توفيق الشيخ حسينقلبها يخلق من صمته دفئا ً وحياة، تخترق فضاءات الوهم وتعود الى الواقع، كل شيء صامت، كل شيء ما وراء الأشياء، ما وراء الأكوان، لا تستوعبها كل الكلمات، لذا كانت كل شيء في كل شيء، تتخيل صورة الكلمة امرأة جميلة، الخيالات لها روح أحيانا ً تبعث الحيوية في الجدب وتنتمي لذاتها، تتوكأ على عناد الوقت الممُل ّ في الدار، تخرج الكلمات من روحها، شعرت بحراراتها، وهم ّ اللحظات أخذتها بعيدا ً، تبحث في كل الأمكنة، في الوجوه، في أعالي الأشجار، وفي بريق قطرات المطر، عن الخلاص من تراكمات الحياة لتعيش أجمل وأنقى اللحظات، تبحث عن ارتعاشات الجسد تحت شتاء الشمس اللندني .

تتعثر الهواجس بين الاقتراب من الحلم والخوف من الحقيقة، تنهض وتتحصن بكتابها المفضّل، كلما عاندتها تجاعيد الأيام لجأت اليه، تتلمس الورق وتدخل عمق القصيدة وتعيش مع كاهنة، ضاقت الدائرة عليها منذ أول يوم خرجت به عن وطنها، حلمها المراهق يقاد الى سنوات مهملة، يلوك بها التصحرّ الذئبي بوحشية، فتسقط مثل حجارة من جبل الى قعر ٍ متحجر .                    

تجمع الكاتبة " وفاء عبدالرزاق " في روايتها " عشرة صلاة للجسد " الخيال بالواقع وقررت أن تختبيء خلف قناع أسم وهمي " أزاهير " لتسقط على لسان شخصياتها أفكارهم ومشاعرهم دون خوف، التي أعطت صوت لبطلتها التي تجسد قهرها كما تجسد أحلامها في تجاوز بؤس واقعها، في أعماق قلبها امرأة اخرى صورة مغايرة عن التي تركتها وهاجرت، تفتح لها قلبها ولم تمتلك ذاتها .

أعتمدت الكاتبة وفاء عبدالرزاق في رسم وأستحضار بطلاتها من قراءاتها للنص التاريخي من عهد الحضارة السومرية لأول شاعرة أكدية أبنة الملك العظيم  "سرجون " ومن على منصتها تقرأ قصائد للسيدة ذات القلب الأعظم " إنانا وأبه". صديقتها الحبيبة الى قلبها، شاعرتها الأثيرة " إنهيدوانا "حين دخلت عوالمها في معبدها المقدس من أولى قراءاتها تيقنت جيدا ً لماذا كل صلواتها كانت لـ " إنانا " انها تؤمن عن قناعة بأن المرأة إله الحياة، لذا عشقت صلواتها وسط إندهاش الجميع وتقديسها لـ " إنانا وأبه " لعل ثقتها تزعزعت بالألهة الذكور وخاب ظنها حين تعرضت لأقسى درجات الألم وشعرت بروعة ذاتها، فمن يتحمل الأقسى يبقى الأقوى والأهم .

2055 وفاء عبد الرزاق

من هنا تدخلنا الكاتبة " وفاء عبدالرزاق " الى عشر صلوات سومرية عبر روايتها " عشر صلوات للجسد " **، الرواية تجسد خيبة بحث النساء عن الحرية والديمقراطية في لندن، التقت الساردة " الراوية أزاهير " بالكثير من النساء اللواتي تعذبن ّ وما زال العذاب متوارثا ًفالظلم يدفعهم لتحقيق الذات، في قلب كل منهما قصة مؤلمة، حين تكتب عن المرأة فهي تثق في وعي ومسؤولية، وبكتابتها تهب حريات تليق بتطلعاتها الإنسانية، هي تجيد الكتابة عن بنات جنسها وما تعانيه المرأة في مجتمع ذكوري، في رواياتها وقصصها نصا ً إبداعيا ً دالا ً على ثقافتها وملكتها في التصوّر والخلق . يظل الصندوق الأكثر إثارة في الرواية، حُفرت عليه كلمات غريبة، أشكال وصور، من أين جاء هذا ؟ تساور أزاهير " الراوية " الحيرة دائما ً عمن جلبه هنا دون علمها، هي لم تشتره سابقا ً ولا قريبا ً، تشعر كأنها عمياء يبحث عن مجهول لهذا الصندوق، تنظر اليه بقلب صامت ومتيقظ قد يخرج منه ثعبان أو جني أو مارد، ما تعنيه من حركاته، ماسر صوته، ترى في داخله نساء وحركة مجتمع وأحاديث، فتحته وتركته مفتوحا ً باحثة عن سر اللغز .

تسير ومعها كتابها المفضل " صلاة إنهيدوانا " وتتخذ ظلا ً لشجرة تطل ّ على النهر، تقرأ عن الزواج المقدّس وكيف هو فرض من فرائض ديانة " إنانا "، هكذا تسير الحكايات، غصّة بغصّة وحكاية موجعة بحكايات أكثر منها إيلاما ً وكانت رائحة الألم تفوح من معاني الكلمات، النص ّ السردي ّ يقوم على اقتناص الأحداث الواقعية وبلورتها وتحويرها لكينونة لغوية تحيلها من الواقعي الى الجمالي ّ في اطار بنية سردية، وتعد ّ الشكل الأكثر توثيقا ً للفضاء الزماني والمكاني .

الرواية تتحدث عن حياتها وتجربتها كونها عاشت مشكلات المرأة العربية والأجنبية المهاجرة وحكاياتها عن عالم المرأة الموحش، شخصياتها كلها من النساء ومختلف الثقافات والجنسيات وتجمعهن هموم إنسانية واحدة .عرفت في قلب كل من صديقاتها قصة مؤلمة، المتعة التي يشعر بها الرجل وهو يقسو ضربا ً على زوجته، يلوث قدسية العشرة الزوجية، هذا ما نلاحظه بحكاية " بربارة " انجليزية

 تشارف الخامسة والثلاثين من العمر، تؤمى ّ همسا ً وبالكلام أحيانا ً، واحيانا ً بصوت عال، خاصة حينما يأخذها حماس المعاناة، رأت دفء الألم يتساقط مع دمعات هطلت غيظا ً على خدّها، بدا تحت عينها اليسرى ورم ٌ مزرق حاولت أخفاءه بخصلة ٍ من شعرها، حتى هنا ضرب ٌ وإضطهاد في بلد الحرية والديمقراطية ! أقتربت شابة أفريقية منها :

" كلنا مثلك سيدتي، لذا ننظر الى أجسادنا المُباحة على أنها لها الحق في لذّتّها ونشوتها " من كثر الأضطهاد والألم أصبحت تبدو أكثر نحولا ً ووجه شاحب، لا تقوى على التركيز والسياقة والرؤية مشوشة عندها وتشعر بحمى ّ أحيانا ً ونشفان في الريق، سيدتي نطقها الطبيب إنك مصابة بمرض " الايدز "، جمدت كأنها تمثال، عيناها شاخصتان بوجه الطبيب وجسدها متصلب، زوجها هو السبب في نقل العدوى، فقدت الوعي وأغمي عليها وأدخلت المستشفى، بعدها جاءها الخبر سيدة " أزاهير " نحن من مشفى " أيلنك " يؤسفنا أخبارك أن " بربارة " توفيت بالسكتة القلبية .

تجربة المرأة عند حرمانها الأمومة وأنهيار حياتها الزوجية من خلال حساسية العلاقة مع أطفال زوجها وما تتعرض له من قلق وخوف، في صالون الحلاقة

أصغيت " أزاهير " الى امرأة من المغرب تزوجت من رجل مصري كان مطلقا ً وله أربعة أولاد ذكور جاءت معه الى لندن، عانت من إضطهاده وأتضح لها إنها مربية لأولاده وليست زوجته، كان سليط اللسان، غليظ القلب، منعها من الإنجاب مدعيا ً أن له أولاد وحرمها من الأمومة ومن أنوثتها وإنسانيتها وكانت أيامها في لعنة الموت الحي .

عندما تتعرض المرأة الى شتى أنواع القهر الجسدي وخاصة الأغتصاب، حكاية

" هينار " من بلد عريق مثل الهند سليلة " غاندي وانديرة وطاغور " سليلة الديانات والمعتقدات، المرأة مضطهدة في أعرق البلدان حضارة وثقافة، تروي لهم عن أختها " أنوشكا " التي تعمل نادلة في أحد البارات في الهند، لم تبق غير ثلاثة شهور وذلك لنظرة المجتمع أن النادلة عاهرة وعليه لابد من معاقبتها لأنها تجلب العار لمدينتها وأهلها، تعرضت " أنوشكا " الى الإغتصاب فأعتبروها عار على الأسرة والقرية وتأمروا كلهم على قتلها، قطع أبوها رأسها وراح يدور به في القرية إعلانا ً عن انتصاره لشرفه وحتى تكون " أنوشكا " عبرة للباقيات كي لا يعملن نادلات .

تجسيد ما تعانية المرأة في أعماق شخصيتها بأنها سلعة وتُحرم من الحب والزواج حكاية " مهيرة " من باكستان تتأمل الوجوه والأحاديث وكأنها تحترق مع إيامها التاسعة عشرة، لكن الإحتراق قهرا ً جعلها تبدو في الأربعين، لا تختلف حكايتها عن حكاية " هينار " وكأنها مخلوقة اخرى غير التي تركتها في بلدها، بلد " بناظير بوتو " فالمرأة سلعة لا صوت لها ولا حق في الأختيار، فقد قتلتها العشيرة بقتلها كرامتها وصوتها لأنها رفضت الزواج بطريقة الأسرة وأختارت من تحب، أحتشدوا لقتل إرادتها وإنسانيتها، هرّبها أخوها الأصغر الى مركز خاص برعاية النساء المطلوبات بتهمة العار والزنىّ وبعرفهم الزانية من تعترض ليس إلا، وبواسطة هذا المركز طلبت اللجوء الى بريطانيا، وهناك أيضا حالة بشعة في أفغانستان، امرأة أُخرجت من خيمتها وأمام ابنائها تم تصويب الرصاص على رأسها بتهمة الدعارة، قاتلها بعد استمتاعه بها ليلا ً قرر قتلها مدعيا ً الشرف والشهامة .

اكدت الناقدة العراقية " نادية هناوي " أن الرواية النسوية هي الأكثر تماشيا ً مع المرحلة ما بعد الحداثية بسبب عوامل بعضها سياسية وإجتماعية ونفسية وبعضها الآخر فني وذاتي، ولا يعد السرد نسويا ً الإ إذا أعادت الكاتبة صياغة صوتها بتمثيلات أدبية ذات صور ونماذج أنثوية، تعكس ثقافة انفتاحية لا تؤمن بالحدود المرسومة، ولا تتحدد بالمعايير التي تجدها أو تقمعها .

هنا حكاية " دلكش " امرأة بريطانية من أصول ايرانية سحلو أمها من شعرها على الأرض وأغتصبوها جماعيا ً وقتلو اباها أمام عينها ثم سنحت لها ولأمها الفرصة للهروب الى لندن .

في " تايلند " تدفن المرأة حية في القبر قبل زوجها المتوفي، توضع هي على أرضية القبر وفوقها ثقل كبير من الخشب والطابوق ثم توضع جثة الزوج .

في بعض قبائل الهند تطبق أسوأ العادات جرما ً وذلك بحرق المرأة مع زوجها المتوفي، تربط مع جثته ويصب عليهما زيت سريع الأشتعال، أي ّ جرم ٍ وأي ّ إضطهاد هذا !! .

حددت الراوية " أزاهير " يومين من كل أسبوع للقائها بصديقاتها لتقص ّ كل واحدة قصتها وللإطلاع على مأساة كل واحدة منهن ويكون أختيارها في كل لقاء مكان يتفقن عليه، أماكن فيها من مغزى ّ ومعنى ّ ثقافي وأجتماعي " قلعة لندن، المتحف البريطاني، نهر التايمز، جسر البرج، محطة البرتن، مطعم سوهو " .

الكاتبة " وفاء عبدالرزاق " مسكونة بوطنها العراق، هي عاشقة له يتمخض فيها وجعا ً ومحبة قالت : " أنا اراه محبوبي الأوحد الذي به توحدت، أبحث عن الوطن في ّ وأبحث عن نفسي فيه "

في عتمة الليل يبدو كل شيء صامتا ً، تباع المرأة وتورث مثل باقي الأملاك بعد وفاة الزوج ويحق للرجل بيع ابنته لرجل اخر كعبدة، بعض من عشائر العراق تأخذ المرأة " فصلية " لأهل القتيل، تساق للزوج ليحق له إهانتها كعبدة وضربها والحاقها بالضرر منه ومن أسرته، وايضا ً ما دار في الصحف والأعلام المرئي عن زواج القاصرات وأهلية الفتاة للزواج في سن التاسعة .

تمر أمامها صور ٌ كثيرة عن الزواج المقدّس أو الجنس المقدّس، المتعة والمسيار أتراهما إرث قديم ؟ أو نحمل هذا العبء على أكتافنا لنورثه للجيل القادم كما أورثه لنا آباؤنا وأجدادنا !

" على هذه الأريكة تمدّد جسدي المنهك من عُقم الأيام، لم تنجب بطن اللحظات ساعة فرح تهزني من أعماقي، لم تفارق نظرة الحزن عيني، بصمة حدقتيها البنيتين وسِمتها الخاصة، كيف تكون الملابس ذئابا ً، المجوهرات عناكبا ً، والحلي مجرد ثرثرة على معصمي أو عنقي " .

قسوة المجتمع من معتقدات الدين في قضية ختان البنات، حكاية " خضرة " امرأة

يهودية ذات أصول صومالية جاءت الى بريطانيا مع أسرتها لطلب اللجوء، كيف قاست من معتقدات دينها في قضية " ختان البنات " وهي في الخامسة من العمر والذين يعتبرون ختان الفتيات وخياطتهن بعد ذلك أفضل طريقة لعفتهن وعليه تكون عفة عوائلهن .

" ايملي " فرنسية رغبت دراسة الأدب الأنجليزي، تزوجت بعد أن تعرفت عليه في مرقص صغير، حبلت منه لكنه تمادى في بيعها لناس لا يعتقد إنهم اصدقاء له، مرضت وبسبب عدم قدرتها على مواصلة الدراسة فصلت من الجامعة، كانت فرحة بخلاصها من الجنين وهو في الشهر الرابع، تركته وبعدها أتممت دراستها وحصلت على عمل مدرسة لغة أنجليزية لغير الناطقين في أحد المعاهد في لندن .

حكاية " إيف " أمريكية الأب وبريطانية الأم، خلال تواصلها في التواصل الأجتماعي " الفيس بوك " تعلقت بشاب عراقي من مدينة الشطرة، كانت سعيدة في علاقتها معه عبر الأثير ومن خلال الشاشة، في ذات يوم حصل على منحة سفر الى لندن كونه رجلا ً اكاديميا ً، فوجئت في المطار بشخص آخر ليس كما وصف نفسه، استغربت منه واخذته الى الفندق الذي حجز فيه ثم تركته يعيش كذبته .

الجسد جزء لا يتجزأ من الكيان الإنساني وهو قيمة مقدّسة تحتاج الى فكر حر ونقاء قلبي وصدق مع الذات لإبراز جماليتها كما تقول " مادونا عسكر " :

" المرأة كائن يخضع للتجربة الإنسانية والأختبار الحياتي بكل ما تحمله الكلمة من معنى ّ، لكن المحيط العائلي والإجتماعي والتربوي والديني يقمع بشكل أو بآخر قدرتها على النمو ما يحول بينها وبين التعبير عن هواجسها وأفكارها ".

" سارة " لها قلب طفلة وعينان غارقتان بالدموع، طفولة ألم وصمت، تزوجت أبن خالها المتعجرف الذي يرى نفسه ملك حياته، أوصلها الى الإنتحار ثلاث مرات والمرة الرابعة لم تنج منه، فقدت الوعي وشل ّ نصف جسدها ولسانها، كان يضطهدها بالعزلة عن العالم، العزلة من الواقع والحياة .

تعاني المرأة من قضية منع الزواج من الرجل الذي أحبته بسبب أختلاف الدين،

" فتنة " سيدة من مصر، مسيحية الدّيانة تعرفت على شاب مسلم، مجرد التفكير باختلاف الديانتين يشعرهما بالشلل والعجز، الحب قهر كل الأختلافات، قرر علي أن يعقد دون علم أسرتيهما، أوقفت الفكرة المحكمة كون فتنة عمرها أقل من السابعة عشرة، نسيت نفسها بين يديه، تحرك الحمل في بطنها، جل خوفها من إخوتها الثلاثة وأبيها المتعصب لمسيحيته، صديقتها المسيحية الثرثارة سربت خبر حملها لوالدتها، أصبحت خائفة حتى من ظلها، أتصلت بعلي واستعدا للسفر الى تركيا ومنها يطلبان اللجوء الى بريطانيا، وفعلا ً وصلا الى بريطانيا وكان لجوئهما باعتباره إضطهاد ديني .

 " Bella " امرأة نحيفة قصيرة القامة، أجبرت على الزواج من أهلها وهي في سن المراهقة لأقطاعي ثري كبير السن، كون البنت عالة على أهلها في الصين، فالمولودة الأنثى حالة شؤم لإهلها، كانوا يتركون البنات وهن صغيرات في الحقول لتأكلهن الحيوانات المفترسة، يتابع عينها إذا سار معها في أي ّ مكان، زوجها مقيم في لندن منذ خمسين سنة وله مطعم كبير، مازالت عذراء والعذرية عندها نسيان الجسد والرغبة .

" ميلفا ماريك " زوجة " أنيشتاين " تخاطب أزاهير جئت أخذ قلمي منك الذي كتبت به أبحاثي في الفيزياء وجادلت به " أنيشتاين " بمعادلات كيميائية حتى وصلنا الى نظريتنا " قانون التأثير الكهروضوئي " التي نال عليها جائزة نوبل لوحده حين قدمها مذيلة بإسمه فقط وضاع كل تعبي وسهري معه، قصّر بعلاقته معي ومع أولاده، اذاقهم اليتم وهو على قيد الحياة، كان يعاملني كخادمة له ولا أتوقع منه علاقة زوجية طبيعية أو مودة وحتى صداقة، تركت المنزل لسنوات حتى حصلت على الطلاق .

حتى الفلاسفة يريدون المرأة ظلا ً صامتا ً، الفيلسوف " كونفيشوس " في بحثه عن امرأة يريدها أن تكون زوجة لا تسمع ولكن ليست صماء، لا ترى ولكن ليست عمياء، لا تتكلم ولكن ليست خرساء، فأين يجد هذه المرأة ؟ إنه مازال يبحث عنها.

" كوريانا " تعني الرمح وأختها " لونجين " تعني الملكة من رومانيا، كانا باتجاه ركوب الحافلة عندما مرت سيارة واختطفتهما وغادرت بهم مسرعة وتم تكميمهما بكمام فيه مخدر، كانا في غرفة صغيرة مظلمة مرميتان على الأرض، تم التناوب على اغتصابهما، بقيا على هذه الحالة ثلاثة شهور حتى حبلت أختها، ثم هربوهما الى المانيا الوكر الكبير للدعارة، ماتت أختها وهي تنزف من الاجهاض، حتى جاء اليوم الذي انقذها شاب يهودي تعلق بها واستخرج لها وثيقة وعقد زواج وجواز سفر وسافرا الى لندن .

" زبيدة " أحب امرأة الى قلب " هارون الرشيد "، تمنت لو انها امرأة من عامة الناس تحب وتعشق وتتزوج من تعشقه، أم زوجها " الخيزران " تتدخل في حياتها، يحبها الرشيد وتعرف كل ليلة بأحضانه عددا ً من النساء، كان يعذبها بنسائه، رزينة ذات عقل ورأي وفصاحة وبلاغة، تنظم الشعر، أقسى ساعة مرت بها عندما دخل عليها الخليفة المأمون يُعزيها بإبنها، وعليها أستقبال قاتل إبنها بالتبجيل والترحاب .

" خولة " الأبنة الكبرى لوالديها، لم يفكر والدها بتوفير مستقبلهم كأسرة، حين تخرجت من الجامعة لم يفرح لها كباقي الآباء، كان يحاسبها حتى على شُرب الماء بينما أشترى لأخوته كلهم دورا ً، سافرت الى لندن لإكمال دراستها بعد أن جمعت من راتبها مبلغا من المال وحصلت على الدكتوراه في المحاسبة وعملت لدى شركة كبرى وحصلت على إقامة عمل ثم الجنسية البريطانية .

" جان دارك " حكم عليها بالموت حرقا ً بتهمة العصيان والزندقة، اسرها البريطانيون في حربهم مع فرنسا وحكمت عليها الكنيسة، خلّدتها الكنيسة الفرنسية بعد خمس وعشرين سنة حين اذن البابا " كاليسيوس الثالث " بإعادة النظر في محاكمتها من قبل لجنة مختصة التي قضت ببراءتها من تُهم وجهت اليها وأعلنتها بناء ً على ذلك شهيدة وقدّيسة، تعد ّ بطلة قومية فرنسية قادت الجيش الفرنسي الى عدة انتصارات مهمة خلال حرب المائة عام ممهدة الطريق لتتويج" شارل السابع" ملكا على البلاد وحين اسرت لم يتدخل " شارل السابع " لإنقاذها من الاسر، هكذا تساق النساء للحرق أحياء وتلفّق ضدّهن التُهم من أجل مصالح الكراسي والحكام والأساقفة !

تعانق كل مرايا الدار كالمجنونة، في الصالة اثنان، أمام غرفة نومها واحدة، في الغرفة اثنان تتحدث معها، تناقشها، تسألها، ترقص فرحة أمامها، تتصور أن تقول لها : أنها آتية بكل ما تملك من ضوء، تمجدها وتحبها،المرايا الوحيدة التي تحملتّها وصبرتّها وساندتّها ووجدت فيها ذاتها، والتي لم تصبح ظلا ً لأحد وبقت في محرابها وفي صلواتها العشر، هل هذا انتصار للمرأة ؟ أم اللجوء اليها ؟ إذا ً لا أحد يعرف المرأة بكل ما تمتلك من أحاسيس إلا المرأة .

تعرضت " هاريت توبمان " الأفريقية في صغرها للضرب على يد الكثير من أسيادها في مقاطعة " دورشيستر " بـ " ماريلاند " وتعرضت الى جرح كبير في الرأس وتسببت الإصابة بصداع ونوبات وتخيلات ورؤى، هربت عام 1849 الى " فيلادلفيا " لكنها سرعان ما عادت الى " ماريلاند " لإنقاذ عائلتها، اخرجت عائلتها من الولاية ببطء على مجموعات وقادت العشرات من العبيد الى الحّرية، كانت أول امرأة تقود حملة مسلحة في الحرب، وقادت حملة حُرر فيها 700 من العبيد، أنهكها المرض ودخلت في بيت للمسنيّن الأمريكيين من أصل أفريقي .

" بولا " خياطة للأسر الثرية الى أن اصبحت الخياطة الخاصة بالأميرة، كانت تجمع المعلومات وإيصالها الى الثوار في مدينة " بوغوتا "، وكانت تتسلل الى السجن بواسطة أحد الحرس وتزود السجناء بالأكل والماء، كشف أمرها وحين ساوموها بالقتل أو الأعتراف بمخابيء الثوار لم تتفوه بكلمة واحدة، أعدموها رميا ً بالرصاص وسط الساحة في العاصمة، بعد ذلك أصبحت رمزا ً للثورة حين نال شعبها حريته واستقلاله .

رواية متميزة تجعلك مشدودا ً تبحث عن حل اللغز، ومسألة وسؤال، هي نقد بأسلوب أنثوي، هي صرخة أحتجاج تكشف عن وجود أزمة حقيقية في الواقع .

 

توفيق الشيخ حسين

.......................

**عشر صلوات للجسد / رواية / وفاء عبدالرزاق / افاتار للطباعة والنشر / القاهرة / 2020 / لوحة الغلاف / الفنان العراقي صالح كريم .

 

 

قاسم ماضي"قصائد سرية جداً" للشاعرة هيفاء هاشم الأمين، ديوان جديد هو إفصاح للعوالم الداخلية وانحيازها إلى قصيدة التفعيلة في قصائدها المرسومة بريشة عربية .

تنحاز الشاعرة اللبنانية " هيفاء هاشم الأمين " إلى قصيدة التفعيلة، التي اشتغلت عليها في هذا الديوان الذي يحوي بين طياته ثمانية وعشرين قصيدة شعرية رومانسية، التزمت فيها الشاعرة " الأمين " الأصالة مع محاولات للتجديد والبحث .وأظهرت براعتها من خلال لغتها المكثفة،والتي تحمل دلالاتها الكثيرة في عالمها الشعري الجمالي والإبداعي، وهي محاولة منها لتختلف عن شاعرات عصرها

وأكون ُ أحلى من كثيرٍ حولنا  

 وأكف ُ كل قصيدة ٍ ما قلتها ص46

و بعد جهود حثيثة ومتابعة لما هو سائد من الشعر العربي بعصوره المختلفة،إنطلقت شاعرتنا من مجموع قصائدها لتقول كل محاولاتي هي لتقديم ما هو جديد في تقنيات الشعر العربي قديمه وجديده، ولها الحق أن تكتب ماتشاء، وكيفما تشاء الذي تصب فيه رؤاها ومراداتها،بوصف الشعر وأقصد الشعر العربي واحداً من أهم أنواع الأدب في اللغة العربية ولأن الشاعرة " الأمين " اهتمت بنشر ثقافتها في عالمنا المعاصر انطلاقا من " ابن منظور " الشعر منظوم القول، غلب عليه لشرفه بالوزن والقافية، وأن كان كل علم شعراً "1

لا تقطف الورد كلا لا تشوهه ُ

فقاطفُ الوردَ قد يدمي أنامله ُ" ص77

وهي تخوض غمار تجربتها الشعرية بصبر وأناة،وتشتغل قصائدها على روح المحبة والانفعال المتزن . حتى تدخلك في عالمها الجمالي الشعري الذي يرتكز على فلسفتها الخاصة والتي بنيت في إطار هذه الفلسفة التي رسمتها عبر صورها الشعرية، وهذا البوح الأنثوي يمنحها هذا الحزن والألم والتفاؤل المغمس بالعاطفة المشحونة بحب الآخر، لكي تقدم للقارئ العربي عبر قصائدها المتميزة والمثيرة للجدل، والحاملة لموضوعات حساسة ومختلفة للعقلية التي يحملها الآخر .

وأنا التي تجفو وتكسر ُ قلبها

وهي التي سارت بلا عقل ٍ إليك َص96

2056 هيفاء هاشم الامين

 والشاعرة " الأمين " غاصت في واقعنا المعاصر كثيراَ،ورسمت أجواء  قصيدتها بروح التفاؤل وعنفوان الحب، وقصائدها تمتاز بالرصانة الأسلوبية، وتنوع الأغراض الشعرية داخل القصيدة، حتى تجد قصيدتها معبرة ومكتنزة فيها من الكثير من وهج العاطفة الإنسانية وهي تعبر عن دواخلها بطريقة واضحة ومكشوفة، وهي تقول عبر هذه القصائد أنني هنا أعبرعن جهدي الشعري الخلاق الذي رسمته بحرفية واعية والذي جمع بين الكثير من المزايا الجمالية والمعرفية وكذلك الملموسة . يقول الناقد الدكتور" رمضان الحضري " في مقدمة الديوان ص3

" تسير الشاعرة " هيفاء هاشم الأمين " في درب ليس مستحدثا،لكنه ليس قديما كذلك، فهي تكتب الشعر كما ينبغي الشعر العربي أن يُكتب، هي أمينة جداًمع الخليل بن أحمد الفراهيدي الأزدي،لم تشأ أن تخونه، ولكنها لا تستطيع أن تتبع فكره في عصرها بما يمكنها ص4      ويأتي ديوان " قصائد سرية جدا ً " للشاعرة العربية " هيفاء هاشم الأمين " ليعبر عن هذه الفكرة جيدا ً فالشاعرة التزمت في موضوعاته وحدة الموضوع الشعري فهناك الموضوعات الواقعية، والرمزية، وكذلك الرومانسية التي انطلقت منها لتؤكد أصالتها في تشكيل نصوصها الشعرية حيث أصبح الحزن والبوح وبث الألم المخزون في دواخلها واضحا في عدة قصائد من هذا الديوان الصادر عن دار نشر " شعلة الإبداع .

ياحب في الريحِ لا يبقى إذا غضبت

وإن تهب رخاءً سوف َ تحُييه ِ

هل أسكن ُ الديرَ إني بتُ حائرة ً

أم أكتب ُ الحُبَ في شيء ٍ و أرميهِ ؟ ص3

وهذا الانسجام المرسوم بدقة بين فكرها وعاطفتها والتي اشتغلت عليه الشاعرة " الأمين " اتاح لها فرصة كبيرة في إطلاق الخيال وتوليد العديد من الصور الجديدة والمبتكرة كما جاء في قصائد منها " أسيرة، يضيع دربي، خط أحمر، ظلي " وغيرها من القصائد في هذا الديوان .

كأني لا أكادُ أميز ُ نفسي  

وكيف أكون ُ حيًا في انكساري ص69

تقول في مقدمة الديوان " حينما تتصاعد أنفاسي للسماء تلامس قمم الفرح والدهشة، فأغمض عن كل شيء يزعجني وأحملق في دفتري وأمسك قلمي وأغمس روحي في محبرتي، وأقص حكاياتي التي تركت أحرفها فوق هدأة مكتبي . ص7

أتعود بعد تشتتي وشجوني

وترد ُبعدَ تحرقي وجنوني ؟ ص92

وهي تحاول أن تبدع بلغة شعرية عبر خلق علاقة بين عالمها الشعري ولغتها التي انطلقت منها لتكونا عالمها الخاص بها، لأن الشاعر يبني صرحه التخييلي باستخدام الأساليب البلاغية وطرق التشكيل، ولهذا ظلت تحافظ على إيقاع لغتها المحبوكة ومستوى ايقاعها الموسيقي، ومن المسلم به لدى الباحثين "أن لغة الشعر هي لغة الاشارة " والشاعر هو من يمزج صوته بصوت الطرف الآخر وأقصد "الخارجي" حتى يمنح القارئ فرصة تأملية . واعتقد أن التجديد لا يكون إلا بالجهود المتواصلة والتجربة الدائبة مع وعي به،وكذلك اللجوء إلى ثقافات أخرى يتنافذ معها ويتمثلها .وهي شاعرة مواكبة لما يحدث في واقعنا العربي .

إني إذا غفت العيونُ أراكم

فلأن عيني صابها سهد ُ ص 49

***

قاسم ماضي - ديترويت

 

 

 اسامة غانمللوهلة الاولى يفاجئك العنوان "ليل علي بابا الحزين" للروائي العراقي عبد الخالق الركابي، العنوان الذي يسبب لأي قاريء تشتتا في الفهم، بسبب دلالاته المتشابكة، المختلفة، بل واعتماده على تعدد الدلالات، وما يحمله العنوان من تورية، هذا في الظاهر، ولكن بعد القراءة المعمقة للنصّ، تتضح بعض المعالم وليس كلها، لأن العنوان هو بالاصل ينطبق على عدة وقائع مترادفة، متوازية، تشتغل في نحته من خلال الحفر في النصّ المزدوج، الحامل لذاكرتين، ذاكرة الاحتلال البريطاني وذاكرة الاحتلال الامريكي .

وبعض القراء قد يتسأل، لماذا وقع اختيار الروائي على هكذا عنوان "ليل علي بابا الحزين"؟ رغم ان شخصية علي بابا الاسطورية لا تمت ظاهريا الى المتن،ولكن، لماذا ليل / ظلام، علي بابا / الشخصية الخرافية، الحزين / المحبط – المخذول – المكسور - المحطم، لا نستطيع اكتشاف ذلك الا القيام بقراءة مثقفة تفكيكية معمقة خاضعة للتأويل من اجل اكتشف الشفرات المبثوثة في النصّ المزدوج، وان الروائي لم يستعير اسم علي بابا اعتباطا !، فان علي بابا شخصية خيالية في حكايات الف ليلة وليلة، وحكايته هي احدى اشهر الحكايات، الهمت الكتّاب والفنانين في انحاء العالم، تدور احداث حكاية " علي بابا والاربعين حرامي " في الف ليلة وليلة حول حطاب فقير يدعى علي بابا يسمع بالصدفة كلمة السر التي تفتح باب المغارة التي فيها كنوز اللصوص، وبفضل كلمة السر "افتح يا سمسم " تمكن علي بابا من الحصول على الكنوز المخباة في المغارة، عليه تكون تساؤلاتنا مشروعة في معرفة قصدية الروائي فيما يقصده ب علي بابا: 

فهل هو الشخصية الخرافية كما جاءت في الحكايات التي تستولي على كنوز المغارة؟

ام هو الشعب العراقي الذي تستباح وتسرق اثاره وثرواته وامواله وارواحه من قبل العصابات الاتية من خارج العراق؟

ام هو هنا الروائي الذي غادر النصّ حالما الانتهاء منه، للكشف عن اللصوص الحقيقيين الكبار، اولئك الذين يسرقون البلاد بكل ما فيها من حضارة واثار ونفط؟ وعوضاً عن الاربعين حرامي،صاروا الاف الحرامية من خلال مناصبهم الحكومية واحزابهم الدينية مع تفشي فساد ادري ومالي كبير وخطير تعرض له المجتمع العراقي دون خجل او خوف من الشعب العراقي .

او هو الاسم الذي اطلقه الامريكان على الشعب العراقي؟ " مكتفين بالسخرية مما يجري، مشبهين العراقيين دون استثناء ب (علي بابا) وخصومه اللصوص الاربعين ص100 الرواية " .

وحسب رأي غادامير (ان العلاقة بين النصّ والقاريء تخضع لمنطق السؤال والجواب، إذ يصبح النص جواباً عن سؤال، وبعبارة اخرى لا أرى في نصّ ما الا مايعنيني . فان فهم نصّ تاريخي ما، يعني: فهم السؤال الذي أجاب عنه النصّ، وبصفة عامة: البحث عما يسميه غادامير ب " أفق الأسئلة")1.

وقد قام عبد الخالق الركابي بتقسيم الرواية الى ثلاثة اقسام، كل قسم يحمل عنوان مستوحى من حكايات الف ليلة وليلة، كما فعل في عنوان الرواية الذي استوحاه من حكاية " علي بابا والاربعين حرامي "، فالقسم الاول والثاني مأخوذ من الحكاية اما الثالث فهو يعود لحكاية منفصلة، وهي من ضمن الحكايات الاخرى:

1- الخروج من المغارة .

2- افتح يا سمسم .

3- كلمات كهرمانة الاخيرة .

لماذا استعارة اسماء الاقسام من الحكايات الخيالية / الخرافية، الف ليلة وليلة؟، رغم ان النصّ يستعرض احداث واقعية، نعم، لقد استخدام الروائي هذة الاسماء التراثية بعد ان قام بأحالة دلالاتها ورموزها، لكي (بسعى تحليل المضمون الى الامساك بالعناصر المناسبة على مستوى الافكار فقط ولا يمتنع عن القراءة بين السطور كي يكتشف دلالة عميقة " ماذا يريد النصّ أن يقول")2، فهل الخروج من المغارة يعني خروج العراق من حكم النظام البعثي؟ ولكن بعدما خرج العراق ماذا كانت اوضاعه السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ فالعراق قد احتل و(دخول " المارينز " بغداد أصابني باليأس والقنوط، وكانت اعمال السلب والنهب قد عمت الشوارع، فارتفعت أعمدة دخان الحرائق من الدوائر والمؤسسات الحكومية، وباتت اصداء العيارات النارية لا تكف عن التردد على مدار الساعة - ص 29 الرواية)، اما الكلمة السحرية " افتح يا سمسم " فهي قد جاءت مجازا في النصّ لتعطي دلالة مختلفة عن المعنى المطروح في الحكاية، فهي هنا: الرشوة – النهب – السلب – سرقة المال العام – القتل، فهي الكلمة التي فتحت ابواب جهنم على العراقيين: (المنفذ الحدودي وكأنه " مغارة علي بابا "يكفيك ان تردد العبارة المعروفة " افتح يا سمسم " لتنهمر عليك الدولارات مثل قطرات المطر،ص192 الرواية)، وماهي كلمات كهرمانة الاخيرة، رغم عدم وجودها في النصّ نهائياً، ومن هي كهرمانة في التراث العربي3، وعلى من احال الروائي هذه الشخصية، أن القراءة (الوحيدة الجدية للنصوص هي قراءة خاطئة، والوجود الوحيد للنصوص يكمن في سلسلة الأجوبة التي تثيرها . فالنصّ، كما يشير الى ذلك تودوروف، بمكر، هو نزهة يقوم بها المؤلف بوضع الكلمات ليأتي القراء بالمعنى)4، ومن خلال بحثنا في " كلمات كهرمانة الاخيرة " القسم الثالث، لم نعثر الا على كلمات – دنيا التي هاجرت الى امريكا مع جنينها- المستقبل المجهول، على شكل رسالة موجهة للراوي- القاريء، هاجرت الى بلاد المحتل – لاادري لماذا جعل الروائي دنيا تهاجر الى امريكا بالذات وليس الى بلد اخر -: " انني كدت اجعل منه موضوعاً للمساومة وهو جنين في احشائي، طمعاً في الاستحوذ على بيت مترف يقع في شارع الاميرات – نعم لم لا اصارحك اللحظة بالحقيقة؟ - لولا انه جعلني احسم أمري وأقرر الهجرة: حصل ذلك يوم اتصلت بي هاتفياً اياي لفشل مسعك مع نجيب الكذاب، فوسط انفعالي وانا ارد عليك منتحبة فوجئت باول ركلة منه في بطني، فقررت لحظتها نفض يديّ عن كل شيّ والنجاة به، هو ابني الوحيد وسط زبانية جهنم !! - ص 290 الرواية "، بعد هذا هناك من يتساءل: ماهو الامتداد الفلسفي والفكري لدنيا في كهرمانة، وهي المرأة المسيحية التي تزوجت ب يحي وهو الذي وقف لها في محنتها المالية بعد ان طردها رياض من المتحف لعدم تمكنه من تحقيق غاياته اللا اخلاقية، في توظيفها عنده في مكتب الاستنساخ في مدينة الاسلاف، ثم زواجها منه بالسر، على بركة الشيخ غازي فياض الذي تنكر لهذه الزيجة بعد اختطاف يحي " هنا المشكلة، فهذا الشيخ اللعين لم يعد كما كان في الماضي: إذ انه يسعى للفوز بمقعد في البرلمان في الانتخابات بعد فشله في الدورة الاولى ! ص 250/ 251 الرواية " .

ان رواية " ليل علي بابا الحزين " تستند بعمق الى المادة التاريخية لتستقي منها مكوناتها الجمالية والثقافية والسوسيولوجية والسياسية والفكرية والاخلاقية، التي تنم عن حقائق واقعية بعيدة عن كل ما هو خيالي، بينما الشخصيات والاحداث تخضع لمخيلة الروائي، وما بينهما تشكلت سردية النصٌ، فالروائي استخدم تقنية الزمن المتقطع المختلف الذي يتداخل فيما بينه،وهذا ما يسمى المفارقة الزمنية، فهي عدم التوافق في الترتيب الذي تحصل فيه الاحداث والتتابع الذي تحكى فيه، فمثلا النهاية تكون البداية مع استلهام وقائع حدثت في وقت ماضي بعيد او قريب، لان في المفارقة يكون الاستعادة والاسترجاع،وعلى القاريء اعادة الترتيب للاحداث واعادة التسلسل الزمني .

