جبار ماجد البهادليتَمَثُّلَاتُ شِعرِيَّةِ الآيرُوتِيكِ الحِسِّي وَالمُستَويَاتُ الجَماليَّةُ لشِعريَّةِ التَّناصِّ فِي غَزَلِيَّاتِ يَحيَى السَّماوِي الجَمَالِيَّةِ (6)


 تَوطِئَةٌ:

يتضمَّنُ مُلخصُ هذه الدراسة البحثية المُيسِّرة مُدخلاتِ العنوان الرئيس،ومُخرجاتهِ الخِارجية(المُستوياتُ الجَماليةُ لشعريَّةِ التَّناصِّ فِي غزليات الشَّاعرِ العِراقي يَحيَى السَّماويَّ العشقية)، وأعني بالمستوياتِ دَراسةَ مُستوياتِ التَّناصِّ الجّماليةِ وَأَقسامهُ، أَو مَصادرهُ، والَّتي شكَّلتْ مَرجعياتِ هذهِ الدِراسةِ، أَي الكشفُ والبيان عن مختلف مستويات التناصِّ التي تضمَّنتها عينة هذه الدراسة (النظرية التطبيقية)، كالتناصِّ الديني التَّاريخي، والتَّناصِّ الأدبي الشِّعري، والتَّناصِّ الأُسطوري، والتَّناصِّ التُّراثي الشَّعبي(الفُلُكلُوري)، وغيرها من التَّناصّات ذات التأثير الإبداعي بالنصِّ الأدبي، والتي  ضمَّت مِساحاتٍ كبيرةً من مستوى البنية الجمالية.

فَضلاً عن ذلك كلِّهِ تَقديمُ موجزٍ تَعريفيٍ عن أثر صاحب هذه التجربة الشعرية، يَعقبُهُ مَدخلٌ تمهيديٌّ إلى مفهوم التناصِّ، والتعريف به لُغةً واصطلاحاً، والمراحل التي مّرَ بهِ  بدءاً من العَالِم اللُّغوي الإيطالي دي سوسير،مروراً بالرُّوسي ميخائيل باختين الذي اكتشفه لأوّل مرةً ولكن سُمِّي بموضوع(الحُوارية)،ووقوفاً عند الناقدة البلغارية جوليا كرستيفياً التي استقرَّ عندها مصطلحاً تامَّاً بمفهومه، مروراً برولان بارت الذي نضج على يده واتَّسع، وجيرار جينيت، واستقرار مفهومه مصطلحاً في النقدية الغربية،والنقدية العربية التي أخذت به حديثاً مع  جُذورهِ المُبهمةِ التي ظهرت بشكل مُوحياتٍ إشاريةٍ على يَدَي عبد القاهر الجُرجاني.

تَقْدـِيمٌ:

صاحبُ هذا المنجزِ الشِّعري الكبير والتجربة الثَّرة، هو الشَّاعر يَحيى عبَّاس  الحِسنَاوي، المعروف بـلقبه الأدبي(يَحيى السَّماوي)، والمولود بمدينة السَّماوة مركز محافظة المثنى الواقعة على ضفاف نهر الفرات الذي يتوسَّد صحراء السَّماوة في جنوب العراق. وهو شاعرٌ وأديبٌ عراقيُّ معاصرٌ من شعراء العصر الحديث، أسهم إبداعياً وفنيَّاً بأنماط الشعر الثلاثة المعروفة شعرياً: الشعر(النظامي التُّراثي)، ذو الشطرينِ، والشعر التَّفعيلي(الحُرِّ) الحديث، وقصيدة النثر الشعرية الجديدة، وقد رفد المكتبة العربية بمنجزه الضخم الهائل كمًّاً وكيفاً، وشكلاً ومضموماً على وجه العموم، وأثرى المكتبة العراقية على وجه الخصوص في منجزه بنحو ثلاثين ديواناً شعرياً، وَحَفِلت تجربته الشعرية بالعديد من الدراسات النقدية، والبحوث الأكاديمية لطلبة الدراسات العليا الماجستير والدكتوراه وبحوث الأُستاذية والترقيات العلمية. وقد تُرجِمَت قَصائده وأشعاره الحديثة، والكثير من أعماله الشِّعرية الحديثة إلى أكثر من(خمسَ عشرةَ) لغةً عالميةً أجنبيةً، ومحليَّةً مختلفةً كـ(لألمانية، الأنكليزية، والفرنسية، والأوردية، والأفغانية، والفارسية، والأسبانية، والروسيَّة، والكُردية) وغيرها من المنجزات الإبداعية التي زخرَ بها نتاجه الشعري الثر؛ لذلك استحقَّ منَّا كلَّ هذه الدراسة والاهتمام الكبير بتجربة مسيرته الشعرية الرائدة في تجديد الشعر العربي التراثي والحديث.

1-  مَدْخَلٌ إِلَى مَفْهُومِ التَّناصِّ

التناصُّ، هو في الحقيقة من أهمِّ المُصطلحات الغربية الحديثة التي دخلت على الأدب العربي الحديث في مطلعِ السِّتينياتِ، غيرَ أنَّ له جذوراً وبداياتٍ قديمةً مُبهمةً في التراث العربي القديم. ومع أنَّ كلمة التناصِّ الحديثة لم تكن معروفةً عند نُقادنا العرب القُدامى بمفهومها الحديث، فقد أشار إليها الشَّيخ عبد القاهر الجرجاني في كتابيهِ: (دَلائلُ الإعجازِ)، و(أَسرارُ البَلاغةِ)، تحت الانتحال، والسرقات، والنسخ.

والتناصُّ من أهمِّ تجلِّيَات أساليب الشعريَّة المعاصرة، وقد تزايدت أهمية هذا المصطلح في المناهج النقدية النسقية الحديثة، وفي النظريات البنيوية، وما بعد هذه النظريات البنيوية الحديثة. وما بينَ المفهوم العربي القديم، والمفهوم الغربي الحديث للتَّناصِّ،لا بُدَّ وأنْ ننظرَ إلى أهمية التناصِّ بتجلٍّ بين عبد القاهر الجرجاني العربي إرثًاً، وجوليا كرستيفيا الغربية حَداثةً، وما أحدثه مفهوم التناصِّ من تجلَّياتٍ كثيرةَ  ومقارباتٍ نصيَّةٍ ومفارقاتٍ شعريةٍ وموضوعيةٍ مُذهلة وقعاً في خطِّ سير المنظومة الشعرية العربية الحديثة.

أ-التَّناصُّ لُغةً

وحينما نبحث عن معنى التناصِّ في معاجم اللُّغة العربيَّة الحديثة، وعلى وجه التحديد معجم(المعاني الجامع)، نجد أنَّ كلمة (تَناصٍّ)، هي فعلٌ في تصريفها اللُّغوي من (تَناصَّ، يَتَنَاصُّ، مَصدرُ تَنَاصّ)، أي تناصَّ النَّاسُ، أو القومُ بمعنى تزاحموا. والتناصُّ في الأدب، مصطلحٌ نقدي يُقصد به وجود تَشابهٍ أو تقاربٍ دلالي معنوي بين نصٍّ قديمٍ وآخرَ جديدٍ، أو بينَ عدة نصوصٍ، أيْ عَلاقة نَصينِ مع بعضهما.

ب-  التَّناصُّ اِصطلاحَاً

التناصُّ كمصطلحٍ نقديِ حديثِ مرَّ مفهومه الاستراتيجي في النقديَّة منذ نشوئه الأول بمراحل وتَغيراتٍ وتَطوَّراتٍ جذريةٍ مُهمَّةٍ عَديدةٍ، حتَّى وصل إلى ما وصل إليه الآن من تطوِّرٍ واستقرارٍ راسخ ٍاتَّضحت فيه مقاصده وباتتْ ماهيته النقدية. حيثُ كانت البدايات الأولى للتَّناصِّ قد بدأت من العالم اللُّغوي الإيطالي دي سوسير، مُروراً بالناقد الروسي ميخائيل باختين الذي اكتشفه لأوِّل مرَّةٍ، ولكن بمصطلح آخر أسماهُ بـ(الحوارية)، فجوليا كرستيفيا الذي تَرسَّخَ عَلى يدِهَا وأصبح مفهوماً ناضجاً إلى معية رَولان بَارت، وَجِيرار جينيت، وصولاً بمساره النقدي السريع في علاقته الحميمة بمرحلة ما بعد الحداثةِ. حَيثُ تشهد ساحة الجدل النظريَ القائم بخصوص استقلالية النَّصَّ كَبنيةٍ لُغويةٍ، وعلاقاته التفاعلية مع بقية النصوص الأخرى التي ترتبط معه بعلاقاتٍ قويَّةٍ تعالقيةٍ تجدُّديَّةٍ مُتعدِّدةٍ تُسمِّى بـ(التَّناصِّ)، ولمعرفة المزيد من مفهوم ذلك التَّناص وإشكاليات النقدية والشعرية تُنظر صفحات مُدَوَّنات (نظرية التناصِّ)(1).

وفي ضوء هذه العَلاقة التناصيَّة التي تربط النصَّ بنصوصٍ أخرى، ترى الناقدة البلغارية جوليا كرستيفيا في تعريفها للنصِّ بأنه "ترحالُ النُّصوصِ، وتداخل نصّي في فضاء نصٍّ مُعيَّن، تتقاطع وتتنافى ملحوظات عديدة مقتطعة من نصوص أُخرى(2)". أي أنَّ التَّناصَّ هو تَداخل النَّصِّ الجديد مع نصٍّ سابقٍ، أو نُصوصٍ أُخرى. وفي تعريف آخر للتَّناصِّ أنّه "تعالق (الدخول في عَلاقة) نُصوصٍ من نصٍّ حديثٍ بكيفياتٍ مختلفةٍ(3) ". إذن هو العلاقة الجدليِّة الجديدة بين نصينِ مُتحديِنِ مُتباينينِ بعلاقةٍ توالديةٍ.

وفي ستينياتِ القَرن العِشرين حينَ أطلقت جوليا كرستيفيا على العَلاقة التداخلية مصطلح التَّناصِّ عرَّفتهُ بأنَّ "كلَّ نصٍّ هو عبارة عن لوحةٍ فُسيفَسَائيةٍ من الاقتباساتِ، وكلِّ نصٍّ هوَ تَشرَّبٌ وتحويلٌ إلى نصوصٍ أُخرى(4) ". أمَّا رولان بارت، فهوَ الآخر قدَّمَ دوراً مهمَّاً بارزاً وفعَّالاً في استراتيجية مفهوم التناصِّ لا يقلُّ أهميةً عن الدور الكبير الذي قامت به الناقدة جوليا كرستيفيا، إذ انطلق في أبحاثه وتصوراته ورؤاه النقدية من منجزاتها ومشاريعها النقدية لمفهوم التناصِّ، فهو ينظر إلى ذلك من خلال نظريةِ النصِّ، فيرى بأنَّ "كلَّ نَصٍّ ليسَ إلَّا نَسيجاً جديداً من استشهاداتٍ سَابقةٍ(5) "، أي أنَّ هذا النسيج يسترفد خيوطه النقدية وتحولات تخلُّقه التشكُّلي من البِنية الأصلية الأُمِّ، حتى يستقلَّ بوجوده القائم تناصَّاً.

فَالنصُّ يُعدُّ بمنزلة الابنِ الشَّرعي الذي يَستمدُّ خصوصيتهُ الثقافية واستقلاله الذاتي من رَحْمِ آبائه النصوص الأصلية السابقة دونَ أنْ يفقدَ ميزاته اللُّغوية والجمالية؛ كونه نَصَّاً قائماً بذاته الاستقلالي تمنحه نظريات القراءة وجماليات التّلقِّي الحديثة وضعاً قرائياً تأويليَّاً جديداً يسبرُ أغوار وحدته الموضوعية، ويفكُّ شفراتِ هُويتهِ اللُّغوية، ويجلو سياقاتِ مُستوياته الدلالية. فَيُحقِّق بذلك النَّصِّ أبجديتَهُ التي تؤمِّن له من أنَّ النصَّ يُشكِّلُ فضاءً واسعاً رحباً قابلاً للتأويل بقراءاتٍ فاعليةٍ مُتجدِّدةٍ كثيرةٍ تجلو صفحاته المتنوِّعة المتعدِّدة الرؤى، سواء أكانت الرؤى الفلسفية والجمالية المتجليَّة المرئية منها بصرياً أو الخفية غير المرئية بصرياً.

أمَّا المُفكِّر والناقد الروسي ميخائيل باختين، فينظر إلى التَّناصِّ نظرةَ تواصلٍ في ضوء العَلاقة التي تحدث بين المُرسل والمُتلقِّي، فيُعرِّفُ التناصَّ بأنُّهُ "عبارةٌ عن وسيلةِ تواصلٍ لا يمكن أنْ يحصل القصد من أيِّ خطابٍ لُغويٍ بدونه، إذ لا يمكن أنْ يكون هناكَ مرسل بغير مُتلقٍّ مُستوعبٍ مُدركٍ لمراميهِ"(6) . إذ أنَّ باختين في التناصِّ يؤكِّد العَلاقة المتينة المتبادلة طرفياً بين المرسل المُبدع لخطابه رسالةً، والمتلقّي الحاذق الواعي لتجلِّيات رسالة الخطاب الشعري التي تمَّت بهذه التقنية أو هذه الوسيلة الجمالية الفنيَّة.

وَتَأسيساً على ما تقدَّم حول نظرية النَّصِّ وتداخله النصِّي الذي يُفقده خصوصيَّته الاستقلالية،فإنَّ ميزة هذا التفاعل التداخلي الذي يتعالق فيه سياق نصِّي ثقافي جديد بسياقٍ نصِّيٍ ثقافيٍ آخر، جاء لغرضٍ ثقافيٍ من أجل ترصينِ مَفاهيم الثقافة الحديثة، وتعميق قيمها الراهنة في الوسط الثقافي، والعمل بِجديَّةٍ على التأصيل الفكري لظاهرة التَّعالقِ الثقافيِ النَّصيِّ الراهن في حضوره الثقافي مع ماضيه الضارب؛ لأنَّ حاضر الأزمة هو استطالة لماضيها(7) "، كما يُشير إلى ذلك التواصل الثقافي الدكتور فَيصل دَرَّاج. ولذلك يدخل النصُّ سواءٌ أكان شعِرياً أمْ نثرياً في علاقةٍ ثقافيةٍ مع نَصِّ أصلي قديم آخر؛ لِيكسبَ غَاياتٍ وَأبعادَاً ثقافيةً عبرَ إِعادة إنتاجه وتخليقه فنيَّاً وشعرياً من جديدٍ في بنية الخطاب الجمالي الشعري الحالي.

وعلى وفق ذلك يأخذ مفهوم التَّناصِّ طابعاً شكليَّاً سوسيو ثقافياً، وهذا التناصُّ الثقافي لا يمكن أنْ يحدث إبداعياً ويتحوَّل إلى تناصٍّ سوسيو ثقافي إلَّا إذا اشتبكَ وتعالق تداخلياً مع سياقٍ ثقافيٍ آخر، وليس مع نصوص أخرى معيَّنةٍ. وهذه الإشتراطية في الوظيفة التناصيِّة تجلو لنا الفرق واضحاً بين من يعتقد أنَّ التناصَّ "بالنسبة للكاتب ليس ظاهرةً أدبيةً فَحسبَ، بل ثَقافةً فِكريةً أيضاً(8). وهذا يُدَلِّلُ على أنَّ التعالق بين ثقافتين مختلفتين زماناً ومكانَاً يَخلق تشكلُّاً ثقافياً جديداً مغايراً لشكله السوسيو ثقافي المعتاد.

والتناصُّ كونه تقنيةً استراتيجيةً أدبيةً وثقافيةً وفكريةً فاعلةً تُضيء سيِمياء النَّصِّ اللَّاحق، وتُنيرُ فضاءاته المتعدِّدة، لا يقتصرُ عملُها التَّقني على إظهار هيمناتِ النَّصِّ، وبثِّ محمولاته الثقافية والمعرفية فحسب، بل يُحقِّقُ التناصُّ للنَّصِّ وظيفةً جماليَّةً وفنيَّةً أُخرى تكسب العمل الشعري الأدبي معماراً فنيَّاً وجَماليَّاً مُؤثِّراً مَرغوباً عندما يستند هذا المعمار إلى منابت إرثٍ حضاريٍ وفنِّيٍ أصيلٍ متكاملٍ يَهبهُ المجد الأدبي والخلود الثقافي في بنائه الفنِّي الجديد.أضف إلى ذلك أنَّ أغلب المُبدعينَ من الشعراء والأدباء يلجَؤُونَ إلى هذه التقنيَّة الفنيَّةِ المقبولة من أجل تعضيد أعمالهم الأدبية بمصاحب نصِّي مثير لكي "يَلفت انتباه القُرَّاءِ إلى بعض جوانبها ويؤثِّر في عملية تلقيها(9) "،من خلال هذا الاقتران الأدبي الترابطي الإنساني الفكري الذي يحدث بين فضائي النصينِ القديمِ والجديدِ بحثاً لغوياً تنويرياً إبداعياً جمالياً مناسباً لواقعة الحدث الموضوعية والجمالية التي وهبته تعبيريَّة هذا الثراء الصوري الفنِّي التَّقني الشائق بتكوينه.

2- أَقسَامُ التَّناصِّ (أنواعُهُ):

بعدَ أنْ اتَّضحت وظيفة التناصِّ التفاعلية التي يقصدها الكُتَّابُ المُبدعونَ، فإنَّ جيرار جينيت قد دأبَ على تقسيم تقنيةِ التناصِّ على ثلاثة أقسامٍ فرعيةٍ صغيرةٍ، لكنَّها تتمتَّع باستقلاليةٍ وأهميةٍ كبيرةٍ  في محفلِ الدَّراسات النقديَّة الحديثة، ويمكن أنْ نجمل التعريف الموجز لهذه الأقسام أو الأنواع  الثلاثة بما يأتي:

أ-  الَمنَاصَّةُ: ونعني بها البنيةَ النَّصيِّة التي تشترك مع بنية نصٍّ أصليةٍ في مَقامٍ وَسِياقٍ مُعينينِ لا ثالث لهما .

ب-  التَّناصُّ: وهو عملية التَّضمينِ النَّصِّي الذي يَنطلق من مفهوم العلاقتينِ(النَّقديةِ والإيحائيةِ) بين المِيتا نصٍّ والتَّعلُّق النَّصِّي اللَّذينِ ينتميانِ إلى مفهوم (التفاعل النَّصي)(10)، والذي يُقيمُ علاقته التفاعلية مع النصِّ الأصلي الأُمِّ،فيحقِّقُ بذلك للتناصِّ أبعاداً مُختلفةً، ويَخلق له حُضوراً"جَمالياً وفكريَّاً وآيدلوجياً(11)".

ج-  المِيتانَصيَّةُ: وكما أشرنا يأخذ مفهوم الميتانصيَّة بُعداً نقديَّاً مَحضَاً في علاقته التفاعلية التي يُقيمها ببنيةٍ نصيَّةٍ جديدةٍ طارئةٍ مع بنيةٍ نَصيَّةٍ قَديمةٍ أصلٍ لإحداث تقنيَّة التَّناصِّ(12). وبعضهم من قسَّمَ التناصَّ من حيثُ المقتبس على نوعينِ هُما:

النَّوع الَأولُ: ما لم يُنقلُ فيه المقتبسُ عَن مَعناه الأصلي. والثَّاني:ما نُقِلَ فيهِ المُقتَبسُ عَن مَعناهِ الأصلي.

وهناكَ مَا يُعرف بـ(التَّناصِّ العامِ)، وهو ما أشار إليه الكثير من النُّقاد العرب ومنهم الدكتور أحمد الزغبي في كتابه (التَّناصُّ نظرياً وتطبيقياً)، ويعني به علاقةَ نصِّ الكاتبِ بنصوصٍ غيرهِ من الكُتَّاب الآخرينَ، والتناصُّ الخاصُّ، وهو علاقة نصوص الكاتب المبدع نفسه بعضها ببعضها الأخر. ويمكن أن نُسمِّيه تناصَّاً داخلياً محليَّاً من بنية مقامه النَّصية، وليسَ تناصاً خَارجياً آخر من بنيةِ مقام غيرهِ النصيِّة.

3-  مُستوياتُ التَّناصِّ(مَصادرُهُ):

يَمتازُ مفهوم التَّناصِّ الشِّعري من بين مصطلحات جماليات الخطاب الشعري المتعدِّدة لغوياً وانزياحياً بأنَّ له عدَّةَ مستوياتٍ بنائيةٍ، أو مصادر ترفده وَتًنَميِّه فنيَّاً وموضوعياً في تشكّلِ البِنية النَّصيَّة وتغذِّيه تنوِّعاً وثراءً لغوياً وجمالياً له أثره الفنِّي البالغ ووقعه النفسي والجمالي في صرح هندسة الخطاب النَّصِّي لدى عين الناقد المتلقِّي والقارئ الثالثة،وإدراك وفهم مغزاه الكلي ومعرفة مقاصد جماليات حداثته الشعرية.

أ- التَّناصُّ الدِّينيُّ (التَّاريخيُّ)

إنَّ البحث في نصوص السَّماوي التي تضمَّنت اقتباساً أو تضميناً شعرياً أو نثرياً تؤكِّد القول بأنَّ النصَّ أو أي نصٍّ هو متواليات لنصوصٍ سابقةٍ له تجمَّعت وتوحَّدت بهيأة نصٍّ آخر في نصٍّ جديدٍ بلغته وشكله الانحرافي الذي وقعَ في أسره الشَّاعر؛ كونه وسيلةً أخرى من وسائل اللُّغة التَّطَوِّريَّة، وَثَوباً لُغوياً قَشيبَاً من تناصَّات الشاعر المتحوِّلة في الشعرية النقدية الحديثة التي سمح بها النُّقاد المحدثونَ.

كما أنَّ التناصَّ فضلاً عن ذلك، يمُثِّل وظيفةً استرجاعيةً تستعيد نصَّاً سابقاً؛ لتعيدَ إنتاجه - ثانيةً-  داخل نصٍّ آخر كما أشار إليها علماء اللِّسانيات الحديثة.والغاية من هذه الوظيفة الاسترجاعية تهدف إلى استحضار الرصيد التاريخي، واستثمار الرصيد العاطفي للنصِّ الأوَّل من أجل  قراءةٍ تفاعليَّةٍ نَصيِّةٍ بينَ المُرسلِ والمرسلِ إِليه. وهذا التحوِّل النصِّي في شعرية السَّماوي ظهرت آثاره القريبة والبعيدة في تناصاته الشعرية ذات المظهر الديني التاريخي الذي جادت به مُدَوَّنات قصائده العشقية وأشعاره النصيِّة الكثيرة:

كَيْفَ جِزْتَ الأَبْحُرَ ..

الأَنْهُرَ..

وَالبِيْدَ الصَّحَارَى ..

أَبُسَاطُ الرِّيْحِ نَحْوِي حَمَلَكْ ؟

 

أَمْ هُوَ الحُلُمُ

وَقَدْ "شُبِّهَ لَكْ" ؟ (13)

في الفضاء النصّي لهذا المنتج النصِّي الجديد يستدعي يحيى السَّماوي نصَّاً تراثياً دينياً مَثَّلَّ إشكاليةً وَجَدلاً كبيراً عند طائفتي اليهود والنصارى، وقد تَمثَّل هذا الإشكال بالعبارة القرآنية ((شُبِّهَ لَهُمُ)) التي تُلخِّص قصة سيدنا المسيح عيسى ابن مريم (عليه السلام) مع قاتليه من اليهود الذين افتخروا بقتله، وذلك لقوله تعالى: ((وَقَولُهُم إِنَا قَتَلْنَا المَسِيْحَ عِيْسَى اِبْن مَرْيَمَ رَسُول اِللهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُم وَإِنَّ الَّذِينَ اِخْتَلَفُوا فِيْهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا إِتْبَاعُ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيْنَاً))(14).

وفي هذه المتوالية الدلالية التي ترتبط بالرمز التاريخي الديني عيسى ابن مريم(ع)، والتي تفجَّرت من خلالها دلالتا: (الشَّكُّ بالقتلِ-  والبقاءُ حَيَّاً) لدى قاتليه. وقد أراد الشاعر يحيى السَّماوي من خلالها في تناصِّه المتحوِّل تقويةَ المعنى الدلالي ونزع فرضية الشكِّ لدى المحبوبة في حضوره المذهل، ليختفي الشكُّ وتبقى دلالة الحضور الحياتي شاهداً حيَّاً على ذلك، لا الحلم الذي شُبِّهَ لها، والذي يُلغي فرضية جدلية الحضور والغياب الذي أثارته بنية النصّ الشعري التَّراثي دينياً وتاريخياً وواقعاً آنياً مُعاشاً عندهما.

ويُجدِّدُ السَّماوي في قصيدته الحوارية القصصية(مَا الَّذي تَعنينَ لِي؟) جدليةَ الحضور مع الحبيبة في علاقةٍ تفاعليةٍ حواريةٍ نصيِّةٍ حاضرةٍ مع نصٍّ تراثي ٍدينيٍ يَرتبط بقصة سيدنا يوسف(ع) مع (زُليخة) زوج عزيز مِصرَ، والَّتي استدعاها تمثُّلاً بالعبارة القرانية الشهيرة((هَيتَ لكْ)) في مِعرض قوله تعالى بسورة يوسف: (( وَرَاوَدَتْهُ اَلَّتِي هِيَ فِي بَيْتِهَاعنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكْ))(15)، والتي عبَّر عنها الشاعر بهذه المعاني المتوالدة في نصه التحوِّلي الرمزي المُستحضر قائلاً بصوت الراوي الشعري العليم:

فَإِذَا صَوْتٌ كَمَا الوَحْيُ

أَتَانِي مِنْ وَرَاءِ البَابِ

نَادَانِي:

لِتَدْخُلْ

فَأَنَا قَدْ "هَيْتَ لَكْ"(16)

في هذا الطقس الديني المشحون بالمعاني الدلالية المتوالدة في ذهن الشاعر؛ كونه نتاجاً فردياً ذاتياً من ناحية الشاعر، وجماعياً من ناحية الآخر القارئ، وباعتبار أنَّ النصَّ ليس معزولاً ولا يُمثِّل ظاهرةً منُفردةً لِوحدِها كما ترى جوليا كرستيفيا، فهو بطبيعته الجمعية مركَّب من التضمين والاقتباسات النصية السابقة، وهو تحويل لنصٍّ أخر، وقد فجَّرَ يحيى السَّماوي في علاقته التفاعلية مع النصِّ الدِّيني السابق دلالتي(الاشتهاءِ والمُراودةِ)التي ترتبط رمزياً وتاريخيَّاً بالمؤثِّر الشرطي الإغوائي لهما ثيمة الرمز(زُليخة).

ولكنَّ الشاعر في تعامله النصِّي التفاعلي أراد أنْ يعكس صدى تلك الصورة الرمزية والتاريخية الدينية القديمة مع توحده بالحبيبة؛ ليُحيلها إلى عَدمٍ وَدَمار،حيثُ تختفي رمزية صورة(الاشتهاءِ) من مواطن نصِّه الحالي؛ لِيحلَّ مَحلَّها دلالتا(الصَبرِ والصَدودِ) عن الفعل، وأن يخفي دلالة(المُراودةِ) العاطفية؛ ليخلقَ لنا بدلاً عنها دلالة عنصر(التَّسامِي) الرُّوحي والنفسي، والعمل بمبدأ التَّرفُعِ العابر لهذه الغريزة الانسانية من إيجاد عاكس دلالي لها بين(الثوابت والمتغيِّرات) الدلالية التي يفيض بها مناخ النصَّ الشعري وأجواؤه.

ولا ينفكُّ الشاعر العاشق الشغوف يحيى السَّماوي في مدوَّنات تناصَّاته النصوصية التفاعلية عن التأثُّر بالمعطيات الدينية التي يتوحَّد فيها مع المعشوقة قلباً وروحاً وجمالاً؛ ليثبتَ لها تَقوى رغبته وفقرَ حالهِ الذاتِي، وكأنَّه في الحبِّ إنسان فقير اجتمعت له من الصفات أنَّه (مسكينٌ ويتيمٌ وأسيرٌ) وغريب يستجدي الرحمة ليديم عُرى صيرورةِ الحُّبِّ بهذه الدلالات الدينية التي لها مَعانٍ كبيرةٌ في التفسير الديني:

فَأَنَا

أَوْصَى بِيَ اَللهُ

يَتِيْمٌ وَغَرِيْبٌ وَأَسِيْرْ (17)

لا أريد في هذا المقطع التفاعلي أنْ أبحثَ عن المعاني الدلالية لهذه المفردات الدينية الثلاث التي تناصَّ فيها الشاعر مع سورة الإنسان في قوله تعالى:((وَيُطْعِمُوْنَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيْنَاً وَيَتِيْمَاً وَأَسِيْرَاً))(18)، بقدر ما أريد أنْ أكشف  بقراءة جديدةٍ لهذا التحوِّل النصِّي الجديد أنَّ الشاعر يُقدِّمُ للحبيبة ولاءاتِ الطَّاعةِ العشقيةِ، والشفقة به من خلال هذه المُهيمنَات الدينية الثَّلاثة ليس بمعناها المُعجَمِي السِّياقي المعروف، وإنَّما بمعناها الدِّلالي السياقي البعيد. فهو يتيمٌ لا أبٌ له في الحبِّ، وغريبٌ لا وطن له سوى المُحب، وأسيرٌ عَانٍ لَدى الحبيبةِ التي هي رمز الرحمة والملاذ الذي يجد فيه الأمان الدافئ.

وفِي أبجديات نصِّه الشعري(دَربُ النَّدى) تلكَ القصيدة التي اتَّخذ منها السَّماوي طريقاً سالكاً في الحبِّ يلتمس فيه النور الذي يُعمِّرُ قلبَهُ  ضياءً يُطفئُ به عُتمته الروحية الحالكة؛ وذلك من خلال أسلوب القسم الذي يجد فيه الشاعرُ استراحة تأكيديةً لجنون نفسه الهائمة بها حين تسمو مطمئنةً هادئةً في رحاب معشوقٍ يستمدُّ منه مخياله الروحي صفاءً وسكينةً بهذا القسم المرتَّل حبّاً ترتيلاً مُحوِّراً سياقَ الآية القرآنية:

أَقْسِمُ بِالضُّحَى

وَبَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى وَرَبِّ الرَّحْمَةْ

 

 

إِنَّ جُنُونِي فِيْكِ

أضحى حِكْمَةْ(19)

إنَّ ظلال هذه الدفقة الشعورية تستمدُّ موضعيتها التناصيَّة ومشاهدها الفكرية وإيقاعها النصِّي من كلمةٍ خالصةٍ للنَّبي (ص) خصَّه بها الله تعالى في سورة الضحى؛ لتكون إطمئناناً وترويحاً وتسليةً له ولروحه المتعبة، وقلبه الموجع بالألم، فأقسم بها الله تعالى؛ ليبعُدَ هجيرَ الجحودِ، ويُبدِّدَ التكذيبَ حين قال: ((والضُّحَى*وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى))(20). والشاعر في تناصِّه الحالي لا يكتفي فلسفياً بقسم سورة الضحى، وإنَّما يُضفي عليه تأكيداً للقسم برحمة الله؛ ليعضدَ حبَّه الذي أضحى جنوناً بالحبيبة؛ لكنَّه جنونٌ حكيمٌ مجرَّبٌ لِلحبِّ يَعرف قسوتهُ القتالية اللَّاهبة في ميادين العشق الحقيقية المجرَّبة.

وإذا كان الاقتباس أو التضمين المطابق من التراث بصوره الثلاث(الدِّينيُ، والتَّاريخيُ، والشَّعبيُ) يعدُّ عيباً نصيَّاً مُحرَّماً في الشعر والنثر الحديث، فإنَّ التَّناصَّ المتحوِّل هو البديل الذي أباحه النُّقاد في النقدية الحديثة. وقد وجد فيه السَّماوي ضالته المفقودة في الاستفادة منه "في خلق دلالاتٍ نَفسيةٍ تُوطِّرُ الفكرة أو تُضفي عليها شيئاً جديداً(21) " مُعبِّراً عن موقعه الذاتي في إعادة إنتاج نصٍّ حاليٍ يَتفاعَلُ مع تجربته المتوحُّدة ويجلو تشخيص حركته الفعلية والجمالية بهذا الترتيل الشعري المستمدِّ تجَدُّدهُ من روح القرآن:

لَا تَقُلْ أُفٍّ

إِذَا أَوْلَغَ فِي نَهْرِكَ ضَبْعٌ

أَوْ دَنَا مِنْهُ سَفِيْهْ (22)

وقد أفاد السَّماوي في متفاعله النصِّي التَّحوِّلي من (سورةِ الإسراءِ) في تضمين فكرة(التَّأفُفِ) وتطوير دلالته التي هي أدنى مراتب القول السيِّئ في الفعل القبيح، فقال تعالى ناهياً ومحذِّراً منها: ((فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنَهَرهُمَا وَقُلْ لَهمَا قَوْلَاً كَرِيْمَاً))(23).فَإِذَنْ الشاعر ملزمُ بآداب الحبِّ وتَلَطُّفه الذي يفرض عليه ما يلذُّ من الحسن الطيِّب، مهما كانت نتائج ذلك التأدُّب وسلبياته التي لا ترقى إلى نهر الحبِّ الجاري.

ويجنح السَّماوي كثيراً في انزياحاته النصيَّة التناصيَّة في الاستفادة من استثمار أدبيات التراث الديني في توظيف الشعائر الدينية في الإسلام، فيستدعي شعيرة(السَّعي) بين (الصفا والمروةِ) عند الطَّواف في الحج مُستفيداً من دلالاته القرآنية في قوله تعالى:((إنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اِللهِ فَمَنْ حَجًّ البَيْتَ أَوْ اِعْتَمرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ َيَطُوْفَ بِهُمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرَاً فَإنَّ اَللهَ شاَكِرٌ عَلِيْمٌ)) (24). إذ يقول مُعبِّراً عن قصة هذه الشعيرة بلغة شعرية مخيالية رائقة التعبير، شفافة التقدير بلغتها التصويرية الخبرية الشعرية:

لِأَطُوْفَ

حَوْلَ سَرِيْرِكِ المَائِيِّ

عُشْبَاً ظامِئَاً

مُسْتَجْدِيَّاً كًأْسَاً مِنِ الخَمْرِ الحَلَالِ

وَلَيْلَةً أَسْعَى بِهَا

مَا بَيْنَ خِدْرِكِ  فِي"صَفَا" قَلْبِي

"وَمَرْوَةِ" مُقْلَتَيْكْ(25)

فالطواف على الرغم من كونه عادةً قديمةً وشعيرةً بدأت منذ هجرة سيدنا إبراهيم(ع) حينَ سَعتْ زوجه السيِّدة هاجر بين الصفا والمروة، وجعله الإسلام واحداً من أركانه الأساسية الخمسة في الحجِّ والعُمرةِ، فإنَّ الشاعر طوَّر فكرة السعي في ميدان الحبِّ الصوفي المعتَّق وحوَّره تخليقياً وإنتاجياً؛ ليتخذ منه محجَّةً ومثابةً روحيةً لا بدَّ للعاشق أنْ يطوف بها ليسمو تطهراً ووضاءةً في شعائره العشقية ويتطهَّر قلبه المتعب بطهارة هذا الطواف، طواف عاشقٍ ظامئٍ لخمره الحلال يُكمل به دينه العشقي المقدَّس. وقد أعطى السَّماوي لهذا الطواف شيئاً مُقدسَّاً من روحه التي تَفيضُ لِهذه الشَّعيرةِ السَّماوية الثَّابتة فيوضاتٍ جَمَّةً.

إنَّ الشعور بالألم ورفض الواقع السياسي للوطن المذبوح  والثورة عليه بكلِّ الوسائل الإبداعية المتاحة كان شرارةً لاهبةً من شراراتِ تمرُّد الشاعر وثورته؛ لتحقيق نصر نفسي كبير عليه. حتَّى وإنْ كان هذا النصر دافعاً حقيقياً في مسارب الحبِّ التي جسَّدها الشاعر دينياً مُستفيداً في موضوعيته الشعريَّة من قصة(آدمَ وحواء) مع الشجرة التي أخرجتهما من فردوسهما الأعلى هبوطاً من سماء الجنَّة وخيرها إلى أرض الشرِّ والخطيئة. وهذا ما تفوح به رائحة قصيدته(تُفاحةُ النُّعمى)التي جاء فيها السرد الحكائي المتناسق اقتباساً تضمينياً لثيمتها الفكرية بلغة المجازات الانزياحية التي تعتمد المخيال الشعري أسلوباً فنياً وجمالياً في البناء النصِّي للخطاب الشعري الذي يتعكَّز الشاعر السَّماوي على صوره المنتجة؛ لخلق  جوٍّ (روحِيٍ روحِيٍ) و(نَفسِيٍ نَفسيٍ)من المقدَّس الديني شيئاً تناصيَّاً جديداً في مشاهد القصصية الشعريَّة:

تُفَّاحَةُ الأَمْسِ البَعِيْدِ

رَمَتْ "بِآدَمَ"

خَارِجَ الفِرْدَوْسِ

فَاِنْطَفَأَ الصَّبَاحُ

بِمُقْلَتَيْهِ

وَأَغْمَضَتْ أَجْفَانَهَا الأَقْمَارُ

فَهْوَ لِذِئْبِ مَنَدمَةٍ

طَرِيْدْ(26)

***

د. جَبَّار مَاجِد البَهادِلي

...................

من كتاب بنفس العنوان سيصدر في الأيام القليلة القادمة .

 

 

جبار ماجد البهادليوَالمُستَويَاتُ الجَماليَّةُ لشِعريَّةِ التَّناصِّ فِي غَزَلِيَّاتِ يَحيَى السَّماوِي الجَمَالِيَّةِ

وبعد سبعِ سنواتٍ مملوءاتٍ لا عجاف من العشق الرُّوحي الأثير، كَمِثلِ سنينِ يوسفَ في رؤيا سنابِله الحُبلى المملوءة، تنعَّمَ بها الشاعر في ظلال جنائن مملكته العشقية الطاهرة العذراء النقية الفاضلة، حيث عقد السَّماوي العزم، فكان (أَنكيُدو العِشقِ السُّومري) الذي شدَّ الرحيل فيه إلى أبواب مملكة أوروك قاصداً حياتها متوخياً البحث عن حقيقة وجوده الكوني الحياتي، فلا مناصَ من الحقيقة المرَّة (أكونُ أو لا أكونُ).

فكان أنكيدو محارباً حاسراً لا درعَ ولا خوذةً على رأسه، ولا رحلته الأسطورية كانت بحثاً عن شبقه الفحولي الذكوري الذي حدث بتأثيرٍ من غواية (شامات) فتاة الهوى، بل كانت رحلته البريَّةُ عن أنسنة وحشيته البريَّة التي باركتها وعمَّدتها تعاليم (إينانا) إلهة الحبِّ والخصب والجمال، وعضَّدتها حكمة (سَيدوري) صاحبة الحانة بالقول النافع والرأي السديد. فلولا (شاماتُ)، وخصيب أمطار (إينانا)، وحكمة (سَيدوري)، لِمَا كان أنكيدو الحياة صنواً نديَّاً محارباً ومناظراً ومُوَاجِهاً لغرور كلكامش وغطرسته الظُلميَّة، ولبقيَ وحشاً بريَّاً هائماً سائماً لا يعرف معنىً للعشق والحياة في معراج رحلته الوجودية نحو أوروكَ:

شَدَّ أَنْكِيدُو إِلَى أُورُوكَ عَزْمَاً ..

حَاسِرَاً عَنْ شَبَقِ الفَحْلِ لِـ"شَامَاتَ"

وَعَنْ زَخَّةِ لَثْمٍ مِنْ إِلَهِ العِشْقِ

والأَمْطَارِ "إِيْنَانَا"

وَكَأْسٍ مِنْ نَبِيْذِ العَقْلِ فِي حَانَةِ "سَيْدُورِي"

تَخَفَّى

سَارَ كَاللِّصِّ بِخَفٍّ مِنْ حَذَرْ (71)

وفي ضوء أنساق هذه الرسالة الرمزية التي تبثُّها سطور هذه الدفقة النصوصية، يبدو أنَّ الشاعر كان متشائماً قلقاً جدَّاً، وحذراً يقظاً من عواقب خطر رحلته الأسطورية. فهو على الرغم من أنَّ البطل الحقيقي (أنكيدو) قد أَلهَمَ كلكامش بفعله القوِّيَّ الخارق في المنازلة وعلَّمه معنى الحياة الحقيقية الحقَّة، وانتشله من ظلال براثن عقليته وغطرسته وجَوره المُستَبَد، إلَّا أنَّ الانتظار قد طال أمده على شعب أوروك، وأنَّ عودة (غودو) ورجوعه أصبحت حتَّى في الطَيف والأحلام والرؤى والتمنيَّات خبراً مُستحيلاً لكانَ، كي يعيد لـ (أوروكَ) الأمسِ (أريدو) اليوم مَجدَها الضائع وعزَّها الذائب الذي صادرتها جموع ألهة الزور الحفاة من سياسيي صدفة واقع العراق، وسدنة أحزابه اللاهثين وراء المال والجاه والمناصب المُغَرَّرينَ بخيانة الوطن:

جَازَ فِي عَوْدَتِهِ سَبْعَةَ أَنْهَارٍ مِنْ

الخَمْرِ

وَسَبْعَاً مِنْ سَوَاقِي المَنِّ وَالسَّلْوَى

وَغَابَاتِ نخيلٍ وَتَرَاتِيْلَ وَوُدْيَانَ سَهَرْ (72)

فعلى الرغم من أنَّ مشارب أنهار الخمر، ومآكل وسواقي المَنِّ والسَّلوى لها أثرها الرُّوحي والقرآني الديني المتجلِّي الكبير لدى المؤمن الموعود بجناتها الدائمة في الحياة الأخروية، فإنَّها في أنساق شعريتها الخفيَّة لها خصوصيتها الأثيرة لدى الشاعر العاشق؛ كونها تُمثُل مخاطر رحلته العشقية التي يتلذَّذ بطعم وقعها الحدثي وتأثيرها النفسي الجمالي في رحاب مسيرته الحياتية الدنيوية المؤقتة.

وكما أنّ ظاهرة التَّكرار - كما معروف- من أبرز ظواهر الشعر العربي القديم والحديث، لكنَّ تكرار العدد (سبعة) في تذكيره وتأنيثه وتطويعه في انثيالات هذه الدفقة النصيَّة له في نفسِ الشاعرِ قُدسيةٌ كبيرةٌ من المعاني والدلالات الخفية البعيدة. فيتناهى إلى ظنِّي كثيراً أنَّ (أنهارَ الخَمرِ السَّبعةِ)، (وَسَواقيَ المّنِّ والسَّلوَى السَّبع) التي قطعها أنكيدو في أسفار رحلته الأوروكية الخطيرة، هي أنهار سنوات الإبداع الإنتاجية السبعة الأخيرة التي أمضاها الشاعر مُتَوَّجَاً سبعاً مملوءاتٍ فكراً ومحبَّةً في مركب رحلته الشعرية العشقية الطويلة نحو (إينانا) الخصب والمطر، والعشق الرُّوحي المائز في الأسطرة الشعرية الحديثة.

وليس الغاية من هذا التَّكرار العددي اللَّفظي هو توكيد المعنى الإخباري للرحلة، وتهويل محموله المعنوي الدلالي، وإثارة انتباه المتلقِّي القارئ إليه فحسب، وإنَّما الغاية التقصدية والأُرومة التي يتخفَّى وراءها الشاعر العاشق للجمال في قصديته البعيدة هي غاية نسقية معرفية ثقافية ذاتية مضمرة تخصُّ سلوكيات الشاعر وأدبيات ممارساته المعجمية في الخير والشَّرِ والحُبِّ والكُره كما هي في وقائع الحياة.

إنّ صورة الواقع السياسي المتردِّي المأزوم في العراق، والذي يشتدُّ فيه حمى وطيس الصراع التحزُّبي الآيديولوجي على قيادة السلطة، وتُسفَكُ على مذابحه الدماء من أرواح العراقيين الأبرياء على الهُوِيَةِ وتحت ما يُسمَّى بمظلة الطائفية والإثنية المقيتة تارةً، وتارةً أخرى تحت شعار التبعية الولائية غير المعلن لخارج حدود الوطن الجريح. كلُّ هذه الممارسات والمسوغات الفكرية والعملية تغرِسُ ثقافةً عدوانيةً دخيلةً جديدةً لم يألفها واقع المجتمع العراقي من ذي قبل؛ كونها تَؤسِّسُ إلى صياغة خطاب ثقافي شعري متضاد يدعو فكرياً وآيديولوجياً وعقائدياً إلى صناعة لُغة الكراهية والمعارضة والمواجهة والرفض والاحتجاج:

طَمَغَ الجَبْهَةَ

قَصَّ الشَّعْرَ

وَاخْتَارَ لَهُ اِسْمَاً جَدِيْدَاً

وَاكْتَنَى غَيْرَ الَّذِي كَانَ يُسَمَّى ..

فَهْوَ الآنَ "أَبُو الخَيْرِ عَلِيُّ"

وَ"أَبُو العَدْلِ عُمَرْ" (73)

إنَّ من أساليب الشعرية العربية المعاصرة في لغة الخطاب الشعري من الناحية اللُّغوية والجمالية تَعَدُّدُ مستوياتِ لُغةِ الشِّعر، كالمستوى الإيقاعي (الَصَوتي)، والمستوى التركيبي (النَّحوي)، والمستوى البلاغي (الانزياحي)، والمستوى الدلالي (المُعجمي)، والمستوى الصرفي (الوزنِي)، لأبنية الكلمات العربية، والتي يميل فيها الشاعر في أسلوبية معجمه الشعري إلى الألفاظ والمفردات المُعَرَّبة والدخيلة على اللُّغة، ويوظِّف بعض المفردات والألفاظ العامية في اللَّهجة (الدَّارجة)، ويختار منها ما كان وقعه مضيئاً مؤثِّراً في دلالته النفسية وفقهه اللُّغوي وإيقاعه الشعبي اللُّغوي البلاغي على المستوى (الزمكاني) المؤثِّر والمتأثِّر.

فمن بين هذا السمين المملوء المُعرَّب الذي لجأ إليه السَّماوي كغيره من الشعراء الكُبار اختيار الفعل الماضي الشعبي القديم (طَمَغَ) ذي الأصول التركية العثمانية بدلاً من الفعل الماضي العربي المعروف في التوظيف السُّوَرِي القُرآني (خَتَمَ) الذي يُماثله في المجانسة اللَّفظية وزناً ومعنى، ويختلف عنه في دلالته الواقعية السياقية البعيدة. ويتناهى إلى اعتقادي كثيراً أنَّ السَّماوي كان مُصيباً فَطِنَاً في حُسنِ اختياره لهذا الفعل المؤثِّر في جملته الشعرية (طَمَغَ الجَبْهَةَ)، أي عَلَّمَّ ناصيةَ جبهتهِ بعلامة زورٍ ومَرَاءٍ ورياءٍ ونفاقٍ، لِمَا لهذا الاختيار الفعلي من تأثير نفسي حسِّي وصوري مغاير في نفوس العراقيين الوطنيين الأحرار من أبناء الوطن الحُماة، ؛ كونه أصبح (الفعل) صورةً (إمجيَّةً) قَبيحةً، ووشماً صورياً حسيَّاً مُغايراً لصورته الدينية الحقيقية لمن يَدَّعون فضيلة الإخلاص وحبَّ الوطنية الحقَّة من آلهة الزور الذين يتستَّرون بعباءة الدين ومظلته الشرعية، وهذا الدين القيِّم براء منهم ، دين الحقِّ والعدل والتسامح، وروح الإيمان والانفتاح.

وممن يختارون لأنفسهم كنىً واسماءَ جديدةً يتسربلون بها بُردَةً ووشياً لفظياً وَحِليةً اسميةً لا معنىً حقيقياً لها يعطيها الأحقية في الاختيار الزور. وهم منتفعون - ظلاً ظليلاً دائماً- من أسماء الرموز الدينية الكبيرة في التاريخ العربي الإسلامي، فمنهم من يُشابه نفسه ظنَّاً ووهماً بصوت العدالة الإنسانية المتفرد أبي الخير عليٍّ، أو أبي الحقِّ الفاروق عُمَرَ، متغافلون في الوقت نفسه من أنَّ ما يطفو على السطح من الزَبَدِ الدنيوي يذهب جفاءً، وأنَّ الثقيل الأصيل في ماينفع حياة الناس يمكث قارَّاً ثابتاً في نهر الحياة الجاري الذي يسير أمامه شاقاً طريقه مستقيما سارياً واحداً، ولا ينظر إلى الخلف تماماً في مسراه الحقيقي.

فضلاً عن هذا كلَّه أن توظيف الأفعال الماضية الأربعة: (طَمَغَ، قَصَّ، اِختارَ، اِكتنَى) قد أسهمت جميعها في تركيب الجمل الشعرية بإنتاج دلالاتٍ صوريةٍ (حِسيَّةٍ ومعنويةٍ) مؤثِّرةٍ في إعادة إنتاج الصورة الواقعية الهشَّة بلغةٍ شعريةِ قصصيةٍ ساخرةٍ تميَّز بها السَّماوي في هجائه الآيديولوجي السياسي لهؤلاء المدَّعين الفضيلة والعدل الإيمان من الذين باءت كلّ أشكالِ محاولاتهم الإدعائية الرخيصة، وانكشفت رائحتهم العدائية في الحفاظ على أوروك، فأصبحوا إنَّهُمُ الخطر الحقيقي الذي يُهدِدُ أوروك العراق الجديد، وليس هُم الحامي أو المنقذ الذائد عنه حياضه الوطني حين يُهدِّد السيل الجارف بحمى الخطر مستقبله:

وَهْوَ المُنْقِذُ وَالحَامِي/ القَوِّيُّ/

الزَّاهِدُ /المُؤْتَمَنُ/ السَّبْعُ

إِذَا هَدَّدَ أُوْرَوْكَ خَطَرْ (74)

وأشدُّ إيلاماً وترويعاً على فكر الشاعر ونفسه أنَّ أضواء دروب الأمسِ الماضية الزاهية لا تؤدِّي خُطاها المشرقة إلى حاضره، ولا تمتُّ بأيِّ صلةِ تواصلٍ إليه، فلا الحاضر الراهن يُشرِّفُ الماضي بحضوره الغائب، ولا الماضي يَتشرَّفُ بآنية الحاضر المُغيَّب المشلول الكسيح. ومما يُغيظهُ أنْ يرى رموز الوطن وَدُعاته الحقيقيين لا أثر لوجودهم الفاعل في أوروك الجديدة، فلا حياةَ مُغريَة بعد اليوم لـ (شامات) الهوى تُذكر، ولا مَلاذاً آمناً لـ (إينانا) العشق في أوروك طالما المعاني والتَّطلعات أضحت أثراً بعد عين:

رَاعَهُ أنَّ دُرُوبَ الأَمْسِ لَا تُفْضِي إِلَى اليَوْمِ

وَشَامَات قَضَتْ نَحْبَاً بِساطُورِ وِلَاةِ

الأَمْرِ بِالمَحْشَرِ

وَالنَّهْيِ عَنِ العِشْقِ ..

وَإِينَانَا اِسْتَخَارَتْ غَيْرَ أُوْرُوكَ مَلَاذَاً

وَالمَعَانِي لَا أَثَرْ (75)

وفي ظلِّ هذه المطابقة اللَّفظية لِوِلَاة الأمرِ بالمحشر، والنَّهي عن العشق التي أزهقت حياة (شامات) يتماهى السَّماوي في أنساق شعريته الأسلوبية مع أسطرة الواقع السياسي والاجتماعي الراهن وتوظيفه على لسان بطله الخارق (أنكيدو)، فيرسم صوراً أليمةً موحيةً لذلك الواقع من الوجع الأسطوري العراقي، لبلدٍ يطفو على بحيرات من البترول، وشعبٍ لا يَملكُ من الخير الوفير غيرَ الذُّلِّ والاستجداء والفقر والفاقة والمجاعة وحطام الأمنيات في لوحةٍ مشهديةٍ موجعةٍ تجمع أسطرتها بين طرفي (الأملِ والألمِ)، أمل الحياة التي يسعى إليها أنكيدو، وألم السلام الذي ينشده السواد الأعظم من الناس الفقراء الذين هم قاعدة الشعب.

وَرَأَى الفِتْيَةَ وَالصِّبْيَانَ يَمْشُوْنَ

حُفَاةً ..

بَعْضُهُمْ

يَبْحَثُ عَنْ بُقيا طَعَامٍ فِي بَرَامِيْلِ

النِّفَايَاتِ ..

وَبَعْضٌ

يَبْسِطُ الرَّاحَةَ يَسْتَجْدِي نُقُوْدَاً ..

وَكَثِيْرُونَ عَلَى أَرْصِفَةِ الذُلِّ

يَبِيْعُونَ دُخَانَاً وَمَنَادِيْلَ وَأَشْيَاءَ أُخَرْ (76)

فالشاعر في اِلتقاطاتِ هذه اللَّوحة التجريدية الصورية الضوئية، وانثيالاتها الحسيَّة الموحية بجماليات قصصها الأليمة الموجعة لشعب أروك الجديدة، أوروك اليوم والحاضر، إنَّما يؤسطِرُ فنيَّاً ونسقياً بإنتاجه الإبداعي الشعري السردي لأُنموذجٍ قليلٍ مُصغَّرٍ من صور ومناظر الجوع والمهانة المتعدِّدة فيه. فهو لم يقلْ في صوره النسقية الواقعية المتجلِّية إنَّ الفتيةَ يبحثون عن بقايا فُتَاتِ طَعام ٍ في (سِلال المُهملاتِ)، أو النفايات، وإنَّما تقصَّد القول تعظيماً وتفخيماً لحجم المأساة الشعبية العراقية، فقال مُتَقَصِّدَاً: يبحثون في (براميل النفايات)، ودلالة (البحث) المعنوية ليس كدلالة الموجود المتوفر المتاح لهم في الحياة. كما أنَّ لفظة (البراميل) هي الأقرب المتيسر إلى حياتهم اليومية، كونها مزابلَ أو مصدراً للقمامة التي هي أرخص شيء أو أتفه صورة للإنسانية الحقَّة، أمَّا لفظة سَلَّاتٍ أو (سلالُ المُهمِلَاتِ)، فهي الأقرب في دلالتها النفسية اليومية إلى المُتنعِّمينَ من المترفهين بالعيش الرغيد وترافة الحياة الهانئة السعيدة التي لا شأنَ لها ببراميل النفايات سوى مصالح نفسها، ولا تعني بِهَمِّ وغمِّ الفقراءِ من أبنائه المعدمينَ والمعوزينَ في بلد البترول الثري الذي تكالبت عليه الانظار غنيمة لا تنضب مصادرها العظيمة ولا تجفُّ خيراتها الوفيرة.

فما أجمل أنساق رمزية الشاعر المتجلِّية لهذا (التَّبعيضِ) من فتية الشعب وشبابه حين يُقَسِّمُ أفعالهم اليومية بين باحثٍ عن طعام لسدِّ رمق جوعه اليومي، وباسطِ راحةِ كفيهِ كلَّ البسطِ يستجدي مالاً يعيل به نفسه المعدمة، وبين بائع دُخان ومناديل ورقية يقف مَحْنيَّ القامة، مكسورَ الخاطر، موجعَ القلبِ على أرصفة الذُّل والهوان كي يعيش ويحيا في بلدٍ مأهولٍ بالثراء كالعراق. فأفعال المضارعة الأربعة: (يَبحثُ، يَبسِطُ، يَستجدي، يَبيعُ) الدالة على آنية المشاركة الفعلية قد أدَّت دورها الدلالي التركيبي القريب والبعيد في سياقاتها، ومنحت تراتب الجمل الشعرية طابعاً نسقيَّاً خاصَّاً مميَّزاً لصور البؤس والعدمية لواقع الناس.

ويستبِّدُ ألم النسق الآيديولوجي الثوري لفكر الشاعر في انفعالات قلبه الثائر، وهيجانه الروحي الكبير حتَّى يُصبحَ قادراً على صنع الحجج والعبارات المقاومة، وإنتاج المسوغات التي تتحوَّل إلى عقيدةٍ ذاتيةٍ في ثقافة المعارضة ولغة الاحتجاج، والعقيدة الآيديولوجية وحدها تكفي لإنتاج حراكٍ شعريٍ ثوريٍ يكون سلاحاً ثقافياً موجَّهاً ضد دكتاتورية المستبِّد الطارئ الذي لا مكان له بين أبناء الشعب الوطنيين الخُلَّص:

وَأَرَى بَعْضَاً مِنَ القَوْمِ - قَلِيْلِيَنَ-

يَسِيْرُونَ طَوَاوِيْسَ

وَيَمْشِي خَلْفَهُم جِنْدٌ كَثِيْرُونَ ..

رَأَى مِنْ بِدَعٍ فِي الدِّيْنِ مِا لا يُغْتَفَرْ (77)

يا لها من ترانيم صوتيةٍ فنيَّةٍ كاراكاتورية ساخرة مضحكة، ومناظر صورية إدهاشية لافتة رسمتها ريشة الشاعر الثائر المُحتقن اهتياجاً من ظلم وَجَورِ أصحاب تلك الأفعال الدنيئة، واللَّافت المُثير على تقاسيم هذه الصورة السلبية للوجه الآخر أنَّ النفر القليل الضالَّ منهم لا يسير سير الراعي الخادم المتواضع لشؤون رعية شعبه، بل يمشي استعلاءً مشيةَ الخُيلاء والتكبُّر والغرور، مزهواً كالطاووس النافخ لريشه فخراً، وهو الفارغ الأجوف الذي يُمارس من بِدَع الدين والضلالة ما لا يُغتفر عند ربًّ مليكٍ عزيزٍ مقتدر.2893 البهادلي

وتحتدم مشكلة الشاعر الموضوعية وطنياً وثقافياً في سرده الشعري الملحمي، وتتهوَّل عظمة محنته الأنكيدوية في بلاد أوروك قداسةً، وتتعثَّر خطى رحلته الأسطورية لأوروك حين يَسود عُنصر الشرِّ رمزاً في هذه المقاربة النسقية بديلاً عن الخير فيها، فَيُذْهِلُهُ وقع المفاجأة وَيُدهشهُ فِرار إله الشَّمس (أنو) من أوروك اليوم الحاضر والماضي البعيد، فَيَشعرُ بحيرةٍ واغترابٍ وذهول حين أُعلِمَ بخبر انتحار إله الحِرَفِ والأعمال والصناعة (أنكي) فَكَرِهَ العيش في بلادٍ تسير خطاها متعثرةً إلى عالم أرضي مجهول غير مُتناهٍ:

فَأَتَاهُ الرَّدُّ:

"أُوْتُو" منذُ سَادَ الشَّرُّ فِي أُوْرُوكَ

فَرْ

 

وَإِلهُ الحَرْفِ وَالقِرْطَاسِ وِالأَشْغَالِ "أَنْكِي"

كَرِهَ العَيْشَ أَسِيْرَاً لِجَهُوْلٍ

فَانْتَحَرْ (78)

فإنَّ النسق الثقافي المضمر في توظيف إلَهَي الشَّمسِ (أوتو)، والحِرَفِ (أنكي) توظيفاً فكريَّاً جمالياً آيديولوجياً تومئ دلالتهما الإيحائية وعلامتهما السيميائية الأُسطورية إلى النخبة العاملة المُتعلِّمة المنتجة من أبناء طبقات الشعب المكافحة المتعفّفة التي ترفض سيادة منطق الشرِّ وأساليب التجهيل والتهميش والإقصاء. فهذا الأمر المفاجئ الصادم مما روَّعَ أنكيدو وأهاله خوفاً، وبثَّ فيه شعوراً بالرعب سرى في قلبه الخافق، وصار لا يدري ما الذي يحدث في أوروك، ولا يعلم أين أضحى مبتدأ أوروك التي شدَّ رحيل العزم إليها، أم صار محض خبرٍ مجهولٍ؟ فكلُّ شَيءٍ مُبهمٌ لديه يلفُّهُ وقع الغموض وضباب الإيهام التَّام:

فَرَّ أَنْكِيْدُو ..

سَرَتْ في قلبهِ رعشةُ موتٍ

لَمْ يَعُدْ يَعْرِفُ

هَلْ مُبْتَدَأً أَضْحَى لِأُوْرُوكَ الَّتِي شَدَّ

إِلَيْهَا العَزْمَ

أمْ مَحْضَ خبرْ (79)

فالفعل الماضي الثلاثي المُضَعَّف الآخر (فَرَّ) في مستهل الجملة الشعرية (فرَّ أنكيدو..) التي تقصَّد الشاعر أن يترك للقارئ المتلقِّي المبدع اللبيب في هذه البياضات النُّقَطِية الفراغية الحذفية مِساحةَ تقديرِ وتأويلٍ لِمَا يمكن أنْ يُتِمَّهُ إبداعياً في مشاركته النصيَّة لخطابه، قد لوَّن النصَّ الشعري بصورةٍ حركيَّةٍ صوتيةٍ إيقاعية مموسقة لفرار أنكيدو من هول ما رأه مما يحدث، وأسقط وقع هذه الصورة على نفسه.

ويبدو لي أنَّ السَّماوي في ظلَّ هذه الفوضى والاحتدام النسقي التخريبي العارم الذي أسَّسَ له العابثون الفاسدون بأمور البلد من ساسة الأحزاب والطوائف الإثنية والدينية لمْ يتغافل أو ينسَ الاهتمام بسياقات مستوى بنائه التركيبي في تجلِّيات خطابه الشعري، تدفعه في ذلك ضرورة وحدات الوزن الشعري الإيقاعي، وجماليات فقه لغته الرصينة المكينة المُعبِّرة عن دلالاتها، وسعة ثقافته المعرفية في تأثيث النصِّ وتجميله.

ومثل هذا الاهتمام التركيبي واضح في جملته الاستفهامية الطلبية التي يبحث فيها عن جواب مقنعٍ إلى تقديم الخبر المنصوب كلمة (مبتدأً) على المبتدأ في جملة الفعل (أضحى) الماضي الناقص الدال على زمنية وقته، فضلاً عن هذا أنَّ الشاعر حرصَ في علاقة توخي نظم جمله على إنْ تبدأ الجملة الاسمية الشعرية الاستفهامية بكلمة (مبتدأً)، وتنتهي بمفردة (خَبرْ) المتمِّم لمعنى المبتدأ في سياق الجملة التامة المعنى؛ وذلك لضرورة الجمع والتفريق بين دلالتي المبتدأ والخبر التي تساوت صورتهما في الجمع بين الاثنين بحرفية (أَمْ) المعادلة العاطفة عند أنكيدو المنذهل المفجوع المتألَّم من تأثير صدمة حقيقة هذا التعادل غير المقنع لما حدث لأوروك، وما يمكن أن يحدث في القادم اللاحق من أحداث ومفاجآت.

لم يحدث على المدى الزمني البعيد في التاريخ السياسي العراقي الإنساني البشري الواقعي أنْ تكون الدولة العراقية الواحدة المُوحَّدة أرخبيلاً جُزُرِيَّاً مُجزَّءاً من دويلاتٍ وأحزابٍ طائفيةٍ هشَّةٍ متعدِّدة لها اليد الطولى والجرأة الكبيرة - من خلال مليشياتها المسلحة وأجنداتها الخارجية والداخلية- القدرةُ على صنع القرار السياسي ورسم سياسة التحكمية في البلد، والتَّلاعبُ بمصائر النَّاس وحياتهم في هذا البلد تحت رحمة المنقذ من الجهل والضلال والكفر الأجنبي في دولة الإسلام التي لا ينتمون إليها شكلاً أومضموناً:

كُلُّ حَيٍّ دَوْلَةً صَارَ

لَهُ جَيْشٌ وَقَاضٍ وَإِمَامٌ مُنَتَظَرْ (80)

ومن خلال تكريس فاعلية الأسطرة التاريخية في النسق الآيديولوجي الثوري يتحوَّل السَّماوي بقصدية وعيه وحسِّه الوطني الثقافي في المجمل إلى شاعرٍ ناقدٍ يسعى عبر آليات الكتابة الملحمية الإبداعية المنحازة بأنساقها الخفية والمتجلِّية إلى صفِّ الشعب المأزوم بواقعه الراهن. فيعيد بتوثيق أرخنته الشعرية المعارضة حركيةَ تلك الأحزاب، وفاعلية إنتاجها الفعلي بلغة الشاعر المبدع المتمكِّن من أدواته الشعرية الفذَّة، وَيَجِدُّ بعينِ الناقد المُبصِرِ الكاشف للأضواء في تلك الأنساق المتداخلة.

ويلفت نظرنا مرَّةً أخرى في طيَّات سياقه الشعري التركيبي النحوي بتقديم خبر (صارَ) المنصوب (دولةً) على اسمها المقدر بالضمير هو العائد على كلمة (حيّ)المضافة لِكلمة (كلُّ)، فذهب في المقطع السابق إلى تقديم (دولةً) على مرتبة العامل الفعل الناقص (صارَ) لغايةٍ جماليةٍ بلاغيةٍ فقهيةٍ لغويةٍ، ومن باب تقديم المهمِّ المقصود بالذَّم والسخريةِ والتهكُّم على الأهمِّ المذموم في التصيير والتحوِّل إلى إمكانيات دولةٍ كبيرةٍ.

وفي واحدٍة من أكثر تجلِّيات شعرية (الخفاءِ والتَّجلِّي) النسقية الإنتاجية في الخطاب الشعري ذي الروح الأسطوري الملحمي الذي يُعبِّر فيه الشاعر السَّماوي عن مدى تَذمُره النفسي وسخطه الآيديولوجي وهجائه الثوري الكبير من تلك الجموع الضَّالة الفاسدة لآلهة الزور الجديدة الحاكمة؛ وذلك النهج (الأفيوني) واضح من خلال تلك الممارسات المُشَوِّهَة للدين والوطن، وعبر لغة العقود والعهود الأفَّاكة الكاذبة التي يقطعونها بأغلظ الأيمان على الناس، ويشرونها لهم بيعاً رخيصاً بشعارات الآمال والأماني والتمنِّيات ومسكِّنَات الخدر وبضاعة التغييب التي تعدُّ أفيوناً لتخدير وتكميم أفواه الناس عن مطالبهم المشروعة:

كُلُّهُمْ فِي مَجْمَعِ الآلِهَةِ الزُّوْرِ

يَبِيْعُونَ عَلَى النَّاسِ الأَمَانِي

وَالخَدَرْ (81)

وبهذا الجمال النسقي الثقافي الإنتاجي لـ (مِحنةِ أَنكيدًو) الكبيرة يُعيدُ الشَّاعر يحيى السَّماوي إنتاج أحداث الواقع اليومي للأُمَّة، ويؤرخِن لمرحلةٍ جديدةٍ من تاريخها السياسي والاقتصادي والثقافي الحديث بتقاربٍ فنِّيٍ ملحميٍ أُسطوريٍ جماليٍ موضوعيٍ ذاتي روحي، لا يتناصُّ فيه الشاعر مع نصِّ الملحمة التاريخي السومري الكلكامشي الرافديني، ومع أحداثها التاريخية، بل يستفيد من طبيعة تراث وقائعها، ودلالات توظيف استحضار رموزها وشخوصها الحقيقية، وبيئتها الطبيعية الجغرافية المكانية والزمانية، وَيُسقطُ بحرفيةٍ فذةٍ عاليةٍ موضوعات وقائع الحاضر الراهن على ظلال التاريخ الماضي تأسيساً وتواصلاً.

