليل أن نيودلهي مازالت تصر على أنه من الضرورى عدم تغيير «الوضع القائم» فى النقاط الحساسة على الحدود بين البلدين.

 في حين تٌصر الصين على تحسين البنية التحتية في هذه النقاط.

يمكن القول مع ذلك إن أنشطة الصين على أرض «دوكلام» تدل على مدى ثقة الصين بقوتها الآخذة في التعاظم في آسيا، كما يمكن أن تكون رد فعل من جانبها على التقارب الهندي- الأميركي، ومع كل ذلك اين نحن العرب من الهيمنة الصينية من الجيوسياسية للعالم ؟

 

 محمد سعد عبد اللطيف

كاتب مصري وباحث في الجغرافيا السياسية

 

قاسم حسين صالحلفت انتباهي ان العراقيين لديهم اقترانات عن بعضهم بعضا. مثلا (المصلاوي والبخل، البصراوي وخفة الدم، الكوفي والغدر، الشروكي – العمارتلي بشكل خاص- وقلّة الذوق، الدليمي والفطاره).

هذه نسميها، نحن السيكولوجيون، صورا نمطية تاخذ شكل قوالب تعميمية جاهزة نستخدمها دون تفكير، ومشكلتها أنها تتحكم بسلوكنا دون أن ندري.تأمل ذلك حين نقول لك ان فلانا من قبيلة شمّر مثلا، او ياسري، زوبعي، تكريتي، ناصرية.. فانك تستحضر في الحال وصفا او حالا.

ولان من عادتي استطلاع الرأي في ظواهر اجتماعية كهذه.. اليكم نماذج من اجابات ممتعة وأخرى ساخرة، شارك فيها اكاديميون واعلاميون.

* الصور النمطية موجودة في مجتمعات كثيرة الا ان ما يتداول في العراق منذ سنوات مقترن بالنظم السياسية التي تعمل على بث الفرقة والسيطرة كما حدث في ثمانينات القرن الماضي حيث توجهت الحكومة ببث النكات والصاق الصفات السيئة باهل الناصرية والاكراد وعشيرة الدليم.

* انا وجدتها في شعوب اخرى ولكن طريقة الطرح تعتمد عندها على المزاح والملاطفة بعيدا عن العنصرية فيما العراقيون يستخدمونها للتقليل من شان الاخر.

* سمعنا عن بخل المصلاوي وطيبة البصراوي، وعن الدليمي واهل المضايف، وعن الشروكي الوكاحة مع التخلف.. هي سمات جرّبها الاخرون وتكررت عبر الزمن فاصبحت ملازمة توصيفية لسكان تلك المحافظات. اما اسبابها فهي الحيف والظلم.واورد هنا مثلا عن وكاحة وتخلف اهل العمارة (الشروكيه). لقد عانوا من ظلم الحكومات الملكية والاقطاع فلجأوا للعاصمة بغداد فساروا في المدينة تائهين ماذا يفعلون، واين يسكنون، وماذا يأكلون، فاشتغلوا عمّال خدمة.. كنّاس، زبّال، وحمالة وصّناع مقاهي.. فتولدت لديهم الحمية المصحوبة بالعنف، فكرههم الناس وصاروا يطلقون عليهم شروكيه متخلفين.لدينا مشكلة جدا كبيرة في المجتمعات العربية وهي موضوع التعميم يقولون لك فلان من هذا البلد يقول لك كذا وكذا، تقول له لماذا تقول هذا، يقول لك هم كلهم هكذا.

* اتهام الكوفي بالغدر له علاقة بتأخر اهل الكوفة عن نجدة الأمام الحسين، والبعض الآخر له علاقة بالتفرقة (فرّق تسد) التي مارستها الحكومات والأحزاب ضد مجموعة من الناس كما حدث مع أبناء الناصرية الكرماء والصاق التهم بهم من قبل النظام السابق بعد الأنتفاضة الشعبانية.

* كلامك لا يعمم على الجميع فكل شخص وما تربى عليه,ولا يوجد على الأرض مثل العراقي في شجاعته ونخوته، لكن الظروف التي مر بها جعلته يقّصر في بعض صفاته الحميدة التي لا يمتلكها غيره، والدليل برنامج الصدمة، ترى العراقيين هم السباقون في الخير.

* العراقيون عندهم طبع الشمولية في الحكم، بمعنى حادث لشخص من عشيرة معينه يطلقونه على كل العشيرة، وتتوارثه الأجيال فيكون صفة لازمة لهم.

* على الرغم من انها موجودة عند كل الشعوب الا ان لها مذاق خاص لاذع عند العراقيين، وغالبا ما تقدح نار الكراهية والحقد على شكل صراعات مدمرة وهذا ما يميز مجتمعنا.

* للأحداث التاريخية اثر بالغ في صنع السلوك الذي ينتقل عبر الأجيال، خذ مثلا ما تعرضت له الموصل من حصارات عبر تاريخها سبب لأهلها مجاعات قاتلة انعكست على سلوكهم، اما المناطق المحاذية للصحراء فقد اتصف افرادها بالسلوك العفوي الذي يقترب من الفكاهة .حدثني احد الاصدقاء الذي يعيش قريبا من الصحراء ان مجموعة من الأشخاص اجتمعوا لردم حائط آيل للسقوط فسقط على احدهم يدعى( حمد) وبحزامه (مكوار)فانكسرت رجله، وحين تم انقاذه صرخ قائلا( بشروني المكوار خوا ما انكسر!).

* موضوعك واقع نعيشه لا اعلم هل هو بسبب جهل الناس او العادات القديمة، ياريت نعرف منك استاذ.

اجابات ساخرة

* يجب ان نتخلص منها، يعني اقول له آني شمري يقول شتقربلك شهد الشمري؟ اقول له آني عمارتلي يقول انتم همج معدان.. وانا لا اقرب لشهد الشمري ولا معيدي بس المقابل رتّب هاي الصور المنتشرة في المجتمع على فلان وفلان.

* شمر يعني اولاد عم الجبور هذا اللي اجه ابالي، ياسري تذكرت المخرج فيصل الياسري، زوبعي تخيلت اعصار تورنادو!

* اذا ما تتغدى يمنه ندزك للرسول تتغدى يمه.. بالحرام لازم اتغدون- دليمي!

التحليل:

حين تكون السلطة بيد طائفة احتفظت بها أكثر من ألف عام، لها مذهب يختلف أو يتعارض مع مذهب طائفة أخرى، فان الطائفة الثانية تتهم الأولى بـ:"الاستبداد، والاضطهاد، والجلاّد"

وتضفي على نفسها صفات: "المظلومية، والمحرومية، والضحية". ولأن "الضحية" تكون مشحونة بالشعور بالحيف، فانه يحرّضها للآنتقام من "الجلاّد".. فيتطور الحال الى انتقام متبادل).. وهذا ما حصل في العراق بعد التغيير.

ولأن التحريض الطائفي هو دافع ناجم عن (التعصب)، فان علينا أخذ فكرة علمية عنه نختصرها بأن التعصب يعني اتجاها سلبيا غير مبرر أو عدائيا نحو فرد أو جماعة، مصحوبا بنظرة متدنية وحكما غير موضوعي، قائم على أساس العرق أو الدين أو الطائفة أوالجنس.. .

كل ما ورد في اعلاه ينشأ (الصور النمطية Stereotypes) التي تعني: تعميمات غير دقيقة يحملها الفرد بخصوص جماعة معينة لا تستثني أحدا منها، تكون اما إيجابية يضفيها على نفسه وطائفته، أو سلبية يضفيها على الطائفة الأخرى. والصور النمطية (Stereotypes) - مستعارة من عالم الطباعة وتعني القالب الذي يصعب تغيره بعد صنعه - تكون مؤذيه لثلاثة أسباب:

الأول: إنها تسلب قدرتنا في التعامل مع كل عضو في الجماعة على انه فرد بحد ذاته. فحين نحمل صورة نمطية عن جماعة، فإننا نميل إلى أن نتعامل مع كل عضو فيها كما لو كان شخصاً يحمل كل صفات الجماعة، بغض النظر عما إذا كان هذا الشخص يحمل تلك الصفات أم لا.

الثاني: إنها تقود إلى توقعات ضيقة بخصوص السلوك. فصورنا النمطية تقودنا إلى أن نتوقع بأن أفراد جماعة معينة سيتصرفون جميعهم من دون استثناء بطريقة معينة.

والثالث: إنها توجّه فكر صاحبها نحو عزو خاطئ، فيعزو الصفات الإيجابية إلى شخصه والى جماعته التي ينتمي إليها، ويعزو الصفات السلبية إلى الجماعة الأخرى التي يختلف عنها في القومية أو الطائفة أو الدين، ومنها ينشأ التعصب الذي يؤدي في حالة حصول خلاف أو نـزاع بين جماعته والجماعة الأخرى الى أن يحّمل الجماعة الأخرى مسؤولية ما حدث من أذى أو أضرار، ويبرّئ جماعته منها، حتى لو كانت جماعته شريكاً بنصيب اكبر فيه، وما حدث بين (2006 و2008) في العراق يؤكد ذلك.

تنبيه.. لندري بما لا ندري!

الذي لا ندري به أن الصور النمطية تعمل فينا وتقرر سلوكنا بنشاط تلقائي (أوتوماتيكي). تأمل ذلك في العراقيين عندما يتعّرف أحدهم على شخص يقول له انه من: قبيلة شمّر مثلا، أو زوبعي، ياسري، تكريتي، بصري، عاني، كوفي، أو مصلاوي.. .، فأنه يتصرف معه بطريقة معينة، حتى ليصبح الأمر في تصنيفهم للناس على أساس: (المدينة، أو العشيرة، أو الجنس، أو العرق...) يشبه عملية قيادتهم للسيارة.. أعني عملية تلقائية أو تعودية، تعمل على مستوى يكون خارج درايتنا به.

والذي لا ندري به أيضا، أن الصور النمطية تعمل ترابطات أو اقترانات وهمية بين أحداث أو موضوعات غير موجودة في الواقع، تدفعنا الى أن نعمل استدلالات نبني عليها أحكاما غير دقيقة . خذ، مثلا، الترابطات أو الاقترانات الوهمية التي ذكرناها عند: (المصلاوي والبخل، البصراوي وخفة الدم، الكوفي والغدر، الشروكي- العمارتلي بشكل أخص- وقلة الذوق، الدليمي والفطارة..).

الجماهير.. هي المشكلة

في كتابه (سيكولوجيا الجماهير) ينبهنا (غوستاف لوبون) بقوله: "أن الجماهير لا تعقل، فهي ترفض الأفكار أو تقبلها كلاّ واحداً، من دون أن تتحمل مناقشتها، ومايقوله لها الزعماء يغزو عقولها سريعاً فتتجه إلى أن تحوله حركة وعملاً، ومايوحي به إليها ترفعه إلى مصاف المثال ثم تندفع به إلى التضحية بالنفس". ويضيف بان "الجماهير حتى لو كانت علمانية، تبقى لديها ردود فعل دينية، تفضي بها إلى عبادة الزعيم، والخوف من بأسه، والإذعان الأعمى لمشيئته".

واضافة اخرى ذكية من عالم الاجتماع السياسي (جيرارد) بقوله "ان التعصّب يكون معدياً في المجتمعات المحبَطة، وأن الفرد الذي يفتقد الفرصة الإيجابية قد يجد في الجماعات المتعصِّبة بديلاً من الممكن أن توفر له وظيفةُ ما، ومكانةً ما، ودوراً ما"، تشكل جميعها معملا لصناعة الموت.. وهذا ما حصل لدى جماهير الشيعة تحديدا حين غزاها حزب الدعوة في 2005ورفعوا نوري المالكي الى مصاف (مختار العصر) ومنحوه اعلى الأصوات في الأنتخابات التشريعية.والمشكلة ان وسائل الأعلام، الفضائيات العراقية التي تجاوزت الخمسين، منشغلة بمحللين سياسيين يصفون ما يجرى فيما علماء النفس والأجتماع مغيبون مع أنهم يشخصون العلة ولديهم القدرة على أن يجعلوا الناس يدرون بالذي يتحكم في سلوكهم وهم لا يدرون!.

*

أ. د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 

 

معراج احمد الندويالدولة هي مجموعة من الأفراد يمارسون نشاطهم على إقليم جغرافي محدد ويخضعون لنظام سياسي معين يتولى تدبير شؤونهم، وتشرف الدولة على أنشطة سياسية واقتصادية واجتماعية تهدف إلى تقدمها وازدهارها وتحسين مستوى حياة الأفراد في المجتمع، الدولة تجمع إقليمي مرتبط بإقليم جغرافي ذي حدود معينة تمارس عليه الدولة اختصاصاتها، وهذا التجمع الإقليمي يعامل كوحدة مستقلة في السياسة الدولية.