 وفي رواية " ليل علي بابا الحزين " نعثر على روايتين في داخل الرواية، تسرد من قبل ساردين اثنين، هما الراوي – لم يمنح الروائي اسما له نهائيا – الذي عاصر انظمة الحكم المختلفة التي حكمت العراق،مرورا بفترة الحصار،الى زمن الاحتلال الامريكي للعراق (الاجتياح الدولي)، والثاني هو بدر فرهود الطارش الذي يمثل فترة الاحتلال البريطاني، فهي رواية تؤرخ لزمنيين واحتلالين، فيصبح الاحتلال البريطاني الذي كان في بداية القرن العشرين منطلقا للعثور على القواسم المشتركة مع الاحتلال الامريكي الذي بدأ في بداية القرن الواحد والعشرون، وبهذا يتحقق النصّ المزدوج المتألف من روايتين داخل رواية واحدة.

حفلت الرواية ب شخصيات كثيرة جداً، ولكن اكثرها لم تشترك في الاحداث،فمثلا عصفور الحمال الذي في شارع المتنبي يسهب الراوي في وصفه له، ف عصفور الحمال وجد نفسه في الحدث الذي لم يشترك فيه والذي لم يشترك في تشكيله،وهكذا بقية الشخصيات، واغلبها تتواجد في مقهى الشابندر،وشارع المتنبي، امثال: الزوبعي / بائع كتب، مكتبة الشقيقان عدنان ومحمد سلمان، بائع الشاي وزاويته الركن، عبد شندي / بائع كتب، واثق الحمداني / بائع كتب، اما اصدقاءه في مقهى الشابندر: حسيب رجب، امجد سالم ونارجيلته، هاني الاحمد وصلعته، وشخصيات مدينة الاسلاف: يحي شفيق،ابن المبيضجي صاحب مكتب استنساخ قبل الاحتلال، وتاجر بعد الاحتلال،الباحث عن الثراء السريع بكل الطرق على قاعدة ميكافيلي " الغاية تبرر الوسيلة "، حيث يجازف بادخال خمسة وعشرون تريلة محملة بلحوم دواجن وبيض فاسدة من منفذ مدينة الاسلاف، لتسديد كمبيالات مستحقة الدفع، بقية مبالغ القصر الذي اشتره لدنيا في بغداد في شارع الاميرات، وينتهي نهاية ماسأوية، حين يختطف من قبل جماعة، تاخذ فديته البالغة ستين مليون , بطرق شبيهة بافلام العصابات واللصوص في السينما،عبر اساليب ملتوية ومتاهات، وعملية تسليم المبلغ تم من قبل زوجته وابنته الارملة ودنيا، ولكن مفعول النقود يذهب سدى عند عدم عودة يحي شفيق ويتعزز الشك في اختفائه، اما الشخصية الثانية والتي يكون لها حضور فهو نجيب شكري المهرب لكل شيء حتى الاثار العراقية مابين ايران والعراق عبر البحيرة، والذي يطلق عليه يحي لقب الكذاب ليشتهر به في مدينة الاسلاف، بعد الاحتلال " بات واحداً من اهم الشخصيات المتنفذة في مدينة الاسلاف، ص 277 الرواية "، والفضل يعود في ذلك الى احد اقرباءه المعدومين من قبل السلطة السابقة لارتباطه باحد الاحزاب الدينية، وفي لمحة ذكية مضحكة يبرز الراوي تناقض موقف نجيب شكري تجاه قريبه هذا، حيث قبل الاحتلال كلما كان يسجن او يذكر اسمه يلعنه ويشتمه وبعد الاحتلال علق على حائط مكتبه " صورة كبيرة بالابيض والاسود، معلقة على الحائط في مواجهتي لشيخ ملتحٍ اعتمر عمامة بيضاء وقد تقاطع شريط اسود مع احدى زواياها، ص 279 الرواية "، والشخصية الاخرى، حمزة مقطاطه -ابن نجم الاعرج بائع اللبلبي والحاصل على نوط الشجاعة عوضا عن ابيه نتيجة عملية مفبركة حيث موته بشظية طائشة وهو على دست اللبلبي حول ايوب العرضحالجي قريبهم الحادثة الى استشهاد في الجبهة -، ذو الهيئة الانثوية والعجيزة الضخمة، بملابسه الزيتوني ومسدسه، شخصية انتهازية، وهو من كان المسؤؤل عن جلب الراوي الى " الاستاذ " ثم ايداعه الموقف – السرداب، ليتحول بعد الاحتلال الى رجلٍ متدين بدشداشة بيضاء فضفاضة يعمل مراسلا عند نجيب شكري .

 تعتبر شخصية الراوي، الشخصية الرئيسة في الرواية التي لم تمنح اسما، والحاضنة لكل الشخصيات، والمتفاعلة معها، يطالعنا الراوي منذ الصفحات الاولى بانه يعمل على كتابة رواية ساردها وبطلها بدر فرهود الطارش على شكل سير ذاتية عن حقبة الاحتلال البريطاني وكوارثه وصولا الى زمن الحصار وتداعياته المخيفة: تفشي الفقر، الحرمان، الجوع، الوشاية، بيع اثاث البيوت مع ابوابها، ولا تنجز هذه الرواية الا في الصفحات الاخيرة، وهذا مايخبرنا به الراوي: " هكذا عدت امارس حياتي على وتيرتها المعهودة، محاولاً، على مدى الشهور اللاحقة،وضع اللمسات الاخيرة على روايتي، باذلاً جهدي للوصول بها الى نهاية مقنعة تنسجم مع سياق الاحداث، ص 289 الرواية "، هذه الرواية بالاساس تحتوي على روايتين كما نوهنا سابقا، رواية بدر وسيرته ورواية الراوي المحتوية لها مع روايته الاصلية: " سيتسنى لي الجمع بين احتلالين،ما هما في واقع الحال، الا كوجهين لعملة واحدة: الاحتلال البريطاني الذي هو شاهداً عليه، والاحتلال الامريكي القادم الذي يفترض أن اكون شاهد عليه ! ص 14 الرواية "،الاحتلال الذي زرع سلوكيات شيطانية تحط من قيمة الانسان العراقي وتشوهها وعملت على ترسيخها في النفوس الضعيفة، واطلق على هذه السلوكيات مصطلحات مقترنة بفعلها: الحواسم – القفاصة – العلاسة – البحارة، وقبل ان استرسل اود أن انوه أن كثيراً من القراء والنقاد قد اعتبروا الراوي هو المؤلف عبد الخالق الركابي، ك الاستاذ ناطق خلوصي في مقالته5 " تعدد المحاور السردية وسطوة المكان ": " مدينة الاسلاف انما هي مدينة بدرة التي ولد فيها الروائي وعاش شطرا من حياته فيها قبل الانتقال الى العاصمة بغداد "، والدكتور حسن سرمك حسن في دراسته 6 " عبد الخالق الركابي عميد تقنية التخييل التاريخي في الرواية العراقية "، والكاتب السوري فائز علام، عندما يقول " فالروائي هو البطل الرئيس في الرواية "، حتى الكاتب التونسي كمال الرياحي 8 يذهب الى الرأي ذاته: " تنتمي رواية الركابي الى مايسمى في التجنيس الادبي ب " التخييل الذاتي " وهو نصوص سيرذاتية مروية او رواياتها منبعها حياة كتّابها "، وهذا مما جعل عبد الخالق الركابي يمتعض ويرد في حواره مع الصحفية نهضة طه الكرطاني9 قائلا: "ولا اكتمكم باني فجعت بهذا الضرب من النقد حتى بت أخشىى ان يتصدى لي احد النقاد في المستقبل ليطالبني بان اجعل الراوي يعتمر " الكاسكيته" ويستند الى عكاز وصولا الى التطابق الكامل معي !!" بل ويضيف مشدداً على ذلك: " لقد عمدت في غالبية رواياتي – ليس في روايتي الاخيرة فحسب – الى جعل روائي متخيل يروي احداث الرواية بضمير المتكلم . انه كائن ورقي متخيل اضعه كشخص روائي وسط شخوصي المتخيلة الاخرى دون ان يعني ذلك تطابقه معي , ذلك لان التطابق ينتج كتابا في السيرة الذاتية لا الرواية، ثم لايفوت المتتبع لمعظم رواياتي أن احداثها تجري في (الاسلاف) وهي مدينة خيالية لاوجود لها على ارض الواقع " .

 يجب ان لايكون هنالك خلط او تداخل مابين مؤلف النصّ والمؤلف الحقيقي وبين المؤلف الضمني أي الراوي للسرد، لان المؤلف الحقيقي هو على نقيضهم لاينبثق او يستنتج من السرد، ففي رواية الغثيان التي بطلها روكنتان هناك مؤلفون ضمنيون مختلفون وساردون مختلفون ولكن المؤلف للنصّ واحد هو سارتر 10، وكذلك بطل رواية الغريب، ميرسو، قد اضفى كامو عليه الشيء الكثير من سيرته الذاتية، فهل معنى ذلك ان ميرسو هو المؤلف الحقيقي لرواية الغريب، بالطبع لا، وهذا مالم يعرفه او يطلع عليه اغلبية الذين تناولوا الرواية، فكانت رؤيتهم مضللة ما بين الخيال والوهم، عندما قاموا بالغاء التخييل، فالرواية تكتب بمخيلة الروائي لا بمخيلة المؤلف الضمني، ولم يضعوا في حسبانهم الفارق الكبير مابين الروائي والمؤرخ، فالاول تكون مخيلته رائده، اما الثاني فتكون وثائقه مرشده،ولكن " إن التاريخ لا يستطيع، كما ارى، أن يقطع كل علاقة مع السرد دون أن يفقد طبيعته التاريخية، والعكس بالعكس "11 لذا وقعوا في الخطأ المعتاد، عندما ظنوا ان المؤلف الحقيقي هو راوي الرواية، نعم الروائي قد يستعير اجزاء من حياته الواقعية ولكن ليس معنى ذلك انه البطل او الراوي او شخصية اخرى، فيبقى الخيال هو الحكم الفاصل، وتبقى الرواية " الجنس المهيمن حاليا هي التي تعيد النظر دائما، من خلال التأثير المرآوي في هيمنة الكتابة وسلطة الخيال12 .

 ولكن الروائي عبد الخالق الركابي اوقع القاريء في شرك التوهم بالتطابق مابينه والراوي، استنادا للكثير من مقتطفات السير ذاتية للركابي:

* المؤلف روائي وبطل الرواية كذلك: " عاوتني حماستي القديمة للشروع في كتابة روايتي المنتظرة – ص 26 الرواية " .

* المؤلف لديه رواية " سابع ايام الخلق " وبطل الرواية كذلك عندما يعثر على روايته في مكتب الاستنساخ: (وانتهى تقليبي لتلك الكتب، في احدى المرات، بعثوري على نسخة مصورة عن روايتي " سابع ايام الخلق " – ص51 الرواية) .

* قيام الركابي بذكر ثلاثيته مرات عديدة في مواقع من الرواية: (وعلى امتداد الشوارع التي سلكتها السيارة دأب حمزة على الالتفات نحوي، وانا غاطس وسط زميليه في المقعد الخلفي، ليحدثني هذه المرة عن متابعته لرواياتي ولاسيما تلك " الثلاثية " التي تدور احداثها في مدينة الاسلاف: " الرواق " و" يحلق الباشق " و" اليوم السابع " ! – ص 67 الرواية).

وهنالك الكثير من هذه الاستشهادات، لذا سنكتفي بهذا القدر، وان هذه الاستعارة للمؤلف المأخوذة من سيرته الذاتية، احيلت على الشخصية الرئيسة في الرواية الا وهو الراوي، من خلال سلطة التخييل،السلطة المتنفذة في أي نصّ روائي، والنصّ يخضع للتحليل بالنظر الى سياقاته السوسيولوجية .

اما الشخصية التي اخذت حيزا كبيرا من الرواية شخصية بدر فرهود الطارش، فهو المليونير، المصاب بشلل نصفي اثر جلطة دماغية، الذي " انهى دراسته في المدرسة الامريكية، فعُيّن موظفا في الشعبة الفنية في المتحف العراقي – ص 244 الرواية "، قد زين جدران بيته بلوحات مختلفة لفنانين عراقيين وانكليز مع مكتبة ضخمة بارتفاع طابقين في الصالة التي تتكون من عشرات الرفوف المثقلة بآلاف الكتب والمخطوطات والملفات (ص15)، الشخصية التي تنبأت باحتلال العراق من قبل امريكا بعد احداث 11/ سبتمبر: (أن اطماع الامريكيين في العراق قديمة قدم أطماع البريطانيين، فقد كان الطرفان يتنافسان للاستحواذ على البلاد منذ مفتتح القرن العشرين، متخذين من حملات " التبشير " والتنقيب عن الاثار واستخراج النفط، فيما بعد، وسائل للتغلغل وكسب النفوذ – ص 111 الرواية)، ويصبح مصدر الهام للراوي مع مد يد العون له في فترة الحصار، ومن خلال الزيارات الدورية للراوي لمدينة الاسلاف تكتمل الرواية وليكون لبدر: " في تلك الرواية حصة الاسد – ص 32 الرواية "،وهذه الرواية تكتمل رغم ان الراوي قد فقد جدوى الكلمات، لما راه من احداث ماهولة،مخيفة، متسمة بالاانسانية، وتنسف مقولة ماركس الانسان اثمن راسمال، ف بدر من مخلفات البريطانببن، وابوه الحقيقي هو تيلر تومسون، الجاسوس البريطاني الذي دخل العراق بصفة منقب اثار وعُرف باكثر من اسم مثل اسم " فوكس وايت "، يعود بعد احتلال بلده للعراق بصفة اول نائب حاكم عسكري على المدينة، جار الثري فرهود الطارش زوج الجميلة شذرة والدة بدر، التي تصبح عشيقة تومسون، ونتيجة هذه العلاقة ياتي بدر بعينيه الزرقاوين، وليكون ابن فرهود المدلل رغم ان فرهود قد تزوج مرتين قبل زواجه من شذرة ولكنه لم يخلف ذرية، فهو عقيم، ويترك اموال واطيان بعد موته ل شذرة وبدر . ويعرفه تيلر تومسون ب " المس بيل " سكرتيرة دار الاعتماد، وهي التي نصبت " فيصل " ملكا على العراق، وتهديه عدد من مجلة " ناشينال جيوغرافك " باللغة الانكليزية والترجمة العربية " العصور القديمة "، بل كان مستر تومسون يصطحب بدر في رحلاته الى اماكن التنقيب ولاسيما في اور ولكش بعربة بولمان كأنها بيت متنقل ملحقة بالقطار، لقد عاصر بدر الكثير الكثير من الاحداث كانتحار رئيس الوزراء السعدون، وافتتاح الملك فيصل للمتحف، وكان الراوي " مع كل عودة لي الى بغداد، الى الاستعانة بكتب التاريخ المعاصر وبالسير الشخصية والمذكرات دون ان انسى الرجوع الى الكتب التي تتناول تاريخ محلات بغداد لغرض توثيق بدر – ص 159 الرواية " .

وللنهاية تبقى شوارع المدن العراقية مستباحة ..والقتل والاغتيال على المذهب او القومية مجانا .. ويبقى اللصوص يثبون تباعا مغادرين جرار كهرمانة .

 

أسامة غانم - ناقد ثقافي

....................

الهوامش والاحالات

1- الفلسفة الالمانية والفتوحات النقدية - مجموعة من المؤلفين، جداول للنشر والترجمة والتوزيع – ط1 بيروت – لبنان 2014 ص 263 .

2- الرواية: مدخل الى مناهج التحليل الادبي وتقنياته – برنار فاليت، ترجمة سمية الجراح، المنظمة العربية للترجمة . ط1 بيروت – لبنان 2013 ص 85 .

3-الحكاية إن بطلة هذه الحكاية هي (قهرمانة) بالقاف الذي أصبح فيما بعد كافا.. وكانت (كهرمانة) طفلة ذكية وشجاعة والدها كان يمتلك (خانا) لإيواء المسافرين وهو أشبه بالفنادق في أيامنا هذه وكان يمتلك أيضاً عربة، يضع فوقها عددا من الجرار. يقوم والد كهرمانة بملء تلك الجرار بالزيت صباح كل يوم ليبيعه في السوق. وذات ليلة من ليالي الشتاء القارص نهضت كهرمانة من فراشها .... بعد أن سمعت أصواتاً غريبة وشاهدت عددا من الغرباء اختبأوا في الجرار الفارغة. ولكنهم اطلوا برؤوسهم لمراقبة رجال الشرطة الذين أحاطوا المكان. أسرعت كهرمانة لإخبار والدها، واتفقا على إحداث ضجة في الخان لكي يخفي اللصوص رؤوسهم وتم لهما ما أرادا وهنا قامت (كهرمانة) بملء إحدى الأواني بالزيت وراحت تصبه في الجرار الواحدة تلو الأخرى. ولما شارفت الجرار على الامتلاء نهض اللصوص واخذوا بالصراخ والعويل مما دفع رجال الشرطة للامساك بهم.

4- التأويل بين السيمائيات والتفكيكية – امبرتو ايكو، ترجمة: سعيد بنكراد، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء – المغرب ط1 2004 ص 22 .

5 – جريدة الزمان الدولية – 29 / نوفمبر / 2014 .

6 – مركز النور نيت – 9 / 6 / 2014 ,

7 – رصيف 22 نيت – 29 / 6 / 2014 .

8- الجزيرة نيت – 19 / 1 / 2014

9– كتّاب العراق نيت

10- المصطلح السردي – جيرالد برنس، ترجمة: عابد خزاندر، المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة ط1 2003 ص 33 .

11- الزمان والسرد ج1– بول ريكور، ترجمة: سعيد الغانمي و فلاح رحيم راجعه عن الفرنسية، جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد المتحدة، بيروت – لبنان ط1 2006 ص 280 .

12- الرواية: مدخل الى مناهج التحليل، ص 18 .

*رواية " ليل علي بابا الحزين " – عبد الخالق الركابي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت – لبنان ط1 2013 .

*نشرت في مجلة الرقيم العدد15 / شباط 2017.

 

حيدر عبدالرضاللشاعر عبد الرزاق الربيعي

شعرية المؤول ومرثية الذات الواصفة

توطئة:

أن أسفار قراءتنا في عوالم شعرية الشاعر الكبير عبد الرزاق الربيعي، ومنذ صدور كتابنا الأول عن تجربته في (مرجعيات الشعرية) لا يزال لحد الآن يشكل فينا ذلك الهاجس المتوقد في البحث عن أسرار تجربته الشعرية الثمينة في نسق وأنساق المرجعية الشعرية . واليوم نجد بين أيدينا أثمن تجربة شعرية من خزين هذا الشاعر الكبير، والتي تتكون في حقيقتها المحتملة من علاقات أولية سببية ورابطة ما بين (جهات موضوعة المرجع / بؤرة الفاعل المحوري) وعند النظر المعمق في مجموعة هذه القصائد، نجدها عبارة عن سياقات محفوفة بلغة بواطن التخييل المتصل بين (مرجعية المكان ـ مرثية الذات) وامتدادا لها نحو موضوعات كيفية ومتنوعة تصب في أقصى ثريا العنونة المركزية الموسومة ب(نهارات بلا تجاعيد) وعلى هذا الحال من هذه العنونة المركزية جاءتنا نزوعات وأساليب قصائد الشاعر، كاستدلالات منبثقة في محاورها المنعكسة من مواطن قابليات خاصة من العلاقة المكانية والزمانية والذاتية معا . ومن هنا بدءا سوف نتعامل مع قصيدة (طريق جازان) على أنها مرحلة شعرية مختصة بدلالات مرجعية المكان وذائقة المكان الاسترجاعية عبر الذاكرة الشعرية: 

بعض من الضوء

من شمس "جازان" * يكفي

ليزهر حقلُ الرياحِ

و ينبت وردُ الحياة بكفّي

و "جازان" مشتى الطيورِ

البعيدة

مسرى رياح القصيدة

مرسى احتضارات صيفي .

المعادلة الشعرية المعتمدة في نمو وظيفة هذه العلاقات الأولية من متن النص، بدت كموضوعة استرجاعية ـ إيحائية، في بث حالات أكثر حسية وواصلات (المكان ـ الذات ـ مرجعية الدال) للوصول منها نحو إمكانية سياحية مفترضة في وصف اللحظات المعاشة من أفق المكان، ومن أفق ذلك المعطى الأيقوني من النص (بعض من الضوء ـ من شمس جازان يكفي .. ليزهر حقل الرياح) وعلى هذا النحو من مخصوصية دال (الضوء) يمكننا تأسيس الفاعلية التصديرية الخالقة لماهية العلاقة القائمة ما بين الشمس والمد المجازي في جملة (ليزهر حقل الرياح) اقترانا مسوغا بعلاقة المعادلة الافتراضية المؤشرة في جملة (وينبت ورد الحياة بكفي) وطبيعة هذه الرؤية المتناوبة ما بين الجملة الأولى والثانية (ليزهر حقل الرياح = وينبت ورد الحياة بكفي) بمثابة الرؤية التشكيلية في روح فضاء المستعار من ذاكرة (التأثير ـ لغة المعادل ـ المعطى التمثيلي) وصولا إلى استقصاء البعد اللحظوي والظرفي في جملة (و جازان مشتى الطيور البعيدة) وتعتبر مماثلة فاعل علاقة الحال بالجمل، كوسيلة علاقة مرسل أو كموجه أولي في محكيات مرجعيات المكان الموصوفة في الحدود الملاءمة والمتماثلة من الملفوظ الدوالي وهذا الأمر ما ينطبق على جملة (مسرى رياح القصيدة) وجملة (مرسى أحتضارات صيفي) ويمكننا فهم العلاقة المرجعية القائمة ما بين ثنائية (جهة المكان ـ جهة الذات) كمضاعفة إجرائية في مساحة الزمن الملفوظ، وبذلك تبرز لنا المسافة الكينونية الواقعة  بين شعرية مقاصد البوح وجمالية الاستجابة النوعية، كحالات علائقية منسجمة في أحوال النص الشعري .

ـ مرثية الذات وحداد مرجعية الرؤية الشعرية .

و نود هنا أن نلتفت إلى حال قصيدة (على قارعة السحاب) المهداة إلى روح شقيق الشاعر، والتي هي صياغة رثائية فاجعة في دائرة الأنموذج الشعري المستحدث، والأهم من كل هذا أنها جاءتنا كحالة تماثلية ـ معادلة، لحيوات أكثر تصويرية وحلمية في غاية بواطن المدهش وغير المسبوق في تداعيات أحوال الملفوظ الشعري في القصيدة:

إذ يعصفُ الظلام

بطائرٍ

ألقى جناحيه الطويلينِ

على قارعةِ السحاب

ثم غاب

تاركا إيّاي

بين زحمة الأرواح

و الجراح

و الحداد

أشقّ دربي .

ولاشك أن هذا التماثل في لحظة التوحد الممكنة والتي هي مستوطنة داخل طرقات من الوحشة والفقدان، من شأنها شعرنة الغياب بفقد المحبوب، نحو تجسيد إمكانية مجازية خاصة مصدرها عتبة الفقدان ذاته، والذي قاد بالشاعر ـ الفاعل المنفذ ـ نحو مخاطبة الأحوال والالتصاق بأجلى مواطن تشكيلات المعادلة الفاجعة والمتمثلة بدلالة جمل (إذ يعصف الظلام، بطائر .. ألقى جناحيه الطويلين .. على قارعة السحاب)و تصعد منسوبية التوغل الزمني نحو مصارعة وحشة دال الظلام، فيما تبقى دلالة جملة (قارعة السحاب) بمثابة العلامة المحالة نحو مقصدية ما تكمن ما وراء العوالم العينية من زمن الغياب . وتأتلف جملة (ثم غاب .. تاركا إياي .. بين زحمة الأرواح) عبر المساحة المضاعفة من عمق الفقدان المصور من طرف الفاعل، إذ تستقيم في ذاتها مع تمثيلات (إنتاج حالة) وتارة تتشظى وحدود القادم من دوال جملة (الجراح / الحداد / دربي) وتشتغل إحالات البحث لدى الفاعل الشعري في منطقة رؤيا (الميتافيزيقيا التصورية) إي نحو ذلك الإلتحام في رؤيا الفضاء الآخر من أحاسيس ورؤى الفاعل المنفذ:

باحثا

في (وادي السلام)

عن وجهك المضيء

في الأحلامِ

في العيون

وواجهات العرض

عن لقطةٍ قريبةٍ

لمشهدٍ جديد .

وتنطوي موجهات المشاهد الشعرية هنا، عبر ذلك الموصوف من مساحة العرض الدوالي، استكمالا له لملخصات دال (باحثا) واقترانا له بكاميرا تسخير الداخل والخارج من كثافة الدلالة القيامية في حلقات الجمل (وادي السلام / وجهك المضيء / الأحلام / العيون / واجهات العرض / لقطة قريبة / مشهد جديد) وتنتهي اللقطات المشهدية في لائحة العرض، ليبدأ ذلك السفر للروح والمعراج للشاعر في جولاته الحواسية وعبر تمظهراتها الدوالية المقيمة في جوهر الداخل من إحالة العوالم البرزخية المتصورة في ملفوظات علائق الرؤية:

وعند باب العالم السفليّ

يسقط الضياءُ

من عينيك

يصعدُ العويلُ

سائلا مدائن السكون:

ـ من يمسح الوحشةَ

عن وجهك يا أخاه ؟

أن حيز أفتراضات الفاعل الشعري هنا من السعة والتخصيص، في مستوى مواقف شاعرية الاحساس بذلك الشقيق الراحل نحو عوالم قيامته، لذا نجد أن مرجعية محددات ذلك الآخر أكثر اتساعا وتفصيلا في مهاد مخيلة الشاعر، بل يجعل منه ذلك الاقتران بأسباب المكان والزمان وماهيته القيامية المؤولة شعرا: (وعند باب العالم السفلي .. يسقط الضياء .. من عينيك .. يصعد العويل) وما يجعل آلية الواصف الشعرية أكثر تأثيرا، هو قدرتها على خلق واصلة تواصلية من الحلم البرزخي الواصف لمؤثثات داخلية مقرونة بتلك الاستجابة الخاصة من أداة الشاعر وخلفيته المرجعية الخالدة .. فالمواقف في جملتها المتخيلة في سياقات الملفوظ لدى المقاطع الأخيرة، بدت كموقعية مهتاجة في استنطاق مقترحات دليل الفاعل الشعري عبر جملته الاستفهامية المعللة: (ـ من يمسح الوحشة عن وجهك يا أخاه ؟) فهذه الصورة التساؤلية في ضمير المخاطب هي بحد ذاتها دليلا على أن خطوات الشاعر المتخيلة في عوالم رقاد شقيقه البرزخية، تجسيدا فاعلا نحو الانفتاح على مناطق مرتهنة بأقصى الحسية الأدائية المشعرنة في ذروة القول الواصف، وبذلك يمكننا القول أن فاعلية شعرية الرثاء لدى الشاعر، تتجاوز ثقافة (التأبين) التقليدية، خصوصا وأنها جاءتنا ـ أي قصيدة الشاعر ـ منظومة دلالية كاشفة لأهم مرجعيات وعتبات المكان في اللامكان والزمان في اللازمان:

من يبلغ الإله

أن يعجّل القيامة

ليخرج المنفيّ

من منفاه؟

فيمسحُ المسيحُ

عن كاهلهِ آلامه

من يحملُ الصليبَ

عن ظهري يا أخاه؟

فالأسى

ألقى على حشاشتي أساه .

فخاصية الاستقدام في المقاطع (من يبلغ الإله) أو جملة (يعجل القيامة) توغلا نحو أكثر دلالات الاستفهام تساؤلا، وعلى النحو الذي جعل من دلالة المسكون بالغياب، أكثر اقترانا وحدود الصرخة الظرفية للشاعر والمتصلة في حدود استثمارات مرجعية خاصة من صورة المسيح وصليب المسيح، وهذا الأمر ما جعل صليب الفاعل الشعري، بذلك التنوع المعبر عن مدى فداحة موقفه الغارق بالفقد والفقدان (من يحمل الصليب عن ظهري يا أخاه .. فالأسى، ألقى على حشاشتي أساه) الشاعر هنا يعكس أسمى طاقته بالحس المأساوي، فهو لا يتوانى عن ترديد الشكاية بكثافة المدلول الشجني الذي ألم به لحظة الفقد، بمعنى ما أن المدى التصوري عبر مكونات أداة الشاعر، أصبحت مرتهنة بين صيغة الفقد وانخلاع الذات الشعرية عن حياتها المطمئنة الأولى، لذا بدت لنا بوصفها ذلك المتأرجح بين حساسية الفقد ووحشة انتظار ملتقى ذلك الراحل العزيز:

لكنّنا

سنلتقي

ذات صلاة

خلف ساحلِ الضياء

في عُلاه

ـ تعليق القراءة:

لاشك أننا حاولنا في مجال قراءتنا لمجموعة قصائد (نهارات بلا تجاعيد) تقديم تلك المقاربة الأولى، التي تتلخص في مجال (شعرية المؤول) والتي تتمثل في مرجعية المفترض المكاني في قصيدة (طريق جازان) أما ما اعتمدناه في قصيدة (على قارعة السحاب) فيتمثل بمفهوم المحتمل النقدي منا (مرثية الذات) والقابلية على استنطاق عوالم القيامة البرزخية عبر أشكالها الدلالية المفترضة حصرا، وبهذا الحال الأخير نلاحظ بأن عوالم هذه القصيدة تحديدا أخذت تتلفظ بذاتها ولذاتها طاقة مرجعية زمكانية خاصة تؤهلها إلى التحليق إلى غاية الصورة النموذجية الفاعلة من دوال فضاء التخييل وصناعة المعنى في أبعاد غيرية من البدائل المحتملة وغير المحتملة في أفق الماقبل والمابعد من بؤرة شعرية القصيدة .

 

حيدر عبد الرضا

  

 

نور الدين حنيفللشاعرة غادة شعراني رسلان

تمهيد: قالتْ.. عفوا، لم تقلْ، بل رسمتْ ونقشتْ بمادة الشّعر لوحة فنية لا تَهذي، وإنما تُهدي.. تُهدي إلى عيون القرّاء متاهاتٍ صاخبةً في لغة الهمس، وتختارُ – حتّى لا تنثَني عن فعلَيْ التّكثيف والتشنيف – أصباغا ترفض أن تمتص وحدة اللون في بساطة التسجيل، وتروم استيعابها في اختلافها وتداخلها وتشعّبها، في إدهاش التخييل، حتى يستقيم العزف النسوي عل وتر القريض عزفاً رابِتاً، يتخيّر في القول لذيذَه وعميقَه . وقبل هذا وذاك، يتخيّر شديده في عمليات سريرية حريرية تُشرِّحُ الذاتَ النوعية الموصوفة تجلياً صوفيا في القصيدة النثيرة الموسومة ب (وليدٌ بعد مخاض) .

وأنت تقرأ لغادة شعراني الشاعرة السورية، إنما تقرأ لمبدعة اختارت رهان الكلمة في أزمنة تخشّب الكلام، وسطوة الرّداءة، واختلاط حابل الشعر بنابله . فامتطتْ صهوة التخييل المجنّح والبعيد والمحلّق في سماوات الإدهاش النوعي الذي ينضح ببصمتها المميّزة.. وهذا الكلام ليس تخريجا اعتباطيا جزافيا يروم عشق الكلام في الكلام، وإنما هو درسٌ مسؤول ومنهجي يقوم على استقراء مجموعة من العلامات في البنية التركيبية للقصيدة، داخل رؤية نقدية تمتلك أدواتها الفاحصة بمرجعية واضحة، في أفق تأويلي مشروط لا يُقوّل المتن الشعري ما لم يقلهُ .

 

= سيمياء النون:

في مقاربة المتون الإبداعية كيفما كان جنسها، ينطرح السؤال الآتي: من يستدعي من؟ هل المدخل النظري هو ما يستدعي طريقة مقاربة النص أم العكس؟

وفي سياق (وليد بعد مخاض) يبدو واضحا أن النص هو ما يفرض مدخله المنهجي في القراءة وفي المقاربة . وإن قراءة أولى لهذا المتن تفضح العقد الضمني المشروط بين طرفيْ اللعبة الإبداعية والتي يحوكُ غزْلَها ناقدٌ ومنقودٌ في ثنائية اللغة والميتالغة المشهودة داخل عمليات التأويل المسيّجة بالنظر العلمي لا بالنظر العاشق .

تنضح هذه القراءة وفي أول تماسٍّ، بطبيعة المدخل، إذ تكتشف الأذن، أنّ الإنشادَ يتلو عليها تراتيل هذا المحكي البديع، في صوغٍ قوليٍّ أسلمَ السيادةَ لصوت النون كنسق يحكم التركيب والدلالة . كيف تمّ ذلك؟

دعونا قبل إجراء عمليات التفكيك لأوصال المتن الشعري في قصيدة النثر (وليد بعد مخاض) للشاعرة غادة شعراني أن نعبر طريق النظر في الصواتة النونية .

يتميز حرف النون بأنه حرفٌ نوعيّ في الأبجدية العربية، لأنه يعبّر عن ذاته كصوت مستقل وقائم بخصائصه، ويعبّر عن ذاته أيضا كصوت يختم ثمانيةً وعشرين حرفا . هكذا يخترق صوت النون الصواتة العربية بسعة دخوله في الألفاظ وبكثرة استعماله في صورة لافِتة، لأداء الوظائف والدلالات المختلفة . (وقد حدّد القدماء مخرج النون المتحركة من طرف اللسان بينه وبين ما فوق الثنايا . أمّا مخرج النون الساكنة فمن الخياشيم وهي التي سماها العرب بالخفيّة أو الخفيفة . ومن صفات صوت النون: الجهرُ والغُنّةُ والذّلاقةُ والتوسّط بين الشدّة والرخاوة والانفتاح والانخفاض.)1.

وأما المحدثون فقد متّعوا صوت النون بكثير من الوضوح السمعي، صنّفوه في إطار المخارج الأنفية التي تحدث فيها الأصوات عندما يمرّ النفس من الممر الأنفي في اللسان العربي . كل ذلك في مداخل بحثية أدخلت الصوت إلى مختبرات الدرس والقياس .

ونحن في هذا السياق لا يهمنا البحث في خصائص صوت النون في الصواتة العربية قديمها وحديثها بقدر ما يهمنا حضور صوت النون في القصيدة داخل إطار يرتبط أساساً بإنتاج الدلالة وتأويلاتها الممكنة .

يحضر صوت النون في قصيدة (وليد بعد مخاض) داخل مظهرين:

النون الصامتة: وتتكرر في النص 72 مرّة

نون التنوين: وتتكرر في النص 4 مرات

داخل نسق النون الصامتة استطعنا تتبع تراكمها فوجدنا ما يلي:

- النون في فعل الجمع: 31 مرة

- النون في اسم الجمع: 12 مرة

- النون في سياق الحرف: مرتان

- النون في حالة الإتباث: 26 مرة

- النون في حالة النفي: 04 مرات

- نون الخطاب: مرتان

نلاحظ هيمنة النون المتعلقة بفعل الجمع مثل (نتغادق – نتقن – نتسامر.. 31 ترددا) وهو تراكم لا ينبغي أن تمر عليه القراءة مرور الكرام، على اعتبار أن الصوت وخاصة في مجال الشعر هو موسيقى قبل أن يكون تلفظا . إن نسق النون الصوتي هنا غنيّ بالإحالات الدلالية انطلاقا من تراكمه البائن (77 ترددا لصوت النون في قصيدة نثيرة عدد أسطرها الشعرية ستّة وثلاثون وأغلب أسطرها ثلاث كلمات أو كلمتان أو كلمة واحدة) ودلالة ذلك واضحة ليس على مستوى تقييد المعنى وإنما على مستوى البحث في هذا التراكم الاعتباطي .

= نسق النون ومقولة (النحن):

يبدو أن هذا التراكم يروم قول الخفي والمسكوت عنه، في تحبير نسوي يرتقي بالشعر إلى مستوى المساءلة العميقة . وفي هذا السياق يختفي ضمير المتكلم لتختفي (الأنا) الفردية وتحلّ محلّها (أنا) جمعية ضاغطة وملحّة على الحضور، بحيث تختفي تماما الإشارة إلى ضمير المتكلم في القصيدة . وكأني بهذه الأنا الفردية تخشى أن تظلّ هيولى مسحوقةً بين اللاشعور وبين القوة المادية التي يكرّسُها الخارج المقابل لجوانية الذات المتكلمة في رؤيتها الغائرة.. فتلجأ إلى تجاوز هذا النفي الواقع عبر بوابة الإثبات الجمعي . هذه الأنا كانت واهمة بالملكية قبل اليوم وكانت واهمة بالسيادة داخل الوعي الفردي الموسوم في تأويلنا المنهجي بالقصور وبالسرابية، ومؤشر ذلك هو تغييب الشاعرة لحالة الكلام الفردية في القصيدة كلّها .

إن هيمنة المتكلم الجمعي، على مستوى الفعل (31 مرة) وعلى مستوى الاسم (12 مرة) هي في تقديرنا علامة سيميائية ترفض حالة التفرد سواء أكانت مكسبة أم مثلبة، وسواء أكانت إيجابا أم سلبا.. على اعتبار أن الذات ترى في التفرد نوعا من القصور على إدراك ماهية الوجود في وحدته وفي تناغمه .

من هنا رغبة الذات في التخلص من هذه المعادلة المحرجة القائمة على الوعي بحدود الأنا المفردة في تمثل الكينونة الحقيقية أو القريبة من الحق، في إشارة إلى أن الوعي الجمعي هو البديل الممتلك للتنسيب الوجودي المخترق لجدار المجهول عبر عملية التوحيد بين الأنا المُتشَيِّئَة والموجودة في الواقع وبين الأنا الفلسفية القائمة في ملحمة (النحن) الخالصة والمتعيّنة في سديمها المتعالي المميز بالثبات الجميل، وكذا، بالتحول الأجمل .

والثبات في هذا السياق يتعلق بهذين الأقنومين المشكلين لوحدة الوجود منذ بدء الخليقة، في غير مسافة، وفي غير تغاير وإن كان التباين هو ما يحدد مرجعية هذا الائتلاف، بحكم حدود الهوية . وهي حدودٌ إجرائية للتمييز بين الحدّين فقط، ولا تشكل بؤراً حاسمةً في تشكيل الماهيات .

إنّ الثبات في هذين الأقنومين أيضا، ليس شكلهما ولا جنسهما ولا اختلافهما، وإنما الثبات فيهما هو تجانسهما الجوهري في مقابل تشعبهما العرضي، في لعبة تبادل الماهيات حيث كان التشعب هو الأصل (آدم هو غير حواء) والوحدة هي الفرع (آدم هو حواء في سديم الوحدة الإنسانية) . لكن الشاعرة حددت من خلال رؤيتها الشعرية الماسكة بمارد الاختلاف داخل قنديل التخييل الباني لنسق فلسفي وآخر جمالي يتداخلان في حميمية بلاغية تصوغ لنا تشكيلاً قادما من مخيالها الواصف للوحدة داخل التعدد، والانسجام داخل التشعب، والتناغم داخل الاختلاف.. في امتطاءٍ جليل لصهوة النثيرة باعتبارها شكلا فنيا متمردا ومرنا وقابلا لاحتضان كل الدفقات المعنوية والنفسية والإيقاعية لترسيخ الرسالة الشعرية وبثِّها مشحونة بالكثافة الدلالية إلى ذلكم المتلقي الموسوم في ثقافتنا العربية بالنمطية والتشابه .