من الأنساق الثقافية الذاتية التي جادت بها شعرية السَّماوي الرمزية بين مقاربتي (الأَنَا)، و (الأنتِ) قصيدة (المُحبُّون)، الَّتي هي مفتاح نصيٌّ دلالي لعتبةٍ عنوانيةٍ بالغةِ الإيجاز في بنية تركيبها النحوي والفنِّي. وصوتياً هي مصفوفة شعرية بائية مُتحركة الإيقاع غيرُ مُقيَّدةٍ في عذوبة تساوقها البنائي النغمي (الخارجي والداخلي) وزناً وقافيةً وإيقاعاً داخلياً. ويجمعها أسلوبياً وفنيَّاً نسيجٌ مُحكمٌ من تلابيب وحدة عضويةٍ مُتماسكةٍ في حَبكها اللُّغوي، وصياغة سبْكها الدّلالي المعنوي شكلاً ومضموناً. وهي في الوقت ذاته تمثِّل مُعادلاً موضوعياً واحداً لصورة الواقع المرئي واللَّامرئي، الظاهر المُتجلِّي، والمُضمَر الخفي في أنساقه ومرجعياته الثقافية القريبة والبعيدة، وهي في الوقت عينه أيضاً مُشترك سيميائي دلاليٌ لوحدتي (المكان والزمان) في أبهى تجلِّياته وحضوره الزماني أكان (ماضياً أم حاضراً أم مستقبلاً)استشرافياً واعداً.

وتعدُّ هذه القصيدة في سياحتها النسقية المعرفية بأنَّها سفرٌ لكتابٍ مفتوحٍ غير مٌتَنَاهٍ في عمق امتداده الزمني الضارب بجذوره التاريخية المتأصلة. كما أَنَها المطلق الحركي الذي يكسر بعناده عنانَ المُقيَّد الاعتباري التداولي بِمساحة الانفتاح الرُّوحي الكبير الذي يُؤرخنُ حدوثة الراهن الحاضر المعاش بالماضي الغابر، ويوثق كتابياً وموضوعياً تسلسل تدوين معالمه الحضارية والجمالية زمنياً:

كِتَابُ الأَمْسِ / وَاليَومِ/ الغَدِ المُمْتَدِّ حَتَى

آخِرِ الدَّهْرِ.. (82)

وَأَخَالُ هنا جازماً التعبيرَ، وَمُمْعِناً التدبير في قراءتي النسقية المتواضعة لهذه المدوَّنة الشعرية أنَّ (المُحُبُّونَ) لِيستْ مجردَ قصيدةٍ نصيَّةِ إبداعيةِ جَماليَّةٍ في هندسة تشكُّلاتها الصورية (المَرئية والصوتية) المُحتشَدة بالتَّمظهرات اللُّغوية والمفارقات (الإِمجيَّة الصُورية) الانزياحيَّة المُبتَكَرة فنيَّاً ودلالياً فحسب، وإنَّما هي تمثِّل فكريَّاً وتأمُّليَّاً وفلسفياً وجماليَّاً معالمَ معرفيةً لمدينة السَّماوي الرُّوحية (الفاضلة). مدينة الحُبِّ والإيثار الجمالي النفسي تُجاه إثرةِ الزمن السَّلبي العصي الرديء بكلِّ تناقضاته ومؤثَّراته السياسية والفكرية.

ولا أُريد هنا في هذا المقام أنْ أُبالغَ صِدقاً أو تَزَلُفَاً أو انحيازاً برأيي هذا، وكما يترآى إلى ظنِّي، أو يتَنَاهى إلى فكري، أو يتدَّاعي مع رجع قلبي أنَّ نصيَّةَ (المُحُبُّونَ) ذات الرَّمز الذاتي الواقعي، هي فعلاً قصيدةُ (تنوُّرٌ ومِحراثٌ) جنوبيٍ عراقيٍ أصيلٍ، ومصفوفةُ ناعورٍ فُراتي سًومري مُعتَّقٍ من الإيثار الروحي والعرفاني الصوفي المُتجدُّد يدور حركياً وزمنياً في فلك رَحى فرات قصيدة السماوي االعشقية. فيروي فضاء تضاريس جسدها الظامئ اخضراراً مورقاً وحياة ورواءً، فتتناسل خصباً ونماءً وبهاءً وتكاثراً.

ويتناهى إلى ظنَّي كثيراً أنَّ السَّماوي لم يختر لقصيدته (المُحُبُّونَ) عُنواناً كهذا العنوان الفنَّي المائز إلَّا وإنْ كانت له مسوغات أسبابه الدِّلالية الخفية، ومسوغاته الفنيَّة البعيدة المُعبِّرة عن عمق رؤاه وبصيرته الشعورية النافذة. ويكفي قصيدته الفكرية فخراً وثباتاً أنَّ الله تعالى قد ذكر دلالة (الحُبِّ) كثيراً في طيات كتابه العزيز، وكرَّرَها مراراً عديدةً؛ لتكونَ أيقونة سلام مائز لمن يُؤمن بِحبُّ ثنائية (الروح والجسد).

فلا عجب أنْ يكون الحُبُّ بين المُحبينَ عند السَّماوي رسول حياةٍ خفيةٍ جَديدةٍ دائمةٍ تغمر بعبقها فيوضات القصيدة الحِس رُوحية رواءً وخصوبةً وبهاءً تحت مظلة الاتّحاد الرُّوحي بين (الأَنا والأنتِ)؛ لتنتج لنا من الناحية الفنيَّة جدليةً جديدةً من التكامل والتكافل الأنوي المُتمثِّل بقصدية المُتكلم للمخاطب في دلالة (كلانا) الدالة بـ (نا) على ضمير الفاعلية الاتِّحادية بينهما مصدر التآلف والتوافق الروحي.

تلك اللَّازمة اللَّفظيَّة اللُّغوية التي تكرَّرت رأسياً خمس مَرَّاتٍ متواليةٍ عبر فضاء النصيَّة؛ لتشكلَ ببنائها التَّكراري اللُّغوي اللَّفظي الجمالي بداياتِ جُمل محوريةٍ توالديةٍ مُتّحدةٍ بإشاراته الصورية الدلالية والفنية؛ لِتُمَاهي باستجاباتها المركزيَّة التكراريَّة الشَّرطية مُثيرات الواقعة الحدثية؛ وذلك من خلال مُعطيات مُدخلاتها ومُخرجاتها الصورية الجمالية التأثيرية مهما كانت دلالة تناقضاتها التَّضادية وتنافراتها السَّلبية:

أَنْتِ لِلْسُنْبِلِ وَالَّتنُّوْرِ أُمُّ

وَأَنَا لِلنَّهْرِ وَالحَقْلِ أَبٌ

وَكِلَانَا شَجَرٌ..

وَالمَاءُ لِعَطشَانِ.. (83)

فهذا الاندماج الشُّعوري الاتَّحادي الاشتراكي التناسلي المُتضاد شكليَّاً بين (أنَا)، و (أنتِ) بلازمة دلالة التوكيد المعنوي الملحق بجمع المذكر السالم (كِلَانَا)، الدالة اللَّفظية التي لا تعرف قوانينها الوضعية اللُّغوية إشكالياً الحدود المصطنعة الوهمية للتفاوت الطبقي الارستقراطي بين حارسٍ فقير، وسلطانٍ أميرٍ، وغوايةِ رجلٍ ناطقٍ بالدينِ، وعزيمةِ جُنديٍ يُدافع عن وطنه وشرائع دينه. إنَّها مسغبة الجوع التي لا قوانين لها تحدُّها سوى الإطعام المادي المشترك الدلالي الجمعي بينهم.فتباركَ الله تعالى في تنزيله العزيز الحكيم حين قَدَّم أفضلية الطعام على الأمن والخوف في رحلة الشتاء والصيف؛ لكون الإطعام يمثِّل حياةً للإنسان، فقال: (الَّذي أَطْعَمَهُم مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُم مِنْ خَوْفٍ) (84).لذلك كانت صفة الإطعام لها أفضلية.

إنَّ مِثل هذا التماهي (الحِس رُوحي) يدفع بالشاعر المحزون المتألم يحيى السماوي إلى خاصية التشيؤ الحركي، فيحرك صور الجمادات المُحنَّطة بلازمة (كلانا) اللَّفظية ؛ لتكون صوتاً شعرياً حقيقياً مُعبِّراً عن تهميش صورة المُغيَّب والمسكوت عنه قصديَّاً من قبل فاعلية الضميرين (الأنا والآخر الأنتِ):

وَكِلَانَا شَفَةٌ ضُمَّتِ إِلَى الأُخْرَى

فَأَصْبَحْنَا الفَمَ النَاطِقَ

وتَتَّحد الصورة الحركية الحسيَّة المرئيَّة في إمالتها الانزياحية التراسلية؛ لِتُصبحَ بدلالة (كلانَا) التَّكرارية (دمعاً) من ماءِ الرُّوح و (كَربَاً) من خبزِ الحياة، فيا لقوَّة هذا الاتَّحاد الثنائي الروحي التقابلي الذي يجمع أشتاته المتناثرة بين حياةٍ وحياة أخرى أكثر إيجاباً وسحراً لواقعة دراما الحدث الموضوعية المتتابعة:

وَكِلَانَا مَاؤُهُ الدَّمْعُ

وَأمَّا خُبْزُهُ فالكَرَبُ (85)

وتتنامى صورة التَّكرار اللَّفظي الجمالي تَجديداً لِصفة (كلانا) الاندماجية شعورياً وعاطفياً، فتستحيل هيأتها الدلالية الرُّوحيَّة من صورةٍ معنويَّةٍ شيئيةٍ رُوحيةٍ إلى صورةٍ حسيَّةٍ حركيةٍ تَجسيميَّةٍ مُفعمةٍ بالجمال والحيوية والحياة، فتتصَّير حَبلاً مادياً تَشُدُّ بهِ نياط الأراجيح التَّرويحية، وتغدو ملعباً شعبياً جماهيرياً محتدما؛ً لإدامة فاعلية الحضور الحركي الإنساني للأطفال اليتامى. وتبدو هنا قصدية الشاعر من هذا التَّكرار الجمالي الإيثاري، هو أن تستمرَ دورة الحياة بنسغها الرُّوحي الجمالي مع المعدمينَ والمكافحينَ والمُهمشينَ من جمهور المحبينَ على الرغم من قساوة وجَور ظلمِ الكائدين المبغضينَ في الطرف السلبي:

وَكِلَانَا لَلأَرَاجِيحِ حِبَالٌ

وَلِأَطفَالِ بُيُوْتِ الطِّيْنِ فِي وَادِي اليَتَامَى

مَلْعَبُ (86)

وَتَتَعَالَى مُدويةً صيحاتُ الشَّاعر السَّماوي في هذا التكرار الجُملي الصوتي المُتَّحِد الرُّوحي العجيب بين الذات الشعورية الذكورية الشاعرية، والذات الشعورية الأنثوية العشقية الأنتيةِ؛ لتصدحَ الصرخة الصوتية، فتغدو صورةً مرئيةً صوتيةً من أمر عجب تغمر فكره إدهاشاً، وتستحوذ على مشاعره الداخلية.

وَكِلَانَا

فِيْهِ أَمْرٌ عَحَبُ (87)

وبتلقائيةٍ شعوريةٍ قَصديَّةٍ مفاجئةٍ يَنقلُنا السَّماوي الحاذق عبر أثير مجسَّات فضاء بنائه النصي الرمزي الشَّعري الشُّعوري المتدفق من الجوِّ العرفاني الصُّوفي لمدينته الرُّوحية الفاضلة إلى أجواء مُناخٍ جديدٍ لصورةٍ حسيَّةٍ أيروتيكيةٍ ناريةٍ مُلتهبةِ المشاعر والاهتياجية في تَجرُّدها الصُوري وتنافرها اللُغوي الدلالي التضادي؛ ليرتقيَ نفسياً بهذا اللَّمس الحِسِّي المُهذَّب في تعابير كلماته إلى مَصاف اللَّمس المعنوي الرُّوحي المُرقق، والمُكتنَز بتباريح الفيض العرفاني تماهياً بجماليات المخلوق مع صورة الخالق في أمتع توصيفٍ، وأبهى صورةٍ من صور علم الجمال للغزل الحِسِّي الرُّوحي الذي تسمو به الروح جسداً والجسد روحاً. وذلك حين تجيش المشاعر العاطفية العشقية بعناصرها المتضادَّة. فلا الماء البارد المخزون يطفئ جذوة الشاعر الملتهبة، ولا النار الضرام تأبى حطباً لها غير حطب الشِّاعر المُتأجِّجة بدالة الأداة (كلَّما) الشرطية التي يقتضي أنْ يكونَ اسمُها وجوابها الشرطيان فعلينِ مَاضيينِ؛ لتحقيق وجوب القاعدة الشرطية لها بالواقعة الشعرية الصورية الاٍجمالية لزمانية حدثها المككاني:

كُلَّمَا يَحْبُسُ فِي أَحْشَائِهِ المَاءَ

تَشَبُّ الَّنارُ وَهوَ الحَطَبُ (88)

وكلُّ هذا التماهي الفكري الشعوري لتجربة الشاعر الحياتية التي يُنَقِّبُ فيها باحثا عن حياته وعن ذاته الوجودية لم يمنع السَّماوي شاعراً أْنْ يُجدِّد في إضاءاته التنويرية والتقاطاته الصورية لدلالة المحبين، فسيبغ على محبيه الذين هم يمثلون السَّواد الأعظم من الناس المكافحين والمعدمين جلَّ العطايا والسِّمات الإنسانية الفاضلة التي تُميِّزهم كعلاماتٍ فارقةٍ عن سواهم من المُتسلِّطين والمتجبرين على رقاب الناس. فأخذ الشَّاعر يَرسم لهم بهذا السَّمت المثالي، ولسلوكهم الإنساني توصيقاتٍ تكرارِيَّةٍ تردَّدت رأسياً وأفقياً خمس مَرَّاتٍ في بنائه النصي الجمالي. وراح في كل تكرارٍ أو تَمظهرٍ صوريٍ لافتٍ يُضفي عليهم صفةً إنسانيةً جديدةً باذخةً تُناسب قدرهم الرُّوحي الَّذي تَفيض منهُ.

ففي التَّمَظهُر التَّكراري الأوَّل يُضفي عليهم الشَّاعر المذهل صفةَ (الكراماتِ) التي هي صفة دينية بحتةٌ وأخلاقية وروحيَّة وجماليَّة أكثر مما هي صفة شعريَّة إبداعيَّة صوريَّة محضة. وغايته النفسية النبيلة ومقصده الذاتي الجمالي أن يُعلي من شأن قدرهم الروحي العرفاني والإنساني الكبير، فيقول مردِّداً:

لِلمُحِبِّينَ كَرَامَاتٌ

فَإِنْ هُم رَكِبَوا البَحْرَ

اِسْتَجَابَتْ لِلشِرَاعِ الرَّيْحُ وَالمُوجُ

وَأَصغى لِلنِدَاءِ المَرْكَبُ (89)

فضلا عن هذا كلِّه ألبسهم الشاعر يحيى السماوي مزايا وصفاتٍ إنسانيةً حميدةً أخرى تليق بهم كليَّاً.

وفي المشهد الثَّاني من المظهر التَّكراري اللَّفظي الثَّاني يغدق عليهم الشاعر بجميل عطاياه النبيلة، فيمنح توادَّهُم وحبَّهُم حمامةَ سلامٍ في الرخاء والسَّلم والأمان، ويجعلهم ثورةً حمراءَ تغلي مراجلها في شفير الحرب، فالمحبُّون عنده يماماتُ سلامٍ وديعةٌ في الحياة، لكنَّهم يتصيَّرونَ عند الغضب وساعة الشدَّة سِباعاً ضاريةً وأسوداً مفترسةً في الحرب على أعدائهم، وقد جسَّد فضيلة هذا المشهد التناقضي الصوري قائلاً:

والمُحِبُّونَ عَلَى الوِدِّ يَمَامَاتٌ

وَلَكِنَّهُم اللَّبْوَةُ وَالسَّبْعُ

إِذَا هُم غَضِبُوا (90)

وفي المظهر التَّكراري اللَّفظي الثَّالث لدلالة المُحبِّينَ يُضفي عليهم الَّسماوي باباً مُشرِعَاً من الخير للجارِ لعله يعني بابَ الفرج من أبواب الحُريَّة الواسعة. ويمنح أهلهم صفاتِ السُّور الآمن الذي يصدُّ عنهم الريح العاتية، فيجعلهم في عيشٍ رغيدٍ مطمئنٍ هَادئٍ يُبعدُ عنهم ريح الأعداء العاتية التي تُهَدِّدُ مصيرهم:

وَالمُحِبُّونَ لِدَارِ الجَارِ بَابٌ

وَلِحَيِّ الأَهْلِ سُوْرٌ

ويَتَكَرَّر المشهد الصوري لجماعة المُحبِّين في صورة التمَّظهر البنائي الرابع، فيهبهم مخيال الشَّاعر الماهر المثابر يحيى السَّماوي في لغة الإبداع الجمالي صفةً وَمَنْزِلَةً رُوحيَّةً عَليَّةً ساميةً بًهيةً تجعلهم خاصيةً متفردةً من خَوَاص (رعايا اللهِ) في أرض مملكة العشق الروحي السومري التاريخي الخالد التراث:

والمُحِبُّونَ رَعَايَا اَللهِ فِي مَمْلَكَةِ العِشْقِ (92)

أضف إلى ذلك التكريم الرُّوحي الجدلي المتجدِّد، لهم طباع وسجايا حميدة أخرى تلتصق بهم وتضفي عليهم إشارات التأصيل والعراقة والجدية والانتماء للوطن الخالد، فلهم طباع التنانير الأصيلة في عطاء الخبز، ولهم طبع نواعير الماء الفراتية العتيقة الصامتة في تدفق جريان الماء للحقل بهدوء وانسياب.

أمَّا صفات التمظهر التَّكراري اللَّفظي الخامس لدلالة المُحِبِّين المعنوية، والذي افتتح به الشاعر مطلع قصيدته البائية المقيَّدة بسكونها الحركي والمستمدَّة من باء المحِّبينَ المضعَّفة التشديد، فقد صيَّره الشاعر كتاباً مفتوحاً ناطقاَ لكلِّ الأزمان بالبيعة الأولى من الأمس المُنصرمِ إلى الغدِ الحاضرِ والمستقبل الآتي الذي يرفد جميعَ الكتبِ الأخرى، ويُثري معرفتها بمرجعياته الثقافية والفكريَّة والحضاريَّة المتجذرة الممتدَّة:

وَالمُحِبُّونَ

كِتَابُ الأَمْسِ / وَاليَوْمِ/ اَلغَدِ

المُمْتَدِّ حتى آخَرِ الدَّهرِ...

كِتَابَ البَيْعَةِ الأُوْلَى الَّذِي تَنْهَلُ مِنْهُ

الكُتُبُ (93)

ومما زاد من أهميةِ هذا النصِّ الشِّعري دلالةً وجمالاً مُوحياته الرمزية الذاتية والمعنوية، أنَّ السَّماوي الشاعر الباحث عن جمال الحياة في ذاته الشعرية، والمُتقصِّي لوجوده الكوني في إبداعه الشعري الثرِّ، قد عمدَ فنيَّاً إلى أن تكون براعة الاستهلال والتصدير في ختام القصيدة متصلةً بحسن جمال المطلع، وكأنَّه دورة إيقاعية أسلوبية تواصلية لا تنفكُّ عن بعضها بعضاً. أو تكون حلقاتٍ وسلسلةً من التَّرابط الرُّوحي والحِسِّي الذي يكفل بعضهُ معاً، ويسنده في التخليق الإنتاجي المتصاعد درامياً مع واقعة الحدث.

ومما أضفى على تجلِّيات القصيدة وقعاً جمالياً وأسلوبياً آخر، هو توفيق الشَّاعر بتوظيف هذه الخاتمة باستعارةٍ بلاغيةٍ مجازيةٍ توائِم طبيعة المُحبِّينَ من أبطال هذه القصيدة الذين وصفهم بكتابِ عهدِ البيعة المفتوح الذي يصلح لكلِّ الأزمان والأمكنة، ولا يموت إلَّا بموت الشَّاعر، وخفوت صوته الإبداعي الناطق بجلال الكملة وحسن شرفها الدلالي الآسر، وكأنَّ لسان حال الشاعر الصابر العنيد في شعار الحياة يُنشد سراً وعلانية ما كان يردِّده الشاعر الفلسطيني محمود درويش في المواجهة والتَّحدي لأعداء الحياة حين يقول صابراً مُحتسباً في قصيدته الدالة على معاني وحدة الموضوع:"أَنَا أَولُ القَتْلَى وآخرُ مَنْ يَمُوتُ".

وبالتأكيد أنَ الثائر الشاعر الفكري السَّماوي هو أوَّل القتلى المجاهدين في حمى وطيس المواجهة والتحدِّي والرفض والاحتجاج والاصرار على الحياة، وهو آخر صوت شعريٍ من يموت جسداً ولا يموت روحاً، أو صوتاً مخلداً في إعلاء كلمة الحُريَّة للوطن المنهوب إرادةً وشرفاً، وللشعب المسلوب كرامةً وحريَّةً؛ لذلك هو (الأمل والمُعول)، وهو (الجُرح) الغائر عمقاً والحاصد (المِنجلُ)، وهو (المِحراثُ والتَّنوُّرُ)، وهو الفلاح المثمر للأرض حين تُبذرُ وتُسقى وَتُستَثْمَرُ. فطوبى لشاعرٍ يَحيى أفنى العمرَ كُلَّه كَدحاً وصبراً لكي يحيا.

 

د. جَبَّار مَاجِد البَهادِلي

......................

هَوامِشُ الفَصلِ الأوَّلِ

1- يُنظرُ: محمّد جاهين بدوي، العشق والاغتراب في شعر يحيى السَّماوي، (قَليلُكِ لا كثيرهُنَّ)، ص 11.

2- يُنظرُ: المجلة العربية السعودية، العدد: 352، جمادى الأولى، 1427ه - 2005م.

3- عصام شرتح، أفاق الشعرية، دراسة في شعر يحيى السَّماوي، ص 380.

4- د. أحمد مختار عمر، علم الدلالة، ص 79، 80.

5- د. عبد الرِّضا علي، مُقدِّمة ديوان (نُهرٌ بِثلاثِ َضفافٍ)، ليحيى السَّماوي، ص 5.

6- صالح الطائي، حوار مفتوح مع الشاعر يحيى السَّماوي في ذكرى تكريمه، في17/12/2009م .

7- د.خضير درويش، أوراق الرَّماد، دراسة نقدية في ديوان (قَليلُكِ لا كثيرُهُنَّ)، للشاعر يحيى السَّماوي، ص101.

8- الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق: عبد السَّلام محمّد هارون، 1/89 .

9- يحيى السَّماوي، نهرٌ بثلاث ضفافٍ، ص142.

10- د. سمير الخليل، موت المؤلَّف وتصدُّعات النصّ، دراسات نقدية وثقافية في الشعر والسرد (آيروتيكا السَّرد في رواية آدم)، ص279.

11- جاد الكريم الجباعي، الآيروسية انطباعات وتأملات، (الجنس في الثقافة العربية)، موقع في 22/7/2015م

- ويُنظرُ: أُكتافيو باث، اللَّهب المزدوج، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، ط1، 1998م، ص7.

12- آمال عواد رضوان، الآيروتيكية مفهوماً- مبعثاً وتاريخاً، صحيفة المُثقَّف، في 6/4/2010م.

13- راجع: أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة: خليل أحمد خليل، منشورات عويدات للطباعة.

14- جاد الكريم الجباعي، الآيروسية انطباعات وتأمُّلات، موقع ألكتروني، في 22/7/2015م.

15- راجع: مجموعة من المؤلِّفين الرُّوس، فلسفة الحبَّ، ترجمة هيثم صعب، ط1، 2008م، جزأين.

16- فيودور رايك، سيكولوجيا العلاقات الجنسية، ترجمة: ثائر ديب، دار المدى، دمشق، ص16.

17- مقال لمؤلِّف غير مذكور الاسم، الآيروتيكية في الشعر، موقع ألكتروني، الصفحة الرئيسة، قي 7/9/20121م.

18- يحيى السَّماوي، تَيمَّمي بِرَمَادِي، ص 20.

19- يحيى السَّماوي، تَيمَّمي بِرِمَادِي، ص 20.

20- يحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادي، ص 34.

21- قيس بن المُلوَّح، ديوان قيس بن المُلوَّح (مَجنون ليلى)، ص 124.

22- يحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادِي، ص 49.

23- يحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادِي، ص 49.

24- يُنظرُ:سعدي عبد الكريم، البثُّ الحسِّي والفكري في ومضات الشاعر العراقي السَّماوي، ص 16.

25- يَحيى السَّماوي، قَليلُكِ لا كثيرُهُنَّ، ص 8.

26- يَحيى السَّماوي، تيمَّمي برمادي، ص 69، 70.

27- عبد السّلام المساوي، البنيات الدالة في شعر أمل دُنقل، ص40.

28- يحيى السَّماوي، أطفئينِي بناركِ، ص 58، 59، 60.

29- ماجد الغرباوي، تجلَّيَات الحنين في تكريم الشاعر يَحيى السَّماوي، ج1/ 382، 383 .

30- عز الدين إسماعيل، الشعر العربي المعاصر، (قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية)، ص 352.

31- يَحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادي، ص 70، 71.

32- يَحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادي، ص 85.

33- عبد المقصود محمّد سميع خوجة، ناشر ديوان (قَليلُكِ.. لا كَثيرُهُنَّ)، ليحيى السماوي، ص 8.

34- يَحيى السَّماوي، تيمَّمي برمادي، ص 85.

35- صلاح فضل، علم الأسلوب، مبادئه وإجراءاته، ص 256.

36- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بَأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ، (مَخطوطةٌ قَيدُ الطبعِّ)، قَصيدةُ (فَقدتْ مَعَانيهَا المَعَانِي).

37- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بَأجنحةٍ منْ حَجَرٍ، (مَخطوطةٌ قَيدُ الطبعِ)، قَصيدةُ (فَقدتْ مَعانيهَا المَعَانِي).

38- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بَأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ، (مَخطوطةٌ قَيدُ الطبعِّ)، قَصيدةُ (فَقدتْ مَعَانيهَا المَعَانِي).

39- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بَأجنحةٍ منْ حَجَرٍ، (مَخطوطةٌ قَيدُ الطبعِ)، قَصيدةُ (فَقدتْ مَعانيهَا المَعَانِي).

40- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بَأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ، (مَخطوطةٌ قَيدُ الطبعِّ)، قَصيدةُ (فَقدتْ مَعَانيهَا المَعَانِي).

41- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بَأجنحةٍ منْ حَجَرٍ، (مَخطوطةٌ قَيدُ الطبعِ)، قَصيدةُ (فَقدتْ مَعانيهَا المَعَانِي).

42- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بَأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ، (مَخطوطةٌ قَيدُ الطبعِّ)، قَصيدةُ (فَقدتْ مَعَانيهَا المَعَانِي).

43- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بَأجنحةٍ منْ حَجَرٍ، (مَخطوطةٌ قَيدُ الطبعِ)، قَصيدةُ (فَقدتْ مَعانيهَا المَعَانِي).

44- يَحيَى السَّماوي، تَيمَّمي بِرَمَادِي، ص 92.

45- يُنظرُ: نجم الجابري، لقاء مع شاعر الغربة يحيى السَّماوي، في 12/ 7 /2012م.

46- يَحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادي، ص 107.

47- يَحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادي، ص 132.

48- رجاء عيد، القول الشّعري منظورات معاصرة، ص 198، 199.

49- يَحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادي، ص 120.

50- يَحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادي، ص 110.

51- يحيى السَّماوي، تيمَّمي برمادي، ص 169.

52- يَحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادي، ص113، 114.

53- يحيى السَّماوي، تيمَّمي برمادي، ص 141.

54- يَحيى السَّماوي، تَيمَّمي برمادي، ص 165، 166.

55- فيا تشيسلاف شستاكوف، الآيروس، والثقافة، فلسفة الحبِّ والفن الأوربي، ترجمة: د. نزار عيون السود، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق- سورية، ط1، 2010م، ص272.

56- راوية يحياوي، شعر أدونيس، البنية والدلالة، ص 13، 14.

57- يُنظرُ: دافيد لوبورتون، انتربولوجيا الجسد والحداثة، ترجمة: محمّد عرب صاصيلا، ص5.

58- يُنظرُ:عبد الله الغذامي، المرأة واللُّغة، المركز الثقافي العربي، بيروت: الدار البيضاء، ص 82. 59- يَحيى السَّماوي، التَّحليقُ بأجنحةٍ من حجرٍ، (مخطوطةٌ قيد الطبع)، قصيدة لم يبقَ لِي مِنِّي سِواكِ.

60- يَحيي السَّماوي، التَّحليقُ بأجنحةٍ من حجرٍ، (مخطوطةٌ قيد الطبع)، قصيدة لم يبقَ لي مني سواك.

61- يحيى السَّماوي، التَّحليقُ بأجنحةٍ من حجرٍ، (مخطوطةٌ قيد الطبع)، قصيدة لم يبقَ لِي مِنِّي سِواكِ.

62- يَحيىي السَّماوي، التَّحليقُ بأجنحةٍ من حجرٍ، (مخطوطةٌ قيد الطبع)، قصيدة لم يبقَ لي مني سواك.

63- يحيى السَّماوي، التَّحليقُ بأجنحةٍ من حجرٍ، (مخطوطةٌ قيد الطبع)، قصيدة لم يبقَ لِي مِنِّي سِواكِ.

64- يَحيي السَّماوي، التَّحليقُ بأجنحةٍ من حجرٍ، (مخطوطةٌ قيد الطبع)، قصيدةُ لمْ يَبقَ لِي منِّي سِواكِ.

65- يحيى السَّماوي، التَّحليقُ بأجنحةٍ من حجرٍ، (مخطوطةٌ قيد الطبع)، قصيدة لم يبقَ لِي مِنِّي سِواكِ.

66- يَحيي السَّماوي، التَّحليقُ بأجنحةٍ من حجرٍ، (مخطوطةٌ قيد الطبعِ)، قصيدة لم يبقَ لي مِنِّي سِواكِ

67- يَحيي السَّماوي، التَّحليقُ بأجنحةٍ من حجرٍ، (مخطوطةٌ قيد الطبع)، قصيدة لم يبقَ لي مني سِوِاك.

68- يحيى السَّماوي، التَّحليقُ بأجنحةٍ من حجرٍ، (مخطوطةٌ قيد الطبع)، قصيدة لم يبقَ لِي مِنِّي سِواكِ.

69- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021م.

70- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021

71- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021م.

72- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021م

73- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021م.

74- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021

75- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021م.

76- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021م

77- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021م.

78- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021م

89- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021م

80- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (مِحنةُ أَنكيدُو)، 2021م

81- يَحيى السَّماوي، تَيمَّمي بِرمِادي، ص 30، 31.

82- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (المُحبُّونَ)، 2021م.

83- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (المُحبُّونَ)، 2021م

84- سورة قريش:الآية 4.

85- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (المُحبُّونَ)، 2021م.

86- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (المُحبُّونَ)، 2021م.

87- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (المُحبَّونَ)، 2021م.

89- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (المُحبُّونَ)، 2021م

90- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (المُحبُّونَ)، 2021م.

91- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (المُحبُّونَ)، 2021م

92- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (المُحبُّونَ)، 2021م

93- يَحيَى السَّماوي، التَّحليقُ بِأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قُيدُ الطبع)، قَصيدةُ (المُحبُّونَ)، 2021م

......................

ثَبتُ المَصادِر والمَراجعِ (الفَصلُ الأوَّلُ)

1- د.أحمد مختار عمر:

*علم الدلالة، عالم الكُتب، القاهرة، ط4، 1993م.

2- أُوكتافيو باث:

*اللَّهب المزدوج، المشروع القومي للترجمة، ط1، القاهرة، 1998م.

3- أندريه لالاند:

*موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة: خليل أحمد خليل، منشورات عويدات للنشر والطباعة، باريس وبيروت، ثلاثة أجزاء، ط2، 2001م.

4- ثيودور رايك:

* سيكلوجيا العلاقات الجنسية، ترجمة: ثائر ديب، دار المدى للثقافة، دمشق، ط1، 2005م.

5- آمال عواد رضوان:

* الآيروتيكية مفهوماً- مبعثاً وتاريخاً، صحيفة المُثَقَّف الألكترونية، في 6/4/2010م.

6- الجاحظ:

* البيان والتبيين، تحقيق: عبد السلام محمّد هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ط5، 1985م.

7- جاد الكريم الجباعي:

* الآيروسية، انطباعات وتأمُّلات، (الجنس)، موقع ألكتروني، في 22/7/2015م.

8- د. خضير درويش:

* أوراق الرماد، دراسة نقدية في ديوان (قَليلُكِ لا كثيرُهُنَّ) للشاعر يحيى السَّماوي، دار تموز ديموزي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، ط1، 2018م.

9- دافيد لوبورتون:

* انتربولوجيا الجسد والحداثة: ترجمة: محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر

والتوزيع، بيروت، ط1، 1993م.

10- راوية يَحياوي:

* شعر أدونيس، البنية والدلالة، اتّحاد الأدباء والكُتَّاب العرب، دمشق، (ب.ط)، 2008م.

11- رجاء عيد:

* القول الشعري منظورات معاصرة، منشأة المعارف بالإسكندرية، مصر، ط1، 1995م.

12- سعدي عبد الكريم:

*البثُّ الحسِّي والفكري في ومضات الشاعر يحيى السَّماوي، دار تموز ديموزي للطباعة

والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، ط1، 2019م.

13- د. سمير الخليل:

* موت المؤلف وتصدُّعات النصِّ، دراسات نقدية وثقافية في الشعر والسرد، (آيروتيكا السرد في رواية

آدم)، منشورات الاتّحاد العام لأدباء وكُتَّاب العراق، بغداد، 2020م.

14- صَالح الطائي:

*حوار مفتوح مع الشَّاعر يَحيى السَّماوي في ذكرى تكريمه، صحيفة المُثَقَّف الألكترونية الأسترالية، في 17/12/2009م.

15- صلاح فضل:

* علم الأسلوب، مبادئه وإجراءاته، كتاب النادي الأدبي، (ب.ط)، جدّة ، 1988م.

16- د. عبد الرضا علي:

* مقدِّمة ديوان (نَهرٌ بِثلاثِ ضَفافٍ)، ليحيى السَّماوي، دار تموز ديموزي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، سورية، ط 1، 2019م.

17- عبد السَّلام المساوي:

* البنيات الدالة في شعر أمل دُنقل، دار أرسلان للطباعة والنشر والتوزيع، ط1، 2015م.

18- عبد الله الغذامي:

* المرأة واللُّغة، المركز الثقافي العربي، بيروت- الدار البيضاء، ط1، 1996م.

19- عبد المقصود محمَّد سميع خوجة:

* ناشر ديوان (قَليلُكِ..لا كثيرُهُنَّ)، ليَحيى السّماوي، ط2، جدّة، 2007م.

20- عز الدين إسماعيل:

* الشعر العربي المعاصر، (قضاياه وظواهره الفنيَّة والمعنويَّة)، دار العودة، بيروت، (ب. ط)، 2007م.

21- عصام شرتح:

* آفاق الشعرية، دراسة في شعر يَحيى السَّماوي، دار الينابيع، دمشق، ط1، 2010م.

22- قيس بن الملوَّح:

* ديوان مجنون ليلى، تحقيق: يُسري عبد الغني، دار الكتب العلمية، بيروت- لبنان، ط1، 1999م.

23- فيا تشيسلاف شستاكوف:

* الآيروس والثقافة، فلسفة الحبِّ والفن الأروبي، ترجمة: نزار عيون السود، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق- سورية، ط1، 2010م.

24- ماجد الغرباوي:

*تجلِّيَات الحنين في تكريم الشاعر يَحيى السَّماوي، في مجلدين، دار الينابيع، دمشق، ط 1، 2010م. 25- المجلة العربية السعودية:

العدد: 352، جمادى الأولى، 1427ه- 2005م.

26- مجموعة من المؤلِّفين الروس:

* فلسفة الحبِّ، ترجمة: هيثم صعب، دار المدى، دمشق- سورية، 2008م.

27- مقال لِمؤلِّف لم يذكر اسمه:

* الآيروتيكية في الشعر، موقع ألكتروني، في 7/9/2012م.

28- محمَّد جاهين بدوي:

*العشق والاغتراب في شعر يَحيى السَّماوي، (قَليلُكِ لا كثيرُهُنَّ) نموذجاً، دار الينابيع، دمشق - سورية، ط1، 2010م.

29- نجم الجابري:

* لقاء مع شاعر الغربة يَحيى السَّماوي، مركز فراديس الألكتروني، الحوارات العامة في

12/ 7 / 2012م.

30- يَحيَى السَّماوي:

* أطفئيني بنارك، دار تموز ديموزي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق - سورية، ط1، 2013م.

31- يَحيى السَّماوي:

*التَّحليق بأجنحةٍ مِن حَجَرٍ، (مَخطوطةٌ قَيدُ الطبعِ)، قَصيدةُ: (فَقَدَتْ مَعانيهَا المَعاني)، 2021م.

32- يحيى السَّماوي:

*التَّحليقُ بأجنحةٍ من حَجَرٍ (مَخطوطةٌ قيدُ الطبعٍ)، وقصيدة: (مِحنَةُ أنكيدُو)، 2012م.

33- يَحيى السَّماوي:

*الَّتحليقُ بِأجنحةٍ من حَجرٍ (مخطوطةٌ قيدُ الطبع)ِ، قصيدة: (لَمْ يَبقَ لِي مِنِّي سِواكِ)، 2021م.

34- يَحيى السَّماوي:

* تَيمَّمي بِرَمَادِي، تموز ديموزي للطباعة والنشر والنوزيع، دمشق- سورية، ط1، 2018م.

35- يحيى السَّماوي:

* (قَليلُكِ.. لا كَثيرُهُنَّ)، جدّة، ط2، 2007م.

*نهرٌ بثلاثِ ضِفافٍ، تموز ديموزي للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق- سورية، ط1، 2019م

" يتبع "

....................

 (*) من كتاب بنفس العنوان قيد الطباعة .

 

 

 

قصي الشيخ عسكريعنى الدكتور علي القاسمي في مؤلفاته الأدبية وقصصه بخاصة قصة السيرة بالتراث العربي سواء عصر ما قبل الإسلام أو العصور التي تلت الحقبة ولا عجب في ذلك فالقاسمي رجل معجمي صرف جل وقته في تأليف معجم مهم في الأدب العربي لكن عنايته بالتراث في قصصه لا تبدو مفتعلة أو غير منسجمة مع النص الأدبي في قصص السيرة  ومنها قصة (الآنسة جميلة ) التي تحدثنا عنها في مقال نشرناه من قبل في صحيفة المثقف الغراء.

إن التراث في تلك القصة المذكورة أعلاه يندرج ضمن حالات متباينة أغنت مسار القصة منها:

انقلاب الكلمة التراثية

الاستشهاد بالشعر بصفته مظهرا جماليا أو السرد الذي يغني المعنى من خلال الشعر

الاستناد إلى الحكمة القديمة

تعزيز الوصف وتنميقه من خلال الفكر الصوفي

التسجيل التاريخي القديم  والمعاصر

انقلاب الكلمة وثباتها في الوقت نفسه وحمل العنوان التناقض الإيجابي

الآن نعود للقصة مرة أخرى وأول شئ يستوقفنا فيها موضوع التسمية

في مسألة انقلاب الكلمة التراثية نجد القاسمي الكاتب القاص يختار عنوانه بدقة تامة من خلال كلمتين هما آنسة بالتعريف وجميلة اسم بطلة القصة. في كتابي المخطوط (المنقلب والمتحوّل من الكلمات) قلت إنّ كلمة آنسة كانت تعني في عصر ماقبل الإسلام وبعده المرأة التي يُستأنس لحديثها وهي طيبة النَفَس تأنس إليك

يقول الشاعر عنترة:

دار لآنسة غضيض طرفها   عند العناق لذيذة المتبسم

ولا تعني كلمة آنسة في العصرين الأموي والعباسي قضيّة الزواج والعذرية

أما بمفهومنا المعاصر فإن الكلمة تعني الفتاة البكر غير المتزوجة,لقد اختار الكاتب عنوان قصته بأسلوب ذكي فكان يمكن أن يلجأ إلى كلمة جميلة فقط وهو اسم البطلة أو يختار كلمة شائعة على لسان المغاربة هي (للا) التي يطلقونها على المرأة البكر والمتزوجة أيضا غير أن القاسمي الكاتب وليس المعجمي هنا في هذا الموضع يبدو متمكنا من أداته اللغوية التي تعينة في اختياره الدقيق للمفردة التراثية إذ جعل كلمة آنسة عنوانا لقصته فنجد أن الفتاة نفسها البطلة تزوجت فيما بعد أي بعد زمن من اللقاء الأول في حفلة الموسيقى الأندلسية ثم طُلِّقت لقد سارت الحالة الثانية الزواج والطلاق بموازاة كلمة آنسة ليقول لنا الكاتب إن الجيل النقي البرئ يصطدم بالحياة وعقباتها فتتغيّر حاله مثلما تتغيّر في أذهاننا الكلمات من زمن إلى آخر أما الكلمة التي ترمز إلى النقاء (آنسة) فلن تزول وستظل تلتصق بالبطلة وإن تزوجت وأنجبت

السرد الذي يغني المعنى من خلال الشعر

في قصة الآنسة جميلة يستشهد الكاتب القاسمي بقول أبي تمام :

وتذكَّرتَ قولَ أبي تمام:ِ

قدْ قَصَرْنا دونكِ الأبـْـ  .... ـصارَ خوفاً أن تَذوبا

كلَّما زدناكِ لحظـــــاً   .... زِدتنا حُسناً وطِيــبــا

ويستشهد أيضا  ببيتن للشاعر المعاصر أحمد شوقي:

صوني جمالَكِ عنا إنّنا بشرٌ .... من التُرابِ، وهذا الحسنُ روحاني

...إذا تبسَّم أبدى الكونُ زينتَهُ  .... وإنْ تنسَّــــمَ َأهدى أيَّ ريحــــانِ

في حالة موازنة بينهما فهو يختار موضوعا واحدا أي الغزل ولعله الغزل العذري ويستشهد لكل شاعر ببيتين فالشاعر أبو تمام عاش في العصر العباسي وهو من شعراء التجديد وزعيم مدرسة شعرية نقلت الشعر العربي إلى مرتبة راقية  وأحمد شوقي أيضا راس مدرسة عربية معاصرة نقلت الشعر العربي الحديث إلى مرتبة جديدة بعد أن كان قد مرّ بفترة انحدار،والباحثة نعرف فيما بعد أنها تود أن تدرس الموسيقى لتحصل على درجة الدكتوراه فيها وتخصصها هو الموسيقى الروحانية الأندلسية فهي تقابل شوقي المعاصر المجدد بموسيقى ظهرت في زمن ماض يقابل أيضا زمن المجدد الكبير أبي تمّام

الاستناد إلى الحكمة القديمة

وهذا ماوجدناه من حكمة اقتبسها في الحوار التالي:

وكانت تتكلّم بانفعالٍ واضح.  قلت لها محاولاً تهدئتها:

ـ "إنَّ أولادنا خُلقوا لزمان غير زماننا، ومقاييسهم غير مقاييسنا. وهم أذكى منّا عندما كنا في مثل أعمارهم.          أضيفي إلى ذلك، عندما نرسل أولادَنا إلى أوربا أو أمريكا، لا تبقى لدينا

القدرة على توجيههم في قراراتهم، لاسيّما فيما يتعلّق بزواجهم."

إنّ كلمة أولادنا خلقوا لزمان غير زماننا هي حكمة قديمة نسبها المؤرخون القدامى إلى سقراط وبعضهم إلى الإمام علي بل تصرف بها المؤلف لتوليف الحوار وتعزيزه وما ذلك إلا لتنبيه ذاكرة القارئ وتحفيزها مرة بالشعر ومرة بمأثور الكلام أو الكلام القديم الشائع على الألسن.

ويستخدم الكاتب الحكمة الأجنبية أو المثل الأجنبي ومايقابله من حكمة عربية (أو كما يقول المثل اللاتيني: " الحقيقة في النبيذ" ويقابله المثل العربي " الكأس تتكلّم عني"

التسجيل التاريخي:

مادام المؤلف يكتب قصة سيرة وقد قلنا إنها سيرة فنية فلابدّ من أن يطرد الملل عن القارئ وذلك شئ مهم التفت إليه المؤلف فهو يلجأ إلى تحفيز ذاكرة القارئ بالحوادث التاريخية التي لها علاقة خاصة وفاعلة بموضوع القصة(فمدينة شفشاون التي تُلقَّب بـ "الجوهرة الزرقاء" لروعة طبيعتها الجبلية الخلابة، تأسَّست سنة 1472 لإيواء مسلمي الأندلس الذين طردهم الإسبان، فحملوا شيئاً من ثقافتهم الأندلسية معهم إلى البلدان المغاربية التي لجأوا إليها.  ولم يكُن أولئك اللاجئون من أصول مغاربية إسلامية فحسب، بل تعود أصول معظمهم كذلك إلى جميع أصقاع الإمبراطورية الرومانية النصرانية القديمة. وقد أسلموا إبّان الحكم الإسلامي المتسامح لإسبانيا الذي دام ما يقرب من ثمانية قرون.) لو كان الكاتب يكتب قصة ليست بقصة سيرة لاستغنى ربما عن هذا السّرد التاريخي لكنه يلجأ إليه لا عبثا ولا عجزا أو نقصا في الموضوع مثلما يتحدث عن سيرته وسيرة الآنسة جميلة فإنّه يتحدث عن بعض من سيرة مدينة شفشاون التي آوت الهاربين القدامى من محاكم التفتيش وكأنّ ماساة الآنسة جميلة هي العودة من أوروبا في حال حزن بعد الطلاق تشبه حال هؤلاء المغضوب عليهم العائدين إلى المغرب  فهناك موازاة بين السرد التاريخي القديم وسيرة البطلة.

ومن هدف السرد التاريخي أيضا التعليل وكشف السبب (والمغاربة يضعون كلمة "سيدي" قبل كل مَن اسمه "محمد"، إكراماً للرسول (ص)، وكلمة "مولاي" قبل كل مَن اسمه إدريس، إكراماً لمؤسِّس دولة الأدارسة في المغرب سنة 788م، الإمام إدريس بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن الإمام علي بن أبي طالب، رضوان الله عليهم) أضف إلى ذلك الهدف التعليمي الذي نجده في المقطع أعلاه.

وقد يكون التفصيل التاريخي مهما في غير التشويق وتحفيز الذاكرة كأن يكون نقدا لوضع قانوني أو سياسي كما في السرد الذي يُعنى بالمعاصرة ،التاريخ الحديث الذي يجهل بعضه الكثير من المتلقّين،وهو نقد لسياسة الدول العظمى التي تنظر للعالم بعين المتكبر(وكان الاتحاد الدولي للنقل الجوي (الإياتا) الذي تأسَّس بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1945، بهدف توفيرِ نقلٍ جوي آمن، واتَّخذ من مدينة مونتريال في كندا مقرّاً له، ويضمُّ حالياً في عضويته أكثر من 290 شركة خطوط في 120 قطراً، قد راعى مصالح الدول الأوربية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية التي أسسته وشركاتها الجوية. فعند تنظيم خطوط النقل الجوي، جعلت (إياتا) معظمَ الرحلات بين الشمال والجنوب، وليس بين الجنوب والجنوب. فإذا كنتَ في تونس مثلا، وعزمتَ على السفر إلى فريتاون أو كوناكري أو جاكارتا، فمن الأيسر والأسرع والأرخص لك أن تسافر إلى لندن أو باريس أو أمستردام أوَّلاً، ومن هناك تستقلُّ طائرةً متجهة مباشرة إلى المدينة التي تقصد؛ إذ لا تتوافر رحلات جوية مباشرة كثيرة بين تونس وتلك المدن التي تقصدها. ولهذا كانت مطاراتُ باريس محطةَ تغييرِ الطائرة في معظم رحلاتي) لقد أعطانا الدكتور القاسمي معلومة مهمة قيمة عبر أسطر قليلة دخلت في سرد قصة السيرة لتضفي على قصته إشراقة فنية فلو انتزعنا من القصة نفسها السرد التاريخي لبدت غير متماسكة غير أنها ازدادت تألّقا ورشاقة بجمعها فنونا عديدة منها الشعر والحكمة والتاريخ القديم والمعاصر.

الفكر الصوفي وطرقه ومنها الغناء والرقص الروحاني

الطريقة التراثية الأخرى التي يتبعها الدكتور القاسمي هي التعبير الصوفي أو المعاناة الروحية الداخليّة التي لولاها لما كان للتوازن أن يحدث في حياتنا.إن المظهر الخارجي يقودنا إلى التأمّل العميق مثلما يجعلنا النظر إلى شجرة ما أو نجم ما في حالة ما نتأمّل أعماقنا ونفوسنا كالتعبير الآتي(لم تكمن مشكلتي في تلك اللحظة في حُسن تلك الصبية القتّال الواقفة وحيدة في أقصى الجُنينة، بل في الإحساس الذي داخلني. إحساسٌ شديدُ الوطأة على نفسي ووجداني وجميع كياني. أحسَّستُ أنني قد رأيتُها من قبل. وتحدثّنا معاً عدّة مرّات، وفي مناسبات عديدة. ولكن أين؟ ومتى؟ وكيف؟ ولماذا؟) تلك تساؤلات فلسفية وجودية دفعنا جمال تلك الفتاة إليها فنحن مشغولون بعد النظر إليها في شئ مجهول.سرّ مخفي فيها وفي جمالها المميز،وحالة كونية عامّة تندرج ضمن أسئلة وجودية هي أين ..متى .. كيف..لماذا..  ولو رجعنا إلى القرآن الكريم نجد أن كلمة أين ترد في سبعة مواضع  في خمس منها يتمّ التساؤل عن مكان الشريك،وفي موضعين هما القيامة والتكوير يتمّ التساؤل من قبل الإنسان بصيغة المخاطب أين المفر  ..أين تذهبون وكلّها مواضع شدّة وحيرة من قبل المعاندين والعصاة أما الكاتب فيستوحي المعنى القرآني لينطلق منه أي من التساؤل فيه إلى الخير فالفتاة الجميلة المنعزلة عن العالم هي شريك لا يعنى بالسؤال عن شركائه لأنها منسجمة مع خصوصيتها  والبطل يتساءل عن الشريك من خلال وصف ذي دلالة روحية أكثر مما هي دلالة مادية وهي – الفناة- قائمة أمامه لكنه يتساءل أين رآها!

فهي شريك ولا شريك.

وفي متى يحاول الكاتب أن يستلهم المعنى القرآني فقد ورد قوله تعالى متى هذا الوعد في عدة آيات  وهي للتهديد،وفي موضع بشرى للرسول ومن معه يتم التساؤل بمتى عن النصر(حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله)فإذا كان الرسول وصحبه يسألون عن المستقبل الموعود فإن الكاتب استلهم المعنى القرآني ليبحث عن الطمأنينة الموعودة من خلال الماضي أو بالعودة إلى الماضي.

والحق هذا بعض من طرق تعامل الدكتور المبدع  علي القاسمي في تعامله مع التراث والفكر العربيين وقبل أن أختم هذا المقال أودّ الامله مع التراث والفكر العربيين وقبل أن أختم هذا المقال أودّ الإشارة إلى أنّ الباحث والكاتب د عليّ القاسمي كتب أيضا القصص القصيرة غير قصة السيرة وآمل أن يتسع لي الوقت لأدرس بعض قصصه تلك لأنّ الكاتب أستطاع فعلا وهذا ماسنثبته إن شاء الله الاستفادة في أعماله الأدبيّة من ثقافته العربيّة المعاصرة والتراث ومن ثقافته الأوروبية الواسعة لا سيما أنه درس اللغة الإنكليزية واستوعبها وحصل على شهادته العليا فيها واستفاد من الثقافة الأوروبية بشكل عام.

 

د. قصي الشيخ عسكر

....................

راجع لسان العرب مادة أنس

الأنعام ،النحل،القصص،فصلت،القيامة،والتكوير

الأنبياء،النمل،السجدة،سبأ.يس.الملك

 

عدنان عباسللكاتب مؤيّد عبد الستّار

غالبًا ما يختلط مفهوم البطل بمفهوم الشخصيّة عند تناول الأعمال الإبداعيّة، ومنها القصصيّة، الأمر الذي يدعو إلى الفرز بينهما من الناحية الاصطلاحيّة، فالبطل، بخلاف الشخصيّة، يتميّز في تصوّر المتلقّي بصفات إيجابيّة دون غيرها، مثلما يذكر أحد الباحثين(1). وعلى الرغم من التقارب بين الاثنين، إلّا أنّ الشخصيّة تتّسم بصفات متباينة، بغضّ النظر عن طبيعتها، سواء أكانت بشريّة واقعيّة أو متخيّلة، أمْ غير بشريّة عبر الاستعانة بالتشخيص. سأحاول في متابعتي هذه النظر إلى صورة البطل، فضلًا عن الشخصيّة في ضوء الفرز النسبي الذي يعكسه هذا المنظور، لأنّ كلّ واحد منهما له صورته ودوره في دائرتي الزمن والحدث، حتّى وإنْ كان أحدهما يكمّل الآخر في البنية السرديّة. لقد برز أـبطال غير قليلين، وشخصيّات مختلفة في مجموعة (تسفير) القصصيّة للكاتب مؤيّد عبد الستّار، وارتبط وجودها الواقعي بمتغيّرات الزمن بشكل وثيق.

ينطلق تناول البطل والشخصيّة في العمليّة السرديّة – الروائيّة والقصصيّة من خلال تحديد مستوياتهما وأولويّات الكاتب التي يحرص على تبنّيها عند التعامل معهما، وفي ضوء تأصيل موقفه من أبطاله في الواقع وشخصيّاته بشكل مباشر أو غير مباشر، الأمر الذي يمنح القارئ والناقد مساحة مناسبة للتعامل معهما بشكل سليم، وبما يخدم متطلّبات النقد في هذا الإطار.

أمّا بنية الزمن ومستوياته في السرد، فهي، مثلما جاء في (قاموس المصطلحات السرديّة)، "مجموعة العلاقات الزمنيّة – السرعة، الترتيب الزمني، المسافة، إلخ – القائمة بين المواقف والأحداث المرويّة وسردها"(2). وتتفاوت مستويات الزمن بين السرعة والبطء، الواقعي والمتخيّل، وتتنوّع الأزمنة بين توثيق الوقت والتاريخ من جهة، والاسترجاع والاستباق من جهة أخرى. وهناك جدليّة زمنيّة، تتجاذب وعي البطل ووظيفته أو الشخصيّة ودورها، تتراوح قوّتها وفقًا للصراع الدائر بين أزمنة الظلم والقهر والوحدة والغربة والتهجير والسجن والحرب، وأزمنة الانفراج والاسترخاء والعدالة والحرّيّة والسلم. ويفرز الزمن كذلك جدليّة سيكولوجيّة في رأي غاستون باشلار Gaston Bachelard، تنطلق من الماضي المرتبط بالحاضر الذي لا ينقطع عنه، لأنّ "ماضينا بأسره يسهر وراء حاضرنا... والأنا قديم وعميق وغني ومليء، ويملك فعلًا واقعيًّا حقًّا..."(3)، وهذه الجدليّة، في رأيه، "تسير من الوجود إلى الوجود دون إفساح المجال أمام العدم"(4)، وتؤثّر بالحدث وبطله. وعند الكتابة عن أعمال يلعب فيها الزمن دورًا مؤثّرًا، لا بدّ من الأخذ بنظر الاعتبار العلاقة التفاعليّة المتينة بين الزمن والبطل أو الشخصيّة(5)، ولاسيّما في الأعمال الواقعيّة.

يتناول الكاتب العراقي مؤيّد عبد الستّار في مجموعته القصصيّة أعلاه (144 صفحة)، معاناة العراقي في العصر الحديث، من خلال إعطاء صورة للبطل الفردي ومستويات بنائه، فضلًا عن حركة الزمن ومستوياته، مستعينًا في نصوصه وحكاياته بشخصيّات وابطال محوريّين وثانويّين، واقعيّين في الغالب، يعكسون صورة مجتمع أو أحوال مكوّن أو شعب في الوقت نفسه. ويمكن تلمّس رؤية الكاتب عبر موقفه من أبطاله، بما في ذلك تقمّصه صورة الراوي، بلْ والبطل أيضًا، والآليّات التي يستخدمها في بناء عنصري السرد المذكورين، والحدث الذي يتناوله في دائرة القصّ، ومكانه، وزمانه سواء أكان كرونولوجيًّا واسترجاعيًّا أمْ سيكولوجيًّا واجتماعيًّا.

يقدّم الكاتب أفكاره وذكرياته ومآلات أبطاله بأيسر السبل الواقعيّة – التوثيقيّة والتخيّليّة، ويتابع حياتهم في حركة الزمن وتحوّلاته المتلاحقة. تتشكّل صورة البطل في النصّ القصصي، الفردي والجمعي، الثابت، الإيجابي، بكينونته، فتطوّره، فموقفه، فمعاناته، والشخصيّة بمستوياتها المختلفة، ودورهما في زمن بعينه، مثلما تخضع مستويات الزمن في هذا التشكّل إلى تصوّرات ذاتيّة وإفرازات اجتماعيّة للبطل أو الشخصيّة، في ضوء التفاعل مع الزمن سياقيًّا، والتحرّك معه في دائرة الفعل بطاقة مؤثّرات تنبع من المحيط وتنعكس على الذات، وبالعكس. تتعدّد إذًا أصوات الأبطال والشخصيّات في قصص وحكايات الكاتب مؤيّد عبد الستّار، وتتداخل فيها أزمنة ومتغيّرات في الداخل العراقي أو في بلاد الشتات، ومن هذا المنطلق سأتابع ما ورد في متونها.

تتكوّن مجموعة "قصص" للكاتب مؤيّد عبد الستّار من 14 قصّة قصيرة، وستّ حكايات لبغداد، هي: للعراق، والجزائر، والمغرب، وتونس، وتيزي أوزو، والقِلعة. يستهلّ الكاتب قصصه وحكاياته، بإهداء إلى روحي والديه الراحلَين، وأهله وأصدقائه وزوجته وولديه وابنته، ويربط هذا الإهداء بمعاناته ومعاناة العراقيّين بسبب الفراق والغربة والمنفى، فضلًا عن التشبّث بالأمل. يستعين في كلمة الافتتاح بتنصيص من "اللوح العاشر، العمود الأوّل" من ملحمة جلجامش، والذي يشير إلى النور لمن "جرّب الموت"، مثلما يكتب. من جانب آخر، سأركز في هذه المتابعة على القصّة الأولى بعنوان (تسفير)، وبطلها "جوامير" وأزمنة معاناته، وذلك لأهميّة هذه القصّة، ولكونها تذكّرنا بزمن قمعي ماضٍ عانى فيه الشعب العراقي كثيرًا، وخصوصًا الشعب الكردي، ومنهم الكرد الفيليّون. أمّا القصص والحكايات الأخرى، فيتنوّع فيها الأبطال والشخصيّات، وتعبّر في هذا المنحى أو ذاك عن معاناة العراقي في غربتيه الداخليّة والخارجيّة، في ضوء حركة أزمنة حافلة بالأحداث، ومؤثّرات اجتماعيّة ونفسيّة.

أرى أنّ أنسب مفردة للقصّة الأولى (37 صفحة)، هو "تهجير"، وليس "تسفير"، لأنّ "جوامير" والكرد الفيليّين عراقيّون بأوراقهم الرسميّة، وتمّ تهجيرهم إلى بلد آخر، على الرغم من أنّ المصطلح الثاني كان شائعًا في إعلام الحكومة ومؤسّساتها حينذاك، ومنها مديريّة التسفيرات. تذكرنا هذه القصّة "التوثيقيّة" وبطلها الواقعي الإيجابي – المصرّ على إنجاز مهامه "جوامير"، بجرائم التهجير والظلم والإبادة التي تعرّض لها الكرد الفيليّون منذ تأسيس الدولة العراقيّة الحديثة، والتمييز الذي كرّسه قانون الجنسيّة رقم 40 لسنة 1924 ضدّهم، وقد توّجت هذه الجرائم بحملات التهجير الكبيرة إبّان حكم البعث في سبعينات القرن العشرين، وثمانينات الحرب العراقيّة الإيرانيّة، وبقرارات ما سُمّي حينئذٍ بـ"مجلس قيادة الثورة" و"محكمة الثورة"، التي نصّت على رمي مئات الآلاف من الكرد الفيليّين على الحدود، وتهجيرهم إلى إيران، مع سلب أملاكهم وأوراقهم الثبوتيّة العراقيّة، وتغييب وقتل الآلاف من شبابهم في مختبرات السلطة البعثيّة البيولوجيّة، الذين لا يُعرف مصيرهم إلى اليوم، فضلًا عمّا جرى من تعريب للمدن الكرديّة، وما صاحبها من حملات الأنفال ضدّ الشعب الكردي، وضرب حلبجة بالأسلحة الكيماويّة، والمقابر الجماعيّة، والقمع الذي تلا انتفاضة آذار 1991 في العراق. هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم مهما امتدّ الزمن، ومنه زمن راهن اُصطُلِح عليه بأعوام ما بعد التغيير - 2003، لطبقة سياسيّة حاكمة ترهّلت بالفساد والتسلّط والإقصاء، جرائم ما يزال ضحاياها والمتضرّرون من النظام القمعي السابق يبحثون عن العدالة الانتقاليّة، ولاسيّما الكرد الفيليّين. وتأخذ كذلك مسألة تثبيت حقوق المواطنة لجميع المكوّنات العراقيّة أهمّيّة كبيرة في حياة العراقيّين الذين انتفضوا خلال سنوات غير قليلة، وخصوصًا منذ تشرين 2019 من أجل العدالة واستعادة الوطن والمواطنة، ورفض كلّ أشكال التطرّف والإرهاب.

تتعدّد حقول هذه القصّة، والأبطال والشخصيّات والأزمنة والأماكن فيها، ويستخدم الكاتب التنصيص، ويستعين بالتاريخ وجغرافيّة الأماكن التي طرقها البطل المحوري "جوامير"، ويستخدم بعض المفردات الكرديّة والأشعار والأغاني والتراتيل، ويتّضح فيها بعدان: سياسي وإنساني، وتبرز معاناة الشخصيّة الكرديّة الفيليّة، خصوصًا البطل "جوامير" السياسي والإنسان المصرّ على الرجوع إلى مدينته بعد التهجير، والشخصيّة الجمعيّة – الكرد الفيليّين، في حملات التهجير اللاإنسانيّة، والتوق بالرجوع إلى العراق، ومدن الذكريات.

يقدّم الكاتب "جوامير" كبطل محوري إيجابي، ثابت على أمله في الوصول إلى بلدته بعد التهجير القسري، على الرغم من أنّه يعيش زمنًا حافلًا بالقلق والمعاناة، و"سيتحقّق أخطر فصل من فصول حياته" فيه. يتطرّق إلى لقاء جوامير بـ"شيخ نحيل" و"مجموعة من الرجال" الذين يتحلّقون حوله في مقهى "خسروي"، ويتحدّثون عن "الأغنام والأسلحة والبضائع المهرّبة"، لاسيّما وأنّ هذه المقهى تقع "على خطّ الحدود الفاصل بين العراق وإيران". يصف الكاتب هيأة "جوامير" وقد "ارتسمت على وجهه آثار السنين والأحداث التي عاشها"، و"معاناته الطويلة"، ويصف البراري الفسيحة، التي "تنتهي بسلسلة من التلال... التي تتغيّر ألوانها من بقعة إلى أخرى، فتجدها تارة صفراء ذهبيّة، وتارة حمراء مشوبة بسواد كثبان الرمال" بسبب أشعّة الشمس. يستمرّ في متابعة الحدث بوجود أبطال ثانويّين يستقلّون "سيّارة لاندروفر" – السائق وجوامير والشيخ، ويسترجع الأخير زمنًا يرتبط بالحرب بين العثمانيّين و"جيش الأوردو الهندي الذي قاده الإنجليز إلى بغداد"، ومعركة "الكركة"، كـ"آخر معارك الجيش العثماني على الجبهة العراقيّة قبل دخول الإنجليز بغداد بقيادة الجنرال مود"، هذه المعركة التي استمات العراقيّون فيها، ولكنّها انتهت بخسارتهم. يستعيد الشيخ صورة لاحقة للحدث، متمثّلة بقيام الجيش المنتصر باغتصاب نساء القرى، وموت "العديد من الجرحى، ونفي الأسرى إلى هندستان"، وهروبه إلى "قرية صغيرة". ينتهي هذا المفصل من القصّة بوصول الشخصيّات المذكورة إلى كوخ أحد الرعاة، بهدف مساعدة "جوامير" على عبور الحدود إلى مدينة بدرة فالكوت.

يركّز الكاتب بعد ذلك على "قافلة الحساويّة" وإحدى الشخصيّات الشعبيّة، هو "المكاري قرمزي"، و"نقل الرجال والبضائع بين مدينة الكوت ومدينة فيروزأـباد" على ظهور "الحمير الحساويّة الضخمة"، عبر "هور الشويجة" الذي "يعزل تلك المدن الواقعة في شرق نهر دجلة والمحاذية للحدود الإيرانيّة عن مدينة الكوت". أمّا "جوامير" فـ"يأمل أنْ يساعده المكاري في نقله "مع قافلته إلى مدينة الكوت". يسترجع الكاتب زمنًا يشير إلى إلقاء القبض على "جوامير" بين مدينتي الحيّ والكوت، وإيداعه سجن الكوت "بسبب نشاطه السياسي أثناء الانتفاضة"، وإلى حملات "تهجير المواطنين المشكوك بولائهم". يصف طريقة التهجير بواسطة "سيّارات عسكريّة"، وسلب أموال المهجّرين وأوراقهم العراقيّة، وصدور قرار بـ"تسفير جوامير إلى إيران بحجّة عدم امتلاكه أوراق شهادة الجنسيّة". كان حلم "جوامير" هو الرجوع من إيران إلى مدينة جصّان، بعد حصوله على "هويّة شخصيّة جديدة: باسم "جمال"، وفي هذا السياق يستخدم الكاتب تنصيصًا لأغنية من شعر "بابا طاهر الهمداني".