إن مفهوم الدولة أكثر اتساعا من الحكومة حيث أن الدولة كيان شامل يتضمن جميع مؤسسات المجال العام وكل أعضاء المجتمع بوصفهم مواطنين، وهو ما يعني أن الحكومة ليست إلا جزءا من الدولة. أي أن الحكومة هي الوسيلة أو الآلية التي تؤدي من خلالها الدولة سلطتها وهي بمثابة عقل الدولة.

احتلت الدولة مكانة هامة في الفكر الإنساني قديما وحديثا. ومن خصائص الدولة أنها تتأسس على نظام مدني من العلاقات التى تقوم على السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة في الحقوق والواجبات والثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة.     

والديمقراطية هي نظام سياسي واجتماعي يكون فيها الشعب هو مصدر السيادة والسلطة. الديمقراطية تجعل من الشعب في نفس الوقت حاكما ومحكوما وتضمن التوليف بين السيادة والمواطنة. والديمقراطية تقوم أساسا على إسناد السيادة أو السلطة العليا للأمة أو الشعب وهذا يعني أن الكلمة العليا في جميع النواحي السياسية إنما هي للأمة أو الشعب.

 توجد الديمقراطية حينما يكون الشعب في الجمهورية جسدا واحد. تحترم الديمقراطية الحريات الفردية وتعطي الحقوق كاملة بالنسبة الى المعارضة السياسية وتعمل على طرد الديكتاتورية دون رجعة سواء تعلق الأمر بشخص أو بحزب، فالديمقراطية قوة هائلة في تحريك المجتمعات الإنسانية، فهي أرضية خصبة لكي يعي الناس مكانتهم وحقوقهم وواجباتهم وتحقيق مصيرهم.

إن الديمقراطية تعني حكم الشعب نفسه وبنفسه ولنفسه. وهذا التعريف الكلاسيكي تطور وتنامت ديناميته مع تطور وازدهار حركة المجتمعات البشرية، لكن الأسس والمبادئ التي أقام عليها هذا المصطلح بنيانه الفكري والعملي كالحرية والعدالة والمساواة، والمساواة السياسية لا تعني أن الجميع يحكم، ولا يعني التنازل عن جميع الحقوق، وأن السلطة النهائية تعود إلى الشعب.

تستلزم الديمقراطية توسيع المشاركة في المجال السياسي والشأن العام وفي صنع القرار في ظل دولة القانون والدستور والمؤسسات، كما تستلزم الديمقراطية تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين واحترام حقوق الإنسان وحرية التعبير وفقاً لما جاء في مختلف الاتفاقيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

الديمقراطية ترى أنه لا مناص من تطبيق المساواة بكافة أبعادها على أبناء المجتمع الواحد، إذ لا تفرق بين المواطنين في حق المواطنة الذي يستدعي المساواة في مجمل الحقوق والواجبات، تتحقق المساواة بين المواطنين جميعا من خلال المبادئ الديمقراطية التي لا تتخذ من العرق أو الدين أو الفكر السياسي أو العنصر أو الجنس أساسا في منح الامتيازات أو الحرمان منها، بل الجميع يمتلك الصفة القانونية من خلال المساواة في الاقتراع الديمقراطي والمساواة في منح المناصب الهامة على وفق معيار القدرة والكفاءة.

الديمقراطية في جوهرها وسيلة لضمان الحرية الثقافية والروحية والسياسية والاجتماعية بمعنى أن الحكم فيها للشعب بما تحقق الحرية للإنسان كجزء من المجتمع الموحد الهوية والسلطة، وهذا ما يحدده شكل الديمقراطية كمصدر القوة للفرد والمجتمع. الديمقراطية هي الطريق نحو التقدم الدائم. تعبر الديمقراطية عن تطلع الإنسان إلى حياة إجتماعية إنسانية قوامها الحرية والعدل.

 إن الديمقراطية هى وسيلة الدولة لتحقيق الاتفاق العام والمصالح العام للمجتمع. تضمن الديقراطية كفالة حقوق الإنسان وحرياته الأساسية واحترام التعددية والتداول السلمي للسلطة، تنتمي من خلالها السيادة الى الإرادة جميع المواطنين. ومن جهة أخرى، تقتضي الديمقراطية بان تعمل الدولة بنشاط من أجل ضمان الحقوق الأساسية لجميع البشر.

 

الدكتور معراج أحمد معراج الندوي

 الأستاذ المساعد، قسم اللغة العربية وآدابها

 جامعة عالية ،كولكاتا - الهند

 

 

كاظم الموسويفجاة بدأت تصريحات مسؤولبن دوليين ومحليين تعترف أن ما يحصل في اليمن "كارثة إنسانية كبيرة"، او "اسوء أزمة إنسانية في العالم" مشيرة بمجملها الى أن فرصة ما، لم تحدد بالضبط، قد توصل نحو حل سياسي، أو دعوة الى انفراج تسووي يلوح في الافق. كما أن متغيرات دولية، منها مجيء إدارة جديدة للولايات المتحدة بوعود انتخابية دبلوماسية، تيسر أو تمهد الى سبل لتحجيم الكارثة، ولو انها مازالت في اطار تصريحات ومؤشرات. وفي ضوء كل المتغيرات اخذت أصوات كثيرة تعزف اوتارا مرحبة أو استعدادا لادعاءات مشاركة في النهايات.

سبق ذلك أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في دعوته الولايات المتحدة إلى الإسراع في منح الإعفاءات العاجلة، بما يسمح بإيصال المعونات إلى جميع السكان المحتاجين على امتداد اليمن. وكانت الإدارة الأمريكية السابقة قد وضعت الشعب العربي في اليمن، إضافة لمشاركتها في الحرب والعدوان عليه، وتشديد الحصار والخنق من جميع الاتجاهات، أمام عقوبات اخرى، كوضع قوى السلطة والمواجهة للسياسات الصهيوأمريكية في عناوين وظيفتها في اليمن، اي وصفت ما تقوم هي به القوى السياسية، وتشديد الإجراءات التي أثارت ما أعلن عن الوضع باليمن. ورد غوتيريش إنه قلق للغاية من أن يؤدي تصنيف الولايات المتحدة لـ"أنصار الله" بمنظمة إرهابية إلى عواقب سلبية، ولا سيما لجهة "الامتثال الزائد" من قبل التجار، في وقت يعاني اليمنيون أزمة مجاعة.

كشفت لجنة حقوق الإنسان حجم الدمار الذي خلفه العدوان على اليمن، وذلك بعد مناقشة تقرير الجرائم والانتهاكات الإنسانية للعدوان المقدم من لجنة حقوق الإنسان والحريات العامة ومنظمات المجتمع المدني بالمجلس منذ 2015 حتى 2020. وأوضح تقرير لجنة حقوق الإنسان أن قصف تحالف العدوان المباشر أدّى إلى استشهاد 16802 مواطن مدني بينهم 3753 طفل و2361 إمرأة وإصابة 19375 شخص بينهم 4036 طفل و2994 امرأة، ونزوح أكثر من مليون إنسان يمني من منازلهم وقراهم إلى مناطق أخرى.

وتتابع منظمات دولية الأوضاع في اليمن منذ بدء العدوان والأزمة الإنسانية، مثل منظمة الصليب الأحمر وتسجل في تقاريرها أو بياناتها وصفها للكارثة المحدقة بالشعب العربي في اليمن. وفي تقارير قديمة، مضى عليها ما يقارب العام، وتكررها مع تجديد معلوماتها، أكدت فيها اللجنة الدولية للصليب الأحمر، أن 80% من اليمنيين بحاجة إلى مساعدة من أجل البقاء على قيد الحياة. وأضافت اللجنة على حسابها على "تويتر" أن 65% من الشعب اليمني البالغ عددهم 30 مليوناً، بالكاد لديه أي شيء للأكل. وذكرت أن 64% من اليمنيين لا يحصلون على الرعاية الصحية، في حين ليس لدى 58 بالمئة منهم مياه نظيفة. وتطالب منظمات أخرى بالاسراع في تقديم المساعدات الإنسانية، بينما عملت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على تشديد العقوبات وتعقيد الاوضاع فضلا عن المشاركة في شن الحرب والعدوان والاستمرار في الحصار والقتل اليومي. والى جوارها قامت حكومات غربية، مثل المملكة المتحدة في بيع الأسلحة والمعدات الحربية لقوات ما يسمى بتحالف الحرب على اليمن.

ومع دعوات صنعاء والاحرار في العالم اخذت بعض الدول قرارات تصب في إطار وقف الحرب وإدانة مشعليها. الحكومة الإيطالية قررت إيقاف صفقة لبيع أسلحة إلى السعودية والامارات، معتبرةً قرارها يدعم عملية السلام في اليمن. كما لوحظت إجراءات حكومة نيوزلندا بصدد التحقيقات بمشاركة شركات  من بلدها في المجالات العسكرية لدول العدوان ورفضها. وأصدر البرلمان الأوروبي، قراراً بشأن اليمن تم تبنيه بأغلبية 638 صوتاً مقابل معارضة 12، وامتناع 44 عن التصويت، أكد فيه أنه "لا يمكن أن يكون هناك حل عسكري للصراع في اليمن، ولا يمكن حل الأزمة بشكل مستدام إلا من خلال عملية تفاوض شاملة بقيادة يمنية ويملكها اليمنيون". وصادق على مشروع قرار مشترك حول "الوضع الإنساني والسياسي في اليمن"، لافتاً إلى أنه دعا سابقاً إلى حظر بيع الأسلحة لدول التحالف العربي التي تقودها السعودية في اليمن منذ العام 2015. مبيناً أن ألمانيا وإيطاليا حظرتا بيع السلاح للسعودية والإمارات، فيما تخطط بعض دول الاتحاد للانضمام إلى ذلك الحظر. وشمل قرار البرلمان الأوروبي، المطالبة بإحالة الوضع في اليمن إلى المحكمة الجنائية الدولية، وتقديم "مرتكبي جرائم الحرب" للمساءلة. ورحب، بوقف الولايات المتحدة بيع السلاح إلى السعودية، وبقرارها وقف صفقة مقاتلات "أف-35" إلى الإمارات، داعياً دول الاتحاد إلى أن تحذو حذو واشنطن.

وأفادت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي، بتجميد صفقات الأسلحة للإمارات والسعودية، سعياً منها لإنهاء الحرب في اليمن. واعترف السيناتور الديمقراطي الأميركي كريس ميرفي أنّ اليمنيين محقون عندما يحمّلون الولايات المتحدة مسؤولية القتل. وأرجع ميرفي السبب إلى أن القنابل أميركية وواشنطن قدمت الأسلحة للفتك باليمنيين، ما يجعل "أميركا طرفاً في انتهاك حقوق الانسان في اليمن"، على حد تعبيره.

وتأتي التصريحات الأمريكية الاخيرة من مختلف المستويات حول اليمن، مع المتغيرات الاخرى، مؤشرا لتغييرات في المواقف وانتباهة للكارثة رغم أنها لم تكن بحجمها. وليس ما جاء بتصريحات الرئيس الامريكي جو بايدن حول الأوضاع في اليمن الا محاولة منه وإدارته للتملص من المسؤولية التاريخية في صنع الكارثة وتحمل تبعيتها والتهرب من الاعتراف بالجريمة والتعويض عن الخسائر وإدانة المشعلين للحرب والعدوان. أن خطوة بايدن ناقصة رغم أهمية وقف الحرب ورفع الحصار والغاء قرارات الرئيس الأمريكي السابق ترامب في اخر ساعاته في البيت الأبيض.

الكارثة في اليمن هي أيضا كارثة في الضمير الإنساني الذي ما يزال مريبا إزاء ما جرى ويحدث في اليمن اليوم.

 

كاظم الموسوي

 

 

احمد سليمان العمرياقتصرت مراسم التنصيب الأمريكية هذه المرّة كغير المعهود على حضور محدود، وذلك بسبب القيود المفروضة لمواجهة انتشار كورونا مؤطّرة بإجراءات أمنية مكثّفة لتأمينها في مبنى«كابيتول هيل» عقب اقتحام المقر من مؤيدي ترامب في 6 يناير/كانون الثاني، كذلك عدم الحضور المعيب لسلفه «دونالد ترامب» المتوقع، ليخالف بذلك التقليد الأمريكي.