= سيمياء الشجرة:

تبدأ الشاعرة مشروعها الفني القائل بالتوحيد والتوحد والانسجام، بفعل جمع يستدعي وقفة نقدية متأملة . قالتْ في المطلع:

(نتغادقُ أثْمارَنا

و الأغْصانَ الْمعقودَة فينا

و نُتقن لُعبةَ الأسرار

..)

تحضر الشجرةُ هنا لا كوجود فيزيائي يستمد وضعه من ماهيته النباتية، وإنما كوجود نفسي ومعادل موضوعي لحالة متلبّسة في وجدان المتكلّمة، لا ترسم من خلاله علاقة الإنسان بالطبيعة كمجال منفصل ومحايد ومتشيّئ، بقدر ما ترسمها علاقةً تاريخية متجذرة في الزمن القابل للتحقيب أولا، وفي الزمن النفسي غير القابل للتحييز ثانيا: الأول يمتح مصداقيته من الإشارة النفسية لقدر الالتصاق القديم والأزلي بين الذات والآخر.. والثاني يرقى بالمتعيّن المادي إلى أفق الهيولى حيث تخرج الأشياء من طبيعتها \ الكوسموس إلى حالات إشراقية تلمّ المتشظّي في الواقع وتنسج منه لعبة الانسجام الكوني عبر صيغة الجمع النازحة من الصياغة النحوية إلى الكينونة الانزياحية الناطقة بألف دلالة .

إن ملفوظات (نتغادق + الأثمار + الأغصان) كافية لفضح وجود الشجرة التاريخية القابعة في الوجدان الجمعي للكائن العربي المشبع بثقافة الشجرة والثمرة (التفاحة) وما يترتب عنها من تداعيات تتأرجح بين الحقيقة اللّدنية " العلم الربّاني " وبين القشرات الخرافية التي ألبستها الذاكرة العربية لهذا المحكي الديني . إن وجود الشجرة هنا لا يعني تقييد دلالته في إعادة إنتاج الذاكرة بقدر ما يعني البحث المشروط عن قراءة لهذا الحضور الماكر.. فالشاعرة:

- استحضرت الثمار بدل التفاحة

- واستحضرت الأغصان بدل الشجرة

- واستحضرت اللعبةَ بدل ورقة التوت

- واستحضرت الأسرار بدل العورة

كتتويج لهذا الاستخلاص الرؤيوي الدلالي المشبع بالرغبة في تظهير كلّ تجليات التخييل الثرٍّ والمسؤول شِعريا عن جمالية القول والصوغ معاً .

كما أن صيغة الجمع في (تغادق، من غادقَ على وزن فاعَلَ) تفيد عملية الإشراك والمشاركة في الفعل.. (اعلم أنك إذا قلت فاعلته، فقد كان من غيرك إليك مثل ما كان منك إليه حين قلت فاعَلَ)2

و بالتالي فالتواطؤ هنا أساسي الدلالة، وهو لا يقف عند حدّ اقتراف الفعل، الموصوف بالقطف، بل يتجاوزه إلى الغلو في اقتراف الفعل والإيغال في طقوس هذا القطف، ومؤشّر ذلك هو فعل (غدق) في جذره اللغوي الدّال على الكثرة والغمر.. قال تعالى: (وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا)3

و في لسان العرب (الغَدَق: المطر الكثير العامّ، وقد غَيْدَقَ المطرُ: كَثُر)4

و تفيد اللفظةُ، في بينونة كبرى، أنّ الغمر والغزارة والكثرة هي معانٍ حاضرة بقوة في سياق المحكي الشعري في هذا المطلع، بدلالتين: الأولى تفضح حجم الفرحة بهذا القطف الجَمَمِ والاستطابةِ فيه، والثانية تشي بالرغبة في اقتسام تُهمة الفعل أو صرْفها عن أحد الطرفين كما أشارتْ إلى ذلك القشراتُ السميكة المؤوّلة لتاريخ القطف وأكل الثمرة.. والسياق هنا ينمّ عن تواطؤ جميل تبدو فيه الذاتُ حامية للآخر والآخر حاميا لها عبر تبادل الأدوار في هذه اللعبة التاريخية (منظورالذاكرة) والمتخيّلة (منظور الشاعرة)، وذلك داخل محطّتين: واحدة ترتبط بلعبة الأسرار (ونتقن لعبة الأسرار) والثانية ترتبط بلعبة الظل (والأغصانَ المعقودة فينا) وهنا بالذاتِ، وهنا فقط، وصل الانزياحُ البلاغي قمّتَهُ في التكثيف اللغوي والدلالي، ذاك أنّ الأغصان تفيد الثمار، وتفيدُ أيضاً وأساساً ما يَرِفُ عن الشجرة من ظلالٍ.. وحيث أن الظل جسد لجسد، فإن هذا المنطوق غير واردٍ في سياق الصوغ الشعري العالي، وتستبدله الشاعرة في رؤياها الخاصّة بكينونة الظل المتحركة لا الثابتة، بمعنى أن الظل جواني لا خارجٌ منعكسٌ، والمؤشّر الدال كعلامة سيميائية مشبعة بالتحليل هو قولها (الأغصان المعقودة فينا).. ووحدها هذه النون الجمعية الملتصقة بحرف الجر كافية لتغطيةِ هذا البعد الإنساني الموحّد (بكسر حرف الحاء وبفتحها) والسائر في اتجاه بناء النص بناءً متعاليا (transcendantal) تجرّه إلى قدره الزماني تلكم الاحتفالية المشهودة بين الذات والآخر في سياق هذا الفرح الوجودي الممكن دائما..

= حدود النص:

و لا نقصد بالحدود عملية التنظير للنص كخطاب شعري داخل المحددات اللسانية بقدر ما نروم تأويل حدود هذا الانزياح المتني الكبير المجسّد في ثنائية الذات والآخر، والمعبّر عنه بذكاء نوعي متأتٍّ من الكتابة النسائية العميقة . وحتى لا نشطّ بالقارئ بعيداً نقولُ: إن الشاعرة اختارتْ لبناء هذا النص الشعري هندسةً خاصّةً للمعنى، أشّرتْ عليها بسيمياء البدء، وبسيمياء الختام، ونشرتْ بينهما مقولَاتها الفاضحة للعبة التشعب ثمّ الانسجام . كيف ذلك؟

دعونا نعود إلى المطلع \ الانفتاح، حيث فعل القطف يُمارَسُ على الثمار، قالت الشاعرة:

(نتغادق أثمارنا

و الأغصانَ المعقودة فينا

و نتقن لعبة الأسرار..)

ثم دعونا نلاحظ الختام \ الانغلاق، حيثُ فعلُ القطفِ يُمارَسُ على الإنسان، قالت الشاعرة:

(نتنامى

نُزْهر

نُثمر

و نُقْتَطف .)

هي إذن شجرة ماسكة بنسق النون، تحتفل بانبثاق الأقنومين (الذات والآخر) وتُشرِع لهما أبواب التوحد والانسجام ضاربة عرض الحائط كل أشكال الاختلاف.. وتحتفل بهما أيضا في وصول هذا الانبثاق إلى مرحلة النضج التّام حيث بإمكان الوجود أن يستفيد من هذين الأقنومين عبر عملية القطف.. وبين القطف الأول والقطف الثاني مسافة وجودٍ تجلّى بامتياز صوفي يتحرك في سيرورة بانية للانسجام عبر ذوبان الذوات في بعضها البعض حتى لا إمكان للتمييز بين هذا وذاك .

يتحدد القطف الأول سلوكا مشبعاً بالثقافة لأنه يحيل على مرجعية جماعية تختزنها الذاكرة وتتساءل عمّن أكل الثمرة . ويتحدد القطف الثاني كاجتهاد شعري يبنيه مخيال الشاعرة حتى لا تتكرر في الثقافة، وهو هنا لا يحيل على فعل الذاكرة بقدر ما يحيل على فعل تبنيه قناعةٌ فلسفية بالوجود، ترى في هذا التباين بين الكائنات وهذا التمايز مجرد وهم، وكل الحقيقة في التوحد وفي الانسجام وفي التناغم .

هكذا نستوعب دلالة القطف هنا في حدّيْنِ: القطف الأول فعلٌ يتمّ خارج الذات في حين أن القطف الثاني فعلٌ يتمّ داخل الذات .

و بين المطلع والختام، تختفي الشجرة تماماً، وتسلِمُ زمام الانزياحات إلى الوجود البيني كيْ يمارسَ تجربةَ العمار والعمران.. وهي تجربةٌ إنسانيةٌ تملؤها الشاعرة بعلامات سيميائية مختلفة، مادّتها أفعال الإثبات: (زرعنا – نتسامر – نتهادى – ننتشي – ننبعث - نتراشق – نولد – نتجاذب – نراود..) وحتّى أفعال النفي في هذا السياق لا يستقيم لها النفي، ولا تسير في اتجاه مناقضة مقولات الوحدة والانسجام.. أنظر مثلا قولها (فلن نغفو) فالنفي هنا مسند إلى فعل غير مرغوبٍ فيه، ذاك أن فعل اليقظة هو المطلوب في سياق تخشى فيه البصيرةُ غفلة الأقنوميْنِ أو غفوتهما:

(ساهرة يا عين بصيرتنا

نتثرين النور

تهابين غفوتنا

فلن نغفو..)

و مثل ذلك قولها:

(والهواجس الفارهةُ

تُعلي عقيرتَها

تصدح بما لا نُدرك

و ندرك حين نَسْمَعُنا

..)

 فالنفي هنا منسوب إلى الذات في علاقتها بالهواجس، وهو فعلٌ \ قرارٌ ما دامتِ الهواجس تمارس فعل الصراخ.. في حين أن الذات والآخر على استعدادٍ تامّ لإصاخة السمع لوحدة الذات فيهما على اعتبار أن سياق المقول يرحب بالهمس ولا يرحب بالصراخ، إذ الهمس أكثر توغلاً واقتحاما لمنظومة الوعي في الإنسان.. (ونُدركُ، حينَ نَسْمَعُنا) إشارة جليلة إلى أننا مدعوون هنا إلى إعادة النظر في كل أشكالِ الصخب التي بنتِ الإنسان العربي .

= خاتمة:

 إن البحث في قصيدة الشاعرة غادة شعراني رسلان مغامرة تستدعي من القارئ مجموعة من الأدوات الفاحصة، لأن مقولها لا يقف عند حدود النص اللسانية، بل يتجاوزها إلى عمق في التحبير وغور في التعبير، يستقطب المُقارِب والناقد والقارئ ويجرهم إلى متاهة فنية غنية بالدسم الدلالي لكنها مُورّطة بحكم متحها من معين المعرفة الثرّ.. ومن ثمّة ندرك أن التناسل الدلالي هو بيت القصيد في هذا التداول لأن النص في منطوقه اللفظي لا يدغدغ في القارئ عاطفة الحكم القيمي المتسرّع، وإنما يدعوه في وعيٍ نقدي مشروط إلى الاستماع الجيّد لمقول الشاعرة التي قرأتْ علينا قصيدة بحجم الحكاية البشرية الضاربة في عمق الزمن الإنساني منذ القطف الأول حيث الشجرة لذّةٌ ونبات.. إلى القطف الثاني حيث الشجرة إنسانٌ ومتاهات .

..

المتن الشعري: قصيدة (وليدٌ بعدَ مخاض) للشاعرة غادة شعراني

نَتَغادقُ أثمارَنا

والأغصانَ المعقودةَ فينا

ونُتقنُ لعبةَ الأسرار

فلا تُنجِبُنا أصواتُنا لُحوناً

ولا ترسمُنا أمانينا كما انتَخَبنا

هي النذورُ الماجنةُ

زرعناها عهوداً

ترأبُ صدعَ الرُّوح

نَتَسامرُ.. فَنُسعِفُنا

نَتَهادى.. فَنُنقذُ بقايانا

ونَنتشي.. فَنَنبعِثُ نبضاً

ساهرةٌ يا عينَ بصيرتِنا

تنثرينَ النُّورَ

تهابينَ غفلَتنا

فَلَنْ نغفو..

هذه الكأسُ.. نَتراشَفُها..

 تُنجِبُنا

نُولَدُ بطعمِ الشوكولاتة

ولونِ الحليبِ

نتجاذبُ قهرَنا على حوافِ الوقتِ

لاكتظاظِ رحمِهِ بنا

والهواجسُ الفارهةُ تُعلي عقيرَتَها

تصدحُ بما لا نُدرِك

ونُدركُ حينَ نَسمَعنا

نجمعُ شتاتَنا

آهاتِنا وأُنسَنا

ثم نغفو

نرودُ حلماً شاهقَ المعنى

تُجليْنا الرِّحلةُ نحوَ ذاتِنا

تُروِينا مشاقُ مسيرتنا

وبرغمَ جَلَبةِ الطِّين

وصخبِ الصُّراخِ

نَتنامَى

نُزهِرُ

نُثمرُ

ونُقتَطَف

***

نور أبوشامة حنيف

...............

الهوامش:

1 - محمد سعيد الغامدي، بحث بعنوان، لغة الضاد أم لغة النون، مجلة الدراسات اللغوية، العدد الثاني، 2005، المملكة العربية السعودية، ص 40

2 - سيبويه، الكتاب، تحقيق عبدالسلام هارون، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1977، ج 4، ص 368

3 - الآية 16 من سورة الجن

4 - ابن منظور، لسان العرب، دار المعارف، القاهرة، طبعة منقحة، باب الغين، ص 3218

 

 

سليمان ـ عميراتأكثر الروايات رواجا وقراءة وأكثرها تحولا إلى سيناريو ثم فيلم سينمائي ناجح، هي تلك الروايات الأكثر عنفا ورعبا، التي بدأت إلى الظهور والتطور منذ عشرينيات القرن الماضي.

1- من الرواية إلى الفيلم

أطلق الأكاديميون على هذا النوع من العمل عند دراسته بأدب الجريمة، فإذا كان قانون العقوبات وإجراءاته وعلم الإجرام ينكب على  المجرم لتسليط العقاب المناسب عليه لتحقيق العدالة الاجتماعية ومحاولة إصلاحه للحد من الجريمة فإن أدب الجريمة ومع أنه يتناول حكايات سردية حول مرتكب الجريمة (المجرم) والضحية والمحقق أو المفتش والواقعة ومكان الجريمة الذي يكون عادة محور الرواية والحامل للأدلة التي يستعملها الكاتب بذكاء وحيلة كبيرين، حيث يستند إلى علم الإجرام في كواليسه ليصف تصرفات الجاني بدقة وحرفية ورد فعله عند بحث المحقق، فيغطي المشهد بالغموض الذي يحمله هذا الأدب، والذي تدور أحداثه حول المجرم (المجهول في البداية) الذي غالبا ما يكون رجلا شريرا والضحية امرأة من معارفه أو رجل محترم، وقد ظهر نهج جريمة المخدرات ومروجيها لتحيل القارئ إلى عالم مظلم وبائس، يكون فيه المجرم محطما نفسيا ومظلوما اجتماعيا من حيث الشغل والسكن والسيولة المالية، فيتجه إلى ارتكاب جريمة قتل بشعة ووحشية في بعض الحالات، فيصور الكاتب المجرم شريرا وعدوا للمجتمع بارتكابه جرائم مرعبة ضد أبرياء.

2- شخصية المحقق

يحاول الأدب البوليسي التركيز على المحقق كشخصية أساسية ترتكز عليها الرواية، كونه الشخص الوحيد الذي يلج كل الأماكن العادية والممنوعة ويقود القارئ والجمهور إلى الفضول لمعرفة عمل المحقق بتفاصيله ودقته في التفتيش، كونه الشخصية الأكثر إثارة وتشويقا في الرواية، فيتناول حينا مشاهد قسوة وعنف يحرك بها مشاعر القارئ وحينا يتوغل في غموض التحقيق فيشد انتباه الجمهور إلى متابعة قراءة الرواية بشغف أو  مشاهدة العمل السينمائي بإعجاب للوصول إلى تفاصيل القضية واكتشافها مع الكاتب بكثير من المتعة والذهول عند الصدمة لتقاطع الأحداث وتضادها، حيث يتنقل بذهنه مع المحقق في البحث والاستقصاء الذي يجذبه لمعرفة الجاني مع المحقق في نفس الوقت.

3- عبقرية الروائي

يصنع الكاتب مشاهد الجريمة التي ترتكب غالبا بعد غروب الشمس، ويختار بدقة الشخصيات المحورية وأداة الجريمة والأدلة المجرمة والدلائل. يسيطر أدب الجريمة على باقي الآداب المكتوبة والمصورة، إذ يعتمد الكاتب على العالم الواقعي لبناء روايته، فتراه ملاصقا للمحققين الذي يجعل منهم البطل، ولكنهم يعانون من وضعهم الوظيفي السيئ ويجعل المجرمون يعانون أكثر منهم ويخسرون كل شيء في النهاية، لهذا يتناول الأديب حكاية الجريمة بذكاء فائق ومهارة في طريقة السرد، ونرى بين الكاتب والمحقق تشابه كبير في الأدوار، إذ يكون الكاتب أبرع منه وعلى دراية تامة بملابسات الجرائم والأدلة والقرائن، ويصل إلى نفس النتيجة مع المحقق مع أنه خطط لكل شيء قبل البدء في كتابة القصة.

4- اشهر الروايات

وقد اشتهر كتاب الأدب البوليسي كما اشتهر أدباء الرومانسية والقصص الاجتماعية والروايات التاريخية، وأكثرهم من إنجلترا وأمريكا، ومنهم روايات ناجحة صنفت من بين المائة رواية ناجحة فنقرأ، "ابنة الزمن" للروائية جوزفين تي و"الجريمة النائمة" و"مقتل روجر أكرويد" أجاثا كريستي والجاسوس الذي جاء من البرد" و"شارلوك هولمز"، والسبات العميق"ريمون تاندلر و"شفرة دا فينتشي" دان براون، وقد اشتهرت الأفلام البوليسية عن المحققين مثل شارلوك هولمز وكولومبو وأفلام ألفريد هيتشكوك الأكثر غموضا، وصولا إلى الأفلام الكرتونية "المحقق كونان" و"تان تان" و "سكوبي دو"، فجذبوا انتباه الجماهير العريضة التي تقرأ وتشاهد نفس العمل لمرات دون ملل، رغم اتصافها بالعنف.

 

الكاتب سليمان عميرات

 

حيدر عبدالرضاتقصي محاور الأشياء وفاعلية المخاطب الشعري

توطئة:

من المهمة الشاقة التي يواجهها الناقد الشعري، هي اليوم تكمن في كيفية دراسة المجموعة الشعرية، حفاظا منه على مسار أدواته الإجرائية التي هي من الدقة والمعاينة الموضوعية الجادة، ودون إغفاله لأحدى الجوانب في مكامن المجموعة الشعرية، لذا ارتأينا أن نعاين قصائد مجموعة (تأريخ الأسى) للشاعر طالب عبد العزيز حرصا منا على حيثيات دلالات النص فيها، حيث نتعامل وإياها في حدود من الاستقلالية المبحثية الخاصة أي نتعامل مع كل قصيدة بدراسة خاصة، وذلك نظرا لأهمية هذه المجموعة الشعرية في تجربة هذا الشاعر الثمانيني العقد في نموذجه الشعري الرصين، لذا اخترنا على أن يكون محور مبحثنا في طيات هذه الدراسة هو تقصي محاور الأشياء في حضورية ضمير المخاطب في القصيدة، وعلى هذا النحو سوف نتعامل مع قصيدة (الهياكل المضيئة)، لكونها تبدأ بجملة المخاطب الآنوية، والتي راحت تتلمس لذاتها خصوصية علاقتها مع محاور الملفوظ والتلفظ من فاعلية وخاصية شعرية المخاطب:

معنيٌّ أنا، أكثَر مِنكَ

بهذا الصَّباح  .. أيّها الأفقُ الأبيضُ

معنيٌّ، بهذهِ الشّموس

التي تنطفئُ على رملِك، كلَّ مساء

معنيٌّ أكثرَ مِنك بقطيعِ السُّحُب هذا . / ص21

و على ضوء هذه السياقية المحتدمة بحسية الأولى والأولوية من مشروعية الأنا الفاعلة في مقاطع النص الأولى، نستشف مدى العلاقة المحورية لدى الفاعل الشعري، وهو يدب بصورة الكينونة التقديرية نحو تجسيد ذلك المستوى الخاص من الاستجابة لديه إزاء محاور الأشياء (معني أنا = أكثر منك ـ علاقة استجابة مراوغة) وقد يكون لها أهميتها من جهة وجود حالة الشروع في تفكيك المراد الشعري من ذات الشاعر، ومن جهة أخرى لها الضرورة في تحديد محاور العلاقة الممتدة ما بين (المرسل ـ المرسل إليه) لغرض خلق آلية مستوعبة في شكلها المفترض : (بهذا الصباح .. أيها الأفق الأبيض) وقد تكون وظيفة الأولوية تابعة لجهة الأداء من أنا الشاعر، حيث يمكننا فهم بعد ذلك مدى العلاقة ما بين (جهات الموضوعة ـ مرسل وفاعل منفذ) أي بمعنى ما أننا لا يمكننا ربط حالات وكفاءة جهات الموضوعة دون معرفتنا بخصائص أولية المرسل في محقق الفاعل المنفذ، وهذه العلاقة ما بين الأطراف تبقى بمثابة المرحلة التكوينية ـ النواتية ـ بين مراحل وبنى وصفات واصلة الأولويات على صعيد الاتفاق المرسل المبثوث في هيئة الأمثلة والإمكانات السببية في الأداء الشعري المركز، (معني، بهذه الشموس .. التي تنطفئ على رملك، كل مساء .. معني أكثر منك بقطيع  السحب هذا) يمارس المرسل في علاقة الأحوال هنا كفاءة المعطى، داخل جمل تراتيبية مقيمة في أواصر الحال والاشارة إلى (ملفوظ حالة) فيما تبقى علاقة الفاعل الشعري كوسيلة تناظرية بين (مرسل فاعل ـ علاقة جهاتية ـ كفاءة التفعيل) وهكذا تواليك الصورة المتحولة في وجهة نظر الفاعل المنفذ، كوسيلة في إطار علاقة تراتيبية كقول الشاعر الآتي:

بإوزِّكَ وشياهِك ورُعاتِك

بالمرأة الحليبيّةِ على الشرفة

تكوِّر شعرَها إلى الخلف

أو تمسحُ عن وجنتيها القبل . / ص21

المعنى المتحول هاهنا، هو بمثابة المرسل، في الحال لبنية الملفوظ، حيث يتم في علاقة موضوعة تتكاثر من حولها جهات محاور الأشياء، اقترانا بذلك الفاعل المنفذ، وعلى هذا النحو نتبين جهة المرسل إليه كفاعلية متحولة في مؤشرات الواصلة الملفوظية، مما راحت تشكل بذاتها اتفاقية مؤولة، من شأنها ضم الحالات الموصوفة في علاقة (مرسل / فاعل) ثم بالتالي يتم تحديدها كموضوعة قصد أو حالة إيحائية في معطى وجهة النظر التابعة للفاعل المنفذ نفسه .

ـ دينامية موقع الدال الفاعل ومرايا شعرية القصد .

المرايا الشعرية في عوالم تجربة طالب عبد العزيز، تقتضي وجودا لشيء أكثر بينية، إذ يتمراى فيها المرسل في حدود تلفظات تبادل صوري أو أنه النظير الآخر من المرئي، وصولا إلى ذلك التشخيص الاعتمادي بين ثنائية (العلاقة ـ المرآة) وقد تكون شعرية المرآيا محولة للأمساك بصورة طيف حسب جسدا للفاعل المنفذ، ويضاف إلى هذه العاملية كائنية أخرى من المرآة الكامنة، والتي لا تحكي عن ما لا يرى بالعين، أو أنها تأبى الإفصاح عن ما تخبئه الأعماق، غير أننا سوف نعاين من خلالها رؤى القصد المراوي تحديدا، ليكون لنا ظلا عبر خيال وانعكاس صورة محاور الأشياء هاجسا فيها :

معنيٌّ أنا .. بالفراملِ، تغرغرُ باردةً على الإسفلت

بالمركباتِ المُسرعات،بالجالس النحيل قربَ النافذة

وهو يومئُ ثانيةً، دون أن تراه حبيبتُه

معنيٌّ أنا، بكفِّه التي عادت خاليةً . / ص22

ففي هذه المقاطع تتأكد لنا دلالة المرآة الذاتانية للشاعر وقصديتها المراوية . فالفاعل المنفذ هنا يشكل بذاته المستقرئة لجل حالات الصورة المرآتية، والتي هي محاورا مبثوثا من جهة الفاعل نفسه، لذا تظهر لنا في جملة المخاطب (معني أنا) اعتمادا على خلفية الرائي المتواري عبر ممكنات صور الأشياء في المرآة، وهذه المحاور من صورة الأشياء، هي ما يأتلف مع حاصلية الاستجابة المتتالية من خزين رؤى (الشاعر / الفاعل المنفذ)وصولا إلى جمل المحمول (بالفرامل، تغرغر باردة على الإسفلت .. بالمركبات المسرعات) وهذا الإفضاء بما يمكن التعبير عنه، سوى من جهة الفاعل / المرسل، إذ من خلاله ترتبط خصوصية محاور الحالات في صوته، وبطريقة مغايرة في كيفية الاتفاق مع توالد الوحدة القولية في النص، والتي تنتهي بجملة (معني أنا، بكفه التي عادت خالية) وهذا النوع من التفاوض والترويض مع خيبة (بكفه التي عادت خالية) تكمن فاعلية الأجدى في واقع علاقة الفاعل المنفذ إزاء محاور الحالات المنعكسة في مرآيا ذاته . إذ أنها المستوى القصدي في متابعة محور جهة الموضوعة، حيث يؤاخي هذا الفاعل ما بين صورة المرآة في ذاته وربطها ضمن قيمة فعل الفعل .

ـ سيميائية العلامة وتصوير معنى الأداة .

من الأهمية أن ندرك بأن العلامة النسقية في جملة السياق الشعري، مسألة في غاية الدقة والعناية في رؤية أبعاد الإشارة القصدية في مكون دليل / أداة، أي بمعنى ما أن الشاعر من جهة خاصة، كان يسعى إلى تصوير محاور الأشياء ضمن كيفية خاصة من أسلوب العلامة المتحولة، وما يترتب عليها من أمكانية أرسالية تصويرية مكينة :

معنيٌّ أنا بالخناجر، أكثرَ منكَ أيّها القتيلُ،

و كما جالتْ في خاصرتِك .. جالتْ في خاصرتي . / ص23

في هذه النماذج من النص، نعاين بأن العلاقة ما بين (الفاعل المرسل ـ جهة الموضوعة) تتقاربان في وحدات معادلة خاصة من التأطير والتضمين، لذا تبقى من خلالهما قابلية الموصوف العلاماتي هي الأدل بمظاهر ذلك التبادل بين (الشاعر = محور الأنموذج) وبهذا الأمر نستشف مدى مألوفية وظيفة العلامة في كلا الحيزين، خصوصا وأنهما حلا في حدود توافقية جملة (معني أنا بالخناجر .. أكثر منك أيها القتيل) فهذه الملاءمة الأحوالية في سياق الدلالة، تؤثث لذاتها المعنى المراد من قول الشاعر الملازم (أنا معني) أي بمعنى ما أصبحت العلاقة العلاماتية بين مسببات الظرف المتكون من الحادث والحدوث، بمثابة الصورة التقابلية في حدود فاعلين متقابلين :

معنيٌّ أنا أيّها القاتل .. بيدكَ الصَّماءِ هذه،

بالدمِ الأبيضِ على ثوبكَ

بخنجركَ، الذي ألقيتَهُ في النهَّر

وكما تطاردُك الأشباحُ ... يطاردني خيالُك الأحمرُ . / ص23

القسم التالي من المقاطع، ترتكز على بنية دال (القاتل) بعدما كانت في المقاطع السابقة الأداة مقصورة على تجسيد صورة المقتول، حيث تتضح لنا في هذا الحال التمفصلي حدود دلالة القاتل عبر نوعية من العلاقة الممتدة ما بين (الفاعل المنفذ ـ القاتل= علاقة تقابل) وصولا منها إلى أولوية المعنى المراد في جملة (معني أنا) كلازمة تمهيدية لكل سياق علائقي محدد من قبل الشاعر نفسه (معني أنا أيها القاتل .. بيدك الصماء هذه) والعلامة القصدية تبقى هنا متراوحة في دائرة بنية تقابلية ذا علاقة تمثيلية وتماثلية في وظيفة المحور الدلالي الخاص بجملة (بالدم الأبيض على ثوبك) ولكي يتم ذلك المتعدد في موضعية العلامة القادرة على استيعاب المحتوى من التصور، تقودنا جملة (بخنجرك الذي ألقيته في النهر) نحو مكامن ظرفية المكانية، اقترانا بذلك المستوى المخبوء من مسار توالد دلالة جملة (وكما تطاردك الأشباح) من هنا يتبين لنا بأن أفعال الذات الشعرية هي بمثابة كاميرا المراقبة على مظهر دال القاتل وحركته في مساحة الفعل والوصف ولكننا بعد قراءة جملة (يطاردني خيالك الأحمر) نلاحظ بأن للفاعل الشعري / الذات الشعرية، ذلك المحرك والمحفز ذاته في مشهدية القتل والمقتول، إشراكا لخطابية نموذجية من ناحية هيئة الملفوظ والاستشراف على حيثياته العلنية والسرانية مجالا.

ـ تمفصلات الخطاب وهيئات الفاعل الغرضي .

نظرا إلى أهمية مدونات الفاعل المنفذ في محور القصيدة، نواجه الآن دوره الآخر في حالات الأكثر دقة ووظائفية تمثيلية حاذقة الصنع والتماثل في متعلقات صناعة المعنى الشعري في أحوال القصيدة :

معنيٌّ أنا.. أيّها السجّانُ، الذاهبُ إلى القلعة

بمفاتيحكَ الألف وغرفاتكَ المظلمة . / ص23

أن روح التواصل والتماهي مع حلم الفاعل الذاتي في جملته المأثورة (معني أنا) لربما تقدم لنا تلك الاستجابة في التشكل والتمظهر والتبنين والتشعرن بكل فاعلية المقترح الأحوالي في خطاب المكونات الشيئية في النص، وهذا الأمر ما جعلنا بدوره ننتظر مواقع حيادية الأولوية في مقولة الأنا الشاعرة، امتدادا لها على صور وعلامات حركية الحلقات المشهدية في خطاب الأنا الفاعلة في جملة (معني أنا.. أيها السجان، الذاهب إلى القلعة) اللقطة الشعرية هنا بمثابة ذروة التمركز في رمزية الإثارة (السجان / القلعة) وتفصل اللقطة الأولى عن الثانية مساحة بينية بمعلوم خلفية (الغياب / العدم) ويمكننا عدها كحالة ضاربة في تجليات المتن الأولوي المتمثل بجملة (بمفاتيحك الألف وغرفاتك المظلمة) وتجتهد الماهية المخيالية بالفاعل الشعري إلى التوغل بشفرات سرانية هي من القبول والرفض الاعتباري في جملة اللاحق من النص :

أكثرَ منكَ أيّها الجنديُّ .. معنيٌّ أنا

بزوجتِكَ، التي تركتها في السَّرير

بشعرِها، الذي سقطَ الثلجُ عليهِ مبكرا

بخَطواتها آخرَ الليل .. وقد تأخرتَ كثيرا ..

معنيٌّ أنا، ببكائها المرّ على الأريكة . / ص24

يتسع هذا التوصيف فنيا، ولكنه يتراجع اعتباريا من حيث القيمة والدلالة للجندي في النص، ويتخصص دلاليا محور النص حين يلتحق الدال (معني أنا) في مناطق هي من الجمال والقبح معا في الذاكرة المتخيلة الشعرية، مما يحقق للنص علاقة موازية بين دلالة الملازمة ونسق الرؤية الشعرية .

ـ تعليق القراءة :

لاشك أن قصائد مجموعة (تأريخ الأسى) تحتل لذاتها ذلك الموقع الأبداعي الرصين في خارطة شعرية طالب عبد العزيز، كما أن قراءتنا لجملة قصائدها، ما هي إلا علامة على حيوية ومركزية هذه المجموعة المؤثرة فينا دائما .. أما الحال في قصيدة (الهياكل المضيئة) موضع بحثنا، فهي من الأهمية التي لا تعد ولا تحصى شعريا، خصوصا وأنها قصيدة تصب في أقصى حالات الذروة الاستحواذية للشاعر في مساحة الأفعال والصفات والعلاقات الوظيفية في النص . فيما تبقى جملة اللازمة (معني أنا) كمستحدثة لزومية في اطارها العتباتي في أول كل جملة جديدة من مشاهد النص، ذلك وحتى مرحلة ختامية القصيدة :

أيتها الطبيعةُ الخرساءُ

بحفنةِ العشبِ على قبورِ قتلاكِ المجهولين

معنيٌّ أنا

معنيٌّ أنا

أكثر مما تقصدين . / ص25

تتجه نداءات طالب عبد العزيز أخيرا، بصرخة عدمية كاشفة عن مدى إيقاعية خواء تفاصيل الحياة وشحوبها على ملكوت أشياء الشاعر الزاحفة نحو أوهام ومظاهر الحياة المرئية، والتي كان الشاعر هو الأحق بالفوز بها ما دام يمتلك فرادة الأحساس وشعرية التلون معها في سياق من تداعيات محاور الأشياء وفاعلية المخاطب في أسطرة وقائع الأشياء .

 

حيدر عبد الرضا

 

 

فطنة بن ضاليللشاعرة سفانة شتات بنت ابن الشاطىء

كل تجربة أدبية إبداعية هي عصارة جهد، تعبر عن رؤية صاحبها؛ أفكاره ومواقفه، ولغته، وأسلوبه،ومدى وعيه بالظروف المحيطة به.

قصيدة أأطلق الحرف؟، قصيدة غنائية بامتياز عبرت فيها الشاعرة عن مشاعرها حيث استبطنت فيها حالتها النفسية في علاقتها بالشعر، وأبدت موقفها، مما يجري في الواقع، ذلك الواقع المرفوض، كمؤثر خارجي، ساعية ومتسائلة عن تجاوزه إلى مستقبل مأمول.

سنقارب النص، من حيث المعنى، ومن حيث الصورة الفنية، ومن حيث الصورة الإيقاعية. يعبر النص عن حالتين واقعتين، الحالة الأولى تأسف الشاعرة  فيها  على واقع الأمة العربية وما خلفه على نفسيتها من حزن، و الثانية تربط فيها  ذلك الأثر بتجربتها الشعرية الفنية معبرة عن اهتمامها بقضايا الساعة حالمة وآملة في واقع آخر . تبدأ بمطلع مشوق جدا تجعل حزنها وهمومها بؤرة التعبير بقولها " كسيرة القلب "، واصفة حزنها وتَعَبَها نتيجة تقلبات الزمن واختلاط الأصوات، في ضجيج وصخب، وتختم متسائلة عن عودة البراءة والروح للعرب (وهل تحيي براءتنا ...وتعيد الروح للعرب)؛ فالبراءة تحيل إلى القيم النبيلة، والروح تأكيد لها ودلالة على الحياة الكريمة.

وبين المطلع والختام سبرت الشاعرة غور مشاعرها تغوص فيها مبينة مدى التأثير الذي تحدثه هذه السلوكات المرفوضة، وهي سلوكات متعددة مثلت لها ب (تحريف الكلم، زيف المعاني، الزمن الممهور بالكذب)، واقع مزيف تبدي الشاعرة موقفها منه، فهولا يمت بصلة لاستعمال العقل والتأني والحصافة والحكمة . وتربط  تأثرها وغضبها ورفضها لهذا الواقع بتجربتها الشعرية التي يكتنفها التيه بحثا عن المعنى، فهي الأخرى  ترفض الغضب والفرقة والشتات والخصام، تقول: (أغوص في مهج الأفكار حالمة، ندهت الصبح ...فلم يجب ) مستدعية على مستوى الحلم بارقة الأمل التي تجعلها تطلق أشرعة  ليالي الوصل و المحبة ونبذ الخلافات وما يتبعها من صخب، مستغلة في ذلك تقنية  استرجاع  الذكريات  متسائلة في جملة العنوان " أأطلق الحرف؟"،  باعتبارها  عتبة نصية  مأخوذة  من النص فهي جزء من القصيدة، سيرا على نهج القدماء في تسمية القصائد بمطالعها أو بأحد أبياتها، وهنا هي جملة من صدر بيت.  ثم تختم كما بدأت  باستفهام (فهل تجيء المواسم الصادقة  ..وهل تحيي  براءتنا... وتعيد الروح للعرب) ..، وذلك يعطي النص تلاحما وتماسكا تاما، وهكذا، زاوجت الشاعرة في أساليب النص بين أسلوبي الإنشاء والخبر، مما يستميل المتلقي ويوسع أفق انتظاره . لقد استعملت  للدلالة على تلك المعاني العميقة  أفعالا مضارعة؛ (تعب،  يرغي، تستحث، تهيم، ترفض، ننتشي...)  دلالة على  واقع الحال، أكسبت النص حركية، لأن المضارع يدل على الحاضر والمستقبل، الحاضر الذي يغضب الشاعرة، والمستقبل المتجاوز له، وهو المأمول، والمرجو في قولها: (عل الحرف يحملني إلى ذراع السنا) . و زاد استعمال الاستفهام المتكرر وصيغه المختلفة الأفق اتساعا نظرا لانفتاحه على التأويل بين التساؤل الحقيقي والانكاري، موظفة معنى من معاني القرآن الكريم (تحرف الكلم) من قوله  تعالى في سورة النساء الآية 46 (يحرفون الكلم). مما يدل على ثقافة الشاعرة الرصينة. التي مكنتها من التعبير عن المعاني العميقة بلغة فصيحة منتقية ألفاظها ومعجمها، فهي ألفاظ موحية، وثيقة الصلة بالوجدان، ذات دلالة نفسية شعورية .

أما من حيث الصور الفنية فإن القصيدة تتكئ على الانزياح والمجاز لتخلق الشاعرة عالمها الخاص، المعبر عن رؤياها الشعرية، وقد وظفت في القصيدة صورا مجازية و استعارية، تحيل إلى الخيال الخصب الخلاق عند الشاعرة، عبرت بالمجاز في قولها: (في الخصام... أمانينا .... تدق باب حروف العطف في دأب) حيث أسندت الفعل إلى (الأماني) كما جعلت لحروف العطف بابا للدلالة على كثرة ولوج باب الخصام وتواليه كما تعطف حروف العطف الحدث عن الآخر، صورة مركبة تدل على الجمع والترتيب المؤدي إلى تفاقم الخصام، تصوير دقيق جدا للمعنى، كما تنتظم النص صور استعارية من بدايته إلى نهايته، منها قولها : (تعبني شفة الأحزان) إذ شبهت نفسها بالماء تشربها الأحزان، تعميق مدى اجتياح الأحزان لنفسية الشاعرة، وهكذا فالقصيدة حبلى بالصور الجميلة الواصفة وصفا دقيقا، و المعبرة عن معان عميقة، نجد مثلا: (تهيم في مقلتي الأشعار)، (تذبح النور)، (أغوص في مهج...الأفكار)، وهي كلها صور تمزج الحسي بالمعنوى وظفتها الشاعرة، لوصف العالم الواقعي والذي تصبو إلى تجاوزه، فنسجت عالما حالما تسوده قيم إنسانية مغايرة.