يعود الكاتب إلى "جوامير" وفراسة الراعي الكردي في معرفة الطريق إلى مدينة بدرة مرورًا ببعض القرى بـ"دلالة النجمة كلاويز" – نجمة الصباح. يتوقّف الكاتب عند الصراع النفسي الذي يعانيه "جوامير" في أماكن مختلفة، وهو ماضٍ إلى مدينة جصّان، وعند تصوّر استقبال خطيبته "قازة" له، وإمكانيّة عمله مع عمّه "برايان الحدّاد"، ونظرة الناس له عندما يدخل متخفّيًا باسم جديد. وبعد أنْ يمرّ الكاتب على مفصل آخر مرتبط بـ"حفلة عرس الحمير" كـ"مشهد إيروتيكي في زقاق ضيّق"، يرجع إلى "جوامير" وانشغاله بقراءة رسالة وصلته من حبيبته "قازة"، وتعرّضه إلى مصاعب غير قليلة صادفته حتّى وصوله إلى "فريج العربان"، حيث كانت هناك حفلة زواج، وينصّص بمقطع من أغنية "الهجع" العراقيّة الجنوبيّة الذي كان أحد المطربين يغنّيها، ويعرّج على احتراس "جوامير" من عيون دوريّات الشرطة. يسترجع الكاتب مرّة أخرى زمن التهجير وما رافقه من معاناة، سواء بالنسبة لـ"جوامير" وأمّه التي حملها على ظهره، أو الكرد الآخرين، بعد نقلهم إلى أراضٍ جرداء على الحدود وتركهم لمصيرهم قبل بلوغ الأراضي الإيرانيّة، ثمّ يشير إلى حدث آخر، يتمثّل بوفاة والدة "جوامير" في الغربة، وعودة جوامير إلى العراق وحيدًا.

يفصّل الكاتب في رحلة "جوامير"، ومعاناته من أجل بلوغ بلدة جصّان، واجتيازه عددًا من القرى والفلوات، يتوقّف عند "بركة صغيرة تجمّع فيها قدر قليل من الماء"، لإرواء ظمئه، و"يحترس من الحيوانات الضارية"، ومنها الذئاب. ينقش "قصّته على الأرض، مثل تلك النقوش السومريّة على سفح جبل بيستون، والكتابات المسماريّة على الجدران والتماثيل". يراقب "كلّ حركة أو طير وحيوان"، ويتابع جولته بأخذ قيلولة: بعد أنْ "فرش حصيرة صغيرة من الخوص وجلس عليها"، وعمل "مظلّة" تقيه من "أشعّة الشمس"، يأكل قليلًا، ويخرج "كتابًا من بين طيّات ثيابه"، ويرتّل للشاعر "مولوي"، ويتداعى مع "أصوات موسيقى وطبول ودفوف"، تدور في مخيّلته.

يسترجع الكاتب زمنًا في "عكد الأكراد" في بغداد، وقصّة بطل آخر هو أبو سلمان المعروف "بمرحه وتعليقاته الساخرة" واعتقاله وتهجيره مع مجموعة كبيرة من كرد هذا الحيّ، من قبل سلطة البعث، لما عُرف عنهم من مقاومة لانقلاب شباط الدموي 1963، بما في ذلك في الساحة التي كانت تُسمّى بـ"ساحة موسكو". يشير إلى مأساة أبي سلمان ووفاته "في قرية داخل الأراضي الإيرانيّة". يمضي "جوامير" في طريقه إلى مدينة جصّان، ويلتقي في طريقه ببدوي يعدّ جماله للتحرّك إلى مدينة بدرة، يرافقه "جوامير" على ظهر أحد الجمال التي رُبِط بها لأنّه لا يعرف ركوبها. يعود الكاتب مرّة أخرى إلى "المكاري قرمزي"، و"ابن جوجان القجقجي" المتنقّل بين عيلام و"جزيرة هور الشويجة"، ويمرّ على اختفاء الاثنين ورجال آخرين في القافلة، لم يُعرف مصيرهم.

يتواصل الكاتب مع "جوامير"، وهو يأخذ مع البدوي قسطًا من الراحة، وهما في طريقهما إلى مدينة بدرة، ويتّضح من النصّ أنّ البدوي لديه معلومات عن الكرد الفيليّة و"عشائر المنطقة" و"اللور الصغير والكبير". يمضي البدوي في الحديث عن تجارته ببيع الملح وشراء السجّاد بين العمارة والكوت، ويُعرَف من حواره مع "جوامير" أنّ الأخير متزوّج وله ابنتان. يتحرّك البدوي و"جوامير" في اليوم التالي باتّجاه مدينة بدرة، وينشد "جوامير" مترنّمًا، وهو يستعيد زمنًا في ذاكرته عندما كان في معسكر الوشّاش، وتمّ اختطافه من قبل "مفرزة من جنود الانضباط العسكري" في عكد الأكراد، ومعاناة أمّه وهي "تركض خلف السيّارة العسكريّة باكية"، ومن ثمّ حشره مع آخرين في دائرة التجنيد، وسوقه إلى الخدمة العسكريّة. يتوقّف "جوامير" عن السرحان بعد أنْ يفاجئه والبدوي "أحد الدراويش"، الذي بدوره ينشد بالفارسيّة. يستمرّ الحدث بدويّ انفجار "لغم أرضي"، الذي غالبًا ما كانت سلطة بغداد تزرع كثيرًا من الألغام في المناطق الحدوديّة مع إيران. ينطلق الجمل بـ"جوامير" المشدود إليه، في البراري حتّى وقوفه، وشروع "جوامير" بفكّ رباطه منه، و"استكشاف الاتّجاه الذي يسير فيه"، متابعًا حركة الجمل "في محاولة لعدم ترك فجوة كبيرة" بينهما، وآملًا بالوصول إلى مدينته. هكذا تنتهي القصّة التي عبّرت عن مأساة البطل الفردي ومعاناته، والتي بدورها تعكس مأساة الكرد الفيليّين ومعاناتهم، دون أنْ يضعنا الكاتب في صورة مصير جوامير بعد هذا الزمن، وكأنّما أراد أنْ يواجهنا بمصيره المجهول، أسوة بمصير الآلاف من الكرد والعراقيّين، الذي ما يزال مجهولًا إلى الآن.

أمّا موضوعات قصصه الأخرى وأبطالها وأزمنتها فأغلبها توثيقيّة، يستقيها الكاتب من الواقع والحياة اليوميّة، وينتقيها بعناية، من حيث طبيعة البطل وزمنه وحدثه. ففي قصّة (الرجل الذي صار قردًا)، يتحرّك البطل في زمنين: كرونولوجي واسترجاعي، سواء أيّام حكم الإنجليز أو بعد ثورّة 14 تمّوز في العراق عام 1958، وفي مكان متمثّل بمقهى "الحويزاوي" الذي يرتاده بعض أبناء المدينة هربًا من "ضجيج المدينة"، وطلبًا للراحة. يشير الكاتب في هذه القصّة إلى شيوع الأقاويل والخرافات والأساطير في أوساط بعض الناس، ومنها "رجل يقفز كالقرد ويستطيع الطيران" في فيلم "سوبرمان"، و أحاديث "المعلّم جواد البنّا"، بأنّ "أصل الإنسان قرد". تركّز هذه القصّة على صورة أحد الأبطال الشعبيّين الفقراء، هو "السيّد عليوي" سواء عندما كان يعمل خبّازًا أو بائعًا للدجاج، أو عندما أصبح الشارع الذي يعمل فيه يُسمّى باسمه، أو عند تلقّبه بالسيّد، وشيوع هذا اللقب بين أهل المدينة. لقد ظنّ "عليوي" أنّه سيّد فعلًا، بحيث "صدّق هو نفسه ذلك، فأخذ يلفّ على وسطه حزامًا من قماش أخضر، ويرتاد المجالس ليدلو بدلوه في الحلال والحرام"، مثلما يذكر الكاتب.

وفي قصّة (امرأة من ورق)، يمتزج الواقع التوثيقي بالمخيّلة التي تربط هذا الواقع بالفنّ والتاريخ، وتجمع بين الحالة الأوروبيّة والحالة العراقيّة. يدور الحدث حول حورية البحر في كوبنهاكن عاصمة الدنمارك من جهة، ومنارة البحر في هذه المدينة أيضًا، ومن ثمّ شخصيّة مثقّفة رئيسة تقوم بدور البطل بشكل مباشر، هو الكاتب نفسه، وشخصيّة ثانويّة، هي الفتاة الفارسيّة التي يتعرّف عليها الكاتب بالصدفة لفترة قصيرة من الوقت. يستعرض الكاتب حياة الشوارع والمحلّات والحوريّة والميناء، وحياته اليوميّة وهو يتجوّل "بين المقاهي والحانات المنتشرة على جهتي الشارع الذي يغصّ بالناس من مختلف الألوان". يقف طويلًا أمام  تمثال البطلة - "حوريّة البحر" التي نحتها فنّان ماهر، و"التي أصبحت شعارًا للمدينة". يبرز الزمن في حواره مع الفتاة الفارسيّة في ضوء "التمييز بين الماضي والحاضر من خلال التمثال"، والدخول إلى "رشاقة التفاصيل، والتعبير البليغ المشعّ من وجه الحوريّة" الذي قدّمه الفنّان. يمرّ الكاتب أيضًا على تاريخ الفايكنغ، وسرّ اختيار الفنّان  "للحوريّة على هذا الشكل، النصف الأعلى امرأة والنصف الأسفل سمكة"، فضلًا عن استرجاع زمني مرتبط بتماثيل الهنود والآشوريّين، مستعينًا في الوقت نفسه بمفردات فارسيّة في خاتمة هذا المفصل من القصّة. يواصل الكاتب – أيْ بطل القصّة، تسكّعه، وهذه المرّة "على أرصفة الميناء"، في زمن لا يستغرق بضع ساعات، ويبني مستوى حركته في يوم واحد، بين مطعم ماكدونالد وبائع الفلافل ومحلّات "صور فتيات عاريات كبيرة الحجم" والأسعار الباهظة. يصف النوراس "التي تحلّق فوق السفن"، ومنارة البحر التي تذكّره بمنارة "الإمام والزوّار" في سامرّاء، وغربته عن العراق التي مرّت عليها سنوات غير قليلة، والعرّافة التي قرأت "مستقبله"، و"سفره الطويل" ومعاناته. يسترجع زمن هجرته إلى خارج العراق بشكل سرّي "خشية افتضاح أمر هربه ومعرفة رجال الشرطة السرّيّة بالأمر". تدور في مخيّلته أفكار مختلفة في ميناء كوبنهاكن، زواجه كشرقي من أوروبيّة، من أجل تفادي المتطلّبات العراقيّة في الزواج كـ"المهر والغائب والحاضر والشيخ والقاضي". يعود إلى دمى النساء المصنوعة "من ورق" وهي تعلن عن نفسها في واجهات المحلّات، ويتمنّى لو كانت هذه الدمى نساء حقيقيّات، ولو اشترى إحداها، وإنْ "من ورق"، إلّا أنّ العائق اللغوي يحول دون ذلك.

تدور قصّة (البحيرة البيضاء) التسجيليّة حول الكاتب نفسه، معاناته في هجرته من لتوانيا إلى السويد، واستقراره في الأخيرة، ويبدو الزمن محدّدًا بـ"حلول عيد رأس السنة الجديدة"، وكيفيّة قضاء العيد مع "كلبه الأبقع بوري" الذي ورثه من جارته العجوز بعد وفاتها. يصف شعوره بالوحدة، بعد قراره بعدم السفر إلى مدينة "أوبسالا"، والبقاء في مدينة "أوميو" لقضاء الوقت حول البحيرة البيضاء الجليديّة، ويتذكّر زمنًا، توزّع فيه "الأصدقاء في مدن متباعدة مختلفة" بالسويد. يصف شتاء المدينة القارس وصيد السمك في هذه البحيرة، الذي يذكّره بصيد السمك في نهر دجلة. يذكر كيف قام أحد أصدقائه الملقّب بـ"موشي" بشي سمكة في لتوانيا، ويسترجع زمن السمك المسكوف في العراق، أو سمك "شوّاية" جدّته. يرجع إلى معاناته في الغربّة، والهجرة بجواز سفر مزوّر بزورق من شواطئ لتوانيا إلى شواطئ السويد. تبرز هنا شخصيّتان، هما "موشي" بجوازه الإسرائيلي المزوّر، والذي لُقّب من قبل الآخرين بـ"موشي دايان"، وعبد الرحمن بجوازه اليوناني المزوّر، ويعود الكاتب ليصف ما يعيشه في أجواء الصيف بأوروبا، مسترجعًا أيضًا شمس آب اللاهبة في العراق.

يوثّق الكاتب في قصّة (فنجان قهوة) حياة بطله أبي حليمة، الذي يعتمر "قبّعة فرنسيّة زرقاء" في تجواله بإحدى مدن السويد، ويفصّل في حياته اليوميّة باحتساء قهوة "سوداء" قبل أنْ يمضي إلى مدرسته لتعلّم اللغة السويديّة. يعقد مقارنة بين زمنين ومكانين، في السويد والعراق، بين سطح المدرسة السويدي و"سطح دارهم الطيني" في العراق، وبين قهوة الجهاز السويدي، وقهوة أبي عامر في العراق، فضلًا عن المرور على تهجير مجموعة من الكرد الفيليّين، حيث "حملوهم  مع الأطفال في سيّارات (الزيل) المكشوفة دون رحمة".

وفي قصّة (مذكّرات حمار الرئيس)، يستخدم الكاتب طريقة كتابة المذكّرات، عبر "ديباجة" وإحدى عشرة حلقة، مستعينًا بدلالات رمزيّة ومخيّلة وأسلوب تشخيصي لشخصيّة حيوانيّة محوريّة إيجابيّة - الحمار، ونزوات حاكم "رئيس" كشخصيّة سلبيّة، إلى جانب تناول شخصيّتي الفرس والبستاني. يتحدّد الزمن كرونولوجيًّا بـ"العقد الأخير من القرن الماضي"، والحدث بالجمع بين الهجوم على بنايات الحكومة بسبب "سقوط الحمم والنيران من السماء على البلاد لمدّة أربعين يومًا"، وسرقة ملفّ من بين المسروقات، هي "مذكّرات حمار الرئيس". يجمع الكاتب بين الخيال ورمزيّة الواقع ومتابعة تطوّر حياة الشخصيّة الرئيسة وشؤونها والأحداث التي عاشتها. ففي الحلقة الأولى يتحدّث الحمار عن نشأته، وفي الثانية عن قيام أمّه بقصّ حكايات له قبل نومه، وخروجه بدلالات رمزيّة عن استغلال أبيه من قبل البستاني، وشعوره بالظلم. وفي الحلقة الثالثة إشارة إلى بلوغة مرحلة "الحلم" وعلاقته بالبستاني، بينما يتعلّم في الرابعة لغة "أولاد البستاني وأطفاله وأولاد القرية"، ويكافئهم إذا ما فعلوا شيئًا مفيدًا وجميلًا له، ويعاقبهم برفساته إذا ما عاملوه بقسوة، في الوقت الذي تشير المذكّرات في الخامسة إلى نقله إلى المدينة كـ"هديّة للرئيس"، وسكنه في "مرعًى واسع جميل"، وحزنه على مفارقة عالمه السابق، ودلالة عدم تفهّم البشر مشاعره. وتبرز في السادسة رغبة الرئيس بـ"ركوب حمار رصين فاهم ذكي، يعرف إشارات البشر ويفهم لغتهم"، ومفارقة اختيار الحمار كمركوب له، بينما تشير السابعة إلى سكنه المترف مع خيول الرئيس في الإسطبل الغني بالعلف، وتعرّفه على فرس يقوم بتعليمها لغة الحمير لأّنها "قريبة من لغة الخيول". وفي الحلقة الثامنة يدور حديث بينه وبين الفرس عن الرئيس، الذي وصفه الكاتب بأنّه "شخص كبير الجثّة، منتفخ البطن ثقيل الوزن، لا يعرف ركوب الخيل"، بينما يجمَّل الحمار في الحلقة التاسعة لكي يشارك في سباق الخيول، ومن ثمّ تتقرّر في العاشرة مشاركته في هذا السباق. أمّا في الحلقة الحادية عشرة فيكتمل تنظيف الحمار وتجميله ومعاينته طبّيًّا، ودخوله إلى حلبة "الريسز" للسباق كحصان للرئيس، وسط ابتهاج الناس وتصفيقهم. تنتهي المذكّرات بإتخام الخيول بالطعام كي تكون ثقيلة في العدو، ووضع "فلفل أحمر حار في دبر الحمار" كي يعدو بفارسه سريعًا. ينتهي حديث الحمار لصديقته الفرس، بأنّ الرئيس كان مبتهجًا بفوزه، حيث تجاوز خطّ النهاية مسرعًا، ولكن من أجل "إطفاء حرقة الفلفل الأحمر".

يركّز الكاتب في قصّة (ولد ببغداد) على بطل رئيس، هو طالب المدرسة الثانوية البارع في إصلاج الأجهزة الكهربائيّة "فاخر حسين الصفّار"، مثلما كانت تتحدث جدّته، أو الشرطي مع الموظّف "الحاجّ هاشم". يبرز الحدث بطلب أحد مراكز الشرطة في العراق زمن الظلم والدكتاتوريّة من "فاخر" إصلاح أحد الأجهزة، وقيام الأخير بإصلاحه، وسماعه في المركز "أصوات عويل وصراخ آتية من الحجرة الملاصقة لمكان عمله"، لأنّ رجال الشرطة كانوا "يستجوبون سياسيًّا عنيدًا، وسيعذّبونه بواسطة الجهاز الذي قام بربطه". ينتهي الحدث بانتحار "فاخر" في اليوم التالي، بعد أنْ ترك رسالة توضّح سبب انتحاره، وخمسين دينارًا قُدِّمت له من قبل الشرطة كثمن لإصلاح الجهاز.

أمّا في قصّة (قوس قزح) فيكتب المؤلّف عن حدث في فصل الربيع، وزمن حكم  البعث في العراق عندما قامت "مجموعة من رجال الشرطة السرّيّة" باختطاف أحد الأشخاص، وأخذه "إلى مكان مجهول، عُرِف فيما بعد أنّ اسمه قصر النهاية"، وبعد التحقيق أرغموه "على توقيع وثيقة تسمح لهم بإعدامه إنْ ثبت اشتغاله بأيّ تنظيم غير تنظيمات الحكومة". يصف الكاتب معاناة البطل، فضلًا عن سقوط المطر ومقهى "قُلي خان"، ومن ثمّ الصحو وظهور ألوان قوس قزح في السماء، ومنها اللون الأزرق الذي يذكّره بلون "نهر الوند الرقراق"، وهو يسير برفقة ابنه، محاولًا تفسير فكرة قوس قزح له في الآن ذاته.

وفي قصّة (عقوبة الهرب) يتناول الكاتب زمنًا مفتوحًا لحدث يتعلّق بشخصيّة "الشيخ"، ورجل مربوط "إلى شجرة التوت عند الإسطبل"، بانتظار عقوبة الشيخ، إذْ عُرف هذا الشيخ بإصدار "عقوباته كلّ أسبوع" من جلد وسواه، فضلًا عن وجود شخصيّات ثانويّة هم رجال الشيخ المتجمّعون "قرب شجرة التوت"، وغيرهم ممّن "يمتطون الخيول". أمّا العقوبة فكانت بسبب هروب الرجل – الضحيّة من مواصلة جمع أكداس الأعشاب التي كان يقوم بها "كلّ يوم من حقول الشيخ". وبعد إلقاء القبض على الرجل في المدينة، نُفِّذت عقوبة قاسية بحقّه بحضور الشيخ، وهي وضع "عصا المسحاة في أسته".

يسترجع الكاتب في قصّة (الشرطة وبنات آوى) زمن أجواء الاعتقال في القصر، ويصف معاناة البطل، ومسرح الحياة القاسية في الزنزانة، ومحاولة الهروب غير الموفّقة منه. يتحدّث عن ضيف جديد يشاركه الزنزانة، وعن المدينة "وعيون مياهها الباردة"، ومخيّلة سارحة بالحرّيّة "حيث العصافير تطير وتغرّد، وحيث الفتيات الجميلات ينتظرن الأحبّة"، ومنهنّ فوزيّة وقراءتها "القصص الرومانسيّة"، وانتفاضة أهوار الجنوب، وبطل هو كاكه محمود الذي أُعدِم بتهمة "انتمائه إلى البشمركة". يركّز الكاتب على غياب معرفة مصير بطله الرئيس، والحلم بالحرّيّة، والكفاح بـ"البندقيّة"، ويختتم قصّته بظهور "جلبة ثلّة من رجال الشرطة أمام باب زنزانته"، فقد "جاءوا ليأخذوه قبل أنْ تشرق الشمس".

يسترجع الكاتب في قصّة (السكّين) زمنًا برفقة شخصيّة أبي خضيّر الذي قُتل لاحقًا، لاختيار سكّين حادّة ولكن ليست غالية الثمن من بائع اسمه "حميد ابن العورة" في إحدى الأسواق الشعبيّة بالعراق، سكيّنة "أمّ الياي" بسبب وجود "زرّ" فيها. يعرّج على معركة ذات الصواري أيّام الإنجليز، والحياة والحروب بين زمنين: الإنجليزي سابقًا، والأمريكي الراهن. يصف إحدى المدن الليبيّة الكبيرة، حيث الوالي الذي جعلها "خالية من المسارح والسينمات والمقاهي بأمر سلطاني واحد لا غير"، والولاة الذين يتوزّعون بين التطرّف والإرهاب والدكتاتوريّة، مع تساؤل يرتبط بشعار شعبوي: "سنحارب"، ولكنْ بدون أنْ يتوفّر سلاح ما.

يتوقّف الكاتب في قصّة (السيّد لجن في لندن) عند زمن القراءات الحسينيّة وعاشوراء وأحزان العراقيّين والأمّ "المدمنة" على حضورها، برفقة ابنها "محيسن" ذي السادسة من عمره, يكتب عن الكوخ الصغير حيث تسكن العائلة، ويقارن الكاتب بين قلب الأمّ الحنون، وقلب الأب القاسي وصراخه وغلطه على ابنه، منصّصًا بأغنية عراقيّة "قلبك صخر جلمود". يتحدّث بأسلوب السخرية عن هجرة الشخصيّة الرئيسة، الشابّ "محيسن" لاحقًا ليكون في رحاب "أبو ناجي"، وهو "يسير في حدائق الهايدبارك بلندن ويتحسّس الباوندات الأسترلينيّة القابعة في جيبه"، مفكّرًا بالانتقام لـ"سعدة" التي خطفها أحد الإنجليز يومًا ما. يفكّر بفتاة شقراء إنجليزيّة، ويتناوبه صراع بين المضاجعة للانتقام من الإنجليز، وبين تعلّم لغة البلد.

يشير الكاتب في قصّة (سجائر تركيّة) إلى مظاهرات عمّال السجائر في ساحة الوثبة ببغداد عام 1961، وتضامن طلاب "ثانويّة الجعفريّة وثانويّة الأكراد الفيليّة معهم"، وحالة العمّال الذي ينتجون السجائر التركيّة، في الوقت الذي يعانون من الهزال بسبب عملهم الشاقّ وقلّة أجورهم. يكتب عن شخصيّة أخرى هي "أبو زكي" المدمن على تدخين السجائر التركيّة، والمظاهرات بين شارعي الرشيد والجمهوريّة، فضلًا عن الشرطة والجيش و"الدبّابات والسيّارات المصفّحة" التي اقتحمت الشارع لفضّها. تدخل في الحدث شخصيّة إيجابيّة، أيْ "أبو عادل" الباحث عن ابنه "عادل" وسط المتظاهرين دون جدوى، ومواجهة الشباب بالرصاص، وإيواء الناس الشباب في بيوتهم، وسيطرة الجيش والشرطة على الموقف، فالملاحقات والاعتقالات، ومنها اعتقال أبي عادل في ساحة الوثبة، ومقتل ابنه.

يسترجع الكاتب في قصّة (سجن الكوت) ذكرياته عن "بعض من يعرفهم"، وحواره مع خاله الذي يشتم الحكومة دائمًا، وزمنًا يرتبط بمسقط رأسه، وبيت جدّه وجدّته في مدينته الصغيرة، وحكايات "الطنطل والسعلاة... وتمائم السيّد علي"، و"رجل الحكومة الذي يتلصّص وينصت من وراء الجدران الطينيّة ليسمع ما يدور خلفها". يركّز على السجن والمسافة بينه وبين بيت الجدّ، و"نزلائه الأشدّاء الذين تحدّوا الحكومة وأعلنوا إضرابهم الشهير"، ويمرّ على قيام السلطة بـ"قتل الأبرياء في ذلك السجن الكبير".

أمّا في مسلسل (حكايات لبغداد) فيوزّع الكاتب موضوعاتها بستّ حكايات على شكل مذكّرات واقعيّة، تدور حول معاناة العراقي في الغربة، وتتناول صورة بطلها الرئيس رياض على وجه الخصوص، بأحداث عاشها، في أزمنة مختلفة، وأماكن، هي: العراق، الجزائر، المغرب، تونس، تيزي أوزو، القلعة، فضلًا عن معاناته وحبّه واعتقاله واختفائه. يبدأ الكاتب حكاياته عن استعداده للرحيل من الجزائر، وحديثه مع صديقته الجزائريّة عن "برج الكيفان" كـ"منطقة سياحيّة هادئة"، وقراره مع أصدقائه: عقيل ورياض وباسل وجواد، المكوث فيها بضعة أيّام حتّى سفرهم، ومن ثمّ اتّفاقهم على سرد حكايات، يقول الكاتب عنها: "جمعتها، ولكنّي نسيت تواريخ أحداثها".

يتحدّث الكاتب في (الحكاية الأولى) عن حياة "رياض" الأولى في العراق، واهتمامه بنفسه من الناحية العصريّة، ومن ذلك "تقليده أبطال السينما الغربيّة"، وقصّ شعره على طريقة أحد الممثّلين العالميّين. يكتب المؤلّف عن "شربت الحاج زبالة في الحيدرخانة" بشارع الرشيد ببغداد، وزميله سرحان، وعن مجلس "أبو حلّومي" ، وحكاياته المبالغ بها، ولاسيّما حكايته عن "خروجه إلى الصيد... قبل ليلة عيد الفطر"، وحرص رياض "على حضور" هذا المجلس. يركّز الكاتب كذلك على حبّ رياض – الـطالب في السنة الأخيرة بكلّيّة القانون"، للطالبة "شهرزاد"، ورفض أبيها طلبه لخطبتها، ويمرّ على اعتقاله، فهجرته إلى خارج العراق، ووعده لشهرزاد بمواصلة الكتابة إليها.

وفي (الحكاية الثانية) يواصل الكاتب حياة "رياض" في الجزائر، وحصوله على عمل ومكان متواضع للسكن، إلى جانب معاناته في وحدته، ويسترجع زمن الحرب العراقيّة-الإيرانيّة، ويتوقّف عند انتفاضة "الأمازيغ" في تيزي أوزو والقبائل للمطالبة "بحقوقها الثقافيّة والسياسيّة"، ومقهى "اللوتس" في العاصمة، وخطف حقائب النساء مثلما حدث لـ"امّ نوري"، و قرار رياض بالسفر إلى المغرب.

يشير الكاتب في (الحكاية الثالثة) إلى وصول "رياض" إلى مدينة الرباط، ويصف حياته البوهيميّة التي "مارس فيها كلّ أنواع اللهو"، وتعرّفه على "العديد من الفتيات، ويكتب عن "حرّيّة الفتاة المغربيّة" ورأي زميله "حسّاني" في هذا المجال. يتناول كذلك حبّ "رياض" لسميرة – إحدى الفتيات المثقّفات، وتعذّر إمكانيّة الزواج منها بسبب صعوبة مراجعة السفارة العراقيّة لاستحصال الأوراق المطلوبة، ومغادرته المغرب، على أنْ يتواصل مع الحبيبة بالرسائل.

يستمرّ الكاتب في متابعة حياة "رياض" في (الحكاية الرابعة)، فيكتب عن "عدم إمكان قدومه إلى المغرب بسبب عدم منحه تأشيرة دخول"، وموافقته على اقتراح صديقه "أحمد" بالسفر إلى تونس، لاسيّما وانّ له صديقًا تونسيًّا فيها، هو "مختار". تبرز شخصيّة أخرى هي "الآنسة كوثر"، التي تعرّف عليها في أثناء دعوته للعشاء من قبل "مختار"، وأحبّها، بحيث أخذت ترافقه في زياراته، ومنها زيارة "المسرح الروماني وجامع الزيتونة والأسواق الشعبيّة المحيطة به". تنهتي الحكاية برفض أمّها خطبته لها، الأمر الذي يغادر تونس، على أمل التواصل معها بالكتابة.

وفي (الحكاية الخامسة)، يعود "رياض" إلى مدينة "تيزي أوزو" في الجزائر ودعوة أصدقائه لجلسة مأكولات ومشروبات، بحضور زميلته "عليّة الخطيب"، ومنهم "أبو غادة الموسوي وبهجت الكردي وهاتف وأبو نوري وأبو ناتاشا". وإلى نيّة "رياض" الزواج من "كوثر"، وصعوبة الحصول على التأشير التونسيّة، والاكتفاء بمخاطبتها بالرسائل.

أمّا في (الحكاية الأخيرة)، فيقرّر رياض "العودة إلى مدينة القِلعة، مسقط رأسه" في العراق رغم تحذيرات أصدقائه بعدم التصديق بوعود الحكومة. يشير الكاتب إلى اعتقال "رياض" من قبل السلطات العراقيّة الحاكمة حينذاك واختفائه، وشيوع حكاية عبر "عليّة الخطيب" عندما كانت في الشام نقلًا عن "إحدى قريباته" هناك، بأنّها رأته "جالسًا على بساط فوق سطح داره". وفي اليوم التالي رأته "راقدًا دون حراك، ورأت حوريّة تتصاعد مع الدخان الأبيض المنبعث من التنّور، طارت الحوريّة مع الدخان، وحلّقت فوق سطح الدار، ثمّ استدارت وحامت فوق رأس رياض، فنهض من نومه متثاقلًا وطار إثرها حتّى اختفى وإيّاها في الأفق"، وقد قيل إنّ الحوريّة كانت "سعلاة". وبهذه "الأسطورة" تكون أخبار "رياض" قد اختفت، وبقي مصيره مجهولًا، أسوة بمصير بعض أبطال قصص الكاتب، وكثير من العراقيّين.

أخيرًا، يمكن القول إنّ الكاتب مؤيّد عبد الستّار قد عبّر بأسلوب القصّة والحكاية والمذكّرات عن صورة البطل ومستوياته الواقعيّة وعلاقته بالزمن ومتغيّرات أحداثه، وقد تراوحت مستويات الأبطال والشخصيّات في نصوصه بين المتعلّمين أو المثقّفين والشعبيّين والبدو والفلّاحين والدراويش والمهرّبين والسياسيّين ورجال السلطة والعسكريّين، وكانت هناك نماذج، اتصّف قسم منها بمحوريّته وإيجابيّته في صنع الحدث، وقسم آخر بثانويّته وسلبيّته. جمعت القصص والحكايات بين زمني الماضي والحاضر، بأشكال كرونولوجيّة واسترجاعيّة وأبعاد سيكولوجيّة، ومستويات مختلفة، وصوّرت المأساة العراقيّة والكرديّة الفيليّة، وعكست معاناة العراقي وهو ملاحق بالاغتراب والمنفى والعسف والاعتقال والموت، والكردي الفيلي بالظلم والتهجير والإبادة، وخصوصًا إبّان حقبة حكم البعث، واختلط الحبّ فيها بالقسوة، والسياسة بالاستبداد والكفاح. تراوحت القصص بين القصر والطول، وبين تكثيف المتن والتفصيل فيه، وجمعت بين التوثيق الواقعي والمخيّلة، والوصف والحوار، وتخلّلتها معارف وفولكلور وأساطير وأغانٍ وأشعار وتنصيص، وأفكار تربط التاريخ بالواقع الراهن، واكتظّت بالأماكن، وتفاوت فيها استخدام التشخيص والمجاز والرمز، مثلما تفاوتت القصص عن الحكايات أسلوبيًّا وبنائيًّا. ظهرت في القصص والحكايات أبعاد أوروبيّة: لتوانيّة، سويديّة، دنماركيّة، وأبعاد عراقيّة، وأخرى عربيّة أفريقيّة: جزائريّة، مغربيّة، تونسيّة، وكان اتّجاهها العامّ واقعيًّا، ولغتها مباشرة وسليمة، مع الاستعانة بمفردات شعبيّة عربيّة وكرديّة. عكست قصّة (مذكّرات حمار) مخيّلة الكاتب الواسعة، وهو يستعين بالتشخيص الدلالي برموزه غير القليلة، في الوقت الذي برزت قصّة (تسفير) غنيّة بسردها ودلالاتها وتوثيقها الواقعي ودور بطلها الرئيس في دائرتي الزمن والحدث، ولو أنّ هذه القصّة، مثلما أشرتُ في المتابعة، لم تضعنا، على أهمّيّتها، في صورة محاولات البطل المحوري المثقّف والإيجابي "جوامير" بشكل كامل، لكي يعرف القارئ طبيعة الأحداث اللاحقة التي مرّ بها حتّى بلوغ هدفه من عدمه. وقد يكون سبب ذلك هو ميل الكاتب إلى النهايات المفتوحة، الأمر الذي بقي معها مصير "جوامير" وعدد من أبطال قصصه وحكاياته مجهولًّا، أسوة بمصير آلاف العراقيّين الذين غيّبتهم أو هجّرتهم السلطة البعثيّْة الحاكمة حينئذٍ في العراق، أو من تفرّقت بهم السبل، وتشتّتوا في بلدان الغربة، بلْ والمصير المجهول للشعب العراقي.

 

بقلم: عدنان عبّاس

.......................

الهوامش:

(1) يذكر الباحث حبيب مؤنسي، أنّ هناك ضرورة لتحديد مصطلحي البطل والشخصيّة بسبب وجود اختلاف بينهما، فالشخصيّة في عدد من الدراسات النقديّة التي تتناول نصوصًا سرديّة، تبدو، في رأيه، "وكأنّها هي البطل، وأنّ البطل هو الشخصيّة". ويرى أنّ البطل إيجابي، وهو "مهمّة"، وأنّ للبطولة "بعدها الحضاري الذي يتجاوز المطلب الذاتي إلى مطالب تتسامى عن الرغبات الآنيّة إلى ما يحقّق مراد الكلّ تحقيقًا في انتصار الحقّ والخير والعدل... ودفع الشرّ والظلم". أمّا الشخصيّة، فيعتقد أنّها "دور، سواء اتّجه هذا الدور اتّجاهًا إيجابيًّا... أو سلبيًّا، وتتّسع لتشمل الحيوان والجماد".

يُنظر: حبيب مؤنسي، البطل أم الشخصيّة! لماذا تخلّت الرواية عن البطل لصالح الشخصيّة؟

10شباط 2012، في: https://anfasse.org/e-cle/taat14456369/4669.html، بتأريخ 5/10/2021.

(2) جيرالد برنس، Gerarld Prince، قاموس السرديّات Dictionary of Narratology، ترجمة: السيّد إمام، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة 2003، ص 198.

(3) غاستون باشلار Gaston Bachelard، جدليّة الزمن The Dialectic of Duration، ترجمة: خليل أحمد خليل، المؤسّسة الجامعيّة للدراسات والنشر والتوزيع، ط 3، بيروت 1992، ص 14.

(4) المصدر نفسه، ص 15.

(5) يتساءل الباحث لورانس أ. برافين Lawrence A. Pervin عن علاقة الشخصيّة أو البطل بالزمن، فيعالج ذلك من خلال المدى أو الحدّ الذي "تستقرّ فيه الشخصيّة عبر الزمن، وعبر المواقف"، وانطلاقًا من الجانب السيكولوجي لها في الآن ذاته. (تُنظر مقدّمة المؤلّف في: لورانس أ. برافين Lawrence A. Pervin، علم الشخصيّةThe Science of Personality ، ج 1، ترجمة: عبد الحليم محمود السيّد، أيمن محمّد عامر، محمّد يحيى الرخاوي، مراجعة: عبد الحليم محمود السيّد، المركز القومي للترجمة، القاهرة 2010، ص 15).

 

جبار ماجد البهادليوَالمُستَويَاتُ الجَماليَّةُ لشِعريَّةِ التَّناصِّ فِي غَزَلِيَّاتِ يَحيَى السَّماوِي الجَمَالِيَّةِ

ثَانياً: تَمثُّلاتُ شِعريَّةِ التَّفْرِيقِ بَينَ

 (الشِّعرِ الآيرُوتِيكِي الحِسِّي، وَالآيُروتِيكِ الشِّعرِي الجَمالِي)

ثمَّةَ فرقٌ كبيرٌ،وبونٌ واسعٌ في الشِّعرية النصيَّة بين ماهية مفهومي الشعر الآيروتيكي الحسِّي الرغائبي ذي الدافع (الجِنسِي)، والآيروتيك الشِّعري الحسِّي الرغائبي (الرُّوحي الجَمَالِي)؛ لذلك من الصعب في نقدية الشعر الحديثة أنْ تُدركَ تمثُّلات فلسفة المعادل الموضوعي الجمالي النسقي في المنجز الإبداعي العشقي الحسِّي لشعرية يحيى السَّماوي الغنائية الذاتية، وتفهم المغزى الرُّوحي البعيد في توجُّهه الفكري الأخير اللَّافت نظراً لحضور تقنيَة الجماليات الحسِّية الآيروتيكية؛ ولكنَّ المثير والأجمل الممتع السائغ في هذه الاشتغالات الرؤيوية المتعاضدة أنْ تستشعر بتفرُّدٍ لذَّةَ وطعمَ ماهية عقد رابطة الألفة الحميمة في معادلة التوفيق الهرمنيوطيقي الصوري (التأويلي) لهذا المعادل الفلسفي الرُّوحي بين ثنائية تمثُّلَات المحسوس العشقي التجريبي (القيمي)، وتمثُّلات الملموس التجريدي (البَصَرِي) الفكري الجمالي الصوفيِّ، مركز الرُّوح و (نقطة الإضاءة) الجمالية المثيرة بدلالاتها الصورية الرُّوحية.

وهذا الأخير المضيء بوضاءته الرُّوحية هو الَّذي ينتزع فيه الشَّاعر أنساق اللُّغة الشعرية المخيالية بصورها المرئية (الحركية والصوتية)، وأصواتها (المهموسة والمجهورة والصائتة) من نفسه انتزاعاً بلاغياً تجريدياً فنيَّاً في رسم وتوقيع ملامح صورة المعشوق الحسِّي في لوحة الخطاب العشقي الشِّعري الحدثي.

والقصيدة الحسيَّة عند السَّماوي بستانُ عشقٍ سَماوي مُورقٍ بالجمال، وواحةُ غزلانٍ ربيعيةٍ من ظباء (العشقيات) المخضوضرة بسنابِل العشق الجمالية الملأى بالمحبَّة، ولا تعدو القصيدة للمتلقِّي أو القارئ إلَّا أنْ تكون دوحةً لغويةً غنَّاء مسربلةً بقشيب أثوابٍ زاهيةٍ من نسج الكلمات الدلالية المعبِّرة، وهي بساط سبكي من الألفاظ والعبارات المتراصَّةِ، والتراكيب الشعرية الرصينة المؤثِّرة بسعةِ ورحابةِ مداها التأثيري.

والسَّماوي يحيى في تصميم تمثُّلاته المعمارية (الحسيَّة واللَّمسيَّة) الشعرية، هو مهندسها الشعري الشاخص بفقه لغته المخيالية الَّذي لا يكتفي بأنْ يُصيِّر مثيرات المحسوس الأنثوي عشقاً، وجماليات العشق الأنثوي محسوساً صورياً فنيَّاً فحسب، بل يخطو أبعد وأعمق من ذلك التصوّر الفكري، فيذهب عامداً فى تصوير جدليته (الحسية الآيروتيكية) إلى مناطق وأقانيم تأملَّية روحيَّة أكثر بُعداً ورؤيةً في إرساء وتعضيد دعائم شعرية فلسفة علم الجمال الرُّوحي العرفاني الصوفي الّذي يتقرَّبُ به الشَّاعر في ابتهالاته الصوفية وأناشيده الشعرية السّماويَّة إلى الله تعالى عبر أثير مجسَّاته الحسيَّة الآيروتيكية التي يقوم فيها بإنتاجِ صورةٍ رُوحيةٍ تَخليقيةٍ يَتماهي فيها المخلوق (العاشق) الحسِّي بجمال الخالق (المعشوق) الرُّوحي التألُّهي؛ لكسر واختراق صورة المألوف الشعري النمطي، وإحداث مثيراتِ الدهشة والإمتاع الجمالي عند المتلقِّي.

وعلى وفق ذلك التأسيس الجمالي تُشكّلُ القصيدة الآيروتيكية بِرُمّتها الكليَّة عند السَّماوي مدائنَ عشقِ شعريَّةً حسيَّةً فاضلةً، ومحطَّاتِ مرافئ سُفْنٍ صُوفيَّةٍ متآلفةٍ عامرةٍ بالجمال، تسمو بها القصيدة الغزلية الحسية الذاتية الحديثة في منظور علاقتها الزمانية والمكانية المتواشجة. فهي مازالت في سير منظومتها الحضورية الكاشفة تعكس ماضياً، وما ستكون في علاقتها الاستشرافية الحالية حاضراً ومستقبلاً فتمثِّل نهراً لافتاً من توليفة (عشقٍ عراقي ٍأخضرَ) لا ينضب ماؤهُ ولا يجفُّ رؤاه العشبي الأخضر للظامئ .

ذلك العشق الرُّوحي الَّذي تتنفسه رئة السَّماويِّ الشعريَّة روحاً وجسداً، وتحيا به هواءً نقيَّاً مُنعشاً، فلا حياة ليحيى السِّماوي من غير قصيدة عشقٍ تَنبُتُ أملاً تَخضَرُّ بهِ روحه، ولا عشق يُعمِّر ويدوم عنده من غير قصيدة حسٍّ، هي روحه الخضراء المزدانة بحبِّ الجمال الصوفيِّ لذلك الهُيام. فترى صورة المعشوقة الحسيَّة في تراتيل شعره الصوفية بضعةً روحيةً منهُ لصيقةً بمدارك محسوساته، تحيا بحنايا روحه،وتمسك بعلائق قلبه المتقطعة يُتَرْجِمُهَا بأناقة لغته ورشاقة تعبيره، كما هو (يحيى) اسماً وتكويناً وشخصيةً ووجوداً.

وعلى نهج هذا التأسيس فإنَّ القصيدة الآيروتيكية ذريةٌ وليدةٌ من بعض بعضها بعضاً، وبذرةٌ متناسلةٌ من رحم هذه البضعة الجمالية المكمِّلة لصورتها التخليقية في عرفانيتها الروحية القريبة إلى الله، كونَ الله الخالق جميلاً ويحبُّ الجمال. ولا يمكن لمثل هذه الرؤيا الحُلميَّة المخياليَّة أن تتحقَّق على أرض الواقع الشعري الجمالي إلّا بتجرُّد الشاعر وتحرُّره من ذاته الوجودية التكوينية، وجلدها جسداً وروحاً في أبهى تكوين وأرفع صورة من صور تجلِّيات التَّواضع الإنساني ونكران الذات المتسامية.

لتحلَّ محلَّها بضعةُ إداةٍ تركيبة استثنائيةٍ مثل، الأداة (سِوَاكِ) اللَّفظية الدالة بالإشارة اللًّغوية والدلالية على (الحِصر العِشقِي) رمز الحسيِّة الأنثوية، وكأنَّ الشاعر في تشاعره اللَّفظي وتماهيه العشقي التوحُّدي يتنقَّل ويتنازل بدلالة موحيات حرفينِ اختارهما (الكاف)،و (النون)، (كُنْ) عن كينونة وجوده، حين يكون المعادل اللَّفظي الآيروتيكي الحسِّي بينهما (سريرُ النَّونِ)، ملتقى العشق ونقطة التفاعل الروحي والجمالي التي جسَّد معانيها ورؤاها الدلالية العميقة بهذا المطلع العنواني الصوري الذي وشم به ثُريا عتبته الرئيسة:

لَمْ يَبْقَ لِيْ مِنِّي سِوَاكِ

فَاحْرِمِيْنِي نِعْمَةَ الكَافِ

تَمَاهَى

بِسَرِيْرِ النُّوْنِ (60)

وَيُحَلِّقُ الشَّاعر مرَّةً أخرى تحليقَ عَاشقٍ في فضاء محسوسات ابتهالاته العشقية الجمالية في حضرة المعشوق؛ ليرسم لنا بمحرابِ حرفه القدسي نبض المحبَّة االروحيَّة الصادقة، لا لأنَّه يُقدِّس جيشان العاطفة الحسيَّة فحسب، بل لأنه يرى فيها فتحاً روحياً صادقاَ، ونافذةً جماليةً صوفيةً لا حدود نهائية لها تمنحه الشعور بالراحة والطمأنينة والسلام الأبدي. ويدفعهُ شُعوره القلبيُّ بعرفانيةِ العشقِ الحسِّي، التَّجَرُّدَ من شهواته النفسية، والتحرُّر بما علق بها من رغائبه الذاتية، فالسَّماوي يجد في حسياته الآيروتيكية وعشقياته الرُّوحية تطهيراً قدسيَّاً للقلب من الدَّنس الشعوري المُبتذل، وتمريناً ترويضياً، ومماهاةً روحيَّةً، وصلاةً شعريةً ابتهاليةً تقرّبُهُ رفعةً إلى الله تعالى. كما ينظرُ إلى ذلك الفتح الرُّوحي الشيخُ الأكبرُ مُحْيي الدين بن عربي حين يقول: "كيف يمكن للقلب أنْ يصل إلى الله إنْ لم يتحرَّر من رغائبه"؟، وَلَمَمِ شهواتهِ الدونية.

وعلى الرغم من ذلك الموقف الواضح فأنْ السَّماوي يقف موقفَ الحائر في تضاديته بين الانتصار لمحسوسات جسده أو الانتصار لروحياته الصُّوفية، ولكنَّه يمكن أنْ يصنع لنفسه مجداً خاصَّاً خالداً به، فيختّار طريقاً ما يرتقي به إلى الأعالي. وقد نوَّهَ الشاعر إلى ذلك في منشوراته (المشباكية) لي مؤّكِّداً القول إنَّ: "مِعضلتي أنَّني أضعف من أنْ انتصر لجسدي في حربه على روحي، وفي نفس الوقت أضعف من أنْ انتصر لروحي في حربها على جسدي؛ لهذا السبب عقدت العزم على إقامة الألفة بينهما من خلال العشق في أسمى تجلياته- العشق بمعنييه الحسِّي والعرفاني- ولا أظنُّ الأمر مستحيلاً ". وعضد السَّماوي قولَهُ بما قاله السيِّدُ المسيحُ (عليهِ السّلامُ): "لو أنَّ لابنِ آدمَ شَعيرةً مِن اليَقينِ مَشى على المَاءِ"، كي يَصنعَ مُنجزاتهِ الرُّوحيةِ الإيمانيَّةِ.

ويمضي السَّماوي في الكشف عن أنساقه الروحية المضمرة في إسناد موقفه التوافقي المعتدل، فيقول مُصرِّحاً: "وتأسيساً على ما تقدَّم أعلاه، أظنَّني نجحت في تدجين ذئب جسدي، ليتواءم مع غزال الروح، وسأواصل - قدر استطاعتي- هذا المنحى، وصولاً إلى الارتقاء بالعشق الحسِّي إلى مصافِ العشق العرفاني، مستعيناً على أمسي البعيد بحاضر يومي، وعلى يومي بطماح غدي، متخذاً من التبتل هديلاً لحمامة قلبي، ومن البصيرة قنديلاً لبصري". ولنقرأ تطبيقاً غزلياً شعرياً لهذه الروح اليَحياويَّة السَّماويَّة العشقية التوافقية، وكيف يَعقدُ صفقةَ أُلفةٍ من الابتهالات العرفانية التّحرُّرية تشير موحياتها الآيروتيكية إلى منزلة المعشوق الحسِّي وتماهي روح عشقهِ مع روحِ العاشقِ معاً:

تَمَنَّعِي عَلَى هَوَاجِسِي ..

أزِيْحِي عَنْ خَرِيْفِي بُرْدَةَ الرَّبِيْعِ..

غُضِّي الفّهْمَ عَنْ صَمْتِي

وَعَنْ تَبَتُّلِي فِي خِدْرِكِ الأَمِيْنِ

 

وَابَتَعِدِي

أبْعَدَ مِنْ قَلْبِيَ عَنْ يَدِي

وَمِنْ سَمَاوَةِ الأَحْبَابِ فِي الغُرْبَةِ

عَنْ عُيُوْنِي (61)

فالأفعال الأمريَّة الطلبية الأربعة: (تَمنَّعِي، أَزيْحي، غُضِّي، اٍبتَعدِي) التي وظَّفها السَّماوي في بدايات سطور هذه الدفقة المقطعية النونية الشعورية المنسابة كانسياب ماء النهر الجاري فيها من جمال القدَاسة والجلالة الروحيَّة التحرُّرية على المشاركة للمعشوقة الحسيَّة ما يدلُّ على التنحِّي والابتعاد عن كل ما يشينُ روحية العاشق ويُدَّنس صفتها الصوفية العرفانية، وفيها من تجلِّيات الجمالية،وصدق الوفاء المكاني والزماني في الانتماء للوطن والأرض والمنبت الأول الذي حالت ظروف التغريب والتهجير القسري في الابتعاد عنه في وطن ثانٍ مُستعارٍ في لغته وثقافته، وَهُويته الإثنية، وعاداته وتقاليده، وقيم شكله وروحه.

وتتلُّون قيم الآيروتيك الحسِّي عند السَّماوي بألوان العشق القدسي ومجامره الروحية الساخنة. فثيمة القصيدة العشقية عنده في فضائها النصِّي لا تقف عند حدود المألوف من العرفي للشِّعر، بل تتشكَّل تمظهراتها الصورية (الصوتية والحركية والمرئية) تشكُّلاً فنيَّاً إبداعيَّاً جديداً تتشابك فيه تمثُّلاتها النصيَّة بنوعيها (المحسوسة والملموسة)، حتَّى يغدو رِتْمُ إيقاعها الأسلوبي المميز تسبيحةَ عاشقٍ صوفيٍّ ينسج فيها الشَّاعر من خيوط محرابها الشعوري القُدسي صورةً فنيَّةً ابتهاليةً يَأتلفُ فيها المرغوب بالممنوع، ويختلف فيها المسموح بالمقموع الفكري والدلالي حركةً وصورةً .

فِيتَراءَى لكَ أنَّ الشاعر يحيى السَّماوي يُحرِّك الساكن الثابت، ويُسكِّن المُتحرِّك المتغيِّر غيرَ الثابت المستقرِ، فيستحيل الثابت القائم لديه متحوِّلاً، والمتحوِّل ثابتاً بلغةٍ أنيقةٍ سحريةٍ جماليةٍ ماتعةٍ تتخلَّق بنيتها النصيَّة الدلالية والتركيبية والإيقاعية الصوتية تحت أفياء خيمة العشق الصوفي المشِّعة بظلالها العرفانية المشرقة، والتي يرى فيها الشاعر يحيى السَّماوي انعكاساً حقيقياً مباشراً لسيماء مرآة روحه التحرُّرية في قلبِ الصورة النسقية الشعرية الجديدة:

وَلْتَمْنَعِي بَحْرَكِ عَنْ

سَفِيْنِي (62)

ومن موحيات عقشيات هذه الترنيمة التسبيحية القدسية التأملية بدلالة ألفاظها الحسيَّة الآيروتيكية البعيدة والقريبة، يتصاعد لحن الشاعر الصوفي فيضاً روحيَّاً عرفانيَّاً متآلفاً من التمكُّنات الحسيَّة الموقَّعة بأوتار عناصر الطبيعة الأُمّ، وَمُدخلاتها السكونية والمُتحرِّكة، فيعزف نَايُهُ لنا من رحمها الجمالي الهاطل نشيداً صوفياً روحياً متساوقاً في مقطوعةٍ ابتهاليةِ آيروتيكيةِ أخرى، حرصَ بأهميةٍ فنيَّةٍ بالغةِ التأثير على تدفق تمثُّلات موسيقاها الداخلية، وتناسق قافيتها الحرفية المشبعة بحركتها التماثلية الموحَّدة على هذا النسق الرباعي الاسمي التعبيري المضاف إلى الذات الشاعرية.

فمن خلال ياء المتكلِّم التي يستجدي بها الشاعر قائلاً: (نَهْري، جَمْري، صَبْري، صَخْري). والَّتي عَبرَ تواردها التتابعي بـِحرف (مِنْ) التبعيضية، انحرف بتعبير أسلوبيته الانزياحية متماهياً بتمكُّناته الحسيَّة في غلبةِ (النَّاعورِ عَلَى النَّهرِ)، و (التنوَّرِ على الجمرِ)، و (الأوهامِ على الصَّبرِ)، و (الأَنْداءِ على الصَّخرِ). فكُلُّ هذه الابتهالات العشقية الباذخة بتساميها، والتي وهبها إلى المعشوقة الآيروتيكية لا تساوي في معادلها اللُّغوي الموضوعي إلَّا نزراً قليلاً من التمكُّن العرفاني الذي يُعيد له توازنه الروحي الجمالي المفقود بهذا الكم الحَرْفِي من التبعيضات الموازية لدلالاتها اللَّفظية التي عقدَ أُلفتَهَا مع معشوقته الحسيَّة :

مَكَّنْتُ نَاعُورَكِ مِنْ نَهْرِي ..

وَتَنُّوْرَكِ مِنْ جَمْرِي ..

وَأَوْهَامَكِ مِنْ صَبْرِي ..

وَأَنْدَاءَكِ مِنْ صَخْرِي ..

فِمَكِّنِيْنِي

 

عَلَى لَظَى حَنِيْنَي (63)

ما أسمى لغةَ الشَّاعرِ الشعوريِّة! وما أبينَ صوره البلاغية حين تَجُوسُ أحاسيس مشاعره الصادقة خلالَ أرض بساتين اللَّذة النفسية، وموائد الشراب الروحي! فَتُؤَنْسِنُ موحياتُ بلاغة لغته الاستعارية - بتآلفٍ وانسجامٍ ٍتام ٍ - فاعلية (التَّرَجّلُّ) لديمومة حركة الواقعة الشعرية الجمالية (ترجَّلتْ كؤوسُ لَذَاتِي)، وتمنحها انحرافاته الانزياحياته (الدلالية والتركيبية)حياةً حركيَّةً جديدةً نابضةً بالحيوية والجمال الصوري. وفي الوقت نفسه تختلف هذه الصورة الانزياحية معها لا تَأتلِفُ، فَتُعَطِّل الموائد ذات الحركة السكونية الثابتة عن معانقة واحتضان كؤوس اللَّذة الحركية، لتمنح بقايا حثالةِ الأيام المنصرمة بِقِلَّةِ الانتشاء نصراً كبيراً مؤزَّراً على قارورة رافد الارتواء الرُّوحي لنشوة السنين، لقناعته الذاتية في التحرُّر من رغائبه الذاتية:

تَرَجَّلَتْ كُؤُوسُ لَذَّاتِيَ عَنْ مَائِدَتِي

فَمَكِّنِي حُثَالَةَ الأيَامِ مِنْ قَارُورَةِ

السِّنِيْنِ (64)

حينَ تُمعِنُ النظرَ في شاعرية السَّماوي وتَقْرَؤُهُ جيِّداً، تجدهُ كتاباً معرفياً مفتوحَ النهايات في خواتيم قراءته الفلسفية وفي بيانه الشعري الحسِّي، يبدو أثره الإنساني الإبداعي كنخيل بساتين السَّماوة الباسقة، لا يألو شأواً، ولا يأبه خجلاً بصراحته الذاتية واعترافاته الثقافية المعلنة، تعبيراً عن سمت تواضعه الصوفيِّ؛ لذلك يكشف حال لسانه الشعري عن خبايا مكنوناته الذاتية،وعن أنساق مضمراته وخبايا معلناته الرُّوحية.

فلا يخشى البوح عن مُجونِ شبابه الماضي الذي تلاشى وانحسر مع تعاقب الدهر قبل أنْ تكون حبيبته المعشوقة السومريَّة زيتونَ زادِ ماعونه الرُّوحي، وطعامَ رغيبته الحسِّي المشبع لجوعه العرفاني، وتستحيل خمراً لزيتونِ رحيقِ شرابه المُعَتَّق المُسكِرِ. والسَّماوي في هذه المفارقة العشقية الصوفية بين ثنائية الجوع للزيتون، والشرب لخمر التِّينِ كَمَنْ يعقدُ مفاضلةً روحيةً صادقةً يُطبِّقُ إجراءها العرفاني بين صفتي (الشوقِ والاشتياقِ) على ذاته الشعرية المتسامية،كون الشوق إلى المعشوق يُعدُّ مثيراً روحياً نسبياً متغيِّراً لا يثبت أثره الروحي مع مرور الزمن، وينتهي زمنه بلقاء المحبوب الحسِّي، في حين أنَّ الاشتياق مثيرٌ روحيٌّ كبيرٌ يزداد زمنه ويمتدُّ أثره بلقاء الحبيب المعشوق كما ينظر أهل العرفان وفقهاء اللُّغة إلى هذه النظرة الروحية الجمالية العميقة السامية في صفاء العلاقة الإنسانية.2893 البهادلي

ويبدو لي أنَّ يحيى السَّماوي كان قارئاً جيَّداً لفلسفة العرفانيين ومُدركاً لمفاهيم تراثهم الروحي المضيء لقلوبهم المُترعة بالعشق الرُّوحي الكبير المُطلق، فجاءت اشتغالاته الآيروتيكية الروحية العشقية حزينةً بهذه التورية المعنوية الجمالية (خَمْرَ تِيْنِ) الدالة على مضمونها الدلالي القريب رحيق (خمرِ التِّيْنِ) الحقيقي المُعتَّق، والمعنى الدلالي البعيد (خَمرتَيْنِ) الذي هو مثنى نوعين من مُدَامِ الخمور المُسَكِّرة ، ولعلَّها كانت تعويضاً عن عشبة فرحه المفقود الذي سَرَقَهُ الطواغيتُ والجائرون من حكَّام أوروك الجديدة الَّذين بَغوا:

مِنْ قَبْلَ أَنْ تَكُوْنِي

 

زَيْتُونَ مَاعُونِي إذَا جِعْتُ

وَإنْ عَطَشْتُ لِلرَّحِيْقِ

خَمْرَ تِينِ (65)

هكذا يبدو المشهد الصوري الحسِّي عند السَّماوي ثرياً مُترعاً بقوافل الجمال الروحي لا يعرف النضوب الإبداعي طريقاً له عنه، ولا ترى لسيمياء قلقه النفسي أو الجفاف، وقلَّة الخيال مكاناً مطلقاً للركود في بيتِ قَصيدهِ الشعر. فالشاعر به رغبة عارمة، هوسٌ كبيرٌ لممارسة المحسوس الآيروتيكي من الشعر العشقي، وطمع أثير لكتابته، يصل به حدَّ الثمالة والانتشاء الروحي. والسَّماوي ذلك الطفل الوليد النقي البراءة الذي به حبُّ جمٌّ كثير لتنفس تراتيل الشعر وتدوين كتابته روحاً يُعَمِّدُ به جسده من نهره الجاري. وكثيراً ما كان يُصرِّح لي في مراسلاته الألكترونية الأدبية، ورسائله الأخوانية الخاصَّة بيان سيرته الشعرية  نحو قَلَقِهِ الإبداعي الإيجابي الصحي من نكوص الخيال ونضوبه فيقول:" أشعر ببكاءٍ خفيٍ حينَ تمرُّ أيامٌ عديدةٌ أو بضعةُ أسابيعَ دونَ أنْ تَصطادَ فِخاخي غزالةَ قصيدةٍ أو ظبيةَ نصٍّ نثريٍّ" تظهر للأفق الأدبي:

فَإِنَّنِي شَفِيْتُ مِنْ دَاءِ تَهَيُّمِي

وَمِنْ جُنُوِني

 

وِمِنْ ظُنُوْنٍ كَبَّلَتْ بِقَيْدِهَا

يَقِيْنِي (66)

لقد اقتحم السَّماوي بآيروتيكيته الشعرية الصوفية المحسوسة ما ليس مألوفاً مُعتاداً من ميادين الشعر الحسِّي، كما يقتحم أهل التصوُّف الديني ورجالات العرفان الرُّوحي ما ليس منظوراً معتاداً من الآراء والمواقف الفلسفية والجمالية، وما بين السّماوي شاعر (الآيروتيك الحسِّي الجمالي)، وهؤلاء العرفانيينَ والصُّوفيينَ خيطٌ رفيعٌ من الجَمال الرُّوحي العرفاني يريد الإمساك به وبتلابيبه القشيبة الناعمة من الوسط، وتلكَ واللهِ هي محنته الشعرية التي انجذب إليها في خطاب معجمه الشعري الصوفي، وهي منزلة رفيعة من الجمال الفلسفي لا يبلغ مداها الرُّوحي التَّألُّهي الرَّباني الإنساني إلَّا الشعراء العارفون بعرفانيتها الكبيرة المقدَّسة، والمبحرون بأشرعتهم الروحية المطلقة في يَمّ ِ سفائنها .وسنقرأ شاهداً لما تبثُّه عرفانيته الروحية:

لَا شَغَفاً

لِرُؤْيَةِ الغِلْمَانِ مِنْ حَوْلِي يَدُوْرُوْنَ

بِأَكْؤُسٍ مِنْ الفِضَّةِ وَالتِّبْرِ

وَلَا جُوْعَاً فُحُوْلِيَّاً لِحُوْرِ عِيْنِ

 

لَكِنَّنِي

خَشِيْتَ أَنْ يَمْنَعَنِي مِنْ وَجْهِهِ

مَعْشُوْقَيَ المُطْلَقُ

لَوْ أَتَيْتَهُ يَوْمَ اللَّقَاءِ الحَتْمِ

ضِلِّيْلَاً بِدُوْنَ دِيْنِ (67)

وتصل ذروة المخيال العشقي الحسِّي، ونشوته الرُّوحية عند السّماوي في تماهيه ،وتدفقات تعابيره الشعورية إلى صورة (الحَياء) النفسي الرُّوحي الذي يَتَمَلَّكُ الإنسانَ ويتغشَّاهُ لحظة وقوع الواقعة الحدثية الجمالية، فيتلاعب الشاعر بألفاظه اللَّمسيَّة أعضاء الجسد (اليَد)، ويحوِّل دلالتها الحركية غير العقلية إلى مدلولات شعورية آدمية عقلية إنسانية، فيهبها من روحه القدسية صفة الاستحياء الخجلي الشعوري الذي يمنحها قوةً انزياحيةً روحيةً بلاغيةً مذهلةً، تُلقي بتأثيرها اللُّغوي الدلالي، وظلالها النفسي علامات الدهشة والمفاجأة والإمتاع الرُّوحي الجمالي عليه من تلك المعشوقة التي تُحرِّكُ فيه جماليات المسكوت اللَّفظي:

فَتَسْتَحِي مِنِّي

وَمِنْ كِتَابِهَا يَمِيْنِي (68)

الشاعر السومريُّ غارقٌ بمتاهته العشقية، ثَملٌ بخمرته الروحية إلى حدِّ التِّيهِ القلبي، لكنَّه - عقلياً- واعٍ لكهوف اللَّذة الحسيَّة السوداء في ممالك العشق ودهاليز الضياع. لم يكن إلَّا فلَّاحاً شعريَّاً مثابراً في حرث بساتين العشق الحسِّي وحصدها، ولا يتراءى لك في نشوته الشعرية وتماهيه إلَّا مزارعاً شعوريَّاً روحياً مملوءاً بالحسِّ المرهف اليانع في حصد ثمار سَنَابِل السنينَ الملأى، فلا تسمع له هاتفَ صوتِ رَحىً لجعجعةٍ من غير حصادٍ، ولا حصادَ سنابلَ من غير رَحىً يُفضي إلى ناتج روحي من طحين القلب، وإلى رماد خبز تنوره الجمري الذي لا تنطفئ جذوته الروحية في القلوب العامرة إلَّا بتسابيح أمل والإيمان:

كُوْنِي رَحَى سَنَابِلِي ..

مَا حَاجَةُ السُّنْبُلِ لَا يُفْضِي إِلَى

طَحِيْنِ؟ (69)

وحين تكون المحبة الروحيَّة عنواناً وصدى لهذا العشق، تكون القصيدة الآيروتيكية اليَحياويَّة سجادةَ صلاةٍ صوفيةٍ لديمومة هذا الحبِّ الجمالي التَّبَتُلي المضيء المشرق بنصوصه وقصائده وخطاب معجمه.

ثالثاً: مَا تُضيءُ به نَتائِجُ تَمثُّلَاتِ الشِّعريَّةِ الآيروتيكيَّةِ

في تجلِّيات الرؤية العشقية الأيروتيكية ضمن فضاء النصِّ الشعري الإبداعي تُهيمن صورة (الأنثى) المرأة المعشوقة في بؤرة النسيج الشعري المركزية، ووحدته العضوية لعشقيات يحيى السَّماوي الغزلية على نصوص خطابه الشعري الذاتي بشكلٍ لافتٍ لنظر المتلقّي، فقدَّم السَّماوي صورتها الظاهرية الشكلية (الحسيَّة)،والباطنية الخفية (الروحيَّة) بشكلٍ تشكيليٍ تجريديٍ جماليٍ فنِّي، وروحيٍ تقديسيٍ صوفيٍ عرفانيٍ نورانيٍ مُضيءٍ غير تقليديٍ تداوليٍ مُكَّررٍ في إعادة إنتاجه الخطاب النصِّي الإبداعي للقصيدة العشقية.