كانت أول تصريحات «جو بايدن» بعد ساعات من أداء اليمين إبطال أبرز قرارات ترامب، وأهمّها تغيّر المناخ والهجرة وإعادة الإنضمام إلى «اتفاق باريس للمناخ» المبرم في 2015م، كما وتهدف حكومته - مثل البلدان الصناعية الأخرى - إلى خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى الصفر بحلول عام 2050م، وإلغاء التصريح الرئاسي لخط أنابيب «كيستون» المثير للجدل من كندا إلى أمريكا، والذي احتجت عليه الحكومة الكندية بشدّة، كما وأنهى حظراً على دخول مواطني عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة، بالإضافة إلى المساواة بين الأعراق والأجناس، والعودة إلى منظمة الصحة العالمية، وما سيتمخّض عنها من تحسّن في فرص التعاون مع الدول الأخرى والتعامل مع كورونا والأوبئة المستقبلية، إلّا أنّ التغيّر الذي - قد يصفه البعض بـ «الجذري» - لن يعيد كثير القرارت إلى ما كانت عليه في سابق عهدها.

حاول دونالد ترامب حتى آخر 48 ساعة له كرئيس العبث بالقرارات لتعقيد المهمّة أمام خلفه، حيث أمر الأخير يوم الاثنين 18 يناير/كانون الثاني 2021م برفع حظر الدخول المتعلّق بكورونا للأجانب من معظم الدول الأوروبية والبرازيل الساري منذ مارس/آذار من العام الماضي، بدءاً من 26 يناير/كانون الثاني، إلّا أنّ المتحدّثة بإسم البيت الأبيض «جين بساكي» صرّحت أنّ قرارات الأخير لن يتم تنفيذها بسبب الوضع الوبائي الدراماتيكي، لا بل من المتوقّع تشديدها.

لقد فرضت إدارة ترامب يوم الثلاثاء 19 يناير/كانون الثاني 2021م عقوبات على مشروع خط الأنابيب الألماني الروسي «نورد ستريم 2» وبهذا نفّذ الرئيس المنتهية ولايته القرارات التشريعية التي أقرّها الكونجرس عام 2019م بأغلبية كبيرة من الحزبين. لذلك، لم يكن هناك اعتراض من جهة بايدن، بدلالة التصريحات السابقة للأخير ووزير خارجيته «أنتوني بلينكين» التي تشير إلى أنّ الحكومة الجديدة ستتّخذ إجراءات أكثر حسماً ضد مشروع خط الأنابيب، حيث تتهم الأخيرة ألمانيا بجعل أوروبا مع استكماله معتمدة بشكل كبير على إمدادات الطاقة الروسية، ممّا قد يؤدي إلى صراع مع حكومة «أنجيلا ميركل» المتمسّكة بالمشروع. من ناحية أخرى يتهم أنصار نورد ستريم 2 الولايات المتحدة بأنّها تريد جرّاء ذلك التسويق لغازها المسال بشكل أفضل في أوروبا.

وعود بايدن بحلّ الدولتين

ما إن تمّ تحديد بايدن كفائز في الانتخابات الرئاسية حتى فتحت السلطة الفلسطينية القنوات الدبلوماسية التي أغلقتها في ظلّ إدارة ترامب، فقد أجرت السلطة الاتصالات الأولى مع الإدارة الأمريكية، وزار الرئيس الفلسطيني محمود عباس الأردن ومصر لإجراء محادثات تنسيقية، كما استأنفت حكومته التعاون مع إسرائيل الذي كانت قد علّقته في مايو/أيّار رداً على خطط الضّمّ الإسرائيلية.

يبدو أنّ بايدن سينفّذ بعض وعوده تجاه الفلسطينيين بما لا يتناقض ومصلحة إسرائيل، حيث عزم الأخير على استئناف تقديم مساعدات كان دونالد ترامب قد أوقفها، فضلاً عن استئناف نشاط البعثات الدبلوماسية، بالإضافة إلى تأييد بايدن «الشكلي» بحلّ الدولتين لتسوية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني حسب تصريح «ريتشارد ميلز» القائم بأعمال السفير الأمريكي لدى الأممّ المتحدة.

وهذا ما صرّح به إبّان حملته الإنتخابية في لقاء افتراضي جمعه بمتبرعين يهود أمريكيين يوم الثلاثاء 19 مايو/أيّار، حيث بدا كثير الحنكة، فقد قال بأنّه سيعكس سياسات ترامب تجاه إسرائيل، والتي تضرّ وتقوّض بشكل كبير آلية السلام مع الفلسطينيين، ومعارضته «بنيامين نتنياهو» مشروع الضّمّ، متعهداً في ذات الوقت بالحفاظ على مذكّرة التفاهم لعام 2016م التي أُبرمت بين إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق «باراك أوباما» وإسرائيل، والتي تُخصّص لإسرائيل 38 مليار دولار لمدّة عشر سنوات، على الرغم من طرح بعض منافسي بايدن السابقين طيلة الإنتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي استخدام منع المساعدات كآلية لردع الحكومة الإسرائيلية عن تفعيل قرارات تضرّ بحلّ الدولتين.

بالمقابل كان قد نوّه الأخير أثناء حملته بأنّه لن يسعَ لإعادة السفارة إلى القدس لوضعها السابق كقنصلية، كما لم يتطرّق إلى العمل لمنع الضّمّ إذا قامت حكومة نتنياهو بإقرارها قبل انتخابات نوفمبر 2020م، وأنّه ملتزم بقانون «تايلور فورس»، الذي أُبرم عام 2018م وينص على حجب أجزاء من المساعدات الأمريكية للسلطة الفلسطينية واقتطاع دولة الإحتلال عائدات الضرائب «المقاصة» التي تصل إلى 2.6 مليار شيقل سنوياً، بسبب صرف حكومة عباس رواتب شهرية لأُسر الأسرى والشهداء الفلسطينيين.

الأكثر قرباً من الواقع ألّا تأخذ القضيّة الفلسطينية ومشروع السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين مكانة مميّزة في القريب العاجل أو أنّ تكون واحدة من أولوليات الحكومة الأمريكية الجديدة، وتحديداً المصلحة الفلسطينية، وللمراقب أن يرى بجلاء الإهتمام الأول للرئيس وهو البيئة والمناخ تزامناً مع سياسته المقبلة مع روسيا والصين والإتفاق النووي مع إيران ودعمها الراسخ لإسرائيل على حدّ تعبير ميلز.

روسيا الخصم

سبق ووصف الرئيس الحالي روسيا بأنّها «الخصم الرئيس» للولايات المتحدة أثناء حملته الانتخابية، بينما كان ترامب دائمًا يعهد بهذا الدور إلى الصين. وعلى الرغم من اختلاف بايدن بالسياسة الخارجية لسلفه، فستتمثّل المناقضة في استمرار القيادة الأمريكية الجديدة في مختلف مجالات العلاقات الدولية والسياسية.

بصرف النظر عن الحقيقة التي يبدو بايدن من خلالها وبلينكين ونائبة الرئيس «كامالا هاريس» أكثر موضوعيّة ووديّة من سلفه، ستحاول حكومة الأخير تصحيح مسار سياسة ترامب جزئياً أو كلياً في بعض الإتجاهات، لكنّها ستستمر لا محال في مجالات أخرى كخلفها أو ستفاقمها وفقاً للمصلحة القومية الأمريكية. ولا يزال غير واضح كيف سيتوافق التزام بايدن وبلينكين بموضوع «التعدّدية» والتعاون الدولي مع مطالبهم المُصاغة بوضوح بدور قيادي عالمي. الأكثر وضوحاً هو الابتعاد عن سياسة ترامب ونهجه الفجّ الفظّ الغليظ.

الصراع الإيراني الصيني وحلف الناتو

من ناحية أخرى تطالب طهران الولايات المتحدة برفع العقوبات المفروضة في عهد ترامب، وممّا قد يزيد الصراع تعقيداً هي الدعوات إلى الاتفاق النووي ليشمل قيوداً على الصواريخ التقليدية الإيرانية، فأهمية التوصّل إلى اتفاق هي ضرورة ملحّة، لأنّ قوة المتشدّدين في إيران تعزّزت بفعل سياسة ترامب المتمثّلة بالضغط الهائل على إيران.

ستلتزم حكومة بايدن بحلف شمال الأطلسي، الذي وصفه ترامب بالذي عفا عليه الزمن؛ وبمعزل عن جميع الخلافات الداخلية، إلّا أنّ الحلف لا يزال الأداة الأهم للولايات المتحدة لممارسة نفوذها وسيطرتها الجزئية على أوروبا، ومع ذلك سيزداد الضغط الذي تمارسه واشنطن على الحلفاء الأوروبيين وتحميلهم المزيد من الأعباء المالية والعسكرية.

أمضت إدارة أوباما بالإضافة إلى بايدن ثماني سنوات دون جدوى في مناقشة استراتيجية صحيحة تجاه الصين، تضمّنت مواجهات عسكرية من خلال تزايد القوات المسلحة الأمريكية في بحر الصين الجنوبي والمحيط الهادي، أو اندماج الصين في اللوائح والتعاون مع المؤسسات الدولية. أمّا في عهد ترامب فكان أول إجراء رسمي لحكومته قبل أربع سنوات هو إعلان منطقة التجارة الحرّة - التي تم التفاوض عليها في عهد أوباما - بين الولايات المتحدة وجميع الدول ذات الصلة اقتصادياً في آسيا باستثناء الصين، بالإضافة إلى شنّ ترامب حرباً اقتصادية ضد الأخيرة، أدّت إلى إلحاق ضرر أكبر بالاقتصاد الأمريكي.

الولايات المتحدة مستمرّة بفقدان نفوذها

سيكون العامل الحاسم في السلوك المستقبلي للولايات المتحدة تجاه الصين هو ما إذا كانت الحكومة الحالية ستأخذ حقاً مطالبتها بدور قيادي عالمي على محمل الجدّ، أو ما إذا كانت عبارات الرئيس الحالي تسويقيّة فارغة جوفاء أو صيّغ لفظية رنانة، فبالنظر إلى الإطار السياسي العالمي اليوم، فإنّ هذا المطلب أو الاستحقاق الذي ترنو إليه الحكومة الأمريكية غير واقعي. أوروبا بالمقابل ناتجها القومي الإجمالي أكبر بالفعل من الناتج القومي الأمريكي، ومن المتوقّع تفوّق الصين على الولايات المتحدة في غضون أعوام في مجال العلوم والتكنولوجيا أيضاً، فقد وصلت القوة العالمية الصينية المستقبلية للمستوى الأمريكي، وربما تجاوزتها. أمّا روسيا فتقف متساوية معها كقوة نوويّة تقريباً، بالإضافة إلى الهند التي ستنضم في غضون سنوات قليلة إلى القوى العالمية الفاعلة.

نهاية، سؤال إلى العرب الحالمين بصلاح الدين الأمريكي عن حدود تبدّل القرارات الأمريكية حول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، فهل سيقيم بايدن دولة فلسطينية ويخضِع إسرائيل للمطالب الفلسطينية؟ أم أنّ الأخير يدغدغ المشاعر العربية بوعود معسولة لا غير، لا تتجاوز حد الخطابة والتخدير؟

لن يتراجع بايدن عن قرارت ترامب، إنّما سيتحدّث خطابياً لا غير عن ضرورة حلّ الدولتين دون ممارسة أي نوع من الضغوطات على إسرائيل لإقامة دولة فلسطينية أو لوقف التوسّع الإستيطاني على حساب الفلسطيني، هذا لإختراق إسرائيل النظام الأمريكي الواضح، بحيث تجدّ المفاوضين الأمريكيين يتذّرعون لإسرائيل ويدافعون ويخلقون مبرّرات بدل دورهم كوسيط نزيه، و«جاريد كوشنير» وصفقته «السلام من أجل الإزدهار» التي أثقلت وأثخنت بالقضية أكبر مثال، فقد تضمّنت الضّمّ الذي يؤرّق الجانب الفلسطيني وحده.