أما الإيقاع في القصيدة قوي جدا بدءا من البحر الكامل والروي وظاهرة التصريع في المطلع التي حافظت عليها الشاعرة .إلا أن ما يميز هذه القصيدة هو إيقاعها الداخلي  الذي تستمده  من توظيف بعض الأساليب البيانية مثل التجانس المعنوي في( تجيء / تعيد)، وهي قليلة بالنسبة للصور المجازية، و من توظيف التكرار. فتكرار العبارة (كسيرة القلب ) في بيتين في القصيدة يدل على تأكيدها، ومنها ( الحرف، الحرف )، ( القلب، ياقلبي )، وهو تكرار تطابق يفيد التوكيد ويقوي الإيقاع الداخلي، وكذلك تكرار الكلمات الدالة على المعنى القريب المتناسب مثل : (الانكسار، كسيرة / الأحزان / الغضب/ مساكب الدمع )،( التعب / الإرهاق  (مرهقة) / الصخب )، وكلها دالة مؤكدة على مشاعر وانفعالات الشاعرة، وتعطي ظاهرة التوازي إيقاعا قويا سواء على مستوى المعنى أو على مستوى التركيب نمثل لها بقول الشاعرة :

فتستميل/ قوافي/ النور/ أشرعتي

وتستفيق/ ليالي /الوصل/ في طرب .

حيث نجد التجانس الصوتي في الفعلين زيادة على الصيغة الصرفية، والتوافق بين قوافي وليالي في الصيغة الصرفية، مما أعطى للقصيدة إيقاعا داخليا قويا .

وأخيرا، فإن الشعر عند الشاعرة سفانة بنت ابن الشاطئ تعبير عن الحياة في جميع مناحيها؛ فكما هو تعبير عن الذات، وإحساساتها، هو كذلك تعبير عن القيم الإنسانية العليا.

كما تنم القصيدة عن معرفة لغوية مهمة مكنت الشاعرة من خلق صور فنية رائعة في انسجام تام بين المعنى والصور الانفعالية العاطفية، فكان حضور"أنا" الشاعرة حضورا قويا، فكرا وخيالا وعاطفة، هيأ للقصيدة وجودها الإبداعي المتميزعلى مستوى عمق المعاني، ووضوح الدلالة، وعلى مستوى صورها الفنية و الإيقاعية  بكل مكوناتها .

 

د. فطنة بن ضالي/ المغرب 

مراكش في 20-06-2020.

 

 

 

 

منذر الغزاليقراءة في قصة قاب قوسين أو أدنى من جهنم للكاتب العراقي المغترب: د. مديح الصادق

إن السؤال الأول الذي يواجه القارئ، حين يفكر في كتابة رؤية نقدية عن منجزٍ أدبي ما هو: ما السمة المهيمنة على النص؟

ما هو سر، أو أسرار الجمال في الأسلوب، التي تجعل من نصٍّ ما نصاً أدبيا؟

والقارئ لقصة  "قاب قوسين أو أدنى من الجحيم" للأديب العراقي المغترب د. مديح صادق  يلاحظ منذ البداية هيمنة اللغة وسلطتها على النص في جميع مفاصله، وبالتالي لا يضنيه  الأمر فيدرك محورية اللغة في تحديد نمط السرد، كذلك في إغناء مكونات  السرد القصصي من بنية السرد، والراوي، والبنية الدلالية... فتأخذه اللغة بتيارها، وتصير القراء للنص، بسماته وخصائصه وروافعه الجمالية، تنطلق وتنتهي، أو تدور كلها حول مركزية اللغة.

واللغة في قصة قاب قوسين،  كان لها دورٌ أسلوبيٌّ وبنيويٌّ في السرد، والأسطر التالية ستكون توضيحاً لهذه الفرضية.

أولاً:  تحليل بنية السرد

تنقسم بنية السرد في القصة إلى نمطين: نمط تقليدي، ونمط حداثي. وهذا التقسيم هو تقسيم منهجي بحت، بغية الدراسة فقط، ولا يملك أسلوب عن أسلوب آخر أي تفضيل. فكم من قصص خالدة اعتمد كاتبها بنية سردية تقليدية، وكم من نصوص أخرى صارت من عيون القصص العالمية، كانت بنيتها السردية بنيةً حداثيّة.

العنوان:

 المكتوب يُقرأ من عنوانه، إذا كانت هذه المقولة تنطبق على الواقع في شيء، فإنها تنطبق أشد الانطباق على هذا النص بالذات، وعلى محور قراءتنا له على وجه الخصوص.

قاب قوسين أو أدنى... تناص كامل من الآية القرآنية "فكان قاب قوسين أو أدنى..." سورة النجم، الآية التاسعة.

فإذا كان العنوان هو العتبة الأولى التي تكشف بنية النص، فإن العنوان هنا يكشف البنية اللغوية بالذات، حين  يواجه النصُّ القارئَ بجزءٍ من آيةٍ قرآنية، فإنه، أي القارئ، سيضع، مباشرةً، تصوراً عن طبيعة اللغة التي ستشكل بنية النص من جهة، ومن جهة أخرى، سوف تخطر بباله تخميناتٍ محدّدة عن طبيعة الموضوع الذي يتحدث عنه العنوان.

نمط السرد التقليدي:

يهيمن فيه الراوي العالم بكل شيء، وزمن الحدث زمنٌ خطّيٌّ، بالإضافة إلى بنيته اللغوية المعتمدة على البلاغة التقليدية من تشبيهاتٍ واستعارات، وتبتعد عن الترميز والمجاز  قدر المستطاع.

1- الراوي العالم بكل شيء:

منذ الكلمة الأولى يبدأ الراوي بسرد الأحداث عن بطل القصة، بأسلوب يوهمنا بالحيادية وعدم التدخل: "قد لا يكون هو المقصود بابتسامة عريضة كشفت عن صفين من اللؤلؤ ناصعين". وتمضي القصة منذ هذا المدخل السريع حتى الخاتمة المفارقة على هذا المنوال: راوٍ يتخفى بالحيادية، يسرد حكاية بطل القصة.

2- الزمن الخطي

تمضي أحداث القصة، أو بنى الكاتب حبكة نصه بناءً تقليديّاً، من المدخل، أو المقدمة، حيث يبدأ بالتعريف بشخوص القصة، ويفرش المكان والزمان لتلقّي الحكاية، ثم يتصاعد الحدث حتى يصل إلى الذروة، فيتأزم الصراع في انتظار الحل، أو الخاتمة التي تفجّر الاحتقان وتنهي الحكاية، في زمنٍ خطّيٍّ متصاعدٍ في اتجاهٍ واحد يوازي أو يشابه الزمن الطبيعي، إمعاناً في الواقعية.

أما المونولوجات، أو النجوى الداخلية التي تقاسمت النص مع السرد الوصفي، فأرى أنها لا تمثل تكسيراً لخطّيّة الزمن، إذ اقتصر دورها على إضافة الصفات النفسية لشخصية القصة الرئيسية، لا تتعود بالأحداث، أو تتقدم بها، فيمكن اعتبارها مجرد محطات وصفية في السرد.

3- البنية الدلالية، موضوع القصة:

موضوع القصة هو الحب، او توق بطل النص إلى الحبيبة، وقصة حب لاهبة، تطفئ لهيب مشاعر حرمان، أشار إليه الكاتب من خلال الخاتمة المفاجئة، التي كشفت أن الحبكة كلها، والأحداث التي مرّت، ما هي إلا حلم طويل، راود بطل النص، في رحلة قطار اعتيادية، والحلم هو تعويض لا واعٍ عما لا نحققه في الحياة الواعية.

ثالثا: اللغة، عماد النص وأساسه

ينبغي الإشارة بادئ ذي بدء بأن اللغة القصصية تختلف عن لغة باقي الأجناس الأدبية، والصنوف الكتابية؛ لكنّ هذا لا يلغي أن تتقاطع لغة القص، في بعض ملامحها مع لغة الشعر مثلاً، أو أن يستفيد القاص من خواص اللغة الشعرية في بنية نصه السردي، إذا كان ذلك يخدم النص. غير أنه ينبغي التأكيد على أن هذا التقاطع أو تلك الاستفادة لا تعني إلغاء الجنس الأصلي، أو الهيمنة عليه.

النص ينتمي إلى تيار الواقعية الاجتماعية، من حيث إنه يعالج قضية اجتماعية، من الواقع المعيش، وقد استخدم الكاتب بنية سرد تقليدية براوٍ عالم، يضفي على الحكاية المزيد من الواقعية، ويوهمنا بواقعية الحدث المتخيل، وواقعية الشخوص.

وقد توسل بلعبة الإيهام في بنية النص بلغة تقليدية، من حيث الابتعاد عن المجاز، والترميز، فهو يدخل إلى الهدف مباشرة.

وإمعانا في الإيهام جعل الراوي يتحدث بلغة رصينة  فيها من الجزالة ما يكفي لإضفاء طابع الصدق على الراوي الموكلة إليه مهمة إقناع القارئ بصدق الأحداث؛ لهذا كثرت التشبيهات التقليدية التامة، والاستعارات، وهيمنت على النص السردي لغة بيانية غنية بأساليب البلاغة.

وغلب على النص السرد الوصفي، على حساب الحوار أو العرض، فكان النص موزعاً بين لوحات وصفية تمتاز بمسحةٍ شاعرية رومنسية مؤثرة، وكانت لغة الوصف لغة شفافة، غنية بالمحسنات البلاغية كما أسلفنا، أعطت للنص مسحة كلاسيكية، وأضفت على الراوي رصانة ومصداقية: "بوضع مثير تقابله في المقعد الآخر في عربة مترو الأنفاق، يومين في الأسبوع عليه أن يمر برحلة من بيته للجامعة النائية أطراف تورونتو، خليط بشري منوع الألسن والأجناس والأشكال والأعمار، بمختلف الأزياء أو بدونها في بعض الأحايين، في كل محطة يستقبل جيلا بعد أن يغادره جيل"

وترق اللغة وتشفّ حين يصف لنا المرأة التي أحبها البطل، هنا تكتسي العبارات غلالة من الجمال والرقّة، وتميل مفرداته إلى العذوبة والأنوثة: ’"عن كاهلها ألقت بها على المقعد المجاور، بللت شفتيها الحادَّتين برشفة ماء، رفعت سروالها قليلا للأعلى كي تكشف- عن عمد- عن ساقين مكتنزين أخفا بياضهما شتاء قد مرَّ قارس البرد، ثقيل الثلج، فتحت الإزرار الثاني من القميص كاشفة نصف الصدر، أدارت عجيزتها للخلف نصف استدارة وهي تنظر بنصف عينها لقامتها الرشيقة خلال الزجاج، بدلال امرأة شرقية هزَّت رأسها إلى الجانبين بغية انسدال شعرها الفاحم الطويل على الكتفين."

الشخصية هي المحرّك الأساسي للحدث القصصي، وبالتالي فوصف الشخصية هو العمود الفقري للقصة، وقد كان الكاتب من الذكاء أن جعل  للمونولوج أو النجوى الداخلية مكانة بارزة في النص، بحيث اقتصر دوره، تقريباً، على وصف شخصية البطل بشكلٍ غير مباشر.

والشخصية في النص القصصي –أو الروائي- ليس وجوداً واقعياً، بل هو مفهوم تخييلي وصفي تشير إليه اللغة والألفاظ في القصة، تولّد بدورها الدلالة في ذهن القارئ: "لا تخَفْ من أحد في هذه البلاد، حتى من نفسك لا تخف، كثير منا يفعل في الخفاء ما ينهى عنه على منابر الخطباء، أما إن شاء أن يكون عسيرا معك الحساب مَن بيده القضاء فلا تتوجس، لقد أفتى كل أنبيائه بأنه غفور رحيم"

ويظهر من الوصف أنه متماشياً مع الحالة الملائمة لطبيعة الشخصية من جهة، ومن طبيعة الحدث من جهةٍ أخرى: "ممَّ خائف أنت؟ أمِن قوم يُقبِّل بعضهم البعض في الشارع، في المقهى، في الباص، في البار، وحيث يقضون الحاجات، وبعد ذلك يعملون بجدٍّ، ويُبدعون؟ أم أن خيال زوجتك التي خاصمت فراشك مذ عامين بادعاء اعتلال الصحة أو كبر السن مازال مطاردا إيَّاك حيثما فررت، مُنغصاً عليك أهنأ اللحظات، لا، لا؛ ليس الأمر كذاك، فأنت لم تتخلص بعدُ من عقدة الخوف من حديث منفرد مع النساء."

وأخيرأ:

إذا كانت لغة النص لغة فصيحة غاية في الفصاحة، وبليغة، بالمعنى التقليدي للبلاغة العربية، وظفها الكاتب توظيفاً حسناً في إضفاء سمة الحيادية على الراوي؛ فإنها لم تخل من التقاطع مع اللغة الشعرية، من جهة الانزياح اللغوي. لغة النص غنية بالانزياحات، فقد تعمّد الكاتب على خلخلة الشكل النمطي للجملة، وغيّر في مواضع الكلمات، ليعطي تفجيراً إضافياً للغة، وتلويناً جمالياً يضاف إلى كمّ البلاغة الهائل الذي اغتنت به لغته... "بوضع مثير تقابله في المقعد الآخر.. حقيبة حمَّلتها كتباً... بدلال امرأة شرقية هزَّت رأسها... خطوتين باتجاهه تقدمت..."

 

منذر فالح الغزالي

بون في 25/11/2020

..........................

قابَ قوسينِ أو أدنى من جهنَّم

قصّة قصيرة. بقلم مديح الصادق

قد لا يكون هو المقصود بابتسامة عريضة كشفت عن صفَّين من اللؤلؤ ناصعين، وأفصحت عن مُحيَّا فتاة في العشرين اكتملت أنوثتها بصدر ناهد، وقامة ممشوقة، بخصر إسطواني كشفت عنه قليلا برفعها طرف القميص، وأنزلت البنطال الضيق حدَّ الوركين، ومالت جانبا بجلستها، بوضع مثير تقابله في المقعد الآخر في عربة مترو الأنفاق، يومين في الأسبوع عليه أن يمر برحلة من بيته للجامعة النائية أطراف تورونتو، خليط بشري منوع الألسن والأجناس والأشكال والأعمار، بمختلف الأزياء أو بدونها في بعض الأحايين، في كل محطة يستقبل جيلا بعد أن يغادره جيل؛ لكنها لم تغادر المقعد كأن همَّها أن تعد المحطات، وظل مبسمُها شاغلا صاحبنا الذي على مضض غالب الاتزان، بسذاجة تظاهر أنه لم يلق لها أي اهتمام، بأطراف أنامله عدَّل ربطة العنق ودبوسها الذهبي، حدّق في زجاج النافذة المقابل مستطلعا تناسق ألوان بدلته والقميص والرباط، على تسريحة شعره مرَّر مشابك الكفين، لم يَغزُهُ صلع بعد، ولمَّا يزل غالبا على بياضه السواد رغم وداعه الخمسين مما ورطه في مراهنات الأصدقاء على أنه يصبغ الشعر؛ وبعدها يكسب الرهان عندما يُصار إلى زوجته الاحتكام.

على استحياء، بطرف عينه اليمنى، نظرة على عجل، مزيج من الخجل والخوف من ألا يكون هو المقصود، فتفسد عنده نشوة رجولية مثل زرع فارقه الغيث، وقاربت تذروه الرياح، حتى لاحت تباشير مِزنة من بعيد، فعاودته الحياة، أو نهر جفت منابعه فانتابه اليأس، استطلع هيئتها من جديد, البسمة لم تفارق ثغرها, اتقد البريق بعينين واسعتين, سواداوين, رموش طويلة، تقاسيم وجهها السومرية اهتزت طربا، ارتفعت قليلا مقدمة أنفها الأخنس فزادها على ما هي عليه من عذوبة وجمال، كم هو غريب جنسكنَّ- أيَّتها النساء- حين تبتسمنَ! فإما هي رقصة انتصار على الأشلاء، أو هو خلق جديد لكون جديد جميل. أيقن الآن أنها له، لا منافس في الساحة على الإطلاق، فمَن حوله كهول يمارسون لعبة التجوال يومياً عبر محطات الأنفاق، وطلاب من كلا الجنسين أخلدوا للنوم فهم متعبون من يوم دراسي طويل، ليسوا بحاجة للحبّ وقد أُتخموا منه كما الطعام والشراب، في أي زمان أو مكان شاؤوه، دون خشية من رقيب، أو صولجان عقاب.

حقيبة حمَّلتها كتباً، كراريس، مطبوعات، مستلزمات لهو، علب طعام، عدة المكياج والعطور، عن كاهلها ألقت بها على المقعد المجاور، بللت شفتيها الحادَّتين برشفة ماء، رفعت سروالها قليلا للأعلى كي تكشف- عن عمد- عن ساقين مكتنزين أخفا بياضهما شتاء قد مرَّ قارس البرد، ثقيل الثلج، فتحت الإزرار الثاني من القميص كاشفة نصف الصدر، أدارت عجيزتها للخلف نصف استدارة وهي تنظر بنصف عينها لقامتها الرشيقة خلال الزجاج، بدلال امرأة شرقية هزَّت رأسها إلى الجانبين بغية انسدال شعرها الفاحم الطويل على الكتفين. ياللهول، كم غريب هو هذا الكون! أليست تلك (أميرة) الطالبة العربية الأصل؟ قبل ساعات في الحرم الجامعي كانت في أقصى درجات الاحتشام، في المظهر واللباس والكلام، صوتها الرخيم المُستحي بعاطفة وانسياب تقرأ قصائد (السياب) حتى أبكت الحضور في غربة الخليج، لابد إذاً أن هناك مَن يعد عليها الخطى هناك، وحينما يشعر المرء بانعتاقه من قيود الرقباء فإنه قد يفعل ما يظن أنه هو الصواب، أهي على موعد مع (البوي فريند) كما يسمونه في تلك البلاد؟ أم أنها تكسب رزقها من مهنة ليست في مصاف العيوب على النساء في بلد تحكمه النساء؟

لا تطلق العنان للظنون- يا حضرة الأستاذ الشاعر الفنان- فمثلك أولى أن يكون منفتحا مستقبلا لحاجات الجديد من الأجيال، ألم تكتب يوما أن غدا أحسن من أمس؟ أم أن تقدم السن، وكثرة الأهوال أنساك ما تشرَّبَه منك الذين على يديك تتلمذوا من فكر علمي؟ (أميرة) ليست من هذا الصنف أو ذاك، والدليل القاطع اهتمامها الفريد بك، لاحَقَتك اليوم طول الطريق، أمَامَك استعرضت كل ما بوسعها من مغريات النساء، النساء المحنَّكات في صيد الرجال، غير طامعة منك في مال أو جاه، ليست مبالية لفارق السن الكبير، مع علمها المسبق أن لك زوجة وعيالا، فقد تكون نزوة عابرة أو وَهماً بأن الحب الصادق يمكن أن يقفز فوق فوارق السن ولا يبالي بارتباط الآخر بزوج، وقد تكون حاجة لسد نقص عاطفي؛ فاستهواها حضن رجل متَّزن يعوضها حنان أب أو أخ أو صديق، أو زوج جفَّت عنده منابع الحب والوفاء، أيَّ حب كان؛ فهو بالنتيجة حب، وهل هناك في الكون زاد يعين المرء على البقاء حيّاً كما شعوره بأنه محاط بالحب؟

خطوتين باتجاهه تقدمت، ثالثة، تمايَلت بدلال، ابتسامتها أوسع من ذي قبل، كاد قلبه يقفز من جنبيه، تورَّدت وجنتاه، ساقاه بعضهما البعض تضربان، ارتعشت شفتاه، نعم إنه هو الحب، هكذا يفعل العشّاق عندما تشتعل شرارة الحب، اللحظة هذي جيدا يعرفها، فيها له شعر جميل كان من وحي الخيال؛ لكنه اليوم غارق لا محالة في عباب9 هذا البحر. أغمض الجفنين خلف نظارة سوداء، قادمة هي إليه، ستأخذه بالأحضان كما يفعل هنا الناس، في المُغطّى والمكشوف من المساحات، بعد الحَضْن على خدّه ستطبع قبلة أول الأمر، ثم يلتهم الحريق الشفتين وكل المشتملات، ولتفعل ما تشاء، ممَّ خائف أنت؟ أمِن قوم يُقبِّل بعضهم البعض في الشارع، في المقهى، في الباص، في البار، وحيث يقضون الحاجات، وبعد ذلك يعملون بجدٍّ، ويُبدعون؟ أم أن خيال زوجتك التي خاصمت فراشك مذ عامين بادعاء اعتلال الصحة أو كبر السن مازال مطاردا إيَّاك حيثما فررت، مُنغصاً عليك أهنأ اللحظات، لا، لا؛ ليس الأمر كذاك، فأنت لم تتخلص بعدُ من عقدة الخوف من حديث منفرد مع النساء.

لا تخَفْ من أحد في هذه البلاد، حتى من نفسك لا تخف، كثير منا يفعل في الخفاء ما ينهى عنه على منابر الخطباء، أما إن شاء أن يكون عسيرا معك الحساب مَن بيده القضاء فلا تتوجس، لقد أفتى كل أنبيائه بأنه غفور رحيم، هلمي- أيتها الفاتنة- هلمي، بعطرك، بكل مالديك من سحر، هلمي فالساعة قد دنت ولا مكان بقلبي مطلقا للخوف، تحت أقدامك أحرق أعوامي الخمسين، أقلع ما غزا مفرقي من أبيض الشعر، وكلكامش هذا ليذهب للجحيم فقد عثرت اليوم على السر الذي أفنى عمره- دون جدوى- في البحث عنه، الليلة أكتب ملحمة للأجيال بأن الحبّ بعد الخمسين هُو بعينه سرّ الخلود.

عن قرب لامسته، ساقا على ساق، تحول الظن إلى يقين، ليس ككل مرة من شاعرٍ خيال، أو من محموم هذيان، أيعقل أنها ساعة موت أم ولادة حين تفقد اتصالك بالأشياء، وتعتريك ارتعاشة الخريف، أم أن كارثة على الطريق؟ فما من كارثة إلا وكان الأساس فيها لحظة الضعف، فتبّاً للضعف. على نهج المُتحضِّرين للأمام مدَّ الشفتين مستقبلا أنفس القبلات، أنفاسه تكاد تشعل النار في العربات، ثقيلة مرت الثواني وهو لها على أحر من جمر بالانتظار، فتحَ الذراعين مستقبلا حضنها الدافئ ليضغط على ظهرها الضغط المتحضر الخفيف، منها يستمد القوة والعزم كما استمد العظماء ذلك من خيِّرات النساء، وهل في العالم سر عجيب مثل قوة حب تمنحه امرأة مَن تحب وتهوى بسخاء؟ توقف القطار، أعلن المذياع نهاية المحطات، احتكت الأجساد بالأجساد، والحديد بالحديد، حقيبة أوراقه تدحرجت بين فخذيه، نظارته السوداء على الأرض، على وسعهما فتح المقلتين، ألا لعنة الله على القطارات فهي تفسد الأحلام.

 

 

فالح الحجية(في يوم غد  11-ر بيع الثاني - ذكرى  مولد شيخنا وجدنا  الشيخ عبد القادرالكيلاني  وبهذه الممناسبة اكتب عن شعره الصوفي)

ان  من اواصر الصلة التي تربط بين الدين والشعر تتركز في اعتماد كل منهما على الروح الالهام والحدس والتلقي اعتقادا واعتمادا وافرا ابتداءا من اقتناع الانسان الاول بان لكل شيء روحا وهذه الروحية هي ما في الدين من شعر وما في الشعرمن دين او اعتقاد وان الفرق بين الرؤيا الصوفية والرؤيا الشعرية ينبثق من درجة تسامي كل منهما .

لذا نلاحظ في مجال الفناء في العالم والامتزاج فيه لدى الصوفي بحيث تتوحد كل تناقضاته ويغدو عينا شفافة خاليا من التعكر والصراع وربما لايفترض في التجربة الشعرية بلوغ هذا المدى في كل الاحيان الا عند القليل من الشعراء ففي حالات الصفاء والشفافية تقترب رؤى الشعراء من رؤى الصوفية وقد تبلغ مبلغها من السمو والتركيز فتاتي او تجيئ اشعارهم او قصائدهم  كشطحات صوفية جانحة الى الايماء والرمز والغموض واللامعقول .

فالشعرالصوفي هو امتداد لشعر الزهد فقد انحدرا في نهر واحد ثم افترقا قريبا من بعضهما ثم يلتقيان في مصب واحد فشعراء الزهد كانت قصا ئدهم واشعارهم في التقرب الى الله تعالى طمعا في الجنة والجزاء الحسن ومن هنا كان شعرا مليئا بالفاظ التوسل و الرجاء و المناجاة والتحذير من النار وملذات الحياة الدنبا وشهواتها والتذكير بالاخرة والمعاد والحساب  في يوم القيامة .

اما الشعراء الصوفيون فقد نبعت اشعارهم وقصائدهم من هواجس الحب والشوق والوله والعشق لخالقهم لذا اختاروا الالفاظ الغزلية وكلمات الحب الخالص في التعبير عن مكنون انفسهم وافكارهم وما يداخلها من حب وشوق الى الله تعالى وشتان بين الخوف والرهبة وبين الحب والشوق.  فالشاعر الصوفي محب عاشق واله من حيث ان الصوفية في جوهرها وذاتها ضرب من ضروب الحب والوله والفنا ء بالحبيب واليه .

والاسلوب الشعرى هو بنا ء القصيدة من حيث الشكل والمضمون حسا مضمونا وفنا وتخيلا وتصورا واحاسيس ووجدان وعواطف وصورا شعرية ونحوا وبلاغة وموسيقى في كل ما يتطلبه البناء الشعرى للقصيدة وداخل فيها  ابتداءا من مطلعها الى خاتمتها.

والقصائد الكيلانية امتازت بين الطول والقصر فهناك مقطوعات تكونت من بيتين او ثلاثة وقصائد بين عشرات الابيات الى جانب مطولات كانت قمة في الرقي الشعري وخاصة قصيدته العينية التي بلغت 391 بيتا الا ان السمة الجامعة لهذه القصائد اوالمقطوعات انها في التصوف والحب الالهي  .

واللغة الشعرية التي استعملها الشعراء الصوفيون قد اشتملت على الغزل العذرى وما فيه من الفاظ في الحب والشوق والوجد والوله والفناء في داخل المحبوب وقد اضافوا اليها احدى طرق التعبير الصوفي ما ثلة في التلويح او الرمز الشعرى الذى يومىء او يشير به لها ومن خلال هذا الطريق استطاع الشاعر الصوفي التعبير عما يخالجه ويجول بخاطره من عبارات دون الاكتراث بما حوله وقد اكد الشيخ الكيلاني هذه الحقيقة في شعره متخذا من الرمز او الاشارة مسلكا كقوله:

اسراري قراءة مبهمات

مسترة   بارواح    المعاني

فمن فهم الاشارة فليصنها

والا  سوف  يقتل   بالسنان

كحلاج المحبة اذ تبوت له

شمس   الحقيقة   بالتدا ني

وقال انا هو الحق الذى

لا  يغير  ذاته  مر الزما ن

ومن العناية الشعرية جودة الصياغة وحسن اختيار الالفاظ حيث كان دقيقا في اختيار الفاظ شعره في ظل الرمز . يقول من الوافر:

سقاني الحب كاسات الوصال          فقلت لخمرتي نحوي تعالي

او في قصيدته البائية من البحر الكامل و التي مطلعها:

مافي الصبابة منهل مستعذب

الا ولي  فيه  الالذ   الاطيب

فقد استعمل الالفاظ السهلة وانتقى الكلمات الحلوة التي تبين ما يتمتع به الشاعر من قوة والهام في الاختيار والتعبير والشاعرية الفذة بالفاظ سهلة مالوفة البسها ثوبا جديدا قشيبا يتلون بالوان وهج القصيدة واحاسيسها وأوقعها بين الرقة والعذوبة والخطابية . هذه الكلمات الحلوة التي تبين ما يتمتع به فقد استعمل الالفاظ السهلة وانتقاء الخطاب الرائع لذا جاء شعره رقيق الحواشى جميلها رمزيا في بعض منها يقول:-

لاخمرة الا خمورى في الهوى

ولا غرام الا من تصاعد  زفرتي

اما الموسيقى الشعرية فانها تنبع من احساس الشاعر وما يتأجج في نفسه من احوال ومواجيد وقد ارتبط بالموسيقى مظهران اساسيان واضح من وعائهما وهما الاوزان والقوافي، ففي مجال الاوزان الشعرية - والوزن هو القالب الموسيقي يعتمده اسلوب الشعر العربي او هو مصطلح الايقاع واللحن الحادث من تجمع اصوات الحروف وتجاوبها مع بعضها تنسيقا واداءا مع الصياغة من خلال انتقا ء الشاعر لها - ونلاحظ ان الشيخ قدس سره قد اختار لقصائده الاوزان ذات النغمات الطويلة والمؤثرة في المتلقي لذا جاءت  قصائده تسبح في بحار الطويل والبسيط والكامل والوافر .

اما القوافي فانها تنطوي على تقدير الاتصال بين ابيات القصيدة الواحدة وتبرز اهميتها من خلال الاتصال والتناسق مع الاوزان الشعرية والانسجام بينهما بحيث نجد في شعر الكيلاني معظم قوافيه جاء كذلك منسجما مع الوزن بحيث تشكل جرسا موسيقيا عذبا متألقا متصاعدا تتفاعل معه العواطف المتلقية حتى تصل الى الانبهار في بعضها.

اما فى موضوع الفنون الشعرية فاقول ان الصوفي ولد في احضان حركة الزهد الاسلامي وتطور من خلالها والشعر الصوفي ولد في رحم التيار العام للشعر الديني او شعرالزهد  في الاسلام وترعرع فيه وقد عبر الشعر الصوفي بامانة عن مختلف النوازع الصوفية كالاعراض عن الدنيا والزهد فيها والاخلاد الى القناعة والرضا بفضل الله تعالى والصبر عند النوازل والشكر لنعم الله تعالى والتوكل عليه في السراء والضراء وفي مقامات الصوفية وحقيقتها نلحظ نهوض القلب في طلب الحق عزوجل والمقام عندهم مقام العبد بين يدي الله تعالى فيما يأتيه من العبادات والمجاهدات والرياضات والانقطاع اليه تعالى مع فرض الاتيان بكل التكاليف الشرعيه والتاكيد على الديمومة عليها. وكل هذه النوازع والسبل اليها نجده ثابتا في ادب الشيخ الجيلاني في نثره وشعره والصورة الفنية هي اللمحة والحالة الني يسجلها الشاعر وما يتمثل به من احساس وادراك للوصول الى ما تسمو اليه شاعريته ويروم تسجيله بحالة انصع واسمى . والصورة الشعرية قمة خيال الشاعر فهي بحر يسبح فيه وسماء يعرج فيها وارض يتنزه عليها وفيها .والصورة الشعرية الفنية في شعر الجيلاني قدس سره نجدها واضحة جلية في قصائده ومقطوعاته الشعرية تشمخ من خلال دراسة هذه القصائد ونستطيع ان نلمس ذلك في الفنون الشعرية التي طرقها وانشد فيها فكانت فنونا شعرية واغراضا مقصودة  لا يختلف في مكانته الفنية عن ترنيمات المحبين  مايلي ومنها مايلي:

1- الفخر الصوفي

اتجه شعر الجيلاني قدس سره وجهة متميزة قد اختلفت عن مسالك الفخر المعروف فلم نجد فيه مديحا للملوك والامراء والاشخاص ولم يقصد فيه الى التباهي والتفاخر والتعظيم بما يملك او بما كان له من مآثر الاجداد والامجاد انما نجده ينبع من عقيدته ومنزلته الدينية وما يفرضه عليه الحدود الدينية التي وصل اليها في العبادة وفي حب

الله تعالى فيقول من البحر الطويل:

مافي الصبابة منهل مستعذب

الا ولي   فيه  الالذ  الاطيب

اوفي الوصال مكانة مخصوصة

الا و منزلتي  اعز  واقرب

وهبت لي الايام ر ونق صفوها

فغلت  مناهلها    وطاب المشرب

اضحت جيوش الحب تحت مشيئتي

طوعا  ومهما  رمته لا يغرب

ومن الصور الفنية الجميلة في شعره اعتماده اسلوب التشبيه بحيث يشبه المحسوسات ببعضها، حيث يشبه محسوسا باخر محسوس مثله او معنوي ينبثق من محسوس مثله قال:-

اضحى الزمان كحلة مرقومة

تزهو ونحن لها الطراز المذهب

وله في هذا الباب اشعار يفتخر بنسبه الشريف كونه سليل الدوحة المحمدية  المباركة  يقول:

محمد الرسول  للخلق  رحمة

وجاهد  في  كفارهم  بالقواضب

اتاني مرارا قبل عهدي وقال لي

انا جدك افخر  بي  كفخرالمخاطب

امامي رسول الله جدي وقدوتي

وعهدي من  بحقه وهي مطالبي

2- السكر اوالخمرة الالهية –

السكر والصحو من اظهر الاحوال الصوفية واخصها

وقد اختلف المشايخ ايها افضل وأليق بالصوفي لذا فاضت الاقوال المأ ثورة بالتعبيرعن الفناء والغيبة والسكرو ما الى ذلك مما يشير الى ان الصوفي كان في اغلب احواله ماخوذا مشغولا عن نفسه وعن كل ما سوى الله بالله وحده .

السكر الصوفي هو تلك النشوة العارمة التي تفيض بها نفس الصوفي وقد امتلات بحب الله تعالى حتى غدت قريبة كل القرب. فالسكر الصوفي  ليس شرابا او خمرا يدير الراس او  يثقل الحواس  فيضرب غشا وة علي القلب بل هو احساس يوقظ النفس وينعش الوجدان ويجلو عين البصيرة في نظرالصوفية - فتفتح امام القلب افاقا  للروح  في هذه العوالم الجذابة الشائقة بحيث تستولي تجليات الحبيب على قلب الصوفي فلا يشهد ولا يشاهد سوى الحق سبحانه وتعالى لان حضور الحبيب في القلب هو محور لشعوره بذاته وبما حوله وقد يصل الى درجة صفاء الوجد وتصافيه وعندئذ يحل والوجود الشهودي محل الوجود الوجودي نتيجة لذلك  وهذه الدرجة من الحب الالهي وما يشعر به الصوفي العارف تجاه خالقه وما يحس به من شعور ازاء جمال من يحب المنزه عن الجمال الدنيوى تظهر حالات النشوة والتي هي حالات السكر المشابه في اثاره الى حد بعيد حالات السكر الخمري وهذه الحالة علامة الصدق في الحب في ذلك.

يقول الشيخ عمر السهروردي:

(المحب شرفه ان تلحقه سكرات المحبة فان لم يكن ذلك لم يكن حبه حقيقة)-

ومن هنا نجد شعر الجيلاني قدس سره قد ملئ

بالخمريا ت الالهية  حيث انها مزجت بدمه فتنبعث  من  روحه

وقلبه  وعواطفه لاحظ اليه يقول:

حد يثها من قديم العهد في اذني

فخلني من حديث

الحادث الفاني

قديمة مزجت روحي بها ودمي

وهي الاتي لم تزل

روحي وريحاني

انا النديم الذي تم السرور به

من كان يعشق رب

الجا ن يهواني

وتعشق الراح مني حين اشربها

ويسكر السكر مني حين

يغشاني

أي تعبير مبدع حاذق هذا، واية صورة فنية خالدة لحالة السكر الالهي فالراح هي التي تعشقه والسكر هو الذي به يسكر وخمرته ليس هذه الخمور الدنيوية وليست نشوته نشوتهم فهي نشوة ازلية ابدية يعني بها التحدث بذكر الله تعالى في السر الخفي الذي رادف السر والنور المحمدي وفيها يتشوق الشيخ قدس سره الى الذا ت العلية وحبيبه الذى يراه في كؤوس الخمر الا لهية يقول:-

سقاني حبيبي من شراب ذوي المجد

فاسكرني

حقا فغبت على وجدي

وحالة السكر هذه لا تكون الا لاصحاب المواجيد فهي حالة متأتية من النظرالى الحق  تعالى  وفيه بعين القلب مستأنسا بالمشاهدة والحب والجمال الالهي في ظل النشوة العظيمة التي يشعر بها وقد تسمى هذه الحالة شطحا وهي حالة فيض وجد فاض بقوته وزخمه وهاج لشدته وغليانه وغلبته .والشطح عند الصوفيه من الحركة انها حركة اسرار الواجدين . فالصوفي عندما يقوى وجده ولا يطيق حمل ما يرد على قلبه من سطوة انوار الحقائق الالهية  فيسطع  ذلك على لسانه  بعبارات مستغربة على مفهوم سامعها الا اذا كان من العارفين متبحرا في العلوم واستطيع تمثيل حالة الفيض بدلو ملىء بالما ء ووضع تحت سيل يصب فيه فكلما كان السيل قويا كان الفيض مثله وهذه حالة لا يستطيع ادراك قوتها الا من دخل فيها واحسها بصدق .انظر اليه يقول \–من البسيط-

لي همة بعضها يعلو على الهمم

ولي

هوى قبل خلق اللوح والقلم

ولي حبيب بلا كيف ولا مثل

ولي مقام ولي ربع ولي حرم

القادرية فرسان معربدة

بين

الانام وسري شاع في القدم

عصف

البحار وقد اظهرت جوهرها

فلم ار قدما تعلو على

قدمي

فهي تاتي جراء هيمانه ووجده ويتصور ان

همته تعلو على جميع الهمم الاخرى ووجده قبل خلق اللوح والقلم وان الله تعالى منزه

عن الكيفية والمثلية – ((ليس كمثله شىء وهوالسميع البصير)- سورة الشورى الاية \11

ويشير الى ان مقامه محفوظ ومحارمه مصانة. ويشبه من تبعه من السالكين طريقته وسلوكه كالفرسان الذين لهم من البأس والقوة فأذاع شهرته وعلت منزلته بين العالمين ومع كل هذا وذاك وفي حالتي الصحو اوالسكر نجد نكران الذات لدى الصوفي تنبع من هجره ملذات الحيا ة والانشغال بذكرالله مما يشع من روحه الصفاء من الكدر والانانية ويجعلها تفيض بالمحبة الخالصة الصافية في سمو من الاخلاق امتثالا للحديث القدسي:

(المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم

النبيون والشهداء –)

3-الحب الالهي:

ويعتبر الحب

الالهي حجر الزاوية في الرؤية الصوفية وهو الذى اخرج الكون من العدم والارادة، فمحبة الحق تعالى للعبد ارادته لانعام مخصوص عليه وهي حالة تلاحظ في قلبه بلطف من العبارة وقد تحمله هذه الحالة على التعظيم له وايثار رضاه تعالى  وقلة الصبر عنه وللاهتياج اليه وعدم القرار من دونه مع وجود الاستيناس بدوام ذكره له بقلبه لقد وردت كلمة ( الحب) في القران الكريم في عدة مواضع مما يدل على انها تعني عاطفة صافية من الله تعالى نحو عبده غرسها فيه واخرى صاعدة من العبد نحو ربه حالة متبادلة بين العبد وربه فالمحبة منه اليه اودع بذورها قلوب محبيه وان الروح فيض منه تعالى وهبة منه اليهم فالحب تعبيرعن وفاء الروح لخالقها وليس جميع الارواح قادرة على الوفاء بالحب عن منة الله اليها .