وقد قدَّمها على أنَّها تمثِّل رمزاً أو معادلاً موضوعياً فنيَّاً للوطن والأُمِّ والأرض والحياة والإنسان، وقدَّمها أيضاً ضمن مجموعة من النماذج العشقية بهيئاتٍ مُتعدِّدةٍ في التشكُّلات الفنيِّة التي طافت بلغتها التعبيرية الآيروتيكية الحسيِّة على مِساحاتٍ لونيةٍ كثيرةٍ من جمالياته العشقية الزاخرة. وقد أثرنا من خلال رصدنا التتبعي لهذه الدراسة أن نقدِّمَ أهمَّ ما تضيء به النتائج البارزة التي توصَّلنا إليها بدقةٍ في دراستنا:

أ- نَماذِجُ التَّوظيفِ العِشقِي الحِسيَّةِ لِتَشكُّلَاتِ المَرأَةِ:

1- المرأة المقدَّسة العفيفة الطهور عُرفياً ودينياً واجتماعياً الَّتي هي (جنّةُ اللهِ)، و (آيةُ العِشقِ البتوليِّ) المعبودة من غير معصيةٍ أو كُفرٍ أو خروج عن دينٍ أو مِلَّةٍ هي التي تجمع أثر جماليات (الحسّ روحي).

2- المرأة المعشوقة روحياً وفنيَّاً، والتي تمثّل صلاة العشق الروحي والنفسي له، والتي لا يُشرِكُ معها في حبِّها معشوقةً أخرى من النساء في فروضه العشقية، وطقوس شعائره الفنية والثقافية التي تُهيمن فيها لحظةُ اللَّاوعي الشعوري بدلالة قوله: (جَربتُ أنْ أختارَ غَيرَكِ قِبْلَةً لِصَلاةِ عِشقِي / فَاستَدارَ إليكِ قَلبِي وَالمُصَلّى)، ص (34) (تَيمَّمي بِرمادِي).

3- المرأة المُتَخَيَّلة المعشوقة رومانسياً وحسيَّاً وغريزياً، وهذا الأنموذج الفنِّي من أكثر النماذج االشعرية تشكُّلاً وانتشاراً تجريدياً في شعره الغزلي العشقي، لكون يَحيَى السَّماوي شاعراً إبداعياً حسيّاً رومانسيّاً، لمسيّاً للعضوية الجسدية الغريزيّة، روحيّاً بفطرة الشعور الشِّعرية. والأنثى في معشوقاته تمثّل كوناً روحيَّاً جماليَّاً عرفانيَّاً، وجسداً حسيّاً ثائراً بالرغبة والإثارة الحسيَّة، وَمُترِعاً بإمارات الشبق والشهوة، وما على الشاعر العاشق الشغوف إلّا أنْ يُبادله مُطارحةَ الغرامِ ومُرادةِ الهُيامِ واجتلابِ اللَّحظة الشعورية في هذا الاندماج الثنائي (الحِس رُوحي) الفنِّي الصوري الموحَّد.

4- المرأة المعشوقة (الجنسيَّة) الآيروتيكية ذات الطابع الاجتماعي السردي القصصي المتأثِّر برموز شعراء الغزل الحسِّي المُجرد الكُبار في الثراث، أمثال عمر بن أبي ربيعة، وامرئ القيس، وأبي نوَّاس، ولكن بصيغ وتشكُّلاتٍ جماليَّةٍ وفنيَّةٍ مغايرةٍ . وهذا ما تمثّله قصيدة (لا تَذْعُري)،ص (47)أروع تمثيل في شعريته.

5- المرأة المعشوقة ذات الطابع القصصي (الإيماني- الآيروتيكي) الذي تتفاوت فيه فنيَّاً مقاييس الغواية مع الإيمان، وتتصارع فيه جدلية (الحضورِ والغيابِ) العقلي في اختبارٍ تُرَوَّضُ فيه الغواية النفسية ذات الانحراف الغريزي الفرويدي، وتنتصر فيه سيمياء الهداية الإيمانية روحيّاً، وهذا الصنف من نماذج العشقيات المتضادة نجده ممثّلاً خير تمثيل في قصيدة (قُطُوفٌ لُيستْ دَانيةً)، ص (70) المتضادَّة لدلالة الآية القرآنية (23) من سورة الحاقة (... قُطُوفُها دَانيةٌ)) في ديوانه الحسِّي العشقي (تَيمَّمي بِرَمادي).

6- المرأة المعشوقة ذات الطابع الرمزي الأسطوري التاريخي، والتي رمز لها بالسومريَّة أو (إينانا)أو بقصة الرمز الديني يوسف في محنته المصيرية مع أخوته الأحد عشر أخاً الذين أوقعوه في غياهب غيابةِ البِئرِ، بسبب غواية الحسد، وكذلك علاقته الذاتية مع (زليخة) زوج عزيز مصر.ولعلَّ هذا الشكل من المرأة المعشوقة تمثّله قصيدة (شَجَنٌ مِنْ حَجرٍ)، ص (85) في ديوانه (تَيمَّمِي بِرمَادِي).

7- المرأة المعشوقة التي ترتبط صفتها العشقية بجمال الطبيعة، وألوانها وفروعها ومفرداتها التي يكثر من شواهدها في أكثر قصائده الشعرية. وهذا ما نجد أثره النقلي في قصيدة (صَدَقةٌ)، ص (82) وغيرها.

8- المرأة المعشوقة التي تَمُتُّ بصلتها العشقية إلى حبِّ الوطن، والذي يتماهى فيه العاشقان بالوطن أرضاً وتكويناً ومِسَاحةً وانتماءً. وهذا التداخل الروحي بينهما مما دفع الشاعر أنْ يتصيّر وطناً، والوطنُ يتصيّر حبيبةً، وهي ظاهرة لافتةً للنظر في شعريته الحداثوية. وهذا اللَّون من العشق الرمزي الكبير تجسِّده قصيدة (مِنْ أقصَى المُقلتَينِ إلى أقصَى القَلبِ) الدالة على معانيها الدلالية العشقية الآيروسية، ص (107) من ديوانه (تَيمَّمي بِرَمَادِي).

9- المرأة المعشوقة الصارخة بجماليات الإثارة (الحِس رُوحيَّةِ)، والتي يستحيل فيها أثر فعل (الستربتيز) المبتذل العهري الإباحي إلى (آيروتيك) حسِّي جمالي روحي تُقدَّسُ فيه المرأة وتُفرَّغ من وعاء اللَّذة والمتعة الفارغة إلى محراب القداسة والنورانية، وهذا ما نجده بقصيدة (فِي حِضنِ مَشحُوفٍ)،ص (142) من ديوانه الآيروتيكي الحسي الروحي الجمالي (تَيَمَّمي بِرمَادِي).

10- المرأة المعشوقة الحبية (التقليديةُ) ذات العفَّة والطهارة والشرف والوجاهة التي تشكِّل جزءاً مهمَّاً من ثقافة الشاعر وتحظى بنصيب من عنايته، وتأخذ مأخذاً فنيَّاً من فضاء تجربته الشعرية في قصيدة (تُفاحةُ النُّعمَى) ص (12)من ديوانه (تَيَمَّمي برمادي)، والتي تتناصُّ دينياً مع قصة (آدم) عليه السلام أبي البشرية في موضوعيتها الفكرية والرُّوحية.

11- المرأة المعشوقة ذات الطابع الغزلي العرفاني الصوفي الذي تستحيل فيه مظاهر المحسوس المجرد الشكلي إلى صورة واقعٍ ملموسٍ نوراني يقيني مُنصبٍّ على آثار شواهد نقليَّة من الأثر الديني التاريخي التي تعضده شكلاً من أشكال العشق الروحي الجمالي في فنيَّة التعبير الأسلوبي. وهذا ما توثُّقه فنيَّاً ورمزيَّاً قصيدة (ثَالثةُ الأثَافِي)، ص (14،13) من ديوانه السابق (تَيمَّمي بِرمَادِي). وتتعدَّد دلالة هذه المرأة في قاموسه الشعري، حتَّى تتشكَّل، فَتَكُونُ (المدينةَ الفاضلةَ)، مدينة الشعر التي ينشدها الشَّاعر في رحلته الإسرائية السامية، لأنَّ ماهية المرأة ومفهومها الدلالي يتخطَّى معناه الوجودي بهذا السمت من التماهي العشقي المرئي الذي يتَّحد مع موجودات الشاعر وانفعالاته.

ب- نَماذِجُ التَّوظِيفِ الشِّعرِي الِنَوعِي لِتَمَثُّلاتِ غَزَلِهِ العِشقِي الحِسِّي:

1- النوع الحسِّي الجمالي (الآيروتيكي) المجرَّد الذي تستحيل فيه بصرياً صورة الجسد المحسوس روحاً، وتستحيل الروح غير المرئية جسداً عرفانياً مُترعاً بأخاديد الجمال الرَّوحي، وتجسُّمات الطبيعة الأمِّ.

2- النوع الحسِّي الجمالي (الرُّوحي) التقليدي المثالي الطُهري الذي يمتاز بتمظهرات تقنية الوصف الداخلي والخارجي لبنية القصيدة الحسيَّة في تشكلات شعرية العشق اللُّغوية والتصويرية المائزة بجمال فقه لغة الشاعر الحديثة، لغة الشعر والانزيحات الصورية والجمالية الفنَّية.

3- توظيف الشعر الآيروتيكي الحسِّي الجسدي،وتحويله إلى عشقٍ آيروتيكيٍ شعريٍ روحيٍ جماليٍ فلسفيٍ.

رَابِعاً- تَمَثُّلاتُ شِعريَّةِ الأَنساقِ الَّثقافِيَّة (الرَّمزيَّةِ والوَاقعيَّةِ)

تحت تأثير سطوة الأسطرة المثيولوجية لـ (ملحمةِ كِلكامِش) السَّومريَّة، وسحر مقاربة جاذبيتها التاريخية والنفسية في أدب أوروك الرافديني العراقي الحضاري القديم، كتب الشَّاعر يحيى السَّماوي قصيدته الواقعية المَلحميَّة النَّسق الفكري الرُّوحي الجمالي (مِحنَةُ أَنكِيدُو) التي وجدَ بأدبياتها حلَّاً سحريَّاً ناجزاً لآيديولوجيته الفكرية الثقافية (الذاتية، والسياسية، والاجتماعية) الَّتي يدافع عنها عقيدةً مبدئيةً، ويؤمن بها في فلسفةِ الحياةِ طُقوساً وممارسةً إبداعيةً لها وقعها التاريخي الجمالي الحضوري اللَّافت في ضوء الواقعة الشعريَّة.

فإذا كانت ملحمة كلكامش التاريخية قد مزجت في أدبها السَّردي التاريخي الأوروكي بين النسقين (الحقيقي والأُسطُوري)، فإنَّ قصيدة السَّماوي (مِحنةُ أنكيدُو) ذات النفس النصِّي الملحمي، والوقع الأسطوري قد مزجت في تجلِّياتها الوثوقية بين (الواقعي المُتجلّي)، و (المِخيالي الخَفِي) المُضمر في وقائع مشاهد سرديتها الأدبية التعبيرية. وإذا كان كلكامش هو نفسه البطل الأُسطوري الرمزي الخارق المُتغطرِس بجبروته في أدبيات الملحمة، فإنَّ أنكيدو (السَّماوي) الإنسان البريِّ المتوحش، والمُتَأنسِن بفعل الإثارة الأغواية الجسدية لـ (شَامات)، وإغرائها الآيروسي الشبقي الجنسي، هو البطل الحقيقي الفاعل بأدائه وفعله الأُسطوري الملحمي في قصيدة السَّماوي (مِحنةِ أَنكِيدُو)، وليس كلكامش الرّمز الأكدي المارق بغطرسته وشهوة استحيائه لمناطق العفَّة والعذرية والشرف والجمال.

فالملحمة الكلكامشية كانت واقعيتها المشهدية الحقيقية تستند إلى الحكمة (السَّيدوريَّة)، والأخذ برأيها السديد الصائب، أمَّا مخيالها الماورائي، فهو مُتسرَبِل بوشي غطاء الرمزية في البحث عن الخلود لحياة أخرى ذات مرامٍ وقصدياتٍ بعيدةٍ. في حين تَشي (محنةُ أنكيدُو) اليحياويَّة السَّماويَّة، بأنَّها تقوم في معمارية هندسة بنائها اللُّغوي التركيبي الحقيقي، والمجازي المخيالي على ناصية نسقينِ ثقافيينِ مختلفينِ في إنتاجهما الخفي والمتجلِّي، ومتَّحدين في وحدة الموضوع؛ وذلك لكون محنة أنكيدو العصرية الراهنة تعدُّ في تجلِّيات أقانيمها الداخلية القريبة والبعيدة قَصيدةَ أنساقٍ ثقافيةٍ إنتاجيةٍ بحتةٍ رغم سيطرة الأسطرة عليها.

وعلى وفق تلك المُدخلات الثيمية، والمُخرجات التأثيرية، فإنَّ النسق الأوَّل الظاهر منها والمُهيمن على تخوم فضاء القصيدة وأجوائها الحَدَثِيَّةِ، هو النسق الآيديولوجي الثوري الذي يتماهى فيه السَّماوي - وطنيَّاً وثوريَّاً- بتقريب الواقع العياني الراهن وإسقاطه على صورة أدبيات أسطرة التاريخ الأوروكي السومري، وليس العكس من ذلك بإسقاط واقعية التاريخ الملحمي للأسطورة على الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي للوطن الكبير (العراق) الذي يَجِدُ الشاعر في مقاربته النسقية فيه مِساحةً من السِّعة الشعرية الكبيرة، ويرى فيه شاخصاً مِهمازاً فنيَّاً لحريَّة التعبير الآيديولوجي عن أنساقه الفكرية، وهمومه وآماله وتطالعاته وطموحاته الثورية المنحازة لهموم الوطن السليب، والمعارضة لنظام الحكم الدكتاتوري الفاسد، سواء أكان السابق منه أم اللَّاحق، وما يندرج تحت مظلته الكبرى من تحدياتٍ كبيرةٍ، وإسقاطاتٍ متواليةٍ راهنةٍ، لها أثرها الكبير في رسم الحياة السياسية للبلد وإرجاعه إلى نقطة الخلف.

أمَّا النسق الإنتاجي الثَّقافي الثَّاني، فهو النَّسق (الذَّاتي العَاطفِي)، أي الهمّ الذاتي الكبير والوجع (الأنوي) مع الآخر، وما له علاقة بالجمال الرُّوحي، وصيرورة التغنِّي بالجمال الحسِّي الأنثوي للمرأة المعشوقة أو العاشقة، وما يقع تحت ظلال الرومانسية الحالمة بوطن آمن وعشق قائم يحتاجه الفكر غذاءً روحيًّاً للعقل المعرفي، وترويحاً نفسياً لعلائق شغاف القلب المشدودة بحبِّ علائق هذا الوطن الأثير.

والعلامات الفارقة المضيئة لمُهيمنات هذين النسقين المتشابكين عند يحيى السَّماوي (نافذة العشق الروحيَّة المضيئة)، تُشير إلى أنَّ موضوعات النسق العاطفي الذاتي لا تقلُّ أهميةً وجدوىً في شعرية (الخفاء والتَّجلِّي) عن موضوعات النسق الرمزي الأسطوري؛ وذلك لكون النسقين (الأُسطُوري الرَّمزي)، (والذَّاتِي العَاطفي) يُشكلانِ جدليَّاً وجماليَّاً وحدتي التَّقارب والتَّلاقي، والتَّعانق والتَّماهي في رفد المشروع الفكري الشعري الإنتاجي الثقافي، وتعضيده بديلاً شعرياً مناسباً لكسر وخلخلة الأنساق الشعرية المستهلكة التَّالفة المعطوبة التي عفا عليها تجديد الفكر الزمني في منظومة الشعر العربي المعاصر، والتي استحال أكثرها المُهَلْهَلُ، لا رَصينُها الإبداعي إلى هذيانٍ لغويٍّ وإسهالٍ لفظيٍ ممجوجٍ لا طائل منه تحت مظلة النثر الغامض المُغلق من جديد الشعر العربي الذي لا يَمُتُّ إلى حداثته بصلةٍ لا من قريبٍ أو من بعيدٍ.

إنَّ لجوء السَّماوي إلى تقنية التوظيف الشعري الأسطوري بِنَسَقَيْهِ الآيديولوجي والذاتي، والاستفادة من الدلالات المعنوية والتاريخية الكبيرة للرموز والشخصيات الأُسطورية في النصِّ الملحمي يعدُّ فتحاً مُعجمياً كبيراً مُدهشاً، له مسوغاته الفنيَّة والجمالية المؤثِّرة، وله أيضاً مراميه البعيدة، وأهدافه ومقاصده الإبداعية الباسلة التي يقتفي أثرها الشاعر المجدُّ المثابرُ يحيى السَّماوي في حفرياته التاريخية، وتنقيباته التراثية الجماليَّة البعيدة على المستوى الوطني الموضوعي العام، والمستوى الذاتي العاطفي الرُّوحي الخاص.

فعراق اليوم بمجمل صور وجعه المدمي ومآسيه وجراحاته الكبيرة، ونهب خيراته وثرواته الوطنية الكبيرة، واهتزاز سيادته، وتصدُّع لُحمته الكليَّة وسِداهُ وفقدانه لهيبة اسميته الدَّوليَة، هي بحدِّ ذاتها تشِّكل وحدةً موضوعيةً أسطوريةً سرديَّةً مُذهلةً، وتعدُّ هاجساً موضوعياً كبيراً، وفكريَّاً ورمزيَّاً مُعقَّداً في تركيبه اللامؤسساتي الجديد،والَّذي لا يمكن أن يستوعبه أو يتخيَّلهُ فكر العقل الإنساني، أو يتقبَّله المنطق الواقعي الذي يُنبِئ بأنَّ حاكمية السلطة وراعية شؤون رعيتها العليا تُفضي بالبلد وشعبه الآمن من سيّئ الحال إلى حالٍ أكثر سوءاً، وتمضي بخارطته الدَّولية نحو عالم المجهول،عالم المستقبل الواسع اللَّامتناهي.

فعلى صعيد الخطاب الشعري، فقد كتب السَّماوي عنواناً أسطورياً دالاً على نسقية نفسه، موازياً لتجلِّيات متن النصِّ االشعري اتّخذه قِناعاً رمزيَّاً تخفَّى به نسقيَّاً تحت دلالة الرمز الأسطوري المُنقذ من الظلال (أنكيدو). وإنَّ لمثل هذا القناع (الماسك) الشخصي أثراً كبيراً مَنَحَ بناء القصيدة وأضفى عليها جوَّاً أسطورياً عابقاً بالتوهج الفكري المقارب لحيثيات الواقع؛ كونه يحمل رسالةً آيديولوجيةً عقائديةً واضحةَ المعالمِ في ولاء الشاعر وانتمائه السياسي الممتد عبر جراح الوطن الكبير، والذي رمَز إليه بـ (أوروكَ)، أوروك التاريخ والوطن العراقي الكبير، أوروك ملاذ حُبِّهِ الذاتي، وعشقه الرُّوحي الأثير. فَترى السَّماوي مُتسلِّلاً بحذرٍ شديدٍ عبرَ نوافذ ماضيه، باحثاً عن إشراقة شمس تضيء حاضره النازف الطافي، وتستشرف غده الراكد المعطوب، وتستنقذ أنين وجعه الراهن المغيَّب الذي يُجيلَ النظرَ بحثاً عن أثر له في أوروك، فلم يجده، فلا أوروك هي أوروك الحاضر والمستقبل، ولا الوطن هو الوطن الحاضر الواعد بالحياة:

جَالَ فِي أرجاءِ أُورُوْكَ

طَوِيْلَاً

بَاحِثَاً عَنْ أَمْسِهِ المُشْمِسِ

فِي أَحْيَاءِ عَدْنَانَ

وَطَيٍّ وَمَضَرْ (70)

***

"يتبع"

د. جَبَّار مَاجِد البَهادِلي

..................

 (*) من كتاب يحمل نفس العنوان قيد الطباعة حاليا ..

 

مقدمة: الكاتبُ والأديبُ والناقدُ القدير الأستاذ "نبيل عودة" من سكان مدينةِ الناصرة يكتبُ القصَّة القصيرة والرواية والدراسات النقدية والمقالات المتنوِّعة في شتى المواضيع: السياسيَّة، الاجتماعيَّة، الأدبيّة، الثقافيَّة منذ أكثر 45 سنة، أصدرَ العديد من الكتبِ الأدبيَّةِ والقصص والروايات ونشر إنتاجه الإبداعي في معظم وسائل الإعلام محليا وخارج البلاد ويعتبرُ من روَّاد القصَّة القصيرة والرواية على الصعيد المحلي. سأتناولُ في هذه المقالة روايته "المستحيل" من خلال الاستعراض والتحليل.

مدخل: تقعُ رواية "المستحيل" في (148 صفحة) من الحجم المتوسط ويهدي الكاتب نبيل عودة روايته إلى "فوزي ضبيط" ابن مدينة الرملة عمًّا وأبا وصديقا وإنسانا كبيرا... رحلَ عنّا وبقي فينا بحبِّهِ الكبير لكل الناس... كما جاء في الإهداء. وفي الصفحة التي تليها من الكتاب (الرواية) يضع الكاتبُ نماذج من أقوال "البير كامو" عن العبوديَّة: ((العبوديَّة ؟ كلا بالطبع. نحن ضدها !! أن نكونَ مضطرين إلى تثبيت ذلك في بيوتنا ومصانعنا - حسنا، هذا طبيعي، ولكن الفخر بذلك؟!... هذا هو الحدّ! ولا نتردّد في إعلان بيانين أو ثلاثة، او ربما أكثر!!)).

تمتاز هذه الرواية بأسلوبها الرشيق وبلغتها الجميلة والمنمَّقة والشائقة وفيها يتجلَّى ويشعٌّ (في الكثير من المشاهد الدراميَّة) عنصر المفاجأة... العنصر الهام الذي يعطي لكل رواية مهما كان موضوعها وتوجُّهُهَا بعدا وجمالا فنيًّا. تتحدثُ الرواية عن عدَّةِ مواضيع وقضايا هامَّة: إنسانيَّة واجتماعيَّة وأسريَّة وسياسيَّة ووطنيَّة وفلسفيَّة وادبيَّة وثقافيّة.. إلخ. ونحن نلمسُ ونستشف ونعيشُ هذه المواضيع من خلال مجرى أحداث الرواية وتسلسلها وفي لوحاتها مشاهدها الدراميَّة الرائعة.

تبدأ الرواية على لسان الكاتب وبالأسلوب والطابع السردي كبداية ومقدمة وذلك عندما يكون داخل دكان لشراء بعض الأغراض وتتقدَّمُ منه امرأةٌ وتدسُّ وتضعُ في يده ورقة مكتوب عليها (أنتظر مكالمة منك الساعة السادسة مساء) وتحتها توقيع (اليائسة ر. ). ويحتار الكاتبُ (الراوي أو بطل القصة) في أمر هذه المرأة وحقيقتها وظنَّ في البداية انها معجبة به وتحبُّه وتريدُ إقامة علاقة معه. ويحاول الكاتبُ مرات عديدة الاتصالَ بها دون جدوى وتمتدُّ الرواية لعدة فصول ويبقى أمر هذه المرأة لغزا ويظنُّ القارئ أنها امرأة تريد إقامة علاقة معه لا أكثر.. ولكن بعد مسافة ومرحلة طويلة من مجرى أحداث القصة تظهر حقيقة هذه المرأة حيث أنها كانت زميلة وعشيقة لصديق الكاتب واسمه مفيد منذ مرحلة الدراسة الثانويَّة واسمها ليلى. وصديقهُ مفيد كان شاعرا وأديبا كتبَ القصائد السياسيَّة الملتهبة واضطر للسفر إلى خارج البلاد لدراسة موضوع الطب ولم يتمكن من الزواج بحبيبتة ليلى. وأما ليلى فرضخت لضغوطات الأهل حيث زوجوها بشخص لا تحبه وكان عقيما لا ينجب وعاملها معاملة سيئة وعاشت في جحيم معه. وبعد رجوع مفيد من الخارج وإنهاء دراسته تزوج من فتاة أخرى زواجا تقليديا غير مبني على المحبَّة والانسجام الكامل (الروحي والفكري والعاطفي) كما كانت علاقته مع ليلى حبيبته. وحسب رأي الكاتب وبأسلوبه التهكمي اللاذع - كما جاء في الرواية - أن مفيدا تزوج من هذه الفتاة لأن سيقانها حلوين.. أي لنزوة وشهوة جسديَّة آنيَّة (وهذا يحدث مع الكثيرين من الرجال والشبان في مجتمعنا العربي حيث ينجذبون لفتاة ولامرأة ما بدافع الشهوة او استحلاء جانب من جسدها كسيقانها أو خصرها او ثدييها أو مؤخرتها.. الخ) ويتزوجُ مفيد وينجبُ من امرأته عدة أولاد ولكن حياته تكون جافة مع امرأته لأنها بدون حب ومشاعر وعواطف ملتهبة. وبعد عدة سنوات تلتقي ليلى بمفيد من خلال عمل مفيد حيث يعمل في عيادة صندوق المرضى ويكون هو طبيب العائلة -عائلة ليلى - ولأنها كانت مظلومة ومضطهدة من زوجها والعائلة (روحيا ونفسيا وجسديا) وعائشة في كبت وحرمان حيث زوجها كان عقيما فتتجدَّدُ وتتوهجُ العلاقة مع حبيبها مفيد ويحدث الإتصالُ الكامل بينهما روحيا وعاطفيا وجسديًّا وتحمل منه وتقعُ في مشكلةٍ كبيرة لأجل العادات والتقاليد.. ولا تعرفُ كيف تتصرف لتخرجَ من هذا المأزق والورطةِ الصَّعبة، ولهذا تدسُّ الورقة في يدِ الكاتب صديق مفيد القديم والحميم عندما كان في الدكان وفيها رقم تلفونها وتطلب منه أن يتصلَ بها لكي تستشيره وتطلب مساعدته في هذا الموضوع، وتمتدُّ الرواية بعد ذلك لعدَّةِ فصول وفي كل فصل ولوحة يفتتحها الكاتبُ بأسلوب سردي على لسان شخصيَّة معيَّنة.. إما مفيد أو ليلى أو الكاتب صاحب الرواية وبعدها يكون الحوار الدرامي (ديالوج بين أبطال الرواية). ومن خلال السرد والحوار الدرامي يتطرقُ الكاتبُ إلى مواضيع ومشاهد عديدة دراميَّة قديمة تعود للوراء لفترات سابقة ومتأخرة عندما كان مفيد طالبا في الثانوية وقبل سفره للخارج لأجل الدراسة. فمثلا يستعرض الكاتبُ حياة مفيد الديناميكية ونشاطه السياسي مع زملائه وأترابه وزميلاتهِ في المدرسة ويذكر أن مفيدا كان شاعرا مميزا وطنيا كتب الكثير من القصائد السياسة الملتهبة وكيف كانوا يقيمون الاعتصامات ويشاركون في المظاهرات والمسيرات الشعبيَّة والنشاطات السياسيَّة والثقافيَّة لأجل قضايا إنسانية ووطنية ولنيل الحقوق، حقوق الأقلية العربية المضطهدة داخل البلاد التي تعاني من سياسة التمييز العنصري (عرب ال 48).. وكان مفيد كما يصفه الكاتب لا يلهثُ ويركض وراء الشهرة والانتشار فهو متواضع ولهذا لقب بالشاعر الصعلوك أو المتصعلك. ويتحدث عن ليلى أيضا كيف أنها كانت فتاة جميلة ومثقفة ومحترمة وتتمتعُ بشخصية قوية والكثيرون من الشبان كانوا يودون التقرب إليها وأن ينالوا رضاها ولكنها لم تلتفت لأحد ولم تهتم سوى بمفيد الذي أحبته وأحبَّها وكان المفروض أن تتكللَ علاقةُ الحبِّ العميقة والحارة بينهما بالزواج الشرعي. ولكن هذا لم يحدث لأجل سفر مفيد إلى خارج البلاد لدراسة موضوع الطب... وتتزوج ليلى من شخص آخر

في نهاية القصة بعد سنوات من البعاد ترجع العلاقة بين مفيد وليلى ويسافران (مفيد وليلى) إلى خارج البلاد، إلى كندا ويتزوجا هناك... وتكون المفاجأة للجميع وتنهي القصة هذه النهاية المفتوحة... وهذا استعراض مختصر وسريع وخاطف للرواية.

تحليل: توجدُ في هذه الرواية جميع العناصر والأسس الهامَّة لبناء الرواية الإبداعيَة المتطورة والمتكاملة. أولا من ناحية طول الرواية ومسافتها ومشاهدها الدراميَّة الزاخرة بالمفاجئات وبالمواضيع والقضايا الهامة والمتشعبة والمتسلسلة. كل هذا يظهر في مجرى وتسلسل أحداث الرواية وفي المواقف الدرامية المثيرة والمواضيع المتشابكة والمتشعبة، وتمتاز وتتحلى الرواية باللغة الأدبية الجميلة والمنمقة. وأحيانا نستشفُّ ونلمسُ اللون والطابع الصحفي والتقريري في بعض المواقف والمشاهد، وخاصة كما جاء على لسان الكاتب من خلال تحليله وفلسفته لبعض الأمور الحياتيَّة بمنظاره التقدمي والثوري ضرط).

يتحدثُ الكاتبُ في الرواية عن فترةٍ ومرحلة تاريخيَّة هامَّة وحساسة، فترة الستينيات من القرن الماضي عندما كان طالبا في الثانويَّة (زمن الحكم العسكري وبعده بفترة قليلة) وعندما كان عضوا ورفيقا في الحزب الشيوعي حيث كان هو الحزب الوحيد آنذاك الذي يدافع عن قضايا الأقلية العربية (عرب ال 84) داخل دولة إسرائيل) وكان الكاتبُ ناشطا اجتماعيا وسياسيا وشارك في الكثير من الفعاليات النشاطات والمسيرات والمظاهرات مع زملائه لأجل قضايا شعبه... الأقلية العربية في الداخل، ويتحدثُ عن شخصيَّة "مفيد" وقد تكون شخصية حقيقية ولكن يرمز لها بهذا الاسم المستعار وهذه الشخصية يوجد الكثير مثلها في مجتمعنا، وانه كان شاعرا قديرا مبدعا وكاتبا كرس كتابته في مجال السياسة والقضايا الوطنية الهامة.

استطاع الكاتبُ أن يصوغ روايته وينسجها بشكل جميل وأنيق يجذب القارئ ويشدُّهُ لقراءتِهَا حتى النهاية دونما انقطاع. ومن المواضيع الهامة التي يتطرقُ إليها الكاتبُ ويعالجها في هذه الرواية موضوع ظلم المرأة واضطهادها في المجتمع العربي وعدم إعطائها حقوقها الحياتيَّة الأساسيَّة والهامة وخاصّة في قضايا الزواج واختيار الشريك والزوج حيث الأهل كانوا قبل عشرات السنين هم الذين يرسمون ويقررون مصيرَ ومستقبل الفتاة وكانوا يجبرون الفتاة على الزواج من شخص لا تريده ولا تحبُّهُ ويمنعونها من اختيار شريك الحياة بنفسها فتكون حياتها الزوجيَّة من خلال الزواج التقليدي المتخلف جحيما لا يطاق، وهذا الأمر والموضوع كان منتشرا كثيرا في المجتمع العربي محليا وخارج البلاد (في الدول العربية) وما زال موجودا وللأسف في بعض الأماكن والقرى في مجتمعنا العربي. والكاتب يتحدَّثُ أيضا عن العلاقات غير الشرعيَّة التي تحدثُ بين المحبِّين والعاشقين خارج إطار الزواج حيث أنَّ المرأة المضطهدة والمظلومة من زوجها الذي أرغمت وأجبرت على الزواج منه بضغط من الأهل وهي لا تحبُّه وتمقته، فبشكل تلقائي وانعكاسا واحتجاجا على ظروفها القاهرة تقيم علاقة حميمة وكاملة مع عشيقها وحبيبها الذي منعت من الزواج منه لتنفس عن الكبت والحرمان الذي عانت منه سنوات طويلة وللانتقام من ظلم المجتمع والأهل... بيد أنَّ الكاتبَ يرفضُ بدوره هذه العلاقات وينتقدها لأنها تضرُّ وتمسُّ بالنسيج الاجتماعي والأسري فينتقدها في الرواية بشكل تهكمي لاذع ولكنه يذكر جميع الأسبابَ والمُبَرِّرَات الهامة التي تدفع المرأة على خيانة زوجها الظالم والمستبد بشكل موسَّع... وهذا القضية وهذا الموضوع موجود ومنتشر بشكل واسع في مجتمعنا العربي وللأسف وفي يومنا هذا لأنَّ الكثير من العلاقات الكاملة جسديا وعاطفيا تحدث خارج إطار الزواج. والكاتبُ يرى أن الزواج الحقيقي والطبيعي هو الزواج المبني على الحب والاحترام المتبادل بين الطرفين والانسجام الكامل وليس من منطلق علاقةِ جسديَّة بحتة آنيَّة فقط.

يقولُ الكاتب في أحد الفصول من الرواية بعنوان: ("قرص شمس الأحمر" صفحة 115):

("ألف شمس توهّجت وخبت. أخذتني الغرابة لأجوائها. جلتُ في الآفاق والأبعاد. بحثتُ عن نقطةِ ضوءٍ فيما يحدثُ، بارقة امل تقود خطاي. حاولتُ تأويلَ الأمور وفلسفتها. فشلت كلُّ حججي ومستنداتي في إيجاد حلٍّ يتلاءَمُ، ليس مع المنطق... وإنما مع التشكيلات التي تحكمنا والمتعارف عليها. لا شكّ عندي أنَّ ليلى أخطأت. ولا شكّ أنَّ مفيد ارتكبَ نفس الخطأ. ارتفعت العاطفة فوق المنطق. غرقت في حيرة شديدة وأيقنتُ أننا امامَ طريق مسدود. حتى كان يوما، كنت أتحدَّثُ مع مفيد، حائرا فيما نحن فيه. وبدون سابق إنذار توهَّجت فكرةٌ في دماغي، تغيَّرت سحنتي وبان التيقظ الشديد في وجهي. (يشير إلى الورطة التي تورَّطها مفيد مع ليلى حيث أقاما علاقة جنسية وحملت منه وهي على ذمة زوج عقيم لا ينجب) ويتابع الكاتب حديثه فيقول:

("لم يبق أمامنا إلا أسلوب الخداع. كانت فكرةٌ مجنونة تركب رأسي، لم يفهمني. تعلقت نظراته بنظراتي باستفسار حائر، قلت:

- أنت طبيب العائلة.. وتربطك بهم علاقة الوظيفة.

- ذلك أساس البلوى

- وهذا أساس الخلاص.

لم يكن يفهم ما يرتسم في رأسي) إلخ.

المقصود هنا أنَّ الكاتبَ قد نصح مفيد بصفنه طبيب العائلة في صندوق المرضى حيث تتعالج عنده دائما ليلى وزوجها وهو المشرف على كل مشكلة طبية تواجههما بأن يطلب من زوج ليلى بصفته طبيبه أن يتوجه إلى أخصائي في مجال علاج الذين عندهم مشاكل العقم وعدم الإخصاب والأنجاب ويوهمه بعد فترة قصيرة أن العلاج نجح معه وأستطاع أن ينجب وهكذا تحلُّ القضية والمشكلة ويظن أن حمل ليلى زوجته كان منه وذلك شيىء طبيعي بعد علاج مستمر وليس من شخص آخر (مفيد).

ولكن في نهاية القصة يسافر البطلان العاشقان ليلى والدكتور مفيد إلى خارج البلاد ويتزوَّجان وتنتهي الرواية على هذا النحو نهاية شبه مفتوحة.

يقول الكاتب صفحة (147-الصفحة الأخيرة من الرواية):

("حافظتُ على صمتي وعيني لا تفارقان شاشة التلفزيون، متابعا مقالب الفأر الذكي في مواجهة القط المفترس... محاولا فهم العلاقة والتشابه بين ما أراهُ على الشاشة الصغيرة، وبين ما يجري حقا على شاشة الحياة الكبيرة.

من الفأر؟... ومن القط ؟

وهل هما، مفيد وليلى... الفأر الذكي ؟!

- أستاذ... نتكلم من كندا...

-..

- ألو.. أنا مفيد.. مفيد وليلى.. ألو... ؟!

أقفلتُ السمَّاعة، دون أن أنبس ببنت شفة، غاضبا، رافضا أن أكون غطاءً لما يجري، وبنفس الوقت حائرا في إيجاد بديل لما يجري.

ارتاحت نفسي قليلا، وغرقت في مقعدي (تعبير بلغي جميل ومبتكر)، وعدت أتمتعُ، مع الصغار... بذكاء الفأر في خداع القط، بخططه الجهنميَّة... (الصفحة الأخيرة من الرواية).

في النهاية أريد القول: إنَّ الرواية تحوي وتضمُّ في أكنافها وفصولها عدة جوانب وأبعاد هامَّة وهي:

1 – البعد الإنساني

2 – البعد الاجتماعي والأسري.

3- واقع المرأة في المجتمع العربي قبل عشرات السنين واضطهادها من قبل المجتمع الذكوري المتخلف آنذاك.

4 – البعد السياسي

5 – البعد الوطني

6 - البعد الفلسفي وفيه تحليل مسهب لقضايا وأمور عديدة في الحياة والوجود بأسره. والكاتبُ هو إنسان مثقف ثقافة عالية وملم ومتبحر في شتى المواضيع: الأدبية والعلمية والفكرية والفلسفيَّة.. إلخ. ومحلل أدبي وسياسي رائع وعميق وشامل وواسع في تحليلاته وأطروحاته ورؤيته لأمور الكون والحياة والسلوكيات والأبعاد الاجتماعيَّة والإنسانيَّة والفلسفيَّة وغيرها.

6 -عنصر التشويق والتسلية.

7- الطابع التهكمي الساخر الي يمتاز به الكاتب وبشكل جميل ورائع يجذب القارىء ويضيف جماليَّة وجاذبيَّة وتشويقا لمتابعة أحداث الرواية.

8 - عنصر المفاجأة وهو موجود في العديد من المشاهد الدرامية في فصول هذا الرواية.

9 - البعد الفني.. وهذا الجانب موجود في جميع كتابات ومؤلفات الكاتب والأديب والناقد القدير الأستاذ نبيل عودة.

وأخيرا وليس آخرا: إنَّ هذه الرواية ناجحة ومتكاملة ومتناغمة في نسيجها وصياغتها من جميع النواحي والأبعاد، من ناحية الأسلوب واللغة الأدبيَّة الراقية والمنمَّقة، وفي العوالم والآفاق الواسعة والمواضيع الوجيهة والهامة والعميقة والمتشعبة والمتسلسلة، ومن خلال التحليل الفلسفي لشتى المواضيع والقضايا التي نحياها ومن خلال الرؤية الإنسانيَّة الشاملة، ولأجل لغتها السلسة والجميلة والمنسابة والأخَّاذة والحافلة والزاخرة بالتعابير والمصطلحات البلاغيَّة الجديدة والمبتكرة. ونستشفُ في هذه الرواية اللغة الشعريَّة والرومانسيَّة الحالمة، في بعض الفصول والمشاهد منها.

وأستطيع القول: إنَّ هذه الرواية هي من أجمل وأروع الروايات على الصعيد المحلي من جميع النواحي ويحق لها أن تترجم إلى معظم اللغات الأجنبيَّة وَيُكتب عنها الدراسات والأبحاث المطولة... وما هذه المقالة التي كتبتها أنا سوى محاولة متواضعة وسريعة واستعراض خاطف لبعض الأمور والمواضيع التي تتناولها وتعالجها الرواية (المستحيل) حيث أسلط الأضواء على نقاط معيَّنة فقط وليست دراسة مسهبة وشاملة. وأتمنى بدوري أن أكون قد أعطيت لهذه الرواية لو جزءا وحيِّزا صغيرا مما تستحقه فهي رواية على مستوى عال جدا تضاهي روايات كبار الكتاب في العالم العربي والكتاب الأجانب العالميِّين.

 

حاتم جوعيه – شاعر وناقد - المغار - الجليل

 

 

جبار ماجد البهادليوَالمُستَويَاتُ الجَماليَّةُ لشِعريَّةِ التَّناصِّ فِي غَزَلِيَّاتِ يَحيَى السَّماوِي الجَمَالِيَّةِ

8 ـ المَعشُوقِةُ الصَّارِخَةُ بِجَمالِ الإثارةِ (الحِس رُوحِيَّةِ)

هكذا ينظر السَّماوي إلى الحبِّ في فلسفته الحسية وانبعاثاته الروحية للمرأة، فيمنح صورتها الكليَّة حركية التحوّل والتغيُّر والتصيِّر إلى صورة لمسيِّة (مرئيةٍ صوتيةٍ) حيّةٍ نابضةٍ بالحياة وفعل التجدُّد بالوجود من العدم. إنَّه الأمل الذي (يَحيَا) يَحيَى السّماوي من أجله، وينطلق به قلمه من العدم، فيكتب الماضي وراءه، وحاضرهُ أمامه ويصنع المستقبل على حدِّ تعبير الشاعر الإنكليزي ت. س أليوت. والأمل مكمنُ الجمال الذي يسعى إدامته وتجدُّده فكرياً وثقافياً دون شعور بالنكوص أو المَلَلِ أو السأم أو القنوط.

ولنُجِلِ النظرَ بتؤدة متأملين في طيَّات هذا التشكيل الشعري المتصاعد بجماليات الصورة الشعرية الناطقة بحسيَّات الجسد الظاهرة، وروحياته النفسية المضمرة جسراً من الذات الشعورية الخبيئة بجمال الحبِّ الصوفي الذي يُحبُّه الله ويرضاه مدينةً مثاليةً فاضلةً للعشقِ، فضلاً عن مؤثِّرات جماليات المرأة الصارخة بالإثارة في مثل هذا النوع من قيم العشق الإنساني الذي تخطَّى به جميع أشكال الحواجز الجغرافية والدينية والمذهبية والإثنية والعرقية الطبقية. ولنقرأ مايقوله السماوي في أنسنة هذه المقطوعة الصورية الحركية انزياحياً وفنياً وجمالياُ ساخناً بمناخ اللَّذة العشقية العارمة بالإثارة الرغائبية المُحتَدِمة:

لَمَّا تَرجَّلَ لِي قَمِيصُكِ

عَن حِصَانِ الصَّدرِ

واشْتَبَكَ الصَّهِيلُ

مَعَ الهَدِيلْ

 

فِي حِضنِ "مَشحُوفٍ يَطُرُّ الهَورَ"

يَومَ تَلاقَيَا شَرقَاً وَغَربَاً

والصَّبَاحُ مَعَ الأِصيلْ

 

أدرَكتُ

أنَّكِ خَيرُ مِفتَاحٍ

لِقُفلِ المُستَحِيلْ(47)

في هذا التشكيل التجريدي الآيروتيكي الحسِّي الصوري الاستعاري المؤنسن بصوره الحركية البيانية ودلالاته الانزياحية ما يُشير ويُوحِي دلالياً وسياقيَّاً على المستوى الفنِّي الرمزي إلى صور التماهي الذاتي الشعوري بين(الأنا) الشاعرية العاشقة، والماثلة بياء المتكلِّم في دلالة الجار والمجرور(لِي)، وبين (الأَنتِ) الأنثوية الدالة على الحبيبة المعشوقة في ضمير المخاطب الكاف بدلالة قوله: (قَميصكِ). وبين دلالة (الصَهيلِ) العشقي الدال على ذكورية وفحولة الشاعر ورجولته، و(الهَديلِ) العشقي الحمائمي الدال على أنثوية المرأة المعشوقة وجماليات سحر صوتها التوقيعي التنغيمي. ونجد في عبارته الشعرية (في حِضنِ مِشحُوفٍ يَطِرُّ الهُورَ) تضميناً تناصيَّاً جميلاً للأغنية الشعبية التراثية الفلكلوريَّة في الستينيات تلك الأغنية (مَشحوفنَا َطَرَّ الهُورَ) التي صدحت بها حنجرة المطرب السومري الريفي العراقي الجنوبي(داخل حسن).

فضلاً عن تلك الجماليات اللُّغوية والفنيَّة نلمح تقنية الطباق البديعي في صورتي التماهي الضدي لدلالتي(الصَّباحِ) مع (الأصيلِ)، و(المِفتاحِ) مع (القُفلِ) في إنتاج معنىً تقابليٍ تناظريٍ دلاليٍ آيروتيكي جماليٍ جديدٍ يُسهِمُ في تنقية الحبِّ وتساميه من شوائب الرذيلة النمطية إلى مصاف سُلّم الفضيلة الإبداعية الحكيمة التي تنظر إلى دلالة القبيح الوجودي جميلاً، والجميل الشاذ قبيحاً، انطلاقاً من فلسفة علم الجمال الرُّوحي. وإيماناً من أنَّه "قد يعمل التَّضاد على تجسيد المفارقة(الحسيَّة الروحية)، كما أنَّ الانزياحات التقابلية تعكف على تَكوِّنِ الدلالة التكثيفية لوقائع شعرية النصِّ، فاللُّغة تتشكَّل من مجموعة تعارضاتٍ تَضمُّ التّفارقَ والتَّرافقَ والمُؤتَلفَ والمُختَلفَ"(48). ووقع الصورة الشعرية من دلالة جمال اللُّغة.

في المشهد الشعري الآيروتيكي السابق المُعلن جهاراً بدلالات حسيَّاته الصورية يُحيل فيه السَّماوي _بكل جرأة وإقدام وبسالةٍ إبداعيةٍ_ اللَّا حبَّ إلى حبٍّ، والقُبحَ إلى جمالِ، والتدنيسَ إلى تقديسٍ، كلُّها عناصر مستوياتٍ رُوحيةٍ تهفو لجمالها النوراني النفوس، وتستسيغها على أنها ظاهرة إبداعية صحية يُصَحِّحُ فيها الشاعر واقعية المرأة القديمة والحديثة، ويَعْبُرُ بها مُحوِّلاً سُنَنَهَا المعجمية الشهوانيـَّة الجنسيّـَة المنطفئـة إلى مناطق تحرريَّـةٍ إنسانيـةٍ مضيئـةٍ مشرقـةٍ في فضاءات الشعرية.

إنّـها مناطق الجمال الرُّوحي التي يحوِّل فيها الشاعر شعرية (الكيوبيد) الجنسي المقدّس العرفي إلى مفارقاتٍ شعريةٍ مُذهلةٍ، واستعاراتٍ انحرافيةٍ صوريةٍ ماتعةٍ،وَتحوَّل الاستعارات إلى لغة آيروسيةٍ تحرريَّةٍ روحيَّةٍ فاضلةٍ معتمداً على مهمازية التضاد والمفارقات المذهلة في بناء خطابه الجمالي، وهذا ما تعضده نصوصه السابقة واللَّاحقة تنظيراً وتطبيقاً شعرياً صادقاً.

9- المَعشوقةُ الحِسيَّةٌ التَّقليديَّةُ (الحَبيبةُ)

لا يتوانى هاجس السّماوي الحسِّي عن تجريب (تابو الجمال) في رسم معانيه التجريدية بأطرٍ واقعيةٍ جديدةٍ، وكياناتٍ لفظيةٍ حسيَّةٍ بالغةِ الخطورة الجماليَّة على شكل أنثى معشوقةٍ تنطلق منها المعاني الدلالية، لِتُحققَ بخمائر التجربة ذاتها بعيداً في سماء مملكة العشق السومريَّة الافتراضيَّة التي سعى الشَّاعر إلى تأسيس نواتها الحقيقية في شعرية الجسد.

وفي ضوء ذلك تبدو الخلفية الحسيَّة للعشق الآيروتيكي روحيةً لا شعوريةً خبيئةً دفينةً يتصاعد سريانها النفسي اللَّاشعوري إلى هَرمِ القصيدة في تجسيد صورة المرأة، وينخفض منحاها الحسِّي إلى مستوى القاع الهرمي الذي انطلقت منه مرحلة الشعور التكثيفي، لتتجلّى في حاضرها الإيقاعي المنعكس إلى حالةٍ جديدةٍ من الشعور السامي، فتحوَّل لهبَ هذا الحبَّ الساخن إلى أضواء إشراقاتٍ روحيِّةٍ ممزوجةٍ بتصوِّفٍ عَذبٍ ربانيٍ صافٍ، يخرج في انزياحه الشُّعوري من أسلبة المرأة الانطفائية الابتذالية المرخَّصة جنسياً إلى صورة المرأة الجمالية الفنيَّة التجريدية الزاهرة بكمال ما هو طاهر ماكث. وسنشهد في مجسَّات هذا التشكيل العشقى الفنّي موقفاً، كيف منح الشاعر المرأة المثالية الحبية أجمل صفات الثَّراء النفسي، والوفاء الروحي الصادق؟ وهو الذي لا يملك من مواقف العشق إلِّاهُ :

مَا دُمتِ لِي

مَا حَاجَتِي بِكُنُوزِ قَارُونٍ

وَمَخدَعِ شَهرَيَارَ، وَمُلكِ هَرُونَ الرَّشِيدْ؟(49)

يقيناً أنَّ رمزية المرأة في عشقيات السَّماوي، وتشكُّلاته الروحيَّة والحسيَّة تمثّل الجانب الإيجابي في كل شيء لها، ولا يمكن أنْ يشغل صورتها الكليَّة في قلبهِ الظامئ أيُّ شيءٍ تضاديٍ سَلبيٍ مغاير آخر، ولا يستطيع أنْ يسدَّ مسدَّ حبِّها كنوز قارون، وثراؤه وأمواله ومغرياته الحياتية، ولا حتَّى مخدع شهريار الرمز، وقصص حكايات شهرزاد التراثية الألفية الشهيرة في أساطير الخرافة، ولا ملك وخلافة الخليفة العباسي الشهير هرون الرشيد وخُراجه العائد له أرضاً وسماءً الذي ملأ الأرض صيتاً وإشهاراً، وشغل الناس تفكيراً في عهودٍ كبيرةٍ من الزمن الذهبي لعصر بني العباس. فالمرأة تظلُّ موطن شعور السَّماوي وتفكيره الدائم، ما دامت هي رحلة عشقه الروحية، وملاذ مسكنه الأبدي، فلا حاجة له بكل أصداء هذه الغوابر المادية التاريخية الزائلة التي تُقارَنُ بها المرأة إنسانياً في كل مقارباتها الحسيِّة والمعنوية الوثيرة:

أَغفُو فَيُوقِظُنِي أَذانُ السُّومريَّةِ

يَا نَزِيِلَ القَلبِ قَدْ حَانَتْ صَلَاةُ العِشقِ

حَيَّ عَلَى العِنَاقْ(50)

أَذانُ المرأة السومريَّة في هذا التحوير الفنِّي لمفردات الأَذان (حيَّ على الصلاةِ) هي قِبلة عشقه الأزلي، وَمَحَجَّة صلاته الروحية التي تَيمَّمَ شطرها بوجهه وقلبه وعقله وَنُسكه الشعري كلَّ يومٍ، بل وكلَّ عامٍ، وكلَّ لحظةٍ شعوريةٍ يجد نفسه بها أميراً عاشقاً لنزيلةٍ تَرَبَّعَتْ شطراً زمنياً على أفياء فؤاده المشرئب الظامئ.2893 البهادلي

10- المَعشُوقةُ ذَاتَ الطَّابعِ الغَزلِي (الحِسِّي الصُّوفِيِّ)

وفي جغرافيا العشق المكاني وجماله الذي يتجلَّى في المكاشفة الروحية كتجلِّي الرؤى لدى العارفين بأسرار العشق وصناعة أحواله وتقلباته الزمانية والمكانية المتحرِّرة، يقوده شعوره المتأجِّج بعاطفة الضياع والتشتُّت والتَّمرُّد على عواهن الزمن إلى فلسفة الاعتراف بتقريرية ضمير المؤكَّد المتكلِّم (أنا) في خطابه الموجَّه إلى المعشوق المتمثِّل حضوراً بكاف ضمير المخاطب المشبَّه بهِ بدالة (مِثلكِ) في بلاغة التوازن والتقابل والتماثل، وجماليات المفارقة الإدهاشية التي تكشف عنها بنية الدفقة الشعورية الآتية، وكيف ألقت به مقادير موجات الزمن؟ وكيف أصبح وهو العاشق في حيرة من أمره؟ أفلا يدري أين يقوده شعوره بين أفياء الحقيقة الصادقة، أمْ بين نوازع الخيال التي تفرضها شعرية اللَحظة الشعورية موجة القدر المُحتَّم:

فَأنَا مِثلُكِ يَا مُوجةُ قَدْ ألقَى بِي الدِّهرُ

فَلَا اليَقظَةُ آوَتنِي

وَلَا الحُلمُ البَتُولِي أتَانِي بِحصَانِ العَاشِقِ الصُّوفيِّ

كَي يُصبِحُ قَلبِي فَارِسَهْ(51)

فالشاعر صادق في روح تماهيه، وقلبه لا يكذب في العشق تُجاه طوارق الدهر ونوائبه العارضة، فيغذُّ السير به إلى أنْ يتَّجه بمشاعره العتيدة إلى معابد العشق وظلال أجوائه الكهنوتية، ليؤدِّي أرفع دعوات العشق، وأسمى صلوات الحبِّ، وأنبل شعائر وتراتيل طقوسه النورانية، كونه مؤمناً إيماناً قلبياً مطلقاً بأنّ شعيرة (الحبَّ) هي الطريق الأجدى والأنجع لتباريح قلبه، وهو الذي يقوده بعد هذا الضياع الفكري والرُّوحي إلى ملاقاة وجهِ رَبِّهِ الأعلى في أقدس صورة من صور العشق الروحي الذي  تذوب فيه حسيِّة الجسد بمعارج الروحية، فتغدو رحلةً إسرائيةً ربانيةً صوفيةً نحو سماء العشقية الروحية السابعة في رائعة من نماذج غزله العرفاني في مثل هذا النشيد الديني المقدَّس الذي عزف به تصوِّفات عشقياته الغزلية:

لَولَاكِ

لَمْ تَعرِفْ رَغِيَفَ الخُبزِ مَائِدَتِي

وَلَا اَستَعذَبتُ قَبْلَكِ

مُتعَةَ الإسرَاءِ مِن خَمرِ الَّضيَاعِ

إلَى يَنَابِيعِ السُّلافِ

*

وَكَتَبتُ بِالمِحرَاثِ فِي تَنَّوُرِ وَادِيكِ

اِعتِرَافِي

*

شَفَتَاكِ بُستَانَانِ مِنْ شَجَرِ البَلاَغَةِ

وَالقَوَافِي(52)

فيَحيَى السَّماوي هذا العاشق المُريد المُوَلَّهُ الذي اكتوى في تغزِّله وعشقياته الحسيَّة بلظى نار المرأة، يميل إلى إنتاج حياةٍ شعريةٍ خِصبةٍ جديدةٍ نابضةٍ بحركية التوالد والتناسل الفكري الذاتي، موظِّفاً مخياله الابتكاري الحسِّي في تأطير تدفقه الشعوري بوثبةٍ خياليةٍ للواقعة الجمالية تتَّسم بمزايا العمق والجِدَّة والمثابرة الفكرية والثقافية التي يُؤلِّف فيها تأليفاً بين المتباعدات الحسيِّة اللامنطقية بمتقارباتٍ صوريةٍ قياسيةٍ اعتبارية، يواجه فيها فضاء المألوف، ويخرج عن سمته المحيطي في مناورةٍ شعوريةٍ صادقةٍ يُبادل فيها حسيَّاً وفكريَّاً بين دالة صيغ (الدَّوالِ والمدلولاتِ)، ويستدعي حضور قارئه ومتلقِّيه لصنيع دهشة الكتابة الموضوعية من عميق الفكر الحاذق ومتعة القراءة الإبداعية، ويطرب مسامعه جمالياً، بمزامير توقّعات الحبِّ وتشكُّلات جوّه الصوفي اللَّافت بدلالة مفرداته المتناغمة حسيَّاً، وتركيباته للجمل الشعرية التي وظًّفها توظيفاً موضوعياً يحمله على التوقّف والتأمُّل والتدبِّر، لتحليلها وفكِّ شفراتها اللُّغوية والجمالية:

أيَا نَهرَ الأُنوثَةِ

مُذْ رَشَفتُ نَدَى ضَفَافِكِ

قَامَتِ الوَاحَاتُ فِي صَحرَاء عُمرِي

فَالرِّمَالُ سَنَابِلٌ

وَصُخُورُهَا غِزْلَانْ

 

يَضُوعُ رَحيقُ زهرِ اللوزِ فِي وَادِي الحَرِيرِ

فَيَستَحِيلُ فَرَاشَةً ثَغرِي

وَجَمرُ وَسَادَتِي غِدْرَانْ(53)

في هذا النّصِّ المكثَّف تكثيقاً دلالياً ثمَّةَ جسارة وجرأة كبيرة  في المجاز اللُّغوي، وبسالة تفرُّديَّة في الصور الاستعارية الممتعة، وفي التكثيف الدلالي والترميز الجمالي العالي، وقد اتَّضحت إشارات تلك الصور الانزياحية بأنسنة حركية تلك المتحركات الصورية، هي قيام الصحراء، وتحوِّلُ ذرات الرمال إلى صور سنابِل متلألئةً، وتغيَّر الصخور غزلاناً بريَّة أليفةً، مما يوكِّد قيمة هذه المجازات التعبيرية وأثرها الفني الإيجابي في رغائب النفوس. والمرأة في نسج خيال الشاعر وانزياحات لغته الفكرية التجريدية نهر أنوثةٍ دافقٍ بحيواتٍ تجدُّديةٍ من واحات صحراء الطبيعة المُتحرِّكة المتوالدة في عمر الشاعر برمالٍ، وغزلانٍ، وسنابلَ، وصخورٍ، ورحيقِ لوزٍ، وفراشاتٍ تُسهمُ جميعها في التشكيـل الشـعري المكاني للواقـعة الزمانيـة التي يقابل فيـها تماهياً بين المدلولات اللَّفظية (الفَراشـةُ والثَغـُر والجَـمرُ والغُدرانُ)؛ لتكتمل صورة العشق بين هذه المتباعدات الوجودية تكاملاً نفعياً جمالياً يصبُّ في نهر المرأة، نهر الأنوثة الجاري حياةً.

مُنذُ سبعةِ أعوامٍ وَنَيِّفٍ من الزمن البهي الجميل، أولى يَحيَى السَّماوي بوعيٍ ثاقبٍ اهتمامه الكبير بمشروعه الشعري الفكري الثقافي الَّذي أسسه، وخصَّ به مجموعاته الشعرية الأخيرة السبع بدءاً من ديوانه  (بَعيدَاً عَنِّي.. قَريبَاً مِنْكِ)، وتَرَسُّخاً في( أطفئيني بناركِ)، و(تَيمَّمِي بِرمادِي)، و(أنقذتِنِي مِنِّي)، ومروراً بديوان(نَهرٌ بِثلاثِ ضَفافٍ)، ومهَّد له قبل ذلك بديوانه السابق (قَليلُكِ لا كَثيرُهُنَّ)، وتَرَسَّخت تراتيل هذا التسبيح الآيروتيكي العشقي الروحي أكثر عُمقاً ونضجاً واستقراراً وكثافةً في مخطوطات ديوانيهِ القادمينِ(التَّحليقُ بَأجنحةٍ مِنْ حَجَرٍ)، و(فَرادِيسُ إِينَانَا)، العنوان المقترح. وكان جلُّ اهتمامه وعنايته الجمالية وتفرُّده وتأصيله لموضوع حسَّاس شكّلَ عصبَ حياةِ المرأة، ذلكَ تقنيةُ شعريةِ الآيروتيك الجسدي.

وكان سبب اهتمام الشاعر بهذا القادم الجريء(الجديد القديم)، هو تحقيق هدفٍ ثقافيٍ فكريٍ روحيٍ جماليٍ يحطُّم ويبني آلية الأنساق الشعرية التالفة بثقافة البديل الفكري الآيروتيكي الشعري الجديد؛ كونه يمثل الارتقاء بالعشق الحسِّي الأرضي _الذي قدَّمنا الكثير من نماذج نصوصه السابقة بهذه الدراسة النقدية_ في الانفتاح على مصاف العشق النوراني الروحاني، والمساهمة الفعلية في تنقية مظاهر العشق المحسوس بلغة الجسد، وتهذيب وتشذيب كلّ ما علق بحقل(الآيروتيك) من أشواك آليات شعرية (الستربتيز)، ذلك المصطلح الغرائزي المُبتذل الفاحش بفعل غواية حيوانيته الشهوانية التي لوَّثت صورة الجسد المقدَّس الجمالي بالمدَّنس العهري الإباحي الماجن كدافع أساس لفعل الرذيلة الجنسية التي تُناقض روحياً ودينياً وعرفياً صورة جمال العفاف الجنسي رمز الخصب والنماء لديمومة الحياة المدنية الحرَّة.

11- المَعشُوقَةُ الآيروتيكيَّةُ ذَاتَ الطَّابعِ (الحِسِّي الرُّومانِسِي)

فهذا التوجِّه الشعري في حقل المرأة، أو حقل التغزّل العشقي يحسم الفارق الأساسي التأثيري المهمَّ بين صورتي(المُقدَّس والمُدَنَّس)، بحيث لم يعد هناك ثمَّةَ فارق كبير بين هوية الآيروتيك، كوجه من وجوه فلسفة علم الجمال الذي يُجِلُّهُ الله ويرضاه لجماليات أنوثة المرأة، وبين لغة شعرية (الستربتيز) المبتذل الماجن الذي يمقته الله في أرفع مخلوقاته الأنوثية التي جعل العلاقة بينها وبين الذكورية علاقة حبٍّ دينية اجتماعية مقدّسة لصيانة الوجود في نقليات كتبه المقدَّسة السماوية الثلاثة :(القرآنُ، والإنجيلُ، والتوراةُ).

وخلاصة هذا المشروع الشعري الثقافي البديل عن تلك الأنساق الشعرية المحترقة المعطوبة التي عفا عنها الزمن أنَّ السَّماوي يجد في أنوثة المرأة متنفَّساً رومانسياً رُوحياً إلهياً عرفانياً صوفياً سامياً يتقرَّب به إلى الله تعالى الخالق (عابداً ومعبوداً)، فيُحوِّل جسدها رمزاً يفيض جمالاً، ويرقى دلالةً عبر صورة هذا المعنى الآيروتيكي الجديد، بعيداً عن إطار النزعة الجنسية الفرويدية الغرائزية الخالية من جدلية الروح الحيوية الفلاطونية (54).

ثمَّ يعيد بُنيات إنتاجه القصصي معها بطريقةٍ شعرية مؤثِّرةٍ في نسجها المرئي، فيتَّحد الفعلان الخارجي والداخلي في بؤرة من التفاعل الرُّوحي، لتخليق صورةٍ فنيَّةٍ جديدةٍ تَليقُ بروح المرأة ووجودها الذاتي، ككيان أنثوي مكمِّل لعناصر الجمال في فلسفة الحياة التي تُزَيِّنُ صورتها الإنسانية المقدَّسة بعين الرائي المتلقّي. ولنتأمل جمال هذه النظرة بهذه التمظهرات الحسَّية الناطقة بدوال لغتها:

مَعَ الَّتِي قَمِيصُهَا

شّقَّ سِتَارَ الظُّلمةْ

*

فَأرضَعَتنِي قُبُلَاً

وَوَسَّدَتْ فَمِي مَرَايَا الجِيدِ

فَانزَلَقَتُ نَحوَ الحَلْمَةْ

*

طِفلَاً يُنَاغِي قَمَرَ النَّهدِ

وَيغَفُو فِي سَرِيرِ حِضنِهَا

نَاسِجَةً لِي مِنْ حَرِيرِ شَعرِهَا مَلَاءَةً

وَخَيمَةْ

*

مُسَبِّحَاً حِينَاً..

وَحِينَاً سَابِحَاً تَحتَ هِلَالِ خُصرِهَا

بَدرَاً تُسَاقِيهِ الرَّحِيقَ

نَجمَةْ(55)

إنَّ ألفاظاً ودوالاً عضويةً جسديةً، مثل: (الجِيدِ، والحَلمَةِ، والحِضنِ، والشَّعرِ، والخُصرِ) لها إشارة رمزيتها السيمياطيقية ومدلولاتها الحسية المرئية التي تشكِّل علاماتٍ صوريةً جماليةً فنيَّةً من تكوينات هيأة المرأة التي تكتمل بها علاقة الجسدية بعلائق الرُّوحية في إنتاج بدائل صورٍ رغائبيةٍ جديدةٍ من صور تقديس وتبجيل هذه العلاقة الإنسانية التي تنحرف حميميتها إلى الجسدية الرُّوحية في أصدق تجلَّياتها. فما أجمله من ترتيل روحي حين يكون الشاعر مُسبِّحاً لله وعاشقاً لذاته الإلهية! وما أبرعها من مقابلة تصويرية جسديةٍ حين يكون دفقُ الحسِّ الشعوري سابحاً في مناطق ساخنة من أعضاء اللَّذة الحسيَّة الجسدية العارمة! فالجمع  بين الحسِّي لَمَساً، والرُّوحي المحسوس جمالاً يُضفي على النصِّ إبداعاً ولذَّةً.

في الوقت ذاته أنَ أفعالاً ماضية ومستقبلية تركيبية مؤثِّرة، مثل(شَقَّ، أرضعَتنِي، وَسَّدتْ، انزلقَتْ، يُناغِي، يَغفُو)، تُسهم كلُّها بفعلها الحركي الزمني ودلالاتها المعجمية القريبة والبعيدة في ترسيم آفاق هذه العلاقة الحسيَّة، وتفعيل الرؤى الجماليَّة والرُّوحية لفلسفة شاعرها من خلال انزياحات لغة مدلولاتها الصورية السياقية المتغيِّرة بتجريبها اللُّغوي الفنِّي المتراكب. والذي تستحيل به اللُّغة الشعرية المحكية من لغةٍ حركيةٍ جسديةٍ مُثيرةٍ جامحةٍ إلى لغةٍ لفظيةٍ روحيةٍ مُسربلةٍ بَصور الإيمان في طاقتها الإيجابية القويَّة.

وهذا موشِّر على "أنّ الشعر العربي الحديث من بين جميع أشكال الأدب يبحث دائماً عن تجريب في اللُّغة وتشكيلها في بنية النص وفق متغيِّراتٍ، فتحوَّلت اللُّغة من لغة التعبير التي تعتمد محاكاة مظاهر الأشياء في انعكاس أمين إلى لغةٍ تخلق الأشياء بنظرةٍ فكريةٍ جديدةٍ، فمن لغةٍ تنقل الطبيعة إلى لغةٍ تُبدِع خلقَ الطبيعة، الكلمة تتجاوز مدلولاتها وتشير أكثر مما تعبر، فالشاعر لا يخدم اللُّغة بهذا الشكل، بل يثور عليها ويفجِّرها حِمَماً بُركانيةً متصاعدةً ، فلا يستعمل كلمةً ما إلّا تَخلِقُ موضوعها وتتشكّل مع كلِّ بنية وتركيب جديد بحثاً عن حقيقة ذاتية"(56)،وبذلك تتشكَّل دفقات الجمل والمقاطع الشعرية تشكُّلاً فنيَّاً.