النظام الأمريكي بحزبيه الديمقراطي والجمهوري لا يقيم وزناً للعرب أو لحفائه من المطبّعين، لذلك لن تلعب الإدارة الأمريكية دور الوسيط النزيه أبداً إن لم يكن هناك كلفة تترتّب على الإستهتار بالمطالب الفلسطينية. وحدة الصف الفلسطيني بجميع فصائلها هي وحدها القادرة على تحقيق مطالبهم لإقامة دولة على حدود 1967م، وهي وحدها القادرة على إخضاع الإحتلال وإجلاسه معهم «النِّدّ بالنِّدّ» على طاولة المفاوضات، وإعادة قراءة الملف الفلسطيني من جديد. ما دون ذلك، فقد قفزت إسرائيل عن السلطة الفلسطينية وأقامت معاهدات إذلالية تطبيعية مع أخوتهم العرب الطامعين بتنفّذ وهمي في المنطقة.

 

دوسلدورف/أحمد سليمان العمري

 

 

عمانوئيل خوشاباأًثيرَت الكثير من التساؤلات حول دوافع ظهور وتسليط الضوء بصورة مفاجئة على السيدة رغد اِبنة الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، من خلال سلسلة اللقاءات الأعلامية الحصرية والتي أجرتها قناة العربية الفضائية والتي يتم تمويلها من قبل المملكة العربية السعودية. والجدير بالذكر بأن المواقف السياسية، الأعلامية والجهادية السعودية كانت بالدوام ضد النظام الصدامي خاصة بعد غزوه لدولة الكويت في عام 1990، واليوم أنقلب الموقف بصورة غير مسبوقة ويحاول بدوره أي النظام السعودي في تبييض وجه الدكتاتور المقبور من خلال اِبنتة والتي يمكن تسميتها بالدمية آنابيل صدام حسين (لما عُمِلَ لها من عمليات الميك اب والمكياج الدخاني مع الزهري التي غير صورتها الحقيقية)، حيث تشير الوقائع بان السيدة رغد لم تكن يوماً بتلك الشخصية القادرة على الدخول والمشاركة في اللعبة السياسية على المستوى المحلي أو الوطني، وماهي اِلا احدى الفقاعات الهشة فكرياً والمختبئة خلف عباءة والدها الفضفاضة، والتي تم تداولها وأستغلالها من قبل الأنظمة الخليجية والغرض منها اِحداث جلجلة طائفية ذات صوت مدوي وفارغ، كالصوت الناتج من طرق الأواني الفارغة.

لست هنا بصدد التعليق على التخاريف الواردة من لقاء الدمية رغد مع القناة العربية، لأنها غير جديرة بالذكر سوى اِنها أرادت خلال مقابلتها في تصحيح الصورة البشعة التي طغت على نظام حكم والدها، ومن ثم يمكن أعتبارها مشروع سمساري قبضت أجره ، لكي تنجح خلالها المناكفة الأعلامية مابين الأطراف الأقليمية المتصارعة ونقصد به المناكفة مابين الهلال السني والشيعي في المنطقة. كذلك لا نود الدخول في تفاصيل فترة الحكم للنظام الصدامي وما جالت اليه الأوضاع السيئة الصيت حينها، من خلال تحويل البلد الى جمهورية الخوف وماكنة للحروب، استهلكت خلالها ملايين الأرواح البريئة ودمرت الأقتصاد والبنية التحتية للبلاد، وغيرها من الأنتكاسات والويلات التي مرت على العراقيين والغرض من اعماله هذه هو اِشباع رغباته وحل عقده النفسية (هناك العديد من الناس ومنهم المسؤولين لحد الآن يهابون الخوض في الكتابة والتكلم ضد النظام السابق).

ونحن هنا بدورنا لسنا في صدد التشفي بالنظام السابق على حساب النظام الحالي والذي جاء مع الأحتلال خلال عام 2003، طبيعة النظامين السابق والحالي وجهان لعملة واحدة، فالأحزاب السياسية التي سيطرت على العملية السياسية بعد سقوط النظام الأستبدادي الصدامي، فشلت الفشل الذريع في بناء مؤسسات الدولة على النحو السليم والتي تم تدميرها كاملاً من قبل الأحتلال الأميركي بعد 2003، واِنما سعت جاهدة للدخول في صراع الأستحواذ على السلطة والسيطرة على جميع المفاصل الحيوية في العراق لخدمة أغراضها الشخصية والحزبية، ولهذا وصل البلد الى مراحل سيئة يندى له الجبين ، من خلال اِخفاقها التام في عملية أِدارة البلد في جميع المجالات، ونتيجة لهذه النتائج الوخيمة ، نشاهد اليوم ردود فعل عديدة من جمع من أبناء الشعب العراقي تطلب فيه المغفرة والرحمة على روح الدكتاتور المقبور.

وكما يقال فأن الغاية في نفس يعقوب، فأن الهدف من أستخدام السعودية لهذا الطعم المتمثل بالدمية آنابيل ، جنباً الى جنب مع تزايد نشاط الدواعش وعودة العمليات الأرهابية في العراق، ماهي اِلا رسائل تبثها السعودية وحلفائها ضمن الهلال السني لمناهضة الهيمنة والنفوذ الأيراني في المنطقة، وخاصة في هذه المرحلة المتميزة بوصول الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن الى دفة الحكم ، وكما هو ملاحظ بأن الأحداث تشير الى التغيير الحاصل في السياسة الخارجية الأميركية تجاه دول المنطقة وخاصة مع أيران، حيث يتم الحديث اليوم عن عملية التفاوض والجلوس مع النظام الأيراني لأِمكانية العودة للأتفاق النووي ومن ثم حلحلة الأمور فيما بينهم .

ومن هنا تبين الوقائع بأن رغد صدام قبضت رسوم سمسرتها خلال لقائها الأعلامي أعلاه، لأِثارة اللعب على الحبل الطائفي في المنطقة والذي من خلاله سوف يدر الفائدة على جميع الأطراف السياسية المناكفة من الطرفين السني والشيعي. وتشير الأحداث والوقائع بأن الأحزاب السياسية والمسيطرة على دفة السلطة في العراق، تراجعت شعبيتها الى مستويات دنيئة وخاصة بعد ثورة تشرين الوطنية عام 2019 ، وذلك لفشلها الذريع في قيادة الدولة والأزمات العديدة التي تعسف بالعراق اليوم .

ومن هنا نلاحظ بأن الأحزاب السياسية العراقية ونخص منها الثيوقراطية تقوم بدورها في أستغلال النزاع الطائفي الدائر في المنطقة، وتقوم بتوظيف جميع الوسائل المتاحة ضمن دائرة النزاع هذه لمصالحها الحزبية، حيث تتفنن وببراعة بأستخدام الورقة الصدامية في ترهيب الشعب العراقي وبلأخص الشيعة والأكراد، من خلال طرق جرس الأنذار والأيحاء بعودة البعث الصدامي للسلطة، ويستخدمها ايضاُ كدعاية أنتخابية له، وأخيراً يستخدامها كأداة لتقويض وأختزال ثورة تشرين المباركة، من خلال القمع وتشغيل الماكينة الأعلامية لحزبه لبث الأكاذيب والقاء التهم الجائرة بحق المتظاهرين الشرفاء المتواجدين في ساحات العز والكرامة.

 

عمانوئيل خوشابا

23-02-2021

 

 

صلاح حزامسألني أحد الاصدقاء عن امكانية اعادة العمل بصيغة القطاع المختلط في الوقت الحاضر؟

القطاع المختلط واحد من اشكال الملكية في القطاع الصناعي التي تم تطبيقها في السبعينيات والثمانينيات في القطاع الصناعي في العراقي (لا اتذكر بالضبط فيما اذا تم تطبيقها في قطاعات أخرى).

بموجب هذا الشكل يتم انشاء مشاريع بالمشاركة بين الحكومة والقطاع الخاص وبنسب مشاركة مختلفة ولكن السيادة تكون، عادةً، بيد القطاع الحكومي العام من خلال امتلاك الحصة الاكبر في المشروع ..

كانت هذه المشاريع تحظى بالدعم الحكومي ولذلك كانت تنجح في الغالب..لكنه نجاح وهمي بسبب الحماية والدعم.

لكنها وبسبب سيادة الحصة الحكومية كانت تُدار بعقلية القطاع العام البيروقراطية وتخضع لتوجيهات وزارة الصناعة ... لم تكن هناك سوق للاوراق المالية او أسهم تُطرح للمواطنين وانما كانت مشاركة مباشرة بحصة معينة ..

الى جانب القطاع الخاص كانت تشارك فيها بعض الصناديق ايضاً.

الآن لم يعد ذلك ممكناً او ضرورياً بسبب وجود سوق الاسهم اولاً وثانياً بسبب تراجع دور الدولة الصناعي وعدم الرغبة بتطويره بحجة كون العراق بلد يدار وفق آلية السوق الحرة ويفترض تراجع الدور الاقتصادي للدولة.

ولكن لازال ممكناً ان تقوم الدولة بأقامة مشاريع صناعية معينة، وعندما يثبت نجاحها وتصبح مغرية للقطاع الخاص والمستثمرين عموماً من داخل وخارج البلد، فيمكن للحكومة تحويلها الى شركة مساهمة وطرح اسهمها للاكتتاب العام، ويمكن للحكومة ان تحتفظ لنفسها بنسبة من الاسهم.

كذلك يمكن للحكومة (الرأسمالية) ان تشتري المشاريع الاستراتيجية والمهمة للاقتصاد الوطني اذا لم تكن ناجحة ويرغب القطاع الخاص باغلاقها

او التخلي عنها لأنها تخسر، كالسكك والمناجم (كما حصل في بريطانيا ذات مرة ) في ظل حكم حزب العمال الذي رفض السماح بزيادة تعريفة النقل لعدم إرهاق المواطنين مما اضطر القطاع الخاص الى التهديد بايقافها مما جعل الحكومة " تؤممها " .

في العراق الحالي لايوجد وضوح كافٍ لتوجهات الحكومات في هذا الميدان.

هيئات الاستثمار تقوم بطرح الفرص امام المستثمرين وهم يقررون اقتناصها ام لا !!!

لا اعرف اذا كان طرح الفرص الاستثمارية يقترن بدراسات جدوى تثبت جدوى الفرص المطروحة ام لا !!

شركات القطاع العام القائمة يمكن ان يتم تقييمها وتحويلها الى شركات مساهمة تطرح اسهمها في سوق الاسهم لعموم المواطنين (كما حصل في الهند في عام ١٩٩٢ في ظل حكومة السيد ناراسيم هاراو الذي له منهج اعده الاقتصادي المتميز السيد راستوجي) وسوف اتناول تجربة الهند تلك في بحث خاص وواسع في المستقبل القريب ان شاء الله. خاصة وأني سبق لي اللقاء والحوار مع عدد من الاساتذة الهنود العاملين والمطلعين على ذلك المنهج الناجح في نيودلهي قبل سنوات ..

 

د. صلاح حزام

 

 

عمانوئيل خوشابامن المقرر أن يتوجه الحبر الأعظم البابا فرنسيس قريباً الى العراق، بعد أن عجز أسلافه عن ذلك وذلك للعديد من الأسباب والظروف المعقدة التي طغت على البلاد حينها، وتاتي هذه الزيارة تلبية لدعوة من القيادة السياسية العراقية والكنيسة الكاثوليكية في العراق والذي سيحل على بلاد ما بين النهرين ضيفاً في الخامس من آذار المقبل، اِن لم يطرأ اي تغيير مفاجئ في برنامج زيارته نظراً لتزايد حدة أنتشار جانحة كورونا وظروف مواتية أخرى. وكما هو معلن فأن الهدف من الزيارة هي لترسيخ مبدأ الحوار والتعايش السلمي بين جميع المكونات الدينية الأبراهيمية والأديان الأخرى، ومن المتوقع أن يوقع قداسة البابا وثيقة مع المرجع الشيعي الأعلى  سماحة السيد السيستاني في مدينة النجف، شبيهة لتلك التي وقعها مع شيخ الأزهر الدكتور احمد الطيب عام 1999 في دولة الأمارات المتحدة العربية والمعنونة بأسم "وثيقة الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش معًا"، لكن الملفت للنظر بأن وسائل الأعلام نقلت أخيراً خبراً مفاده بأن مكتب سماحة السيد السيستاني ينفي نيته في توقيع أية وثيقة مع رئيس الكرسي الرسولي.

وهناك بعض الآراء المنقولة من بعض القيادات الكنسية والسياسية في العراق تشير الى أهمية الزيارة البابوية للعراق وكيفية قدرتها على تغيير مسار الوجود المسيحي في العراق خاصة بعد ما تعرض له من ويلات ونكب في مرحلة مابعد عام 2003 ونخص منها جرائم داعش الأرهابية لعام 2014 في محافظة نينوى والمناطق المحيطة بها والتي أدت حينها الى خسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات من كافة الطوائف المذهبية العراقية ونخص منهم الطائفة الأيزيدية والمسيحية، حيث تم أقتلاع مئات الألوف منهم من مناطقهم التاريخية المتمثلة في سهل نينوى وجبل سنجار.