لذا اصبح اهل المحبة مخصوصين بهذه النعمة اصطفاهم ربهم عن سائر خلقه وقد تصل درجة المحبة فيهم الى حد الوجد فتكون مكاشفات من الحق تعالى تثير الزفير والشهيق والبكاء والانين والصعقة والصيحة وربما الصراخ ويكون ذلك اذا انقطعت الاسباب وخلص الذكر وحي القلب ورق وصفى وغرست فيه الموعظة والذكر فانبتت واورقت واثمرت وحل الذكر من المناجاة في محل قريب وخوطب فسمع الخطاب باذن واعية وقلب شاهد وسر طاهر فشاهد ما كان  فيه .

ان التصوف بني على الحب الصادق العفيف فهو سمة بارزة للتصوف التزمه الصوفيون ايمانا بقدسيته حيث ورد كما اشرنا انفا في المصحف الشريف:

(قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله )

وفي احاديث الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم  ورد الحب بها كثيرا:

(اللهم اني اسالك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني الى حبك)

والصوفييون يعتبرون اعمالهم تقربهم الى محبة الله تعالى لذا اصبح الحب الصوفي حبا صادقا تتعلق الروح فيه بالحضرة الالهية ومنها ظهر تاثر الشعراء الصوفيين بشعرا ء الحب العذري وتمثلوا بالفاظهم ومواجيدهم وتغنوا بالذات الالهية . وقد تبين بجلاء تام في شعر الشيخ الجيلاني قدس سره يقول في قصيدته العينية  الطويلة:

فؤا د به  شمس  المحبه  طالع

وليس  لنجم  العذل  فيه  مواقع

ومن علائم الحب الالهي الانس وهو اقرار المشاهدة لجمال الحضرة الالهية في القلب وهذا جما ل الجلال وفيه يتجلي الشيخ قدس سره وكانه في حضرة التقريب مستأنسا بوجوده مع الحق تعالى وقد تحققت عبوديته له ووصل الى المقام الاعلى وهنا ليس للصبر مع العبد اختيار ولا ارادة بل يصل الى درجة الفناء فيه وقد اتخذ الفناء في شعر الجيلا ني قدس سره مايفصح عن كيفية هذا وتمكينه في هذا الحب منه من افناء ذاته واتحادهما في موضوعاتهما بتشويق ازلي في توكيد الذات واثباتها حيث يقول من الطويل:

تمكن مني الحب فامتحق الحشا

واتلفني

الوجد الشديد المنازع

وقد فتكت روحي تقارعه الهوى

وافنيت في

نجو ى بما انا فازع

تلذ لي الايام اذ انت مسقمي

وان تمتحني

فهي عندي صنايع

ان ذكر الله تعالى والدوام عليه في ثنايا

هذا الحب العظيم  وتوكيد الاتصال الالهي

الذي يشعر به اتجاه من يحب ليشير الى المنزلة العظيمة التي تحاول التقرب منها دائما ومن هنا يتبين ان الحب الالهي سر ان افصح عنه عوقب صاحبه بالموت واتهم بالكفر والعصيان وعلى هذا فان الحب الالهي عند الجيلاني قدس سره قد اخذ منحى من قبله من شعراء الصوفية في التكتم والسر وعدم البوح وتحمل مايجده من صبابة ولوعة وشوق ووجد يقول:

فقري اليكم عن الاكوان اغناني

وذكركم

عن جميع الناس انساني

وقد عرفت هواكم واعترفت به

وانكرت

من كان في عرفي وعرفاني

ان جاء جدب فانتم غيث مخمصتي

او

عز خطب فاءنتم عز سلطاني

وان

يكن احد في الناس منصرفا

الى  سواكم  فمالي غيركم ثاني

4- شعر الشكوى والمحنة:

الشعر الزهدي اوالديني والشعر الصوفي رافد من روافده الفذة - اتسم بالشكوى من الحياة اوالدنيا والحنين الى الاخرة والجيلاني قدس سره احد شعراء الصوفية  المطالع  لشعره  او دارسه  يلاحظ  المنهج فيه واضحا .وان كانت الحياة التي احياها بعيدة عن شظف العيش فيما عدا بدايات دخوله بغداد فقد تهيأت له اسباب الحياة ومسبباتها وعاش بين الوجاهة والعبادة  والرئاسة والمجاهدة والدراسة والتدريس والوعظ والحكم و الارشاد وكان فيها جميعا رأسا . ومن عاش مثله لا يشكو الا ان اتجاهه الديني وطريقته الصوفية جعلاه يحن الى خالقه هاجرا كل الدنيا الفانية شاكيا اليه تعالى بعد القرب ولا ا زيد عما ترجمته السيدة ايمان الهداوي في اطروحتها - عبد القادر الجيلاني اديبا – فانه هو ذاته الشكوى: فن شعري قديم قدم الشعر ذاته تعود اصوله الى شعر ما قبل الاسلام وقد عرف الشعر العربي الوانا  من شعر الشكوى منها الشكوى من الناس ومن الحاكمين ومن الزمن ومن ومن...

ومن الاغراض التي وجدناها في شعر الشيخ الجيلاني قدس سره الشكوى لله تعالى والاستغاثة به والتعلق بر حمته فهو يبث شكواه عند الضيق لخالقه تعالى فهو ميسر لكل معسر او  صعب.  يقول في قصيدته الرائية:

اذا ضاق حالي اشتكيت لخالقي

قدير

على  تيسير كل عسير

فما بين اطباق الجفون وحلها

انجبار   كسير   وانفكاك اسير

لقد ابدع الشعر في تصوير القدرة الالهية بانطباق الجفون وحلها

قال تعالى: (انما امره اذا اراد شيئا ان يقول له كن فيكون)– سورة يس \

هذا من قبيل التصوير الفني الذى يدفع بموضوعات الشيخ نحو الجدة والابتكار فهو يعتمد الجرس القرآ ني وصوره الفنية .فيقول من البسيط:

يامن

علا قرائ مافي القلوب وما

تحت الثرى

وظلام الليل منسدل

انت

الغياث لمن ضاقت مذاهبه

انت الدليل

لمن حارت به الحيل

انا قصدناك والامال واثقة

والكل

يدعوك ملهو ف و مبتهل

فان عفوت فذو فضل وذوكرم

وان

سطوت فأنت الحكم العدل

وهكذا تجري قصائد الشيخ الجيلاني قدس

سره واشعاره في الاستغاثة والشكوى لله تعالى والتعلق برحمته وجوده وكرمه من ذلك

قوله:

وقفت بالباب دهرا   عسى افوز بوصلي

من بان

ترفضني    عبد ببابك من لي

مالي بغيرك شغل      وانت غاية شغلي

ان الوزن الشعري - المجتث – يموج

بالكلمات ويجعل منها نشيدا جميلا لا يختلف في مكانته الفنية عن ترنيمات المحبين ومن

شعره في هذا المجال قصيدته المخمسة في الرجاء والاستعطاف يقول فيها-

الهي قد انبت بباب عطفك سائلا

مع  ذلة

والدمع   مني سائلا

وعلمت اني كم سألت مسائلا

حاشا

لجودك ان تجنب سائلا

امازال في احسا ن  عفوك

يطمع

**

ادعوك يارحمن غير مشبه

مستشفعا

بالمصطفى وبولده

فعفو لعبدك ماجنى من ذنبه

يارب ان فرج

فعجل لي به

لم يبق في

قوس التجلد مدفع

***

امير البيان العربي

د.  فالرح نصيف الحجية الكيلاني

العراق - ديالى  - بلد  روز

 

جمعة عبد اللهيتميز الابداع الاديب بالنشاط الدؤوب والحثيث في المثابرة والجهد في جوانب متعددة من الموهبة الاصيلة في اصناف الادب (النقد والترجمة) ويداوم على حضوره المرموق في الساحة الادبية والثقافية، كعنصر فعال في عطائه الثر، بما يملك من ثقافة واسعة يوظفها في روائعه الادبية، ويركز على التحليل النقدي الموضوعي في الابداعات السردية (القصة والرواية) . ويقدم لنا في براعة هذه المجموعة القصصية (في الوقت الضائع)، يحاول من خلالها ان يوغل في منصات الواقع الملتهبة والحساسة والطافحة على المكشوف، ان يضع بصماته الكاشفة في عقلية المجتمع وسلوكيته في الماضي والحاضر . في مختلف اشكال السرد في تقنياته ومكوناته، سواء جاءت عن طريق في شكل مذكرات يومية لطالب الدراسة في المجتمع الغربي، في محاولة لكشف صيغة العلاقة بين المجتمع الشرقي والغربي، ونلمس الجانب السلبي من الاول، في نقل  الامراض الاجتماعية في المجتمعات الشرقية ونقلها الى الجانب الغربي ، من خلال وجود الجاليات العربية التي تدرس في المجتمع الغربي، والتي تنقل عيوبها وسلوكها السلبي تجاه الحضارة الاوربية، في الفشل والعجز في التكيف والانسجام مع المجتمع الغربي، بما يسبب لها ان تبقى علاقة هامشية وسطحية، بين العقلية العربية والعقلية الغربية، وفي ابراز عيوب هذه العلاقة غير المنسجمة وغير المتكيفة . وايضاً من خلال وجود الطالب وهو الشخصية المحورية الساردة في النص القص في القصة (بحثاعن ميشيل فوكو) . في سعيه في البحث في العثور على ارشيفية الفيلسوف الفرنسي (ميشيل فوكو) . كوسيلة في الدخول في تفاصيل الاحداث، التي تبرز شكل العلاقة الهامشية مع المجتمع الغربي، ينقلها الدارس والطالب . ويستخدم الحدث السردي الشخصية المحورية الساردة، في انطاق الاحداث اليومية . وكذلك في تفاصيل علاقاته الشخصية مع صديقته (اليزابيث) في الدخول في تفاصيل هذه العلاقة السلبية في النكوص في التكيف ، وتعليل هذه العلاقة في نقصان شهاة الاعتراف بالخطأ ، بأن نضع اللوم على المجتمع الغربي ولكن (تعزونا الشهادة لكي نلتفت الى أنفسنا للتفتيش عن جذور هذه المنغصات) .

او في حالة استخدام وتوظيف المورث التاريخي للعصر عشية نهاية الانهيار الدولة العباسية، من خلال سرد احداث القصة الثانية (على خط النهاية)  يكشف من خلال منصات احداثها، الالية التي حفرت في انهيار هذه الدولة من الداخل من النخبة الحاكمة على ادارة شؤن البلاد، والتي انشغلت في صراعاته الداخلية في الاستيلاء والاستحواذ على الامارات والنفوذ والمنصب والمال، وعدم القدرة في احتواء هذه الصراعات والنزاعات، في توزيع الحصص والنفوذ، داخل المناطق وحتى داخل الاحياء الواحدة، بين مراكز القوى الحاكمة . يتناولها في شفافية السرد الممتع الذي يشد القارئ، لكنها تملك عمق فكري عميق في واقعنا العربي الحالي . ان المجموعة القصصية (في الوقت الضائع) تحتوي على قصتين، وهي:

 1 - قصة (بحثا عن ميشيل فوكو):

الشخصية المحورية الساردة للحدث . وهو طالب يحاول ان يحصل على ارشيف مخطوطات الفيلسوف الفرنسي (ميشيل فوكو) وينخرط في البحث عن الارشيف ويواجه صعوبات وعراقيل في البحث، كأنها رحلة المتاعب والارهاق، وبالتالي بعد عدة محاولات فاشلة يرجع في خفي حين، ومن خلال سعيه للحصول على الارشيف المذكور . يسلط الضوء على علاقة الجاليات العربية بالمجتمع الغربي، وشكل ونوع هذه العلاقة التي تتميز بالخيبة والاحباط، في التكيف والانسجام مع المجتمع الغربي . وتظهر بكل وضوح العقلية التي تنتمي الى العالم المتخلف، او بالاحرى العالم الثالث . بأن يتخللها العيوب والثغرات والنواقص . لذلك تبقى علاقة هامشية من خلال ما يتوارد من اخبار من الجاليات العربية، عبر الوسيط الطالب السوداني الذي يمازحه بأن السودان سلة غذاء العالم . وكذلك العلاقات الاجتماعية مع الرجال والنساء، يعتريها جملة عيوب وسلبيات . وتندرج هذه العلاقات الجافة مع الشخصية المحورية في المتن السردي مع صديقته (اليزابيث) يشوبها الفتور والسطحية في العلاقة (أيا كان الامر، أن علاقتي بالزابيث سطحية، وحتى لا اعلم ماهو اسمها الثاني، وحين أسأل عنها أشير لها بأسم الانسة اليزابيث فقط) . اي ان هناك برود وشحوب في العلاقة السلوكية وهي صورة من علاقات الجاليات العربية مع النساء . تتميز بالهامشية ، حتى في العلاقة الرومانسية . رغم بساطة اليزابيث (لم تكن اليزابيث تنتمي لعالم الرفاهية، الذي لا ينقصه وسائل الراحة، كانت قريبة من دائرتنا، نحن ابناء العالم الثالث، ايتام هذا العصر الجاف المفترس، لقد كانت لديها عواطف رومنسية، لم تلوثها الصناعة والمادة، أو دورة رأس المال، كانت معتدلة في الانفاق على ملذاتها، مع ذلك هي ليست دفتراً مفتوحاً، أو بيتاً من غير ابواب ونوافذه مشرعة، كما هو شأننا) .

واخيرً لم يحصل على ارشيف الفيلسوف، كأنه يركض وراء سراب غودو، فلم يتمالك انفاسه الحانقة، إلا باللعنة .

2 - قصة (على خط النهاية):

 محاولة الغوص في الموروث التاريخي لنهاية عصر الدولة العباسية . كيف ألت الامور الى السقوط والانهيار، والفوضى في ادارة شؤون البلاد بتعدد مراكز القوى والنفوذ داخل النخبة الحاكمة والمتسلطة بين جماعتين، جماعة البصاصين وجماعة رجال العسس . بينهم من صراعات متنازعة على النفوذ والمال وتوزيع حصص المناصب، والمناطق والامارات، وحتى النزاعات المتصارعة على النفوذ داخل الاحياء . وكل منهما يدعي انه يؤدي فروض الطاعة للسلطان ويحفظ العهد والامانة وهو الامين المأمون على خدمة السلطان والرعية، ولكن كلاً منهما يحفر في الهدم والانهيار الدولة والملك والسلطنة، وكلاً منهما يملك استقلالية وشريعة وفتاوى خاصة يسير عليها . ولكن تأجيج هذه الصراعات تصل الى المعارك ، وتمتلئ السيوف بالدماء، من اجل الاستيلاء والاستحواذ على الامارات، وهو ما يدل العطش الى النفوذ والمنصب . بعيداً عن الرعاية واحوال الناس . هذه السلبيات بتنازع على مراكز القوى والنفوذ داخل النخبة الحاكمة، تنعكس سلباً على الاحوال المعيشية للناس والفقراء . مما يزيد حالات تراكم التمرد والرفض، بوضع حواجز امام ديمومة الحياة وتقود الى المتاهة (وتعمد ان يدخل في متاهة في الدروب الخلفية، حيث توجد بيوت الفقراء، انها دور كئيبة، ولا يتطاير فيها دخان الطعام، وبينها في الفراغات اشجار نخيل لا تثمر لانها مذكرة)، والشخصية المحورية الساردة . كان يزمع البحث عن سكن ابو زيد البسطامي، و ويتحرك في الرصد من الكشف في عيوب السلطة والنخبة الحاكمة، التي تتحكم بها مصالحها الذاتية الجشعة . وكلا الجماعتين، جماعة البصاصين وجماعة ورجال العسس، كل منهما يسكب الزيت والنار على الاخر . في المناوشات والمنازعات حتى الاقتتال بالسيوف والدماء (وكانت هناك مناوشات بين فريقين، وشاهد بعض السيوف تقطر بالدم، ثم ألتقى برهط يفرزون الاموات، لم يستطع ان يعرف ماهو المعيار، لكن لاحظ ان جميع الجثث، نسخة واحدة من القسمات) . هذه الفوضى من الصراعات حتى لا يعود المقاتلين الى ديارهم، ولا يحبذون الصلح والتفاهم بينهم، وبذلك لم يجد ما يسعى اليه الشخصية المحورية من المخطوطات المكتوبة والتي اكتشفها، كأنها كنز ثمين، عشية انهيار الدولة العباسية، التي انشغلت بالصرعات الداخلية للنخبة الحاكمة .

 

جمعة عبدالله

 

الطيب النقرالأدب المقارن بتعريف بسيط “العلم الذي يحاول أن يتخطى الحدود القومية ليعرف ما عند الآخرين، ما هو أصيل من آدابهم، وما أخذوه عن غيرهم”. وبتعريف أشمل هو” دراسة الصلات الأدبية ومواطن التلاقي بين الآداب العالمية في ماضيها وحاضرها، ومعرفة ما تظهره هذه العلاقات من مظاهر تاريخية والتي تعتبر من المؤشرات الدالة على ظاهرة التأثير والتأثر فيما يتعلق بالأجناس والمذاهب الأدبية والتيارات الفكرية أو الأصول العامة والفنية للأدب، وبالتالي دراسة المظاهر الأدبية المتعلقة بالموضوعات، والمواقف، والشخصيات التي تعالج وتحاكي الأدب، ومن ثم دراسة الصلات والروابط الحضارية التي تربط الشعوب والأمم تاريخياً، وفكرياً، وجغرافياً، واجتماعياً من خلال ما يعكسه الأدب عن أحوال تلك الشعوب والأمم”.

والحقيقة التي يجب ألا نجشم أنفسنا في عناء تعليلها أن”لحدود الفاصلة بين أدب وآخر في مجال الدراسة المقارنة هي اللغات، فاختلاف اللغات شرط لقيام الدراسة الأدبية المقارنة. والآثار الأدبية التي تكتب بلغة واحدة تخرج عن مجال درس الأدب المقارن وإن تأثر بعضها ببعض. والموازنة بين أديب وأديب من أبناء اللغة الواحدة لا تدخل في درس الأدب المقارن”.

على ضوء ذلك نستطيع أن نجزم بيقين تام لا يخالجه شك أو تنازعه ريبة أن الموازنات التي تنشر العيوب والمآخذ، وتذيع المحاسن والجمال والتي ألفت في نواحي شتى من نواحي المعمورة بين شعراء عرب راضوا الشعر، وصاغوا القريض، لا تصل إلي الأدب المقارن بصلة، ولا تمت إليه بسبب، فالموازنة بين أبي تمام والبحتري وبين حافظ وشوقي لا تعد ضرباً من ضروب الأدب المقارن لأنها صيغت من لغة واحدة وهي اللغة العربية وكذلك الموازنة بين مقامات بديع الزمان الهمذاني ومقامات الحريري لوحدة اللغة، ولكن يختلف الأمر إذا اختلفت اللغة وتفاوت الأدب، مثل مقامات خميدي التي ألفت في حدود عام 550ه وتأثر فيها مؤلفها بمقامات الهمذاني والحريري، و”ينطبق الأمر كذلك على الأساطير، فشاهنامة الفردوسي وا تضمه من أساطير الفرس، والحديث عن أبطالهم الأسطوريين لا تصلح هي الأخرى مادة للأدب المقارن مع تلك الشاهنامات التي قلدتها وحاكتها. لأنها جميعاً كتبت بلغة واحدة مشتركة بينها.

ولكن المقارنة تصح إذا تأثرت الآداب الأوربية بهذه الشاهنامة. وقد حدث هذا فعلاً، فكانت الشاهنامة مصدراً خصباً لأدباء أوربا من شعراء وكتاب إذ قاموا بترجمتها وتلخيصها ومحاكاة قصصها. ويرجع الفضل إلي وليم جونز في لفت نظر أوربا بما نشره من مقتطفات منها في كتابه الذي أصدره سنة 1774م بعنوان تعليقات على الآشعار الأسيوية Commentaries on Asiatic Poetry

وقد قام هذا الكتاب بدور كبير في تعريف الأوربين بالأدبين العربي والفارسي، وكذلك لا يدخل في دائرة الأدب المقارن تلك الدراسات التي تعقد بين أدباء لم يثبت بالدليل القاطع صلة بينهم تتيح القول بأن أحدهم تأثر بالآخر. وإذا فرضنا أن شاعراً في الصين عرض لفكرة من الأفكار عرض لها شاعر آخر فيألمانيا ولم يثبت التاريخ أن أحدهما وقف على فكرة الآخر على أي

وجه من أوجه الاتصال يرجح أوجه التأثر والمحاكاة فإن هذا لا يدخل في دائرة الأدب المقارن”

 

الطيب النقر

كوالالمبور- ماليزيا

 

 

مصطفى غلمانللشاعرة المغربية فوزية رفيق

لا يتورع قلم الشعر من التغريد خارج منطق قوانين المادية الجدلية، وهو بذلك يرفع التحدي الكبير لفهم الوجود، دون اعتماد على علاقة السببية التي تحكم المتغيرات، وتنفض الأسئلة عن إيقاع القلق والتوتر.

إنه قانون آخر، لا يحتمل تعقيدات الديالكتيك، أو "الديامات"، ينفرد بمواضعات عاطفية خاصة ولون روحي مفتون بالولع وسيرورة الحياة.

هكذا أجدني مرتبطا بهذه النظرية المائية المصقولة بجنالوجيا لغة مسرجة على فاكهة منذورة للعمق والاحالة على المعنى المتعدد، بعد أن استسلمت لقراءة منشطرة، مقرورة بالما وراء، لباكورة الشاعرة فوزية رفيق "ما كان حلما يفترى".

الديوان، يتعرش من ثلاث تحويمات جمالية، بعضها يرقب بعضه، كأنها كوة نور تحفر في جسد الكائن الطفولي، يريد استعادة أسراره المنفلتة من بين أصابع البوح.

أول التحويمات، تشظيات الذات الشاعرة، كمونها الراجف، تعدو في ارتياب وإغماءة صيف، كأنها عاصفة في صحراء متناهية محشورة في غلالة عين تبصر من حيث لا يرى ضميرها متحجبا، بقلق الوجود واللاجدوى..

لا يخال هذا الوازع المحرك لكل ما هو وعي وإدراك وتسامي، أن يبحث عن كل ما هو هارب ومبرهن له، يتعرى من حقائق تغدو يدا لملهاة متكورة.

ثم تنشد الحكمة يقينيتها، على محتد هوية متعالية، تبلغ قيمتها الوجودية من كينونة تشكل قدرة هادرة على إنتاج معنى مفتون بالهاجس القيمي، ضمن منطق وهوية الأنا الشاعرة. قدرة واعية، على التميز بين المآلات والاحتمالات والتعامل معهما.

2029 فوزية رفيق

الذات الشاعرة الإيجابية في الديوان، ذات مثالية تعكس طفرة معرفية، لها مفاتيح لبوابات الفهم والإدراك العميق لمفاهيم الكون والقيم والقضايا المصيرية للإنسان:

تُبصر

تكون / لا تكون

........ أنا الجنون

              أنا العقل

                   أنا القابع /

                      في أحضان الكون

"ص :  .... من قصيدة ـ نورـ"

بيد أن هذه الذات تفور على مغرمة بوح انسيابي، يجاهد من أجل الإذعان لجغرافيا متخيلة، تفرض على القارئ، تنظيم رؤيته إزاء شكلانية القصيدة، وهي تترنح في اقترانها الجمالي بتوزيع الكلمات والعبارات على مساحة الورق.

تنطبع الذات الملهمة، في أفق الاستغراق الذي تحاول الشاعرة ترصيعه بانتقالات متفردة، تروم التحفيز على تمثل القصيدة وانقيادها البدهي، في اتجاه الموضوعة التي تطال التنظيم الدقيق لبؤر التصوير وسردياته الأليفة :

ألا فاسقني حبا..............

وقل لي هو الحب..........

أجن شوقا/

إليكَ وأنت معي....

...............هي الروح وحدها

                                خبيرة بالعشق

                                           وحدها الروح

                                              تقود للعشق/

             نحن روحان /

والروح واحدة/

" ص : .... ـ من قصيدة : لقاء ـ"

 

ثانيها شكية مستبطنة، لا تتحرر الذات الشاعرة من أسئلتها القلقة، بقدر ما تثير في الآن ذاته، تقصي المعرفة، بما هي وسيلة مجردة للانوجاد والخلاص. أو بالمعنى الفلسفي، مجاسرة الفعل الذي يتجرد من البحث عن النفع واللذة الطائشة. وهي نظرية قيمية تأخذ بعين الاعتبار التفكير الفردي الذي يأخذ قاعدته من خبرة طويلة ومعرفة واعية بخفايا الحياة ومناطق الضعف مثل الكذب والأنانية والشر.

تحول الشاعر فوزية رفيق هذا الصراع إلى أمثولة شعرية، تفرز حضورها داخل أقنوم متشابك، يعبر بنا نحو ثلاث التماعات إبهارية : البساطة والصدق والهيولى "الوجود".

ومع انزياح هذا الطوق وارتقائه، بإرادة ووعي حذرين، نحو الإصغاء لمنطق العواطف والوجدان، تندفع الذات لعالم (الحس) أو الانطباعات والمحاكاة لعالم المثل الأنموذجي، كبديل عن التبدد والتغريب الروحي وفداحة الوجود:

يتمرد

.................يلتطم.....

يناغي السحاب..............

..... ............. يتكسر !

في غفلة من الزمن،

ها الطوفان،

ها هو الصخر......

في صمته يختال......

لغةَ الموجِ، يفهَمُ..........

صخرة ً !  (؟)

تناثر حصاها /حِجارتُها

" ص : ..... ـ من قصيدة "طوفان"

وإذا كانت الغاية من الشك تحقيق القناعة والالهام الروحي بقصد راحة العقل وتحقيق التوازن الفكري، فإن انفراط قيمة الشك في ديوان "ما كان حلما يفترى"، يضعنا توا أمام مأزق رؤية الشاعرة للشك، ليس ما يؤول طبعا، إلى منهجية التذكير به كإطار فلسفي أو ثقافي، ولكن كبرهنة على القراءة الأخرى لمفاهيم التغيير والمشاركة والهوية والأخلاق والمعرفة والآخر ..إلخ.

فالشك لا يتقاطع البتة مع اليقينيات، بل يعضدها ويحتذي بمسلتهماتها، بل يراوغ المعتقدات الثابتة، والمتحلقة حول منظورات العدم والسكون والطبقية، في اتجاه تجسيد الحقائق ومقروناتها، مهما كانت صادمة وأليمة:

 

سينبث أنين الأرض

تقتلع الذاريات.......

                  جذور النجماتْ

يستفيق الغضبُ

الممتلئ بالغضبْ

يبتلع أسى السنينْ

                       مفجوعا من هذيان الصمت/

                        من قتامة الليل................

تغازله أحلام/

مُطَرَّزَةٌ بأحلام،

تهمس فيها تفاصيله،

                        لمحو تضاريس الخيبات...

"ص: ...ـ من قصيدة صمت ...تمرد"

ثالثة الأثافي: انثى القصيدة

ذكرتني هذه العبارة بقراءة مستبطنة عاشقة قدمها الكاتب والشاعر اللبناني أحمد فرحات عن ديوان الشاعرة هند أحمد "ذاكرة نجمة"، حيث "تشغلك بطفولتها العاقلة، وعقلها الطفل، فهي حائرة بين الطفولة والعقلانية، وتبث قلقها هذا إلى المتلقي في جمل قصيرة جدا".

تماما، مثلما أرى شرارات الطفولة وتشاكلاتها بادية في كل التواريخ العالقة، في ديوان ""ما كان حلما يفترى". تتحسس نزق الحلم بالماضي، متماسكا ومتقدا، يدعوك بنبل وعفة إلى اقتناص لحظات للسعادة بالكمون المستيقظ والفورة الحلمية المنبثقة عن وعي وإدراك بالوجود. سرعان ما تتعالى صيحات الطفلة الكامنة خلف كل عبارة وقصيدة، في وحدة بلاغية عميقة ودالة:

عندها أتطَهر

بالحرف

عبر اختراق المدى اللازوردي

تقلع قصيدة مسكونة

بالأمل/ بالألم/ بالحب/ بالحزن

نزال مع لغة

تفك قيود الأسر

تعير أجنحة للأفكار

 

قصيدة تستمسك

بالجنون في رحلة أبدية

لا نفصال عنه

تستنطقني/ تورطني

فإذا تدفق جارفْ

يتلو، ترانيم أشجاني

"ص : .... ـ من قصيدة : غواية النظم "

هناك فعلا ما يربط الشعر بالأنثى. لا شك أنها انتقائية هوسية ملتمعة، يصعب تفسيرها في عبارات عابرة، لكن الشعر فعلا هو خلق امتناعي، أو شهوة منتشية مزهوة بسحر العالم الجواني. أو هو كما قال بيير جان جوف "لا يتطابق إلا مع الأفكار اليقظة، الشغوفة بالمجهول، والمنفتحة أساسا على الصيرورة، فليس هناك من شعر إلا حيث يكون ثمة خلق وإبداع مطلق".

وهذه الخلطة السحرية الجسورة والمنفلتة، لا يمكن أن يتملكها سوى رحم امرأة شاعرة، مثلما هي الحياة وجود أنثوي واقتدار على بلوغ جمال الكلمة وبيانها.

أعتقد أن هذا التصور الفانتازي كامن خلف تسور عالم الشعر لدى المرأة، لماهية الشعري، بلورته للبعد التراجيدي والديونوزيسي، المتماهي وأسطورة المتخيل وتطوره الرمزي لدى البشرية كلها.

 

د. مصطفى غلمان

.........................

ـ (ما كان حلما يفترى) مجموعة شعرية للشاعرة فوزية رفيق/ منشورات مركز عناية ـ ط1 2020 ـ المطبعة الوطنية مراكش

 

 

2030 حسين السكافرواية “كوبنهاجن مثلث الموت” للكاتب العراقي “حسين السكاف” تحلل ظاهرة تفشي العنف والاقتتال في العراق بعد غزو أمريكا لها في 2003، وتتميز في أنها تقدم تحليلاً اجتماعياً دقيقاً لتلك الظاهرة من خلال تتبع تاريخ بعض الشخصيات وتطورها، كما تقدم رصد لحال منطقة المحمودية وتطورها عبر تاريخ العراق، ووقت النظام الفائت ثم في وقت الغزو العسكري الأمريكي.

الشخصيات..

“علاء كاظم”: البطل، صحفي عراقي، هرب من العراق بسبب رفضه الانخراط في حرب الكويت، وبعد أن حكم عليه بالإعدام، وذهب ليعيش في الدنمارك، ويحصل على الجنسية، ثم حن إلى بلده فذهب ليراها ويتفاجيء بتغييرات هائلة.

“كميلة أندرسن”: صحفية دنماركية، جاءت إلى العراق بعد الغزو بعام ونصف بصحبة زوجها البطل “علاء كاظم” ولتجري بعض التحقيقات الصحفية عن العراق وأحوالها.

العقيد ناهض: يعمل داخل الدولة العراقية، ويتعاون في نفس الوقت مع الجماعات المتشددة دينيا وبعض الفاسدين من رجال النظام الفائت.

حميد هلال: كان يعمل في المخابرات في أيام النظام الفائت، وكان ينتمي إلى الفلاحين الذين يزرعون الأرض وعاش حياة ملؤها الفقر، ثم عوض ذلك في عمله في المخابرات وقيامه بأعمال سيئة، كان النظام يقوم بها من خلال أفراده، وبعد غزو العراق استمر يقوم بتلك الأعمال لكن لمصالحه الشخصية، وتعاون مع المتشددين دينيا لتخريب بلاده بدعوى مقاومة الأمريكان. وأيضا لإشباع حبه للسلطة وأن يكون متحكما في مجموعة من البشر.

الشيخ طه: ولد في أسرة بائسة، أبوه غير متعلم، فقير وقاسي، كان يعامل أمه بعنف وماتت أمه نتيجة لذلك العنف، ولم يجد الحنان والاهتمام إلا من أحد الشيوخ في جامع قريب من منزله، لذا انضم إلى الجماعات المتشددة دينيا وقد ساعدوه حتى أصبح طبيبا. وبعد غزو العراق أصبح مسئولا عن عملية اختطاف الأجانب وتلقي الفدية، وكان يدير أعمال العنف.

وشخصيات أخرى داخل الرواية حرص الكاتب على رسمها بعمق واهتمام وربطها بسياق الرواية العام.

الراوي..

الرواية تعتمد على راو عليم، يحكي عن الشخصيات بضمير الغائب، يحكي ما تفكر فيه الشخصيات وما تشعر به، ويحكي عن تاريخ الشخصيات وتاريخ المكان.

السرد..

الرواية محكمة البناء، تقع في حوالي  353 صفحة من القطع المتوسط، تعتمد على تحليل اجتماعي، ورصد وسعي لتوثيق ما يحدث، لكنها لا تتخلى أيضا عن رسم عميق للشخصيات، وتصاعد أحداث تخطف أنفاس القارئ وتجعله مترقب لما سوف يحدث، وكانت أحداثها رغم واقعيتها محزنة ومأساوية.

أيتام الحرب هم دعائم الخراب..

تدور أحداث الرواية في النصف الثاني من عام 2004، تتميز هذه الرواية بأنها قدمت تحليلا دقيقا وتفصيليا لظاهرة الاقتتال والعنف الذي تفشى في العراق بعد غزو أمريكا 2003،  فقد تتبعت تطور منطقة المحمودية وهي إحدى المناطق فيما عرف بمثلث الموت، حيث كثرت حوادث الاختطاف والقتل الوحشي بعد التعذيب والتنكيل بالضحية، كما إنها قد حوت على تفاصيل وحقائق أدهشت القراء غير العراقيين أمثالي، وربما بعض العراقيين أيضا، حيث يتآمر القريب على قريبه ليخطف أمواله.

فسرت الرواية ما يحدث نتيجة لعدة عوامل، وقد تتبعت النظام الفائت وممارساته تجاه الشعب العراقي، حيث سادت الحروب سنوات طوال، واستعان النظام بأبناء الفلاحين الذين كانوا يحرسون خطوط البترول ومصالح النظام، استعان بهم ليكونوا من أفراد نظامه فكانوا يلتحقون بأجهزة المخابرات والشرطة والجيش، وكانت لهم الحظوة لدى النظام مما حول جزء كبير من أبناء الفلاحين إلى مستهلكين بعد أن كانوا منتجين، كما حولهم لأذرع للنظام داخل المجتمع العراقي وخارجه.

ونتيجة لسنوات الحروب الطويلة ومعاملة النظام للشعب بوحشية، وخاصة من يهرب من التجنيد أو يهرب بعد التحاقه بالعسكرية، حيث كان يتم إعدام الهاربين، بالإضافة إلى جثث القتلي نتيجة الحرب. كل ذلك جعل العراقيين يعتادون على مشاهد الدماء والجثث المتفسخة، والمتحللة، كما اعتادوا على مشاهد الإعدامات. وخسرت كثير من العائلات أبنائها وذويها مما خلف جيلا من الأيتام، أيتام الحرب العراقية الإيرانية، وأيتام حرب الكويت، غير الضحايا الذين قتلتهم قوات التحالف. هذا الجيل الذي افتقد لحنان الأسرة ولوجود الأب الداعم الرئيسي لها، وعاشوا ظروفا اجتماعية واقتصادية غاية في البؤس كما تعرضوا لعنف، منهم من تعرض لعنف زوج أمه، ومنهم من تعرض لعنف من الناس المحيطين.

تفكك الأسرة كان الخطوة الأولى لتفكك المجتمع، فنشأ جيل الأيتام دون منظومة من القيم والأخلاق،  فاقدين للحس الإنساني لأنهم لم يعاملوا به من الأساس، فكانوا القاعدة للتنظيمات المتشددة والفاسدين من أفراد النظام الفائت، لكي يستخدمونهم لإشاعة الفوضى والخراب في العراق.

حتى الناس العاديين والذين لم ينتموا لا للتنظيمات الدينية أو للفاسدين طالهم الخراب، فأصبحوا يعانون من عقد وأمراض نفسية نتيجة العنف الطويل الذي تعرضوا له، والمؤامرات والقسوة من النظام ثم من الاحتلال، حتى أن الرواية تضمنت تحليلا لشخصية العراقي الذي عاني كل تلك السنوات من الوجع والقهر، وأثنت على تماسكه رغم ما مر به.

أشارت الرواية لنقاط هامة بعد غزو العراق، منها تخريب الآثار وسرقتها، وقد كان النظام الفائت كان قد بدأ ذلك التخريب حيث عبث بالآثار واستغلها بعنجهيته المعروفة، ثم جاء الاحتلال الأمريكي ليسرق وينهب الكثير من الآثار ومتاحف العالم تشهد على ذلك، كما أثارت نقطة هامة حول دخول آثاريين إسرائليين لمنطقة الآثار، ولا أحد يعرف ماذا كانوا يفعلون حيث منع الاحتلال الأمريكي اقتراب أي عراقي من منطقة الآثار.

وحتى الصحفيين الأجانب كان الاحتلال يمنعهم من التصوير أو الاقتراب من الآثار. واستنتجت الرواية أن الإسرائيليين ربما كانوا بتفحصهم الآثار العراقية يبتغون القيام بألاعيبهم المعتادة في نسب تاريخ لهم غير موجود.

كما تكمن ميزة الرواية في أنها دخلت في أعماق شخصيات الفاسدين والمتشددين دينيا وقدمت تبريراتهم النفسية لما فعلوه، فهم أيضا كانوا ضحايا النظام، عاشوا حياة بائسة دفعتهم إلى ما قاموا به، لكن هذا لا ينفي أنهم مدانون وأشرار.

تعتمد الرواية على لغة مميزة أيضا، وعلى حوار مميز يعكس دواخل الشخصيات.

 

قراءة: سماح عادل

...............................

الكاتب..

“حسين السكاف” كاتب وناقد فني عراقي مقيم في الدنمارك.

حائز على جائزة كتارا للرواية العربية 2017

عضو نقابة المهندسين العراقيين، عضو نقابة الصحفيين الدنماركيين، نشرت له أول قصة قصيرة عام 1976 بعنوان”دمية الطين” في جريدة الطريق البغدادية. وهو محرر الصفحة الثقافية في جريد (أخبار الدنمارك) الصادرة في العاصمة الدنماركية كوبنهاجن باللغة العربية (2010-2012)، ومؤسس موقع (القيثارة السومرية) الإلكتروني الذي يختص بموسيقى وغناء وادي الرافدين في القرن العشرين.

نشر له العديد من القصص القصيرة والمقالات الصحفية والبحوث الفنية في مجال النقد الفني والأدبي.

له بعض الترجمات الفنية والأدبية من اللغة الدنماركية إلى العربية، وعلى وجه خصوص، حركة الفن التشكيلي في أوربا خلال القرن العشرين.

نشرت أعماله ومقالاته في العديد من الصحف العربية والعراقية

نشرت له مسرحيتان، الأولى بعنوان “شقيق الورد” عام 2007، والثانية بعنوان “هموم السيد محترم” عام 2008،

له تجارب في كتابة السيناريو السينمائي والمسلسل التلفزيوني.

عمل خلال الأعوام 1995-2000 وسيطاً ثقافياً ومستشاراً لشؤون الأجانب، في بلدية (Brondby) التابعة للعاصمة الدنماركية كوبنهاجن.