فكلُّ هذه روافد الصور الآيروتيكية المُفعمةُ بالخيال المجرَّد والجمال الحسِّي، وهذه المشاعر الإنسانية الضاجَّة بالعلاقة الحميمية، والسخونة والإنفعال العاطفي الكبير، ينبئ عن مشاعر حسيَّةٍ حقيقيةٍ فاضت بها أحاسيس الشاعر الشعورية، وتملَّكت وحدة وجدانه الذاتية التي حوَّلتها إلى فعل(بافلوفي) حركي مثير باقترانه الشرطي النفسي، تُقابله في الطرف الآخر استجابة ردِّ فعلٍ إيجابي ينصهر ودِّياً في بؤرة التلاقي العاطفي، فينتج حبَّاً عرفانيّاً نقيّاً صافياً يُعمِّدُ جسد المرأة، ويُطَهِّر قدسيتها السلبية من وقع دنس النظرة الابتذالية الجسدية الرخيصة التي تسيء إلى رمزية المرأة كائناً إنسانياً ليس مكمِّلاً للحياة الذكورية فحسب، بل عنصرٌ مُهِمٌّ  في رفد منظومة سير الحياة الإنسانية، والمحافظة على صيانة سيرورتها الوجودية.

فالسَّماوي ينظر للجسد الإنساني بأنَّ له حرمةً وقدسيةً، وهو إجمالاً مكان يمارس فيه وبه الفرد سلطته  ويكون حميماً وأليفاً مثل الدار(57)، مثلما ينظر إلى أنَّ جسدَ الأُمِّ جسدٌ مُبجلٌ، واهبٌ للحياةِ، وحاضنٌ للرجل يقوم عليه ويمنحه الحياة(58).

وهذا الالتحام الجسدي التشاكلي الأمثل، يدلُّ على صدق عفاف اِنعطاف تجربته الشعرية وجماليتها، لأنَّ المرأة عنده تحوَّلت إلى مركز إشعاعٍ فكريٍ جماليٍ بعد أنْ كانت مركزاً حسيَّاً خصباً للأنساق الشعرية التالفة والمبتذلة الممجوجة، فضلاً عن هذا كونها رمزاً أُسطورياً جمالياً مقدَّساً من رموز الخصب والجنس، تقدِّسُها الشعوب القديمة دينياً وثقافيَّاً في إحتفائيات أجواء وطقوس حضارتها وأساطيرها وملاحمها القديمة:

وَاحتَرِسْ

مِنْ غَضَبِ النَّحلَةِ

إنْ خُنْتَ شَذَا وَادِي زُهُورِ اللُّوزِ

وَاحْذِرْ

إنَّ إينَانَا إِذَا جِزْتَ مَدَاهَا

تُمسِكُ المَاءَ عَنِ الحَقلِ

وَتُظْمِي جَدوَلَكْ (59)

بهذه اللُّغة اللَّمسيّة التي تنقل الطبيعة، وتوظّفها عنصراً مهمّاً من عناصر الواقعة الحدثية، وتستحضر الأسطورة والرمز تقنيةً فنيَّةً في يوتوبيا الشعرية ضرورةً من ضروراتِ تخليق بنية حداثة الخطاب الشعرية.

وهكذا بترانيم هذه الإنطلوجيا الشعرية المنوَّعة يُصوّر السَّماوي صورة المرأة(السلبية والإيجابية)، فمرةً يرى مذاقها الفعلي شهداً حقيقياً حلواً طيِّباً للقلوب قبل الأفواه، ومرةً أخرى يجدها نحلةً لاسعةً تلدغ من يُبدي لها فعل الخيانة ويُسيء لذاتها؛ لأنَّها لا تُطيق ذلك أبداً، ومرةً جديدةً يؤكِّد أنَّها (إينانا)آلهة الحبِّ والحرب والجنس والخصب والمطر والموت والحياة إذا أحسنت التعامل معها في الحبِّ والوفاء. غير أنَّها تستحيل سدّاً مانعاً لتدفق ماء الحياة، فتمنع الرواء عن البشر والحقول وتظمئ الجداول والضرع والزرع والشجر، إنها فرادة  الوجود في الوظيفة (تَكٌن أو لا تَكُن) هكذا تبدو للمتلقِّي الواعي الفاحص لبنية النصِّ.

***

"يتبع"

د. جَبَّار مَاجِد البَهادِلي

...............................

(*) من كتاب بنفس العنوان سيصدر  قريبا .

 

بليغ حمدي اسماعيل(أ) بورتريه التفاصيل الإجبارية:

في كل مرة تتجاوز الروائية الاستثنائية الدكتورة لنا عبد الرحمن تفاصيل الذاكرة المؤقتة إلى مساحات أخرى عميقة تفتش بعمق ورؤية بصيرة، ثم تؤؤل نتاج البحث لترصد تفاصيل تتحدى بها الذاكرة العربية الضاربة بهوس في ثقافة اللحظة البصرية القصيرة، وربما التكوين الجغرافي والتأصيل الثقافي لنا عبد الرحمن هو الذي دفعها بقوة دونما رحمة إلى التقاط إحداثيات المشهد الروائي ـ أزعم أحيانا أنها بانفراد وتفرد ـ مؤسسة بذلك تجربتها الروائية التي طالما كثيرا تشبه وثيقة تاريخية يمكن أن تتناولها بصورة أكاديمية تاريخية بنفس القدر الذي تتناولها ـ التجربة ـ من زوايا إبداعية .

وبالضرورة أنت مضطر بغير طواعية أو محض اختيار حر أن تدخل عالم الروائية اللبنانية الدكتور لنا عبد الرحمن من باب شخصيتها وبيئتها ومن ثم الملامح التي شكلت رؤيتها الإبداعية؛ لأنك حينما ترصد حالة امرأة تقضي ساعات طويلة وأياما بعيدة ليست بالقليلة في إنتاج أعمال روائية تحرك من خلالها شخوص الأحداث وأمكنتها فأنت بحق جدير باكتشاف عالم آخر مواز للإبداع هو فضاءات الكاتبة التي سطَّرت حروفها صانعة كوكبا جديدا قد يبدو افتراضيا للقارئ إنما هو في حقيقة الأمر واقعه ـ القارئ ـ وزمانه المعاصر والسحيق، وربما أحيانا استشرافه لأيام قد تأتي في غفلة دون ترقب لتفاصيلها.

وتغرد السيرة الذاتية للروائية الدكتورة لنا عبد الرحمن كما تذكر الموسوعة العالمية (ويكيبيديا) عن كاتِبَة لبنانية تَعيش في القاهرة وأرجائها المفعمة بتفاصيل وحكايا نجيب محفوظ ويوسف إدريس وجمال الغيطاني ويوسف القعيد وفلسفة توفيق الحكيم، ولقد درست لنا عبد الرحمن في الجامعة اللبنانية في بيروت، ومن بعدها بالجامعة الأمريكية في القاهرة؛ فهي حاصلة على درجة الليسانس من قسم اللغة العربية من جامعة بيروت عام 1997، كذلك على درجة الماجستير في الدراسات الأدبية من قسم اللغة العربية عام 2007، و على الدكتوراه عن موضوع السيرة الذاتية في الرواية النسائية اللبنانية عام 2010، مما يعزز جدارتها اللغوية واستعمالاتها الأسلوبية بقدر عال من الرصانة والسبك وجودة التصوير، فضلا عن اتجاهها البحثي لدراسة السيرة الذاتية في الرواية النسائية هذا التوجه صوب كيان مؤثر في واقع الأمة العربية التي تواجه ثمة تحديات شرسة منها تحدي الثقافة الذكورية ومواجهة الهيمنة الجنسوية التي لا تزال تفرض قوتها وتبسط يدها على تفاصيل المشهد الاجتماعي والإبداعي على السواء .

هذا التكوين التعليمي الأكاديمي انعكس بالحتمية على الملامح الاسترشادية لعناوين قصصها وروايتها المتعددة الرؤية والطرح الإبداعي، فأنت غالبا ما ستكتشف لمحة أنثوية تعبر على عناوين إبداعاتها إذا ما اضطررت إلى تأويل الرواية من عنوانها، على سبيل المثال: تلامس 2008، أغنية لمارغريت 2011، ثلج القاهرة 2013، قيد الدرس 2016، صندوق كرتوني يشبه الحياة 2017، وأخيرا الرواية التي نحن بصدد قراءتها وعرضها (بودابار 2020. إنها رحلة المرأة العربية في شوارع العواصم العربية بكل مطامحها وأحلامها وتحدياتها وهذا الهاجس الأبدي الذي يجعل المرأة العربية في صراع طويل وشاق من أجل بقائها كرائدة وليست جارية.

وبجانب كونها روائية فهي تحترف الصحافة النقدية الأدبية . التي جعلتها أكثر وعيا بتفاصيل الحدث ومشاهد واقعية يمكن رصدها وملاحظتها بدقة كشاهد عيان الأمر الذي يدفع برواياتها إلى يقين التصديق لأحداثها .وأنا على استحياء أعتقد ظنا يشارف اليقين بأن التكوين الأكاديمي للروائية لنا عبد الرحمن وسحر الأمكنة اللبنانية مرورا بالرصد النقدي لها عبر كتاباتها النقدية الصحافية أورثتها رصيدا كافيا لعقد مغامرة ثنائية بينها وبين تفاصيل الشوارع والأماكن العربية التي يمكن تحقيقها في روايتي قيد الدرس وثلج القاهرة على سبيل الاختصاص، الأمر الذي مكَّنها قصدا ووعيا بأن الرواية ليست مجرد أحداث عابرة أو سرد ممل يجعلنا صوب الاسترخاء والاستسلام للنوم ؛ بل هي فعل يقظة لا تنقضي.

وربما تجدر الإشارة بأن لنا عبد الرحمن تجاوزت أفلاك غادة السمان وأحلام مستغانمي ورضوى عاشور وغيرهن في مشهد لا يمكن الفكاك منه، فمعظم الروائيات دخلن في صراع أدبي نجم عنه رواية المرأة التي توجه حديثها إليها فقط وكأن الشاعرة أو الروائية مجرد ملقن لمعلومات وثمة وصايا وتجارب حياتية مشهود بجدارتها إلى مجموعة من الفتيات الصغيرات أو النسوة اللواتي يعانين من أزمات اجتماعية ضاربة في التأصيل كالعنوسة أو هجر الزوج أو رغبة الجسد المشتعل أو الانفصال بالطلاق أو الوفاة.

لكنها ـ لنا عبد الرحمن ـ لم تتجرع كأس اليأس الاجتماعي للمرأة العربية، ولم تتصل هاتفيا بأحزان المرأة العربية الغارقة في ظنون القهر العاطفي والمعاناة الجسدية وتحولات الرغبة الممكنة والمستحيلة، بل أكدت أنها رائدة الرواية العربية التي تأبى تصنيف المبدع وفقا لنوعه ذكر أم أنثى، ولم تغادر مقعد الإبداع الفطري الإنساني العام متخذة كافة أساليب الرواية النسوية المكرورة التي تتناول أحزان امرأة في تمظهراتها اليومية المستدامة لكن لنا عبد الرحمن قررت استباق المشهد النسائي الراهن في صناعة الرواية العربية وأن تكون بمثابة جرس إنذار للرواية الذكورية التي تعكس واقع الوطن فترصد بعدستها تفاصيل الحياة اليومية غير متحيزة أو متحزبة لنوع أو فصيل معين.

وأظن أنني نجحت سابقا حينما وصفت إبداع الروائية الدكتورة لنا عبد الرحمن بأنها قفزت فجأة بوعي وإدراك وحذر خوف السقوط في شَرَك الأدب النسوي الذي طالما رهن المرأة الكاتبة في مقام جنسوي ضيق يقف على الشاطئ المقابل للكتابة الذكورية هو مغامرة قد تقترب من حد اليقين، هذا بالفعل ما رصدته الروائية لنا عبد الرحمن في روايتها بعنوان (قيد الدرس)، فقبيل التقاط الرواية بعين القارئ كاد الظن يشارف الحقيقة واليقين بأن الرواية مثلها كمثل الروايات التي تكتبها المرأة بوجه عام تتناول قضايا واقع المرأة العربية فحسب، ورهاناتها الآنية في ظل مجتمع ذكوري يفرض سطوته بقوة وبغير منافسة، لكن المشهد بدا عكس ذلك تماما، لمرات قليل تنجح كاتبة أن تقنعنا أننا بإزاء نص يمتلكه القارئ وحده دونما استلاب حرية المبدع كونه رجلا أم امرأة .

(ب) مشهد رأسي على ثنائية الهوية والبقاء:

كانت التجربة النقدية الأولى لي مع روايات لنا عبد الرحمن حينما اكتشف عالما جديدا مغايرا لكتابات المرأة العربية بوجه خاص والروائيين العرب بوجه عام من خلال روايتها (قيد الدرس) حيث اهتمام الكاتبة بالمكان، والمكان ظل الجزء الأصيل في كتابات رواد الرواية العربية من أمثال عميدها العالمي نجيب محفوظ ويحيى حقي ويوسف السباعي وجمال الغيطاني وواسيني الأعرج وكثيرين أيضا، وهو الخاصية التي انفردوا بها فرصدوا الشوارع والطرقات بتفاصيلها فصار المكان بما يموج من حركات وثورات وأحاسيس متناثرة مرآة الحدث الأصلي في الرواية، هكذا لنا عبد الرحمن ظل المكان محورا رئيسا يمثل هوية ومقاما وحالا أكثر ما يمثل تجمعا سكنيا فحسب، تماما كما المكان في إبداع نجيب محفوظ، فهو ليس مجرد ثمة بيوت عتيقة أو دكاكين شعبية تحوي صنوف الأطعمة والأشربة، لكن هو مكان يجمع عائلات صغيرة أو كبيرة تبحث عن هويتها من خلال الإبقاء على تقاليدها الذكية وأعرافها التي بدأت في طريقها إلى اندثار .

1 ـ البقاء:

ولعل أبرز ما يمكن رصده في مجمل إنتاج الدكتورة لنا عبد الرحمن الروائي وصولا إلى رواية (بودابار) التي سيجئ ذكرها لاحقا مجموعة من السمات والثيمات البعيدة عن موازين التلقي النقدي المعتاد الذي يبحث فقط عن ثمة عقد سيكولوجية لا تخرج عن الشخوص والحبكة والزمان والقيم النفسية لدى البطل وألفاظه وماذا ارتدى وإلى أين سافر وماذا تناول من طعام في الفطور وهو في رحلته إلى باريس. من تلك السمات المميزة البقاء، والبقاء بصورتيه المادية والمعنوية هي هو المعادل الموضوعي لتحقيق الهوية حتى وإن كانت شخوص الرواية حاضرين بطول وعرض الرواية إلى أن ظهور أحد من هذه الشخصيات هو محاولة لإثبات البقاء والحضور والشهود، ونزوع أبطال الرواية أو شخصياتها عموما إلى تحقيق الشهود والبقاء سواء في الأرض أو الموقف أو تأييد لقضية ما هو بمثابة شغف أو شهوة مستدامة لقمع فكرة الزوال أو تحقيق لمقولة (الأرض لنا) التي تغنت بها فيروز في إحدى أغانيها. والمستقرئ لمجمل الإبداع الروائي للدكتورة لنا عبد الرحمن لن يفزع أو يفاجأ بأنها تسعى جاهدة في تأسيس هوية أو انتزاع أبطال رواياتها لامتلاك هوية للمكان الذي بالضرورة ستنعكس على هوية الذات.

هي نفسها ـ لنا عبد الرحمن ـ في روايتها قيد الدرس ترصد بعين مؤرخ وقلم روائي رصين هوية المكان ؛ فتعبر بنا إلى مساحات لبنانية من أجل مشاركة حقيقية من الروائية في اصطحاب قارئ واعٍ ؛ بقصد تعاطف وتلاحم قصدي صوب امتلاك الهوية وتحقيق الشهود، فنجدها تسافر بنا إلى بيروت القديمة بشوارعها، وشتورة، وسهل البقاع، ودير السرو، والمرج، وبر الياس، ووادي أبو جبيل،وحيفا، وقَدَس، ومخيم شاتيلا، وبحمدون ودمشق.

2 ـ المكان:

كذلك نجدها متلبسة بالمكان وهي تعرض تجربتها السردية المثيرة في روايتها (ثلج القاهرة) بل وشغوفة بتلمس تفاصيله رصدا لمعاني مغايرة، فالسماء لا تسقط ثلجا بل تكاد الأمطار بها نادرة وقاصرة على أيام قلائل معدودات، هذا هو العنوان، لكن الهوية تبدو فلسفية قريبة من كل إجراءات الميتافيزيقيا التي تشكل حتما هوية الشخوص، لذا المكان في رواية (ثلج القاهرة) ليس ماديا فحسب بل أكثر معنوية فالرواية تدور حول فلسفة (الكارما) المشهورة التي تنتزع النفس والروح من شهوات الجسد لتبقى في انفرادها الأسمى الذي تجلى في وجود بطلة الرواية في قصر عتيق يماثل هويتها الفلسفية، كما يماثل الثلج تشكيلا مرادفا للقاهرة حسب الوصف النصي: " القاهرة تحتاج إلى ثلج يغطيها تماما، ثلج يوازن الأشياء لتعود إلى طبيعتها، ثلج يخفف من حرارة الناس، يذيب طبقات السواد التي تغطي أرض المدينة، ليحل مكانها لون أبيض ناصع، وتخرج من شقوق الثلج قاهرة يافعة ببرعم أخضر نقي يقاوم طبقات الشحم التي سدت مكان خروجه" . ومعظم من تناول رواية (ثلج القاهرة) أدمغ شهادته النقدية بفكرة " تناسخ الأمكنة " حيث وجود امرأة تحيا بثلاث أرواح مغايرة ومختلفة يجمعها مكان واحد وهو الجسد .

3 ـ الهوية:

أما في روايتها (أغنية لمارغريت) فنهرع مجددا صوب الذات تحقيقا لشهود الهوية والكينونة من جديد، فكيف يتم للمرء تحقيق ذاته من خلال الغربة والعزلة، والمستقرئ على عجل فكرتي العزلة والغربة يجدهما مرادفين لبقاء الإنسان في مكان ما ؛ إما داخل الذات في عزلته، أو خارج المجتمع حينما يغترب. وهي في الرواية تعكس كل تفاصيل المؤلمة التي عصفت بلبنان خلال معارك يوليو 2006 والتي يمكن وصفها بالحرب الأهلية الشرسة . وتبدأ أحداث الرواية بانتقال زينب من ضاحية بيروت الجنوبية برفقة عائلتها ضمن هجرة قسرية بسبب الحرب الإسرائيلية في العام 2006.

وهنا يتفجر المكان بإحداثيات ومشاهد تجبر القارئ على التتبع ؛ لأنه سرعان ما سيفتش بعينه ثم عقله عن بيروت بضواحيها وهوية أهلها وتفاصيل أمكنتها الشاهدة على أحداث الحرب الأهلية، بعد ذلك سنجد قارءها مضطرا إلى أن يجتر ذكريات المواطن العربي مع الكيان الصهيوني سواء على مستوى الزمان أو المكان.

والهوية حاضرة تماما في رواية (أغنية لمارغريت) لأن بطلة الرواية عقب الحرب الأهلية بكوارثها سرعان ما اكتشفت عبر رسائلها أن لغتها قد تغيرت، وأسلوبها قد تبدل، بل إن مشاعرها قد تحولت إلى عواطف واتجاهات وميول شتى يصعب تجميعها في منظومة متماسكة: " بعد الحرب، تغيرت لغتي، تبدلت حروفي وتداخلت لتشكل لغة أخرى لا أحد يفهمها أبدا، لغة حروفها تشبه حروف الرسالة المتشابكة التي وصلتني عبر الإيميل، والتي لم أفك طلاسمها حت الآن.. أنت لا ترد على رسائلي، وأنا سأستمر في الكتابة، لأني لا أكتب لك، أكتب عنك، وعن مارغريت، وعني".

ويبدو المكان وثيق الصلة بالهوية في الرواية حينما نشهد بوجود حالات الغياب لدى بطلة الرواية بالمكان عقب الحرب الأهلية في بيروت، حيث تقاوم الهوية كافة الصراعات لنزعها من جذورها أو محاولة مسخها بتجارب وافدة ربما زرعها الكيان الصهيوني عن قصد، فنجدها ـ البطلة ـ ترصد هذا الصراع قائلة: " في بيروت أحس أني أطفو على قطعة فلين، وأن البحر رئتي الوحيدة، لكن المدينة مزدحمة بشاشات كبيرة، شاشات تبث أغنيات بليدة، وإعلانـــات عن الكوكــا كولا ومشروبات الطاقة" .

(ج) بودابار .. رحلة البحث عن وطن موازٍ:

وصل بنا المطاف إلى رواية الدكتورة لنا عبد الرحمن الأخيرة الموسومة بـ (بودابار) والتي تجتهد فيها لنا عبد الرحمن إلى انتزاع صدارة الإبداع الروائي متفردة بسماتها وخصائصها التي تبدو كثيرا مثيرة وأكثر حيرة أيضا . فمنذ اللحظة الأولى أنت أمام قرار سيادي من الروائية بأنه ليس هناك ما يسمى بالصدفة لأن الصدفة ضرورة قدرية، فها هي تعاود مجدها الفلسفي القديم الذي طرحته في روايتها (ثلج القاهرة) كرواية وجودية من الطراز الرفيع، وكأنها تجبر القارئ على الانصياع طواعية لمفردات الخطاب السردي الذي سيأتي عبر سطور الرواية دون فرض وصايته على الإحداثيات والتفاصيل، وكأن لنا عبد الرحمن كانت أكثر وعيا بالنظريات النقدية المعاصرة التي تسعى لأن يكون القارئ شريكا في صنع العمل بل هو المبدع الأصلي له، لكن في هذا المرة وبعد استيعابها المطلق للتكوينات النقدية بحكم كونها صحافية نشيطة قررت بأن يستسلم لها القارئ والناقد على السواء، بل ستجبره أحداث وتفاصيل الرواية أن يبقى مفتوح العينين بغير انغلاق وفي دهشة لما سيحدث، وأحايين كثيرة ستجعل القارئ مضطرا للبحث عن حلول واقعية أم افتراضية لحدث الرواية.

1 ـ صوب الرواية:

والرواية تدور في بيروت ؛ المدينة الشاهدة على معارك وحروب داخلية وخارجية لاتزال تلقي بأصدائها على راهن لبنان دون التفكير في محاولات جادة للخروج من الأزمة، هي نفسها ـ لنا عبد الرحمن ـ صادحة بهذه الحقيقة في صدر روايتها حينما تقول: " المدينة محكومة بغيمة مغوية، تؤدي بكل من يحيا فيها على أرضها إلى إدراك أنها مدينة البقع المتجاورة" . والراصد لهذا الافتتاح قد يظن معانٍ عدة ؛ منها أن بيروت لم تعد مدينة كاشفة واضحة لتفاصيلها الاعتيادية بل تبدو مشوهة بعض الشئ، فضلا عن كونها بقعا متجاورة وليست كيانا واحدا متماسكا، هكذا الحرب دوما تفضي إلى اقتطاع الأوصال وتمزيق النسيج الواحد إلى كيانات متناثرة .

والرواية (بودا بار) تدور في مدينة بيروت اللبنانية تحديدا في عام 2018، حيث يلتقي مجموعة من الأشخاص غير المتعارفين أي الغرباء في " حي الأمير" ، ونظرة متجددة إلى تيمة المكان التي انفردت بها ولا تزال الدكتورة لنا عبد الرحمن ، فإن حي الأمير هذا أحد أحياء بيروت العتيقة التي كانت تقع على خطوط التماس في يوم ما، ودارت على أطرافها صراعات الحرب الأهلية تاركة آثارها على المدينة والناس،وهنا تصل "دورا حبيب" إلى هذا الحي عائدة من أستراليا كي تستقر في بيروت بعد أن هاجرت عائلتها من لبنان منذ سنوات السبعينات، يتزامن وصول دورا مع وقوع جريمة قتل غريبة لجمانة، وهي امرأة فاتنة وغامضة سكنت الحي هي وزوجها منذ عامين، وجمعت في شخصيتها مجموعة من التناقضات التي جذبت الجميع حولها من مختلف المستويات والأعمار، مما يجعل حضورها رمزيا ويمثل شكولا مثيرة لكل الجمال الحاضر الغائب في مدينة مثل بيروت.

2 ـ بيروت .. مدينة التفاصيل المتجاورة:

نرصد من خلال الرواية الملامح الكائنة والثابتة في إبداع لنا عبد الرحمن من حيث السفر والغربة وفعل الهجرة ثم تحديات الحرب وأوجاعها لاسيما حينما تكون بين مواطني البلد الواحد، كذلك حرصها المستدام على إثبات مدينة بيروت كإحدى المدن العربية العتيقة أي التي تتسم بتقاليد عربية أصيلة وتاريخ ضارب في عمق العروبة والدم أيضا. تزامنا مع تأكيدها لفعل الهجرة في فترة السبعينيات من القرن المنصرم وهي فترة متفجرة بالأحداث الطائفية والسياسية والحزبية ليست في بيروت وحدها بل في كافة العواصم العربية.

ونجد شخوص الرواية سواء الأساسيين أم الثانويين أشبه بالبقع المتجاورة التي تحدثت عنها لنا عبد الرحمن في صدر روايتها، فهم كثيرون جدا يثرثرون بالكلام ويفرضون أنفسهم على الحدث، بل هم جزء أصيل من تفاصيل المشهد السردي وكأنها تصف حال بيروت بصفة عامة وما آلت إليه لبنان عموما من كثرة الحكايا وكثرة الأفعال وكثرة الثرثرة مما أودى بالمدينة الجميلة إلى أقصى بل وأقسى حالات الصراع والتشاحن بل والتباغض كثيرا أيضا، ليس هذا فحسب، بل إن كل شخصية ثانوية أو هامشية وأيضا رئيسة تريد أن تفرض نفسها على الحدث إما بالوقوف صمتا أو بالتحليل والتفسير، وربما بلغة الجسد الأكثر تعبيرا وتوصيفا كأن الروائية لنا عبد الرحمن تصر على تجسيد مشهد لبنان الراهن بقولها: هذه بيروت الآن !.

هذا يتوافق تماما مع ما ذهبت إليه الناقدة الصحافية كاتيا الطويل وهي ترصد بعض ملامح رواية (بودا بار) لاسيما رصد بيروت المدينة التي كانت جميلة ومثيرة يوما ما بقولها: " نماذج متعددة ومتنوعة عن وجوه بيروتية. فتروح الشخصيات تمثل نواحي متعددة من هذه المدينة الحافلة بالتناقضات، ويتنقل السرد بين نازحين سوريين وشباب راغب في الهجرة وجيل حرب وجيل يخشى الحرب وحيوات كثيرة مهزومة تلتف جميعها على بعضها لتعيش في حي شعبي بسيط من أحياء بيروت ما بعد الحرب".

الملمح الذي دفع الروائية أن تقول على لسان أحد أبطال روايتها واصفة الشخصية بتحولاتها والمدينة بثوراتها المتأججة بغير توقف " "لا أريد البقاء هنا... هذه المدينة لا تغريني بالبقاء، ليس فيها ما يرضي طموحي".

وتؤكد الدكتورة لنا عبد الرحمن في روايتها (بودا بار) وصف بيروت التي كانت عتيقة يوما ما بلغة رشيقة قائلة: لكن المدينة التي أخلص لها تغيرت كثيرا عما كانت عليه منذ خمسين عاما ؛ بيروت لم تعد مدينته التي عرفها، بيروت القديمة ليست هي بيروت اليوم" .

3 ـ الدهشة حينما تصير لغة:

بعد أن يفرغ القارئ العربي من قراءة بودابار فهي مقتنع تمام يقين الاقتناع بأنه أمام نص سردي مغاير للغة الرواية التي تميل إلى التركيز الممل أحيانا في وصف المشهد، كذلك اللغة المكرورة في ذكر تفاصيل دقيقة عن كل شخصية مما تجعل القارئ يهرع بعيدا عن الحدث الرئيس بها منشغلا بتفاصيل ثانوية غير ذات أهمية . لكن الروائية لنا عبد الرحمن يمكن توصيفها بأنها أيقونة استثنائية في السرد بغير مبالغة أو تهويل ؛ لأنها في حقيقة المشهد اللغوي لروايتها لم تلجأ إلى اللغة السردية المعتادة، بل نجدها في كثير من سطور سردها الروائي تستخدم لغة الشعر بالأحرى القريبة من قصيدة النثر، الأمر الذي يدفع القارئ بأن يتلقط لغة مثيرة وجذابة بل وجاذبة للعقل الذي يبحث عن مقتل (جمانة) ورغم إرهاق عقله بالبحث والتنقيب كرجل مباحث إلا أنه ـ القارئ ـ لا يغيب عن المشهد الشعري المصاحب للرواية .

نجد مثل هذا النثر الشعري أو النثيرة الشعرية حسب زعم النقاد المعاصرين في كثير من سطور الرواية، تقول لنا عبد الرحمن في مواضع شتى بالرواية مستخدمة اللغة الشعرية: " وفي تجوالك هنا أنت حر بالمطلق / وسجين أبدي / ليس عليك سوى العبث بكل ما كان وسوف يكون / هكذا تتقن فن العيش والتملص مما يُمكن التورط به / ليس من المجدي أن تنتمي إلى أي شيء / بل من المهم أن تحمل رأسا قابلا للعطب والتشكل من جديد رغم الذكريات السوداء، والقلب الأجوف ".

وتقول أيضا على لسان أحد شخوص الرواية: " يا جمانتي، كيف ترحلين وتتركيني وحيدًا في هذا العالم / من سيحكي لي الحكايا المخيفة، ومن سيمنحني الوهم بأنك ستحملين يوما بالطفلة التي حلمنا بها / لكنك رحلت قبل أن يتحقق أي شيءٍ / مما حلمنا به سوياً" .

ولم يختف جمال اللغة وهي تتحدث عن جمال المرأة في وصفها السردي، فهي تقول مستغلة براعتها في استعمال اللغة الشاعرة التي تحدث عنها من قبل المفكر المصري عباس محمود العقاد في كتابه اللغة الشاعرة: "الجمال الفائض لعنة لأنه يقترن بسوء الحظ أن ذنب جمانة الوحيد هو أنها كانت بارعة الجمال فاتنة فقُتلت" .

4 ـ باتجاه عمق المجتمع:

رغم يقينها بأنها كاتبة المكان أولا ثم الرواية الوجودية في الوطن العربي، إلا أن لنا عبد الرحمن كمثقفة عربية في المقام الأول، ثم اعتمادها على كونها مسئولة عن تنوير المجتمع بصفتها الإبداعية فإننا نجدها تتطرق إلى ظاهرة تبدو كاشفة للمجتمع العربي وليس اللبناني فحسب، وهي ظاهرة الطلاق والمرأة المطلقة التي صارت موصومة بكل شبهات المرض النفسي والعقد الاجتماعية وفقا لهوس المجتمعات العربية بالتصنيف والتوصيف المصاحب للمرأة . وقضية الطلاق أصبحت متزامنة مع كافة مظاهر ومشاهد قهر المرأة في ظل بقاء كافة التيارات الراديكالية المتطرفة وأنا أظن أن هذا الوعي كان قائما في ذهن الروائية لنا عبد الرحمن وهي ترصد مشاعر المرأة الطلقة في ثنايا أحداث روايتها، إذ تقول في رواية بودابار: "فإيمان امرأة نشيطة قوية عاملة، أم لثلاث بنات، إنما مطلقة ولا تعرف كيف تنجو من تعنّت زوجها وبراثنه وتصرفاته الرجعية تجاهها، فيرد في أحد مواضع السرد:”استفاضت في الحديث عن مشاكلها مع بناتها الثلاث،وطليقها الكسيح الذي يأتي كل أيام عدة يلوح بعصاه ويهددها بتكسير زجاج المحل إن فكرت يوماً بالزواج".

ورغم ما تعانيه الدول العربية من انفصام شديد يستحق العلاج في اهتمامه بيوم المرأة ويوم الفتاة وعيد الطفولة وعيد الأم، وربما يجئ يوم نحتفل فيه بيوم الطفلة الرضيعة أيضا إلا أن واقعنا العربي والذي أكدته الرواية يصر على سحق إنسانية المرأة بل ربما نجده متجرعا كأس الجماعات الدينية المتطرفة التي لا ترى في المرأة سوى جارية أو خادمة لسيدها دون أدنى حقوق واجبة، بل إن معظم مجتمعاتنا العربية لا تزال تسير في فلك وصم العزباء أو المرأة المطلقة أو حتى الأرملة بأنها أسيرة جسدها بغير مراعاة كونها إنسانة في مقامها الأول وحالها الأخيرة.

ـ شكرا لنا عبد الرحمن:

إن أبرز ما يميز رواية (بودابار) في مجملها السردي ليس فقط قدرة الدكتورة لنا عبد الرحمن في استخدام الحكي والقص والسرد، هذه أمور شهد لها النقاد في أعمالها السابقة، لكن الأبرز هو الوعي بالوطن والوعي بقضاياه وهمومه، والتركيز على النتاجات التي تحققت بفعل الحروب وما صار بسبب التناحر الداخلي، لعل ما قدمته الروائية من سطور مضمرة عن بقايا وطن يأبى ن يحتضر هو الملمح الأعمق في رواية (بودا بار) بل في تجربة الدكتورة لنا عبد الرحمن بوجه عام .

 

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية(م)

كلية التربية ـ جامعة المنيا

 

 

عمار ابراهيم الياسريمنذ المهادات الأولى لنظريّة الأجناس الأدبيّة التي وردت في كتاب فنّ الشعر للفيلسوف الإغريقي (أرسطو)، شهدت بنية الشكل للنصوص الأدبيّة تحوّلات بنيويّة كبيرة، فالذات المبدعة تسأم السائد والمألوف في رحلتها نحو الابتكار والتجديد، وهذا ما ذهبت إليه الفيلسوفة الأمريكيّة (سوزان لانجر) من أنّ الشكل الفنّي لن يحقّق مآلاته التجديديّة إلّا إذا استمال شكلًا مغايرًا يوسّع من معارفنا ويمتدّ بها إلى ما وراء خبرتنا اليوميّة، والشعر بوصفه جنسًا إبداعيًّا شهد تحوّلات كبيرة مبنى ومعنى سواء في بنيته الإغريقيّة أو العربيّة منذ الصيرورة الأولى وليومنا هذا.

لم تخل مجموعة "شيءٌ.. وينطق الماء" للشاعرة شيماء العلي من المغايرة الشعريّة في بنيتها التشكيليّة، إذ نلحظ توظيفها الثنائيّات البنيويّة والحذف والإيجاز وتحوّلات الصورة الشعريّة من جهة والتداخل ما بين الأشكال الشعريّة من جهة أخرى، فمنذ نصوصها الموازية ومع عتبتها الرئيسة المتمثّلة بالغلاف الخارجيّ نلحظ أنّ عنوان المجموعة قد اعتمد على المخاتلة، ممّا يجعل الأسئلة تساور القارئ مع زمن القراءة الأوّل، ما المحذوف من مفردة شيءٌ ؟ حروف من اسم الشاعرة أم غير ذلك، وثمّة قراءة ثانية، من الممكن أن تكون الشاعرة حذفت الملحق بالشيء وجعلت من الفراغات النصيّة شفرة يقع على القارئ فكّ مغاليقها في رحلة الغوص في متن المجموعة، ومما ينطق الماء؟، إنّ تعدديّة القراءة تفضي إلى التماهي الأرسطيّ حسب الطروحات الإغريقيّة أو إلى تفعيل سارديّة المتلقّي حسب منظّري التلقّي في مدرسة كونستانس الألمانيّة، وفي الحالين سيغرق المتلقّي في قراءات متنوّعة، ولم تكتف الشاعرة في عتبتها الرئيسة بشفرة العنوان، بل عمدت إلى توظيف فضاء بصريّ معادل للعنوان تمثّل بوساطة اللوحة التي خلقت تساؤلات جماليّة هي الأخرى، فإطار اللوحة الفارغ والوشاح الأحمر والخلفيّة السوداء قبالة قدح الماء والنبتة، شفرات داخليّة تشي بالصراع ما بين فلسفتي الوجود والفناء، حتى أنّ هاتين الفلسفتين شكّلتا البنية العميقة التي ترتبط بفلسفة الماء التي لم يعرف المتلقّي بنيتها الدلاليّة لحدّ الآن، ومع الإهداء نلحظ توهّج الصراع ما بين الماء بوصفه ثيمة الوجود حسب المرجعيّات القرآنيّة وبين الفناء الذي تلبّسته الشاعرة بوصفها الصوت المركزيّ للنصّ حينما تقول في الصفحة الخامسة "ولست الآن شيّا"، في حين رسمت العنوانات الداخليّة على شكل منظومة من البنى السطحيّة التي تحيل المتلقّي إلى البنية العميقة التي تمّ ذكرها سابقًا، ولو تابعنا بعضها مثل "شيءٌ .. وماء" و"مفترق" و"نيزك ما" و"صوم آخر" و"عيد ولكن" و"نصف وأنت" نلحظ الفراغات المبنيّة على الحذف، التساؤلات والاستدراك ممّا يجعلها بنية متآزرة مع النصوص الموازية السالفة.

ومع أوّل نصوص المجموعة "شيءٌ .. وماء" نلحظ في مهادها الاستهلاليّ أنّ للماء سرّ خفيّ أدّى إلى انطفاء النار، وفي البيت اللاحق نكتشف أنّ سرّ الماء هو نهر الشعر تارة وماء الطبيعة تارة أخرى، وسط هاتين الثنائيّتين تجتهد الشاعرة في صياغة بنية تشكيليّة مفارقة للسائد ذي الشفرة المباشرة، ولم تستنسخ الشاعرة تركيبها الشعريّ في القصيدة الثانية "مفترق"، إذ شهدت لغة الماء تحوّلًا مغايرًا في قراءة ثنائيّة الوجود والفناء تمثّلت بالمطر الذي قد يكون ثيمة للحياة والخصوبة حينًا وخوف الغرق حينًا أخرى، إذ تقول:

رذاذٌ يقود الغيم يا ويل دربه         وأمطار حرف داعبتْ رشّة الودقْ

به شوق وردات الخريف إلى الندى هي الماء يرجوها ويخشى بها الغرقْ

في حين تحوّل الماء في قصيدة "سرقات متاحة" إلى دمٍ يعلق في العناقيد، ولم تمضِ الشاعرة في تشكيلها الشعريّ بالمغايرة الصوريّة لثيمة الماء فحسب؛ بل تلبّست نشوة الهدم والبناء مخيالها الشعريّ، ففي قصيدة "صلاة على سجّادة الشعراء" شهدت الصورة انزياحًا عن المعيار، إذ تقول في الصفحة السابعة عشرة:

الينزفون دماءً من محابرهم          دم السوادات ثأر الله والفقرا

في البيت أعلاه عرّفت الشاعرة الفعل المضارع المختلف على تعريفه باحثة عن الأثر الجماليّ للمغايرة مما يجعل المعنى أكثر وقعًا في الذات الإنسانيّة، ليس هذا فحسب؛ بل تنوّعت الانزياحات في النصّ من الماء إلى الدم إلى الحبر، فالشعراء ينزفون الحبر في صياغة القصيدة التي تعيد ترميم الحياة، وما الحبر إلّا الدم المراق من أجسادهم المشغولة بتزيّن ما خرّبته الحروب، وهذا ما تجلّى في صورة مغايرة في ذات الصفحة حينما تقول:

هم رعشة الكأس في كـفٍّ يرخص ما      في ذمّة الغيم منذ اسّاقطوا مطرا

نلحظ هنا التحوّل الجديد في بنية الصورة في ذات القصيدة، فبعد تحوّل الماء إلى دمٍ ثمّ إلى حبر في البيت السابق تحوّل إلى المطر رمز الديمومة والخصب والنماء، في تركيبة دلاليّة ترتبط مع البنية العميقة للمجموعة بالوجود والفناء في ديمومة مستمرّة من الصراعات.

ولم تكتفِ الشاعرة بتوظيف التحوّلات الصوريّة للماء بوصفها بنى تتعاضد مع البنية العميقة؛ بل عمدت إلى مغايرة جديدة تمثّلت بالمتكرّر النصيّ، والمتكرّر من جماليّاته تأكيد المعنى، ولكن حينما يصبح مناورة شعريّة في إنتاج معانٍ متعدّدة، هنا تُفعّل القصيدة سيرورة وعي القارئ النموذجيّ، وهذا ما بانت إشراقاته في العديد من النصوص، ففي قصيدة "لي أن أغيب" وردت مفردة "أشاء" في معانٍ مختلفة حقّقها السياق، فتارة تجسّد بالمشيئة وتارة بحروف من اسم الشاعرة وتارة أخرى بالغياب، أمّا في قصيدة "أيّها الشعر" تعدّدت معاني الشعر فتارة تشتكي الشاعرة للشعر بوصفها الصوت المركزيّ من الشرود والسهر وتارة أخرى تخاف على الشعر من البشر والشرر.

في حين شهدت بعض قصائد المجموعة تحوّلات شكليّة ما بين العمود والنثر في بنية جماليّة متآزرة محاولة كسر الرتابة الشكليّة مثلما نلحظ ذلك في قصيدة "شاعرة وليل" أو توظيف المحكيّ اليوميّ في بنية القصيدة في قصيدتي "قال شاعر" و"طاسة ماي".

شيماء العلي من الشاعرات المولعات بالتجريب، فاللغة في عرفها تهيم بمن يجلّي عن جسدها بصمات صاغة الشعر، لذا كانت الأشكال المتنوّعة والتحوّلات الصوريّة والإيجازات والمتكرّر النصّي والتناصّات مع التاريخ والموروث والنصّ القرآنيّ مآلاتها التجريبيّة من جهة وإجابات جماليّة عن التساؤلات التي وردت في نصوص المجموعة الموازية من جهة أخرى.

 

د.عمّار إبراهيم الياسريّ

 

 

كاظم نعمة اللاميالعدالة هي أن آكل رغيفي بهدوء، أن أذهب إلى السينما بهدوء، أن أغنى بهدوء، أن أقبل حبيبتي بهدوء وأموت بلا ضجة.

رياض الصالح الحسين

المسرح .. هو الفات نظر يمنح المرء من خلاله مساحات كبيرة للتعبير بصور بلاغية وإشكالية وطَرْق أبواب المآزق الثقافية والسياسية وتفجير جدلياتها. وكذلك من مخرجات تعريفه أنه إضاءات فكرية لمعتم الزوايا في حياة الإنسان والتصريح بآلامه وأناته الخافتة بانفتاح على المخفي، المعفو، والمسكوت عنه بتركیز المهمش، وتهمیش المركز، والانتقال من غطرسة المركز إلى اعتبار الهامش وفقا لقيم سيسيولوجية تثأر للإنسان وقضاياه المصيرية.

من هذه الجزئية بدأ د. محمد حسين حبيب ثورة الرفض، رفض الهامش للمركز، لذا امتشق الراديو سيفه التثويري التنويري الراديكالي وهو يقدم براديغما المخرج من خلال رسالة مصيرية غايتها "اجتثاث" كل هذا الاحتيال الذي أصبح السمة السائدة لزمن هش ، هذا "الاحتيال المتبادل" الذي تناوب في التعاطي معه، وبطرق متنوعة المواطن من جهة والسلطة من جهة أخرى كل على حدا، وأحيانا بمعية مشتركة. وجدنا هذا الاحتيال الطارئ مع أول إطلالة للإنسان المعذب (آلالي – باسي) وهو يسرد فوضى العالم وخرابه في بيئة ضيقة خانقة تزكم الأنوف، تمثلت بغرفة مؤجرة أوحت بهامشية الإنسان وضياعه بين فكي مصطلح مريض أسمه الوطن، وضبابية أن تكون له حقيقة راسخة في واقعنا، مُشَكِّلاً في جَوّانية وعينا العام وجودا مطاطيا (المواطنة) ليس هناك ما يدعم تحقق درجات إعلانه الدنيا على أرض الواقع.

تشكلت وانطلقت أحداث الراديو وبدفعة واحدة من الذروة التي وافقت زمن السرد المُعَرَّق وزمن العرض في آن واحد حيث داهمنا العرض بالمشكلة والعقدة التي تحتاج تفكيرنا ومشاركتنا لحلها مع أول بقعة ضوء مسحت على رأس الخشبة، حيث جَرَتْ وقائع هذه الأحداث المأساوية هنا وبين هذه الجدران الأربعة لمواطِنَيْن من الدرجة ما قبل الأخيرة اجتماعيا، وهما على شفا جرف هار من الموت جوعاً، أو تسكعاً في الشوارع المقفرة، فباسي (محمد حسين حبيب) مرت عليه سنة وهو يماطل في دفع إيجار غرفته البائسة، آوى صديقه آلالي (أحمد عباس) ليشاركه الاحتيال كونه حديث عهد به وهذه أول سُلَّمة له يرتقيها في عالم الخداع نزولا عند القول المأثور "حشر مع القوم عيد" وربما بتفكير ودهاء منقطع النظير من قبل باسي استقبل صديقة في غرفته البائسة برغبة اشتراكية في تقاسم الاحتيال إن وقع، وتقاسم عقوبته إن صدرت، ليس رأفة بآلالي ولا هي أكرومة تحلى بها، فلا مكان للنيات الحسنة في عالم تسوده الخديعة بل هي اسقاطات تعكس مدى احتراف وامتهان الاحتيال في هذه المدينة الموحشة حيث انعكست وحشتها لدينا وفينا من خلال الجو العام الغائم العائم الملبد بغيوم الأسئلة لجغرافيا العرض وتشكيلاته البصرية.

نطقت تلك الأحداث صراحة بأننا غرباء في وطن كبير يمتد وسط قارة يبدو هو مركزها لكننا نعيش بمركزية وسط اللاشيء، ولا نملك شبرا في كل ذلك الخرف .. حيث قدم لنا العرض مشاهدا مشاكسة لذاكرتنا الجمعية فضلا عن عديد سخريات اجتاحت ارواحنا واكتوينا بآلامها مع أول إطلالة لصوت المذيعة وهي تقدم نشرة الاخبار ((تم القاء القبض على أربعة فاسدين، الإفراج عن اثنين من السياسيين بعد براءتهم من التهم الموجهة إليهم، هجوم مسلح على عربة في طريق، تزايد ظاهرة المشاريع الوهمية، تشكيل لجنة تحقيقية رقم مليون)) لتختم تلك المذيعة أخبارها بالكشف عن طبيعة معاناة الشعب عموما متمثلة بباسي وضيفه آلالي بعد أن كشفت عن واقع أكابر القوم وساستهم "تدهور الحالة المعيشية، ازدياد حالة الفقر، زيادة أسعار المواد الغذائية" فكان لسان حالهم ترجمانا لكل هذا البوجع بعبارات صدرت من الصديقين في حواراتهما الجدلية التي عمقا الشعور بالوحشة والخسائر والهزائم المعنوية والمادية "من يستطيع العيش بمعدة فارغة" أو عبارة" السجن أرحم مما نحن فيه فهو يوفر ثلاث وجبات طعام مجانا". وما إن يطل علينا باسي وزميله بمفارقاتهم الساخرة نجد وبوضوح أن كل ما ذكرته المذيعة أحاط بهذين البطلين الهامشيين بحقيقةٍ أرْخَتْ سدولها على واقع الكثيرين من أبناء هذا الشعب الممزق باللعنات وعديد الويلات.

كم هو مؤلم أن تعيش حياتك في وطن بالإيجار، وطن هو في حقيقته ملك لغيرك، ليس لك الحق بالتصرف بأي من محتوياته، ولو انحصرت حريتك في تحريك حاجة مهملة فيه من هنا الى هناك فلا يسمح لك بذلك أيضاً، وهذا ما أكدته كلمة المخرج: "رسالتي هي بحثي عن وطني وأنا فيه" .. وكأنه يريد أن يقول :حينما تتحدث عن الوطن فسيتصدر حديثك : ذكر الحرية! ، وأنا مطارد من قبل المؤجر أي سخرية هذه؟ .. الحرية! وأنا جائع .. الحرية! وأنا بلا كرامة معرض لابتزاز رجل الأمن .. الحرية! وحياتي رهينة زجاجة خمر وورقة يانصيب .. الحرية! وأنا لا أملك قوت يومي .. في النهاية نكتشف أن لا حرية نملكها في ظل عالم محتال زائف .. وبانتفاء الحرية ينتفي وجود الوطن وتنتفي مع خرابه جدوى وجودنا.

السؤال المطروح على طاولة المناقشة : هل نجح حبيب وفي النهاية العرض المسرحي "الراديو" ؟ في محاولته باجتثاث أفتك الأمراض الاجتماعية وهو الاحتيال من سلوكيات شخصياته المسرحية على أقل تقدير وهل أثمر بحثه عن وطنه كَمُخْرِج أو كمواطن؟ أم رد خائبا أمام عديد الصدمات والمفاجآت؟ .. أجابت أحداث العرض بإيحاء رمزي : إن البحث عن الوطن في ظل كل هذا الضباب هو بحث مضني، سيزيفي بلا طائل ودون جدوى، فالفقر والعوز والتهميش والظلم والمحسوبية وتسفيه الشهادة العلمية والتعرض للاحتيال في الوطن غربة نعم غربة وبأصدق تعابيرها. وفي نهاية المطاف نَكْتَشِفُ أنّ الوطن كلمة انتهجتها زمر المحتالين للعزف على وتر معين للتغرير بجموع الشبيبة لتمرير إيديولوجيات ديماغوجية غايتها السلطة والانتفاخ الفوقي. وهذا ما أكده المُؤَجِّر الفنان المبدع " مهند بربن" وهو يعتلي اللاقطة المرسلة لأصوات المسحوقين بقوله "ما عاد المواطن مواطناً ".

"السحر في (الواقعية السحرية) له جذور عميقة في الواقع"

"سلمان رشدي"2899 كاظم نعمة اللامي

تحدث د. محمد حسين حبيب وبصوت عالٍ حسبما استقيناه من براديغما العرض وخطابه المسرحي، ووفقا لمرجعيات المخرج المعرفية والثقافية والسيسيولوجية وجدنا : أن المسرح المُتَشَكِّل صورا ناطقة أكثر قوة ونفوذ من الإبداع الكتابي في واقع يهيمن فيه الجهل والتخلف والأمية المانعة لأهم صفة ثقافية وحضارية يمكن للإنسان أن يتحلى بها وهي "القراءة" لذلك عمد حبيب ومن منطلقات جمالية الى المسرح الى نص "الراديو" لــ (كين سارو ويوا) بفك شفراته السيميائية الثورية وتوأمة واقعين أحدهما أفريقي مُتَخَيَّل والآخر شرق أوسطي عربي معاش، ناهجا الواقعية السحرية، مازجا الواقع ببعض الكوميك الصادم الأسود المستفز ،، فالجوع والفقر والظلم واللاوطن إفرازات واقعية حادثة ومتواصلة في امتلاك حيثيات حياتنا بتجارب مؤلمة طَعّمها حبيب بالمغاير الفانطازي الملائم والمواكب كسلسلة الأحلام التي مارسها العجوزان بإيحاءات عالية المضامين أطرتها جماليات سردية ناهضة حرضت المتفرج على تسليم دفة قياده طواعية للعرض مما أعطى فرصة سانحة لحبيب بتمرير قناعاته باعلان الرفض جماليا لزحزحة القبح بعيدا ولو بأضعف الايمان. فالمسرح لدى حبيب اكثر التصاقا باليومي المتحرك الذي هو أحد سراة أزقته الضيقة وحواريه المستلبة الهوية وابنه الشرعي، فقد اكتوى بلعنة الحرب والجوع وتغيير الأنظمة وفسادها .. هو ابن هذا اليومي الملتصق بالهمّ الإبداعي الذي بات يحلّق بقوة في الفضاء المسرحي العراقي.

حيث يرى حبيب نفسه في لجّة هذا المسرح حيزا بنيويا للمقاومة الناعمة المهذبة بأبعادها الثورية المناهضة للقبح بأدوات جمالية وفكرية غاية في الأناقة وهذا ما أراد قوله بسؤاله الملغز في كلمته "ما ردة فعل أحدنا، إذا ما اكتشف فجأة أن كل ما حوله مزور، ومركز على الحيلة والكذب"؟ .. ردة الفعل هي المسرح، ردة الفعل هي البوح الشجاع، ردة الفعل هي الثورة بالتأكيد. وبما أننا ننطلق من قيم انسانية وجمالية فتحتم أن تكون هذه الثورة وفقا لنظرية ثورية سلمية بالضد من "الفوكوية" و "الغيافرية" التي اعتمدت المقاومة العنيفة والتي خلفت القتل والموت وعديد الخسائر في كثير من التجارب العالمية المناهضة للواقع المنحرف، وهي ردات فعل مقاربة لمتلازمة طبية مفادها إفراز السيتوكينات ذات الطابع الكارثي و المهيمنة على المناعة ونتيجتها الغير متوقعة هي الخروج عن السيطرة وإلحاق الضرر بالجسم بدلا من مساعدته. وهذا ما يخاف منه الدكتور محمد حسين حبيب ويحذره لذا لجأ الى لغة مشتركة أنيقة رائدها الصورة كأنه يرمي لبراديغما اجتثاثية لكنها مسالمة، يؤمن بها سلوكا تحرريا تزيح العنف الذي نعيشه ونعاصره في طرح الأفكار المناهضة للحكومة والمتمثلة بالضد من سلوك الجماعات التخريبية وما رافقها من جنون الوقحين في تراكم صور الخراب، مع فلسفة انتهجها حبيب أرَّخَتْ لقيمة المسرح الجمالية في مواجهة انحطاط المجتمع وحكوماته الغير عادلة، حيث يجد حبيب نفسه بمقاربة ظرفية ما بينه كدكتور جامعي ميسور الحال مع الكاتب الأفريقي "كين" الذي هو الآخر أحد الميسورين بما يملكه من مقومات الغنى لكونه منتجا سينمائيا درّت عليه أعماله الفنية الكثير من الإيجابيات التي أوصلته لامتلاك عقارات في لندن وغيرها لكنهما لم يقفا متخمين بهذا اليسر المادي والمعنوي بل شعرا بمظلومية هذا الإنسان الذي ينتميان اليه وشمرا عن أرواحهما لقول الحقيقة بما يجيدانه من مظاهر الثورة والرفض الفنية والادبية.

والغاية من كل هذا الحراك الثوري الناعم الذي تبناه العرض في معالجته لليومي المعاش هو تحقيق "العدالة" وهي كسلوك ونتائج تندرج إجرائيا ضمن خانة الجمال. فكان لزاما على من يؤمن بالجمال أن يعلن احتجاجه ورفضه بأداة مهذبة قيمية برموز تحيلنا على الثقافة والمتعة والرقي وصورة ذلك وجدت في الراديو وهو يحتضن أصوات الممثلين وشكواهم وفلسفتهم وموقفهم تجاه ما كان وما يكون. فلجأ هنا لأداة ناعمة محترمة ناهض بها أدوات الخراب وكأنه يقول : من رماني بخراب متراكم يزكم الأنوف طيلة عقود سأرميه بوردة تتضوع عطرا وعلما وإنسانية وهي "الراديو" والحسنات يذهبن السيئات، والعملية الإصلاحية كما هو معروف تدافعية الجيد يطرد الرديء.

لذلك يعتبر د. محمد حسين حبيب أحد آباء هذه الواقعية السحرية الثورية، وفي مجمل أعماله التي تسودها مناخات السحر والخوف والهذيان المغاير المحرك للمياه الراكدة كان يقترب من ضفاف السوريالية ويقارب جنبات الفانتازيا في إلمام بانورامي بالحياة اليومية العراقية من خلال سرد صوري مكثف وخصب . لذلك استحق الراديو كبقية أعمال المخرج د. محمد حسين حبيب أن يكون عرضا مشاكسا للذاكرة على الدوام وحاضرا كمادة دسمة للحديث عن القيمة الفعلية للمسرح المشاكس وكما قال الشاعر هوراس متحدثا عن نتاجه الشعري الخالد "قصائدي أطول عمرا من البرونز".

في النهاية خرج الجميع بزبدة العرض ومخرجاته الكلية الجمالية والمعرفية الثورية (لا نريد شيئا سوى أن تستمعوا لنا) هذا ما أعلنه الجميع من خلال الراديو لعل وعسى أن تكون آذان الآخر قد أرهفت سمعها صدفة بمعية قلبه فتكون الاستجابة واعلان خاتمة الضنك الذي لازمنا كظلنا منذ عقود.

ملاحظة يجب الانتباه لها .. إن شكوى البطلين ورفضهما وإن لم يصلا إلى الآخر المعني صراحة في بنية العرض حيث لم يكن هناك من تفاعل معهما بأي فعل سلبي أو إيجابي كحدث واضح بتغيير مجسد على الخشبة يمثل الطرف الآخر "السلطة" وإن وجدناه على استحياء في رجل الأمن إلا أنّه لم يكشف صراحة أن هناك من يستمع، من يتابع نزيف أرواحنا وكأن الأمر لا يعنيه وكذلك ربما بسبب أن أصوات "باسي" و "آلالي" قد بحت لكثرة ما رددوا وملؤوا صفحات الوجود باحتجاجهم فلم تعد قادرة على الوصول لآذان الآخرين التي كانت أذن من طين وأذن من عجين، وخاصة أن المخرج اختار الكبيرين ابداعا العجوزين عمرا د.محمد حسين حبيب و الأستاذ أحمد عباس لتجسيد شخصيتي "الالي – باسي" مما يعني أن المعاناة موغلة بالقدم لتقدم عمرهما فأصبحا يمثلان الماضي والحاضر وحتى المستقبل، ربما تجد مصاديقهما ماثلة في الذاكرة الجمعية للإنسان منذ قتل هابيل على يد قابيل مرورا بالسبي البابلي لتصل عند جدليات المَلَكية والإطاحة بها قاسميا تعريجا على مخاتلات البعث حتى يومنا هذا والذي جمع كل صور الخراب فيما مضى لتكتمل صورته عند محطة الأوطان الهشة في زمننا الحالي والتي أراد حبيب بجمالياته المتعددة أن ينتقدها ويعريها ويعيد وجودها للذاكرة الجمعية التي تم تخديرها بالتكنلوجيا وسلبياتها. وما وجود الراديو كتكنلوجيا قديمة إلا لإعلان حبيب رفضه هذا التقنين التكنلوجي الذي خدر وعينا مساقا كوعي منتشٍ فاقدٍ للأهلية. لكن المؤسف أن هذه الأصوات بلا صدى، ضعيفة الحجة، أو إن هناك ما يمنعها من الوصول بدقة عند أسماع الآخر نتيجة اختلاط الأصوات الذي افتتح به العرض أو لأنها أصوات متناقضة لا تدعم بعضها ، لكنها على المستوى الضيق، على مستوى الفضاء الحاضن للشخصيتين(الالي – باسي) وجدت أصواتهم خرما ينفذون منه لبعضهم البعض وهنا يطل المؤشر الخطير بمحدودية تأثير كل هذه الأصوات المتداخلة والتي لم تجد سوى "الالي" أن يعي نفسه ويعي ما حوله ويقرر الرحيل من هذه المدينة المتهالكة خوفا على هويته من الضياع وسط كل هذا الاحتيال الداعي للخراب اشارة لعديد شبابنا الذي قال كلمته بالهجرة في عام 2015 هربا من هذا الجحيم . بالمقابل وجد باسي نفسه أمام تحد مناهض لآلالي نتيجة الانغماس حتى الهامة في مستنقع الاحتيال ولسيادة الغش والخداع والمحسوبية تحتم عليه أن يستخدم نفس الميكانزمات السائدة التي يستخدمها الآخرون ويحتال على واقعه ومن يتشكل وجوده بين أركانه، لينفذ من سجن هذا الواقع بمد أنفه من بين زحام الخراب لالتقاط ذرات من الأوكسجين يمد بها حياته باعثا برسالته الكبرى "إن لم تكن ذئبا أكلتك الذئاب". لكنه أعني "باسي" وكنتيجة استقاها المتلقي من العرض لم يستطع مقاومة الهيمنة والقهر الثقافي السلطوي نتيجة الابتذال الاجتماعي والسياسي في تشويه المفاهيم والقيم المفروضة فحدثت حالة استلاب ثقافي لديه أجهضت وعيه الرافض وإعلان خضوعه التام لمعايير الآخر الذي استلب منه إيمانه بنفسه لينتهي بقوله "يجب أن اُعيد نظام حياتي" وفقا للسائد المتعولم ليتحول الإحساس لديه بالضآلة الى مرض نفسي اجتماعي مولداً لديه ولديهم الشعور بالاغتراب وازدواجية القيم رغم أنه حاول وهو يجوب حاملات اللاقطات "المايكات" لقول شيء ما لكنه عجز في النهاية وأعلن عن تقوقعه واستسلامه لعظم ما يرزح تحته الإنسان من خراب.

ولأنه لم يستطع التخلص من كل ذلك حاول مداراة وتبرير خضوعه وانهياره بالتشكيك في جدوى مغادرة آلالي المدينة وركل ماضيها باتجاه الحرية وهو يصف فعله هذا بأن لا فائدة من الطريق الذي اخترته ما دامت الأقدام مدججة بالسلاسل .. خرجت يا آلالي منتفضا رافضا المدينة سالكا طريقا آخر لكنك عدت لنفس الحيز المغلق في الغرفة العليا التي احتوت عامل الصوت والمراقب لتفاصيل الراديو "ننفق الساعات باختيار الحذاء ونغفل عن اختيار الطريق المناسب" لذلك نسقط سريعا في هوة لا تردم .. تخلص يا آلالي من قيودك التي اختزلتها بالطعام والأكل والشرب وانطلق حرا في الطريق الذي ستكون سالكة لو أنك غادرت المكان والخشبة والفضاء كليا لصَدُقَتْ دعواك المناهضة والرافضة للمدينة واحتيالها.

وهذا تفسير عدم انفصام آلالي كليا عن الاحتيال والخراب وذهابه عند موقع عامل الصوت المتحكم باصوات الشعب التي كان يصدح بها باسي والالي وغيرهما . "تذكر يا صديقي كل المدن فاسدة ولكنها ليست فاسدة بقدر هذه المدينة" وهو اعتراف منه بأن حكاية الاحتيال وخرابه لم تنته عند عتبة الرفض في مغادرة المكان فكل ما احتضن هذا الكائن الذي اسمه إنسان لابد من وجود الفساد فيه مشيرا ومنوها عن العولمة بهذا الخصوص التي سيطرت على كل واقعنا الهش واستسلامنا لها بما يريده الآخر لنا وبما يشي بهوية رائدة لكل سلبيات العالم وكأنه يريد القول ببساطة : عندما تكون هامشيا بإرادتك كما يجري الآن لجموع الساذجين المسيرين من قبل دعاة طلينة وحمرنة الإنسان بتطور آخر وباتصال مع ما مضى بعسكرة الشعب، فأنت بالـتأكيد ستجد العولمة التي تحدثنا عنها بما يوافق قول آلالي "تذكر يا صديقي أن كل المدن فاسدة ولكن فسادها ليس بقدر فساد هذه المدينة" وهي ليست قسمة ظيزى بل هي واقع حتمي "كيفما تكونوا يولى عليكم".

استطاع وبنجاح واضح الدكتور حبيب بترويض الفضاء المسرحي وحيزه المحدود واقناع المشاهد بأن الأحداث التي تشاهدها هي واقع لغرفة موصدة تتحدث بلغة الوجع بحصر زواياها بما أُثِّثَ من ديكور بائس شكلا، مهيمن جمالي معنى، أكد ضغط الجدران واعلانها سجنا لكل تطلعات البطلين بحياة تسودها العدالة والجمال .. فضلا عن هذا السياق الجمالي أدهشنا حبيب بوظائف هذا الديكور واكسسواراته التي عمقت الرؤية وابتعدت بنا عن سطحية المعنى التي لازمت الكثير من العروض في واقعنا المسرحي الحالي وهي تتقاطع مع جدوى (البروكسيمياء) وتلاشي الهارمونية بين البيئة والممثل والديكور وجغرافيا المسرح والعكس من ذلك تضمنت بيئة الراديو ثمة حوار بين الإنسان وما يحيطه من فضاء، فضاء الغرفة المغلق الذي أدلج وجود هذا الإنسان المهمش فجعله منغلقا عن نفسه ومتطلباتها ومنغلقا عليها بمحدوديتها التي جعلته بلا حلول لذا لم نرى رغبة لديه بالتحرر خارج أسوار هذا السجن المؤجر .. إنّها عقيدة المتلاشي التي كشفت عنها بيئة العرض وفضاءه بمعية الديكور وفعالية الممثل معها. "اخبرني اين تعيش اقول لك من تكون".

يجب أن لا نغفل عن قيمة الممثلين الكبيرة عموما والقدرة الهائلة التي تمتع بها حبيب خصوصا وهو يتألق ممثلا على وجه الاستقلال عن شخصية المخرج حيث وجدنا شخصيتين مختلفتين شكلا ومعنى (المخرج – الممثل) لا تداخل بينهما سوى تأكيد وتأصيل الجمال كما استطاع برفقة الفنان الممثل الخطير احمد عباس صاحب الإرث المسرحي الكبير في موائمة فونيمية متناغمة وخاصة في الاستلام والتسليم مع اقناع كبير بالاداء حركة (الكينزياء) والقاء وتعابير وجه بأنهما ثورة مبكرة لا تأجيل في ساعة صفرها استطاعا بدهشتنا وتوثيق المفارقة ساعة أن أعلنا ثورتهما بالانفصال الفكري فيما بينهما في خاتمة المسرحية. كما أدهشني فعلهما الدرامي الساخر وهما يتنقلان بأحلامهما وشطحاتهما على مستوى التقمص لمختلف الحالات التي هي المؤشر الحقيقي على علو كعبهما في ريادة الشخصية المركبة بمصاهرة جمالية مع السينوغرافيا في إيقاظ المزاج لدينا بتعاضد مع الميزانسين في التركيب البصري والسمعي الذي أكد درامية الشخصيات جميعها وفق نظام محكم من خلال مجموع العلامات والدلالات التي انتجها العرض المسرحي عموما. وهنا لابد للمسرحي من ميكانزمات تقوده للإبداع يتشكل على أساسها فعله الدرامي كما هو حاصل في عرض الراديو ومن هذه الميكانزمات "التضمين" وذلك بإدخال بعض العناصر الفاعلة وإتيانها تحت عنوان رائج اسمه الثقافة السائدة وهذا ما درج عليه العرض من خلال الممثلين بخلق كيمياء حثية ما بينهم والمتفرج وخاصة الحركة ومرونة الاداء بتشكيلات مغايرة للرتابة وعدم الاستسلام للعمر.