يمكن القول بان الزيارة البابوية للعراق تندرج في اِطار السياسة الدولية للدولة الثيوقراطية المتمثلة بالفاتيكان ومن ثم لها أبعاد عديدة منها ألأقتصادية والأجتماعية، وهي بدورها مرتبطة بالمصالح الخاصة ما بين البلدين ونخص منها دولة الفاتيكان من خلال الطائفة الكاثوليكية وممتلكاتها الكبيرة في العراق. من الجانب السياسي فأن الزيارة تضفي أهمية كبيرة الى الدولة العراقية الشبه معزولة أقليمياً ودولياً كنتيجة لأنعدام الأستقرار السياسي، الأقتصادي والأمني فيها، لذلك فأن أحد نتائج هذه الزيارة هي اِطغاء حالة الشرعية وأملاء الدعاية السياسية الى دولة منخورة بالفساد السياسي الطائفي ومن ثم اِعطاء الضوء الأخضر الى حكومة هشه تقودها وتسيرها الميليشيات الحزبية والعاجزة تماماً في أدارة الملف الأمني والأقتصادي للبلد، وطبق المنظور القانوني تعتبر الحكومة العراقية المسؤولة عن أستشهاد المئات وجرح الآلاف من أبناء ثورة تشرين الوطنية.

أما من الجانب الأقتصادي، فأن الزيارة البابوية الى مدينة أريدو التاريخية، والتي سوف يقوم  خلالها البابا فرنسيس بألقاء كلمة من على زقورة أريدو التاريخية ويتناول من خلالها بث مبادئ السلام والعيش المشترك مابين جميع الطوائف، سوف تثمر بالنتائج الأقتصادية الأيجابية وتنفتح من خلالها آفاق أقتصادية مستقبلية تلقي ظلالها الأيجابية على كلا الدولتين، وتثبت الوقائع والمعلومات بوجود مشاريع أستثمارية كبيرة من قبل الشركات العالمية ونخص منها الشركات الأيطالية من أجل تطوير المدينة وتأهيلها سياحياً، ومن هنا سوف تفتح أبواب الدعاية السياحية الى وادي الرافدين. ويمكن للحكومة المحلية في مدينة الناصرية بأن تقوم بأستغلال هذه الزيارة من خلال توظيفها جميع الأمكانيات والسبل وتوجيه أنظار العالم على مدينة القمر والسحر أريدو، وجعلها قبة ومدينة السياح يهفو عليها الحجاج من جميع أنحاء العالم بما تمثله اِحد الأسس للديانة الأبراهيمية، والجدير بالذكر بأن مدينة الناصرية الحالية تحوي على اكثر من 13000 موقع أثري، والتي تم سرقة منها اكثر من 73000 قطعة أثرية بعد الأحتلال عام 2003  وموجودة أغلبها في متاحف بنسلفانيا ولندن.

اما من الجانب الأجتماعي فيعول الكثير من أن الزيارة سوف تدر الخير والطمأنينة على أبناء شعبنا الآشوري بكافة تلاوينه الطائفية، وتضفي زخماً قوياً في التعجيل من اجل عودة المهاجرين والمهجرين الى مناطق سكناهم وخاصة في سهل نينوى، كما ذكر أحد الكهنة الأفاضل من سهل نينوى بقوله (من دواعي الشرف بأن البابا فرنسيس يفكر في خرافه المصابة، وأضاف بأن الزيارة ستشجع المسيحيين على البقاء في العراق). نود القول بأن كان من الواجب على الحبر الأعظم بأن يسأل عن خرافه يوم ذبحت من قبل الذئاب خلال السنين الماضية وماهي اِلا نفس شاكلة الذئاب التي يلتقي بها اليوم، ويذكر بأن أحتلال داعش الأرهابية لمدينة الموصل وضواحيها كان في بداية شهر حزيران لعام 2014 ، وحينها لم يظهر اي رد فعل من الكرسي الرسولي على هذه المذابح الفظيعة سوى بيان واحد صدر من قبل البابا فرنسيس بعد شهرين اي في شهر آب من العام نفسه، دعا فيه المجتمع الدولي لحماية المسيحيين وخرافه المذبوحة في العراق، كذلك موقفه الفاتر من العمليات الداعشية الأرهابية على أبناء شعبنا في الخابور والجزيرة السورية في شباط عام 2015.

لا يمكن التعويل كثيراً على زيارة قداسة البابا فرنسيس الى العراق، بأن تقوم بشفي الجراح الذي أحدثها الأسلام السياسي وأعماله الأرهابية بحق الشعب العراقي بكافة ألوانه الطائفيه وبالأخص الطوائف المسيحية والأيزيدية والصابئة المندائيين، ومن ثم بتقديرنا ليس للحبر الأعظم الكاثوليكي القدرة الكافية بتغيير ُرقع الشطرنج والدخول في اللعبة السياسية في منطقة الشرق الأوسط  والمناطق الملتهبة الأخرى، وزيارته هذه لن يحذو خلالها قيد أنملة في ترسيخ الأستقرار وترسيخ مبادئ التعايش السلمي بين الطوائف المتناحرة من خلال البروتوكولات الدينية واللقاءات الديبلوماسية الروتينية العابرة، والتجارب والوقائع على الأرض تثبت ذلك وتبين بأن العديد من الأجتماعات المنبثقة أعلاه ماهي اِلا بروتوكولات تشريفية، لايمكن لها أن تحل المشاكل السياسية، الأقتصادية والأجتماعية الموجودة في المناطق الملتهبة سياسياً وطائفياً خاصة في الشرق الوسط ومنها العراق.

 

عمانوئيل خوشابا

21 شباط 2021

 

  

ابراهيم أبراشما سنتناوله في بحثنا هذا هو إعادة التأكيد على وجود مغالطات وتشويه لحقيقة ما يجري تحت مسمى الانقسام وحوارات المصالحة، والخلل يكمن في تشخيص المشكلة حيث يتم التعامل مع الموضوع وكأن الانقسام حدث نتيجة خلافات فلسطينية داخلية والفلسطينيين يتحملون مسؤولية الانقسام وتداعياته وهم الذين يستطيعون إنهائه بمصالحة بينهم! وللأسف انساقت أطراف فلسطينية وراء هذا التضليل مما أدخل الحالة الفلسطينية و حوارات المصالحة في دوامة من العبثية، فلو كان الانقسام مجرد خلاف بين حركتي فتح وحماس لكانت عشرة سنوات من حوارات المصالحة بواسطة أكثر من دولة عربية وغير عربية كفيلة بحل هذه الخلافات وإنهاء الانقسام.

ولأن التشخيص الصحيح للمشكلة بمثابة قطع نصف الطريق في حلها فإن سيناريوهات مستقبل الانقسام يجب أن تبنى على حقيقة أنه مخطط إسرائيلي استراتيجي وجزء من مشروع تسوية لتصفية المشروع الوطني، لذا فإن إنهائه لا ينفصل عن المواجهة الشاملة ضد الاحتلال ومشاريع التسوية التي تهدف لتصفية القضية الوطنية. وعليه من الممكن أن تكون حوارات انهاء الانقسام فرصة لإعادة بناء المشروع الوطني برمته.

أولا: في تعريف الانقسام وأطرافه

1- مغالطة مصطلح (طرفي الانقسام)

قبل الاستطراد يجب أن ننوه بأن مصطلح (طرفي الانقسام) روجته بعض قوى اليسار الفلسطيني لتبرئ نفسها من المسؤولية وتُخرج نفسها من المعادلة، وأصبح الكُتاب يستعملون المصطلح دون تدقيق أو بحث في دقته، حتى الإعلام الإسرائيلي والغربي تعامل مع هذا المصطلح من منطلق أنه يساعد على إخفاء حقيقة ما يسمى بالانقسام ويتجاهل دور إسرائيل الرئيسي في الانقسام، كما أنه مصطلح يُحمل مسؤولية الانقسام للفلسطينيين أنفسهم. حتى لو أردنا اختزال الانقسام بأدواته الفلسطينية فإن طرفي الانقسام ليسا فتح وحماس بل حركة حماس ومنظمة التحرير الفلسطينية، لأن حركة حماس انقلبت على سلطة منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس منظمة التحرير وعلى المشروع الوطني، وأحزاب اليسار جزء من منظمة التحرير ومن المشروع الوطني، أو هكذا مفترض.

ما جرى ويجري أكبر من مجرد خلاف بين فتح وحماس، فهاتان الجهتان مجرد طرفين أو لاعبين في صناعة الانقسام مع تباين حجم الدور وأهميته، وسيكون من العبث الاستمرار في الحديث عن (طرفي الانقسام) ومطالبتهما بإنهاء الانقسام بمعنى إعادة توحيد الضفة وغزة في إطار سلطة وحكومة واحدة، والتغاضي عن جوهر المشكلة وأطرافها الفاعلة الأخرى، فللانقسام أطراف متعددة دولية وإقليمية وفلسطينية. قيادات كبيرة في فتح وحماس تعرف الحقيقة لكنها تخفيها لتخفي تقصيرها أو تواطؤها في صناعة الانقسام بداية، وعجزها لاحقا عن إنهائه.

2- الانقسام مخطط كامن في العقل الاستراتيجي الإسرائيلي

البدايات لم تبدأ مع سيطرة حماس على قطاع غزة بالرغم من أن مصطلح الانقسام لم يظهر إلا بعد هذه السيطرة. ما أقدمت عليه حركة حماس يوم الرابع عشر من يونيو 2017 كان خطوة في سياق مخطط أشمل تم تهيئة المسرح له مسبقاً.

منذ انطلاق تسوية أوسلو لم يكن واردا عند الإسرائيليين أن تكون دولة فلسطينية تجمع غزة والضفة بل كانت إسرائيل تخطط لدولة غزة فقط، والكل يتذكر أن بدايات أوسلو كانت تحت عنوان "غزة أولا" ثم "غزة وأريحا أولا" ثم جاءت مرحلة تقسيم مناطق السلطة إلى أ . ب . ج ومرحلة إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي في هذه المناطق، وقد أفشلت ودمرت إسرائيل كل جهود الرئيس أبو عمار لدمج الضفة وغزة وتسهيل التواصل بين أهل غزة والضفة واعاقت الممر الآمن ودمرت لاحقا مؤسسات السلطة واجتاحت الضفة 2002 وحاصرت الرئيس أبو عمار واغتالته، وما ساعد إسرائيل في ذلك: الخلافات الفلسطينية الداخلية، ،فساد وخلل في أداء السلطة، وجود حركة حماس خارج إطار منظمة التحرير وخارج السلطة وتطلعها للحلول محل المنظمة، انتشار الفوضى في قطاع غزة حيث انتشرت الجماعات المسلحة خارج الأجهزة الأمنية وعمليات الخطف والسرقة والتغول على السلطة، كل ذلك بأيادي من داخل السلطة ومن حركة حماس التي لم تكن تعترف بالسلطة وترفض الخضوع لها .

كانت خطة الفصل أو الانسحاب الإسرائيلي من طرف واحد والتي تم الحديث عنها في مؤتمرات هرتسيليا منذ عام 2000 إلى مؤتمر 2003 حيث أعلن شارون عن خطته بالانفصال وفك الارتباط والخروج من قطاع غزة وتم تنفيذها فعليا من طرف شارون خريف 2005 لحظة فارقة في صناعة الانقسام ولو لم ينسحب شارون من غزة ما استطاعت حركة حماس السيطرة على القطاع عسكريا في يونيو 2007، وقبل أن تنسحب إسرائيل من داخل قطاع غزة هيأت الظروف في القطاع وعلى مستوى السلطة الفلسطينية لينتج الانسحاب مفاعيله كما تريدها إسرائيل وهي تدمير المشروع الوطني وخلق فتنة فلسطينية داخلية.

كانت الأمور تسير قُدما نحو الفصل وتسليم غزة لبعض القيادات من داخل منظومة السلطة الوطنية، ومَن تابع الأوضاع الميدانية في قطاع غزة خلال السنوات 2002 – 2005 كان يلمس بأن أمرا ما يتم تهيئته للقطاع، حيث حالة الفوضى تستشري وأجهزة السلطة الأمنية لا تتلقى رواتب وأسلحتها محدودة ويتم تفريغها من مقاتليها، وميليشيات تنبت كالفطر خارج إطار السلطة، وحركة حماس تصنع دولة داخل دولة وتتهيأ لفرض مشروعها السياسي الديني البديل لمشروع منظمة التحرير الفلسطينية.