النتاج الروائي:

رواية "كوبنهاغن – مثلث الموت" عن دار ميريت في القاهرة 2007

رواية (كوبنهاغن – مثلث الموت) الطبعة الثانية دار العارف في بيروت 2015.

رواية "وجوه لتمثال زائف" دار كتارا – الدوحة 2018 ... تم ترجمة الرواية إلى اللغة الانكليزية وصدرت عن نفس الدار 2019

النتاجات الأخرى:

كتاب (الرواية العراقية… صورة الوجع العراقي) كتاب نقدي يتناول الروايات العراقية الصادرة في الفترة (2004-2012) – دار الروسم بغداد 2014

كتاب “طاقة الحب – مسرحيتان” – دار الروسم، بغداد 2015.

مجموعة قصصية "بين الشيخ والمريد" عن دار فضاءات، الأردن 2019

مجموعة قصصية "مُـدُن" عن دار الفراشة، الكويت 2019

كتاب "سرديات الوجع، في الرواية العراقية" عن دار فضاءات، الأردن 2020

 

محمد يونس محمدغني الرمل والمانجو لزهير كريم

ايقاع الجغرافيا وحس المرئي - تشكل الطبيعة الجغرافية مردودا حسيا عادة لدى المرئي المعاين لها بصريا، هذا اذا كان بعلاقة محددة، حيث يكون هناك توازي بين الحس والطبيعة في الجانب الذهني وليس فقط في الجانب البصري، وتكون العلاقة الحسية تنمو لتصل الى حد التأويل، حيث تخرج من مدار الحقيقة الى مدار التصورات، وهنا تختلف الطبيعة الجغرافية وتتحول الى مظهر اخر، تكون فيه حسب الحس المعنوي، فأما تكون فردوس يصل في تطور التفكير به الى يوتيبيا، او قد تكون في حالة معاكسة كجيم في صفات متعددة من ابعاد الدسيوبيا، وهذا التناقض موجود في التفكير البشري، ولدينا خطاب يؤد على ذلك، هذا كتاب – اغاني الرمل والمانجو – لزهير كريم والصادر من منشورات اتحاد الادباء العراقي، تؤكد به الوحدات الدلالية أن الشخصية المركزية والتي هي شخصية المؤلف، ونجد عدة مستويات للدلالة، ولك مستوى طبيعته وايقاعه، وهناك فارق نسبي واضح في الاختلافات البصرية الذهنية، وقد زادت توثيقا الانتقالات السيميائية للمستوى الدلالي في جانب اختلافات ايقاعية، واغلب ايقاعات النشاط الحركي والمشترك بالجانب البصري، يحيل الينا وجود ايقاعي خارجي، وهو مرتبط بحركة الشخوص وافعالهم، والاخر هو ايقاع داخلي مرتبط بشعورهم النفسي واحاسيسهم الغريبة، وللطبيعة الجغرافية المسرودة تأخير على تفكير الشخوص الغرباء، حيث تتميز تلك الجغرافية برمزية حساسة لاتدرك بيسر وسهولة .

ابدى لنا الكتاب وجود علاقة بين حس المكان وحس الشخوص التي تسعى الشخوص في اكتشاف رمزيته ووحدود دلالته، وكما شكل البعد الجغرافي والتاريخي للمكان همزة وصل مع الرغبة عند الشخوص للتعرف على كينونة المكان، لكن سرعة ايقاع الحركة احيانا يؤجل تلك الرغبة، حيث عدة عين السارد تتحول بسرعات متباينة بين وحدة جغرافية واخرى، ولكن تمز الوعي هنا في اللغة التفكيرية اكثر من تميزه في اللغة المقيولة صوتيا، فكان هناك خطاب نثري ابي مثير للعواطف والوجدان، وبه ادخل السارد الكتابة في حالة من النشوة والشجن ايضا، وهناك بلاغة في ذلك الخطاب النثري وبصفته الادبية، حيث لامست تلك البلاغة مواطن شعور التلقي المقابل لها في الحدود التواصلية بينهما .

2031 المانجوالنص لايفترض جنسا – قدمت لنا تجربة زهي كريم في كتاب – اغاني الرمل والمانجو -  نمطا من الكتابة المستحدثة الجديدة، حيث تجد أنك اما نص هائل يشترط على الكتابة التعريف الجغرافي ومناغاتها ايضا، مثلما يتشرط وجود حس ادبي غير مجنس، وكانت لعبة تبادل الابعاد مستمرة بين الجغرافية المسرودة والحس الأدبي المقابل لها، وزادت الكتابة على ذلك حسا اخر هو حس المتاهة والاغتراب، فكان هناك مثلث من جهة يمثل حقيقة المكان وم جهة اخرى يمثل الحس الادبي به ومن ثالثة يمثل وجود بعد نفسي متغيرالإيقاع لدى الشخوص، حيث تلمس كل شخص يفسر الامور نفسيا حسب طريقته، لكن لن تجد من يفرض تفسيره على الاخرين الا السارد المركزي ولضرورات قصوى .

قدمت لنا تجربة زهير كريم في كتابه المشوق والمثير، نمط كتابة مختلفةعن السائد، حيث لغة الكتابة كانت تراكبية وليست في افق معين لسانيا، وهذا ما اغنى الكيان النصي المشترك بوحدات عدة،فقد   استثمر زهير كريم شخصه الخارجي من جهة التعيين التاريخي للجفرافية والامكنة، ومن جهة اخرى استفاد من وعي الكتابة لديه لتجاوز البعد الاشاري والعلاماتي الى بعد دلالي ادبي يميز الوحدات الجغرافية ويمنحها أن تكون صورة غير مطابقة للاصل الا مضمونيا، وقد نجه في تمييز مقصده الأدبي في جمل عديدة حملت ملامح النثر الادبي، وقد استلهم مضمون لغته الأدبي في تفسير بعض المواقف حسيا، وتنقلت عدسته الحسية بين الامكنة لنقل المشاعر المتعددة، فمن جهة الغرابة والاكتشاف الى جهة الخوف والقلق، ومن جهة المعاينة والاستدلال الى جهة التصنيف الروحي، خصوا استذكار جحيم الحرب وبشاعتها، وقد زاد من قيمة بعض الامكنة ميثولوجيا واركلوجيا، وقدم صورة مثلى غير معتادة في الكتابة عن الجغرافية، فلم يكن هناك بعد جغرافي نمطي ابدا، ولا كان هناك ابعاد اشاية فقط تلامس الجغرافي المكانية وما مثل من وحدات طبيعة، وتقف عند ذلك الحد، بل تطور افق الكتابة كثيرا وابتعد في مضامين ادبية نحو جهة الوجدان والمشاعر، وقدم لنا لوحات تعبيرية اذا جاز التوصيف ليست تقف عند الحدود الانطباعية، بل تتوغل كثيرا نحومعاني غامضة لتسعى الى كشف مضامينها سلبا او ايجابا .

 

محمد يونس محمد

 

صمت عن أحدهما في محنته وجار على الآخر فارضاً عليه الصمت وطأطأة الرأس

"التاريخ ليس نصاً أو سرداً، ولكنه كسبب غائب لا يمكن الوصول إليه إلا في شكل نصي، ولهذا فإن مدخلنا إليه وإلى الحقيقي نفسه يمر بالضرورة عبر الشكل النصي المسبق والسرد في اللاوعي السياسي."

فردريك جيمسون


الجزء الأول: فرض الصمت وطأطأة الرأس على محمود ود أحمد

هنالك مداخل متعددة للتعامل والتفاعل مع الخطاب ما بعد الكولونيالي / ما بعد الاستعماري، ولعل أفضلها هو التعامل مع المنظور على أنه نقد للتاريخ. وتمثل هذه الأطروحة المحور الأساسي الذي تدور حوله جميع القضايا التي يثيرها روبرت يونغ في كتابه "أساطير بيضاء: كتابة التاريخ والغرب." وأساطير بيضاء، كما سيلاحظ البعض، مستعارة من مقال جاك دريدا "الأسطورة البيضاء والمجاز في النص الفلسفي." وبهذه الاستعارة يكشف يونغ عن مديونيته للكتابات البنيوية ومن بينها كتابات ليفي استراوس التي ترفض التفسير الماركسي للتاريخ  وتقترح بدلاً عنه تواريخ متعددة محتجة بأن التاريخ كوحدة كاملة وجامعة وشاملة ليس أكثر من "أسطورة بيضاء." وبالإضافة إلى دريدا وفوكو وليفي استراوس، فإن كتاب يونغ يتكئ على بعض المواقف النظرية لإدوارد سعيد وهومي بابا وغاياتري سبيفاك، وجميعهم من أعمدة النقد ما بعد الكولونيالي.

وهنالك جامعٌ بين الذين ذكرت وآخرين بحثوا وكتبوا في كيفية التعامل مع تبعات الاستعمار والانتباه إلى دور السرد في تشكيل الوجدان وإعادة الاعتبار، والجامع هو الاتفاق على أن تحرير الإنسان المستعمر - في المحيط الإفريقي - يتحقق عن طريق استرداده لكرامته التي أهدرتها التجربة الاستعمارية ووظفت لامتهانها عوامل التاريخ والميثولوجيا والأيدلوجيا. والعلاقة بين ثلاثي التاريخ والميثولوجيا والأيدلوجيا علاقة وثيقة، قديمة ومتجددة، يمثل السرد لُحمتها وسُداها. ولهذا السبب تداخلت وتشابكت في مساهمات المبدعين الأفارقة، وبخاصة أولئك الذين عنوا بقضايا الهويات الثقافية والقومية مثل شينوا أشيبي وولي سوينكا ونقوقي وا ثيونقو ونور الدين فرح.

ويهمني عند هذا المنعطف التنويه إلى مركزية إحدى أطروحات بروفيسور علي مزروعي حول الهوية والقومية والسرد والتاريخ في السياق الإفريقي. والأطروحة التي أعني هي تلك التي يمضي فيها بروفيسور مزروعي على خطى أرنست رينان ليقول "إن العامل الحيوي في تكوين الأمة هو أن تسترجع تاريخها مغلوطاً." فمزروعي يدرك هنا، كما أدرك قبله رينان، أهمية السرد في تكوين وتشكيل الوجدان القومي، وبخاصة ذلك السرد التاريخي الذي يصيب هدفاً ويمضي به إلى مُنتهى غايته عندما يؤخذ مغلوطاً. ولا بد من التأكيد هنا على أن دعوة بروفيسور مزروعي ليست مسوغاً للتزوير أو مبرراً للتزييف، وإنما هي دعوة للإنتقاء الذكي والتقديم والتأخير والتحوير والتعديل وتغليب الجوانب الإيجابية على المناحي السلبية من أجل انتزاع مشاعر الظفر من بين براثن الهزيمة. وهذا ما دأبت على ممارسته بوعي وانتباه نخبة من الروائيين الأفارقة. ومع أن محاولاتهم أثارت كثيرا من الاهتمام، وبعضا من الجدل، فمن الثابت أنهم لم يأتوا بشيئ مستحدث تماماً أو مستهجن، إذ فعله قبلهم أندريه مالرو الذي تجاهل في روايته "الأمل" هزيمة الجمهوريين في الحرب الأهلية الاسبانية وجعل ثقل روايته يرتكز على البدايات الناجحة للجانب الجمهوري، كما فعل ارنست هيمنغوي شيئاً مشابهاً في روايته هو الآخر عن الحرب الأهلية الأسبانية "لمن تقرع الأجراس."

وبالنظر إلى السياق الإفريقي نجد أن هذا النسق يمكن رصده عند نقوقي في محاولته إعادة كتابة المواجهات الاستعمارية مع الجماعات الكينية، وعند نور الدين فرح في مشروعه الروائي الذي يهدف به "إعادة كتابة الصومال التي أساء كتابتها سياد بري"، وكذلك سمبيني عثماني الذي آثر أن يحسم الصراع لمصلحة العمال في "غابة الله الصغيرة" التي يحتفي فيها بانتصار العمال في إضراب السكك الحديدية في غرب إفريقيا في 1947، والذي انتهى في واقع الأمر بهزيمتهم. وعلى الساحة النيجيرية فعل ذلك أيضاً سباستيان مرو في روايته عن الحرب الأهلية "وراء الشمس المشرقة". كما فعل ولي سوينكا شيئاً مشابهاً في "الموت وخيّال الملك." وعندما ثار جدل حول أنه لم يلتزم بحرفية التاريخ، استعاد المدافعون عن المؤلف والمسرحية تفريق الفيلسوف والشاعر والمسرحي الألماني فريدريش شيلر بين المحاكاة التاريخية والمحاكاة الجمالية. والشاهد هنا أن المحاكاة الجمالية هي في كثير من الأحيان أعظم تأثيراً من المحاكاة التاريخية في تحقيق غايات مشروع إعادة الاعتبار وتعمير الوجدان القومي، حتى وإن تناقضت معطياتها مع الوقائع التاريخية.

والنموذج الأكثر بروزاً لأخذ التاريخ مغلوطاً على ساحة الأدب السوداني هو ما فعله عبد الواحد عبد الله يوسف في نشيد الاستقلال عندما قال: "كرري تحدث عن رجال كالأسود الضارية.. خاضوا اللهيب وشتتوا كتل الغزاة الباغية.. والنهر يطفح بالضحايا بالدماء القانية.. ما لان فرسان لنا بل فرّ جمع الطاغية". وعبد الواحد يعلم جيداً أن أجدادانا لم ينجحوا في تشتيت كتل الغزاة الباغية ولم يجبروهم على الفرار، ولكنه عندما قال ذلك لم يقله جاهلاً بما حدث أومفترياً على الحقيقة، وإنما قاله استجابة لدواعي المحاكاة الجمالية كجزء من محاولة رد الاعتبار في مشروع تعمير الوجدان القومي.

وعودة إلى الإطار الروائي الإفريقي لن تفوتنا ملاحظة محاولة العديد من الروائيين العودة للاتصال بالنقطة التي مزق عندها الاستعمار نسيج التطور التاريخي للقارة والتوقف عندها، وتأتي بعدها محاولة رتق ذلك الفتق الذي أحدثته نصال التاريخ والميثولوجيا والأيدلوجيا. وتعتمد عملية الرتق بشكل كبير على السرد الذي تحاول بواسطته المستعمرات (الإمبراطورية) أن ترد على الحواضر الأوروبية (المركز). ولهذا تجاوزت مقولة "الإمبراطورية ترد كتابة على المركز The Empire writes back to the Centre" المأخوذة من مقال لسلمان رشدي، مجرد أن تكون صيحة حرب، لتصبح منصة انطلاق تحتشد عندها الجهود لمواجهة الصلف الاستعماري الذي تغذيه الأساطير البيضاء.

هذه المقدمة، وإن طالت، فهي ضرورية في محاولة معرفة الأسباب التي دفعت الطيب صالح أن يفعل شيئاً فريداً في "موسم الهجرة إلى الشمال"، إذ أنه لم يقتنع بالمحاكاة التاريخية عند منعطف هام من منعطفات الرواية واختار بدلاً عنها محاكاة جمالية. ولكن خلافاً لما هو متوقع فإن المحاكاة الجمالية المختارة لم تحاول تعمير وتعزيز الوجدان القومي، وإنما أحدثت تأثيراً يناقض تلك التوجهات، ويهزم تلك الغايات. فبدلاً عن اختيار جانب إعلاء لحظة ترد فيها الإمبراطورية على المركز ردا يفيض بالبلاغة والكبرياء، اختار تاريخاً مغلوطاً فرض فيه الصمت والخنوع على واحد من أوائل أبناء الإمبراطورية، إن لم يكن أولهم على الإطلاق، الذين ردوا على المركز نظرة بنظرة، وكلمة بكلمة، ووعداً بوعيد، على الرغم من أنه كان حينها يرسف في القيود.

يقول السرد في "موسم الهجرة إلى الشمال": "حين جيئ لكتشنر بمحمود ود أحمد وهو يرسف في الأغلال بعد أن هزمه في موقعة أتبرا قال له: لماذا جئت بلدي تخرب وتنهب؟ الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الأرض، وصاحب الأرض طأطأ رأسه ولم يقل شيئاً." ولفترة من الزمن وأنا عاكف على دراسة تجمع بين نقوقي والطيب صالح ونور الدين فرح تحت عنوان "سرد الإزاحة"Displacement  Narratology of بجامعة نوتينقهام ترنت بالمملكة المتحدة كنت اتساءل كثيراً لماذا عندما أخذ الطيب صالح جزئية من تاريخ بلاده مغلوطة لم يفعل ذلك لتعزيز الشعور بالزهو القومي وإنما ليفعل بها عكس ذلك تماماً؟ وعندما نظّم مركز الدراسات السودانية بالمملكة المتحدة ندوة في سبتمبر 1998 تحت عنوان "السودان: مائة عام بعد  أم درمان: التاريخ والحداثة والهوية" وجدت نفسي قُبالة ذلك السؤال اللجوج وأنا استمع إلى مساهمة الأستاذ محمد خلف الله التي حملت عنوان "1898 وما بعده في موسم الهجرة إلى الشمال." وكان هذا سياق ينادي بطرح السؤال الذي وجهته للمحاضر عن مشروعية ومبرر مجافاة الطيب صالح للتاريخ وفرض الصمت وطأطأة الرأس على محمود ود أحمد في تجاهل لمقومات الخطاب ما بعد الكولونيالي وتطبيقاته السردية. خاصة وأن الواقعة بما فيها من مكونات درامية توفر فرصة رائعة لترتيب منازلة بين الإمبراطورية والمركز تقطع شوطاً في محاولة ترويض التوتر الذي ينشب عادة داخل الرواية ذات الطموحات التاريخية بين التماسك المفترض للبنية الروائية وتشظي الوقائع التاريخية، أو إن شئت بين التماسك المفترض للوقائع التاريخية وتشظي البنية الروائية.

وتضمنت مداخلتي إشارات محددة إلى بعض ما فعله وقاله محمود في مواجهته المدوية مع كتشنر وفقاً لما أورده شهود عيان جاءوا بمعية الجيش الفاتح. وسرعان ما تبين لي أن الأستاذ محمد خلف الله لم يكن راغباً في تعكير صفو لقاء نهنئ فيه أنفسنا بقيمنا و أخلاقنا وتسامحنا وبأديبنا الكبير الذي لم يعجبه ذلك فتطوع برد مطول اشتمل على مقاربة بين ممارساته الفنية وشكسبير، وحق كل مبدع في إعمال الخيال، كما تحدث عن تفريقه بين بريطانيا والاستعمار، وعن أن روايته تعتبر واحدة من أكثر الروايات الإفريقية معاداة للاستعمار، وأهم من هذا جميعه أكد أنه يقبل النقد، ولكنه يرفض التزوير. قال الطيب صالح ذلك أمام حشد من الباحثين والدارسين والمهتمين مؤكداً بشكل قاطع أنه ليس هنالك من يدري بما دار بين محمود وكتشنر، وإن ما ورد بينهما في الرواية هو نتاج مباح ومتاح لخيال المؤلف. وكما هو متوقع في مثل هذه المواقف التي يتطاول فيها أحد المشاغبين على واحد من الكبار – ليس فقط واحداً من الكبار وإنما عبقري الرواية العربية لا أقل – ظهر عند الكثير من "المعجبين" أنه ليس من الأدب في شيئ إفساد الأجواء الاحتفالية بأسئلة عن المشروعية والمتطلبات الفكرية والتفسيرات الأيدلوجية وما بعد الكولونيالية وما إليها، حتى وإن كان الجمع قد التأم أساساً تحت ذريعة البحث في "التاريخ والحداثة والهوية." لقد رحل الطيب صالح عن دنيانا ولم يعد بمقدوري أن أثير حفيظته أكثر مما فعلت في ذلك اليوم الصيفي الإنجليزي البديع، ولكن النظر إلى أبعاد أعماله، وتبعات أفعاله، وأصداء أقواله لن يتوقف برحيله.

ولن أتوقف هنا إطلاقاً عند قرب التماثل أو بعده بين عبقري الأدب الإنجليزي وعبقري الرواية العربية، ولكن لا بد لي من التوقف قليلاً عند محاولة عبقري الرواية العربية التفريق بين بريطانيا، أو أي من الدول الاستعمارية الأخرى والاستعمار، لأقول إن دهاقنة الاستعمار لم يفرقوا بين الاثنين، بل أنهم لم يفرقوا بين الاستعمار والجنس الأبيض. فالاستعمار، مثله في ذلك مثل الاسترقاق، ليس فقط تحقيق لنية توسعية أو مجرد استجابة لحاجة اقتصادية، وإنما هو أيضاً تعبير بذئ عن موقف عنصري أحاطت به وعبرت عنه كلمات لورد لوغارد، أول حاكم عام بريطاني لنيجيريا التي تقول في صفاقة مطلقة: "نحن نقبض على زمام الأمور في هذه البلاد لأنها من عبقرية جنسنا أن يستعمر ويتاجر ويحكم."

كما سأتوقف أيضاً قليلاً عند الزعم بأن "موسم الهجرة إلى الشمال" واحدة من أكثر الروايات التي كتبت في إفريقيا معاداة للاستعمار لأقول أن تلك مسألة تختلف حولها ولا تتفق عليها جميع وجهات النظر، وأن ذلك الزعم قد لا يصمد إذا نظرنا إلى الرواية من ذات المنظور الذي نُعاين به روايات نقوقي وا ثيونقو وسمبيني عثماني، وشينوا اشيبي وكامارا لاي، أو حتى إذا قصرنا النظرعلى روايات إفريقية تحمل عناوين مشابهة مثل رائعة آي كوي ارما: "ألفان من المواسم" أو رواية سوينكا "موسم الخروج عن المألوف." ثم أنه حتى إذا سلمنا جدلاً بأن الرواية هي أكثر الروايات معاداة للاستعمار فإن هذا لا يمنحها حصانة تضعها  فوق النقد والفحص والمراجعة. إن المتابع لقضايا ما بعد الكولونيالية والأدب لن تفوته الإشارات المتعددة في الكتابات النقدية إلى "موسم الهجرة إلى الشمال" مثل دراسة خيري دومة التي تحمل عنوان "عدوى الرحيل: موسم الهجرة إلى الشمال ونظرية ما بعد الاستعمار"، ودراسة ساري مقدسي "إعادة سرد الإمبراطورية: موسم الهجرة إلى الشمال وإعادة ابتداع الحاضر." والدراستان تستحقان الانتباه والتقدير، وعلى الرغم من أي نقص أو قصور يلحق بهما، فقد سلمتا بشكل عام من مثالب الجزء الغالب من النقد الأدبي العربي الذي يُعاني من متلازمات الوهن وخداع الذات والإنكار والخبل.

وفي دراسته آنفة الذكر يصف ساري مقدسي "موسم الهجرة إلى الشمال" بأنها "مداخلة راديكالية في مجال الخطاب ما بعد الكولونيالي العربي." وهنا تكمن قيمة مساهمة مقدسي وضعفها في آنٍ واحد. فعلى الرغم من ان رائدين من رواد الخطاب ما بعد الكولونيالي، البرت ميمي التونسي المولد والنشأة، وفرانتز فانون الذي تبنى الثورة الجزائرية وتبنته، خرجا من بين ظهرانينا، فقد ظل ذلك الفكر غريباً يتسول الإنتباه على هامش الثقافة العربية. لقد أنتج ميمي وفانون فكراً مُتحرراً ومُحرِراً مُتمثلاً في "المستعمِر والمستعمَر" The Colonizer and the Colonized لميمي، و"بشرة سوداء، أقنعة بيضاء" Black Skin, White Masks لفانون. ولكن ذلك الفكر لم يستطع أن يغرس له جذوراً في تربة الثقافة العربية التي لا تثق تماماً في أسماء مثل البرت وفرانتز وإدوارد. وعليه، ولأسباب أكثر عمقاً، لم يتم استيعاب إدوارد سعيد كاملاً ضمن مكونات النقد العربي الذي لم يتجاوز حتى اللحظة "بداياته" Beginnings  التي تتناول مكونات الخيال والفعل والكوابح التي تعرقل عمليات الخلق والإبداع التي تنبثق من أعماق النوايا الإنسانية الطموحة لتصطدم بإمكانيات ووسائل التحقيق المحدودة. فالفكر العربي الذي يؤثر فيه سعيد، بعد سنوات من الرفض والشجب والتشكيك والتخوين (والنموذج الأعلى صوتاً هنا هو "الاستشراق والاستشراق معكوساً" لصادق جلال العظم)، هو ذلك الذي تتبدى من بين ثنايا اهتماماته هواجس الإستشراق ونوازع الحداثة، ولكن ليس هموم ما بعد الكولونيالي واهتماماته.

ولهذا فإن محاولة مقدسي الربط في السودان بين الخطاب ما بعد الكولونيالي والمشروع العربي للحداثة لم ولن تمضي به بعيداً. فعلى الأرجح أنه لا يدري أن العربية في السودان – لغة وثقافة وتوجهاً – ليست دائماً دافعاً للتحرر أو محفزاً للتحرير. بل أنها في كثير من الأحيان عامل من عوامل القهر والاستلاب. ولهذا فإنه من السخرية بمكان أن يتصدر حديثه عن الخطاب ما بعد الكولونيالي في النطاق السوداني الاحتفاء بالمساهمات الحداثية لرفاعة رافع الطهطاوي، وهو القائل:

وما السودان مقام مثلي ولا سلواي فيه ولا سعادي

ولولا البعض من عربٍ لكانوا سواداً في سوادٍ في سواد

وأنا إذ أعيد ما جادت به قريحة الطهطاوي لا تخالجني ذرة إنكار لسواد السودان أو شعور بالدونية حيال  سودانويته، ولكني قصدت تعرية هذا الموقف الطهطاوي البغيض الذي لا يتجاوز في "حداثته" موقف المتنبي من كافور الأخشيدي.

ورغم إغراء الاستطراد في رصد المظاهر العربية السالبة في رؤية السودان والسودانيين، مروراً بفستق العبيد واقتراح تسمية جامعة الدول العربية عند انضمام السودان إليها بجامعة الدول العربية والسودان، فسأكبح جماح الاستطراد وأعود للحديث عن التاريخ والسرد في "موسم الهجرة إلى الشمال" مع التركيز على التناقض الصريح بين تأكيد الطيب صالح رفضه للتزوير وبين ممارسته له. ذلك أن الذي حدث بين محمود ود أحمد والسردار هوراشيو هربرت كتشنر قد ضمته بطون الكتب، ورصدته عدسات الكاميرات، وحملته صفحات الصحف والمجلات. ففي كتابه "السباق إلى فشودة" كتب ديفيد ليفرنق: "لقد انتهى القتال بالنسبة لمحمود، ولكن روحه توقدت عند تقديمه لكتشنر. وقد أعجب واتكينز واستيفنز بالحوار بين كتشنر ومحمود ود أحمد: "هل أنت الرجل محمود؟" فرد عليه القائد الأبي: "نعم أنا محمود، وأنا مثلك في المقام." "لماذا جئت للقتال هنا؟" تابع كتشنر بغرابة إذ أنه هو الذي توغل لخمسمائة ميل داخل بلاد محمود الذي رد عليه قائلاً: "لقد أتيت مُنفذاً للأوامر، مثلك تماما."

والإشارة إلى إعجاب استيفنز بمحمود مسألة بالغة الأهمية إذ أنه شاهد عيان شديد التأثير وعميق التأثر. ففي مراسلاته لصحيفة "ديلي ميل"، كما في كتابه "مع كتشنر إلى الخرطوم" كتب عن مثول محمود ود أحمد أمام كتشنر: "لقد وقع محمود في الأسر. عثر عليه أفراد الفرقة العاشرة السودانية عند تمشيطهم للزريبة. لقد وجدوا محمود مفترشاً فروته وإلى جانبه سلاحه على عادة الزعماء المهزومين في استقبالهم للموت، فلم يقتلوه وقاموا بإحضاره حاسر الرأس أمام السردار. كان طويلاً داكن اللون بين الثلاثين والأربعين. كان يرتدي جلباب الدراويش الذي يُحاكي قميص المهدي المرقع، ولكنه كان يوشيه بالذهب. كان وجهه ضيق الخدين إذ كان عربياً خالصاً، وكانت قسماته قاسية ولكنها نبيلة. لم يكن ينظر يمنة أو يساراً وهو يتقدم نحو السردار منتصب الرأس، فسأله السردار: "هل أنت الرجل محمود؟" فرد: " نعم أنا محمود، وأنا مثلك تماماً." يعني أنه قائد جيشه. "لماذا جئت لتحارب هنا؟" فقال: "لأنني أنفذ الأوامر، مثلما تفعل." ثم أبعد محمود تحت الحراسة، ولكن إعجاب الجميع به قد تزايد لأنه واجه مصيره غير هيابٍ وبلا وجل."

وفي كتابه "مذكرات أم درمان 1898"، الذي يحمل أيضاً عنوان "إفادات شهود عيان على الحملة الأسطورية"، كتب جون ميرديث: "وجد الجنود السودانيون محمود جاثماً وهو جريح في مخبأ بالزريبة وأنقذه ضابط بريطاني من حراب الجنود وتم جره إلى السردار حيث جرت المحادثة التالية عندما سأله كتشنر بالعربية: - "هل أنت الرجل محمود؟" - "نعم أنا محمود وأنا مثلك في المقام." - "لماذا جئت إلى هنا لتحرق وتقتل؟" - "مثلما تفعل أنت." وشاهد آخر على ما دار بين كتشنر ومحمود هو وينستون تشرشل الذي كتب في "حرب النهر": "كان أبرز الأسرى محمود – عربي طويل في حوالي الثلاثين من العمر، وقد مثل مباشرة أمام السردار بعد أسره فسأله: "لماذا جئت إلى بلدي لتحرق وتقتل؟" فرد عليه الأسير متجهماً ولكن في قدر من الجلال: "يجب عليّ إطاعة الأوامر مثلما تفعل." وجاءت ردوده على الأسئلة الأخرى مقتضبة ومرواغة، ولكنه تطوع بأن يقول إن الثأر لهذه المذابح سيتم في أم درمان."

وآخر الشهادات، وهي أيضاً أحدثها وأكثرها استفاضة، هي تلك التي ساقها جون بولوك في كتابه "كتشنر: الطريق إلى أم درمان": "كان السردار يمتطي صهوة جواده عبر الميدان ومعه هنتر فجاءهما جندي يعدو بفرسه ليخبرهما أن محمود قد وقع في الأسر، وقد أنقذه من الرماح ضابط مدفعية شاب. فاستدارا بجواديهما فشاهدا رقيباً سودانياً يقود رجلاً طويل القامة بادي التكبر. كان يرتدي جبة مضرجة بالدماء ويداه مقيدتان خلف ظهره، وعبس في وجهيهما الأمر الذي أثار حنق هنتر فقال مغضباً بالعربية: "هذا هو السردار." وفي هدوء أمر كتشنر محمود بالجلوس، وكان هذا هو الأسلوب المتبع في السودان والذي سيأتي بعده إما العفو أو الموت. وبدلاً عن أن يجثو في انتظار مصيره جلس متربعاً دلالة على الندية. كان كتشنر، والعلم المصري يرفرف إلى جانبه، ينظر إلى محمود من على ظهر جواده، ثم سأله "لماذا جئت بلدي لتحرق وتقتل؟" فرد عليه محمود: "مثلك تماماً. يتحتم عليّ إطاعة أوامر الخليفة كما تطيع أنت أوامر الخديوي." فابتسم كتشنر وقال لرجاله: "إجابة جيدة." قالها بالإنجليزية Rather a good answer. وتبعت ذلك أسئلة أخرى رد عليها محمود بلا خوف أو وجل، وهم يأخذونه بعيداً صاح بالسردار: " ستدفع ثمن هذا جميعه في أم درمان، فمقارنة بالخليفة فأنا لست أكثر من ورقة في شجرة."

الروايات أعلاه لا تترك مجالاً لشك أو ريبة في أن هنالك من شهد ما دار بين الرجلين ورصده، واستمع لما تفوه به كتشنر وتعجب منه، وانتبه لما قاله محمود وأعجب به. كما أن الشهادات لا تجمع فقط على شجاعة نادرة في مواجهة المصير، وإنما أيضاً قدرة متميزة على الرد تقدم نموذجاً مبكراً على رغبة الإمبراطورية وقدرتها في الرد على المركز. ولكن الطيب صالح أشاح بوجهه بعيداً عن ذلك جميعه وفرض على محمود الصمت وطأطأة الرأس. وعندما واجهته بذلك أجاب بأنه ليس هنالك من يدري ما قاله محمود، ولذلك فإنه يمتلك الحق في أن يضع على لسانه أو يحجب عنه ما يشاء. وللتدليل على عدم صحة ما أورده في الرواية تعمدت إيراد أكثر من وجه من أوجه السرد التي احتفت برصد تلك اللحظة المشبعة بالدلالات التاريخية والميثولوجية والأيدلوجية في تاريخ المواجهات الاستعمارية. وهي أيضاً لحظة مفصلية مشحونة دراميا في بنية الرواية وفي تطور سردها. ولهذا ظلت تحت مجهر اهتمامي في إطار الأخذ والرد بين المركز والإمبراطورية في سياق الخطاب ما بعد الكولونيالي. ولهذا أفصحت عن اعتراضي على معالجة هذه النقطة في الرواية في حضور المؤلف متوقعاً منه بعضا من التوضيح. ولكن الرد الغاضب والمتوتر الذي أتى به الطيب صالح زاد الأمر تعقيداً، ولم يترك أمامي غير أن اختار بين تفسيرين: إما أن الطيب صالح يعرف ويدعي أنه لا يعرف، أو لا يعرف ويدعي أنه يعرف. والحديث هنا تحديداً عن "طأطأ رأسه ولم يقل شيئاً."

في كلمات أحرى، وعلى الرغم من أي محاولة للمرواغة، نحن هنا إزاء حالين لا ثالث لهما، ولكل منهما تبعاته: إما أن الطيب صالح يدرك تماماً ما دار بين كتشنر ومحمود ومع ذلك اختار لمحمود الصمت وطأطأة الرأس، ثم أنكر ذلك على رؤوس الأشهاد. ويكون بهذا قد أخطأ تاريخياً، وأخفق سياسياً، وتقاعس أدبياً، وسقط أخلاقياً. وإما أنه لا يدري فعلاً بما دار بين كتشنر ومحمود، ويكون بهذا قد فتح باباً يصعب إغلاقه، ذلك أن مجريات السرد في الرواية تشير إلى أن هنالك من يدري تماماً بما دار بين كتشنر ومحمود عند كتابة "موسم الهجرة إلى الشمال". والسؤال عندها لا بد أن يكون: من هو ذلك الذي انعكست معرفته لما دار بين الرجلين على مجريات السرد في الرواية؟ ذلك أن السؤال المحوري الذي جاء على لسان كتشنر في الرواية "لماذا جئت إلى بلدي تخرب وتنهب؟" يكاد أن يكون ذات السؤال الذي جاء على لسان كتشنر بعد واقعة النخيلة في الثامن من إبريل 1898. كما أن عبارة "الدخيل هو الذي قال ذلك لصاحب الارض" تكاد أن تكون أتت مباشرة من ديفيد ليفرنق في "السباق إلى فشودة" حيث يقول: " تابع كتشنر بغرابة إذ أنه هو الذي توغل لخمسمائة ميل داخل بلاد محمود." أما "طأطأ رأسه، ولم يقل شيئاً" فلم يرصدها أي من شهود العيان، فقد "أعجب واتكينز واستيفنز بالحوار بينهما" (ديفيد ليفرنق)، "لم يكن ينظر يمنة أو يسارا وهو يتقدم نحو السردار منتصب الرأس... ثم أبعد محمود تحت الحراسة، ولكن إعجاب الجميع به قد تزايد لأنه واجه مصيره غير هياب وبلا وجل." (استيفنز)، "هل أنت الرجل محمود؟" - "نعم أنا محمود وأنا مثلك في المقام." - "لماذا جئت إلى هنا لتحرق وتقتل؟" - "مثلما تفعل أنت." (جون ميرديث)، "فرد عليه محمود: "مثلك تماما. يتحتم عليّ إطاعة أوامر الخليفة كما تطيع أنت أوامر الخديوي." فابتسم كتشنر وقال لرجاله: "إجابة جيدة." قالها بالإنجليزية Rather a good answer (جون بولوك)، "وجاءت ردوده على الأسئلة الأخرى مقتضبة ومرواغة، ولكنه تطوع بأن يقول إن الثأر لهذه المذابح سيتم في أم درمان." (تشرشل)."

إذا كان الطيب صالح لا يدري بما دار بين كتشنر ومحمود – إذ ليس هنالك من يدري بما دار بين الرجلين، حسبما قال – وبما أنني لا أعتقد الندخل الخلّاق لنوارد الخواطر كوسيلة لمعرفة خبايا الوقائع التاريخية، وأن الخيال الفني ليس هو الذي جعل كتشنر يردد في الرواية ما قاله لمحمود بعد واقعة النخيلة، فقد كان لا بد لي من محاولة معرفة ذاك الذي كان يدري بما دار بين الرجلين، وتبعاً لذلك وضع منه ما أراد وضعه على صفحات "موسم الهجرة إلى الشمال؟" ووضعاً لعدة أمور في الاعتبار أقول إن ذاك الشخص، على الأرجح إن لم يكن من المؤكد، هو دينيس جونسون-ديفيز الذي كتب الطيب صالح المسودة الأخيرة للرواية في منزله في سسكس بجنوب إنجلترا. وقد يكون من المناسب هنا استدعاء الملصق الشهير الذي ظهر في 1914 يحمل وجه الفيلد مارشال كتشنر عندما كان وزيرا للحربية البريطانية وهو يشير بسبابته موجهاً حديثه للشباب يستحثهم للتجنيد تحت شعار "يحتاجك..Wants you"، أي أن وطنك يحتاجك.  وتكمن قوة الملصق في النظرات الحادة، أو التحديق الثاقب piercing gaze التي يواجه بها لورد كتشنر الناظرين إليه. فقد كان الانطباع السائد وقتها، وقبلها، وظل عالقاً في العقل الجمعي البريطاني لوقت بعدها، هو أن الرجال لا يقوون على مواجهة نظرات كتشنر النافذة فيسارعوا بخفض ناظرهم. وهذا، في اعتقادي، بعض ما حمله دينيس جونسون-ديفيز معه إلى "موسم الهجرة إلى الشمال": المركز الذي يحدق في الإمبراطورية مجبراً إياها أن تطأطئ رأسها، تماماً كما فعل محمود ود أحمد رواية "موسم الهجرة إلى الشمال" مجسداً بذلك صورة للاستسلام والرضوخ والخنوع تنسجم تماماً ودعاوى الخطاب الاستعماري.