تقول سوزي سوتون "تستطيع الإيماءات كدلالات (صوت وحركة) أن تلمح أو تضمن، تقترح أو تؤكد تقلل أو تبالغ" لذلك وجدنا من خلال الممثلين جميعهم (البطل، ومساعديه) قد عكسوا بتعاضد مع فكر المخرج صورا إيجابية من ناحية الحركة والتعابير وطريقة الإلقاء (لازمات صوتية وجسدية) التي لم تأت عفوية بل قصدية درامية جمالية تحيل المتلقي على صور وحقب طالما رسختا في الذاكرة كردة فعل لما يحدث في يومنا الناهض مما دعا المتفرج أن يصرخ بأعلى صوته هذا يقول أنا باسي وذاك يقول أنا آلالي وذاك يقول أنا المهرج وذاك يقول أنا المؤجر حتى إن أحدهم علا صوته فوق صوت الجميع وهو يقول أنا رجل الأمن .. من هنا يتأكد النجاح حينما تخلق كيمياء بدلالات تواصلية مع المتفرج للاستحواذ عليه وتمرير ما تشاء من خلاله بطريقة الضخ المتوازن لمادة الاستيروجين .

أجاد الممثلون ( د. محمد حسين حبيب .. أحمد عباس .. مهند بربن .. علي عدنان التويجري .. حسنين الملا .. علي العميدي) أدوارهم باحترافية معتادة سار عليها فنانو بابل كما عهدناهم في أعمال سابقة وهذا ليس بجديد وقد نجح حبيب في تذويب طاقاتهم جميعا في بوتقة جمالية ساحرة اسفرت عن عرض سيبقى مشاكسا ذاكرتنا الجمعية.

أما على صعيد التنفيذ التقني للإضاءة والصوت فقد وُفِّقَ كل من (علي عادل) و(علي المطيري) رغم محدودية فضاء ابداعهم نتيجة لتواضع التقنيات الآلية في المسرح وهذه جزئية مهمة تعاني منها مسارح المحافظات التي لم يألوها المسؤولون اهتماما يذكر وهو دليل على تقاطع افكار المسؤول في يومنا المعاش مع ما يطرحه الفنان من ثمار جمالية مما يعطينا صورة حقيقية لواقع الوطن بعمومياته الانفلاتية المتسخة والملوثة بالقبح.

في النهاية ولأن المسرح هو الأكثر التصاقا باليومي المعاش كهمٍ ابداعي وقلق فردي تميز الراديو بأنه عرض مفتوح النوافذ والأبواب لتأويلات عدة وقابل لقراءات واحتمالات وتوقعات مختلفة لذا استطاع د. محمد حسين حبيب فك الحصار المفروض على مخرجنا العراقي بانتقاله من مركزیة التقلید إلى حداثة التجريب بعديد مرسلاته الفلسفية وهو يصرخ فينا ما دور المثقف في المجتمع وإن لم يصرح بذلك من خلال باسي وآلالي وإدمانهما النوم كسلا وهروبا معولا على ثقافة مزعومة مفترضة. وكأنه يحرض ما تبقى فينا من قيم وجماليات في تحمل مسؤولياتنا متخذا مبدأ "العلامة المسرحية علامة اقتصادية" والخط المستقيم اقصر الطرق بين نقطتين مبتعدا عن التعمية والغموض التي ألقت بظلالها على عروض الحداثة وما بعدها لنكتشف في النهاية أن الراديو صفعات ثقيلة الوطء توقظ ما فَضُلَ في كاس كرامتنا من ثقافة وحياة.

"هذا العالم كوميديا للذين يفكرون ومأساة للذين يشعرون" (هوراس).

 

بقلم: كاظم نعمة اللامي

 

جبار ماجد البهادليوَالمُستَويَاتُ الجَماليَّةُ لشِعريَّةِ التَّناصِّ فِي غَزَلِيَّاتِ يَحيَى السَّماوِي الجَمَالِيَّةِ

3 ـ المَعشُوقَةُ الحِسيَّةُ المِثاليَّةُ (العَفِيفَةُ)

إنّ الهدف الرئيس أو الغاية الأساسية التي يبتغيها الشاعر من فنِّ انزياحاته العشقيه الزمنية في تقنية الآيروتيك الشعري، هي الكشف عن التنوّع الثقافي للنصّ الشعري فوق منطقة المحظور الثقافي الذي هو بالطبع نصٌّ له حضوره الأدبي وقيمته الأدبية المائزة قبل أنْ يكون نصَّاً إبداعياً ذا قيمة جمالية فنيَّ؛ وذلك من خلال أنساق سياقاته النصيِّة التي ينتجها ثقافياً لأول وهلةٍ عبر بناءاته التجددية التي يزخر بها ثالوث العشقية الحسية (أنا) و (أنتِ)، وجدليةُ (الآخرِ). والتي توحي دلالاتها السياقيَّة العميقة بموقفٍ فكريِ آيديولوجيِ إنساني منتظرٍ يتبنَّاه الشاعر، وأنَّ اختراقه بهذه المنظومة الشعرية الواثبة الخطى، يُعدُّ عملاً شعرياً جادَّاً ولافتاً. ولا يمكن أنْ يقوم به بهذه الجرأة، وهذا التجرّد الحسِّي، وهذه الصراحة، إلّا شاعرٌ مثقّفٌ واعٍ له أدواته الفكرية والثقافية التي تؤهِّله لعملية الإنتاج الإبداعي. والَّتي تعتمد أساساً على جملة شرائط من المثيرات الحسيَّة، كتوافر المثير، والإحساس به، ومعرفته وإدراكه، والاستدلال الحسِّي عليه، وحصول الاستجابة المثلى من المتلقِّي (24). إذن بحسب بافلوف كلُّ مُثيرٍ استجابةٌ وكلُّ استجابةٍ تطبيقٌ.

فها هو يحيى السَّماوي يحيل المثير العشقي الحسِّي إلى مثير فنِّي صوري تجريدي في هذه اللّوحة التشكيلة الاقتصادية المكثّفة بلغتها الانزياحية ودلالاتها التكثيفية العميقة،وصورها المرئية الحركية الجمالية الفاعلة والمنتمية إلى الطبيعة في صور فعلها اللُّغوي الجمالي بوجه عامٍ والحياتي الإنساني بوجه خاصٍ:

لِحَبيبَةٍ زَانَتْ بِتِبرِ عَفافِهَا

جِيدَ الهُيامْ (25)

في هذه الصورة الشعرية التي تتجلَّى فيها هندسة الشاعر الجمالية، وبراعته المعمارية الإبداعية التي اعتمد فيها على ثنائية المقابلة في التعبير الضدي لصورة الحبيبة المعشوقة الفنيّة التي رسمها لمشاكلة انزياحية فنيِّة بين مثير شكلي لُغوي محسوس هو (التِبرُ)، والذي أضاف دلالته لمثيرٍ دلاليٍ معنويٍ لَمْسِيٍ آخر وهو (العَفَافُ) الذي ساواه في تعبيره بقيمة الذهب الجمالية والمالية. ثُمَّ حرَّك صورة الحبيبة الحركية المرئية، فجعلها هي من تُزَيِّنُ الهُيَامَ بِتِبرِ عفافها، وليست هي من تَتَزينُ بِهُيامِ تِبرِ العفاف، وهنا تكمن المفارقة الإبداعية في جماليات التعبير الصوري، فالمرأة هي التي تُضفي على الجمال جمالاً آخر يُزينهُ.

4 - المَعشُوقَةُ الحِسيَّةُ ذَاتَ الطّابعِ (الآيروتيكِي الرُّوحِي)

وفي قصيدته الافتراضية (قُطُوفٌ لَيسَتْ دَانِيَةً) ذات الطابع القصصي التشعيري السردي الجمالي تتَّحد العلاقة الحميمة بين الشاعر ومعشوقته المرأة اتّحاداً حسيَّاً آيروتيكياً ساخناً تصل نشوته الروحية إلى حدِّ اللَّذة الجسديَّة والإمتاع النفسي في الاغتراف من هذا النهر الأنثوي الذي لا يجفُّ معينه الإمتاعي الحسِّي الجسدي المُتجدِّد. ويبدو أنَّ علاقة التَّناصِّ في هذا العنوان المثير مع السياق الدلالي للجملة القرآنية ( (قُطُوفُهَا دَاِنيَةٌ))، الذي حوَّر فيه الشاعر سياقها الأصلي بما يسند رؤيته الشعرية، فأفرغ حمولتها الدلالية الأصلية (قُطُوفُهَا دَانيَةٌ) وشحنها بحمولةٍ صوريةٍ جديدةٍ بما يخدم المحتوى الدلالي لقصيدته من خلال بنية الفعل الناقص (ليستَ) من الإيجاب الدلالي إلى السلب الدلالي الفكري. ويستمرُّ بتجسيد حسيَّة هذه العلاقة الإنسانية، ليوصلها إلى محطَّة الإرساء النهائي التي تليق بها في شعرية فلسفة علم الجمال.

ومن الطبيعي أنَّ شاعراً مثل السَّماوي يسلك طريقاً مثل هذا الطريق اللَّافت، لا بدَّ أنْ يتولَّهَ بالعشق الجسدي الجمالي جسراً رابطاً بين العَلاقة الحسيَّة المُجَرَّدَةِ، والعَلاقة الرُّوحية المُتَجَرِّدَةِ، لإنتاج جدلية نورانية من التآخي والتواحد العشقي العرفاني، ذي الروح الصوفية المتسامية ليس بمعناها التألهي الديني الصرف المعروف، وإنَّما بمعناها الجمالي الروحي. ويتحوّل السَّماوي بنصوصه الصورية الحسيَّة شكلاً والرُّوحية مضموناً قريباً من شاطئ فلسفة الحلَّاج، وابن عربي الصوفية في مناطق الشعرية العراقية والعربية التي سعى إلى تأسيسها ثقافياً بهذا التشكُّل (الآيروتيكي) التقديسي الجديد لا بغواية (الستربتيز) الإباحي المُدَنِّس لصورة المرأة الجنسية. وسنلحظ في مقاطع هذه القصيدة إيثاراً جمالياً، كيف تعطي شخصية الشاعر المتسامية الشيء الكثير وترضى بالنزر القليل من العطاء الروحي السامي الذي وصفه لحظة الشبق الكيوبيدي الآيروسي المحتدم غوايةً وغلياناً وتَّشهيَّاً، بالفتى الملاك، بماتجود به شعريته:

وَأَطبَقَتِ الضُّلوُعُ عَلَى الضُّلُوعِ

فَفَرَّ ثَغرِي نَحوَ ثَغرِكِ

حَاطِبَاًّ قُبَلَاً

وَفرَّتْ مُقلَتَاكْ

*

وَانْزَاحَ عَن سَاقَيكِ ثُوبُكِ

فاسَتفزتّْ بِيْ مُجُونَاً رُكبَتَاكْ

*

أوشَكتُ أنْ ...

فَإذَا بِشَيطَانِي يَعُودُ فَتَىً

مَلَاكْ (26)

وعلى الرغم من سيطرة الانتشاء الرُّوحي والشعور بلذة الإحساس والمُتْعَة التي يستشعرها نفسياً، فإنَّ الشاعر بهذه الفراغات (البياضية) الدالة على إتمام تقنية الحذف المثيرة، والمسكوت عنها قصديَّاً؛ كونه يمثلُ صمتاً صوتياً صائتاً فاعلاً غير خفيٍ مُضمِرٍ، ولكنْ لكلِّ صمتٍ أو بياضٍ له موجباته وسلبياته. "وهكذا فإذا كان البياض صمتاً، فإنَّ هذا الصمت ليس محايداً، ولا يدُّل على مطلقيّته، إنَّه صمت وارد في سياق شعري، سواء أكان هذا البياض مؤكَّداً، أم مفروضاً من خلال تموقع النصِّ في الصفحة" (27).

ومع كلِّ هذا التشاكل والتباين الصمتي، كان السَّماوي مُدرِكاً وواعياً تماماً لوحدتي الحضور (الزمكاني) الذي يمرُّ به في توحّده العشقي مع الحبيبة. حتَّى تخال كأنه يريد أن يُخبِرَ متلقِّيه بأنَّ شعوره الحسّي قد تغلَّب على لحظات الشعور الإيماني اليقيني الديني؛ بسبب سحر وتأثير وهيمنة هذه الغواية الافتتانيّة المُحتدمة، فوظَّف مُجسِّداً تصوير هذه المشاهد المكتظَّة بالطاقة الشعورية الجنسية، سائلاً ومتسائلاً بعد أنْ تَمَلِّكتَهُ موجات من سُورَةِ الغياب العقلي التي أمضاها منتشياً سكراناً بحقل الأنوثة والندى إلَّا أنَّه أفاق بغتةً من غيبته، فعاد إلى صحوته الإنسانية التي تعيد لهذه المرأة مكانتها الجمالية الحقيقية في الواقع الحياتي المجتمعي المكاني لوجودها عنصراً أنثوياً باعثاً على الجمال في الحياة.

وقد جمع شعرُ السَّماوي في هذه المقطوعة (الآيروتيكية) بين حسيَّة الغواية وروحيَّة الهداية، وبين صورتي الحضور الجسدي والغياب العقلي (اللاوعي)، وسنرى مثل هذا التشكيل الذي اعتمد فيه كثيراً على أنساق نصوص الرموز الدينية كـ (أَذانِ صلاةِ الفجرِ)، ورموز الطبيعة الكونيَّة كأشجار الجنَّة المقدَّسةـ (التَّينُ والتُّفاحُ)، وزهور الطبيعة كـ (زهوِر اللُّوز والفُلِّ والريحانِ)، فضلاًعن غيرها الحقل والوادي:

حَتَّى إِذَا نَادَى الأذَانُ

إِلَى صَلَاةَ الفَجرِ

أغوَانِي نُعاسُكِ بِاِقتِطَافِ

التِّينِ والتُّفَّاحِ

مِن حَقلِ الأُنُوثةِ

وارتِشَافِ نَدى زُهُورِ اللُّوزِ

خَالطَهُ شَذَاكْ

*

فَدَخَلتُ وَادِيكِ البَعِيدِ

وَهَا أنَا ثَمِلُ

فَمَا أَدْرِي

أأسْكَرَنِي رَحِيقُ الفُلِّ وَالرَّيحِانِ

فِي حَقلِ الأُنُوثَةِ ؟

أمْ نَدَاكْ (28)

في تراتيل هذه الترنيمة الصباحية لأذانِ الفجر كأنَّ السَّماوي في محاولاته الآيروتيكيَّة المنتمية لجمال الطبيعة يقترب بلغته فكريَّاً وروحيَّاً وثقافيَّاً في رؤيته الفلسفية والعشقية من فلسفة الصوفي الثائر الحُسين بن منصور الحلَّاج، والشيخ الأكبر مُحيي الدين بن عربي في تضمين قصائدهما الشعرية وتشفيرها بالرموز التي تدلُّ على صفة المعشوق المطلق المتجسِّد في كل شيء، والتي تحمل في طياتها خطاباً شعرياً عشقياً صوفياً ذا أفكارٍ ورؤىً وجوديةٍ عميقةٍ تتخطّى حدود المعجمية الحرفية، والقياسيّة التداولية المألوفة بنهجها ودلالاتها، فيُحوِّل فيه الشاعر الجسد إلى رمزٍ يفيض جماليةً؛ لإضفاء معنى آيروتيكي جديد يأخذ فيه الكثير من الخصائص الأسلوبيَّة والفنيَّة والوجدانيَّة من فلسفة الصوفيَّة. ولنتأمل دلالات رؤيته في تركيباته اللُّغوية المُتفرِّقة في قصيدته (قِدِّيْسَةُ الشَّفتينِ) ذات البناء التركيبي العشقي الصوفي:

فَأنَا بِهَا

المُتَهَجِّدُ .. الضِّلِّيلُ ..

والحُرُّ المُكَبَّلُ بِالهَوَى القِدِّيسِ.. وَالعَبدُ الطَلِيقْ

*

وَأنَا اللَّهِيبُ البَارِدُ النِيرَانِ ..

وَالمَاءُ الَّذِي أَموَاجُهُ

تَغوِي بَسَاتِينَ اللَّذَائِذِ بِالخَرِيفِ

فأنِجدِي حَلَّاجَكِ المَحكُومَ بِالصُّلبِ المُؤَجَّلِ ..

أَنجِدِيهِ عَسَى يَنشَّ السَّعفُ عَنْ صَحنِ الفُّرَاتِ الجُوعَ..

وَالقِندِيلُ فِي دَيجُورِ دِجلَة يَستَفِيقْ (29)

وهذا التماهي العشقي الإنساني الصوفي التضادي يدلِّل على أنَّ الشاعر يحمل وعاء الشعر الروحي، ويمتلئ بفيوض عرفانيته المقدّسة الَّتي ترفع من مكان المحبوب، وأنَّ كلَّ ما يعشقه السَّماوي زماناً ومكاناً، وأرضاً ومدناً ونخلاً ومحبوبةً يتجسَّد حسيَّاً جميعه في ثنائية (المرأة والوطن) الَّتي تَتَبَأْوَرُ وتتصاهر وتتَّحد فيه كل موجودات الشّاعر الَّتي استوطنت منازلها الأولى في علائق روحه، لتلك الثنائية الجدلية المقدَّسة. حتَّى إنَ عشقه للوطن لم يتغير في منفاهِ وَبُعْدِهِ (الزمكاني) وغربته، بل أصبح حُلُمَاً. فَيؤكِّد تلك العلاقة العشقية للوطن في قوله: "إنني خلال وجودي في العراق كنت أحلم بالمنفى، وحين وصلت المنفى بقيت لا أحلم إلَّا بالعراق، فهو وطني ومنفاي في ذات الوقت" (30)،واليوم يحلمُ بأن تكون إغفاءته الأخيرة به. وصار بهذا المنظور رائياً آيروتيكياً ولاقطاً صورياً مهمَّاً،ودليلاً لعين القارئ الثالثة وعقله وعاطفته الذاتية.

فالسَّماوي على الرَّغم من تعشقاته الغزلية المُفرحة بذائقتها الدلالية الجميلة للمتلقِّي، فإنَّ مِسَاحة الألم وظاهرة الحزن الداخلي الشعوري المضمر، بقيت ترافقه في جميع أعماله الشعرية. ويعلِّلُ تلك الظاهرة ظاهرة الحزن اللَّافت البائن على ضفاف الشعرية المغتربة الدكتور عز الدين إسماعيل عند أغلب الشعراء المعاصرين بقوله: "استفاضت نغمة الحزن حتّى صارت ظاهرةً تلفت النظر، بل يمكن أنْ يُقال إنَّ الحزن قد صار محوراً أساسَّياً في معظم ما يكتب الشعراء المعاصرون من قصائد" (31)،فصار مَصدراً لإبداع؟.2893 البهادلي

5- المَعشُوقَةُ الحِسيّةُ ذَاتَ الطّابعِ (الرَّمزي الأُسطُورِي)

لم تكن المرأة في خطاب السَّماوي الشِّعري ومرجعياته الثقافية المعلنة أو الخفية مرجعاً نسقيَّاً مهمَّاً للحسيّة اللَّمسيَّة في التمتِّع بأعضائها الجسديَّة، أو نسقاً فريداً للغواية الشيطانية الجنسية التي تتغياها معجميةُ الكثيرِ من شعراء الإباحية الذاتية المستهلكة في مقصدياتها القريبة والبعيدة، وإنَّما هي أُنموذج نوعي ليس له شكل حسِّي ثابت، وهي أيضاً ظاهرة أدبية (حسيِّة روحيِّة) لافتة في منظورها الثقافي والاجتماعي، ونسق جمالي فنِّي عميق من إضاءات أسلوب خطابه الذي ينفتح به روحياً نحو أفاق نوافذ التحرُّر الفلسفي من الدَّنس السياقي الفاحش إلى ظاهرة المقدَّس الرُّوحي التي تجعل العلاقة بينه، وبين المعشوقة الأنثى علاقة صدقٍ وانتماءٍ وتَعلُّقٍ رُوحيِ تَتوهَّج به العبارة الشعرية، وتضيء به أجمل معاني الكمال للحبّ في لحنٍ عشقيٍ تسمو جذوته الروحية إلى السماء السابعة، وتضرب أوتار فضائه الحسِّي جذور الأرض مسرح المكانية الشعرية، ومنبع الإبداع الفكري لتلك المعشوقة الأرضية السومرية، رمز التبتُّل في تعلُّق هُيامه الشعري، ونافذة بابه الواسع في مرافئ التلقِّي، كأسطرتها الملحميَّة في هذا النموذج:

هَلْ مَا تَزَالُ السُّومرِيَّةُ تَنسِجُ الأزهَارَ بُسْتَانَاً

وَتفَرِشُ صَدرَهَا لِطُفُولَتِي ؟

وَنَدَى زُهُورِ اللُّوزِ تَجمَعُهُ لِتُطفِئَ بيْ

لَظَى جَمرِ الغَلِيلْ (32)

فالسَّماوي بهذا التكشيل التراثي الأُسطوري، والرُّوحِ الجماليَّةِ الفاعلةِ التي يرسم بها علاقته التعبيرية الفياضة المتسامية بالمرأة "يظلُّ يهفو (بها) أبداً نحو مرافئ النور، ومواكب الثوار، ويستجمع شظايا نفسه، ليرسمَ بها فُسيفساء الجمال في عالم القبح، وَيُرَتِّق بها بسمة الطفل الغرير وسط جنون الكبرياء وجراحات الوطن، إنَّه ساحر الكلمة الذي يَعِدُ الناسَ بولائم العرس الأسطوري" (33) في بنى قصائده الوطنية، وعشقياته المحتشدة بذاكرته الشعرية التي زخرت بتدفقات هذ السمت الشعوري الجمالي العشقي الرُّوحي .

ويتفاعل السَّماوي مع ظلال تلك المعشوقة السومرية بشغفِ الحبيبِ، وَتُهيامِ ومودَّةِ العاشقِ الأسطوري الذي يُحَطِّمُ أفق التوقّع برصانة لغته وبسالة انحراف تعبيره. والذي يتحوّل فيه البناء السردي للعبارة الشعرية المُتوهِّجة إلى بنية خطاب رمزي تاريخي ديني جديد، يتماهى فيه تماهياً فنيَّاً وروحياً مع قُدسيَّة الرَّمز الديني، فيكشف عن أسرارِ العلاقة العشقية الخرافية المُتَأَجِجَةِ في موضوعها الإنساني، وَبُعدِهاِ الأخلاقي الديني والاجتماعي في جملة فريدةٍ من متضادات ثنائية تضيء فضاءات النصِّ بلغتها البلاغية الانزياحية المسربلة صورياً، وتمنحه روحاً جديدةً متحركةً بصورتيه (المرئية واللامرئية) المتحرِّكة رمزياً:

وَتَمُدُّ حَبلَاً مِنْ ضَفَائِرِهَا لِـ"يُوسُفِهَا" الَّذِي

ألقَى بِهِ فِي بِئرِهَا عِشقٌ خُرَافِيٌّ

تّمَاهَى فِيهِ مِحرَاثٌ وَتَنوُّرٌ ..

وَضِلِّيلٌ وَنَاسِكةٌ ..

وَصُبحٌ والأصِيلْ (34)

إذا كانت (زُليخةُ) التاريخ دالة العشق، قد أحبَّت المدلول الرمز الديني (يُوسُفَ) المعشوق حبَّاً جمّاً لِحُسنِ جماله الحسّي الشكلي الفائق، والعالق في سويداء قلوب النسوة قبل عقولهن، فإنَّ زليخةَ السَّماوي بتلةُ العشقِ السومريَّة الأرضية الحقيقية الجديدة لا المُتخيَّلة، عشقته وتَشغَّفتْ بجماله الروحي الضارب في سمادير العشقية النورانية، رغم كونه عاشقاً معنوياً، لا بجماله الفاتن الحسِّي الشكلي المُناقض تضاديَّاً لمفاهيم طقوس الصوفية والعرفانية الروحية بؤرة الآيروتيك الروحي الجمالي ونقطة إضاءته المشِّعة في هذا التضاد الحسِّي النفسي التألُّهي.لأنّ "قيمة التضاد الأسلوبية تكمن في نظام العلاقات، الذي يُقيمه بين العنصرين المتقابلين، وعلى هذا فلن يكون له أيُّ تأثيرٍ ما لم يتداعَ في توالٍ لغويٍّ، وبعبارةٍ أُخرى: فإنَّ عمليات التضاد الأسلوبية تخلق بنيةً، مثلها في ذلك مثل بقية التقابلات المثمرة في اللُّغة" (35) الشعرية.

وتواصلاً وتفاعلاً مع أجواء النصِّ الدلالية، فلا عيبَ في جماليات التعشُّق وأدوات ثقافته الجديدة أنْ يكون العاشق هو (المُحراثُ)مهمازاً مُحرِّكاً،والمعشوقةهي (التَّنورُ)الُمتَحَرِّكُ مصنع العشق،وهو التائه العاشق الملك الضِلِّيل في غياهب الهوى، وهي الناسكة المعبودة، وهو ميلاد الصبح المضيء بأنواره الروحية ظُلمة غروب الأصيل في جدلية الحياة. والمقاربة التي تتضمنها القصيدة ليست مقاربةً فرويديةً جنسيةً.

في ظلِّ المفارقات الشعرية المفاجئة الكثيرة للمتلقِّي القريب والبعيد، يبدو أنَّ ثورة العشق السومرية الجديدة راحت تأكل نفسها بنفسها بقصديةٍ، أو من غير قصديةٍ، وأنَّ رسول العشق (عِشقائيلَ) الحُبِّ باتَ في دائرة الخطر الشعوري. وهذا ما تخبر به القصيدة التي التزم فيها الشاعر بهذا التحوِّل بأهمِّ خاصيَّةٍ من خاصيَّات الشعر العربي القديم، ألا وهي المقدِّمة الغزلية التي تَخيَّلَ فيها مَعشوقةً أو حبيبةً اِفتراضيَّةً وهميةً ينطلق من خلالها بمخيلته الشعرية في بناء قصيدته فنيَّاً وجماليَّاً، ولكن بروحٍ جديدةٍ ونفسٍ ملحميٍ أسطوريٍ يُناسب جلالة الحدث وأهميته. ففي مطلع قصيدته هذه يضع الشاعر تساؤًلا فكرياً عن حياته المتعبة وأرقه الدائم، ويبحث فيه عن مسوغٍ يكونَ جواباً شافياًعن وجعه الذي يُسميه حياةَ اللَّاحياةِ لهُ فيها:

مَا حِيْلَتِي ؟

تَعِبَتْ حَيَاتِي مِنْ حَيَاةِ

اللَّاحَيَاةْ (36)

وبدأً من عتبة النص الشعري الرئيسة (فَقدتْ مَعانيهَا المَعَانِي)،تلك العتبة العنوانية الموازية لموضوعية ثيمة متنِ هذا النصِّ، الدالة على رموز معانيها الحقيقية المقصودة، والَّتي قدَّم فيها المفعول على الفاعل لغرضٍ أُسلوبيٍ جَماليٍ فنِّي. والَّتي نلتمس من خلالها، ونشعر بأنَّ السَّماوي (سادنُ العشق الروحي الأخضر) و (رُبَّانُ سفينة الحسية المائزة) _ حازماً أكان أم جازماً_ قد تَحوَّل بهذا الشعور الصادم بدلالة صراحته، وصدق الاعتراف الكاشف لقيمة الحبِّ من رحلة مدينة العشق الفاضلة المتجِّسدة ـبـ (إينانا) الحقيقية الوجود إلى أُتون مرحلةٍ جديدةٍ رمزيةٍ في فنتازيا المخيال الصوري، تلكَ هي رهلة اللَّاحب (عودة غودو)، طالما أعلنها صريحةً واضحةً في عتبة القصيدة الأولى؛ لأنَّ المعاني قد فقدت معانيها وضاعت في دهاليز غياهب المجهول الذي لا عودة له أبدا إلَا الذاتُ.

وعلى الرغم من أنَّ السّماوي يُصرِّح بها دون مواربةٍ في هذه الثورة العشقية الصادقة؛ فإنَّه باقٍ ثابتٌ على طبعه وسجيته العشقية في رصيف العشق الصوفي الذي أنسنه حركياً في انزياحاته اللُّغوية، وجعله لم يغادر محطَّاته ومرافئه الرُّوحيَّة. إلَا أنَّه عازم على الرحيل إلى ذاته الشعورية التي ترى في طبع المعشوق حركةً ووثوباً قافزاً لا ترى لها مُستقراً أو ثباتًا على خُطَى العِشق الَّذي وضع أسسه ،ورفع سقف  وأثَّث بيته الجميل وصان شرفه الضافي الكبير، ولنقرأ ما يقرُّ به الشَّاعر مُصوراً حالته الشعورية وثباته:

بَاقٍ عَلَى طَبْعِي

رَصِيْفَاً لَا يُغَادِرُ دَرْبَهُ

وَمَحَطَّةً لِلعَابِرِينَ ...

وَأَنْتِ طَبْعُكِ كَالخُطَى فِي اللَّا ثّبَاتْ (37)

إذن بعد هذه المكاشفة الأنوية الذاتية، والعلانية والتّحوِّل الصريح إلى درب التباعد والتجافي بديلاًعن عُرى التَّداني والتلاقي والمحبَّة، لم يَعُدْ للمعاني الرُّوحيَّةِ مَعنىً ساميَّاً يُذكر في مُسميَّات العشق وغيره مثل، (العَراقةُ والسِّيادَةُ والنَّزاهة والصَّبابةُ)، فلاعراقةَ للعراقة، ولا سيَّادةَ للسيَّادةِ، ولا نَزاهةَ للنزاهةِ، ولا صبابةَ للصَّبابةِ طالما أخذ كلُّ معنىً من هذه التوصيفات الثنائية الوجودية يحمل نقيضه التضادي بديلاً عنه. وأصبح العشق مُضاربةً تِجاريةً سُوقيةً يُباع فيها الهوى ويُشترى، كالواقع السياسي المتردِّي،لا يعني المكرمات اللافتات إلى إحياء جذوة روح الحبِّ وتجديده بما يتناسب مع فاعلية الحدث الموضوعي:

كلُّ مَعْنَىً صَارَ يَحتَمِلُ الَّنقِيْضَ

كَأَنْ يَكُونُ الذِّئْبُ يَعْنِي الشَّاةَ

والأَرْجَاسُ تَعْنِي المُكْرَمَاتْ (38)

ويلحُّ الشَّاعر السَّماوي في تدففاته الرُّوحية المتناهية على هذه المعاني الجمالية التي فقدت معانيها المعاني الروحية الندية، فهو يرى في قاموسه العشقي أنَّ الأسماء لا قيمة لها عنده تفقُد روحها وعراقتها الأصيلة، وتُصبحُ خارج نطاق المعنى طالما هي محنَّطةٌ ميِّتةٌ تكمن في داخل الذاتِ الشُّعورية المُضمِرَة:

فَالأَسْمَاءُ خَارِج هَيْكَل المَعْنَى

وَدَاخِلَ مُضِمَرَاتِ الذَّاتْ (39)

فالسَّماوي بهذه الثَّورة العشقية المخياليَّة من القطيعة والإنبتات التي فرضتها أبجديات العشق، وأقرَّتها ونواميسه الاجتماعية الجديدة، قد تَساوت لديه علائم الأنوار والظلمُ، وتشابهت عنده كلُ مشاعر المسرَّة والبهجة والكرامة والمَذلة، والحديقة والفَلَاة، ولم يَعُدْ لديهِ خطٌّ رفيعٌ من أمل الرجاء في العودة إلى الزاهي منه القريب، بل على العكس من، فقد اختار طريق (الحقيقةِ) المُرَّة التي غدت سُباتاً لا أثر لديمومة الحبِّ فيه سوى نظرة عيونِ الوِشاة والشامتينَ الحاقدينَ على جلالة هيبةِ الحُبِّ المقدَّس الروحي وصوتهِ العذبِ:

لَا الأَمْسُ سَوفَ يَعُوُد ثَاِنَيةً

وَفَجْرُ غَدِي المُؤَمَّلُ فِي سُبَاتْ

*

مَادَامَ أَنَّكِ لَا تَرِينَ حَقيقَتيَ

إِلاَ بِأَحدَاق الوِشَاةْ (40)

أتمنى أن يكون كلام السَّماوي في هذه التركيبة النصية المتجانسة الدلالة عتابًا ودِيَّاً، ومناجاةً عابرةَ لا جواباً قَطعياً بَاتَّاً.وقد تكون للشاعر أسبابه التعبيريَّة، ومضمراته الخفيَّة في إعلان نبأ إشهار جفوة التَّجافي بدلاً من التَّقارب والمحبَّةِ والتَّلاقي.ولكنْ من المُؤلم جدّاً أنْ يرى الشاعر صورة حقيقته الذاتية الناصعة في المعشوقة تُصبح ملاذاً لأَعيُنِ الأعداء من الشامتينَ والحاقدينَ على ديمومة هذا العشق الفرائدي الجميل. ويبدو أنَّ كَيْلَهُ العِشقِي قد طفح ميزانُهُ، وباتَ شيئاً مؤلماً جدَّاً على السَّماوي أن يُعلنَها صَرخةَ فراقٍ مدويةً، فكلُّ شيءٍ ماضٍ عنده خاسر في رهان معارك حروبه العشقية السابقة واللَّاحقة لا أثرَ جارٍ لنهر الحُبِّ:

لَا نهرُ قَلَبِي سَوْفَ يُنْبِضُهُ الفُرَاقُ

وَلَا وِصَالك سَوفَ يُرْجِعُ مَا فَقَدْتَ مِنِ الغَنَائِمِ

فَي حُرُوبِي الخَاسِرَاتْ (41)

وتَعلو نبرة القطيعة وأمارات الفراق عند يحيى السَّماوي بهذا الواقع المخيالي المؤلم الصريح، فلا أُلفة لصبابات العشق، وصور الهيُام الرَّوحي بعد أن كانا مفازنينِ مُقفرتين من التقارب والتحابب والتوادُّد، والهلكة والنجاة، يلتقيانِ رُوحينِ كماء (دجلة العذب والفرات)، ويا له من شعور قاسٍ بالتغرُّب والتَّنَكُّر:

بَتُّ الغَرِيْبَ عَلَيَّ ...

أَبْصُرُنِي _فَأسْأَلْ مَنْ أَكُونُ _ النَّهْرَ وَالمَرآةَ

كُنْتِ مَلَامِحِي

وَالَيومَ بُسْتَانِي بِلَا شَجَرٍ

وَأَنْهَارِي الجَدِيْدَةُ مِثْلَ بَادِيَةِ السَّمَاوَةِ

لَا صِفَاتْ (42)

ثُمَّ يصرخ الشاعر متعالياً الصوت من ألم الجراح، وخيبة العمر الذي خَسِرَ مودةَ العشق فاستراح، حتى ليغدو السُّندباد السومري العشقي الجديد الذي يبحث في يمَّ حفرياته السفرية المتلاطمة عن ذاته الوجودية الغائبه المتغيِّبة، فينشر أشرعة السلام والأمان، ويتَّخذ من الصخرة الصماء طوقاً آمناً للنَّجاة:

وّأَنَا غَدَوتُ السُّنْدَبَادَ السَّومَرِيَّ

نَشَرْتْ أَشْرِعَتِي لَأَبْحُرَ بَاحِثَاً عَنِّي

بنيتُ سَفَينَتِي مِمَّا تَبَقَّى مِنْ رَمَادِي

واتَّخَذَتْ الصَّخَرَ طُوْقَاً للنَّجَاةْ (43)

6- المَعشُوقَةُ الحِسيَّةُ المُرتبطَةُ بِجَمالِ الطَّبيعةِ

وهكذا تبدو المرأة في عشقيات السَّماوي ومتضاداته الحسيَّة انعطافاً روحياً باذخاً من رؤى التقديس والتبجيل والتكريم، وتكشف بوضوحٍ تامٍ عن استعارات سير تحوِّلاتها المتعدَّدة، فتبدو رمزاً للعفَّة والرحمة والمودَّة والمسكنة، وتُصبِحُ هالةً للحبِّ والجمال،حتَّى تغدو بستاناً وارفَ الظَّلال من ثمرات الحبّ، ونسقاً دلالياً للعطاء الروحي والجسدي الدافع لاستمرارية الحياة في ارتباطها بجمال الطبيعة، وبألوانها وأشكالها ومفرداتها الوجودية المؤثِّرة ببواعث الإنسان من ماء وشجرٍ وبستانٍ ولوزٍ وكرومٍ وزهورٍ وزنابق وحضور:

جِئتُ بُستَانَكِ شَحَّاذَاً

فَمِي صَحنِي

هِبِينِي مِن كُرُومِ الثَّغرِ

عًنقُودَاً مِنَ اللَّثمِ

فإنِّي أستَحِقُ الصَّدَقَةْ

*

وَامنَحِينِي

شَمَّةً مِن عِطرِ زَهرِ اللُّوزِ فِي وَادِيكِ

إنِّي ظَاِمئٌ

يَكفِي غَلِيلِي مِنكِ شَمُّ الزَّنبَقةْ (44)

إنَّ الحال المقامي لواقعة الحدث المكانية يُخبرُ أنَّ مجيء الشاعر وهيأته، باسطاً لفراش الطَّاعة الكبرى التسليم والانقياد، وراكعاً بهذه الصورة الاستجدائية والتوسُّل، شحاذاً لبستان الحبيبة، وطالباً عنقوداً من كروم اللَّثم، ومنحةَ شمَّةِ ظمأٍ من عطر زهر اللَّوز شفاءً لغليله من تلك الزنبقة التي تُعيد له رماد الحياة الطافي، ما هي إلَّا نوع من القبول الاضطهاد النفسي، وإشارة سلبية واضحة من المازوشية الذليلة التي يمنحها الشاعر في العشقية للمرأة المعشوقة باغتصابه والنيل من حقوقه من غير وعي أو علمٍ بها؛ ولكنَّها في الحقيقة مازوشية قبولِ الأمر بحبٍّ وتقبُّله على أنَّه طريق من طرائق الحبِّ وسمةٌ لأحياء ذاته.

7- المَعشُوقَةُ الحِسيَّةُ المُرتَبِطةُ بِحُبِّ الوَطنِ

المرأة في أشعار السَّماوي هي مركز النواة الرئيسة للحبِّ، بل هي المُحرٍّك العصبي الذي يُغذِّي بنية نصوصه التعبيرية بأشكال الجمال، وهي في الوقت ذاته المحور الفنِّي الذي تدور حوله موضوعات نتاجاته الشعرية. وهي الصورة المثلى من صور الانعكاس المرآتي المتمثِّل بظلِّ الوطن، من حيثُ علائق التماثل القائم على أساس الحبِّ بين (الوطنِ والمرأةِ)، فهو العاشق الهائم الولهان بعشق الوطن والمرأة معاً.

والقصيدة عند السَّماوي على الرغم من أنَّها مُترعة بالغنائية الباذخة وحضور الذات الشعرية، وشعور عارم بالألم والعذاب المضني للروح والذات، وهيمنتها على معظم قصائده الشعرية تقترب في موضوعيتها الفنيَّة أنْ تكون كائناً تفاعلياً محايداً، متحرِّكاً مُتحوِّلاً في قصِّ شعريتها السَّردية الجميلة ،حتَّى تستحيل عنده رُوحاً وطنيةً، ثُمَّ تصبح الوطنية لديه صورةً للمرأةً، وتُصبح المرأة عنده وطناً معشوقاً حدِّ الثمالة، فهما وجهان لعملةٍ واحدةٍ، هي بالتأكيد أيقونة الحبِّ بكل تجلِّياته وأسمى وشائجه وفروعه الإنسانية الرائدة.

وقد انعكست تأثيرات هذا الدرب الشائق العذب على نفسية الشاعر القلقة المتأزِّمة، فاتَّخذ المرأة بكامل تجلِّياتها الثقافية والاجتماعية وطناً (جنَّةً) يسكنُ فيهِ جسداً، وبيتاً يعشق فيه روحاً، فهو يرى في إحدى مقابلاته الصحفية الثقافية أنَّ (الجَنَّةَ تَبدأُ مِنَ الوَطَنِ) (45). إذن (الوطن+المرأة) يشكّلان (آيروتيكا) هاجسِ لغةِ الرمزِ والصورةِ. والسَّماوي يجعل من هذا الاتّحاد الجسدي الروحي لكليهما مطابقةً لمضمون سُنَنِ الأرض، واصلاً في نشيده الشعري حركية القفز والتحوّل من نجيع الدم والقتل ووسائل، التهميش والتعذيب والمعاناة إلى روضة الحبِّ وجِنان الجمال وأفياء الأمان والوئام بهذه السعادة العشقية غير الدائمة.

فيطلق العنان إلى جماح عنانه الشعري، فَيثُورُ هيجانُ اللَّبيدو المكبوت، وينطلق الممنوع المسكوت ثائراً منتفضاً، فيمارس الشاعر جدلية اغتصاب الحبِّ لتفعيل فاعلية الحياة للمرأة المعشوقة، وتحدِّي شبح الموت الذي يطارده زمكانياً،يؤكِّد لقارئه ومتلقِّيه أنَّ الشاعر إنسانٌ عاديٌ،لكنَّه كائن فريد اجتماعي خلَّاقٌ متجدِّد في الحياة، بل هو الطاقة الإيجابية الخلَّاقة في استمرارية فعل الحياة، فيتمرَّد على حركية قيود الزمن العصيب، ويكسر وقع رتابة جدار النمط الحياتي حين يخترق تداولية القياسي المعتاد عليه باللَّافت الروحي الإدهاشي. ليرسم صورة الوطن الشعبوية من خلال هذا التماثل والتعالق الروحي العجيب بالمرأة التي هي ذخيرته الروحية والنفسية المحسوسة التي يطلُّ من كُوَّةِ نافذتها البصرية والحُلُمية الصغيرة نحو واقع الحياة بالأمل والألم واللَّذة، والحبِّ والبغض والشتات،والحنان والحرمان والجفاف،رغم احتراقاته الكثيرة وموته البطيء. وقد مثَّل الشاعر السَّماوي لنموذج المرأة المرتبط عشقها بحبِّ الوطن وعناصر الطبيعة الزاخرة بالماء والخضرة والتَّنُّور والياقوت ورماد الاحتراق، ومثَّل لها تمثيلاً جامعاً لعناصر الطبيعة الأُمِّ:

وَطَنِي سَلِيمٌ مِثلُ قَلبِكِ

غَيرَ أنَّ وَلِيَّ خَيمَتِهِ

مُعَاقْ

*

لَا عَيبَ فِي البُستَانِ

لَكِنْ

حَارِسُ البُستَانِ عَاقْ

*

فَلْتَسْجُرِي التَّنُورَ يَا مَائيَةَ اليَاقُوتِ

وَاحتَطِبِي ضُلُوعِي

وَابعَثينِي مِن رَمَادِ الاحتِرَاقْ (46)

فالشاعر هنا يُقيم وشائج عَلاقة حبٍّ بين الوطن الأمِّ ممثلاً بدلالة قوله: (وطني)، وبين الحبيبة المعشوقة بدلالة ضمير المخاطب الكاف في (قلبِكِ)، فيجعل من الوطن خيمةً كبرى، لكنَّ متولِّيَ أمرِها وراعيها عاجز مشلول مُعاق، ثُمّ يستدرك على هذا الوطن الجريح، فينفي عنه العيب الذي لحقَ بهِ ظُلماً وتعسفاً، بسبب راعيه وحاكمه، فيجعله بستاناً رامزاً للخير، لكنَّ حارسه الرئيس عاقٌ، وغير قادر على ديمومة واستمرار تجدُّد الحياة. فيطلب من معشوقته (مائيَّةِ الياقوتِ) رمز الحبِّ والحياة والجمال من خلال توظيف لام الأمر في فعل الحالية والمشاركة الحركية (فَلتَسجُرِي)،أن تغذَّ وتشرع بتسجير وإشعال التنُّور رمز ديمومة الإطعام الشعبي، لتستمرَ حركية الحياة، ثُمَّ يجعل من ضلوعه حطباً لأَوَارِ نارِها، كي ينبعث حياةً متجدِّدةً من بقايا رماد الاحتراق.غير أنَّ خاتمة هذه الدفقة الانبعاثية تتماهى صورتها الفنيَّة والجمالية موضوعياً مع قصة سيِّدنا إبراهيم في سورة الأنبياء الآية (69) حين جعل نار الله احتراقه برداً وسلاماً عليه في قول عزِّ القائل: (يَا ناَرُ كُونِي بَردَاً وَسَلاماً عَلَى إَبراهِيمَ، وَأَرادُوا بِهِ كَيدَاً فَجعلناهُمٌ الأَخْسَرِيْنَ).

***

" يتبع "

د . جَبَّار مَاجِد البَهادِلي

 .......................

* من كتاب بنفس العنوان سيصدر قريبا

 

 

جبار ماجد البهادليوَالمُستَويَاتُ الجَماليَّةُ لشِعريَّةِ التَّناصِّ فِي غَزَلِيَّاتِ يَحيَى السَّماوِي الجَمَالِيَّةِ

الفَّصلُ الأوَّلُ: تَمَثُّلَاتُ شِعريَّةِ الآيروتيكِ الحِسِّي


 تَقدَّيـمُ الذاتِ الشَّاعريَّةِ:

يَحيَى عبَّاس عبُّود الحِسنَاويُّ، الشَّهيرُ لَقَبَاًبـ (يَحيَى السَّماويِّ)، ولدَ في مدينة السَّماوة بالعراق في السادس عشر من آذار/ مارس عام 1949م (1)، شاعرٌ وأديبٌ عراقي معُاصرٌ من شعراء العصر الحديث المائزين. أسهم إبداعياً بأشكال الشعر الثلاثة: التَّشطيري التراثي القديم، والتَّفعيلي التجديدي الحديث، وقصيدة النثر الحديثة، وفي رفد وإثراء هيكلة جذوة خريطة الشعريَّة العربيَّة في القصيدة الحديثة عموماً، والعراقية على وجه التحديد. وتجديدها بثقافة موهبته الإبداعية الخَلَّاقَة، وأسلوبه التعبيري المتميِّز. وكان شاعراً فكريَّاً فذَّاً، ومثقَّفاً طموحاً، وجريئاً في شعره، وكرَّس قدراً كبيراً من اهتمامه ورعايته الذاتية، وجهده التخليقي الحثيث في خطاباته الشعرية الرصينة من أجل قضية (المرأة) رمز حبِّ الوطن والأرض والحياة.

وقاده شعوره ذلك إلى خوض غمار صورتها المرئية الظاهرة، واللَّامرئية المُضمرة، ووصفها وصفاً حسيَّاً جماليَّاً دقيقاً، لافتاً النظرَ إليها عبر مخياله الفكري في ثنائيةٍ تضاديةٍ بين فنيَّة (الآيروتيكِ) الإبداعي الجمالي الحسّي المُقدَّس، وتقنيَّة (الستربتيزِ)، ذي العُهر الابتذالي الرخيص المُدنَّس_الذي تناوله قبله من الشعراء العرب القدامى، كامرئ القيس، وأبي نوّاس، ومن المعاصرينَ، نزار قباني، وسعدي يوسف، وحُسين مردان العراقي، والكاتب عبده وازن اللُّبناني_ليرتقيَ بآيروتكية الشعر من ثقافة وعاء اللَّذة الجنسيَّة المُفرَغ القديم إلى إبداعية الرغبة الجمالية في الحبِّ الجَسَدِي ذي القيمة الروحية الإنسانية؛ وذلك انطلاقاً من مبدأ القاعدة الدينية النورانية النقلية القدسيَّة التي تؤمن بعرفانية الحبِّ التألُّهية وعذاباته النفسية من أنّ الله جميلٌ خَيِّرٌ ويحبُّ الجمال والسعادة والحقَّ الصادق لِمخلوقاته الكونية ومعبوداته الوجودية على الأرض.

تهدف هذه الدراسة النقدية البحثية المكثَّفة إلى قصدية الكشف عن مكانة المرأة الثقافية، وبيان صورتها الجمالية العشقية في شعره، واستكناه بنية الخطاب الذي تميَّز به في أسلوبه الفنِّي التخليقي، وتوضيحه للمتلقِّي والدارس، فضلاً عن تمظهرات النموذج الأنثوي المُتعدَّد للمرأة وتميِّزه في شعره من حيث جلالة التقديس من وضاعة التدنيس، والرقي الجمالي من عدمهِ، وإشكالية دوافع الإباحي الابتذالي الغريزي، ودورهما الإبداعي الفاعل في عملية الإنتاج والتخليق الابتكاري الشعري الإنساني، وصنعه جماليَّاً وفنيَّاً وروحيَّاً. وكان ذلك الشعور الثقافي الجديد واحداً من أسباب مواصلة السَّماوي خُطَّى مسيرته الظافرة نحو آفاق (المدينة الشعرية الفاضلة)، تلك المدينة الحُلُم، والتي من خلال نوافذها المضيئة، وفنارها الشعري الساطع أطلق السَّماوي الحُريَّةَ لعصافير شعره أنْ تنطلقَ مُحلقَةً في سماء الشعريَّة السَّابعة، كما يؤكّد ذلك نفسه (2)، معتمداً على أسلوبيته المعجمية الشعريَّة الثرَّة، وفقه لغة لسانه الواثب ببلاغته وصدق مناورته.

والقصديَّة التي يتغيَّاها السَّماوي في شعرية الآيروتيك الإبداعية الهادفة تهدف بتجلٍّ واضحٍ من خلال مفاتيح هذه العتبة العنوانية المكثّفة التي تمثّل  (ثريا النصّ) المشعّة، والتي تعتمد دلالاتها النصوصية على بلاغة الإزاحة الفنيَّة والمفارقة الإدهاشية المثيرة، إلى احتضان وعي القارئ المتلقِّي، وشحن استعداده النفسي، وفتح مخيَّلته الصورية، ودمج وعيه الفكري والثقافي على تقبِّل جماليات الآيروتيك الحسِّي روحيَّاً وفنيَّاً في نصوص خطابه الذي أُولى ثنائية التداخل بين (المرأة والوطنِ) جُلَّ رعايته، حيث تتحوَّل فيها الذات الشاعرة وطناً مع الآخر، والوطنُ يغدو حبيبةً مع نوازع الذات في هذا التوحُّد الرًّوحي االجمالي.

مَدخلٌ تَمهيديٌّ:

مُنْذُ مطلع العقد السابع من عمره المنصرم تنبَّه الشّاعر يّحيى السَّماوي واهتدى بوعيه إلى حقيقةٍ فنيَّةٍ مهمّة تُفرِّق بين شاعرٍ، وآخر في الخطاب الشعري، فقد أدرك جيِّداً بأنّ هناك بوناً شاسعاً واضحاً وكبيراً بين  (شاعرٍ نصَّي ٍتقليدي)، يتَّخذ من شعرية النصّ التقليدية الموظَّفَة فنَّاً إبداعيَّاً لخطابة القولي النسقي، و (شاعرٍ فكريٍّ مثقّفٍ) آخر يجعل من نصوص إنتاجه الشعري مشروعاً شعرياً فكرياً ثقافيَّاً فنيَّاً جماليَّاً، يُؤسِّس فيه فكريَّاً لخطابٍ إبداعيٍ واعٍ ومُغايرٍ في جوهر فعله الأسلوبي التعبيري الفنِّي عن رؤيا أسلوبية شاعر النُّصُوصيَّة في فكره وثقافته ومزايا تجدُّده الإبداعي الفنَّي في مرافئ الشعرية العربية الحديثة.

لذلك سعى السَّماوي بفكره الواعي الثاقب وخطواته الواثبة إلى بناء، وتأثيث مشروعه الشعري الثقافي الفكري الجمالي الناهض برمزية المرأة في تشكّلاته الغزلية، وعشقياته  (الحسيَّة الرُّوحيَّة)، والَّذي يُحيلُ فيه صورة الحبِّ الجسدي المجرد الصوري البصري المحسوس إلى روحٍ متحركةٍ متساميةٍ، ويُصَيِّرُ الروح المتسامية جسداً في أبرز صورة من تجلِّيات الحبِّ الإبداعي العرفاني؛ وذلك تماهياً بصورة المخلوق مع الخالق الصانع. ذلك التَّماهي الرُّوحي المقدَّس الذي يَنقلُ فيه ضفاف آيروتيكيا الشعر الحديث إلى صورةٍ تأمليةٍ فكريةٍ فلسفيةٍ روحيةٍ ساميةٍ من صور علم الجمال وفنّه الإنساني بعيداً عن تَرَعِ النزعة الشهوانية.

رسم الشاعر يَحيَى السَّماوي عبر مشغله الفكري لوحَاتٍ إبداعيةً حقيقيةً شعريةً تجريديةً وحسيَّةً مختلفةً عن جمال عشقيات المرأة الآيروتيكية النقيَّة الصَّافية، وقد جاءت مناظر تلك الصور ومشاهدها مستمدَّةً من ظلال الطبيعة الوارفة الوافرة، وعناصرها، وألوانها، وأشكالها، وزهوها، وتألقها، وعنفوانها. هذا ما تؤكّده سيميائية التمظهرات اللَّونية لتشكّلات تلك الصور الطاغية، والَّتي غطّت مِساحاتٍ واسعةً من فضاء عشقياته الحسيِّة التي ركَّزت على أنَّ المرأة في شعره معشوقةٌ روحيَّةٌ مُثلى لا عاشقةً متدنيةً؛ كونها تمثِّل معادلاً رمزياً موضوعياً وطنياً إنسانيَّاً ثقافيَّاً هادفاً. وكما جاء في متن هذه الدراسة أنَّ القصيدة الشعرية الحسيَّة الآيروتيكية التي ينتجها فعل السَّماوي الفكري، ما هي إلِّا خطاب شعري نصيٌّ موجَّهٌ بدلالاته الفكرية والثقافية إلى كيان المرأة المعشوقة المقدَّسة لا المدنَّسة اجتماعياً وشرعياً، والمترعة بجمال صورتها الحسيَّة التي يتفاعل معها فكريَّاً وثقافياً، ويتماهى مع جمال روحها. والمرأة في شعره مثَّلتْ حقلاً رئيساً متجدِّداً من حقول معجمه الشعري العشقي الثَّر، وأخذت مِساحةً وآفاقاً شعريةً كبيرةً لافتةً من عمق تجربته.

وكان موقفه الفكري والآيديولوجي تُجاه المرأة واضحاً منذ بداياته الشعرية، وازداد نضجاً ورسوخاً وسطوعاً وجمالاً في أخريات نتاجاته الشعرية عندما بلغ مرحلةً عمريةً مُتقدِّمةً. وقد توسَّعتْ تجربته العشقية حتَّى فاقت عشقيات نزار قباني في سعة نضوجها وجماليات عالمها الرُّوحي العرفاني للحبِّ. لذلك لم يَعُدّ الحبُّ عنده مجرد امرأة أنثى هي  (الوطنُ) بعينه فحسب، بل أضحى العشق عنده اِندماجاً موحَّداً بين اثنين (المرأةِ والوطنِ).والنصُّ الشعري عند يحيى السَّماوي يُعدُّ عملاً تشكيلياً تجريدياً مُهنَّدسَاً بفنيَّة صوره الحسيَّة والرُّوحيَّة، ينبثق من صميم مخايل تجربته الذاتية الشعورية، وسيماء مقدرته الشعورية التي عبَّرت عن وسيع آراء فلسفته وتطلُّعاته الفكرية والثقافية في محافل الشعرية العربية والعراقية والدَّولية.

وعلى الرغم من جماليات ذلك التشكيل الصوري الفنّي لشعرية العشق فـــ"إنَّ جمالية القصيدة_عند السَّماوي_ ليست مقصورةً على الجانب التشكيلي فحسب، وإنَّما على الجانب الدلالي، والجانب الإيقاعي النغمي الذي يَنساب مع الفكرة أو المغزى الدلالي الذي تضمنته" (3). فضلاً عن بنية الجانب التركيبي لجمالية الجملة الشعرية في تصميم لغةِ هندستها الشعرية التي يتطلَّب معجمها هذه المستويات الأسلوبية.2893 البهادلي

أوَّلاً: التَّشَكُّلَاتُ الرُّوحيَّةُ الجَمَالِيَّةُ لعِشِقِيَّاتِ المَرأةِ

فِي شِعريَّةِ الآيرُوتِيكِ (Erotic)الحِسيَّة

تَوطِئَـةٌ:

إنَّ أغلب نتاجات يَحيَى السَّماوي وقصائده، بل يكاد جميعها يتضمّن أُنموذجاً فنيَّاً للمرأة المقدَّسة بأنواعها، أي المرأة التي نظر إليها في عشقياته الغزلية الحديثة ليست نظرةً روحيَّةً مقدَّسةً فحسب، إنَّما هي نظرةٌ قيميةٌ جماليةٌ عنوانُها الرئيسُ الخيرُ والسَّعادةُ؛ لهذه الأسباب وغيرها يعدُّ هذا الحقل اللُّغوي العشقي الإنساني من أكثر الحقول الدلالية التي احتوتها شعريته تأثيراً وجمالاً وقبولاً في نفوس مُتلقِّيه وقرَّائه ودارسيه. ولا غرابة في كون الشاعر ينطلق في خيوط تلابيب عباءة فنِّه الشعري من قاعدة تأسيس مشروعٍ ثقافيٍ فكريٍ روحيٍ جماليٍ حضاريٍ ينهض شعريَّاً  (بآيروسيَّة) المرأة إنساناً وفنَّاً إبداعياً لا يمكن إغفال تجلِّياته الرُّوحية والجمالية؛ وذلك لأنَّ المرأة والحبَّ وجهان لمعادلٍ موضوعيٍ فنِّيٍ واسعٍ، لتحقيق خطابٍ جماليٍ عشقيٍ يُوْسَمُ في تركيبه اللُّغوي الاندماجي التآلفي  بــالاتّحاد (الحسّ رُوحي) الذي هو محور دراسة النصّ الدلالي لهذا الحقل المتناسل توليداً وتجدُّداً وإبداعاً.

فالحبُّ والعشق صورتان جميلتان مكشوفتان، ووجهان مضيئان متَّحدان لتحدٍّ حثيثٍ متواصلٍ مع فلسفة الوجود الكوني للحياة في أقدس تجلِّياتها الرُّوحية والحسيَّة المجرَّدة، والتي تشغل حيزاً كبيراً من تفكيره العقلي والذاتي. وهذا مما جعل الحقل الدلالي للحُبِّ أو التغزّل العشقي أنْ يحتلَّ المرتبة الأولى في ترتيب حقوله الدلالية في أبجدية معجمه الشعري، إذ تَجُوزُ خُطى تراتيل مفرداته الدلالية الشعرية وكلماته التي تردَّدت بنسبٍ عاليةٍ جدّاً من إجمالي النسبة الكليَّة لحقول خطابه الشعري، وهذا مما يمنحه أحقية التقدُّم على سواه من الحقول الأخرى، فضلاً عن هذا كلِّه، أنَّه يمثل نواة البؤرة الدلالية، وعصبها الدقيق في خطاب السَّماوي الشعري الرفيع، حتّى يكاد أنْ يكون  (كمَّاً ونوعاً) صاحب السِّيادة الإنتاجية، وقمَّة الهرم الإبداعي الفنّي لِسُلَمِ إنتاجه الفكري الذي يتصدَّره إبداع آيروتيكا الشعر الرُّوحي الحسِّي الجمالي.

إنَّ النظر لِسُلَمِ هذا الترتيب الأسلوبي  (العلمي العملي) الإحصائي الممنهج في أسبقية هذا الحقل، وهيمنته على الحقول الأخرى يتطلِّب منَّا موضوعيَّاً معرفة عناصره الرئيسة ومفرداته وكلماته الدلالية الفرعية ذات العناصر الحسيَّة المتَّصلة والمنفصلة، والمتجرِّدة التي تتصل مرجعياتها الدلالية والمعنوية وأنساقها الثقافية بالحقل الدلالي الرئيس مصدر هذه الدلالية المتفرِّعة. وهذا بالتأكيد يعني أنَّنا "لكي نفهم معنى كلمةٍ يجب أنْ نفهم مجموعة الكلمات المتَّصلة بها دلاليَّاً" (4). أي الدلالات المُتجاورة لها والمتَّصلة بها دلالياً وجمالياً. فضلاً عن ذلك أنَّ هذا الحقل بتشكُّلاته الدلالية المتعدّدة يرتبط ارتباطاً وثيقاً ببقية الموضوعات الدلاليَّة الأخرى في معجمه الشعري، ويعمل على توليدها وإنتاجها فنيَّاً وموضوعياً ودلاليَّاً.

وقد تجلَّت نتائج آثار تتبعنا الدقيق لمفردات حقل الحبّ الآيروتيكي الشعري بمختلف تشكُّلاته الحسيَّة والمعنوية أنَّ الدوال أو الكلمات التي يدور حولها هذا الحقل اللّغوي الإبداعي المائز بصفاء عناصر دلالاته اللُّغوية في المفردات والتراكيب الشعرية الآتية:  (السومريَّةُ، الملاكُ السومريَّةُ، نهرُ الأنوثةِ، نَهرُ الودِّ، مَعصومةُ الماءِ، مَعصومةُ البستانِ، مَعصومةُ الأزهارِ، مَعصومةُ الأعذاقِ، حقلُ الأنوثةِ، زُهورُ اللّوزِ، زُهورُ البرتقالِ، قِدِّيسَةُ الشَّجرِ، ضَوئيةُ العُمرِ، مَائيَّةُ النِّيرانِ، مَائيَّةُ الياقوتِ، نَاسكةُ الهوى، سِفرُ الهوى، لَذةُ الفردوسِ، بَساتينُ اللَّذةِ، بُستانِ العِشقِ، آيةُ العِشقِ، العِشقُ البَتوليُّ، إِينانَا العِشقِ والجنسِ والجمالِ، بُثينةُ العشقِ، حُجَّةُ العشقِ، العِشقُ، بُراقُ قلبِي، تُفَّاحةُ الفِردوسِ، حَريقُ الأشواقِ، جَنَّةُ اللهِ، هُدهُدُ البُشرى، ربَّةُ الأمطارِ، شَمسُ عُمري، هِلالُ العيدِ، البدرُ التَّمامُ، الطينُ الفُراتيُّ، مُطَهَّرةُ النَّدى، وَادي المُنَى، شَهرزادُ، الَمرأةُ، الأُنثى، دِجلةُ، المَهَا، الشَّمسُ، النَّخلَةُ، النَّحلَةُ، الرُّوضةُ، الزَّنبقةُ، الفَراشةُ، الهَديلُ، القِيثارُ، الهُيامُ، الهَوى، عَذراءُ، مُولاتِي، البَشيرةُ، القَمرُ)، وغيرها من الكلمات والمفردات الأُخَر.

وتكشف قراءتنا التتبعية لهذه الألفاظ بأن حضورها واستدعاءها قد تَردَّدَ بشكلٍ عادلٍ في ثنايا خطابه، كما تستنطق بتجلٍّ واضحٍ حقيقة هذه الدوال بدلالاتها الإشارية السيميولوجية_التي تستبعد الشاعر وتقصيه من فاعلية المشاركة النقدية للنصّ، وتشير إلى أنَّ المرأة بتشكّلاتها الأسلوبية، هي المؤثّر الفعلي الأساسي، وبؤرة تكثيفِ الفنار الضوئي الحقيقي المُشعِّ بروافد أضوائه الشاحنة لهذه المفردات الدلالية، وأنَّ السَّماويّ هو واحد من بين أهمِّ وأبرز صُنَّاع لُغة الجمال الشعري الحديث، وَمَهَرَةِ احترافهِ القلَّة في تأثيث جسد القصيدة الرومانسية وتخليق روحها ونفخها باللُّغة الحيَّة الناطقة من الداخل شكلاً ومضموناً، وهو حقَّاً "الشاخص الأَمْيَزُ الذي يَعجن اللُّغة[ لغةَ الشعرَ والعشقَ والجمالَ] بالموسيقى عَجناً" (5)، ويخرجها إخراجاً بنائياً فنيّاً جمالياً ¬يُغري ذائقة المتلقّي الحاذق الواعي، ويؤثِّر به تأثيراً إدهاشياً عبر جماليات القراءة، والتفكيك، والتلقِّي، والتحليل والتفسير، والتأويل الهرمنيوطيقي المذهل الجَادِّ لمنظومة الميتا شعر الحداثوي.

وهذا كلّه يشي بأنَّ المرأة في معجم الشاعر السَّماوي اللُّغوي تمثّل له شيئاً كبيراً، إذ قال عنها مُفرِّقاً بينها وبين الرجل: "إذا كان الرجل زهرةً، فإنَّ المرأة هي عطرها.. وإذا كان الرجل سفينةً، فالمرأة هي الشراع والموجة والريح، أنا لا أقصد البُعد الفرويدي في تعبيري هذا، إنَّما أقصد البعد الإلهي كما ورد في سورة النساء، وسورة البقرة، وسورة المائدة، والنور والأحزاب، والمجادلة، والممتحنة، ... المرأة هي رَحمُ الأرضِ بالنسبة لشجرة حياتي المثقلة الأعذاق بعناقيد الطفولة والعشق والصداقة والأمومة وبزهور المسرَّة والحُلم والأمنيات" (6). إذن المرأة عند السَّماوي تمثّل غذاء الروح العشقي الجمالي، لا الجسدي الجنسي الغريزي الفرويدي المبتذل، وهي النسغ الفكري الرُّوحي المُتجدِّد الذي يستمدَّ منه أنساق مرجعيات ومصادر الرحيق الشعري  الثقافي والجمالي في فنيَّة الكتابة الإبداعية التي تتطلَّب أُسلوبيتها الفنيَّة ذلك.

واللافت المُلاحظ على مفردات ودوال حقل الآيروتيك العشقي أنّ أغلب مفرداته وتركيباته اللُّغوية البنائية التي تُشير دلالاتها المعنوية بشكلٍ نصِّيٍ مُباشرٍ، وغيرِ مُباشرٍ إلى المعشوقة (المرأة) أو العاشقة، هي في غالبيتها العظمى توصيفات حسيَّة لمسيَّة في ظاهرها التَّشكُّلي بصوره المتجرِّدة إلى مسامع أذهان المتلقِّي ورؤيته البصرية. وهي في الوقت ذاته تُنبئ موحياتها في رمزيتها عن صورةٍ  (إمجيةٍ) روحيةٍ جماليةٍ في الجوهر الباطني للعشق الروحي. وكانت اختياراته لهذه المفردات اختياراتٍ قصديةً ذاتيةً تنمُّ عن نسائمِ لغةٍ رومانسيةٍ عاليةِ الدَّقة، وبالغة الإحكام الذاتي والفنّي الذي يتَّخذ من المحسوسات الكونية للطبيعة منهلاً روحيَّاً، ورافداً جمالياً يُغذِّي به مخيال تجربته الشعرية في الحقل المعجمي لدلالة العشق، ويعرج بِشِهَابِ المحسوس الجسدي الآيروتيكي غير المبتذل الإباحي الماجن عبر اختراقه منطقة المرغوب الغريزي، وكسر توقِّعه بأدب الآيروتيك الشعري في نسق اللبيدو المُحرَّم أو (التابو العرفي) المسكوت عنه فنيَّاً وجمالياً، والوصول بسارية  (الرغبة في الحبِّ الجسدي) إلى ضفاف محطَّات مرفأ المقدَّس الروحي.