بالإضافة إلى ذلك كانت الخلافات الفلسطينية الداخلية تتفاقم ويتم تغذيتها من أطراف خارجية. خلافات بين أبو عمار وتيار من داخل فتح، واتهامات متبادلة حول فساد السلطة وضرورة الإصلاح، و صراعات وصدامات أصبحت شبه يومية ما بين مقاتلي حركة حماس من جهة ومقاتلي حركة فتح وأجهزة السلطة من جهة اخرى، ووفد أمني مصري عاجز عن وقف الصدامات، ولكن أخطر مظاهر الانقسام الفلسطيني هو الانقسام ما بين مشروع وطني عنوانه منظمة التحرير الفلسطينية ومشروع إسلامي إخواني عنوانه حركة حماس.

3- الانقسام في سياق معادلة إسرائيلية إقليمية دولية

حتى 2004 كان مخطط الفصل مخطط إسرائيلي بالأساس، ولكن بدءا من ذاك العام التقت المصالح والرؤية الإسرائيلية مع الرؤية الامريكية ليصبح مخطط فصل غزة عن الضفة يشكل مصلحة مشتركة للطرفين بالإضافة إلى أطراف إقليمية. كان التقاء المصالح والرؤية بسبب حدوث تحول في الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، عندما قررت واشنطن تطوير حملتها لمحاربة الإرهاب التي دشنتها بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 لتدخل عليها سياسة (الفوضى الخلاقة) في إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير 2004 وهو المشروع الذي كان يتطلب استراتيجية جديدة تعتمد أساسا على قوى محلية جديدة بديلا عن الأدوات والقوى القديمة التي شعرت واشنطن أنها استنفذت أغراضها وباتت عائقا أمام السياسة الأمريكية الجديدة.

هذه الأدوات الجديدة هم جماعات الإسلام السياسي المعتدل وخصوصا الإخوان المسلمين الحلفاء التقليديون للغرب منذ منتصف القرن الماضي، حصان طروادة في هذا السياق.

لم تكن فلسطين بعيدة عن هذا الشرق الأوسط الكبير بل قررت واشنطن وتل أبيب تدشين المشروع بداية من فلسطين وفي قطاع غزة حيث وجود حركة حماس الإخوانية أكثر بروزا ، وكانت قطر ومن خلال وزير خارجيتها آنذاك عراب هذا المخطط ، حيث باشر حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني وزير خارجية قطر اتصالات مكثفة مع قيادة الإخوان المسلمين وأقنعوهم بأن إسرائيل لن تمنح الفلسطينيين أكثر من قطاع غزة وعلى الجماعة أن تُقنع حركة حماس بالأمر، وأن على حركة حماس أن تعيد النظر بسياساتها تجاه إسرائيل وتوقف عملياتها العسكرية وخصوصا العمليات الاستشهادية داخل إسرائيل، وتهيئ نفسها لدخول النظام السياسي حتى تكون مستعدة لحكم قطاع غزة .

جرت اتصالات مباشرة ما بين قطر وحركة حماس في الدوحة حيث كانت تقيم قيادة حماس بعد خروجها من الأردن من جهة، ومسئولين إسرائيليين من جهة أخرى، كما زار وزير خارجية قطر إسرائيل أكثر من مرة، بالإضافة إلى اتصالات بين قيادات من حماس وشخصيات سياسية أوروبية، كان هدفها التأكد من استعداد حماس لدخول النظام السياسي من بوابة الانتخابات والاستعداد لاستلام قطاع غزة.

وهكذا في ديسمبر 2004 شاركت حماس في الانتخابات البلدية في مناطق السلطة وكان واضحا حضورها الكبير في الشارع الفلسطيني ، وفي خريف 2005 خرج الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة بمقتضى خطة شارون للانسحاب من طرف واحد ولكن بتنسيق خفي مع قيادات فلسطينية- محمد دحلان- أشرفت ونسقت عملية الانسحاب من غزة ، وفي يناير 2006 جرت الانتخابات التشريعية التي بذلت واشنطن كل جهودها بل وضغوطها على الرئيس أبو مازن لإجراء الانتخابات بعد عشر سنوات من التوقف وفي أجواء كانت شعبية حماس واضحة وفي تزايد وسمعة السلطة في الحضيض ، وهي الانتخابات التي كانت محرمة عند حماس وأصدرت فتاوى عام 1996 بتحريم المشاركة في الانتخابات ، وفي يونيو 2007 سيطرت حماس على قطاع غزة .

4 - عبث حوارات مصالحة تسعى لعودة الأمور إلى ما كانت عليه

هكذا تمت صناعة الانقسام ومن خلال ما سبق فإن أطراف الانقسام متعددة، وبالتالي فإن إنهائه – بمعنى إنهاء فصل غزة عن الضفة والعودة لوضع سلطة واحدة وحكومة واحدة في الضفة وغزة كما كان الأمر قبل 2005 -يحتاج لمعادلة شبيهة .

سيكون من الخطورة البقاء ساكتين إلى حين حدوث متغيرات ومعادلات دولية جديدة، أو رهن مصير الشعب الفلسطيني بإعادة توحيد غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة أو المطالبة بإعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الانقسام، لأن السلطة بحد ذاتها نتاج اتفاقية أو تسوية أوسلو التي لم تعد تعترف بها إسرائيل ولكنها تأخذ منها ما يناسب مصالحها، ولأن إسرائيل لن تُعيد احتلال قطاع غزة ووصله بالضفة الغربية، ولأن فلسطين أكبر من الضفة وغزة وشعبها يتجاوز سكان الضفة وغزة، وبالتالي الإصرار على عودة الأمور إلى ما قبل الانقسام تفكير إما جاهل أو مخادع ، ليس فقط لأن إسرائيل لن تسمح بذلك بل أيضا لأن ما طرا من تغييرات سواء على الوضع في قطاع غزة أو الوضع في الضفة والقدس يجعل من الصعب عودة الأمور إلى ما كانت عليه .

ثانياً: سيناريوهات و فرص إنهاء الانقسام

أي حديث عن انهاء الانقسام يجب أن يأخذ بعين الاعتبار التداعيات المترتبة عن الانقسام وسيطرة حماس على غزة، ومآل عملية التسوية السياسية وحل الدولتين، وصفقة القرن والتطبيع العربي وكلها أمور ما كانت تحدث بهذه المأساوية لو لم يحدث الانقسام. هناك فرق بين انهاء الانقسام في ظل التمسك بحل الدولتين والتسوية السياسية والسلطة من جانب وإنهاء الانقسام في سياق التحرر من الاتفاقات الموقعة والسلطة والإقرار بفشل حل الدولتين من جانب آخر، كما من الممكن التفكير بالحفاظ على المشروع الوطني والوحدة الوطنية حتى في ظل الفصل الجغرافي ما بين غزة والضفة وهذا يعني أن تشكل حوارات المصالحة فرصة لتجديد المشروع الوطني.

وبالتالي فإن الاحتمالات المتوقعة في هذا السياق:

1- مستقبل الانقسام في ظل وجود واستمرار السلطة الوطنية

انطلاقاً من المقاربة السابقة للانقسام فإن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني والفرص الممكنة للتعامل مع الانقسام في هذه الحالة ستبقى محدودة لأن الانقسام – فصل غزة عن الضفة-كما ذكرنا لم يعد، ولم يكن بالأساس، شأنا فلسطينيا خالصا حتى يتم تجاوزه بقرار فلسطيني، وفي هذه الحالة فالاحتمالات والفرص المتاحة هي:

أ‌- تحريك عملية التسوية السياسية والعودة للمفاوضات

وحدة غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة ليس معطى تاريخي كان واقعًا أو نتيجة إنجاز أو إرادة فلسطينية خالصة حتى يستعيدها الفلسطينيون بإرادتهم واتفاقهم مع بعضهم البعض؛ فلم يسبق أن كانت دولة في غزة والضفة. كانت غزة والضفة متحدتين ومتواصلتين فقط في ظل الاحتلال البريطاني قبل 1948 في سياق المجتمع الفلسطيني تحت الانتداب البريطاني وفي ظل الاحتلال الصهيوني بعد 1967. مشروع التسوية هو الذي أسس لكيان سياسي في غزة والضفة عام 1994، والسلطة منبثقة من اتفاق أوسلو ومقيدة بشروطها حتى الآن بالرغم من قرار القيادة بأنها (في حل من الاتفاقات الموقعة)، وبالتالي المصالحة التي تُعيد توحيد غزة والضفة في إطار سلطة وحكومة واحدة لن تتحقق بدون تحريك ملف التسوية السياسية والالتزام بالاتفاقات الموقعة، إلا إذا امتلك الفلسطينيون القوة لإجبار إسرائيل على الانسحاب من الضفة وغزة.

توحيد السلطة والحكومة في غزة والضفة أو ما تبقى منها في ظل موازين القوى الراهنة وفي ظل المشهد العربي والإقليمي لن يكون إلا في إطار مشروع تسوية سياسية تحت رعاية أمريكية أو في سياق تسوية دولية توافق عليها واشنطن وتل أبيب.

ب- إدارة مؤقتة للانقسام

وذلك من خلال توحيد الجهود الوطنية ميدانيًا بطريقة عقلانية ومحسوبة للحفاظ على درجة من الاشتباك مع الاحتلال مع الحفاظ على ما تم انجازه، كوحدة منهج التعليم ووحدة التشريعات القانونية، والالتزام بالقانون الأساسي للسلطة، ووقف التحريض الإعلامي، والحفاظ على وحدة الأطر النقابية والمهنية، والحفاظ على استقلالية الجامعات الخ، وهذا يعني استمرار الأمور على حالها من حيث وجود سلطة وحكومة في الضفة لها شرعية وطنية نظرياً على الكل الفلسطيني وواقعيا على الضفة أو بعضها، وسلطة وحكومة لحركة حماس في قطاع غزة المحَاصَر مع هدنة أو حالة الا حرب والا سلم، وذلك للحفاظ على الذات الوطنية إلى حين حدوث تحول في التوازنات الإقليمية والدولية واتضاح معالم تسوية سياسية قادمة.

ج- نظام فدرالي بديل عن الانفصال

حتى لا تنزلق الأمور إلى كيانين فلسطينيين متعاديين مع بعضهما البعض وكلاهما متعارض بل ومهدِد للمشروع الوطني وقد يقتصر الأمر على دولة في غزة ستكون مقبرة للوطنية الفلسطينية وساحة صراع مفتوح حول من يحكم غزة !!! ، فإن المصلحة الوطنية تحتم التفكير بحلول إبداعية تقطع الطريق على دولة غزة التي ستكون مقابل التخلي عن الضفة والقدس وحق المقاومة وتقطع الطريق على الذين يتذرعون بالفصل الجغرافي بين غزة والضفة واختلاف الخصوصيات لتكريس الانفصال التام ، وذلك من خلال نظام أو دولة فلسطين الاتحادية حاليا بين الضفة وغزة .

وقبل توضيح معنى الفدرالية نذكر بأن حوالي 33 من دول العالم دول فدرالية كالهند وسويسرا وألمانيا والإمارات العربية المتحدة والولايات المتحدة الأمريكية الخ ونظامها الفدرالي لا يتعارض مع وحدة الأرض والشعب بل يعززها من خلال منح بعض الصلاحيات للولايات لإدارة أمورها المحلية.

فلسطين الفدرالية ليس لشرعنة الانقسام السياسي بل تأتي ردا على مخطط إسرائيل ومن يتواطأ معها لفصل غزة عن الضفة وتدمير المشروع الوطني، كما أنها تحافظ على تواصل ووحدة الشعب الفلسطيني.

النظام الفدرالي يعني التعايش والترابط الوطني بين أبناء الشعب الواحد في ظل وجود تباينات فرضتها الجغرافيا أو التاريخ أو الثقافة، وفي الدولة الفدرالية يتم منح الأقاليم صلاحيات تدبير الشأن المحلي بما يتناسب مع ظروفها وخصوصيتها ولكن تحت إشراف ومراقبة الحكومة المركزية وبما لا يتعارض مع دستور الدولة الملزم للجميع.