والذي سيتبدى لمن ينظر طويلاً إلى "موسم الهجرة إلى الشمال" هو أن لدينيس جونسون-ديفيز تأثيراً في الرواية أكثر مما تراه العين. وبشكل أكثر تحديداً فإن مشاركته تتجاوز دور مترجم الرواية من العربية إلى الإنجليزية. فطبيعة عملهما بشكل لصيق في نص غير مكتمل جعلت دور جونسون-ديفيز يتجاوز كثيراً دور المترجم. وأظنه أمر مترعٌ بالدلالات أنه عندما تقدمت إحدى الجهات بطلب للحصول على امتياز تحويل "موسم الهجرة إلى الشمال" إلى فيلم روائي، طالب جونسون-ديفيز بنصيب كبير في حق الامتياز مما أدى إلى إجهاض المشروع. وأستند في زعمي هذا على رواية الكاتب الكبير محمد سليمان الفكي الشاذلي كما أسرّ له بذلك المؤلف. وقد ظل الشاذلي حتى وفاة الطيب - كما يقول دائماً من غير صالح - أقرب أصدقائه إليه وأحبهم إلى نفسه. والشاذلي الذي أعرف لن يفتري على أحد كذبا، ناهيك عن صديقه الذي يُجله ويُقدره. وقد أكدّ الشاذلي أن الطيب استنكر طلب جونسون-ديفيز محتجاً بأنه وجولي- زوجته - قاما بمساهمة كبيرة في إنجاز الترجمة، وأن انهيار مشروع الفيلم، من وجهة نظر الطيب، يعود إلى مطالبة جونسون-ديفيز غير المقبولة في حين أنه كان مجرد مترجم. ولكن هذا يضعنا قبالة سؤال غير مريح، وهو هل هنالك "مجرد مترجم" يعطي نفسه الحق في المطالبة بنصيب في حق الملكية ما لم يكن له دور، عظم أو صغر، في التأليف لا يستطيع المؤلف أن يغمطه إياه؟

ولدينيس جونسون-ديفيز، في تقديري، دور مقدر في وضع بنية/هيكل الرواية، وهو دور يبرز بغيابه في ثلاثية "بندر شاه" مُلحِقاً بها الترهل والضمور معاً. ولهذا كلما تذكرت ما كتبه رجاء النقاش عن أن "مريود" "تستعصي على التلخيص، (و) تقترب من الموسيقى حيث لا يمكن تلخيص الأنغام والسيمفونيات..." استشعرت ذلك الغياب. وإذا كانت النغمات لا تلخص، فإن تلخيص السيمفونيات أمر دارج ومألوف، ولكن هذا الربط بين "مريود" والموسيقى، والحديث عن الاستعصاء على التلخيص، ليس سوى تبرير خائب يعكس عدم قدرة النقاش، أو عدم رغبته، في أن يرى الثلاثية/الثنائية على حقيقتها كمادة فلتت من سيطرة المؤلف عليها إلى درجة أنها تحولت إلى ثلاثية من جزئين. أما قوله: "فما تعطيه لنا الرواية من متعة روحية وفكرية في معناها العام..." فإنه يذكر بوصفه لمسرحية "الهواء الأسود" التي وجد أنها "تشرح بوضوح أزمة الإنسان المعاصر." ومساهمة الأستاذ النقاش "مريود: قصيدة في العشق والمحبة" نموذج لما ينبغي تفاديه من نقد يكيل الثناء بلا حساب، ويحتفي بأشياء متوهمة لا وجود لها إلا في مخيلة الناقد. فالأستاذ النقاش – رحمه الله - لمن لا يذكرون، لعب دوراً رئيسياً في أكبر الفضائح النقدية في تاريخ الأدب العربي عندما سقط سقوطاً مروعاً في الفخ الذي نصبه له الكاتب الصحفي أحمد رجب فأحتفى بهراء "الهواء الأسود" الذي كتبه أحمد رجب هازئا وساخراً من مفهوم المسرح العبثي Absurd Theatre. وكان الطعم الذي ابتلعه النقاش هو اسم فردريش دورينمات الذي ألصقه أحمد رجب بهراء "الهواء الأسود."

والطيب صالح يمضي مغضباً في حديثه في ذلك النهار الصيفي الإنجليزي البديع الذي يُمكن فيه للناظر، إن أراد، أن يرى جميع الأشياء على حقيقتها، تذكرت نصيحة دي إتش لورنس للقارئ والناقد معاً: "لا تثق أبداً في الفنان. ضع ثقتك في الحكاية. إن الدور الأمثل للناقد هو أن يُنقذ الحكاية من الفنان." وكان من الممكن وقتها، أو حتى بعدها، إنقاذ الحكاية من الفنان. وعودة إلى "حرب النهر" نجد وينستون تشرشل في شهادته حول المواجهة التاريخية بين كتشنر ومحمود يقول عن الأخير إنه: "نموذج رائع للوحشية المتكبرة، وربما يستحق مصيراً أفضل من أن يظل بلا نهاية رهين السجن في رشيد." ولأنه لم ينعم بذلك المصير الأفضل في حياة مضى نصفها الأول سريعاً على صهوات الجياد، ومضى نصفها الثاني متثاقلاً مع جرجرة الأصفاد ورجع صدى الوعيد الذي لم يتحقق عند مداخل أم درمان، فقد يكون هنالك بعض العزاء في إزالة غُبن أن يظل إلى ما لا نهاية صامتاً مطأطأ الرأس في حضرة الصلف الاستعماري على صفحات "موسم الهحرة إلى الشمال." ولكن الطيب صالح لم يلتفت إلى جدية ما طرحت، ولم يجد في الأمر أكثر من سانحة لتكريس شعوره بالأستاذية وسط همهمات مواساة مريديه فاندفع لترديد مزاعمٍ لم يفكر جيداً عما يترتب عنها من تبعاتٍ ودلالات. ومما يجدر ذكره أن مجموعة من الزملاء اقترحت في ذلك اليوم تنظيم لقاء نتواجه فيه أنا والطيب صالح مرة أخرى لحسم ما احتدم بيننا من جدل، وسموا لذلك مكاناً وزماناً، وأبلغوني أنه وافق على ذلك. وجاءت عطلة نهاية الأسبوع، وجاء الزملاء، وجئت، ولكن الطيب صالح آثر عدم الحضور، ولا لوم عليه هنا ولا تثريب، فلو كنت مكانه لفعلت ما فعل.

ولكني لو كنت من المقربين إليه لأشرت عليه وقتها أن يفعل شيئاً تجاه موقفه من محمود ود أحمد، وهنالك سوابق لذلك في الرواية. ففي الإطار الإفريقي حدث هذا لنقوقي عندما كان يمضي جذلاً تحت اسم جيمس نقوقي ووضع ضمن سرد روايته "قليل من الحنطة" حادثة اغتصاب مجموعة من مقاتلي الماو ماو لإمرأة بيضاء. ولكن بعد تطور وعيه السياسي، وابتعاده عن تأثير كونراد، ونبذه لاسم جيمس وتبنيه "وا ثيونقو" اسماً وهوية، أدرك أنه من غير اللائق للمقاتلين من أجل الحرية والكرامة ارتكاب فعلة الاغتصاب فعاد عنها وعدّل سرده ليضمنه حادثة أحرى تقوم مقام الأولى. ويجدر بالذكر أن نقوقي أدرك قبل غيره أن تأثير كونراد على رواياته الأولى جعلها منقسمة على نفسها، ويعود ذلك بشكل أساسي إلى أن كونراد، كما لاحظ نقوقي نفسه، "لا يرى أي إمكانية للخلاص تأتي من بين المقهورين."

والحديث عن كونراد يقودني إلى استرجاع ما كتبه فخري صالح على صفحات "الحياة" (9 مارس 2006) تحت عنوان "رواية عربية تحاور "قلب الظلام" لجوزيف كونراد" حيث يقول: "ويمكن القول إن "موسم الهجرة إلى الشمال" إعادة كتابة مبدعة لرواية "قلب الظلام" للروائي البريطاني، البولندي الجنسية، جوزيف كونراد إذ يعكس الطيب صالح مسار الرحلة من الجنوب إلى الشمال ويعيد تأويل رسالة كونراد الملتبسة في روايته العظيمة التي يلتحم فيها الراوي بشخصية المروي عنه في الصفحة الأخيرة من "قلب الظلام." إن تأثير كونراد المزعوم وتفاعل الطيب صالح معه أمر شديد الغموض يحتاج إلى الكثير من البحث والفحص، وربما استدعاء دينيس جونسون-ديفيز مرة أخرى. وأفضل المساهمات هنا هو ما كتبته غاياتري سبيفاك في دراستها "موت نظام" التي تعقد فيها مقارنة بين "قلب الظلام" و"موسم الهجرة إلى الشمال" و"الزاحف المجنح" للكاتبة البنغالية "ماهاسويتا ديفي. وتقدم قراءة سبيفاك نموذجاً رائعاً لقوة النقد المبدع الخلاق الذي يتجاوز ما يطمح إليه الروائي. ففي حين يرى الطيب صالح أنه قد قسم العالم إلى "شمال وجنوب وليس شرق وغرب"، ترى سبيفاك أنه قد نجح من خلال تفعيل دور المرأة في خلخلة وتجاوز الجوامع الثنائية التقليدية مثل أوروبا وإفريقيا، والشمال والجنوب، ليصل إلى نطاقات أكثر شمولية مثل الذات والآخر، والمألوف وغير المألوف، والغريب والمحلي.

ورغم أن هنالك الكثير الذي يمكن قوله اتفاقاً واختلافاً مع سبيفاك، فسأكتفي بالقول هنا إن وصف "موسم الهجرة إلى الشمال" بأنها إعادة كتابة لرواية "قلب الظلام." أمر خاطئ تماماً. ذلك أن لمفهوم إعادة الكتابة في إطار الخطاب ما بعد الكولونيالي متطلباته ومنطلقاته المتجذرة في قلب الممارسة التي تسترشد بمؤشرات التاريخ والسرد والوعي السياسي. ومن الممكن إخضاع تلك المتطلبات والمنطلقات للفحص عند النظر إلى إعادة كتابة التجربة الاستعمارية في الكاريبي في رواية "بحر سارقاسو العريض" التي تعيد فيها  جين ريس كتابة "جين إير" لشارلوت برونتي، أو كما حاولت مارينا ورنر في روايتها "أزرق" وأدريان ريتش في روايتها "عن إمرأة مولودة" إعادة كتابة "العاصفة" لشكسبير والروايات الثلاث تقتفي آثار "عاصفة" ايمي سيزار وتقدم قراءات بديلة للأساطير البيضاء.

أما "موسم الهجرة إلى الشمال" فإنها ليست جزءاً من ذلك التقليد لسبب أساسي لا مجال فيه لاجتهاد في التبرير أو التفسير أو التأويل، وهو ببساطة انعدام النية وغياب القصد. فالطيب صالح، حسبما يقول، لم يفكر وهو يكتب "موسم الهجرة" في إعادة كتابة "قلب الظلام". إن "مو سم الهجرة إلى الشمال" تتبع تقليداً آخر وصفه إعجاز أحمد في دراسته "في النظرية: الطبقات والأمم والآداب" بالأعمال التي تستنطقها الثقافة الغربية فتجد فيها ما يدعم العلاقة التقليدية بين المركز والإمبراطورية. وفي هذا السياق قد يكون هنالك مردود نقدي لافت لقراءة "موسم الهجرة إلى الشمال" مع رواية نايبول "المقلدون" التي تحكي تجربة مشابهة لتجربة "موسم الهجرة"، ولكن مع اختلاف جذري في تقديم الجنس والتعاطي معه. كما أنه من المفيد هنا الإنتباه إلى ملاحظة إعجاز أحمد جاءت اعتراضاً على دعوة فردريك جيمسون لإعادة النظر في "القائمة المعتمدة" من آداب الإمبراطورية ضمن الدوائر الأدبية والمساقات الأكاديمية الغربية. فبحسب إعجاز أحمد فإن روايات الأمبراطورية/العالم الثالث ليست مهمشة في الغرب، ولكن هنالك ضرورة لإعادة فحص الدوافع والمسوغات التي يتم بموجبها اختيار بعض الأعمال واعتبارها ممثلة للغات وآداب وثقافات.

وكلما استعدت ما ردده الطيب صالح في ذلك النهار الصيفي الإنجليزي البديع في رحاب جامعة لندن ازداد يقيناً من أن الطيب صالح لا يعبأ بالتاريخ، ليس فقط عند استرجاعه له، بل حتى عندما يراه يحدث أمامه. واعود هنا إلى نقطة مبكرة لم أكن لأثيرها لولا أنني قرأت رثاء حسن عبد الله للطيب صالح تحت عنوان "موسم الهجرة انتهى وعاد الطيّب من الشمال إلى الجنوب" حيث يقول: "وموقفه الوطني العظيم عندما قرّر ترك العمل في إذاعة "بي بي سي" احتجاجاً على مشاركة بريطانيا في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956." ويقيناً كان هذا ليكون موقفاً وطنياً عظيماً فقط لو أنه قد حدث، ولكنه لم يحدث. فالطيب صالح لم يترك العمل بالإذاعة البريطانية إبان العدوان الثلاثي على مصر، وذاك ما فعله زميله دكتور حسن عباس صبحي الذي توقف عن العمل بالإذاعة البريطانية وعاد إلى السودان تعبيراً عن شجبه للعدوان الثلاثي، بينما لم يجد الطيب صالح غضاضة في الاستمرار. تماماً مثلما لم يجد غضاضة في وقتٍ لاحقٍ في تلقي ً مقابل مالي كبير من صحيفة "يديعوت أحرونوت" نظير نشر "موسم الهجرة إلى الشمال" مسلسلة بالعبرية على صفحات الصحيفة الإسرائيلية. هذا مع التنويه إلى أن عملية تطهير للمال من دنس الصهيونية قد تمت من خلال تبرع الطيب صالح بجزء منه إلى السلطة الفلسطينية. وسيلاحظ القارئ أن هنالك تعتيم كامل على هذه الخطوة الطيبية التصالحية في سيرة عبقري الرواية العربية، والتي تجعل منه أحد رواد التطبيع مع إسرائيل، ليس فقط في السودان، وإنما على نطاق العالم العربي بأسره.

 

الجزءالثاني: الصمت عن محمود محمد طه خلال المحنة التي ذهبت به إلى المشنقة

وكما فرض الطيب صالح الصمت على  محمود ود أحمد عند اللحظة الفارقة في حياته، تلك التي تحول فيها من أمير إلى أسير، فقد صمت عن محمود آخر عند اللحظات الفارقة في حياته التي حولته من مفكر نتفق أو نختلف معه فكراً، إلى قتيل لا ندري له قبراً. وذلك الآخر هو المفكر "الأستاذ" محمود محمد طه الذي أصدر عليه الرئيس السوداني الأسبق جعفر نميري حكما بالأعدام بعد اتهامه وإدانته بالردة. وكما فعل محمود الأول فعل محمود الثاني، ومشى إلى المشنقة في ثبات في 18 يناير 1985. والمحمودان شخصيتان يحتدم حولهما الجدل، ولكن السودانيين الذين قد يختلفون مع الرجل حول كيف يعيش يضربون عن ذلك صفحاً عندما يعرف كيف يموت. لقد عرف محمود الأول كيف يقاتل وينازل ويواجه مصيره غير هياب، كما عرف محمود الثاني كيف يحيا، وكيف يناضل، وكيف يموت.

صدر حكم الإعدام على محمود محمد طه وتبعه التنفيذ والطيب صالح يكتب وينشر ويتحدث ويشارك في المنتديات الفكرية والمحافل الأدبية، ولكنه صمت تماماً عن محمود ولم يكتب عنه إلا بعد ما يزيد على أربع سنوات من "اغتياله". فبعد سقوط نميري كتب الطيب صالح على صفحات "المجلة" في 5 يوليو 1989 حاكياً كيف أن باربرا براي اتصلت به هاتفياً محاولة دفعه بأن يفعل شيئاً حيال حكم نميري على محمود بالإعدام، ولكنه لم يفعل أكثر من أن "يتضاحك"، كما يقول هو وليس كما أقول أنا، وانتهى بأن يعترف "في تلك الليلة شعرت بخجل عميق. قلت لها وأنا أعلم أن منطقي أعرج وحجتي جوفاء، أنت تعلمين أننا حين ندخل اليونسكو، كما في المنظمات الدولية، نقسم أن نكون محايدين ولا نتدخل في شئون الدول الأعضاء في المنظمة." ولكنه كان يعلم، كما يقول هو وليس كما أقول أنا، بأن ذلك ليس صحيحاً، وأن السبب الحقيقي هو "من يطعم الزوجة والعيال، ويدفع أقساط المدارس والجامعات؟ كل هذه الأشياء الصغيرة أم الكبيرة التي تكبل الإنسان بقيود يشتد وثاقها يوماً بعد يوم، وتجعله يصمت حين يجب عليه أن يصرخ، ويذعن حين يتحتم عليه أن يرفض."

قد يكون قدر الإنسان العادي الانشغال بإطعام الزوجة والعيال ودفع أقساط المدارس والجامعات، ولكن هذا لا ينبغي أن يكون قدر الكاتب والفنان. وهذا هو الفارق بين الطيب صالح وكاتب مثل ولي سوينكا الذي نهض في مواجهة الطغمة العسكرية في نيجيريا لأنها تمارس السلب والنهب وتصدر أحكام الإعدام على صغار اللصوص بينما تغض الطرف عن كبارهم. ولذلك دفع الثمن كاملاً غير منقوص، كما ظل يفعل دوماً دفاعاً عن مواقفه ومبادئه. ورمت السلطات النيجيرية بسوينكا في غياهب السجن الانفرادي حيث ظل لمدة خمسة وعشرين شهراً بقصد تحطيمه ليس فقط كفنان، وإنما أيضاً كإنسان. ولكي يحتفظ بعقله ويحافظ على إنسانيته كتب في مخيلته وعلى بعض قصاصات الورق "مات الإنسان". والإنسان الذي مات، كما يقول سوينكا، ليس السجين وإنما الذي يحرم الإنسان من حقه في الفكر والقول والفعل. وعلى نقيض ذلك صمت الطيب صالح عن جريمة اغتيال مفكر. "تضاحك" والحبل يلتف حول عنق شيخ يناهز الثمانين، وعاد إليه بعد بضع سنين، بعد سقوط نظام النميري، ليقدم نموذجاً آخر للإخفاق في عملية التعامل الجاد والمنهجي مع جدلية التاريخ والسرد والوعي السياسي. ويزيد من وطأة ذلك الإخفاق أنه تحول هو الآخر إلى مساهمة إضافية في مشروع "إطعام الزوجة والعيال ودفع أقساط المدارس والجامعات." والأنكى من هذا، وأشد سخرية منه ومرارة، أنه في الوقت الذي يتأسى فيه الطيب صالح على الأشياء التي "تجعله يصمت حين يجب عليه أن يصرخ، ويذعن حين يتحتم عليه أن يرفض" فإن لجنة تحكيم "جائزة محمد زفزاف للرواية العربية" وجدت لديه ما يكفي للإشادة بدفاعه "الضمني والمباشر عن التعددية وقيم الحرية والعدالة الإنسانية." يا لخواء المزاعم، ويا لفداحة الكذب والنفاق والرياء، ويا لهوان القيم وسط ورثة عاد وثمود والفراعين ذوي الأوتاد.

والمقتبس الأخير لا يعدو أن يكون نزراً يسيراً من حيثيات منح "جائزة محمد زفزاف للرواية العربية" للطيب صالح. وتمضي الحيثيات لتؤكد "نجاح الطيب صالح بمعظم رواياته في تكريس الهوية المحلية والحرية المنفتحة على آفاق كونية رحبة. - تمثُل الروائي لروح العمل الفني ورسالته واتقانه المتفوق لأدواته وفق المقاييس والامكانيات التي تضعه في مصاف كبار الروائيين العالميين. - تفوق المبدع في التعبير عن ضرورات التسامح، وربط تلك القيمة الأساسية في السياق الحضاري بالكبرياء الإنساني الذي يصبح التسامح دونه مجردا من المعنى. - المساهمة المحمودة في إيجاد مزايا لأسئلة الوجود الكوني تساهم دون أن تقطع باليقينيات في إغناء الفكر والشعور. - الحفاوة الفائقة بالفرح والسلام الداخلي، وكافة أوجه التألق المغتبط الذي يُعلي من شأن الكرامة الإنسانية ومنجزات المعرفة." والطيب صالح مؤهل تماماً لأن يفوز "بجائزة محمد زفزاف للرواية العربية" وغيرها من جوائز النفاق السياسي والدجل الثقافي العربي، ولكن ليس استناداً على مثل هذه الحيثيات التي تنطبق على كل كاتب، ولا تنطبق على أي كاتب في ذات الوقت. وإذا قارنا هذه الحيثيات، وهي أهمها فقط، كما ورد في صحيفة "الشرق الأوسط" بتاريخ 8/8/2002، بحيثيات منح جائزة نوبل للآداب لبعض مستحقيها للمسنا الفارق بين ما يستطيعه الغربيون وما لا نستطيع. فالغربيون يستطيعون ليس لأنهم جوهرياً أكثر صدقاً وأشد حرصاً، ونحن لا نستطيع ليس لأننا أصلاً أقل صدقاً وأضعف حرصاً، وإنما لاختلاف أساسي بيننا في أساليب البحث والرصد والتحليل واستخلاص النتائج والتقييم والمتابعة. فبينما يؤسس الغربيون معارفهم وأحكامهم على معطيات التراكم والتعددية، نؤسس نحن معارفنا ونبني أحكامنا على قواعد التكرار والتبعية، ونعول كثيراً على العنعنة التي هي عندنا ليست فقط دليل إثبات، ونما أيضاً أسلوب حياة، ومقتضى نهج، وفرض لمنهجية نعيش عليها ونموت بها..

وعودة إلى حيثيات نوبل للآداب نجد أنها تقول في حال غابرييل غارسيا ماركيز "لرواياته وقصصه القصيرة التي يجتمع فيها الخيال ي والواقعي في عالم ثري من مكونات الخيال لينعكس في حياة قارة بأكملها." وفي حال ديريك والكوت "لإنتاج شعري عظيم الجلاء نجح في تكريس رؤية تاريخية ناتجة عن الإلتزام بالتعدد الثقافي." وفي حال نجيب محفوظ "لأنه استطاع من خلال أعمال عامرة بالتميز، تبدو واضحة في واقعيتها حينا ومستثيرة في غموضها حينا آخر، صياغة سرد عربي في متناول جميع البشر." ثم أنه لو أعدنا قراءة حيثيات جائزة محمد زفزاف مقارنة بحيثيات جائزة نوبل للآداب لأدركنا مدى هلامية وترهل وتهاون النقد العربي الأدبي وتجاوزات دهاقنته، والتي هي مسئولة بشكل كبير عن توليد ورعاية أجواء الوثنية الثقافية التي تصنع أصنام عجوة يسجد لها صانعوها، ويسبحوا بحمدها عند الإمتلاء والبشم، ويقتاتون بها عند المسغبة.

إن الذي تتضمنه الحيثيات المشار إليها من عبارات عبثية مثل "ربط تلك القيمة الأساسية في السياق الحضاري بالكبرياء الإنساني الذي يصبح التسامح دونه مجرداً من المعنى"، وبهلوانيات لفظية على غرار "لقد كان شرق الطيب صالح وغربه وشماله وجنوبه هو الإنسان"، وأوهام رغبوية مثل "وهذا يعطي لأعماله الروائية كعرس الزين، وموسم الهجرة إلى الشمال، وبندر شاه نكهة عالمية ساعدت على ترجمتها -الروايات- لكل اللغات"، قد يوفر مادة طيبة للحديث بين الأصدقاء في المقاهي والصالونات الأدبية، ولكن لا يصمد أمام الفحص النقدي الصارم. إن "عرس الزين" ليست رواية. بل أن "موسم الهجرة إلى الشمال"، وفقا للقياسات السردية، ليست رواية novel وإنما هي novella. و"النوفيلا" شكل سردي له وجود في الأدب العربي ولكن ليس له مسمى. ومن نماذج هذا الجنس الأدبي "قلب الظلام" لجوزيف كونراد، "العجوز والبحر" لإرنست هيمنغوي، و"المسخ" لفرانز كافكا، و"موت في البندقية" لتوماس مان، و"رجال وفئران" لجون شتاينبيك، و"الغريب" لالبير كامو ، وجميعها أعمال أدبية متميزة ولكنها ليست روايات وفقاً للتصنيف الأدبي الذي يؤسس وصفياً، وليس معيارياً، مستندا على الطول الذي يتراوح عادة بين 30 و50 ألف كلمة. وتتبع "موسم الهجرة إلى الشمال" في هذا التصنيف "ضو البيت" و"مريود". ولهذا إذا أراد المرء أن يعلق على "عبقرية" النقد الأدبي العربي، فيمكنه أن يقول جاداً وساخراً في ذات الوقت إن "عبقري الرواية العربية" لم يكتب رواية واحدة.

وإذا كان غياب المصطلح العربي novella يفسر الخلط غير الدقيق بين الأجناس الأدبية في النقد العربي، فإنه ليس هناك ما يبرر الإدعاءات المضللة مثل "ساعدت على ترجمتها – الروايات – لكل اللغات." وقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى أن رواية باولو كويلو "الخيميائي" تعتبر أكثر الروايات المعاصرة ترجمة حيث أنها ترجمت إلى بضع وسبعين لغة حتى الآن. ولكن إذا وضعنا في الاعتبار أن لغات العالم المكتوبة تقارب 4000 لغة فإن أكثر المتحمسين لباولو كويلو لن يحلم بأن رواياته ستترجم لكل اللغات.

وبعيداً عن فلتات وانفلاتات النقد العربي، الذي أعيد دمغه بأنه يُعاني من متلازمات الوهن وخداع الذات والإنكار والخبل، نجد أن دروب الطيب صالح وسوينكا ظلت تتقاطع لتظهر تبايناً بيناً بين تجليات التفاعل واختلافات المواقف عندهما، وفي جميع الحالات يحدث ذلك وفقاً للتفاعل مع جدلية التاريخ وتنويعات السرد واختيارات الوعي السياسي. وموقف الطيب صالح من سوينكا يقدم نموذجاً آخر على عدم قدرته استيعاب الدلالات التاريخية للأحداث حتى عندما تدور في فلك اهتماماته. فعندما منحت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم ولي سوينكا جائزة نوبل للآداب في 1986 لم يستطع الطيب صالح أن يحتفي بفوز أول إفريقي بالجائزة، بل أنه لم يستطع أن يخفي امتعاضه لذلك، وراح يحط من قدر سوينكا من خلال مقارنته بمن يرى أنهم أفضل منه على الساحة الإفريقية. وبعد إشارات مبهمة إلى أشيبي ونقوقي مضى ليؤكد في عنصرية لا تكاد تستر سوأتها أن "ذلك النيجيري" لا يستحق الفوز بالجائزة. ومن المدهش حقاً أن الطيب صالح رأى أن غراهام غرين، رجل المخابرات البريطانية، أجدر من سوينكا بذلك التكريم. وفي سرد لاحق له عن جائزة نوبل يقول: "الأستاذ نجيب محفوظ كان يستحق الجائزة، وأعماله الروائية خير دليل على ذلك، أما الجائزة نفسها فقد نشأت في الغرب، وموجهة في الأساس إلى الإبداعات الغربية، وعندما توجه إلى الإبداعات العربية أو الإفريقية فهذا يكون شيئاً عارضاً.. وهي تخفي دائماً وراءها أبعاداً سياسية."

ومع يقين الطيب صالح بوجود أبعاد سياسية متخفية للجائزة فإنه لم يتفضل بتوضيح "الأبعاد السياسية التي تختبئ" وراء فوز محفوظ وقورديمار وكوتزيه ووالكوت وماركيز بالجائزة. ومع ذلك فإن ما قاله أعطى ببغاوات النقد العربي - الذي يعاني من متلازمات الوهن وخداع الذات والإنكار والخبل - الجرأة على أن يخوضوا فيما لا يعرفون. ومن أولئك جاسم المطيري الذي سارع بعد تقديم تهنئته للطيب صالح بجائزة "ملتقى القاهرة للإبداع الروائي" في 2005 إلى أن يلفت الانتباه إلى "دور بعض المؤسسات الصهيونية في بعض قرارات المحكمين، وحرمان الكاتب العبقري العالمي ليو تولستوي من جائزة نوبل هو خير مثال بسبب أفكاره الروائية والسياسية المناوئة للعنصرية الصهيونية." يقول المطيري هذا غافلا عن أن أفكار تولستوي السياسية تعتبر من روافد الفكر الصهيوني. ويمكن للباحث الجاد أن ينظر إلى ذلك في كتاب عموس أوز "قصة الحب والظلام" الذي يزاوج فيه بين أفكار تولستوي والصهيونية، أو إلى كتاب ولتر لاكوير عن تاريخ الصهيونية والذي تكفي قراءة عنوانه للتدليل على وجود تلك العلاقة: والعنوان هو "تطور العمل الصهيوني: من تأثير تولستوي إلى الكيبوتز الإسرائيلي."

وعلى صعيدٍ آخر يمكن القول إن الفرق بين روايات الإمبراطورية التي ترُد على المركز، وتلك التي يستنطقها المركز، هو الفارق بين نهجين، أولهما يتعامل مع السرد كوسيط للوعي يضرب بجذوره عميقاً داخل معطيات التاريخ والأيدلوجيا، ويحاول جاهداً أن يمضي إلى ما هو أبعد من مجرد رصد الحقائق التاريخية المتناثرة والمواقف الأيدلوجية المبتسرة. وهذا لن يتأتى  إلا من خلال توفير مرجعية تحتوي على رؤية فنية تنجح في تطوير ديناميكية التداخل والانسجام والتنافر والتناقض بين التاريخ والسرد والوعي السياسي، وتحتويها في الوقت نفسه. أما النهج الثاني فيراود فيه السرد بلا انقطاع هواجس التأويل وتهويمات التخمين، وتراوده هي الأخرى عن نفسه حتى تقنعه بأن يضع مسئولية التفسير على ناصية الحدس.

لهذا ولغيره، وعلى الرغم من ما حققته "موسم الهجرة إلى الشمال" وما ستحققه، فإنها تظل في تقديري نسيجاً قشيباً مليئاً بالثقوب. فبالنسبة لرواية يحمل اسمها دلالات جغرافية، تترك الأخطاء المكانية شعوراً أقل ما يوصف به هو عدم الارتياح. فعندما يقول الراوي "كان المأمور يغط في نوم مريح حين مر القطار على خزان سنار الذي بناه الإنجليز عام 1925 متجهاً غربا إلى الأبيض." لا تدري أي خيار تختار: اتهام الراوي بالكذب أم رمي الروائي بالإهمال؟ ذلك أن القطار في رحلته من الخرطوم إلى الأبيض لا يمر على خزان سنار ولا يعبر النيل الأزرق.

إن استنباط آراء أو مواقف سياسية من بين طيات العمل الروائي مسألة يكتنفها بعض التعقيد بسبب تعدد الأصوات التي تخاطب القارئ: الشخوص والراوى والمولف. ولكن الحال يختلف في المقال الذي يفصح فيه الكاتب عن رأيه بشكل مباشر. وفي واحدة من حالات ما يُشبه عودة الوعي كتب الطيب صالح "من أين يأتي هؤلاء؟" التي يحتفي بها كثيراً مريدوه، والذين سيحتجون علي كثيراً إن قلت إن قولة "حرائر النساء من " سودري " و " حمرة الوز " و " حمرة الشيخ " ما زلن يتسولنّ في شوارع الخرطوم" تنضح بالعنصرية التي تلطخ الكثير من كتاباته. ولكني أظن أن احتجاجهم سيأخذ شكلاً آخر عندما نأتي إلى السؤال المركب الذي طرحه عن من هم هؤلاء الذين "يحلمون أن يُقيموا على جثّة السودان المسكين خلافة إسلامية سودانية يبايعها أهل مصر وبلاد الشام والمغرب واليمن والعراق وبلاد جزيرة العرب"، وعن من أين جاء هؤلاء الناس؟ بل - مَن هؤلاء الناس؟" لأنه لا بد لنا من أن نقول له: وهل هؤلاء أناس غير الإسلاميين السودانيين؟ لو كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فلا بُد من أن الطيب صالح يُدرك جيداً من أين أتوا. لقد أتوا من المكان الذي تركهم عنده، لأنهم ثمرة الغرس الذي غرسه كواحدٍ من مؤسسي الحركة الإسلامية بجامعة الخرطوم. وعلى الرغم من بعض العادات المكتسبة في موسم هجرته إلى الشمال، لقد ظلوا رهطه وعشيرته. قارقهم لبعض الوقت وعاد إليهم في نهاية المطاف.

قد لا يكون الوقت مناسباً هنا  لرصد وبحث ظاهرة الهجرة الموسمية وغير الموسمية للمفكرين السودانيين إلى اليمين، ولكنه قد يكون مناسباً، ومن قبيل الاعتذار لجوزيف كونراد - الكاتب البريطاني الجنسية والبولندي الأصل كما يحلو للنقاد العرب أن يستهلوا حديثهم عنه - والذي تعود المهتمون بالخطاب ما بعد الكولونيالي أن يُغلظوا عليه في القول، أن أسوق بعض ما قاله مع اختلافي معه: "على الذي يريد أن يقنع الآخرين أن يضع ثقته ليس في الحجج الصحيحة وإنما في الكلمات المناسبة، إذ أن صخب الأصوات يظل دائماً أعظم تأثيراً من قوة الحجج". لقد حاولت خلال هذه القراءة أن أضع ثقتي في الحجج وأن أكبح جماح صخب الأصوات، أو هكذا أظن. ثم إن لهذا المقال غايات أخرى أهمها التدليل على أن هنالك ضرورة لمحاولة تقديم قراءات سودانية فاحصة لرواية "موسم الهجرة إلى الشمال" تتجاوز قراءات النقاد العرب الذين يعرفون قليلاً عن الأدب، ولا يعرفون شيئاً عن تاريخ السودان أو جغرافيته أو إنسانه. ولكن حدوث ذلك رهين بأن تعمل القراءات السودانية على تجاوز عجزها المنوارث عن تهنئة الذات والذي تنامى وتضخم حتى جعل من إعادة التدوير منهجية نقدية مُعتبرة.

قد يعتقد البعض أن هذه القراءة مُتحاملة كثيراً على الطيب صالح، وهي ليست كذلك إلا في ما تفرضه الوقائع. والذين يعرفون مدى انشغالي بالطيب صالح عبر السنين يدركون أن هنالك العديد من النقاط التي قررت التغاضي عنها هنا. لقد بدأ انشغالي الأكاديمي الجاد بالطيب صالح بالبحث التكميلي لدرجة الماجستير في الأدب المقارن بجامعة إسكس Essex بعنوان "المعبد والآلهة المزيفة". والمعبد هنا السودان والآلهة المزيفة هم جميع الذين تولوا شأنه منذ الاستقلال. وقد أصدرت بحثي بقصيدة لانجستون هيوز "ماذا يحدث للحلم المؤجل؟" والذي، كما يقول هيوز، قد يجف كحبة العنب تحت الشمس، أو يتقيح كالجرح، أو يتقشر، أو يسيل، أو يتعفن، أو يترهل، أو ينفجر. وجميع هذه التجليات البشعة قد أدركتنا وأصابتنا نتيجة لتأجيل حلم بناء الأمة السودانية مُتخذة في التعبير عن نفسها أشكال عديدة من بينها انفصال الجنوب، واعتماد الاغتصاب سياسة في دارفو، وتقنين القتل منهجاً في كردفان، وشريعة في النيل الأزرق، وفرضه جوعاً وذلاً وسلاً في الشرق، والاضطهاد والتهجير والتشريد وقهر الحريات على طول البلاد وعرضها. وذلك جميعه وسط أشد الأشكال تردياً لاستبداد الاسلام السياسي، وسيادة دولة اللصوصية، وطغيان الأجهزة الأمنية، وأكذوبة الدولة المدنية، وانتهازية الشلل الليبرالية، وجهالات المنابر الدينية، ورياء رياض الأطفال القرانية، واستباحة العام للخاص، وتغول الخاص على العام، والفساد المطلق للنخب الحاكمة، وانتهاكات الزمر العسكرية التي توجت وحشيتها بمجزرة فض الاعتصام في قلب الخرطوم.

والآن مع بلوغ هذا السرد نهاياته لا بد لي من التنويه إلى أن التصدير الذي وضعته على رأس المقال مأخوذ من كتاب فردريك جيمسون "اللاوعي السياسي: السرد كفعل اجتماعي رمزي" The Political Unconscious: Narrative as a Socially Symbolic Act وقد فضلت اللاوعي على اللاواعي كترجمة لكلمة Unconscious لأنها تحمل الدلالات التي تنسجم مع ما تنشده حججي ونواياي.

أخيراً، وعَودٌ على بَدء، عند النظر إلى جدلية ثلاثية التاريخ والسرد واللاوعي السياسي عند الطيب صالح، يمكن القول إن الراوي في "موسم الهجرة إلى الشمال"، من دون قصد من المؤلف، غير موثوق به، والبطل لا يُعتد بمزاعمه التحريرية، واللاوعي السياسي عند المؤلف تتستر عليه غواية السرد، ويمزق السُتر عنه مِشرط التاريخ.

 

أحمد حسب الله الحاج

 أستاذ سابق للأدب الإفريقي بجامعة نوتينقهام ترنت بالمملكة المتحدة

 

فالح الحجيةان الدراسات التي تناولت الشعر العربي الحديث كثيرة اذ اهتم الادباء والنقاد والشعراء بدراسة الشعرالحديث والمجالات التوسعية التي صاحبته ونشوء قصيدة الشعرالحر وقصيدة النثر فيه الى جانب القصيدة العربرية الاصيلة واقصد بها قصيدة العمود الشعري التي انطلقت منذ عصرالجاهلية الاولى ولا تزال قائمة بل وحاضرة تمثل نفسية الشاعرالعربي والمتلقي العربي الذي يطمح ان يقرأها لتهز مشاعره ووجدانه وخاصة في لغة المخاطبة .

فالشعرالعربي الحديث او المعاصر ترفده ثلاثة روافد شعرية تكونت بمرور الزمن تبعا لحاجة المجتمع والتزاوج الثقافي العربي والاجنبي وخاصة الاوربي فهناك كما اسلفت القصيدة العمودية ذات الطابع القديم والتي تتميز في حفاظها من حيث الشكل بالوزن والقافية والبيت الشعري فيها مكون من شطر ينتهي بتفعيلة العروض التي تمثل الوتد الاصلي في بنية القصيدة ومن عجز وهوالجزء الثاني من البيت الشعري وينتهي بالروي او بالقافية و مهما تكون القصيدة العمودية فان تفاعيل الشطر فيها تساوي تفاعيل العجز بل هي ذاتها لاتنقص ولا تزيد مهما طالت القصيدة او قصرت وتقاس اهمية القصيدة وحسنها وجماليتها بهذا الترتيب في الاغلب اضافة لبواعث اخرى سناتي عليها لاحقا وقد تهيأت الاجواء للعلامة الفراهيدي البصري المتوفي سنة \ 170 هجرية من البحث في اوزان وقوافي هذه القصيدة فاستخرج انها لا تعدو عن خمسة عشر وزنا اسماها بحور الشعر او هي الحان الشعر العربي وقد جاء من بعده تلميذه الاخفش ليضيف بحرا اخر الى ابحر القصيدة العربية فكانت البحورالعربية ولا زالت ستة عشر بحرا لكل واحد منهم وزنه وموسيقاه ودائرته التي يخرج منها راجع مقالتي (النغم والايقاع) المنشورة في كتابي (في الادب والفن) وفي موقعي (اسلام سيفلايزيشن\ الحضارة الاسلامية)

اما النوع الاخر من القصيدة العربية فقد تمثلت بقصيدة الشعر الحر وفيها تحررالشاعر الحديث من اعباء القافية الشعرية –كما يقول شعرا ء الشعرالحر- الا ان الشاعر نظم قصائده في بحور الشعرالعربي التقليدية فاختار ستة بحور شعرية ليكتب قصيدته الحرة في واحد منها وهي البحور الصافية أي التي لا تدخلها تفعيلتان بل متكونة من تفعيلة واحدة اصلية مثل الرمل (فاعلاتن – فاعلاتن - فاعلاتن)او الهزج(مفاعيل – مفاعيل – مفاعيل)اوالرجز(مستفعلن- مستفعلن – مستفعلن) اوالكامل(متفاعلن- متفاعلن- متفاعلن) او المتقارب (فعولن - فعولن – فعولن) او المتدارك (فاعلن – فاعلن – فاعلن) فقد قيد الشاعر شاعريته بالكتابة في احدها بينما كان شاعرالقصيدة العمودية يكتب في ستة عشر بحرا نرى شاعر القصيدة الحرة يكتب في ستة بحور .