وكان ذلك الطموح الهادف الجريء من خلال تَسلُّق الشاعر المبدع السَّماوي عبر جدار خيط ٍرفيعٍ من الجرأة الفكرية والجمالية يفصل شحنات الآيروتيك الجسدي البايولوجي_بوصفه ظاهرةً فنيّةً أدبيةً_ عن دلالات مفاهيم النظرة الإباحية الجنسية المُدنَّسة التي تفرِّغ الجسد من علاماته الحسيَّة الدلالية الوصفية التي يوظَّفها الشاعر أو الأديب في خطابه النصِّي الإبداعي إلى جسدٍ مُتأسلبِ الإرادة خاضعٍ إلى نسق خطاب الشبق الجنسي الذكوري الغريزي، متغافلاً دور المرأة كونها رمزاً حسّيَّاً وجمالياً قائماً بذاته، له وجوده الفاعل في المشاركة الإنسانية الرئيسة بخطاب عذاب اللَّذة الحسيَّة وألمها العشقي الماتع عبر آليات العلاقة الوجدانية السامية الحميمة في الرغبة بحبِّ الآيروس رغبةً نفعيةً جماليةً إلهيةً في جوهرها.

إنَّ قلماً شعرياً فكرياً فذَّاً صائداً لمهارات الشعرية الإبداعية الآيروتيكية من الناحية الفنيّة والجمالية، لَهوَ قلم واثبٌ، ما يُلقَّاهُ إلِّا ذو حظٍّ عظيمٍ من بدائع الدِّربة الفنيّة والفكرية، ولا يُتقِنَهُ إلَّا القِلَّةُ القليةُ من الشعراء المبدعين بآلية فن وهندسة معمار الشعرية الأدبية العربية والعالمية. كونه فعلاً جمالياً يخترق بثقافة  (الآيروتيكِ) الجنسي المُبهرِ حُدودَ المألوفِ في منطقة الممنوع المُحرَّم الشرعي، ويتسلَّل بوثوقية وإقدامٍ وٍبسالةٍ عبر أقانيم تمظهرات الحسيَّة الجسدية إلى داخل فضاء (التابو) النسقي العرفي، متجاوزاً بخطوطه النارية الجريئة (الحمراء) كلَّ مظاهر الفكر الشرائعي المكتوب والشفهي، وعاداته، وتراثه، وقوفاً عند صور مهماز المثار الجنسي الشهواني التي تخدش فضيلة الحياء، ومن ثمَّةَ الخوض به لغوياً وفكرياً في أنساق المُحرَّمات الثقافية والاجتماعية، ومنتهجاً في نسقه الآيروسي الثقافي الشعري خطّاً شعرياً مغايراً للغريزة الإباحية، يُبعده عن مظاهر الصياغة النمطية التقليدية المقيَّدة بأنماط البنى السياقية المعطوبة المستهلكة، والمحنَّطة بظلال النسق التداولي التَّالف في بنية خطابه الإنتاجي الإبداعي التعدُّدي، والجديد بتشكُّلات شعرية التفاصيل العشقية المُترعة بتسريد أقاصيص وحكايات الغزل الجسدي الحسِّي للمرأة المعشوقة.

لقد حقَّقً السَّماوي رغم إيمانه في الحقل الدلالي للغزل الآيروسي الحسّي خرقاً فنيّاً واضحاً غيرَ مألوفٍ في الولوج إلى مناطق عديدةٍ من مظاهر حسيَّات الجسد الممنوع والمحرَّم دينياً وثقافياً، مُعلناً بإيمانٍ من خلال تمظهرات فنِّ الآيروتيكِ الرُّوحيِ السيرَ بثقةٍ كبيرةٍ في خريطة تصميم مشروعه الفكري الثقافي، وبلغةٍ عاليةٍ مُهذبةٍ بعيدةٍ عن كلِّ أشكال صور الابتذال، والتورية، والغموض، والتعقيد، والإيهام اللُّغوي في إنتاج خطابه الآيديولوجي الفكري، وتصوير شخصياته الأنثوية المبدعة، ورسمها من خلال تجسيد وتجسيم حركة اللَّوحة الشعرية التي تتَّضح معالمها الفنيَّة وأفقها التشكيلي الداخلي والخارجي باكتمال الصورة (المرئية والصوتية) عند نهاية الدفقة الشعورية التي ينتهي عندها القفل الشعري السكوني الصامت.

ومعنى ذلك "أنَّ خصوصية لغة الشاعر، هي التي تشكّل أسلوبه الذي ينماز به عن غيره من الشعراء؛ ولكي  يتحقَّق له ذلك، عليه أن ينحرف باللُّغة عن المألوف من استعمالها، ويبتعد عن نمطية القول المعتادة، فيخلق لغةً شعريةً خاصةً مُستندةً على  (إلى) رؤاه وتجربته، وممثلةً لهما في الآن نفسه" (7). وهذا الانحراف بلغة الشعر الجديد، هو ما أكّده الجاحظ (ت255ه) وأشار له قديماً في كتابه الأدبي  (البيانُ والتَّبيينُ) حين قال: "إنَّ الشيء من غير معدنه أغرب، وكلَّما كان أغربَ، كان أبعدَ في الوهم، كان أطرفَ، كان أعجبَ، وكلَّما كان أعجبَ كان أبدعَ" (8). ولنقرأ ما قاله السَّماوي مُنحرفًاً بجماليات لغته الشعرية، ومُنزاحاً برؤية عشقياته في أخر مقطع له من قصيدته المعبرة عن نفسها (جَهرٌ):

فَأنَا الفُرَاتُ

وَأنتِ دِجلَةُ

والسَّريرُ بِكُوخِنَا شَطُّ العَرَبْ (9)

فالشاعر بموحيات بلاغة لغته الانزياحية البعيدة يُحيل معشوقته المرأة وينحرف بها بلاغياً إلى جمالَّيات الصورة البيانية وفق ماتراه رؤيته العشقية، كونه هو الرائي لها لا الآخرون من الغير؛ لذلك هو بهذه الثناية الجدلية بين (الأنا، والأنتِ) صيَّر رِتمَ صورتها الفنيّة المرئية إلى حركيةٍ  (دجلة) المؤنثة، وهو  (الفرات)النهر الذكوري، وجعل من ثيمة التلاقي الروحي والبصري هي المعادل الموضوعي العشقي الجامع للملتقى بينهما، هو (شطُّ العَربِ) في علاقته الحالية المكانية  (السرير) رمز الاشتهاء العشقي المحسوس.

لقد أبهرنا السَّماوي في شعرية العشق (الجسدي) في مثل هذه النصوص الإبداعية المبتكرة بالتركيز على صورة الجانب الآيروتيكي (الآيروسي) الحسِّي الذي يتخطَّى مفهومه حدود الدافع البيولوجي الفرويدي الغريزي (الحبَّ الجنسي) إلى آفاق عالم الآيروسية الروحي الجمالي، والتي تعني (الرغبة في الحبِّ)، وفق مفهوم  (لالاند) الفكري، أي العلاقة الحسيَّة الكثيفة المُتكوِّنة بين الشاعر العاشق بوصفه رجلاً، وبين المحبوبة المعشوقة كونَها اِمرأةً. وكانت مطامح السَّماوي وأنساقه الثقافية المنشودة العليا فيها، هي "الوصول[في عالمه] إلى [تأثيث] حالاتٍ جديدةٍ أو تخصيص وقائع إضافيةٍ لعلاقاتٍ تراها العينُ المجردةُ، وتستشعرها الحواس القرنية في حدودها الدنيا والقصوى، كالتمثيل الإيقوني  (الصوري)" (10) لحركيتها.

ولذلك فإنّ السَّماوي في مشاهده الشعرية الإيحائية الملتصقة تعالقياً بالمشاهد الآيروتكية يشحن القارئ على تأمُّل تلك المشاهد ويحمله على تدبُّر أفكارها الموجبة والسالبة، ومن ثُمَّ الاهتداء إلى مبدأ المخايرة العقلية في مدى قبولها أو رفضها، كونها تدخل في جوهر التكوين العقلي في النظرة الحسيِّة إلى صورتي المرأة المعطوبة أو المرغوبة، من حيث مفهوم القيمة الجمالية المرتبطة بلذَّة الخير والسعادة، وفي رؤية العالم لها رؤيةً جديدةً تأخذ على عاتقها التفريق بين النظرتينِ (حسيَّاً وروحيَّاً)، لأنّ مفهوم اللَّذة بينهما مرتبط بمفهومي (الخيرِ والجمالِ)، و (الشرِّ والقُبحِ) بعينهما الثالثة اللَّاقطة التي هي عين الشاعر المفكِّر.

وأهمية هذه النظرة  (اليحياويَة) الآيروتيكية الفكريَّة الجادَّة تدفع بنا إلى القول بدلالة فنِّ (الآيروسية) لغةً  وثقافةً، وفنَّاً شعرياً يرسم الكلام شعراً، ويكتب الشعر مخيالاً صوريَّاً إبداعياً مُعبِّراً، بأنَّها "ترفعُ لهباً أزرق مرتعشاً، هو لهب الحبِّ، الآيروسية والحبُّ هما اللَّهب المزدوج للحياة.وأقامَ علاقة بين الآيروسية والشعر: الأولى شعر جسدي، والثاني آيروتيكية لفظية. كلاهما يتألَّف من تعارضٍ تكامليٍ: اللُّغة قادرة على تسمية أكثر الأشياء انفلاتاً وتلاشياً، أي الأحاسيس. والآيروسية هي الجنس محوّلاً إلى استعارةٍ، إلى طقسٍ وتمثيلٍ، والمخيَّلة هي الوسيط الذي يُحرِّك الفعل الآيروتيكي والشعري معاً، المخيَّلة هي القوَّة التي تحوِّل الجنس إلى طقس وشعيرة، واللُّغة إلى إيقاع واستعارة في بلاغة البيان الخطابي الشعري الأصيل. وعلاقة الآيروسية بالجنس، كعلاقة الشعر باللُّغة... ومن البديهي أن ينبثق الجمال من هذه الإرادة في الحالين" (11).ولا نعدم من هذه النظرة الفلسفية المتشاكلة علاقة الشعر الآيروسي والآيروس الشعري  بها.

ودور الشاعر الفذِّ يكمن لسانياً برشاقة فقه لغته التصويرية، وفنيَّاً يَتَمَحوَرٌ عميقاً بإضفاء القيمة الجمالية والأخلاقية على اللَّذة الحسية الآيروتيكية من خلال الرغبة في الحبِّ وأنسنة دوافعه روحياً، وتحريكه حسيَّاً، وإنْ كان ذلك التحوّل اللُّغوي الانزياحي بالواقعة الجمالية افتراضاً مخيالياً للعملية الجنسية في أغلب صور مشاهده الشعرية للواقعة الموضوعية الجماليَّة؛ لكنَّه يعدُّ فعلاً جمالياً إبداعياً ماتعاً.

وحين نُجيلُ النَّظرَ في البحث عن أصول مبعث مفهوم الآيروتيكية، ونتتبَّع جذور معناها الاصطلاحي والحضاري، نجد أنَّ "آيروسَ في الميثولوجيا الأغريقية هو إله الحبِّ والرغبة الإباحية والجنس والخصوبة والسعادة، وكان ملازماً لأفروديت أُمِّهِ، وراصداً لتجلّيَّات الجنس عبر الحضارات البشرية، فصوَّرَ أعمى لا يرى عيوب المعشوق، أو بجناحينِ في زرقة السَّماء، أو عازفاً على قيثارةٍ، أو ممتطياً ظهر دولفين، كما ظهر في الفنِّ القُبطي والمصابيح.. والكلمة آيروتيك erotic مشتقةٌ من الكلمة eroc، أي جنسيٍ وشهوانيٍ، يُماثلهُ في الميثولوجيا الرومانية كيوبيد، والمحاور التي تدور في فلكها الآيروسية هي: الرغبة الجنسية العارمة والجامحة، والجسد والانتشاء ما بين خمرٍ ومجونٍ طائشٍ، وتجاربٍ جنسيةٍ عابثةٍ ظامئةٍ، تتلوى على وتر الشُّرهِ والافتتانِ" (12). ومهمَّة الشاعر تحويل المشاهد الكيوبيدية إلى نقاط عفافِ ضوئيةٍ.

ومفهوم مصطلح الآيروس (Eros) في المثيولوجيا اليونانية_فضلاً عن ذلك كلِّه_يعني كلَّ رغبةٍ حسيَّةٍ عارمةٍ، أو كلَّ هوىً جامحٍ، أوكلَّ ميلٍ شديدٍ لحبِّ الجسد، أو نشدانٍ لشيءٍ بِتَولِّهٍ، أو شعورٍ بوجدٍ شائقٍ للحبِّ الجنسي، يُقابلهُ في هُويَّة الآخر الرُّوحي كلُّ معاني المحبَّة والجمال والخير والسعادة والرحمة والصداقة والحقِّ والإيمان. وقد أخذ مفهوم  (الآيروس) الاصطلاحي عند علماء النفس الَّذين استوعبوه بشكلٍّ عامٍ، وعند سيجموند فرويد على وجه التحديد معنىً دلالياً أكثر شمولاً واتِّساعاً واختلافاً وتبايناً بين طرفي سالب وموجب، فوجد له طريقاً حركيًا ثالثاً من المُباينة (الحس روحيَّة)، بين المفهوم الجنسي بمعناه الدلالي القريب المحضِّ، ومفهوم الرغبة في الحبَّ بشكلٍّ عام (13).وما بينهما نجد متعة الجمالية حاضرةً.

ولكي نقف تجلَّياً عند مفترق أحد الطريقين بين  (الحبِّ الجنسي) الصِّرف؛ كونه مظهراً إنسانيَّاً من مظاهر التمدُّن ونتيجةً من أبرز نتائجه، بل هو من أرقى وأهمِّ عوامل التمدُّن، و (الرغبة في الحبِّ)، لابدَّ وأنْ نفهم ما دلالة كلّ طريق آيروسي؟ إذ "يأخذنا الحبُّ الجنسي إمَّا إلى حدود الفنِّ والإبداع، حيث ينبثق الجمال. وإمَّا إلى حدود الإيمان، بُغيةَ الوفاء بما ندين به للحياة. فحين يرقُّ رجل بين يدي امرأة يكون قد استحوذ عليه شعور خفي بالمديونية للأنثى، وهو شعور أقرب ما يكون إلى شعور الفنَّان المبدع أو المؤمن المتصوِّف لحظة اندماجه في الكون نقطة التقاء بين لا نهايتين" (14). وهذا يعني أنَّ الحبَّ الجنسي هو أظهر أنواع الحبِّ، بل إنَّه الأساس المتين لكل أنواع الحبِّ الحسيَّة والروحيَّة، فهو الجسد المحسوس والروح الملموس الذي لا يمكن تجاهله في عوالم الحياة الدنيوية، وتجلِّيات جمالياتها الكثيرة.

ومن طرف خفيٍ إنسانيٍ وشرعيٍ آخر لا تنحصر رؤية مفهوم الآيروس (الحسِّي الجمالي) بهاتين النظرتين المتباينتين شكلاً ومضموناً، فقد سمَّاه اللاهوتيون بــ (بالآيروسِ الإلهيِ)، أي (الحبُّ الإلهيُّ)، وهو المتَّصف بالوجد الروحي، وقد عدُّوا مفهومه بقوِّة الحبِّ الحقيقية الخالقة، والموحِّدة التي تضمَّنت بتفرِّدٍ مطلقٍ كلَّ معاني الحبِّ الرُّوحي في الجمال والسعادة والمحبة والصدق والخير وحبّ الحقّ ِوالأخلاق  (15). وكثير من الناس لا يُدركون القوّة الحقيقية لهذه الموجودات كما يرى إفلاطون، فالحبُّ ناتج عن كَمَالِ السَّعادة التي تُسَمَّى (عذاب الحبِّ)، والَّتي هي نوع من الألم الخفي الشفيف الّذي يصيب النفس الإنسانية العاشقة وَيُطَهِّرُهَا، إذا لم ينقلب صدى وجد ذلك العشق إلى كُرهٍ وتباغضٍ وتباعدٍ؛ لذلك هو نوع من أنواع الانتشاء والعذوبة الروحية على ما يرى أشهر الصوفية الشيخ الأكبر مُحيي الدين بن عربي.

ومن الباحثين المُحدثينَ من يرى في الحبِّ هذه الرؤية الثلاثية الافتراضية الفلسفية فيقول: إنّ "الجنس مقيَّد إلى الجسد، والحبَّ إلى شيء غامضٍ يُدعَى الرُّوح. فالجنس يهدف إلى الإرضاء الجسدي، أمَّا الحبُّ إلى أرضاء الشخصية وتضخيمها، وتهدف دوافع الأنا إلى تحقيق السيطرة" (16). إذن الجنسُ يتحرَّرُ من شرنقة الجسد، ومن دواخل الجسد وظواهره المحيطية تنبعث الروح الجمالية الخيرة متساميةً بحبّها الروحي الصوفي منطلقةً إلى رحاب التألِّه في آيروسها الإلهي العرفاني الرُّوحي الجمالي الجديد.

ولعلَّ تجلِّيات هذا التتابع الأفقي العمودي التصاعدي لمفهوم الحبِّ الآيروسي، هو ما نجد أفقه الشعري الروحي واضحاً في روح فقه لغة السَّماوي التعبيرية، وفي كمال تضاريس جغرافيا لسانيات خريطة بناء آيرتيكيته الشعرية المُوظِّفة لرموز معشوقته التي ينظر إليها من خلال قيمتها الجنسية المرتبطة بقيمة الجسد، فأنْ تدنَّت صورتها، تدنَّت قيمة الجسد، وتدنَّت قيمتها الأنثوية، وإنْ تسامت العلاقة الجنسية الجسدية، تعالتْ قيمة المرأة الروحية والجمالية على وفق نظام سير هذه النظرة الاضطرادية المتوالية.

وقد يشي هذا التعالق بإنَّ السَّماوي ينظر إلى سمو هذه العلاقة نظرةً ربانيةً روحيةً فلسفيةً جماليةً، فقد يغالبه فكرياً الاعتقاد الشعوري، بأنّ فصل النفس أو الروح وإخراجها من منطقة الحسِّ الجسدي، هو أساس  (العذاب الجنسي)، بل هو منتهى اللَّذة الروحيَّة. وقد يؤمن السَّماوي في غزلياته الرُّوحية وعشقياته الآيروسية بما يستشعره ضمناً أبو حيان التوحيدي في رؤيته الفلسفية لثنائية (الروح والجسد)، حين يرى أنَّ "الجسدَ كثيفُ النَّفسِ، والنفسَّ لطيفُ الجسدِ"، فكثيفُ الجسدِ صفة ثابتة غير مقيّدةٍ لصورة الجسد وكماله، ولطيفُ الجسدِ صفة ثابتة غير مقيَّدة لتملك الجسد، وليس هناك حـدٌّ فاصل معيَّنٌ بين كثيف النفس أو الرُّوح، وبين لطيف الجسد، ومعنى ذلك أنَ الكثيف يُلطَفُ، واللَّطيفَ يَتَكَثَّفُ.أي أنَّ الروحَ أو النفسَ هيَ الجسدُ، والجسدَ هو الروحُ. وبذا تكون (العفَّةُ) عتبةً وعنواناً بارزاً لرمزية الرجل، و (الشَّبَقُ) عتبةً متجليةً للمرأة مصدر هذا الثراء الإغوائي الرُّوحي، والشاعر وسط هذا المؤثر وذاك ثُريا النصِّ الموازي المشعَّة.

وقبل الشروع في تجسيد تشكُّلات شعرية الآيروتيك الحسِّي المشتق اللًّفظي من كلمة آيروس  (الجنسي الشهواني)، والذي هو جزء من تراث وثقافاتِ أممٍ وحضاراتِ شعوبٍ ضاربةٍ في القدم تنضوي في مُجْمَلِهَا على مجموعةٍ من الشرائع الفكرية والدينية والصورية والأعراف والعادات والتقاليد والموروثات الشعبية المكتوبة والمتشافهة بوصفها ديانةً قديمةً أو منهجاً روحيَّاً أو طقساً بَغائياً كهنوتياً مقدَّساً من أشكال العبادات الدينية الغابرة زمكانياً كما أنها تشكِّلُ في الأساطير والرموز القديمة حضوراً مُهمّاً وقويَّاً ولافتاً في الفنِّ والأدب الآيروتيكي الواسع الانتشار قبل ظهور الديانات السماوية الثلاث، وكما تجلَّى ذلك في قصة  (البغي) أو (المومسُ المقدَّسةُ) سيدوري صاحبة الحانة التي أُرسِلَتْ لإثارة وإغواء وأنسنة البطل الوحش أنكيدو بمفاتن أعضائها الجنسية والجسدية، لمواجهة الندِّ كلكامش في الملحمة السومرية الشهيرة.وأنَّ مزيَّة حضور الأدب الآيروتيكي بهذا الوجود الحقيقي، يُعزى مَردهُ الروحي الشعائري كُليَّاً إلى النظر باحترامٍ وتقديرٍ وتبجيلٍ وتقديسٍ إلى جوهر قيمة الإنسان وآدميته، ولأعضائه الحسيَّة الجسديَّة، وخاصةً التناسلية.

ولابدَّ من جدير الإشارة هنا التفريق الدقيق في الأدب، بين مفهومي (آيروتيكية الشعر)، و(الشعر الآيروتيكي) اللَّذين اختلطا على المتلقِّي أو الدارس الواعي بفعلٍ قصديٍ أو غيرِ قصديٍ، لتداخلهما، لأنَّ "هناك مزجاً غير بريءٍ بين مفهومي آيروتيكية الشعر، بما هو حالة إبداعية صافية وحقيقية، وتحتوي على فعلِ خلقٍ جديدٍ، وبين الشعر الآيروتيكي، بما هو حالة تعبيرٍ عن الآيروتيكية الإنسانية كحالةٍ شعريةٍ ساميةٍ، قد لا تُمتَزَجُ" (17).ولابد هنا من الكشف عن تمثُّلات هذه المرأة المعشوقة آيروتيكاً وروحياً:

1- المَعشوقةُ الحِسيَّةُ المقدَّسةُ روحيَّاً وفنيَّاً

ولأهمية الجسد المثيرة في حياة الناس؛ كونه مظهراً ذا قيمةٍ روحيَّةٍ كبيرةٍ لهم، فقد تمكَّن السَّماوي أنَ يوظّفه داخل أعماله الشعرية بوصفه ثيمةً موضوعيةً وفنيَّةً جديدةً، لإضفاء معنىً لغويٍ آيروتيكيٍ حسِّيٍ مُخلَّق ٍجديدٍ يُماهي صورة المرأة الشكلية في تشكُّلات العشقية المثالية التي تقدِّس صورتها الداخلية الرُّوحية في مواجهة النظرة السلبية التي تعانيها شكلاً دونيَّا مُدنَّساً، لا يَمُتُّ بصلةٍ لقدسيتها الروحية التي تُمَجِّدُهَا دينياً واجتماعياً وثقافياً؛ كونها مصدراً للخصب والنماء، وأساس التناسل والتوالد والتكاثر والارتقاء بِعُمارةِ الحياة. ولنقفْ متأمِّلينَ صورتها المثالية المؤثّرة كيف استوطنت قلب الشاعر، وملأت كيانه حبَّاً وجمالاً، لا لأنَّها مخلوقة أنثى تشاطره وقع الحياة، بل لأنَّها مخلوق إنساني فاعل جميل، وكائن حيّ ينتمي للطبيعة ويستمدُّ منها بقاء ديمومة العيش والاستمرارية، بل هي النموذج الحسِّي الصادق والمؤثِّر للمرأة المقدَّسة في فحولة سِفْرِهِ الشعري، إذ يصفها السَّماوي قائلاً ومُصرِّحاً بظلال وأفياء جنتها الشعورية:

يَا جَنَّةَ اللهِ فِي قَلبِي  وَ يَا قَمَرَاً

مِنَ الأُنُوثةِ أدنَانِي مِنَ القَمَرِ

إنِّي عَبَدتُكَ لَكِنْ دُونَ مَعصِيَةٍ (18)

كان لحبِّ المرأة وقعٌ خاصٌ ومكانةٌ رقيقةٌ في قلب الشاعر، فهي القمر الوجودي الكائن المفترض الذي يُقرِّبه من جمال سطوع القمر الحقيقي، وهي الجنَّة التي تتهيَّمها علائق الروح وتسعى إلى بلوغها. ولم يكن ذلك التعلُّق بالمرأة وبحبِّ عبادتها، إشراكاً وكُفراً وإلحاداً ومعصيةً لمفاهيم عقيدته الدينية، بل كان ذلك تقديساً إلهياً عرفانياً، وسعادةً وخيراً وجمالاً لحبّهاَ الجمالي. فهذ التَّعَلُّق الذي أوصله إلى حدِّ العبادة العشقية، والتمسُّك بها كونها أساساً مخلوقةً روحيَّةً تغفر له ماضي شبابه، وتُعِيُد له توازنه الروحي المتَّقِد:

يَا آيةَ العِشقِ لَو تَدرِينَ مَا قَلَقِي     أُردَى إذَا غِبتِ عَن سَمعِي وَعَن نَظَرِي

وَيَا  هَــدِيلَكِ  لَمْ  يَعـرِفْ  لِنَشوَتِهِ   سَمعِي مَثِيلاً سِوَى تَكبيرةِ السَّحَرِ (19)

وهذه العلاقة الروحية بالمرأة جعلت الشاعر لا يتردَّد في صراحته المعلنة حين يعترف بما يعتريه وما يُقلِقُهُ في عشقه لهذه المخلوقة الَّتي يُشكِّل غيابها وفقدانها عن مرأى ناظريه ومسمعيه هلاكاً يفقده حياته. فالمرأة في صورتيها (المرئية والصوتية) لها عند الشاعر حضورٌ لافتٌ يمنحه نسغ روح الحياة. فصوتها الصادح هديل حمامٍ ينتشي بِنَغَمَهِ ويرفُّ له مسمعه، وليس لمثل هذه الصورة الصوتية مثيل إيقاعيٍ يقابله في الأسماع سوى نغم تكبيرة صلاة السَّحر في الغبش الصباحي الجديد (اللهُ أكبرُ ... أللهُ أكبرُ كَبيراً).

وعلى وفق ذلك التصوِّر لا يتوانى الشاعر في رسم لوحته الشعرية لهذه المعشوقة الأثيرة التي سيطرت على كيانه الوجودي، فبلغت مبلغاً كبيراً من السحر والتأثير النفسي والجمالي الذي جعلها متجددةً في بثِّ خطابه، فكانت مرَّةً (جنَّةَ اللهِ)، ومرَّةً أخرى (آيةَ العشقِ)، ومرةً ثالثةً  (قِبلةَ صلاةِ) عشقه الروحي المقدَّس الذي يؤدِّي به فروضه الرُّوحية نحوها معشوقةً لا يُشرك بها أحداً من النساء الأُخَر. فالمرأة لديه رداء قيميٌّ مقدَّسٌ يخلعه على خيمة حبّه وطناً في أقانيم جغرافيته العشقية التي تتوالد أصداءً مُشعَّةً بِمَاحُوْلِهِ الشعري، وهي عنده قصيدة آيروتيكية قابلة للحياة والطبيعة والإنسان، لأنَّها تمتلك قوة الآيروتيك وسحره:

جَرّبتُ أنْ أختَارَ غَيرَكِ

قِبلةً لِصَلاةِ عِشْقِي

فاستَدارَ إليكِ قَلبِي وَالمُصَلَّى (20)

وصورة الوفاء العشقي لهذه المحبوبة التي وظَّفها السَّماوي تُذَكِّرُنا بصدق الوفاء الذي عبَّر عنه سلفاً رموز شعراء الغزل العذري الأُموي على وجه التحديد في التراث الشعري العربي، وما سبقه أو تلاه من عصور الشعر الذهبية للغزل، تلك الصورة التي خطَّها (المجنون) قيس بن المُلَوَّح لحبيبته ليلى العامرية حين خاطبها دون وجلٍ أو تردُّدٍ أو إشراكٍ لمبادئ عقيدته، مُصرِّحاً علناً بجماليات روح الحبَّ، وانثيالات تراتيله العشقية بلغة الحبِّ، لغةِ الاعتراف الجميل الذي تطوَّق به عنقه عاشقا لها، مُحبَّا لتكوينها الحياتي:

أرَانِي  إذَا صَليتُ يَمَّمتُ نَحوَهَا          بِوَجهِي  وَإنْ  كَانَ  المُصَلَّى وَرَائِيا

وَمَا بِيَ  إشرَاكٌ  وَلَكِنَّ  حُبَّــهَا  وَعُظْمَ الجَوَى أعيَا الطَبيبَ  المُدَاويَا (21)

وهذا التحاكي والتقارب النفسي العشقي من صور الوفاء يوحي بتجلٍّ أنَّ السَّماوي قد هضم قصص التراث وفهم موضوعاتها الفنيَّة والجماليَّة والحضاريَّة، وأفاد من شعراء التراث المتقدِّمين، فوظَّف إفادات فهمه بصورةٍ واقعيةٍ حديثةٍ تناسب حركة العصر ومتغيِّراته الفكرية والجمالية، وكان التجديد مستمدَّاً من ظلال الماضي الوارف، وإسقاطه على واقعة الحاضر، واستشرافه الفكري لغدِ المُستقبِل الحياتي الآتي.

2- المَعشوقةُ الآيروتيكيَّةُ المُتَخَيَّلةُ حِسيَّاً

إنَّ دراستنا الثقافية والأسلوبية اللُّغوية لهذا النمط الدلالي المعجمي العشقي من الحبّ لعلَّها توضِّح، وتكشف جانباً مهمَّاً من فكر ورؤية الشاعر الآيديولوجية تُجاه موضوع عشقيات المرأة الحسِّي؛ كونها كائناً حيوياً مهمَّاً في المجتمع لا يمكن تجاوز إيجابياته أو إغفال سلبياته المتشعبة في عملية التواصل الأدبي. وفي الوقت نفسه نطمح أنْ تكون خطوات هذه الدراسة النسقية أضواءً حياديَةً لجوانب من منهج النقد التكاملي الحديث الذي أعتمدناه في تحليل وتفكيك نصوص الشاعر الشعرية بهذه الدراسة البحثية، قد كشفت مرجعياتها الثقافية النصيَّة نسقاً مضمراً مضاداً لهوية الآخر الذي انبثقت منه صورة المرأة وتشكَّلت في الثقافة الأدبية العراقية والعربية الحديثة، النخبوية والشعبوية كائناً مقدَّساً أو مُدنَّساً، وجميلاً أو قبيحاً، ورفيعاً أو وضيعاً، له أثره الواضح في إعادة إنتاج جماليات النصِّ الأدبي الشعري حين يتحوّل إلى خطاب شعر مؤثِّر في أدبيات الشعر وأساليبه الشعرية المعاصرة وفق إبجديات نظرية الشعر الحديثة.

إنَّ السَّماوي  (يَحيَى) في حبّه وعشقياته التغزِّلية قد اتَّحد صوريَّاً وفنيَّاً مع ظلِّ المرأة، وتوحَّد معها _بوصفها مخلوقاً اجتماعياً إنسانياً_ توحِّداً روحياً تامَّاً في بوتقة العشق الجمالي، وخصَّص لها سبعَ مجاميعٍ شعريةٍ، ومدوناتٍ كثيرةً من شعره الغزلي الرهيف لتصوير طبيعة العلاقة الإنسانية (الحس روحيَّة) القائمة بينه، وبينها، والتي شغلت جانباً كبيراً من نتاجه الشعري الحديث الذي جسَّد فيه قيم خصوصيتها، ودورها المدني الإنساني في الحياة، وطناً وأُمَّاً وزوجةً ومحبوبةً وعشيقةً ومعشوقةً لا تُهمَلُ فرائد جوانبها.

وكانت أواصر هذه العلاقة الرُّوحية بينه وبينها سبباً مباشراً في إضفاء الشعور الرُّوحي الجمالي عند الشاعر بالحياة التي يسعى جاهداً إلى اقتفاء أثر المرأة الوضعي؛ كي يحيا وينعم ويعيش بظلال ثمراتها، لعلَّها تُعَوِّض عن الشعور بالمرارة والأسى عن جرح الوطن المفقود، وعن تلك المنافي وعذابات الاغتراب النفسي الذي أكل نصف عمره، مُعلَّقاً كلَّ كيانه الشخصي في وطن ثانٍ مُستعارٍ غير وطنه الحقيقي الأصلي الذي وظَّف له كلَّ حياته الفكرية، وطاقاته الشعرية والشعورية والنفسية، عَلَّهُ يجد في شعره وطناً حُرَّاً يكون ملاذاً آمناً في أُخريات إبداعه، فهو يَعِدُ وطنه الكبير جنةً، لأنّ الجنَّة كما يرى تبدأ من الوطن.

في قصيدته (لاتَذعُري) نلتقط للشاعر مقطوعةً فنيَّةً جماليَّةً من لوحاته الحسيَّة التي يُحوِّلُ فيها فن الآيروتيك الجنسي الشكلي الإنساني المحسوس إلى فنٍّ رُوحيٍ تمتلك فيه القصيدة آيروتيكة الشعر، وتسمو بأثره شعرياً إلى النهوض واللَّمس بمفردات الجسد إلى حالةٍ جماليةٍ فريدةٍ في صورتها المرئية حركياً وصوتياً، وغايته الفنيَّة بثُّ روح الامتاع الروحي، لا الإباحي الجنسي الشهواني الغريزي الحيواني المُبتذل الذي يجعل المرأة وعاءً جنسياً للتفريغ، وانقضاء شهوة الجسدية لا أكثر من تلك النظرة القصورية:

وَدَفَنتُ وَجْهِي

بَينَ قُبَّةِ يَاسمينَ وَبَيدرٍ مِن عَنبَرِ

وَأُمَشِطُ الشَّعْرَ المُبَعثَرَ

فُوقَ فِضَّةِ سَاعِدٍ بَضٍّ

وَوَجْهٍ مُقْمِرِ (22)

في هذا النموذج العشقي للمرأة الرومانسية الحالمة بالحبِّ الحسّي الجسدي الصريح المتوافق بعلاقته  يضفي عليها السَّماوي ببديع بيانه كلَّ ما هو جميل مُذهل ماتع رافع لجلال، وقدر حريَّة هذه العلاقة الروحية التي لا تُحبط من قدسيتها الإنسانية، أو تُهْبِطُ بها كليَّاً إلى صور الرذيلة من قاع حضيض الحاجة الغريزي الممقوت ثقافياً واجتماعياً؛ لأنَّ أفياء عشق الآيروتيك الجسدي الوارف عنده بصورته الكماليَّة (الحس روحية)، تمثِّل بوابةً جماليةً، ونافذةً للإبداع النفسي لا بديل لها، لما فيها من حسن المفارقة وذهول الإثارة والإدهاش، وكسر توقّع المألوف وتهشيم جداره الصلب بجديد ِجِدَةِ استعارات لُغة العشق المحبَّب وصوره الفنيَّة. وهذا ينبئ بأنَّ القصيدة الشعرية إذا لم تكن آيروتيكية لا يُعُوَّلُ عليها أبداً.

وتسمو صورة هذا الآيروتيك الحسِّي عند الشاعر بوعي المدرك لحقيقة الأنثى المعشوقة، حتَّى تصبح عنده صورة خلقٍ جديدٍ فاضلةٍ كعلاقة الشعر بالشاعر وبلغته في بُعدِهَا الإنساني والجمالي الذي يُعلي من سقف نورانيتها العرفانية أداةً رفيعةً جمَّةً للحبِّ والخصب. وهذا التأويل التعضيدي لفلسفة الشاعر يكشف لنا بأنًّ المرأة المعشوقة في قاموسه، تعدُّ قصيدةً وليدةً قابلةً للحياة، وحديقةَ روحٍ غنّاءِ مورفةً بجمال أعراض المظاهر، وخفي أنساق الجواهر الذي لا يجفُّ عطاؤه الدائم ما دامت دلالة المرأة شجرةً قدسيَّةً وارفة العطاء، ورمزاً ثرياً للسخاء.وقد جمع كلَّ تلك المعاني في هذا الثراء اللُّغوي الصوري الجمالي بقوله:

فَأنَا

أخَافُ عَلَى الحَمائِمِ

مِن حَريِر قَمِيصِ نُومِكِ

أو فِراءِ المِئزَرِ (23)

***

يتبع

الدُّكتُور جَبَّار مَاجِد البَهادلي

......................

 (*) من كتاب بنفس العنوان سيصدر في الأيام القليلة القادمة .

 

 

محمود محمد عليتعد رواية الأرض للشرقاوي من الروايات البارزة في تاريخ الروايات العربية . وقد ساهمت في شهرتها عوامل عديدة، من أهمها طرافة الموضوع وجدته، فالرواية خرجت عن المواضيع التاريخية القديمة، وارتبطت بهمووم الطبقات الفقيرة، فصورت صراع الفلاحين ضد طبقة الإقطاع في مصر في بداية الثلاثينات، في وقت دقيق كانت فيه البلاد تعاني من آثار الأزمة الاقتصادية العالمية، وتعيش بداية حزب سياسي جديد سخر نفسه لخدمة النظام الملكي ودعائمه، من داخل البلاد أو من خارجها، وإن سمى نفسه " حزب الشعب "  (13) .

وربما ما يميز هذا العمل أيضا، واقعيته وتصوره للإنسان المصرى، فبحسب ما يقول الدكتور كمال القاضى، فى كتابه "نصوص موازية"، رواية الأرض تتشابه من حيث واقعيتها مع ما كتبه نجيب محفوظ عن الحارة، الاثنان يرمزان إلى الوطن وينقلان صورة حية لارتباط الإنسان المصرى بمواطنه الذى يمثل جزءا أصيلا من تكوينه وتراثه، فالأرض عند عبد الرحمن الشرقاوى تعادل بالنسبة للفلاح الحياة وفقدانها هو الموت أو النفى (14).

وتتمحور رواية الأرض للأديب الكبير عبدالرحمن الشرقاوى منذ بدايتها حول ثلاث شخصيات رئيسية وهم «عبدالهادى ومحمد أبو سويلم ووصيفة»، وعدة شخصيات ثانوية هم «محمد أفندي، وخضرة، وعلواني، والشيخ يوسف، والشيخ الشناوي، والعمدة ودياب، وشيخ البلد، ومحمود بك، والمأمور، والناظر حسونة، إضافة إلى الشيخ شعبان الذى يظهر فى الثلث الأخير من الرواية والذى يغيب بعد أن يؤدى الدور الذى وجد لأجله فى الرواية لدفع الأحداث فى منطقة معينة رغم عدم تمهيد المؤلف لظهوره من البداية والذى جاء مباغتًا، وكذا الشاويش عبدالله، وصول البندر، وعم كساب سائق العربية الحنطور (7).

وخلال صفحات الرواية نتعرض لأكثر من صورة من صور للفلاح، فهو المجاهد لأجل نصرة بلاده والفاعل فى الحياة السياسية فى ثورة ١٩١٩ وهو المناضل ضد الاحتلال الإنجليزي، وهو المدافع عن أرضه حتى آخر قطرة دم فى وريده، فهو محمد أبو سويلم الذى حارب فى صفوف الجيش وهو لا يعرف من يحارب ولماذا يحاربهم، وإنما لبى نداء الوطن والواجب دون أن يسأل عن أسباب، وهو عبدالهادى الذى سارع لإنقاذ جاموسة شعبان رغم الحرب الضروس التى دارت بينهما، وهو من تصدى للحكومة التى حرمت الأرض من المياه، وهو محمد أفندى الذى دفع ماله عن طيب خاطر لحل أزمة المياه دون أن يُعلم أحدًا من أهل القرية (15)؛ ومن ثم يكون للأرض صداها، يرن في أرجاء الوجود،... دعوة للإنسان الفعال أن يحبها فيعشقها فيلتصق بها ويذوب فيها عشقاً وفعلاً. وللأرض "منطقها" كذلك... فهي لن تخضه إلا لمن افتداها بعرقه وجهده وحياته وقلبه.. وقسا عليها حرثاً وبذراً، وزراعة سقاية... صوت الأرض وصداها.. يسمعها الإنسان... ولكنه قد لا يدرك ما وراءهما من رموز وإيحاء.. فيعجز عن إدراك السبيل إلى "عشق الأرض"..

وهنا يؤكد الأستاذ أحمد عبد المعطي حجازي بأنه حين ننظر فى أعمال عبدالرحمن الشرقاوى نجد أن الفلاح المصرى هو الشخصية التى تؤدى دور البطولة فى معظم هذه الأعمال. فالفلاح هو الأب المصرى الذى ندد بالسياسة الأمريكية، وكشف عن وجهها القبيح فى قصيدته «من أب مصرى إلى الرئيس الأمريكي». والفلاح هو محمد أبو سويلم بطل «الأرض» الذى ثار هو ومعه الفلاحون المصريون ضد المحتلين الإنجليز وضد ملاك الأراضى المصريين الكبار الذين أرادوا بالاتفاق مع السلطة المستبدة الحاكمة أن يحرموا الفلاحين الفقراء من حقهم فى مياه النيل. والفلاح أحمد عرابى هو أول مصرى يتصدى للطغاة الأجانب المستبدين الذين ظلوا يتوارثون مصر من القرن السادس قبل الميلاد إلى بدايات القرن الماضى، ويطالب بتطهير الجيش من الشركس والترك والأكراد رافعا شعاره «مصر للمصريين» وبحكومة ديموقراطية يحكم بها المصريون أنفسهم بأنفسهم  (16).

ولأن الشرقاوي، في الأصل مفكر مصرى، ريفى النشأة، أصيل النزعة فإنه يكتب من خلال هذا، مندفعا نحو هدف ربما يبدو غامضاً لبعض هؤلاء الذين حاولوا احتواء أدب الشرقاوى، وفي اعتقادهم أنهم بهذه الطريقة يقومون للشرقاوى كروائى وكاتب تقدمى، ونظرا لأنه أكثر تقدمية وثورية منهم، فإنه يسبقهم، ولهذا عندما يلتمسون في أدبه بتفاهم يعجزون، وأحياناً يضيقون كما فعلوا في رواية الفلاح التي تخطت اللحظة، واندفعت نحو الأفق الأرحب، بحيث نستطيع القول أن (الفلاح9 التي كتبت في عام 1965 ونشرت في عام 1968، كانت ارهاصة الروائي بما سوف يحدث في مايو 1971، والمحاولة الجريئة التي يمكن أن تخدم الأدب هي مقارنة ما حدث عام 1965، وما نشرته الصحف خلال هذا العام حول حادث، ثم مقارنة ذلك بما جاء في رواية الفلاح، ذلك أن دارسا مثل الدكتور عبد المحسن طه بدر، في كتابه (الروائي والأرض) حاول أن يعقد مقارنة بين ما حدث في كمشيش وما سجله الشرقاوى في رواية الفلاح وخلال هذه المقارنة التي يعقدها الدكتور بدر يندهش من خلط الحقائق واضطرابها عند الشرقاوى، بل ويأخذ علي الشرقاوى رؤيته للحقائق التي يعتقد الدكتور بدر، وفقا لما كان سائدا أيامها أنها صحيح، بينما كانت رواية الفلاح المنشورة عام 1968 هي الأصدق والأقرب إلي التصور وأنها – أبدا – لم تخلط بين الحقائق والأكاذيب، وأن كاتبها الروائى ارتفع فوق الحقيقة المصنوعة ووصل إلي الحقيقة الخفية، والتى ظهرت فيما بعد ؛ بل وصل بالدكتور بدر مقارنة الحقيقة الخفية، والتى ظهرت فيما بعد،بل وصل بالدكتور بدر مقارنة رواية الفلاح بمقال للأستاذ لطفى الخولى عن حادث كمشيش، وكأن المطلوب من الروائي أن يكتب تحليى عقائديا في رواية يلتزم بمبادئ سياسية معينة! وهذا يدلل علي خطا تطبيق النظرية السياسية علي تفسير الأدب، ولهذا يعتقد بعض الباحثين بأن أدب الشرقاوي يحتاج إلى إعادة دراسة (17).

كذلك نستشف من رواية الأرض شخصية الشرقاوي ابن الريف، الذي عاش في القرية في صباه وانغرست قدمه في طين البركة وقناة الرى، وركب الساقية والنورج، وجرى خلف المعزة، واندس بين الفلاحين، يستمع معهم إلي موال أدهم الشرقاوى، واهتز حسده الصغير وهو يستيقظ فزعا علي صوت عواء الذئب، وطلق نارى يتردد صداه حتى يصطدم بحائط المسجد الكبير، فإذا جاء الصباح كانت أهم مشكلة تواجه القرية كلها هي مشكلة الرى، وهى المشكلة الأزلية التى جاءت مع النيل، هذا التناقض الغريب حتي الشفق أيام ( التحاريق) . وهذا النيل الممتد الواسع المتفرغ مثل شجرة الجميز الرابضة بالقرب من الجسر، يقابله آلاف المساجرات حول نوبة الرى، .. وتصبح المشكلة العامة في القرية من يروى قبل من ؟ .. كما تصبح المشكلة العامة في القرية عدد أيام النوبة (نوبة الرى) هل هيفي الكفر سبعة أيام؟ والأمر في حاجة إلي جدول اللغوغريتمات كى نحقق الدعالة، فإن الترعة تمتلئ من 500 فدان أو تزيد والفدان يحتاج إلى ثلاث ساعات، أو أربع وتدخل حسبة برما، التى لا بد أن تظلم أحدا، هناك بالتأكيد في كل نوبة رى ظالم ومظلوم، يال القسوة .. والنيل الجارى، الخالد يشق قلب الوادى، يندفع في الرياح والترع، والقنوات ولكن بأمر الحكومة يتوقف ! النيل مشاع، عام، مثل الهواء، ولكن تأتى الحكومة وتجعله بالباطقات، بالتموين، بالقطارة .. تسقى من تشاء وتمنعه عن من تشاء، الرى هز للعمود الفقرى لكل حكومة مصرية  (18).

وقد ساهم تحويل الرواية إلي شريط سينمائي في جعل رواية الشرقاوى مشهورة، وليس كلنا يعرف، بالطبع، مدي قيمة وأهمية هذا الفيلم الخالد.. لـكن هناك مشاهد عديدة من الفيلم ما تزال عالقة بذهن وذاكرة المتفرج العربي من الخليج إلى المحيط فبالإضافة إلى أهمية هذا الفيلم الفنية والتقنية، فهو أيضاً فيـلم جماهـيري من الـدرجة الأول.. إنه فيلم يحمل رؤية فنية وفكرية واضحة، ويتحدث عن الفلاح والأرض وضرورة الانتماء إليها.. وبالتـالي فهـو فيـلم يدعـو إلى الثـورة والـدفـاع عن مثـل هـذه المبـــادىء الإنسانية السامية ؛ ولا ننسى أن نذكر بان فيلم الأرض قد اختير ليتصدر قائمة أفضل عشرة افلام في تاريـخ السيـنما المصـرية، وذلـك في إستـفـتاء أجـرته مجــلة فنـون المصرية في عام 1984. كتب السيناريو والحوار لفيلم الارض الكاتب والصحفي والفنان حسن فؤاد، عن رواية بنفس الاسم للاديب عبد الرحمن الشرقاوي (19).

نحن إذن، في فيـلم الأرض، أمـام مضـمون قـوي يحـمل رؤيـة تقدمية عن ذلك الصراع الطبقي الحادث بين الفلاح والإقطاع في الفيلم.. وهذا المضمون، بالطـبع، يقف وراءه مخرج فنان ومثقف فيلسوف، يعد من بين الكبار في الوسط السينمائي المصري، فـ يوسف شاهين في هذا الفيلم قد توصل إلى جـودة فنـية وتعبـيرية لم يكـن قـد توصـل إليها في أيٍ من افلامه السابقة لهذا الفيلم.. فقد برز كلاعب حاذق بالكاميرا، إلى جانب حرفيته في إدارة من معه من فنيين وفنانين.. وقد شهد له العالم ولفيلمه بذلك.

فعند الحديث عن الاستقبال الحار والنجاح الكبيرالذي لقيه الفيلم، منذ عرضه الأول حتي يومنا هذا، فمن الأهم ذكر ورستعراض آراء النقاد السينمائيين العالميـين عن فيلم الأرض.. حيث أن الفيلم، وخلال العشرين عاماً الماضية، عرض في أكثر من مهرجان عالمي، وشارك في العديـد من الاسـابيع السـينمائية الخـاصة للفيـلم المصري والعربي في أغلب عواصم العالم في الشرق والغرب.

وفى النهاية لم يتبق لنا فى هذه الوقفة السريعة مع رواية الأرض للشرقاوى إلا أن نقول تحية حارة للعملاق الكبير عبد الرحمن الشرقاوى، ذلك الروائي المبدع من طراز فريد، والمؤمن برسالته، والمدافع عن قضيته، ذلك الفلاح البسيط الذي هتف مع الفلاحين من أهل قريته الذين يحملون الفؤوس ويهتفون بقوة وبسالة.. يحيا العدل.. وتحيا مصر حرة.. يحيا الاستقلال التام.. يسقط الإنجليز - يحيا الوطن.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

.........................

الهوامش

13- محمد البدوي: المرجع نفسه، ص 13.

14- المرجع نفسه.

15- المرجع نفسه.

16- المرجع نفسه.

17-أحمد عبدالمعطى حجازى: عبدالرحمن الشرقاوى .. فى عيده ــ2،

18- فتحي سلامة : عبدالرحمن الشرقاوي : شاعر الرواية المصرية، القصة، نادي القصة، العدد 26، 1980، 85-86.

19- فتحي سلامة : المرجع نفسه، ص 86-87.

 

 

الحسين بوخرطةبأبنيته السردية الجذابة، أبدع القاسمي هذه المرة نصا قصيرا في حجمه، لكنه راق برسائله وعبره الإنسانية. إنها قصة قصيرة بحبكة سردية لا يمكن أن لا تدفع الذات القارئة إلى مساءلة وجودها والتأمل في هويتها الثقافية والسلوكية من جديد. بصوغ لغوي مبهر، تناول هذه المرة ظاهرة اجتماعية فتاكة، ظاهرة "التحرش"، بأسلوب بلاغي دق من خلاله ناقوس خطر تفاقم أزمة القيم في المجتمعات العربية والإسلامية.

إنها قصة رائعة بعباراتها وصورها التوثيقية. تم بناء جملها وفقراتها بشكل يجعل القارئ مشدودا لكلماتها من أولها إلى آخرها، متنقلا عبر فقراتها من صورة إبداعية إلى أخرى.

لقد حذرت القصة مبكرا من حدة الصدمات المتتالية التي شهدتها وتشهدها المجتمعات العربية خلال السنوات الأخيرة. لقد شكلت في تاريخ كتابتها ونشرها صرخة مدوية ومحذرة لخطورة هذه الآفة. إن تفشي الاغتصاب والتحرش بالفتيات والأطفال وانتهاك الأعراض وقتل الضحايا وتشويه الأجساد تحول إلى كابوس مؤرق للأسر العربية. إنه استفحال وضع نفسي وسلوكي مركب ومعقد يتطلب تدخلا سريعا، أولا في مجال الوقاية والمعالجة بالتربية والتعليم ومؤسسات إعادة التربية ومواجهة الانحراف، وثانيا ربح الوقت لتحقيق أهداف المعالجة المعرفية بالسيطرة عليها بتشديد مستوى العقوبات إلى أعلى المستويات. القصة كذلك تحذر من اختلالات خطيرة في منظومة التنشئة، ودعوة إلى تعميق التأمل والدراسة في علاقة الآباء بالأبناء من جهة، وعلاقة الذكور والإناث من جهة أخرى.

لقد فضحت هذه القصة خطورة هذه الآفة وعواقبها الوخيمة على الروح الجماعية ومقومات العيش المشترك. وجدت فاطمة، التلميذة المجتهدة المتصدرة لنتائج تلامذة فصلها، نفسها منجذبة بجمالية شوارع مدينتها، فقررت التخلي عن امتطاء حافلة النقل المدرسي المعتادة، والمشي على الأقدام لمدة لا تفوق عشرين دقيقة في اتجاه منزل الأسرة. هي تعرف مسبقا دوافع أولياء أمور التلاميذ لتحمل مصاريف مضنية لضمان خدمة تنقل أبنائهم، وما يشكله ذلك من عبء مادي يثقل كاهل الأسر المتوسطة في بلادها. يتم اللجوء إلى هذه الخدمة حماية لفلذات الأكباد، خصوصا الفتيات، من براثن الانحراف والتحرش. لقد جذبتها حاسة البصر واستسلمت بصيرتها لهاجس التمتع بمناظر الشارع المؤدي إلى دارتها، بدون أن تفكر في أي خطورة مفترضة.

مزهوة بموقعها الاعتباري بين زميلاتها، ومعتزة بشموخها، لم يدر في خلدها سوى اللحظة التي ستزف من خلالها خبر تفوقها لأفراد أسرتها بصوت شجي ومترنم، خبر يحول الحياة الأسرية إلى محفل احتفال يزلزل نفوس الجيران غبطة، ويدفعهم للركض متوافدين على منزلها، مفتخرين بهذا الظفر الميمون لفتاة حيهم.

تعتبر فاطمة بالنسبة للكاتب نموذج تمثل راق، وهدف سام تسعى كل أسرة عربية لتحقيقه. فتربية الأطفال وتعليمهم يتطلب، إضافة إلى التمكن من مواد التخصص التعليمية، تكوين خبرة ورصيد مصطلحي غني في اللغات الحية الكونية، وعلى رأسها اللغة العربية وقاموسها التاريخي.

وفاطمة تفكر في مستقبلها وحاجتها لتقوية رصيدها اللغوي وتعلمها اللغة الإسبانية، قررت، بدافع انشغالها الدائم بتدبير وقتها التعليمي والتكويني، بتسجيل نفسها في معهد اللغة الإسبانيّة في وسط المدينة. أتمت إجراءات التسجيل بسرعة، خرجت منبهرة بجاذبية الفضاء العام. أحست بالمتعة وقررت الرجوع سيرا على الأقدام إلى حال سبيلها "الجوُّ رائقٌ، والسماء صافيةٌ، في ذلك اليوم الربيعيّ المُشرِق. النسيم المنعش يلامس وجهها فيتورّد خدّاها بنضارة الشباب".

انقض على عالمها الجميل منحرف في الشارع العام "شوارع المدينة زاخرةً بالناس والحركة والحياة. واجهاتُ المحلات التجاريّة مملوءةٌ بالمعروضات المُتنوّعة من الألبسة الأنيقة، والمأكولات الشهيّة"، يسرع ليسير إلى جانبها، مخاطبا وداعيا إياها إلى مرافقته لقضاء وقتٍ جميلٍ معاً.

اقتحم هذا المعتدي، الضحية في نفس الوقت لمنظومة تربوية فاشلة، عالمها بدون استئذان، كدر أجواء فرحها الدائم بشبابها واجتهادها، وعاث بهدوئها وسكينتها. قد يكون مهمشا ضحية هدر تربوي أو مدرسي، أو شابا بدون أفق مستقبلي، أو مريضا مذمن التهوين عن معاناته وعقده بامتداح ومضايقة الفتيات. تربص الفرصة، التصق بها بشدة، ولاحقها أينما راحت وارتحلت، وهي صامتة ملتزمة بوصية أمها. لازم خطواتها مكررا على مسامعها عبارات مكبوتاته الجنسية. اشتد الخوف والهلع بها، تكدرت نفسيتها، وامتقع لون محياها. حاولت التفلت منه، فغيرت الطريق مرارا كلما سد اتجاها في وجهها. استمرت مقاومة ارتباكها محاولة أن تذيد عن نفسها بالهروب منه. لم تستطع التحكم في أعصابها. باغثته فجأة بعبور الطريق إلى الرصيف المقابل. غادر التركيز بصيرتها ووجدانها بسبب الخوف، فدهستها سيارة في وسط الطريق، فتحولت إلى ضحية حادثة سير مميتة. تمددت المسكينة أرضا وجسدها ينزف دماء، بمخيلة يراودها حلمها الذي لا يفارق مخيلتها، حلم بناء مستقبل واعد يشرف مكانتها المجتمعية ويفرح أسرتها الصغيرة والكبيرة.

المثير في القصة كذلك، إضافة إلى خطورة الظاهرة، هو كون مضايقتها والتحرش بها في الشارع العام شكلا لوحة تعبيرية عادية لدى المارة والتجار، وكأن الأمر لا يهمهم ما دامت الفتاة المتحرش بها لا تربطها بهم أية علاقة قرابة. فالأمر عادي بالنسبة لهم. وقعت الحادثة، ولم يثر أحد السبب. أما الجاني، الذي دفع الضحية إلى معانقة مخاطر حتفها، فواصل سيره من غير أن يلتفت. لا أحد فكر في حالة أسرتها التي تحملت العناء اليومي لبناء مستقبل فلذة كبدها، ولا أحد انتابته حجم المعاناة المادية والمعنوية التي تكبدتها وتحملتها أسرتها لتنشئتها وإعدادها للتنافس المعرفي خدمة لذاتها ووطنها.

 

الحسين بوخرطة

.............................

المشاكسة بقلم د. علي القاسمي

تستقلُّ فاطمة حافلة مدرستها الثانويّة عائدةً إلى منزلها، وهي تشعر بسرور واعتزاز. فقد وزَّعت إدارة المدرسة نتائج الفصل الدراسيّ.جاء ترتيبها الأوَّل بين زميلاتها. تتصوّر في مخيَّلتها فرحة أهلها بالنتيجة الباهرة. تتردَّد في ذهنها عبارات التشجيع التي سيغدقونها عليها. ترتسم بسمةُ المسرَّة على شفتيْها.

تراودها رغبةُ الذهاب إلى معهد اللغة الإسبانيّة في وسط المدينة قبل أن تعود إلى المنزل، لتنخرط في دروس تعلّم اللغة الإسبانيّة، فقد شجعتها نتيجتها الجيّدة على ادّخار بعض الوقت لتعلّم لغة إضافيّة. تنزل من الحافلة بالقرب من المعهد. سرعان ما تتمّ إجراءات التسجيل.تغادر المعهد وعلامات الرضا باديةٌ على تقاطيع وجهها الجميل المفعم بالحيويّة.

المسافة بين المعهد ومنزلها لا تستغرق أكثر من عشرين دقيقة سيراً على الأقدام.  الجوُّ رائقٌ، والسماء صافيةٌ، في ذلك اليوم الربيعيّ المُشرِق. النسيم المنعش يلامس وجهها فيتورّد خدّاها بنضارة الشباب. تبدو لها شوارع المدينة زاخرةً بالناس والحركة والحياة. واجهاتُ المحلات التجاريّة مملوءةٌ بالمعروضات المُتنوّعة من الألبسة الأنيقة، والمأكولات الشهيّة.تشعر بسعادةٍ غامرة.يخطر في بالها أنّ حافلة المدرسة تحرمها من متعة المشي في المدينة.

فجأةً تحسُّ أنّ شخصاً ما يسير خلفها، يتبعها. يتبادر إلى ذهنها أنّ ذلك لا يعدو أن يكون محض مصادفة. لا يستغرق الأمر طويلَ وقتٍ ليتأكَّد إحساسها، إذ يسرع ذلك الشخص ليسير إلى جانبها، يخاطبها، يدعوها إلى مرافقته لقضاء وقتٍ جميلٍ معاً.

لا تدري  كيف تجيب على كلامه. تتذكّر أنّ أُمّها نصحتْها بعدم الإجابة في مثل تلك الحالات، لئلا يجرّ الرفض إلى ردِّ فعلٍ سيئ. تستمرُّ في سيرها، لا تلتفت ولا تتكلّم. تتظاهر بأنّها لم تسمع شيئاً.يواصل هو توجيه كلامه إليها. تسرع في مشيتها أملاً في التخلّص من ذلك الغريب المشاكس. لكنَّه هو الأخر يسرع في مشيته. يسبقها ويقف في وجهها سادّاً عليها الطريق. يقول شيئاً غاضباً بصوتٍ عالٍ لا تفهمه، بسبب الخوف الذي يستحوذ عليها.

دون أن تتفوّه بكلمةٍ،تجد نفسها تستدير بصورةٍ مفاجئةٍ، وتندفع من الرصيف في اتجاه الجانب الآخر من الشارع، لتتخلَّص من هذا الشخص المشاكس. في تلك اللحظة تصلُ سيّارةٌ مسرعة، تدهسها وسط الشارع.

تسقط فاطمة أرضاً مضرّجةً بدمائها. أمّا هو فيواصل سيره من غير أن يلتفت.

 

الحسين بوخرطة

 

خليل مزهر الغالبيوموضوع ابادة الهنود الحمر

مدخل: لم يزر الكاتب الروائي السوري– حيدر حيدر- العراق حتى مرة واحدة  لكنه كتب بعض ما نقل له من وقائع عراقية  محورت مروي روايته "وليمة لاعشاب البحر" بمخيال روائي، وما أكثر الإشارات في الرواية إلى حقائق ووقائع وأحداث ومواقع وشخصيات وكان رده  لتسائل عن هذه الغرابة – انا  كتبت روايتي هذهِ وكأني عشت احداثها لكوني كاتب روائي.

اقول هذا كمدخل في قراءة رواية (أسطورة مانسفيلد) والرواية تتكلم عن المجتمع الامريكي و كاتبها " غيث الشطري "لم يزر ايضاً امريكا من قبل نلنؤكد هنا على نشاط المخيال الروائي للكاتب "غيث الشطري"  ونؤكد هذا ايضاً، لما لمفصليات الرواية من حضور مكاني امريكي وسلوك لشخوص الرواية ومن  شخصية " مارك"وهو طالب ومدرس لمادة التاريخ وصديق عمره – توماس من مدينة فلوريدا- وحبيبته – نايا – وكذلك ذكره لانتماء " مارك " القبلي حيث اقوام " الايروكواس" القاطنين في منطقة الجبل الاخضر  بولاية فيرمونت، وهي موطن القبائل الهنود الحمر.

والرواية هي من الانوع الجديد من السرد الروائي الاستعادي لصوت الضحية التي تحكي الرواية مأساتها بلسانها، وكما نوه عن هذه التناولات في المنتج الادبي الناقد " حسن نشوان" بقوله (وإذ لا يتوقف التاريخ عند تدوين بطولات المنتصر، هنالك من ينصف المهزوم أيضا باستعادة روايته التي عبث بها الغزاة، ويستعيدها في الشعر والرواية والأدب بوصفه جزءا من الذاكرة الإنسانية التي لا تدون الوقائع وإنما تنفذ إلى أرواح البشر وأحلامهم وهواجسهم بظلال الأحداث، لتسجلها شهادة للتاريخ).1

 وسردية الرواية هي من السرديات اللاحقة، اي السرد الذي يكون زمنه تالياً لزمن الحكاية، وهو من الطبيعي أن تكون الحكاية سابقة للفعل السردي.ــ مثلما يقول جينيت ـــ استخدام الزمن الماضي لجعل السرد لاحقاً بالحكاية،

وقد ضمنت الرواية تاريخ ابادة الهنود الحمر من قبل الاستعمار الانكليزي والفرنسي ومابعده الامريكي الابيض، وهي عمليَّة إبادةٍ جماعيَّةٍ للسكان الأصليين، دون أيَّة رقابةٍ أو مراعاةٍ للحرمة؛ فقتلوا النساء والأطفال، والشباب، ودمَّروا الأخضر واليابس، وسمَّموا الآبار، وذبحوا الماشية،ومع ذلك لم كان من قادة القبائل الهنديَّة إلَّا أنَّهم طلبوا السلام مع المحتل القادم.

وقد محور الكاتب " غيث الشطري " حكاية اسطورية عن احداث الحرب هذهِ عام  1765حيث  سلالة قبيلة بطل الرواية " مارك" وهم اقوام " الايروكواس "وبعد قتل عدد من قومه ودفنهم مع اسلحتهم وفق معتقدهم بلزومية ذلك بعد انتهاء المعركة، لكن بقي ثلاثة قتلى بدون سلاحهم ليدفنونه معه وهي رماح قتالهم، وهذا معارض لتقاليد دفن المحاربين القتلى حيث ستبقى  اللعنة تطارد اقوامهم حتى احضار هذه الاسلحة ودقنها،كما خبرهم كاهن من القرية  بان لعنة ابدية تعصف بالجميع اذا لم يتم استرجاع الاسلحة الثلاثة.

 وتحل هذه اللعنة على شخص من نفس افراد القبيلة وهم " الايروكواس" وقد ظهرات هذه حيث  شخص "مارك " الذي ينتمي لاقوامها . لتظهر اللعنة عليه وعلى شكل آلام تحصل له بين وقت واخر وهو في عمله بين زملاءه واصدقاءه . فصار ومن طفولته يعالج على المهدئات وهي حالة احزنت واقلقت ابوه "هاردي نيسلون " كما حصلت له وهو برفقة اصدقاء له .كما في هذه الحالات ...

(ليس الان) قالها مارك وهو يمسك راسه ويسند يده على صديقه توماس –

- مالامر يا صديقي هل انت مريض

- لا لست مريضا، انه بعض الارهاق فقط

ظل بعض الطلاب ينظرون الى مارك وهو متوعك

-حسنا اذن تعال نجلس كي ترتاح))ص28

وحالة له اخرى (يا الاهي،لماذا اتاني الصداع الان) جثا " مارك " على ركبتيه وهو يمسك راسه بكلا يديه، توجه زملاء مارك نحوه لكي يعرفوا مابه). كما في خالات اخرى له.

و لهذه الحالة المؤلمة التي يعيشها الشخص "مارك" والمنعسة كثيرا على والده  المهتم بالبحث في تاريخ وقائع الحروب هذه و متعلقاتها وتفاصيلها،ليعثر عن تفسير لمعنى دفن الاسلحة مع المحاربين القتلى ولزومية العمل بها، ليعثر "مارك" على تدوين لابيه دفعه فيما بعد للبحث الطويل  على اسلحة القتلى الثلاثة وهي ثلاث رماح، ليجدها لدى احد تجار الانتيكات الفرنسين " بيتر غرسيا " والذي رفض بيعها او تسليمها الى " مارك " الذي وقع في نوبة غضب لهذا الرفض، لما لحق به من قتل لأمله  في استرجاعها الذي يوقف الامه بسبب الفقد هذا والذي سجلته لنا الاسطورة على لسان  احد كهنة القبيلة.وهو يعيش آلامه الجسدية والنفسية جراها.

ومن تخالط وتشابك الحدث لدى تاجر الانتكيتات الفرنسي  " بيتر غرسيا "ولما حل به من ردة فعل انسانية قام بارسال رسالة لمارك بالموافقة لتسليمه الرماح لتشكل تمفصلا حادا في الخطاب الروائي وقد كتب في الرسالة...