وفي النظام الفدرالي أو الاتحادي لا يجوز لأي إقليم بشكل منفرد إعلان الحرب أو توقيع اتفاقات سلام وأية تعاقدات ومعاهدات خارجية، وليس لها حق التمثيل الدبلوماسي المستقل وليس لها حق الانفصال أو الاستقلال عن الدولة المركزية إلا من خلال استفتاء شعبي عام منصوص عليه بالدستور.

عندما يرفض الجميع مؤامرة دولة غزة، وعندما تتولد قناعة باستحالة خيار الدولة الواحدة على كامل فلسطين الانتدابية، وعندما يصبح خيار حل الدولتين بمعنى قيام دولة فلسطينية في الضفة وغزة مقابل دولة إسرائيل مستحيلاً، فما الذي يمنع التفكير بالفدرالية بين غزة والضفة بحيث يكون هناك حكومة وحدة وطنية محلية في قطاع غزة وحكومة وحدة وطنية محلية في الضفة، وللحكومتين مرجعية مركزية قد تكون منظمة التحرير الفلسطينية بعد تفعيلها و انضواء الجميع فيها أو مجلس تشريعي بعد إجراء الانتخابات، كما يكون لها رئيس واحد ودستور واحد.

هذا تفكير استراتيجي ربما لا ترغبه النخب السياسية المستفيدة من الوضع القائم وغير المهيأة للتفكير خارج الصندوق، كما قد يقول قائل إننا لسنا دولة حتى تكون فدرالية. من المؤكد أننا لسنا دولة ذات سيادة ولكن هناك اعتراف دولي بفلسطين دولة مراقب بالأمم المتحدة، وهناك سفارات وممثليات خارجية، وهناك حكومتان وسلطتان في الضفة وغزة، وهناك دستور أو قانون أساسي، وقد سبق أن أجريت انتخابات رئاسية وتشريعية وجرى تعديل القانون الأساسي عام 2003، لذا وفي ظل هذه المعطيات يمكن التعامل مع الفدرالية كدولة أو نظام مع تحويرات تناسب الخصوصية الفلسطينية.

نتمنى من كل المفكرين والمثقفين والحقوقيين والوطنيين عموما التفكير بهذا الحل الذي قد يحافظ على شعرة معاوية ما بين الضفة وغزة، وإن لم يحدث ذلك فدويلة غزة المسخ ستقوم قريبا مما سيصاحب قيامها من صدامات وربما حربا أهلية ونهاية فكرة الدولة المستقلة في غزة والضفة وعاصمتها القدس.

2- إنهاء الانقسام من خلال الخروج من مربع التسوية السياسية وحل الدولتين

وهذا خيار صعب ويحتاج لإرادة وطنية موحدة للخروج من مربع السلطة والاتفاقات الموقعة ومن المراهنة على حل الدولتين من خلال عملية سلمية، والانتقال إلى حالة تحرر وطني بأهداف ووسائل نضالية جديدة أو بمعنى آخر تجديد المشروع الوطني.

السيناريوهات المتوقعة أو الممكنة لهذا الخيار:

أ- الانتقال من حالة سلطة الحكم الذاتي إلى إعلان الدولة المستقلة وفرض السيادة على كامل أراضي الضفة وغزة، بما قد ينتج عن ذلك من مواجهة مع الاحتلال قد تؤدي لإنهاء وجود السلطة.

ب - الخروج من مربع حل الدولتين واعتماد هدف فلسطين الواحدة التي تشمل كل فلسطين – الضفة وغزة وأراضي 48 -. بما قد يترتب على ذلك من ارباك في الدبلوماسية الفلسطينية وتخلي عن قرارات الشرعية الدولية الخاصة بحل الدولتين، أيضا سينتج عن ذلك إنهاء السلطة الفلسطينية.

ج - الالتفاف على الانقسام بوحدة وطنية في إطار منظمة التحرير

تفعيل منظمة التحرير لتستوعب جميع القوى السياسية، هذه المصالحة قادرة وحدها على تصويب المسار الوطني وملء الفراغ في حالة انهيار السلطة أو فشل خيار حل الدولتين، ونذكر هنا أن المشروع الوطني المعاصر عندما تأسس مع منظمة التحرير عام 1964 كانت توجد حالة فصل ما بين غزة والضفة وأراضي 48 والشتات وعندما تم تجديد وتوطين المنظمة في ولادتها الثانية 68-69 لم تكن هناك سلطة وطنية وكان مركز الثقل ومركز المشروع الوطني خارج فلسطين.

وقد يترتب على ذلك العودة لحالة التحرر الوطني والمقاومة بكل أنواعها، وهو خيار يترتب عليه أيضا تداعيات مثل نهاية السلطة الوطنية وارباك مع دول العالم والمنتظم الدولي.

مع أن هذه الخيارات تجد قبولاً من بعض المثقفين والنخب وقد تؤدي لإعادة استنهاض الحالة الوطنية إن تم اتخاذ أي قرار بشأنها في سياق وحدة وطنية، إلا أنه من المشكوك فيه أن تأخذ بأي منها القيادة الفلسطينية التي مازالت تتمسك بخيار التسوية السياسية، حتى حركة حماس وبقية الفصائل غير مستعدة لقبولها وقد لاحظنا كيف أن قرار تشكيل (القيادة الوطنية الموحدة للمقاومة الشعبية) الذي تم اتخاذه في لقاء الأمناء العامون للفصائل يوم الثالث من سبتمبر الماضي ولد ميتا كما أن كل ما جرى في القدس والضفة لم يثني حماس عن اتفاق الهدنة مع إسرائيل . والأهم من ذلك فمن غير المؤكد أن يؤدي أي من هذه الخيارات أو السيناريوهات لإعادة توحيد غزة والضفة لأن إسرائيل لن تعود لاحتلال قطاع غزة وإن عادت فسيكون إجراء عسكرياً وأمنياً للقضاء على المقاومة ثم تسليم القطاع لطرف موالي لإسرائيل للحفاظ على عملية الفصل.

الخاتمة

إن استمرت مكونات النظام السياسي تتعامل مع الأزمة وكأنها أزمة خلاف بين فتح وحماس على الانتخابات والحكومة والأجهزة الأمنية والمحاصصة الوظيفية الحكومية ...فستبقى المعالجات في إطار التسوية واتفاقات أوسلو أو لإدارة الانقسام حتى وإن صرحت القوى السياسية غير ذلك، ومصير الانقسام قيام دولة في قطاع غزة.

أما المراهنة على الانتخابات للخروج من المأزق، فمع تأكيدنا على أهمية الانتخابات إلا أنها وحدها لن تنهي الانقسام ولكنها بالتأكيد إن تمت بتوافق من الجميع وبمشاركة شعبية واسعة وأدت لتجديد الوجوه قد تقوي الموقف الفلسطيني لمواجهة مخطط الفصل والانقسام.

 

أ. د. إبراهيم أبراش

.......................

* بحث تم تقديمه وعرضه في أعمال المؤتمر السنوي لمؤسسة الدراسات الفلسطينية بالشراكة مع معهد مواطن للديمقراطية وحقوق الإنسان بعنوان "المشروع الوطني الفلسطيني: إعادة بناء أم تجديد؟" وذلك في نوفمبر 2020 عبر تقنية الزوم .

 

 

 

2238 عادل حبهمساهمة سويسرا في دعم النظام النيوليبرالي العالمي

بقلم فرانكلين فردريك

المصدر: Global Research

ترجمة عادل حبه


 

 أثارت الثورة الروسية في عام 1917 ذعر الطبقات الوسطى العليا في أوروبا، التي فقدت مصداقيتها وضعفها بالفعل جراء المأساة الهائلة للحرب العالمية الأولى، نتيجة جشعها وعدم مسؤوليتها وعدم كفاءتها. وأدى الإنهيار الإقتصادي في عام 1929، الذي ألحق الخراب الإقتصادي تقريباً بمعظم البلدان الرأسمالية الصناعية، ولكنه لم يؤثر كثيراً على الاتحاد السوفيتي الفتي فحسب، بل إلى تعزيز البديل الذي طرحته الثورة الروسية. واجهت هذه "البرجوازية" بعد ذلك مهمتين كبيرتين: إعادة بناء النظام الرأسمالي العالمي والاستجابة للتحدي الذي يمثله البديل الماركسي والثورة الروسية.

وسعت مجموعة من المفكرين المعادين للشيوعية، والمعادين لليسار بشكل عام، وحتى للرأسمالية الجديدة في الولايات المتحدة، إلى تطوير وفرض إعادة إعمار أكثر استبداداً ومناهضة للديمقراطية: النيوليبرالية. وكما ورد في مقال سابق، كانت سويسرا أول دولة رحبت بهؤلاء المثقفين ومولتهم، ولعبت دوراً رئيسياً في تشكيل النظام النيوليبرالي. وقد أضفى الباحث كوين سلوبوديان، مؤلف كتاب "العولميون"، اسما ًعلى مساهمة سويسرا في النيوليبرالية:" مدرسة جنيف".

تضم مدرسة جنيف مفكرين شغلوا مناصب أكاديمية في جنيف، ومن بينهم ويلهلم روبك، ولودفيج فون ميزس، ومايكل هيلبرين؛ أولئك الذين تابعوا أو قدموا الأبحاث الرئيسية حول هذه المدرسة، إضافة إلى فريدريش هايك وليونيل روبينز وجوتفريد هابرلر؛ وأولئك الذين عملوا في أمانة الاتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة (الجات)، مثل جان توملير وفريدر روسلر. وقام الليبراليون الجدد في مدرسة جنيف بنقل الفكرة الليبرالية النظامية عن "الدستور الاقتصادي"، أو مجمل القواعد التي تتحكم في الحياة الاقتصادية إلى نطاق يتجاوز الأمة ".

لا يزال يؤكد هذا المؤلف قائلاً:" أصبحت جنيف فيما بعد مهد منظمة التجارة العالمية، العاصمة الروحية لمجموعة المفكرين الذين سعوا لحل لغز النظام ما بعد إنهيار الأنظمة الإمبراطورية بعد الحرب العالمية الأولى"، أي الفترة التي أعقبت نهاية الإمبراطورية النمساوية المجرية، والتي تضمنت بوضوح التحدي الذي يمثلته الثورة الروسية للنظام الراسمالي. ويضيف سلوبوديان:

"ما سعى إليه الليبراليون الجدد في مدرسة جنيف ليس إلى حماية جزئية، بل حماية كاملة لحقوق رأس المال الخاص، ومنح القدرة للهيئات القضائية فوق الوطنية مثل محكمة العدل الأوروبية ومنظمة التجارة العالمية على تجاوز التشريعات الوطنية التي قد تعطل الحقوق العالمية لرأس المال"، وباختصار، أنه دستور اقتصادي للعالم.

بالنسبة لمدرسة جنيف، إعتبرت على الدوام، حسب سلوبوديان:"إن الالتزام بالسيادة الوطنية والحكم الذاتي يعد أمراً خطيراً إذا تم أخذهما على محمل الجد. وهكذا اعتقد أنصار مدرسة جنيف أنه بعد إنهيار المنظومة الإمبراطورية، يجب أن تظل الدول جزءاً لا يتجزأ من نظام مؤسسي دولي يحمي رأس المال ويحمي حقه في التحرك بحرية في جميع أرجاء العالم. لقد كانت الخطيئة الأساسية في القرن العشرين هي رفع وتطبيق شعار الاستقلال الوطني غير المقيد، وكان النظام العالمي النيوليبرالي يتطلب استقلالية له قابلة للتنفيذ، أو "نفس القوانين"، كما أطلق عليها هايك لاحقاً، ضد وهم الاستقلالية، أو "القوانين الخاصة".

وبعبارة أخرى، فبالنسبة إلى الليبراليين الجدد في مدرسة جنيف، يجب أن تتداخل القوانين التي تدافع عن "حقوق" رأس المال مع القوانين الوطنية المتعلقة بحقوق العمال أو حماية البيئة، على سبيل المثال.

أصبح العديد من المشاركين في مدرسة جنيف من بين مؤسسي جمعية Mont Pélerin في سويسرا، وهي منظمة لعبت دوراً رئيسياً في البناء الفكري للنيوليبرالية والنشر لمقترحاتها في سائر أنحاء العالم. وعملت جمعية مونت بيليرين كمصدر إلهام ونموذج لمنظمات أخرى مهمة تعود لليمين الدولي مثل شبكة أطلس والمجلس الأطلسي.