اما النوع الثالث من قصيدة الشعرالحديث فهو ما يسمى بقصيدة النثر وفيها اعلن الشاعر ثورته على كل القيود الشعرية بما فيها الوزن والقافية او البحورالشعرية وموسيقاها فهو يمثل انعطافة شعرية لم يعرف الشعر العربي مثيلاً لها في مسيرته من قبل. حيث مثل هذا التغيير في شكل ومضمون القصيدة العربية ذلك أنه لم يتغير على مستوى المضمون فقط، بل على مستوى الشكل والمضمون . وهذا ما لم يستطع الشعر العربي العمودي والذي تمثل في اغلبه في هذا العصر برومانسية لتحقيقه وهذه اشبه بالثورة الشاملة في الشكل والمضمون فهؤلاء الشعراء الشباب قاموا بهذا الانقلاب الشعري الجديد.

فالشعر المعاصر تلحظ فيه ثلاث قصائد تختلف كل منها عن الاخرى الا انها تتعايش مع الاخريتان في تمثيل العصر والنزعات النفسية والعواطف الانسانية تجاه الوطن او الامة وتمثل ما يعتمل في خلجات نفسية شاعرها الذي راح يحيط امته وما يكترثها او يكتنفها من احوال في قصائده .

لقد أصبح الشعر عالماً جديداً قد يصور خارجاً وقد يعكس داخلاً اي إنه رؤيا جديدة تمثل وعي الشاعر وفهمه لقضايا الحياة ومتطلباتها والفن واساليبه ومفاهيمه الحديثة او المعاصرة . وقد تكون كتابة الشاعر لقصيدة ما تكشف عن فهمه للشعر ماهيته ووظيفيته وأداء الشاعر لهذه القصيدة اوتلك .

لاشك ان لرواد الشعر العربي مفهوم للشعر خاص بكل منهم وقد يختلف عن غيره ممن سبقه أو جاء بعده كما يختلفون عن غيرهم من شعراء الشرق او الغرب بل لكل موطن شعراؤه ولكل قطر اوبلد . بل قد يختلفون فيما بينهم بسبب اختلاف نوازع منطلقاتهم ومفاهيمهم واحوالهم و مواقعهم وارائهم وإن جمعتهم الظروف المشتركة التي تمر بالوطن العربي ككل فقد تكون امالهم ومواقفهم واشكالياتهم واحدة وقد تختلف منطلقات الشاعر الواحد نفسيا نتيجة التزامه بما يحيط به مثل الاحزاب او المذاهب ادينية او الادبية وقد يتأثر هذا الشاعر او ذاك بمذاهب مختلفة او مراجع دراسية او تطويرية مع تطور تجربته الشعرية وربما يقع في تناقضات عدة بسبب عدم دقته في استعمال المصطلح ًوبسبب تبدل مواقفه الذاتية او النفسية‏ .

لاشك أن هذا الكم الهائل من الشعراء من مختلف الأجيال وعلى مر العصور يبين أن لكل جيل مفهوماً محدداً للشعر، بل إن لكل شاعر مفهوماً يختلف عماً عند غيره من الشعراء.. ولا سيما البنية الجمالية سواء في الرؤيا المتمثلة في موضوعات القصيدة او زمنها او تاريخ كتابتها كالحداثة الشعرية والأصالة اوكالمعاصرة اوفي التعبير المتمثلً في اللغة والموسيقى والتصويرالفني للقصيدة او بكل ما تمثله القصيدة من ابداع وفنية وجمالية . وقد تكمن خصائص هذه القصيدة اوتلك في التفاعل مع التراث او النظر فيه واليه باعتباره رمز ا من رموز القيم الانسانية وربما كانت هذة الرمزية مفرطة عند بعض شعراء المعاصرة او في قصيدة النثر اكثر من غيرها والذي يعد نوع من التحرر في ثقافة القصيدة الحرة او قصيدة النثر اكثر منها في القصيدة العمودية مع ضرورة تكثيف الصورالشعرية وربما وجود هذا الغموض عند البعض اتخذه لازما حيث اعتبره من مميزات قصيدة النثر وهذا لا اقره فالوضوحية هي النور الذي يكتنف القصيدة ويبين مسالكها وما ترنوا اليه وليس هذا معناه الخروج على الرمز بل ما اعنيه هو الغموض المفرط الذي اعتبره بعضهم (صفة لازمة لكل شعر جيد طالب للجدة والحداثةاو المعاصرة)

واخيرا اني ارى أن الشعر أهم أركان الفنون التي ابتدعتها البشـرية واستكشاف حالها ومراجعها وانطلاقها إلى مواقع جديدة خارج آلامها بما يمتلكه هذا الفن العظيم من رؤية ورؤيا وقدرة حدسية حالمة نتيجة المعاناة التي تبعث فيه القوة من داخل المعاناة النفسي.

 

اميرالبيـــــان العربي

د. فالح نصيف الحجية الكيلاني

العراق- ديالى - بلـــــــد روز

 

 

محمد يونس محمدروح ترسيم الصورة

الشعر يسعى وظيفيا الى تمثيل مشاعر واحاسيس او ايحاء عن الواقع، لكن روح الشاعر في الوعي تكون أشبه بفارس همام في المفردات الشعرية، ويسعى في الصورة الشعرية أن ينتصر للمعنى الحبيس يحرره ليجعله يكون علامة الحرية، والشاعر دائما يبحث عن واقع مختلف غير مستهلك، ويهدف الشاعر الى اعادة تفسير الوجود هنا عبر احساسه الشعري، وفي توصيف يعتبر روح ترسيم الصورة، وهذا يعني أن الشعر عالم مختلف، وفي تفسيره يكون الا ذاتاً شعرية مغامرة في اللغة برشاقة وبإيحاء يهتم بالمعاني المختلفة، او بالتي من التعبيرات تحرك المشاعر تجاه معنى مكتسب من فكرة جدلية، وفي نصوص ملحمة التكتك ليحيى السماوي هناك عدة جمل شعرية تؤكد المقصد، حيث لن تجد قصيدة بلا ذلك القصد، وقد تمكن الشاعر من تقطيع مفردات ويعيد بناء المفردات، وليس ذلك من اجل ايدلوجيا خاصة او عامة، بل من اجل المعنى الحياتي الذي ذبل، وفي قصيدة – صهوة – يهتم الشاعر بكسر سياق اللغة التاريخية، وفنيا يعيد بناء صورة تاريخية بعد رسمها من جديد كي توافق حقيقة معنوية:

اياك أن تركب يوما

فرس الحجاجْ

..

إن كان لابد من الركوبِ

فاركبْ

صهوة الحلاجْ

إن تلك الروح سعت الى اعادة انتاج التاريخ شعريا، وتلك الجمل الشعرية دل لنا أن ترسيم الصورة في القصائد قد تقلب من اجل معنى مهم، وهذا المقطع الشعري دل لنا على هدف الروح الشعرية الذي لا يرفع لافتة الاحتجاج، بل جعلها في الجمل الشعرية يبدو مقصدها، وخصوصا في قلب المعنى الشعري، وفي قصيدة – انتخاب – قدر الشاعر تفسير الشعر أن يكون بضمير حر، وشعور انساني اعمق مما تشعر به الذات، حيث هنا يصل الشاعر أن يكون معادلا لنصه الشعري، وتكون الروح بترسيم حر لا يحدده الا القيمة الجمالية  :

نحن

لسنا سقراط

فلماذا شربنا

سم الحبر البنفسجي

من تلقاء

اصابعنا

تلك القصيدة التي اختصرت نفسها من اجل أن يبقى المعنى الشعري كما سعى اليه الشاعر، واختصار كيان القصيدة زاد من قيمة المعنى، وكما أن موسيقى القهر الشعرية رغم ألم ايقاعها انت بادية بوضوح، وهي تعادل معنويا لافتة الاحتجاج، كما نقر هنا رغم الألم كانت مشاعر كيان القصيدة تسعى الى عدم الانتحار النفسي الذي عاشه سقراط بشجاعة، بل الى التضحية والشهادة لدخول مدار الحرية التامة الذي اختطه الحسين في كربلاء، وفي قصيدة – ماقاله النهر والقوس – والتي من اشهارية العنونة تشير لنا على وجود تلفظ قولي، اي هناك وحدة صوتية، لكن تلك الوحدة الصوتية في الشعر تجاوزت تحديد لفظ الصوت بشريا، ففي الشعر النهر والقوس ايضا يمتلكان طاقة صوتية:

قال لي النهر

كن مثلي

فأنا حين اسير

لا ألتفت الى الوراء

قال القوس

كن مثل سهمي

لا ينطلق

الا الى الامام

شكلت الصوتية الشعرية انفراج المعنى عن السياقية، وقد جعله البناء الشعري يكتسب من فلسفة النهر والقوس أفكاراً مهمة، خصوصا في المواقف وتأكيد وجود لافتة الاحتجاج خصوصا في ترسيم المعنى المختلف .

مبادرة البلاغة –

شكل محور قصائد – ملحمة التكتك – مبادرات في الكتابة الشعرية الى تفسير معنى مهم ليس شخصيا او ذاتيا، بل معنى يجتمع به كل الذي يسعى يبني الحياة، وتلك المبادرات الشعرية قدمت امثلتها في القصائد دون تزويق، بل اعتمدت على الحس الشعري القريب جدا من المعنى الحياتي، واستفادت المبادرات من اللغة الشعرية كثيرا كي ترسم صوراً تعتمد  على البلاغة الشعرية من جهة، ومن جهة اخرى على التناص الشعري، فنجد نفس البلاغة واضحا في اولى القصائد، فقصيدة – جلالة الخليفة – اعتمدت على الوعي الشعري في رسم صور جديرة قيميا  :

ما الفائدة من رسمك للرعية

قوس قزح

اذا كنت ستطفىء خضرة الحقول

وصفرة السنابل

وزرقة لسماء

وحمرة الشفق

وبياض الصباح؟

تميز هذا المقطع الشعري بكثافة لونية زادت من قيمة الجمل الشعرية، وبدت القصيدة كما لوحة من جهة هناك بعد للكفاح في الحياة، وهناك بعد اخر معتم ويجعل المستوى البصري لا ينجذب اليه، بل على العكس، وفي المقطع رغم الشعور القهري لكن هناك احساس بوحدة الجمال التي تعكسها الالوان، وفي قصيدة بلاغة شعرية اخرى نجد أن قصيدة – تماثل – قد اعتمدت على وحدة عضوية لكن مهدت لها أن تكون تناصية في الجمل الشعرية، حيث كان الخشب وحدة تناص قد بدت في الجمل الشعرية بامتياز يعكس بلاغة مبادرة :

قبقاب الحمام وكرسي الخليفة

خشبهما من شجرة واحدة

كذلك سرير الامبراطور

وتابوت الشحاذ

بدت الجمل الشعرية جميعا تشترك تناصيا في مفردة – الخشب – حيث أن القبقاب والكرسي والسرير والتابوت تلزمها الوحدة التناصية في الاتفاق كأنها اجزاء خشب متعددة التوصيفات، وهنا توجد بلاغة في تأكيد الاشتراك الوظيفي، وفي قصيدة – ما قاله العصفور- هناك مبادرة الى البلاغة الموضوعية، والتي شعريا تبدو كما مذهب فلسفي مشوف الطلاسم  :

قال العصفور

أن يكون المرء سنبلة تنبت

في الارض

خير له من أن يكون

حقلا شاسعا

في صورة معلقة  على جدار

قدمت تجربة الشاعر يحيى السماوي في قصائد – ملحمة التكتك – خطابها الشعري المستحدث والمعاصر، والذي كان اشبه بلافتة احتجاج بليغة وبمشاعر سامية على الموقف الايدلوجي، وكما صاغ لنا جملا شعرية بليغة في البناء وانتاج المعنى الحر وليس الحبيس سياقيا، فكان المعنى يضج بالاختلاف والتجدد .

 

محمد يونس محمد

 

عبد الله الفيفيتستوقفنا في بقايا العَرَبيَّة المدوَّنة ظواهر تدلُّنا على أنَّ قواعد النُّحاة شيءٌ ولغة العَرَب قبل التقعيد شيءٌ آخَر قد يختلف.  ومن ميزات الشِّعر العَرَبي، بقانون عَروضه الصارم وقوافيه، أنْ حَفِظَ لنا شواهد على تلك الظواهر اللغويَّة، لا تقبل الشكَّ.  ففي العَروض، يدلُّ قول الشاعر، على سبيل المثال:

أَرِقـتُ لِــبَـرقٍ دُونَــهُ شَــدَوانِ ... يَمـانٍ وأَهـوَى الـبَرقَ كُـلَّ يَمـانِ

فظَلْتُ، لدَى البَيتِ العَتيقِ، أَخِيْلُـهُ ... ومِطْـوايَ مُـشـتـاقـانِ لَـهْ أَرِقــانِ

على لهجةٍ عربيَّة، ما زالت مسموعةً إلى اليوم، تُسكِّن الضمير في "لَهُ". ولولا الوزن لما بقي لنا هذا السِّجِلُّ عن بعض لغة العَرَب المنطوقة قديمًا.  وتلك اللهجة هي (لهجة سَراة الأزد). والبيت من قصيدةٍ منسوبةٍ للشاعر الأُموي (يَعلَى الأَحول الأَزدي، -90 هـ= 710م).  فلقد نَصَّ (الأخفش الأوسط)(1) على أنَّ تلك لهجة (سَراة الأزد)، واستشهد بالبيت.  على حين بَرِمَ بعض النُّحاة بالبيت؛ فعَزَوا ما وردَ فيه إلى الضرورة الشِّعريَّة، من حيث أُقفِلت عقولهم على عَرَبيَّةٍ لا تختلف في شيءٍ عن قواعدهم.  فيما حوَّر آخَرون البيت ليستقيم وتلك القواعد، فجعلوه: "ومِطْوايَ مِنْ شَوْقٍ لَهُ أرِقانِ"، وليذهب الشاعر، ولهجته، وأمانة الرواية، إلى الجحيم! (2)

وكذا نقف في القوافي على ما سمَّاه العَروضيُّون (الإقواء)، وهو اختلاف حرف الرويِّ في الحركة.  وتلك ظاهرةٌ غير محدودةٍ في الشِّعر العَرَبيِّ القديم، جاهليِّه وإسلاميِّه، لم تختفِ إلَّا منذ العصر العبَّاسي تقريبًا.  ويكفي المرءَ أن يستقرئ كتاب "الأغاني"، لـ(أبي الفرج الأصفهاني)، وهو كتابٌ في الشِّعر المُغنَّى أصلًا، ليعرف مقدار تفشِّي الإقواء في الشِّعر العَرَبي. وما هو بإقواء، إلَّا بعد أن حُكِّمت فيه قواعد النحويِّين؛ فصار الرويُّ يُرفَع ويُنصَب ويُـجَـرُّ، حسب القواعد المفروضة. 

ولو طُرِح السؤال هنا: أ كان الشاعر يُخطِئ في النغَم، أم في النحو؟ 

لبدت الإجابةُ: إنَّ الخطأ في النغَم صعب التصوُّر؛ لأنَّه شأنٌ صوتيٌّ موسيقيٌّ، يُدرِكه الشاعر بالفِطرة، وبأيِّ لغةٍ صاغ شِعره.  على الرغم من بعض الحكايات التفسيريَّة لما يُسمَّى (الإقواء)، التي تبدو مصنوعة؛ لتنسبه إلى الخطأ في التقفية، لا إلى بناءٍ نحويٍّ كان مستساغًا.  من مثل قِصَّة الإقواء في شِعر (النابغة الذبياني)، ووفوده إلى (يثرب)، ومن ثَمَّ إدراكه العيبَ في شِعره لمـَّا أسمعوه إيَّاه مغنًّى.(3)  وهذا مستبعَدٌ جدًّا؛ لأنَّ حاسَّة الشاعر الموسيقيَّة أدقُّ من حاسَّة المغنِّين والموسيقيِّين.

ولقد كانت الظاهرة ملحوظةً لدَى الشعراء، بدءًا من (امرئ القيس) في معلَّقته، ذات الرويِّ المكسور.  التي جاء فيها بيته، الذي حار في إعرابه الرواة:

كَأَنَّ أَبانًا في أَفانينِ وَدْقِهِ ... كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ (مُزَمَّلُ)

وصولًا إلى الشعراء الأُمويِّين، (كجميل بُثينة، -82هـ) (4)، القائل:

عَلى ظَهْـرِ مَرهُـوبٍ كَـأَنَّ نُشُــوْزَهُ ... إِذا جــارَ هُـلَّاكُ الطَّـريقِ وُفُـــــوْدُ

سَبَتْني بِعَينَي جُؤْذَرٍ وَسْطَ رَبْـرَبٍ ... وصَـدْرٍ كَفاثُـورِ اللُّجَـيْنِ وجِـــــــيْـدِ

وكـ(ابن الدُّمَينة، -130هـ) (5)، وهو شاعرٌ بدويٌّ فصيحٌ، حيث يقول:

بأَهْـلي ومـالـي مَن بُـلِـيتُ بِحُـبِّـهِ ... ومَن حَـلَّ في الأَحـشَاءِ دَارَ مُقَـامِ

...

وإِنِّـي لَـيَـثْـنِـيني وما بِـي جَلادَةٌ ... عَنَ اْتِـيْـكِ أَقـوَامٌ  عَلَـيَّ (كِـرامُ)

مَخافَةَ أَنْ تَلْقَـي أَذًى أو يُـفِـيدَنِـي ... هَـوَاكِ مَـقـامًا لَيسَ لِـي بِـمَـقَـامِ

...

عَلِمْتِ الَّذِي يُرضِي العِدَى فَأَتَيتِهِ ... كـأنْ لَـم يَـكُـنْ مِــنَّـا عَليكِ (ذِمــامُ)

فإِنْ كُـنتِ تَجـزِينَ الـمُحِبَّ بِحُبِّهِ ... أُمَـيمَ، فَقَـد، واللهِ، طالَ هُـيامِـي

...

وِصالُ الغَوَانِي، بَعْدَ ما قَد اذَقْتِني ... عَـلَـيَّ إِذا أَبـْلَلْتُ مِـنكِ (حَـرَامُ)

فالراجح أنَّ الشاعر لم يكن يُقْوِي، بل يقول: "كِرامِ، ذِمامِ، حَرامِ"، برغم القواعد (السِّيبويهيَّة)!

والشاهد أنَّ العَرَبيَّة، بعد التقعيد، قد أُلزِمتْ بما كان العَرَب لا يلتزمون به قبل التقعيد دائمًا، بل كانت لهم فيه سَعة.  وما بُني من قواعد العَرَبيَّة إلَّا على الغالب من كلام العَرَب، غير المطَّرد بإطلاق.  ولا يَحتجُّ بقواعد النحويِّين عالِـمٌ على مَن سبقهم إلَّا على سبيل الرُّجحان من استعمال العَرَب، وحسب الاستقراء المتاح إبَّان تدوين العَرَبيَّة.  ومَن فعلَ ذلك، فقد تنطَّعَ، جاهلًا أو متجاهلًا حكاية نشأة النحو، وليدًا، فشيخًا، فمعلِّم صِبْيَة، يضرب بعصاه بَحْرَ العربيَّة، وإنْ إلى (سَيناء) التِّيْه!

 

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيـْفي

...........................

(1)  انظر: (يناير/ فبراير/ مارس 1986)، "كتاب العَروض للأخفش"، تحقيق ودراسة: سيِّد البحراوي، مراجعة: محمود مكي، (مجلَّة "فصول"، (القاهرة)، المجلد 6، العدد 2: ص ص125-161)، 148.  

(2)  انظر: (1979)، خزانة الأدب ولُبُّ لُباب لسان العَرَب، تحقيق: عبد السلام محمَّد هارون، (القاهرة: الهيئة المِصْريَّة العامَّة للكتاب)، 5: 269- 000.  وينقل إلينا (البغدادي) أنَّ تلك اللهجة كانت في (بني عقيل)، و(بني كلاب)، أيضًا.  

(3)  انظر: الأصفهاني، (2008)، الأغاني، تحقيق: إحسان عبَّاس وإبراهيم السعافين وبكر عبَّاس، (بيروت: دار صادر)، 11: 9.  ونزعم أنَّ سببًا قَبَليًّا أيضًا كان وراء حكاية (النابغة) تلك، وتعلُّمه تلافي عاهة (الإقواء) في (يثرب)، موطن (حسَّان بن ثابت). (انظر: الفَيْفي، عبدالله بن أحمد، (2009)، ألقاب الشُّعراء: بحثٌ في الجذور النظريَّة لشِعر العَرَب ونقدهم، (إربد- الأردن: عالم الكتب الحديث)، 76).  

(4)  (1979)، ديوان جميل، جمع وتحقيق وشرح: حسين نصَّار، (القاهرة: دار مِصْر للطباعة)، 66.  وفي كلمات الشطر الثاني من البيت الأوَّل اختلافٌ بين الرُّواة. على أن (الإيطاء) في قصيدة (جميل) هذه أمرٌ آخر، عجيبٌ.  والإيطاء: تكرار كلمات القوافي. 

(5)  (1959)، ديوان ابن الدُّمَينة، صنعة: أبي العبَّاس ثعلب ومحمَّد بن حبيب، تحقيق: أحمد راتب النفَّاخ، (القاهرة: مكتبة دار العروبة)، 43- 44. 

 

 

حيدر عبدالرضامؤشرات الرؤية الزمنية وتماثيل التشكيل في فواصل المحاور الزمنية

توطئة:

لا يكف المستوى الوصفي في مؤشرات المحدد الزمني، إلا أن يكون تلك الضرورة للصيرورة المحورية في المشهد القصصي العام والخاص، وذلك الباعث الأيقوني الذي من خلال علاماته تتسع وتدرج اتصالات الفاعل الذاتي في وظيفة البناء الفواصلي الناجم من تمظهرات أحوال علاقة الأمكنة إزاء نوعية ذلك الزمن أو الأزمنة المحاكاتية في موجهات عتبة النص الأولى .من هنا يمكننا التعامل مع مستهل العتبة الأولية من قصة (ساعات كالخيول)، على أنها جاءتنا بطريقة (فواصل المحاور) المتصلة في ممكنات الفعل السردي وعلاقاته، وبهذا فأن هذه الفواصل في المحاور أخذت تعرض بدورها جملة من تنقلات الشخصية المحور، في طبيعة صيغة حاضرية من الفاعل الذاتي وأفعاله إزاء عوالم حكاية ذلك البحار الساعاتي القاطن في أقصى مدينة الجنوب، وتعد مراجعات وأحداث الشخصية مع موجودات كينونة الفعل الزمني (الساعات القديمة) هي بمثابة المنظومة الاستدعائية والاسترجاعية لحكايات علاقة الزمن بالمكان ومحاور الصورة الشخوصية العائمة في قاع من الزمن وأعماق خصوصية البحر . ولعل من أهم ما جاءت به قصة الكاتب محمد خضير، ذلك الاستخدام الوصفي الخارق في رؤية مستوى وظيفة المشاهد في النص، وربطها ضمن خصيصة خاصة من تفاعلات الذات الشخوصية واهتماماتها في سياق مسرودات النص . 

ـ مكانية الفاعل السردي وتراتيب العلاقة الزمنية .

ثمة تقاطعية مشهدية خاصة، تتركز في علاقة العتبة الأولى من النص إزاء محمولات من المحاور الفاصلة في البعد الزمني والمشهدي: (قد يحدث هذا اللقاء / أصلح ساعتي / وأخرج إلى أرصفة الميناء / ثم أعود آخر الليل إلى الفندق / فأجده نائما في فراشي / يدير وجهه للحائط / ويعلق عمامته الحمراء على المشجب . / ص55) تستوقفنا هذه الأفعال التوزيعية القادمة من على لسان السارد العليم أو الشخصية المشاركة من جهة ما، حتى آخر مقاطع الختامية من القصة ذاتها، فيما تبدأ الحكاية بوقائع من الوظيفة التراتيبية بواسطة الفاعل الذاتي، ليخبرنا: (ما زلت أملك حتى اليوم مجموعة من الساعات القديمة، تلقيتها من عم لي كان بحارا . / ص55) وتعزيزا للمسافة في لغة الحكي، نعاين جملة من الأحداث الخاصة والمتحصلة عبر كيفية تقادم الفعل السردي نحو مسار من الكشف: (ساعات جيب قديمة ذات سلاسل وأغطية مطلية بالفضة، يحتويها صندوق خشبي صغير في جيوب من القماش الأزرق اللامع / كنت أخرجها من جيوبها الزرقاء وأتفحص صناعتها محاولا أن أكشف شيئا فيها يتعدى ـ الزمن المحشو كقطن قديم في حشية صغيرة ـ كما دونت في دفتر مذكراتي يوما . / ص55) وباستقرائنا لهذه الوحدات السردية، التي تهيمن عليها تفاصيل الوظيفة التواصلية إلى جانب لغة القدم أو المذكرات أو الصندوق الخشبي أو سلاسل وأغطية، وهذه المحاور المشكلة بدورها للأداة (الذات الداخلية) أو أنها الذات الباحثة في انشطارها الزمني ما بين وعي الذاكرة ومضمر الذات الغائبة بذاتها الزمنية ومنذ سابقة العتبة الأولى (قد يحدث هذا اللقاء .. أصلح ساعتي .. أرصفة الميناء .. يدير وجهه للحائط .. عمامته الحمراء على المشجب) أي بمعنى ما أن الذات في محكي النص هي بمثابة فاعلية الخطاب الزمني، حيث أن علامة فعل ملفوظها داخل حالات النص، غدا يشكل بذاته ذلك التشخيص المضمر في حكاية البحر وقصص أولئك البحارة في كهوف قصورات مراكب الإبحار الخشبية الراحلة نحو جزر الخليج العربي والهندي . ونلاحظ موقع الشخصية في مكان ما داخل المقهى: (تسكعت طويلا في سوق الدجاج قبل أن أجلس في مقهى . أقبل القهوجي وسألني عن الوقت .. سحبت الساعة بهدوء من جيبها الأزرق . كانت ساعتي عاطلة عن حساب الوقت شأن ساعات الصندوق الأخرى . / ص55) أن السارد الشخصية في هذه الوحدات، قد يتبدى منفصلا عن صوت الزمن الحاضر من حساب الوقت، إذ إن ظهور توقف (ساعتي عاطلة) يشير إلى التمسك بواقع دلالات زمن (دفتر مذكراتي .. يوما .. الزمن المحشو .. كقطن قديم .. أعود آخر الليل .. يعلق عمامته على المشجب) فهذه التشكلات الزمنية هي اللحظات السكونية في وحدات النص التي تقودنا إلى انفصال المحاور الزمنية عن بعضها البعض، فيما تبقى فاعلية المكان الشخوصي، بمثابة العلامة الفاصلة بين الماقبل والمابعد الزمني، وحتى ذلك الحوار المتواصل بين القهوجي والشخصية، إذ بات يشكل دليلا على نمو وتعطيل مؤشرات الزمن المفصول عن عينات أفعال الزمن الحاضر تماما: (ـ هل كان قريبك بحارا ؟ ـ نعم،: لم يبق من مشاهير البحارة أحياء سوى ثلاثة أو أربعة: قريبي كان يدعى مغامس، ـ مغامس ؟ لا أعرفه / هكذا البحارة ! نسيت بحارا يدعى مرزوقا ؟ .. يسكن الفاو منذ أن وطأ اليابسة آخر مرة . فتح دكانا لتصليح الساعات هناك بعد أن تعلم الصنعة من البرتغاليين . أنه وحده يستطيع تصليح ساعات قديمة كساعتك . / ص56) .

ـ الساعاتي ورؤية الملحمة الزمنية . إن ماهية الترتيب الخطي في وظيفة مسار الأحداث، قد لا يعفها من تمويه بعض الأسرار اللازمنية داخل مستوى إشكالية زمن الشخصية (الساعاتي) إزاء منظور تفاوت وانفلات وخروج وتقاطع وفواصل الخيط الزمني الحقيق لديه افتراضا . إن فكرة التركيز على حاضر وصول الشخصية الساردة إلى مكان إقامة الرجل الساعاتي، ذلك الرجل العجوز الغاطس في موانيء طقطقات وتكتكات عقارب ساعاته، راح يشكل بذاته ذلك الظهور الممتد نحو عمق ماكنة الزمن الذاكراتي . وتتداخل زمانية تطبيقات أنظمة الساعات في استجلاء ذلك المكون الحكائي من وسط حضوراته المعلقة بمادة التذكر وتحقق شواهد الأعوام الخاطفة من سيرورة تقاويم عقارب ذاكرة الرجل العجوز الساعاتي: (قادني الصبي إلى الساعاتي ووضعني أمام بيته وانصرف . فجوة لبلاطة منزوعة من مكانها في إفريز الباب العلوي تجعل هذا المخل لا ينسى يوما ما من الأعوام الاستوائية، توقف قبلي بحار مزعزع بدوار البحر، أو جندي من السيخ تكبله الشهوات، ونظر إلى البلاطة التي حفر عليها تاريخ أو عبارة، قبل أن يواصل رحلته المجهولة . / ص58) القابلية الرمزية في لغة القص، تضعنا أمام خصيصة دلالية مصدرها تعاقب محاور الشخوص الزمنية في خطوات وتخطيات حدود العتبة التناظرية الواقعة ما بين صياغة الحكاية التي علقت على شاهدة عتبة منزل العجوز الساعاتي، وقد تكون هذه الأعوام الاستوائية بمثابة البوصلة البانورامية في شريط تعدد المراحل الزمنية والعقود التي سلخها هذا الساعاتي في تواريخ وتقاويم غابرة في ملحمة الساعات العمرية والحكائية على ظهر وداخل غرف سفن البحر . من هنا تقودنا البنية الحكائية إلى خطاطة دهليزية محفوفة بعشرات أمكنة الساعات القديمة وأجسادها الفضية المفتوحة نحو تقادم وانسلاخ الزمن، ومع دخول الشخصية الساردة إلى منزل ذلك الساعاتي الكهل، تصادفنا هذه الوحدات من السرد: (كانت الساعات جميعها تتشابه في حجمها وعتق خشب صناديقها، وفي شكل موانيها المستديرة وأرقامها اللاتينية وعقاربها الدقيقة السهمية، سوى أن هذه العقارب تشير إلى أوقات مختلفة . / ص59) .

1ـ اختلاف العلاقة الزمنية وانعكاس الاستبصار الذاكراتي:

ما الذي يعنيه محمد خضير من مؤشرات هذه الوحدات (كانت الساعات تتشابه في حجمها / وعتق خشب صناديقها / سوى أن العقارب تشير إلى أوقات مختلفة ؟) ما يعنى هنا افتراضا، بأن زمن مصدر الساعات عائدا إلى مرحلة واحدة أو أكثر من عدة رحلات، ما يجعلنا نخمن تواقيت أزمنة ساعات تلك الصناديق العتيقة، والتي تحمل حسابات ووجهات البلدان التي جلبت منها، فيما ظل الزمن الحاضر على تلك التكتكات والأصوات المتحركة منها بمثابة الزمن المجهول في فعله المضارع، كرحلات ذلك البحار المجهولة في النص: (كان لابد من أن أتبع استدارة الرواق الخفيفة لأفاجأ بآخر البحارة العظام في قبوه . / ص59) وفي سياق مؤشرات مكانية ال (استدارة الرواق) تكمن حقيقة حسابات الزمن النصي، فهذه الاستدارة هي مدار العلاقة الرابطة بين الزمنين (زمن الشخصية ـ اداة الحضور / زمن الساعاتي العجوز ـ فضاء الزمن المعطل في فعل الحاضر وقد نجد تقابلا ما بين زمانين وفضائين، بين ماضي الساعاتي العجوز وساعاته، وبين الشخصية الساردة وزمن ساعته المعطلة: (تعلو رأس ساعاتي، كانت على وجه الدقة ماكنة ضخمة دقائق مصنوعة من النحاس الأصفر رفع ميناؤها وجردت من صندوقها فتجلى الزمان فيها عاريا لامعا على تروسه المسننة بتسلل آلي منتظم، من لفك الزنبرك إلى البندول المتأرجح في ذبذبة متوافقة، ومنتهيا بزحزحة العقارب مسافة معينة من رحلة الزمن . / ص59 ص60) .

2ـ مساحة إبطاء لغة الزمن .. مساحة إبطاء زمن النص:

أكيد إن عملية تتابع عمل أحشاء ماكنة الساعة، تتطلب من الكاتب محمد خضير ذلك الإبطاء في محيط أشتغالية زمن العجوز الساعاتي، وذلك الزمن الذي يتطلبه شرح العجوز نفسه واستفسارات الشخصية المشارك في النص، كما وذلك النهج الآلي في محرك أحوال الساعة العارية، والتي يمكننا عدها بمثابة المعادل الموضوعي والنصي المقارب إلى شخصية العجوز الساعاتي عبر زمنه الأسطوري وإلى جانب تكتكات كائنات خيول الساعات وخيول البحر . غير إن الحساب الزمني في النظر إلى ربط علاقة محرك الساعات بزمن العجوز قد يتطلب من القاص نفسه مقاربة خاصة وركيزة مختبرية أكثر مساحة وأبلغ مما عليه طبيعة بناء موضوعة النص ودلالاته، قد نفترض من جهة ما، من أن المبدع الكبير محمد خضير أراد حالة ربطية أو معادلة ما من شأنها قياس عمل أحشاء ماكنة الساعة بمحتوى علامة الساعاتي نفسه؟ ولكنها تبدو لنا النتيجة وقوع الإشكالية المعادلة في الطرف الثالث وهو زمن الشخصية المشاركة التي تفترض لموسومية ساعتها الاشتغال في الزمن المضارع، وإذا اتفقنا من جهة أخرى بأن هذا الشأن من حصولية الطرف الثالث على سلامة مضارع أفعال زمن ساعته، فيمكننا القبول بإحتمال أن الساعاتي ما هو إلا اتصالا حاضرا في حساب الزمن الحاضر، وليس محض نغمة ذاكراتية تستهويها عقارب وتكتكات من الحساب الماضوي المتحجر في ميناء أيقونته العمرية والزمنية . على أية حال تنعقد تساؤلات الشخصية المشاركة نحو مصير سلامة تصليح ساعته: (كان يحتفظ بساعتي في قبضة يده، قال: قد تدق عدة ساعات سوية تدق على هواها .. لم أشأ توقيت ساعاتي بوقت واحد .. كلفت أبنتي بملئها فقط . إنها تتسابق كخيول .. عندي ساعات أشتريتها من الناس الذين نهبوها من دور الموظفين الأتراك الذين أخلوها على عجل بعد سقوط البصرة .. كما حصلت على ساعات تركها اليهود المهاجرون فيما بعد . / ص60 ص61) يمكننا فهم حكاية وثيمة (الخيول) في محاور دلالات النص، على أنها أمكانية الاستعارة الزمانية، وتفاوت جهات مؤشراتها الإقليمية، كما يمكننا عد الخيول أيضا بالمسافة الذاكراتية وعدوها الزمني كعقارب الساعات في منظومة التبئير النصي، مع ذلك فإنها تلعب دورا تشكيليا خاصا في فضاء مخصوصية دلالات النص: (تتسابق كخيول ـ زمن سقوط البصرة ـ تواريخ اليهود المهاجرون ـ حامية قلعة قائد الفاو التركي) أن القارىء قد يلاحظ بأن زمن السرد في النص القصصي لا يتحرك إلى الأمام، عبر تلك المساحة المنفتحة من الفعل التبئيري في القص، بل أنه غدا ركيزة لارتدادات زمنية خاصة بتواقيت متفاوتة في حسابات الأزمنة القديمة من رحلات ذاكرة البحارة في سفن شحن الخيول والطواويس والقرود والخمور الهندية .

3 ـ التناسب بين تواقت الحكاية وواقع الاحساس بالزمن:

وهو الأمر الذي يقودنا إلى تبيان الموازاة بين حكاية العجوز الساعاتي والاحساس بارتباط الزمن المبثوث من كلام العجوز نفسه، اقترانا بالانطباعات التوقيتية الصادرة من تخالف وتفارق من مواعيد وحسابات زمن الساعات القديمة: (الخيول كان تثير ضجيجا وغبارا عندما يسحبونها من أعنتها إلى السفينة التي كانت تقف في نهاية إسكلة تمتد إليها من الضفة . كانت السفينة تهتز وينعقد فوق رؤوسنا نثار التبن فيما ينادي السواس الخيول بأسمائها طالبين منها الهدوء حتى يكملوا ربطها في مرابطها .. لم يكن الأمر سهلا، فطيلة الرحلة كانت الأمواج أو سكون البحر غير المنظور يثير فرسا من الأفراس أو يمرضها مما يستدعي أن يقضي سائسها الليل معها رقيبا أو مؤنسا . / ص64) وبالمقابل من حكايات البحر، توافينا حكايات ذلك المضيف المسقطي الذي كان يتدبر شؤون ضيافة البحارة، تخبرنا القصة على أنه (رجل جبلي من قبائل الجبال المواجهة للخليج .. ثم أنه كان ساحرا . / ص64) وفي ختام النص تكشف لنا وحدات القص إلى تسلم الشخصية المشاركة لساعته (أطبقت على الساعة راحة يدي، وأنصتنا للبحر يدوي في ساعات القبو .. القوام الرشيقة للخيول تجري في شوارع الميناء، وتخطف في زجاج الساعات الدقائق الكبيرة . الساعات تتكتك، تدق حوافر رنانة، دقات تتدافع كالأمواج . / 67) ولعل هذا الحساب الزمني هو السبب من وراء مجيء الشخصية إلى العجوز الساعاتي حتى يكشف لنا لعبة المماثلة التخييلية في مؤشرات الرؤية للزمن المتعاضد في تشكلات فواصل المحاور النصية .

تعليق القراءة:

في الواقع التقديري الشخصي، وليس النقدي، أقول أن من أهم تجارب قصص الكاتب الكبير محمد خضير، أي ما بعد مجموعته الخالدة (المملكة السوداء)، هي نصوص (في درجة 45 مئوي) فهذه التجربة للأسف لم تحض بذلك الوعي النقدي الذي يؤهلها تنظيريا وتطبيقيا، ولكن لربما نقادنا في ظلالة وغفلة من الوعي عن فحوى دلالات هذه المجموعة الساحرة، والتي هي أسمى ما كتبه المعلم السردي الكبير محمد خضير في تجربة (الحكاية البانورامية) في الأدب القصصي، وهذا الأمر بدوره ما ينسحب على دلالات قصة موضع بحثنا (ساعات كالخيول) لما يتوافر في أبعادها الصورية والدلالية والأسلوبية من أسرار الزمن باللازمن وذلك الإنتقاء الدقيق لأهم وظائف مؤشرات الرؤية الزمانية الكامنة في تشكلات فواصل الأنساق والمحاور الداخلية والخارجية من فضاء علاقات النص القصصي المكين.

 

حيدر عبد الرضا