وانحازت النخب السويسرية في وقت مبكر جداً إلى جانب رأس المال، في مواجهة التحدي الذي تمثله الثورة الروسية، واحتضنت حتى أكثر التيارات المتطرفة استبداداً في الرأسمالية التي تمثلها النيوليبرالية، كل ذلك لمواجهة "الخطر" الأكثر تهديداً من جانب اليسار، الذي يشكل تهديداً أشد خطراً، من وجهة نظر رأس المال مقارنة بأي تهديد استبدادي من جانب اليمين.

تقدم كتابات هاري جمور، الكاتب والشيوعي السويسري، شهادة مهمة عن الحملة الصليبية للبرجوازية السويسرية ضد الشيوعية واليسار بشكل عام. ولد هاري جمور في برن عام 1908، وشهد صعود الفاشية في أوروبا ورد فعل النيوليبراليين في سويسرا، وكلاهما رد فعل على التحدي الذي تمثله الحركة العمالية والثورة الروسية. وعلى عكس العديد من السياسيين المعاصرين، اعتنق جمور اليسار القيم الإنسانية. ففي نص نُشر في عام 1965 تحت عنوان "حرب هتلر وسويسرا"، كتب جمور: "بعد اندلاع الحرب، سارعت الحكومة في برن تحت ضغط ألماني، لكنها استفادت من هذه الفرصة بكل سهولة، إلى حظر وإخضاع للمراقبة جميع الأحزاب والجمعيات والصحف وموزعي الكتب المعادية للفاشية باستمرار، وما إلى ذلك".

انعطاف سويسرا الخطير إلى أقصى اليمين

وفي مقال آخر نُشر في ذلك الوقت في سويسرا في عام 1975، كتب جمور:

"تعرض اليسار السويسري لضغط خاص خلال الحرب. فبعد اندلاع الحرب، قام المجلس الفيدرالي السويسري، بدفع من حملة مناهضة الشيوعية و الخنوع للرايخ الثالث، بغلق صحيفة "الحرية" (Freiheit)، لسان حال الحزب الشيوعي السويسري، والصحيفتان اليوميتان للاشتراكيين اليساريين في فو وجنيف، اللتين انفصلتا عن الاشتراكية الديموقراطية. وبعد استسلام الفرنسيين، تم حظر الحزب الشيوعي السويسري والأحزاب الاشتراكية اليسارية السويسرية الناطقة بالفرنسية ومعارضة الحزب الاشتراكي السويسري للناطقين باللغة الألمانية (فصيل يعمل ضد المسار اليميني في قيادة الحزب) وجمعية  الإتحاد السوفياتي –سويسرا. وتمت مصادرة ممتلكاتهم، من مطابع ومكتبات وحتى مخزون المكاتب، ولم يتم إعادتها أبداً حتى بعد ذلك. وقد رفض رئيس القضاء والشرطة الشكاوى المبررة من قبل الصحافة السوفياتية بشأن معاملة أسرى الحرب السوفيت الذين فروا إلى سويسرا ".

وتم نشر مقالتين لـجمور في مجلة "المسرح العالمي" الصادرة في جمهورية ألمانيا الديمقراطية السابقة، تحت اسم مستعار هو ستيفان ميلر، لتجنب القمع من قبل الجناح اليميني في سويسرا. ومع ذلك، فإن الوثيقة الأكثر أهمية حول سلوك البرجوازية السويسرية وحربها المستمرة ضد اليسار ودفاعها الذي لا هوادة فيه عن رأس المال قبل كل شيء هو تقرير بيرجير.

في كانون الأول عام 1996، تم إنشاء لجنة مستقلة من قبل المجلس الفيدرالي السويسري تحت إشراف المؤرخ جان فرانسوا بيرجييه مع التفويض، ووفقاً لما ذكره بيرجير نفسه في تقريره:"تم الإجابة على سلسلة من الأسئلة المحددة: حول الأصول غير المطالب بها من قبل مودعيها"، أي الأصول المودعة في البنوك السويسرية قبل الحرب (العالمية الثانية) من قبل ضحايا (النازية) ولم يستردوها فيما بعد من قبلهم أو من ورثتهم؛ وبشأن معاملة اللاجئين ؛ وبشأن جميع العلاقات الاقتصادية والمالية والتجارية  بين سويسرا وألمانيا النازية، وفي التعاون فيالإنتاج الصناعي، وفي حركات الائتمان ورأس المال والتأمين وتهريب الأسلحة وسوق الأعمال الفنية والممتلكات المنهوبة أو المباعة بالقوة، والنقل بالسكك الحديدية والكهرباء، والعمل القسري في ألمانيا من قبل المؤسسات التابعة للشركات السويسرية ".

ومن المعلوم إن تقرير بيرجير ككل يتكون من 11000 صفحة موزعة على 28 مجلد. وهو عمل هائل لا يقدر بثمن.

أما بالنسبة لبيترو بوشتي، مؤلف كتاب بعنوان "السويسريون والنازيون" (Les Suisses et les Nazis)، فإنه يلخص تقرير بيرجير ويقتبس منه فقرة بيرجير آنفة الذكر، فقد أكد بشكل عام على ما يعرفه المؤرخون بالفعل: نعم، كانت سياسة اللجوء قاسية للغاية خلال الحرب ؛ ونعم، اشترى البنك الوطني السويسري الكثير من الذهب المشبوه الوارد من ألمانيا النازية، وبالتالي قدم للنازيين خدمة حظت بتقدير كبير ".

ويذكر بوشتي في كتابه بعض الأمثلة على تعاون الشركات الكبرى في سويسرا مع ألمانيا النازية على غرار ما كشفه تقرير بيرجير. ومن الأمثلة التي يوردها بوشتي، أذكر بعض منها أدناه  لإعطاء فكرة عن نطاق تقرير بيرجير. وفيما يتعلق بالأعمال التجارية بين سويسرا وألمانيا النازية، كتب بوشيتي: "من الواضح أن العلاقات بين رجال الأعمال كانت وثيقة جداً ودائمة. وهكذا، وبعد الحرب، فلقد تم توفير الدعم لرئيس [بنك] إس بي إس [رودولف سبيش] ومدير [بنك] يو بي إس [ألفريد شايفر] المصرفي النازي الوحيد كارل راش، عضو SS، من بنك درسدنر] الذي أدين من قبل المحكمة الدولية في نورمبرغ ".

وحول "النزعة الآرية"، فإنه يشير إلى أنه: "يبدو أن شهادات الآرية لإثبات النقاء العرقي كانت ممارسة شائعة إلى حد ما. فعلى سبيل المثال، من أجل الحصول على حق هبوط  الطائرات في ميونيخ، وافقت "سويس إير" على أن يثبت أطقمها إنحدارهم من الجنس الآري. وفعلت شركة نستله الشيء نفسه، كما فعلت شركات التأمين السويسرية بناء على ضغوطات برلين".

ومرة أخرى، حول نستله: " ظلت شركة نستله على اتصال طوال الحرب مع السويسري هانز ريجينباخ، الذي كان مسؤولاً عن العمليات الألمانية متعددة الجنسيات في برلين. وباعت نستله منتوج نسكافه إلى الفيرماخت خلال الحملة الروسية، على الرغم من صعوبة استيراد حبوب البن ".

حول عمل أسرى الحرب القسري: "لقد تأثرت الشركات السويسرية شأنها شأن منافسيها  بسبب نقص الأيدي العاملة،  ولذا لجأت الشركات السويسرية إلى إستخدام العمل القسري. ففي مصانع Lonza في والدشت، جيء بـ 150 أسيراً فرنسياً في الفترة بين تموز 1940 ونيسان 1942. ومنذ ذلك الحين وحتى نهاية الصراع، عمل هناك أكثر من 400 أسير حرب روسي. ولم يتردد جورج فيشر وبي بي سي  وماجي  ونستله والعديد من الشركات السويسرية في الاعتماد على مجموعة من هذه العمالة القسرية.

"كان سوء المعاملة ممارسة شائعة، بما في ذلك في الفروع السويسرية ... حتى شهر آب عام 1944 حيث أعادت سويسرا عمال السخرة الفارين، وخاصة الروس والبولنديين إلى ألمانيا". ويشير بيرجير إلى أن السلطات والمسؤولين عن الشركات السويسرية في ذلك الوقت، "لم يفشلوا في تبرير كل من الإجراءات التي اتخذوها، أو رفضهم اتخاذها، أو ترددهم. لكن تفسيراتهم نادراً ما تصمد أمام الحقائق"، كما كتب بوشتي في مقدمة كتابه.

ومع ذلك، فقد تم إحباط النقاش الذي جرى بعد نشر التقرير بين أوساط الرأي العام الذي وتم عرقلة الهدف النهائي لكل الجهود المبذولة لعقد مؤتمر حول هذه القضية، على حد تعبير بيترو بوشيتي:

ومع ذلك فإن سويسرا بلد يثير الفضول! ففي الوقت الذي أكمل للتو عملاً جديراً بالثناء من سبر غور التاريخ المعترف به في كل مكان تقريباً باعتباره عملاً نموذجياً، وفي الوقت الذي استثمر موارد كبيرة لتمكين المؤرخين من العمل بجدية واستقلالية، وفي الوقت الذي نجا البلد من "أزمة الهوية" الناجمة عن فضيحة الأصول الآرية غير المطالب بها والتي أثارت كل أنواع المبالغات والتجاوزات، فإن هذا البلد الذي يمتلك المادة التاريخية اللازمة لإجراء مناقشة هادئة، رفض عقد المؤتمر…. ويا للأسف!

كان قمع هذا النقاش انتصاراً جوهرياً للبرجوازية والشركات الكبرى في سعيهم لحماية صورتهم والحفاظ داخل سويسرا على المساحة والمصداقية اللازمة لمواصلة توسيع الأجندة الليبرالية الجديدة. ولولا ذلك، لم تكن هناك أية إمكانية لإستقرار مؤسسات مختلفة مثل المنتدى الاقتصادي العالمي والصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، في سويسرا، وكلاهما يعتبران ورثة وداعما الرؤية النيوليبرالية للعالم، أي السوق كأداة رئيسية لتنظيم المجتمع وحتى "منقذ" الكوكب، وربما لا يكونا قد حققا مثل هذه الشهرة دون الدعم من قبل سويسرا.

يصادف عام 2022 الذكرى العشرين لنشر تقرير بيرجير. إنها مناسبة لإجراء مناقشة مكبوتة ولكنها لا تزال ضرورية حول هذه الوثيقة، ليس فقط من أجل فهم أعمق لدور البرجوازية السويسرية والشركات الكبرى وأيديولوجيتها في أثناء الحرب العالمية الثانية، ولكن قبل كل شيء لفهم دورها الحالي. بعد كل ما حدث، لا تزال النظرة النيوليبرالية وممثليها يتمتعون بسلطة سياسية هائلة في هذا البلد، ولا يزال العداء ضد اليسار عدوانياً كما كان خلال الحرب الباردة، ولا تزال سويسرا شريكاً مهماً في بناء ونشر التزييف، شأنها في ذلك شأن الروايات الأمريكية التي تدعم الحملات المناهضة للديمقراطية ضد كوبا وفنزويلا، على سبيل المثال لا الحصر. إن القوى السياسية والمصالح الاقتصادية التي أدت إلى تعاون الشركات السويسرية الكبيرة مع ألمانيا النازية هي نفسها التي تقف وراء مقترحات إعادة تنظيم الدولة وفقًا لمصالح رأس المال كما دعت إليها جمعية مونت بيليرين والمنتدى الاقتصادي العالمي؛ وهي أيضاً نفس القوى التي حالت دون المناقشة العامة لتقرير بيرجير.

تستمر الرأسمالية النيوليبرالية في التقدم في سويسرا باعتبارها الحل الوحيد الممكن لمختلف المشاكل التي تواجه البشرية اليوم، من الأزمة البيئية إلى الأزمة الصحية التي يمثلها الوباء. ولم يُذكر أي دور للرأسمالية النيوليبرالية نفسها كسبب لكل هذه المشاكل.

وعندما تجرأت حركة المناخ على مساءلة النيوليبرالية في سويسرا، كان رد الفعل هو التشريع القاسي والقمعي. وعلى الرغم من وجود جمعية مونت بيليرين ومدرسة جنيف والمنتدى الاقتصادي العالمي والصندوق العالمي للطبيعة، إلا أن هناك تقليداً آخراً في سويسرا، تجسد في دور هاري جمور في لجنة بيرجير وهو الآن يظهر مرة أخرى في حركة المناخ. ويعود الأمر الآن إلى هذا التقليد لإعادة فتح النقاش الضروري وتحدي النيوليبرالية في أحد أهم مراكزها وتأثيرها، سويسرا.