(كلماتك جعلتني افهم ان هناك معنى للحياة غير الذي اعرفه، ارجو ان مافعلته لك يوفي بجزء بسيط مما قدمته لي) بيتر غرسيا/ص191

وفتح  " مارك" بعدها الصندوق ليتفاجأ بالرماح الثلاث ليقوم بحملها متجها لقمة جبل مانسيفلد حيث  مأساة الملحمة الدموية التي لحقت باقوام سلالته، حيث وجدت "نايا" المفكرة التي تعود لوالد مارك الذي عاش متألما لما يحصل لابنه من نوبات تعد من لعنات عدم دفن الرماح الثلاث مع محاربيهم القتلى . والاب هو باحث مدقق عن تلك الحروب التي قتل بها ابناء سلالته انذاك . وقد كانت المفكرة مفتوحة على الصفحة الاخيرة كما ذكرت في الرواية ص198 وقد كتب " مارك" تعليق مهم مخاطب روح ابيه،وهذا تدوينها.......

(واخيرا لقد عرفت المطلوب من المخطوطة التي قمت بترجمتها، ان الروح المضحية التي يجب ان تعود مع الرماح الثلاثة لجبل مانسفيلد هي روح يجب ان تكون من نفس سلالة القبيلة، اليوم سوف انهي لعنة قبيلة الايروكواس واعيد كل شيء لطبيعته، اليوم سترتاح روحك وارواح اسلافنا)ص198.

واخيرا كان "مارك" على حافة جبل مانسفيلد حيث (نايا تبكي وتصرخ وتوماس يمسك بها، البرق يضرب بشدة ومارك يقترب كثيرا منهم، مدوا ايديهم ناحية مارك ومن ثم...اختفوا.. واختفى معهم مارك ومعه الرماح الثلاثة)ص202. لتكون بمثل استعارة ميثولوجيا الهندي الأحمر في علاقتة الروحية مع المكان له، وهي ارضه التي يقدسها حد التسامي في حبها ومنه الدفاع عنها كما في التجليات المنبعثة من حادثة اختفاء  مارك و ورفيقيه و الرماح الثلاثة.

 و هذا ما تسجله خاتمة الرواية حيث (في الصباح الجو جميل والشمس ساطعة والنسر يحلق فوق المكان كدليل على صعود ارواح المحاربين لقد ضحى مارك بحياته من اجل تاريخ قبيلته من اجل ان ترتاح ارواحهم وترقد بسلام. اخيرا انتهت لعنة الجبل الاخضر) ص202. ومن ترميز التعبير الوصفي لاطلالة الصباح بجوه الجميل ووو ليتضح السطوع الروحي لمحور الرواية والذي يحمل الخطاب الروائي الضاد لعملية قتل اقوام امريكا الاصلين وبأكثر الاساليب الوحشية. لتعد الرواية إسقاطا للتاريخ على الحاضر، وبمثابة التقاء لأرواح المعذبين في الأرض، ومقاربة لتاريخ المظلومين التي تعبر عن نفسها بحنين طاهر يشبه الأنين.

وقد وفق الكاتب " غيث الشطري " في سبك سردية الرواية من احداث لها و وقائع وحوار وسلوك اشخاصها كما في ذكره لمسميات الأمكنة التي توزعت بكثرة في متون الرواية من مدن وشوارع و كليات دراسية وفنادق . لتؤكد على فعل المخيال السردي للكاتب " الشطري" الذي ابدع في بناءات مكونات روايته ونول قبول المتلقي .

 

خليل مزهر الغالبي

.............................

1- مقال"هوشيلاجا".. رواية عربية عن الهنود الحمر تستحضر فلسطين والسكان الأصليين لأميركا- حسين نشوان – الجزيرة

 

 

محمود محمد عليما يميّز الإنسان عن باقي المخلوقات صفة النطق والقدرة على التعبير، فالكلمة هي الظاهرة البشرية الأولى، التي وجدت مع الإنسان، وأسهمت في تشكيل الاجتماع الإنساني منذ مرحلته الأولى، وبها انتقلت المعرفة المكتسبة من شخص إلى آخر، عبر أماكن مختلفة وأزمان متلاحقة، والكلمة في طورها الشفهي مثَّلت الأداة الأولى، لنقل المعارف والخبرات الإنسانية عند كل الأمم، ولا شكَّ أن أثر الكلمة في حياة الناس عظيم جداً، ربما لا ندركه جميعاً، لكنه موجود بالفعل، ويصنع في الأشخاص العديد من التغييرات المدهشة تماماً، سواءً كانت هذه التغييرات إيجابية أو سلبية. وبالرغم من ذلك، فالبعض يجهل أثر الكلمة في النفوس، ولا يعرف كيف يمكنها أن تغير من حياة الناس، ويرى أن الكلام سيظل كلاماً مهما حدث، على الرغم من أن الكلمة تؤثر في حياة الناس، ومن كل جوانب الحياة.. إنها مفتاح للبهجة والسعادة والأمل والتفاؤل والطاقة الإيجابية لمن أدرك قيمتها، وتنبأ بأثرها، وأجاد استخدامها، وعرف معناها ووقعها على آذان السامعين (1).

قصدت أن أبدأ بهذه المقدمة لأتحدث عن عبد الرحمن الشرقاوي(1987-1920)، ذلك الشاعر والأديب والمفكر الإسلامي والمؤلف المسرحي المصري العظيم، فهو أحد كبار رواد حركة التجديد الشعري العربية في نهاية الأربعينات، وهو أيضا أحد كبار رواد الاتجاه الواقعي الاجتماعي النقدي في الإبداع الأدبي العربي الحديث، وأول من كتب المسرحية الشعرية العربية مستخدماً الشعر الحديث الذي كان أحد رواده، وواحد من أبرز الأدباء الذين عملوا بالصحافة ووصلوا إلي أرفع مناصبها، أثرت كتاباته علي المناخ السياسي والثقافي والفكري في مصر والعالم العربي من خلال دفاعه عن الديمقراطية والعدل الاجتماعي.

علاوة علي أنه يعد أحد علامات الأدب العربي، تنوه إبداعه ما بين القصة والرواية والمسرحية الشعرية والمقالات الأدبية والنقدية، وتناول بقلمه مختلف القضايا السياسية والاجتماعية في عصره ؛ فلقد آمن بأهمية الكلمة ودورها في أصلاح المجتمع والكشف عن عيوبه ومثالبه، وأيقن بقدرتها علي شحذ الهمم وإثارة العزائم فاتخذ منها سلاحا للدفاع عن قيم الحق والعدل والإخاء والمساواة، وأداة لاستنهاض الأمم واستعادة أمجادها (2).

قال عنه الإعلامى أحمد المسلمانى، بأنه:" الأديب الكبير الراحل عبد الرحمن الشرقاوى بالعملاق الموسوعى، وصاحب "الأرض" .. أبدع فى كل مجال دخل فيه فى الرواية والشعر والمسرح والمقال الصحفى، وقد حصل على امتياز فى جميع المجالات الأدبية والثقافية، ويحظى بإجماع حقيقى على كافة المستويات الفكرية والثقافية" (3)؛ كما قال عنه الدكتور خالد الذهبى، مدير المسرح القومى الأسبق، إن الأديب الكبير عبد الرحمن الشرقاوى، كان أديبا ومفكرا وفيلسوفا أيضا، فكان صاحب رؤية موسوعية وقضية، إذ اهتم بقيمة الحرية فهى قيمة سامية عنده، وتحدث عن المهمشين والفقراء، كما حدثنا عن القهر والظلم، وكانت شخصياته الدرامية في أعماله حية بيننا (4)؛ كذلك قال عنه الكاتب إيهاب الحضرى:" إن عبد الرحمن الشرقاوى كان يخاطب الوجدان وليس العاطفة فقط، موضحا أن قيمة الحرية كانت أساسية فى أعمال الأديب الراحل، وذلك يتمثل أيضا فى مواقفه فكان صاحب موقف، كما أنه كانت لديه ثقافة الاعتذار"، وأضاف "الحضرى" أن أعمال عبد الرحمن الشرقاوى التاريخية مثل الحسين ثائرا وشهيدا تحمل دلالات ورموزا تعبر عن كافة العصور، فهى تحمل تحريضا لمن يؤمنون بالحرية والرافضين للقمع (5).

وعلاوة علي إبداع عبدالرحمن الشرقاوي في المجالين المسرحي والروائي فإنه يعتبر فارس من فرسان الشعر الحديث أو ما يسمي الشعر الحر، فهو صاحب القصيدة الطويلة الشهيرة "من أب مصري إلي الرئيس ترومان" والتي عبرت عن مرحلة جديدة من الوعي القومي وجعلت منه مع أعمال أخري رائدا في هذا المجال ويقول الشاعر أمل دنقل أن عبد الرحمن الشرقاوي هو "رائد الشعر الحر الأول في مصر حيث أن قصيدته الشهيرة من أب مصري للرئيس ترومان هي الوثيقة الشعرية الأولي التي أعلنت ميلاد هذا الاتجاه (6).

وقال عنه الدكتور عبدالعزيز شرف: "تظهرنا الرؤية الابداعية في أدب عبدالرحمن الشرقاوي على خصائص ثلاث يصدر عنها فيما يكتب ويبدع ونعني بها الاصالة او الجدة في العواطف المعبر عنها، الوضوح في التعبير عن هذه العواطف، إخلاص الأديب المبدع، أو شدة العواطف التي يعبر عنها"، مضيفا: "في تقديرنا أن الشرقاوي يسعى في أدبه إلى الوصول للحقيقة في بحث دؤوب شاق، يجعل تفكيره اساسا لأسلوبه، ذلك أن التفكير هو الذي يبدع الدينامية والدرامية في بناء الكلام وأفكار الأديب، والشرقاوي أديب تميز بنتاج ادبي – رغم تنوعه – يكشف عن هذا السعي الحثيث للكشف عن الحقيقة، سواء توسل بالشعر أو القصة او المسرحية النثرية والشعرية، أو الدراسة الادبية". (7).

كان عبد الرحمن الشرقاوي علامة من علامات الثقافة العربية المعاصرة، التي نفتقد ملامحها هذه الأيام، انتمى لليسار المصري منذ شبابه، وتولّع بكتاب رأس المال ونهج البلاغة واعترافات جان جاك روسو، وأُغرم بكتاب فولتير في التسامح ومقدمة ابن خلدون ولزوميات المعرّي، فأصبح يشرحها لقرّاء مقاله الأُسبوعي في مجلة روز اليوسف، يكتب في إحدى هذه المقالات الممتعة أنه " في قريته الصغيرة في محافظة المنوفية، كانت أُمه تحدّثه عن صلابة عمر وعدل عليّ، وكان حديثها عن تضحية الحسين يسحره، فيجد في كلماتها تعبيراً حقيقياً عن آلام الناس ومعاناتهم " ؛ ويضيف " بعد أن ضاقت بنا سُبل التقدم والرفاهية والاستقرار، ويفتك بعضنا بالآخر، والناس، ارتأيت أن أكتب شيئاً عن ذلك وطبعاً كنت قد قرأت نهج البلاغة وعشت محنة علي بن أبي طالب وتأثرت به فوجدته (8).

ويلخص الشرقاوي أهم محطات ومراحل تكوينه الفكرى والأدبى فيقول:" قرأت القرآن وتفاسيره ورأيت فيه استجابة لأشواق الإنسان إلى العدل ولعنة شديدة على الظلم.. وأول ما أحببته من القراءة شعر الشعراء الصعاليك العرب وعندما درست اللغات الأجنبية أحببت الشعراء الصعاليك الأجانب لأن أدب الصعاليك يمثل صرخة احتجاج على الظلم وتمرداً على الأوضاع الجائرة. كما استهواني الفكر الإنساني الذي يتحدث عن قضايا حق الإنسان في ممارسة العدل وأن يحيا سعادته وأن يحقق بعمله كل أحلامه وأن يمنحه المجتمع الحب والفضائل. وفى الفكر العربى استهوانى الثوار من أيام على بن أبى طالب أولئك الذين كان لديهم الطموح في أن يحولوا الدنيا إلى جنة للحب والإخاء وأن يجعلوا شرف الإنسان أقوى من كل شيء وأن يرتفعوا فوق الطمع والخوف.. وفى هذا الإطار أيضا بهرنى فكر المعتزلة والمتصوفة وشخصية الحسين وشعر المعرى والمتنبي - وثوريات طه حسين واقتحامات توفيق الحكيم وتفتح إسماعيل أدهم وإسماعيل مظهر وكتابات سلامة موسى عن الاشتراكية والأدب ونظريات محمد مندور المتطورة في نقد الشعر. أما في الفكر الأجنبي فقد استهوانى ماركس وكتابات لينين وتمرد فرانسوا فيون وصلابة فيكتور هوجو وتمرد شكسبير وأحلام الرومانتيكيين بيرون - شيللى - بلزاك - ديكنز - شو - توماس مان.. كما بهرتنى كتابات بوشكين - دوستوفيسكي - تولستوي- تشيكوف - غوركي - أراغون - هيمنجواى – لوركا وهناك من المفكرين والأدباء من يدفعك إلى اتخاذ موقف آخر مثل جويس - إليوت - سارتر – كاموظلت موضوعة العدالة تشغل تفكير عبد الرحمن الشرقاوي ورغم تنقله من الماركسية في بدايات شبابه ونضجه الفكري، إلى الصوفية في أواخر حياته، إلا أن التبشير بفكرة العدالة الاجتماعية ظل يمثل الأساس في معظم كتاباته سواء في الشعر أو الرواية، أو الدراسات النقدية، أو كتب السيرة أو المسرحيات فإنها جميعا يغلب عليها طابع الدفاع عن حق الإنسان في العيش بكرامة، إنه يعبر من خلال كتاباته عن هموم الإنسان، ولعل مجموعة كتبة التي أصدرها خلال حياته التي لم تتجاوز الـ67 عاما إنما هي نموذج رائع للمشاركة الفعالة في التعبير عن التضامن الانساني، بل ان مسرحياته تؤرخ لكثير من الأحداث في حياتنا الاجتماعية والسياسية والفكرية (9).

ولد عبد الرحمن الشرقاوي بقرية الدلاتون محافظة المنوفية شمال القاهرة، بدئ عبد الرحمن تعليمه في كتاب القرية ثم أنتقل إلى المدارس الحكومية حتى تخرج من كلية الحقوق جامعة فؤاد الأول عام 1943م، بدأ حياته العملية بالمحاماة، بعد أن تخرج بكلية الحقوق عام 1943، بجامعة الملك فؤاد الأول، ولكنه هجرها لعشقه للأدب وللكتابة، فعمل في الصحافة في مجلة الطليعة ثم مجلة الفجر، وبعد ثورة 1952، عمل بصحيفة الشعب ثم صحيفة الجمهورية، شغل منصب رئيس تحرير روز اليوسف.ليتفرغ بعدها للكتابة بجريدة الأهرام، كما تولي عدد من المناصب الأخرى منها سكرتير منظمة التضامن الآسيوي الأفريقي وأمانة المجلس الأعلى للفنون والآداب.. وتولى عدداً من المناصب الأخرى منها سكرتير منظمة التضامن الآسيوي الأفريقي، وأمين عام المجلس الأعلى للفنون والآداب.. حصل عبد الرحمن الشرقاوي على جائزة الدولة التقديرية في الآداب عام 1974 والتي منحها له الرئيس السادات، كما منحه معها وسام الآداب والفنون من الطبقة الأولي.

ومن أهم أعماله وأشهرها رواياته: "الأرض" عام 1954، و"قلوب خالية" عام 1956م، ثم "الشوارع الخلفية" عام 1958م، وأخيرا "الفلاح " عام 1967م. من أعماله المسرحية: "الفتى مهران"،"الحسين ثائراً"، "الحسين شهيدا"، "عرابي زعيم الفلاحين"، له العديد من الكتب المهتمة بالتراث الإسلامي منها محمد رسول الحرية، على إمام المتقين، والفاروق عمر، أئمة الفقه التسعة، عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء، ابن تيمية: الفقيه المعذب، الصديق أول الخلفاء، قراءات فى الفكر الإسلامى"، كما له عدة مؤلفات أخرى منها: رسالة من أب مصرى إلى الرئيس ترومان، دراسات فى جغرافية المملكة العربية السعودية: مدينة بريدة، تمثال الحرية وقصائد منسية، قبل أن يصمت القلم، كما شارك فى سيناريو فيلم الرسالة بالاشتراك مع توفيق الحكيم وعبد الحميد جودة السحار.

وقد تأثرت كتابات الشرقاوي في قوالبها الأدبية المختلفة، بالتغيرات الاجتماعية الحادة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، وركزت قصصه على حتمية العدالة الاجتماعية، وهموم الريف المصري ومشكلاته من فقر وجهل وتمييز. بشر الشرقاوي بالثورة، وعول عليها في حل أزمات المجتمع، هاجم الطبقية والتمييز الذي كان يسيطر على مصر قبل ثورة يوليو 1952، واشتبك مع طبقة رجال الدين الذين يظهرون الورع ويخفون الجشع، ووضع يديه على مظاهر الظلم والاستبداد، وأكد أن القوى الإقطاعية الظالمة كانت ولا تزال حينها تتحكم في أقدار الفلاحين، الذي انتمى إليهم وخبر مظالمهم بحكم النشأة (10).

ولما كانت التي نشأ فيها الشرقاوي أثر في تكوين شخصيته، فلقد كانت نشأته الريفية ورؤيته لأوضاع الفلاحين، ومتاعبهم، والمظالم التي يتعرضون لها حافزاً له للكتابة عن حياة هؤلاء وتصوير معاناتهم، فجاءت رواياته: الأرض، والفلاح، وقلوب خاوية، وشوارع الخليفة أصدق تعبير وأفضل تصوير لأحول الفلاحين وخلافاتهم ومشاجراتهم حول الأرض والرى وعجزهم عن دفع الضرائب وتعرضهم لكرابيج الحكام (11).

ولهذا رأينا رواية الأرض التي كتبها الشرقاوي تعد واحدة من أهم وأشهر الروايات المصرية التى جسدت لفترة الاحتلال، ومأساة الفلاحين فى الريف المصرى فى تلك الحقبة، وتعد ملحمة أدبية خالدة هى رواية "الأرض" للأديب الكبير عبد الرحمن الشرقاوى، الصادرة لأول مرة عام 1954، واعتبرها العديد من النقاد النموذج الأبرز لمذهب الواقعية الاشتراكية؛و"الأرض" هى ملحمة عبد الرحمن الشرقاوى الخالدة، فأبطالها يسكنون ذاكرتنا جميعا، حيث أضافت الأرض كثيرًا إلى الرواية العربية واعتبرها العديد من النقاد النموذج الأبرز لمذهب الواقعية الاشتراكية، قدم فيها "الشرقاوى" القرية المصرية ــ ولأول مرة ــ بعيدا عن النظرة الرومانسية التى صورتها جنة زاهية، ليضع أيدينا على ما كان يصيب الريف وناسه من تناقضات الإقطاع والاحتلال والفساد، التى وصلت بهم إلى حدود الصراع من أجل البقاء (12).. وللحديث بقية.

 

الأستاذ الدكتور محمود محمد علي

رئيس قسم الفلسفة وعضو مركز دراسات المستقبل – جامعة أسيوط

..........................

الهوامش

1- عمرو أبو العطا: "الكلمة".. تلك الظاهرة البشرية الأولى، جريدة الرؤية، 14 يناير 2021

22:37 م

2-د. علياء محمد أحمد: الإنسان صانع للفن والإنسان صانع للتاريخ: مسرحية الحسين ثائرا "لعبد الرحمن الشرقاوى" بين الفن والتاريخ، فكر وإبداع، رابطة الأدب الحديث، الجزء 100، 2015، ص 155.

3- محمد عبد الرحمن - تصوير السعودى محمود: مثقفون: عبدالرحمن الشرقاوى آمن بالحرية وكان أول من طالب بتجديد الخطاب الدينى، اليوم السابع، الثلاثاء، 10 نوفمبر 2020 10:10 م.

4-المرجع نفسه.

5- المرجع نفسه.

6- محمد البدوي: الأرض والصدى: دراسة نقدية لرواية "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي، دار المعارف، القاهرة، 1997، ص 13.

7- محمد البدوي: الأرض والصدى: دراسة نقدية لرواية "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي، دار المعارف، القاهرة، 1997، ص 13.

8-علي حسين: عبد الرحمن الشرقاوي ومعركة الحسين ثائراً، رسالة النيل، 9/19/2019.

9- المرجع نفسه.

10-محمد سعد عبد الحفيظ: عبد الرحمن الشرقاوي.. صاحب «الأرض» إمام المتمردين، منوعات، ديسمبر 12, 2018 2٬361 7 دقائق

11- د. علياء محمد أحمد: المرجع نفسه، ص 156.

12- محمد عبد الرحمن: 100 رواية مصرية.. "الأرض" ملحمة عبد الرحمن الشرقاوى عن الثورة والحب، اليوم السابع، الأحد، 04 أكتوبر 2020 07:00 ص.

 

 

 

احمد الشيخاوييقدم الروائي المصري أحمد طايل، في منجزه السردي الذي انتقى له وسوم " الوقوف على عتبات الأمس" جملة من المواقف التي تدين راهن العولمة بمختلف صور استشراسها وتوحّشها، وكيف أنها جنت على الكائن وجعلت يخسر روحه، بعد أن شبّعته، أي هذه العولمة بمنتهى سلبيتها، وحقنته بثقافة المراهنة على كل ما هو مادي صرف.

وبطبيعة الحال في ضياع هذا الكائن، ضياع العالم الذي ينتمي إليه، كل ذلك يتم عبر نزيف إبداعي ذاكراتي، وكتابة منفلتة تُقلّب صفحات الأمس كمحدد لملامح الآني ومؤثر بالسلب والنقصان في غد يشح الأمل به، وتتعاظم مشاعر أو هواجس التوجس من فصوله.

بهذا النزيف الاسترجاعي، يوغل السارد في تفاصيل محاصرة جوانب العتمة في الذات والحياة، باسطا مواقف الحياد والنزاهة تجاه هذا الزيغ والتطرف والأنانيات المريضة، تاركا لشخصياته أكبر حيّز ممكن للتحرك في حدود لا تعترف بسوى الانتساب إلى شجرة الإنسانية، ونظير هذه البكائية على ما يشيه الانقراض الأخلاقي، مستجلبا كامل هذا الدمار وهذه الخسائر والهزائم والانتحار النفسي الرهيب الذي نخر الكائن، محولا إياه إلى مجرد آلة تنقاد إلى وصايا عصر السرعة والمادة وجلْد الروح.

تبقى للأب رمزيته التي استخدمت كلازمة في هذا المنجز الروائي إذا شئنا، كأنما تحكي هذا النشاز، بصوت مخنوق، تماما، لتبصم اللعنة الأبدية والمضمّخة بخيارات المقاومة ومناهضة الاستفحال العولمي في جوره المطلق على الذات والعالم.

نقتبس للراوي قوله:

{أبي، سامحني على غيابي عنك، رغم أنك لم تغب عني مطلقا.صدق رغم غيابك عني أكثر من نصف قرن، إلا أني أراك رفيقا دائما، حين صحوي، حين منامي، حين أكلي، شربي، كل أوقاتي، مازلت أتذكرك حين كنت تأخذني أمامك على حصانك المفضل، وتسرع بي، نتجول بين أراضينا، وأنا أحيانا أضحك، وكثيرا أبكي خوفا من السقوط، ولكن للحق أنت فارس بارع، الكل شهد بهذا، أتذكر حينما كنت تعود من المدينة ليلا متأخرا أكون أنا مستغرقا بالنوم، توقظني، تأخذني بين أحضانك، تمسح نومي عن وجهي، تضع لفائف الكباب، والعجوة خالية النوى، المعجونة بالسمسم، تتأملني وأنا آكل، تطلب مني إنهاء كل الطعام، وكان بالتأكيد هذا أمرا صعبا، بعدها تأخذني لغسل يدي وفمي، تُجلسني أمامك، تبدأ بالحكي، دوما قصص الأنبياء، من خلال حكاياتك سكنني نور الله ونور الدين، بعدها تدخلني إلى الفراش، تغطيني بما يضمن توفير الدفء لي، أتذكر أول مرة ضربتني بشدة}.[1].

من هنا هذا النداء الخفيض، متسربلا بذاكرة الطفولة البعيدة جدا، ونلكم الدعوة إلى الأوبة إلى فضاء النورانية والاعتدال، على نحو يجابه هذا المد المُعولم المدمر والذي أفسد وأضر فوق ما أفاد بكثير.

وهي مقارنة ما بين جيلين، تسكن الأول تجليات الأبوة نابضة بحس المسؤولية في توجيه ورعاية الفلذات ورسم ملامح مستقبلهم بحرقة وحذر وتعقل كبير، خلاف الثاني أو جيل النكسة وتأليه الماديات، فالدوخة والخدر اللذان راح يدفع ضريبتها مضاعفة الكائن والعالم على حدّ سواء.

وفي مناسبة أخرى، ودورانا حول آفة التطرف، كأبرز الأعراض الجانبية لسلطة وجبروت العولمة الهدّامة للقيم، نقرأ للراوي قوله:

{أخذني التفكير بدرجة شديدة حول المتغيرات الدينية التي طرأت على قريتي، خاصة عندما سمعت حكاية محمد حرفوش، مؤكد أن التطرف بأي اتجاه من اتجاهات الحياة يصنع فجوات وشروخا عميقة للغاية، بالتحديد التطرف الديني، هو قمة المعضلات، نحن مع التمسك بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وفهم صحيح للدين، ونؤمن بأن الدين لله والوطن للجميع، ومؤمن بأن الوطن لا بد وأن يكون عائشا بنا، لذا أرسلت إلى ابن عمي شاكر، وصديقي فوزي البحيري، وأحمد عباده، صديق لم أره منذ سنوات بعيدة، ولكني أعرف عنه أنه عالم بالفقه وشؤون الإسلام، بوسطية تامة، وله مؤلفاته، وله لقاءاته المتلفزة، وكتاباته الصحفية بصحف مصرية وعربية، كنت أتابعها دوما، وأفتخر أنه من بلدتي}[2].

إن الجميل في أي عمل سردي، النأي عن إصدار الأحكام، وإن كان المنجز الذي بين أيدينا يتعثر بهذه الفخاخ، إلاّ أنها تحتسب استنتاجات وهي إلى تحصيل الحاصل أقرب إليها من أي ثغرة قد تشوه التمذهب الأسلوبي والتوجه الجمالي للمعمارية الروائية التي تغازل بنثار الذاكرة وتتماهى مع تفاصيل العقَدي، مقترحة بالتالي حلولا للأزمة، وقارعة بمنظومة من الإجابات الشافية والوافية.

هكذا تتم مقاربة ظاهرة على هذا النحو من الحساسية والخطورة، بجرد أسماء تمثل القدوة في الاعتدال والوسطية والانتماء، تضرب بهم المثل، وتروي سيرهم مصطبغة بهوية إنسانية جامعة، خارج أنساق التاريخ المتكرر والذي غالبا ما يكتب بحدّ السف، وبلغة وأنانية المنتصر، من ثم وإن كان ذلكم انزلاقا في النادر، وانشدادا إلى إيقاعات الأحكام التي تخدش تسارع الصياغات السردية في المجمل، غير أنه لها ما يبديها مغتفرة هاهنا، من قبيل حجم الظاهرة وعمق الاستشكال، وبما يبرزها في ثوب الاستنتاجات كما سبق وأشرنا إلى ذلك.

مثلما نطالع للذات الساردة، قولها أيضا:

هل تذكر حبك الأول ؟ رددت مؤكد، من منا ينسى حبه الأول، حتى لو كان حب مراهقة وبلا أمل، مؤكد أتذكر، كنت بأول الدراسة الثانوية، ربما بالعام الأول، كانت من قرية مجاورة، بأواخر أعوام الدراسة الإعدادية، ابنة رجل له مكانته بالقرية المجاورة، عمدة من الذين لهم ثقل، بدأنا بالنظرات المتبادلة عن بعد لأيام، ثم أخذت بالتقارب معها، بالجلوس مجاورا لها بالقطار، أوعزت لك يا فوزي بأن تقفز فور وقوف القطار وتحجز كرسيا كاملا لي ولها، ثم أشير إليها بالجلوس، لأيام لم أنطق بكلمة، كنت أكتفي بالنظرات، ثم سألتها فجأة وبلا مقدمات، ممكن أتعرف بك، اعتلت حمرة الخجل وجنتاها، وأطرقت لأسفل، وهمست بصوت لا يكاد يسمع، ماجدة، قلت متجاوبا، وأنا رشدي}[3].

عموما، إنما يزدان السرد بالاسترسال في التفاصيل، ونفَس الخوض في أقل ما فيها وتفجير حيثياتها، وتعرية ما تنطوي عليه.

وإذن ... هي تيمة الحبة كسلطة مطلقة وقيمة عظمى، تتجسد في الحمولات والمتون، وينبض بها كل ملمح جواني، وما عداها حواش وهوامش تتهم عولمة التوحش ونكشف زيفها.

فبالحب وحده نقوى على مجابهة كل هذا الزيف، ونرسم سبل خلاص الكائن والعالم.

رواية كتبت بلغة سلسة ومعجم عذب، ورتّبت فصولها أسلوبية إدانة الراهن المُعوْلَم بمسْخ، مستغلا تاريخ تنويم الحب الصادق في أعماقنا، وتعطيل النورانية والاتزان في الكائن الذي بات غريب الانتماء والثقافة والروح.

ذلك حين تطاوع الذاكرة السرد، بما يتيح تشكيل فسيفساء إنصاف بشريتنا والاحتفاء في أقصى أبعاد الفلكلوري، بروح الكائن المعذَبَة والمغتربة.

 

شاعر وناقد مغربي

.......................

هامش:

[1] مقتطف من نص" الأب".

[2] مقتبس من نص " أخرى " .

[3] مقتطف من نص" هوامش حياتية".

 

قصي الشيخ عسكرتحتلف قصة السيرة عن (المذكرات) و(السيرة) كون المذكرات توحي بأنها يوميات يلتزم بها كاتبها الواقع الذي يجب عليه ألّا يغيّر في مجرياته وإلا كان مايكتبه يدخل في إطار تزييف الحقائق وتزويرها،أما السيرة فهي أن تقتفي حياة شخص ما من نقطة معينة كالطفولة أو الشباب أو من مرحلة متأخرة كالمرحلة الجامعية وقد لا يكون كاتب السيرة الذاتيّة متمكنا من اللغة فيطلب عون أديب أو لغوي يملي ماحدث له عليه ليكتبها له.

أمّا قصة السيرة الأدبية فتتميز بتقنيتها الفنّية العالية ومعالجتها للواقع من حيث التقديم والتأخير والتجزأة والتوزيع الفني وهذا ما نجده في قصص السيرة الفنية عند الدكتور القاسمي ومنها قصة الآنسة جميلة1.

لكي يخرجنا الكاتب من نمطية الواقع جعلل البداية في المكان أولا وتلاعب به فنيا وفق ظاهرتي التصغير والتكبير أو السعة والتضييق وكأنه مصور يقف خلف آلة تصوير فينقل لنا مشهدا عاما ثم تتوقف آلته عند نقطة معينة:

(كان باب المنزل مفتوحاً فدخلته. رأيت حشداً من المدعوين في جُنينةِ المنزل، ومعظمهم جالسٌ إلى موائدَ معدّةٍ لتناول طعام العشاء، وبعضهم القليل واقف، وجميعهم يستمع إلى موسيقى الآلة التي تعزفها فرقة موسيقية. حامت عيناي على وجوه الحاضرين بحثا عن أخي سيدي محمد، فوقعتا عليها واقفةً وحيدةً في الطرف الأقصى من الجنينة بالقرب من مجرى النبع؛ فحطَّتا عندها، وكفَّتا عن مواصلة البحث عن صديقي.)

فقد بدأ الكاتب قصته بصورة مدهشة جاء مدعوا بسيارته إلى بيت صديقة ودخل المنزل، فلم تتوقف الحركة لأنّ هناك في المكان نفسه حركة أخرى تتمثّل في عزف إحدى الفرق لموسيقى أندلسية وهذا يعني أن هناك حركة باتجاه الماضي الجميل الناعم، الماضي البعيد وقد وقفنا أمام مشهد كبير هو الحفلة وشاهدنا المحتفلين سمعنا موسيقى رحلنا معها بعيدا وإذا بآلة التصوير تتوقّف عند نقطة معينة نصبح عندها مندهشين: بصر السارد يقع على فتاة تقف وحيدة في أقصى الحديقة عندئذ نترك المشهد كله ويدفعنا الفضول لأن نتابع السارد وعيوننا تترقب ماذا يحدث بعد.

المشهد الواسع الحديقة الكبيرة وهناك المحتفلون نتركهم لنقف أمام الصورة الجديدة التي تحرك نحوها البطل ووقف عندها.

ليس هناك من خروج على الواقع لكنه تنسيق في العمليتين الزمانية والمكانية مكان واسع لجمهور وعزف موسيقى لماض يقابله مكان ضيق وشخص مفرد (الفتاة) وصمت من قبلها، فهي في هذا المكان المنفرد قرب المنبع الذي تُروى منه الحديقة تقف تتأمل وتسرح مرفوعة الرأس إلى السماء مع الموسيقى الأندلسية الروحية والتي تعنى النقاء والصوفية والعرفانية بكل معانيها من التأمّل والإنسجام مع الكون كله. إذن هناك مكان صغير في محيط كبير والمكان الصغير احتوى على نبع وفتاة ولو وضعنا في حسابنا العربي الأصيل فكرة الماء والمرأة بخاصة الفتاة أو الآنسة لوجدنا أن العربي القديم ربط بين الخصوبة والمرأة بالكنية فكناها بأم فلان وإن لم تكن متزوّجة من باب التفاؤل بالخصب والخير لم يجعل الكاتب المكان الصغير محدودا بأفق بل جعله مضغوطا للأعلى عبر الفن (الموسيقى) الخاصة بالروح وهي الموسيقى الأندلسية التي تقف موقفا وسطا بين الموسيقى العربية الشرقية وبين الموسيقى الغربية أو السموفونيات التي يصمت خلال عزفها المستمعون (كانت تقف في الطرف الآخر من الجنينة. ولم تكن مع أحد من المدعوين، ولم تنظر إلى واحدٍ منهم، بل كان رأسها مرفوعاً قليلاً، وعيناها غائرتين في السماء كما لو كانت تنشد شيئا من المدائح النبوية مع أيقاع موسيقى الآلة).

المكان الضيق اتسع عموديا بكلمتين ناعمتين هما: مرفوعا و غائرتين وكلتا الكلمتين منصوبة لتناسب الحركة العمودية ولتلفت نظر القارئ إلى البعد الروحي وأجواء المكان النفسية واتجاه الكاتب في شدّ القارئ وجذبه نحو لحظة النقاء والصفاء.منذ هذه اللحظة يترك همومه ومشاغله ونواياه السلبية فإن مايراه فتاة رأسها مرفوع وعيناها إلى السماء وماء يجري من حولها موسيقى روحية تتهادى إلا يذكّرنا هذا المشهد بمناررة جامع شاهقة في السماء إو صومعة لقد كان الآخرون مجتمعين وليس هناك من ينفرد وحده(رأيت حشداً من المدعوين في جُنينةِ المنزل، ومعظمهم جالسٌ إلى موائدَ معدّةٍ لتناول طعام العشاء، وبعضهم القليل واقف، وجميعهم يستمع إلى موسيقى الآلة التي تعزفها فرقة موسيقية). صحيح أن هؤلاء يستمعون إلى الموسيقى لكنهم جالسون عند المائدة أو واقفون في حشد ينصتون وأن تنصت منفردا تلك هي الدرجة الأولى أو الطبقة الاولى التي وضعت نفسك فيها أن تكون في عزلة تامة مع نفسك والسماء،يُروى عن المجنون أنه مرّ بقوم يصلّون جماعة وعندما رجع سألوه لِمَ لَمْ تصلِّ معنا عندما مررت بنا ونحن نؤدي فريضة الصلاة فقال لو كنتم تعبدون الله حقا كما أحبّ ليلى  لما رأيتموني وأنا أمر من أمامكم.

إنّ الكاتب أراد أن يرسم لبطلة قصته الواقعيّة شخصية تختلف عن الآخرين إذ جعلها في البداية واضحة غامضة في مكان يتخذ سمة عمودية كلية (التأمل، والنظر، الأعلى) مع عدم إغفال أفقية المكان (النبع) ثمّ انتقل بنا ليرسم ملمحا آخر من ملامح هذه الشخصية ألا وهو العودة إلى الزمن الماضي وتاريخيّة المكان الأفقي فنحن نعرف هذه الشخصية- شخصيّة البطلة ولا نعرفها في الوقت نفسه- من خلال الجمع بين الزمانين والمكانين في لفتة فنيّة واضحة (في أوربا التي أزورها بانتظام، وفي هذا البلد الرائع، وفي هذه المدينة الرائعة، شفشاون، أرى جميلاتٍ كثيرات، لاسيَّما في مثل عمرها الذي لا يتعدى عشرين ربيعاً؛ ولكن ليس في مثل حسنها الفتّان. فمدينة شفشاون التي تُلقَّب بـ "الجوهرة الزرقاء" لروعة طبيعتها الجبلية الخلابة، تأسَّست سنة 1472 لإيواء مسلمي الأندلس الذين طردهم الإسبان، فحملوا شيئاً من ثقافتهم الأندلسية معهم إلى البلدان المغاربية التي لجأوا إليها.  ولم يكُن أولئك اللاجئون من أصول مغاربية إسلامية فحسب، بل تعود أصول معظمهم كذلك إلى جميع أصقاع الإمبراطورية الرومانية النصرانية القديمة).

شخصية البطلة شخصية غير عادية لا تريد أن ترى الحاضرين على الاقل ألا تراهم بضع  لحظات مثلما أراد المجنون لأصحاب الصلاة ألا يروا أي شئ إذا صلوا سوى الله،والكاتب يعود بنا معها – البطلة-إلى النبع الاصيل الروحي أو العرفاني أم الصوفي سمّه  ماشئت فيمنحنا عبر التاريخ الرقم أي سنة تأسيس القرية تلك ،سمة أخرى من سمات البطلة فعلى هذا الاساس يكون مكان الحفل هو صورة مصغرة لقرية شفشاون والبطلة هي كل اندلسي لجأ إلى هذه القرية ورجع إلى مكانته السامية عبر الإحساس الروحي والمديح النبوي .إن التاريخ نفسه ليس ماضيا فحسب بل هو امتداد فينا والمكان ليس ملء فراغ بل هو رحلة عمودية وأفقية باتجاه الماضي والمستقبل كما نجده في محاولة البطلة العبور من الماضي الى المستقبل بوساطة التأمال عبر الموسيقى.

على ضوء هذا المفهوم تتجه شخصيات الراوي نحو شخصية ثانوية لا تظهر إلا مرّة واحدة فقط ألا وهي شخصية صاحب الدار الذي دعا الفرقة الموسيقية والحضور الضيوف والفتاة الغريبة والمفروض أنّه يعرف الجميع لأنّه دعاهم لحفل في بيته وحين يسأله السارد يدور بينهما الحوار التالي المقتضب:

. ولكن سيدي محمد كثيراً ما يستعمل طريقة الفلاسفة الإغريق في تعليم طلابه، وقد طبَّقها معي ذلك اليوم، فسألني:

ــ "لماذا؟"

قلت:

ــ "لديّ إحساسٌ بأنَّني رأيتُها من قبل وتحدَّثتُ معها.

ــ اذهب إليها واسألها.

قلتُ معترضاً:

ــ كيف أكلّم فتاةً لا أعرفها؟

قال:

ــ "ها أنتَ تناقض نفسك: مرَّةً تُخبرني بأنَكَ رأيتَها من قبل، ومرَّة تقول إنَّكَ لا تعرفها!"

قلتً:

ــ "معرفتي السابقة بها مجرَّدُ إحساس، وقد لا أكون مصيباً."

ــ "اذهبْ واسألها، فهي لا تمانع أذا تحدَّثَ إليها مَن لا تعرفه. اذهبْ!"

إن السارد يستدرجنا بهذا الحوار المقتضب ويثير فينا حماسة الشوق والفضول كأننا نحن الذين نسأل وليس هو ثم يبدو صاحب الدعوة وصاحب الدار غير مكترث بالإجابة لأنّه يريد منا نحن الباحثين عن الحقيقة أن نبحث عنها بأنفسنا لقد جعل السارد شخصيّة السيد محمد حيويّة فعالة بهذا المشهد لتختفي وتظل راسخة بأذهاننا نحن المتلقين مادمنا أصبحنا نبحث بأنفسنا عن سرّ تلك الفتاة التي رسم لنا السارد صورة عنها تقترب من صور التراث نفسه بأسلوب مبهر جميل فنحثه هو على أن يتابع الموضوع بنفسه وأن يتجرأ ويتحدث عنها مباشرة فلم تعد الحفلة تعنينا ولا الحضور الآخر وشخصية السيد أو سي محمد نفسها أدت دورها عند هذا الحدّ..

أخيرا يقصد الفتاة التي مازالت في مكانها تنصت وتتأمّل لنكتشف بعدئذ صفة خَلْقيّة بعد أن اكتشفنا من قبل صفة جوهريّة من صفاتها المعنوية  ألا وهي هي محاولتها الاهتمام بجوهر العالم من خلال الموسيقى الروحية الأندلسية القديمة.

بعد أن يواجهها السارد فيسألها عمن تكون ندرك الحقيقة منها وهي أنها شبيهة بأمها التي قد يكون التقاها وتسمي له أمها ووظيفتها فينذكر كلّ شئ:

ـ " هل التقينا سابقاً، آنستي؟"

ـ "لا، مع الأسف."

قلتُ:

ـ " ولكن لدي إحساس مكين أنَّنا تقابلنا من قبل وأنّني أعرفك!"

قالت، وقد تفاقمت ابتسامتُها وعيناها إشراقا وترحيباً:

ـ "لعلَّكَ كنتً تعرف والدتي عندما كانت في مثل عمري؟"

ـ ومَن هي أُمُّكِ العزيزة؟

ـ الرسّامة فاطمة الزهراء. مندوبة وزارة الثقافة في الشمال.

وهنا شعرتُ بالمفاجأة، وبسذاجتي. لماذا لم أفترض أنّها تُشبه شخصاً أعرفه؟!

وهنا بعد هذه المعلومة تسير بنا القصة باتجاه آخر هو أن هناك جيلا جديدا يتمثل في الابنة أو الفتاة جميلة التي ترث جمال أمها لكنها تستقل عنها بخصلتين هما الأم رسامة والبنت موسيقية هناك موهبة مشتركة هي الفن ومفترقة في الوقت نفسه حيث الموسيقى فن سمعي والرسم فن بصري ،بعد ذلك يتسع المكان نفسه يتمدد حين ينته اللقاء وينطلق الجميع إلى أماكن أكثر سعة وازدحاما ومعرفة لنجد أن الصورتين المتطابقتين تختلفان في تقدير الأمور: الأم الأكثر خبرة لا تريد لابنتها أن تتزوّج من شاب تتوجس منه خيفة ولا تثق بأخلاقه والفتاة التي ترى العالم بمنظور روحيّ سامق تظنّ نفسها على حقّ حتى إنها تقدم على  الزواج وفي هذه الحالة ينقلنا السارد ببراعة عبر زمان مكثف هادئ فيجعلنا بأسلوبه الرصين نتابع القصة مع الزمن الواسع مثلما نكون جالسين على متن طائرة تقطع بنا آلاف الكيلومترات من دون أن نشعر بوطأة الوقت أو غرابته.إنه يجعل من التصوير والأسلوب أشبه بالمصفاة filter التي تذيب الشوائب وتقدّم لنا الناضج الحي فينقلنا ببراعة من الحفل إلى لقائه بالأمّ إلى أوربا حين استنجدت به الفتاة لينقذها من زوجها الذي طردها من البيت واستولى على كلّ ماتملكه من مال ومتاع.

لقد بدأت القصة بالموسيقى (الروح) المعنى وانتهت بها أيضا (وبقيتُ أتابع أخبار جميلة التي سرعان ما تغلّبت على أزمتها، وتفرّغت لتربية ابنها، وتطوير عملها، ومواصلة دراستها. وبعدما انتقلت جميلة إلى جامعة مدريد في إسبانيا ثم إلى جامعة غرناطة لإنجاز الدكتوراه في الموسيقى الأندلسية، زارتني وأمُّها وابنها الصغير في منزلي ذات مرَّة للبحث في مكتبتي عن كتب عن الثقافة الأندلسية، وحملت معها كتاباً أو كتابَين، وحمل ابنها دُميةَ أو دُميتَين).

لقد حققت القصة حقا هدفها الفني والأخلاقي بتقابل الروح والمادة وتقابل الأجيال وأظهرت أن الجيل القديم الأكثر خبرة في الحياة إذا امتلك الوعي يمكن أن يكون أرقى من الجيل الجديد.

البحث القادم: التراث في قصة السيرة عند الأديب القاسمي

 

قصي الشيخ عسكر

.........................

1-  كنت قد كتبت بضعة روايات أطلقت عليها الواقعية المستنيرة وقد استحسن الدكتور عبد الرضا علي هذه التسمية وارى أن قصة السيرة الأدبية تدخل فنيا ضمن الواقعية المستنيرة التي تبتعد عن المباشرة والتسجيل الحرفي وهي فن يلبي احتياجات العصر الحديث. وتسمية الواقعية المستنيرة جاءت أيضا باقتراح وحوارات ونقاشات مع الدكتور صالح الرزوق الذي أبدا اهتماما كبيرا بهذا الفنّ الجديد

2-  تنويه نظرا لأصالة الموسيقى الأندلسية الروحية نجد أن الأذاعات المغاربية تبثها باستمرار في شهر رمضان أو حلال المناسبات الدينية

 

 

رحاب عوضفإنه يتجاوز كونه عنصر اً متمِّماً في الرِّواية.. الدَّلالات الفكريّة والنفسيّة للزَّمان والمكان في رواية " وكر السَّلمان":

تستلزم الرواية المكان المناسب الذي يحتوي الشخصية المتحركة في إطار الفكرة، وتعدد الفكر يتطلب تعدد الأمكنة التي تتجاوز الجانب المادي المحسوس إلى الحيز الوثيق الصلة بذات ومضمون الشخصية الذي يحتويها بكافة حيثياتها ويشكل مركز تلاقٍ وتفاعل قائم بينها وبين العالم الخارجي المحيط يؤثر على الإنسان ويطبعه بطابعه وبالمقابل يتأثر به الإنسان فينصاع لما يفرضه عليه، عمد الكاتب إلى الخيال واللغة التوصيفية في تشكيل الأمكنة فبث الإيحاء والتصوير فيها لخلق صورة مفصلة عنها، احتوى المكان والزمان معاً في بنية حكائية كمكونين أساسيين متلازمين يمثلان مدركاً حسياً وآخر متخيلاً لم يتخلَّ الكاتب عنهما في نصه على مدار السرد:" الساعة السادسة صباحاً عندما داهمت داره القوة المكلفة..، الساعة الرابعة فجرأ من يوم ممطر من شهر شباط عندما بدأت قوات القصف المعادي تدك مواقعهم في منطقة شرق البصرة ..، الساعة تشير إلى السابعة والنصف حينما سمع عدة طرقات على باب داره،" دار حديث بينه وبين الرجل الجالس بجانبه حول حرارة الجو في هذه السنة (1985) سنة الحصاد البشري المريع في حرب ضروس بين جارين ندين.."

كان لتوظيف الزمكان الدور الهام في توثيق الأحداث ووضع مرتكزات معرفية ينطلق منها القارئ في التتبع والربط، تُوسِّع دائرة تخيله وتمكِّنه من الإحاطة التامة وبناء تصور للقادم وتخمينه أيضاً. فللزمان فاعليته البارزة في تعميق الإحساس لدى المتلقي بالحدث والشخصيات، فحين كان الكاتب يحدد ساعة التوجه إلى النفق في "السابعة مساء" ويوظف ممليات المكان الصحراوي الموحش، لم يكن يعمِّق إحساس وشعور المتلقي بالحدث فحسب، وإنما كان يضعه موضع المترقب لصواب توقعاته السوداء فيما ستؤول إليه الضحية، ويوقفه على محطة زمنية محددة الملامح اختارها لتكون مستهلاً لروايته ومنطلقاً لبداية يقدم فيها القاتل ولحدث يجري في مكان مغلق" كالحافلة" : " الوقت ضحى، الساعة تشير إلى العاشرة صباحاً، ودرجات الحرارة تكون على أشدها في شهر آب ولا سيما بعد الظهيرة، جلس قرب النافذة في مؤخرة الحافلة ذات الثمانية عشر راكباً المتجهة نحو محافظة المثنى في قضاء السلمان ... أصوات المغدورين تضج في صمته، يراهم يهرولون أمامه أحدهم يرميه بيده المقطوعة والآخر يركض وراءه بلا رأس وبعضهم يمسك بتلابيبه صارخاً " فتلاقت بعض أصداء العنوان مع معطيات أولى سطور مكثفة تعتمد الأسلوب الإخباري، تشد الانتباه وتوجز بملامح درامية خيالية ما يستثير فضول القارئ لاستبيانٍ مفصَّلٍ لشخصية قد تعددت ضحاياها قدمها عبر ضمير غائب.

عمل الكاتب على إحداث التوافق بين حركة الزمن وحركة السرد لتكون حركة الزمن أفقية عمودية مجارية لحركة الحكي موظفاً تقنيات المونولوج والاسترجاع والاستباق التي تفترض الحركة والرجوع إلى الوراء إلى الماضي القريب والبعيد والسحيق القدم وتشكل مفارقات زمنية بين زمن القصة وزمن الكتابة والسرد تفرضها المسافة بين نضج التجربة الواقعية في تجربة الكتابة، فتستدعي منه ضبط حركته بحيث يحافظ على الوقع النابض ويحقق الانسجام أثناء مواصلته الحكي نحو الأمام دون أن يُحدِث خللاً أو ترهلاً فيه، فقد كان يعود إلى زمن طفولته وفي الوقت ذاته يرتد إلى التاريخ الدموي للعراق والعصر العباسي ومقتل المتوكل على يد ابنه وتآمر الترك بل ويغرِقُ في التاريخ إلى زمن السومريين وما قبلهم، الأمر الذي يفترض على الكاتب إدراج الحدث بحيث يمضي مع السرد دون أن يحدث شرخاً يقطع تسلسله، فقد عاد بنا إلى حيث كان نعمان صغيراً إلى حديث والده بخصوص الأهمية الاقتصادية للشورجة، وإلى وصايا أمه له في صون المبادئ والأخلاق التي لقنه إياه والده.

 وكثيراً ما كان يسترجع استرجاعاً داخلياً مخالفاً لزمن السرد الأولي، عندما كان يدخل شخصية جديدة فيتجه إلى عرض بعض تفصيلات علاقتها بالشخصية المحورية كما فعل حين قدم شخصية الضحية "ناصر" أو استرجاعاته التي تحمل الوظيفة التفسيرية كما فعل حين استذكر شخصية أم ناصر ليبين علاقة المحبة الودية القديمة بينها وبين أسرة نعمان وبالتالي يعزز المفارقة المعنوية القائمة على التناقض وفي رسم صورة الغدر بأصدقاء كانوا فيما مضى على علاقة حميمة مع الأهل فتتجلى قباحة المفارقة.

 ومن استرجاعاته المرتبطة بالتجربة ما كان داخلياً مستبطناً لأفكار الذات ومشاعرها حملت مفارقاتها الزمنية مفارقات محتوى اختلف بين ماض وحاضر: كتذكره لوصايا أمه له في صون المبادئ والأخلاق التي لقنه إياه والده:" يا ولدي إياك أن تفرط بما ضحى من أجله والدك وأجدادك فلا تهدم ما بنوه، فأنت الوحيد الذي يحمل سرهم وجذوتهم وامتدادهم" أو لقاءاته الرومنسية بحبيبته سناء في شارع النهر والزوراء أو حواراته مع زملائه في الكلية بخصوص أهمية تطبيق القانون وإحلال العدل.

كما كان يلجأ إلى القطع الزمني "الحذف "حينما يريد أن يتجاوز فترة زمنية مشيراً بجملة عابرة " مرت سنة على غياب .. مرت شهور ..منذ سنة لم يتصل بأهلها ". وتضمنت مواطن من الرواية تراكباً في استرجاعات متداخلة تسير إلى الخلف الأبعد تدريجياً حين استرجع نعمان للحظة زمنية مضت وجوده مع سناء في النفق، وضمنه الكاتب استرجاعها للحظة زمنية أسبق لحديث ورأي والدها فيه فجمع استذكارين لشخصيتين يعودان إلى زمنين متباعدين وشكلهما معاً في زمن السرد والحكي. ثمة استباق أتى كاستشراف مبكر للقادم كحدس نعمان إزاء رحمة بأن نهايته ستكون على يديها فعنوان بحث تخرجها " الجرائم المتعددة والعقوبة الأشد" ، أو ما جاء ماضياً مسبقاً في الحدث الواقعي ومتأخراً في متن السرد الحكائي: كالذي أورد على لسان أم جاسم من أن نعمان لن يتزوج من سناء، والعرافة أخفت ذلك عنها ولم تخبرها لئلا تكدرها وتعكر صفو حياتها. وقول الدكتور فاهم:"ستتألقان أنتما الاثنان في القضاء"

وأما ما جاء من استباق للحدث فتجلى صريحاً فيما أورده على لسان الضحية ناصر:" ستحصد شر أعمالك عاجلاً أم آجلاً فلكل جبار ظالم نهاية مخزية أنا نادم كل الندم على معرفتي بك."

أو استباق إشاري تمثل بعواء الذئب وظهور الطيور الباعثة على الشؤم " القبرة والوطواط" ومواء القطة والمنذرة بحدث جلل لا محالة آتٍ. فقد كان عليه أن يبقى دائم الاشتغال على إحداث التوافق بين حركة الزمن وحركة السرد ويحافظ على النسق الأولي في تنقله بين الأزمنة.

أما المكان فإنه المجال التخيلي الذي يشكله الكاتب بأسلوبه التعبيري من خلال توظيف اللغة وما تحمله من جماليات التصوير ليبث فيه الحياة وينبض بإيقاعها، وبمقدار ما تمتلك خاصية الإيحاء فإنها تفصح عن المذكور من الوصف وتشير إلى غير المذكور ،ليكون ظاهره من اللفظ رهن ذائقة القارئ وباطنه رهن خيالاته وتأملاته وتصوراته ورؤياه الخاصة، في استجلاء البنى الاجتماعية والثقافية والعقائدية والاقتصادية والسياسية، فيغدو صورة تفصيلية بمملياتها وبذلك يتجاوز المجال المادي خاصته إلى احتوائه للأبعاد المختلفة التي تتكون منها الشخصيته وتتأثر به، إذ يسهم في التكوين النفسي والفكري والاجتماعي للإنسان.

 فيبقى في فضاء الرواية فسحة متخيلة يرسمها الكاتب بواقعية أو خيالية، سواء أاتسعت أم ضاقت بريشة اللغة والألفاظ التي بمقدار ما تتسم بالإيحاء وتوظف الحركة والصوت والصورة فإنها تزج القارئ في حيثياتها وبواعثها الشعورية وتمنحه الكثير من خلفياتها وتكشف عن النقاط العميقة والثغرات في شخصياتها وتوجهاتها وإيديولوجياتها وأفكارها وتمكنه من استنباط الخلفية النفسية لها وليس كذلك فحسب بل يستشرف ما يمكن أن يصدر عنها من ردود فعل أو انفعالات أو مواقف.

تعددت صور الأمكنة وأنواعها في الرواية بين الخارجية كوصف المدينة " بغداد" بعد تدمير القصف الجوي لها حين أسبغ على شوارعها بوصف الشيخوخة، والداخلية كمنزل أهل نعمان الذي يمثل المكان المؤنس والذي يتحول إلى دال كبير يشمل رموزاً عدة ودلالات العودة والحنين إلى مربع وذكريات الطفولة وملاذ الحنان والأمن والتربية الصالحة بعد أن عصف به إعصار الشر وزجه في متاهات الضياع والتمزق والانحطاط.

كانت غرفته تعكس الوحدة والوحشة والاغتراب النفسي ولا سيما بعد فقد الأبوين، وأما غرفة أمه التي كان يدخلها فإنها كانت أشد نحراً ونهشاً في لب الروح، فهي بصرف النظر عن ثباتها المادي وبقاء موجوداتها تأخذ بُعداً في انهيار وخذلان لوحات المثل والتربية والأخلاق وفقدان الدفء وخيبة الآمال بل ضياع كل شيء:" أماه، أين أنت؟ منذ رحيلك وأنا تائه، لقد أكلني جدب الوحدة، سقطتُ في وحلِ غربتي ، فبعدكِ ضِعتُ يا أمي، وحيدُك ضاع ..ضِعتُ يا أمي وضَّيعتُ أحلامي، وحلمَ أبي ، بل حلمكما معاً .." في إطار وظف فيه تكرار اللفظ المتمخض عن الحالة النفسية المثقلة بالألم والحسرة.

كما تجلى المكان المعادي في النفق ذي الدلالة الوظيفية الذي لعبت فيه شخصية نعمان الدور الهام في إبراز هذه الوظيفة، حيث عكس الصورة السوداء المظلمة للمكان المحسوس والفكرة المعنوية في امتداد جذور الجريمة إلى التاريخ والتي كانت تُحاك خيوطها في الظلام. وظهرت صور المكان العتبة متمثلة بالنوافذ وآليات النقل والتنقل كسيارات الأجرة وحتى الحافلة التي لم يغفل الكاتب عن توظيفها بما يخدم المحتوى المعنوي، حين كان يكرر الكاتب ركوب نعمان في الصفِّ الأخير فيها في مواضع عدة كإشارة إلى غربته وعزلته النفسية واتخاذه لزاوية تقصيه قليلاً عن الناس، ومن جهة أخرى يمكن أن نجد في ذلك استخداماً استعارياً مجازياً إذا نظرنا إليها على أنها تمثل خط سير الزمن بمحمولاته وهو يتقدم نحو الأمام، ونعمان مع أخذ منبت جذوره بالحسبان فإنه يمثل بأصوله الشريحة التي لا تزال متأخرة عن ركب الحضارة بمفهومها الحقيقي برغم كل ما تأتى عليه من تداعياتها، وفي الوقت ذاته ضمن أحد توصيفاته لها انزعاجه من روائح شعر الماعز وصوف الغنم التي تفوح من راكبيها من أهل تلك المنطقة.

 فحين كوَّن الكاتب هذا المكان الروائي المتخيل متمثلاً بالحافلة، حمَّله على ضيقه ثنائية متلازمين " الزمكان" وزخراً من أفكاره ومقاصده، ملتمساً لغة سهلة واضحة الألفاظ مكثفة المقاصد بما حملته من إيحاءات وحفزته من خيالات وتصورات حملت الدلالات الاجتماعية والثقافية والتاريخية والنفسية والعقائدية في تلافيف اللفظ.

كما أدى المكان في الرواية وظيفته المعرفية على شتى الأصعدة، فالكلية في المدينة قدمت صورة الثقافة والعلم والوعي والانفتاح الفكري والاجتماعي تجلى ذلك من خلال اجتماعات الطلبة في كافتيريا الكلية وغيرها ونقاشاتهم وآرائهم حول موضوعات الحرب والقانون والاقتصاد والجريمة .

 ومن خلال شارع النهر صور الكاتب مشاهد الحب ولقاء العشاق كاستحضارٍ لذاكرة أحلام لا تزال طيوفها تجول في طيات بعيدة من الوعي ، عبر عنها من خلال شخوصه ليبعث في زاويا الرواية المظلمة شيئاً يشرق في وجدان قارئه بالأمل والحياة.

 أما السلمان فقد بينت صورة الحياة الرعوية في الصحراء التي بدورها مثلت الانتماء والهوية وانخفاض مستوى الوعي والثقافة وما إلى ذلك من أفكار متخلفة وعادات وتقاليد بالية انتهت إلى القساوة والتوحش ورد منها فكرة وأد البنات، فالمكان يقدم مجمل الدلالات والعلاقات وتأثيرها في تكوين الإنسان.

تجلت الوظيفة المعرفية في وصف سوق الشورجة حين أشار عبر شخصية محمد إلى دوره الرئيس والهام في قوة وازدهار اقتصاد البلاد، والمتحف البغدادي في إشارة إلى عراقة التراث وشارع الرشيد الذي أتى تعريفياً بيانياً للقارئ شمل جوانب عديدة خدم أهداف الكاتب وشف اعتداده وتشبثه بأصالة الانتماء للمكان وحسه الوطني وموقفه المندغم في صوت الشعب صوره كخريطة تفصيلية في تموضعه على الأرض ومجرياته، فقدمه عبر شخوصه في قالب من حوارات:

" فهذا الشارع يمثل الوجه الحضاري للعاصمة بأبهى صورة فتتمظهر فيه معالم التمدن والرقي وتتسابق فيه خطى الفتيات بكامل أناقتهن مبتهجات بهذا الجو الجميل والمناظر الخلابة التي تجسدها المحال التجارية التي تحتوي على أرقى وأفخم البضائع المصنعة عالمياً ومحلياً."

" قال همام: هذا الشارع يرمز له بروح بغداد، فهو يجمع كل تاريخها وأصالتها وقد أطلقت عليه هذه التسمية تيمناً باسم الخليفة العباسي هارون الرشيد حيث بلغت في عهده عصرها الذهبي."

" قال نعمان مؤكداً قول زميله: بدأ شارع الرشيد من منطقة الميدان حتى الباب الشرقي، وهنا كانت التظاهرات العارمة تصدح بأصوات معارضي السلطة."

أضاف مؤيد قائلاً: وشهد هذا الشارع بالذات أحداثاً دامية ما زالت مذكورة في ذاكرة العراقيين ، فقد جرت فيه محاولة اغتيال رئيس الحكومة العراقية آنذاك عبد الكريم قاسم من قبل مجموعة معارضة لكن إصابته لم تكن قاتلة ونجا منها".

أو وصف مطعم دنانير حين أراد أن يعرض صورة مشرقة للمكان عززها بخيالاته وأشار إلى معالم الرقي الحضارية فيه:" وهو مطعم عائلي على الطراز الأوربي، كل شيء فيه يشعرك بأنك في مكان باذخ الرقي، طاقم الخدمة الجميل نساءً ورجالاً، طريقة الاستقبال، نظافة المكان، وأشجار الزينة، واللوحات الزيتية الفاخرة التي تزين جدرانه، مفروشاته الأثيرة، الموسيقا التي تعزفها فرقته الموسيقية. حين تدخله يشعرك جوه المخملي أنك في بقعة من بقاع الجنة".

وتجلت أيضاً صورة المكان المعادي القاتمة الذي أدى في الرواية وظيفته التفسيرية والإيهامية حين وضع القارئ موضع المستوحي المتنبئ المترقب للقادم وأوحى له بخطب قادم تسير إليه الضحية، فحين وصف وحشة الطريق في الصحراء إلى النفق وظلمته وما إلى ذلك من خلوها من البشر وانعدام الحركة وتصوير ظلمة النفق كانت إشارة رمزية إلى ظلامية الفكر الممتد إلى مئات السنين، التي تمخض عنها الظلم وسحق الإنسانية ونسج المكائد والمصائد وتجسد ذلك من خلال الحفرة التي سقطت فيها الضحية بسبب شدة الدهمة وإطفاء نعمان للمصباح عامداً للإيقاع بها فيها قبل أن تصلها وقبل أن يقوم بذبحها وزهق دمها..

هذا إن استخدام الكاتب للنفق كمكان جاء يحمل دلالة رمزية وعلى ضيقه وارتباطه بموحيات العنوان " وكر" فإننا نجده يتسع ليتحول إلى فضاء زماني مكاني واسع ممتد يشتمل على العلاقات بين الشخصيات والصراع القائم بين القيم والأفكار ويختزل في دهاليزه الصراع القائم المستمر في ثنائية "الخير والشر" فيتخذ بعداُ وجودياً تاريخياً موظَّفاً بلغة انزياحية كانت قادرة على تقديم لوحة مكثفة الإيحاء بأزلية الجريمة وامتدادها واستمرارها.

 فالتوظيف المكاني هنا قد لم يقف عند حد كونه عنصراً هاماً في سير الأحداث فحسب، وإنما يمكن اعتباره الهدف الأول القائم خلف كتابة هذه الرواية.

وإلى جانب ما أداه النفق بموجوداته من وظائف فإنه أسهم في دفع سير الحدث من خلال تصعيد الانفعال نحو التأزم، فللمكان دلالاته التعبيرية حين يجعل الجامد من الأشياء والموجودات ينبض بالحيوية ويقدم صورة تخييلية تجسد مضمون العلاقة بين الشخصية والمكان وتلقي ظلالاً حية على الحدث ،وتضفي عليه الطابع الحسي بدوال إيضاحية ، وترسم الرقعة الانفعالية التي يتفاعل فيها القارئ مع موجوداته ومؤثراته التي على اختلافها وتنوعها وتسبغ على المشهد بما تحمله من إشارات ودلالات مشاعر التوجس والخوف والقلق.

وأما تفعيل طاقة الخيال الحسي في المكان فإنه انتهى إلى تقديم صور محسوسة ذات دلالات جعلت القارئ يستشعر ويبصر ويسمع ويشم ويحس بالأشياء ويدرك ما تنطوي عليه وما يقف حولها وخلفها وقادمها، يدرك وجود الغدر من خلال توظيف رائحة العفن وللخيانة رائحتها النتنة، ويستشعر الصحراء من خلال وصف الزهور البرية وحرارتها وبرودتها ووحشتها وظلمتها وقفرها فيبتلسه القلق والارتياب وهو يرقب آتياً مجهولاً يملأ هذا الخواء بزئيرالموت ، بالإضافة إلى الحشرات والعناكب والصراصير وأصوات فحيح الأفاعي والروائح الكريهة المقززة وطيور الشؤم القبرة والوطواط التي أضفت على المكان ظلالاً قاتمة من خلال ما أثارته في الشخصيات المُسَاقة إلى النفق ودبت فيها التوجس والتوتر والخوف، وانعكست بدورها على القارئ لكونه يتشارك وإياها التداعيات الانفعالية للحدث الأمر الذي أسهم في تأزيم الرقعة الانفعالية، فيبتلسه القلق والارتياب وهو يرقب آتياً مجهولاً يملأ هذا الخواء برحال الموت وترقب، بالإضافة إلى تضمين المشهد ثغاء الأغنام والإبل ونباح الكلاب مما استحضر صورة بصرية سمعية متخيلة للصحراء فيها من الأصوات ما انتهى إلى الصورة المتحركة الحية التي أراد الكاتب زج قارئه فيها، والتي بمجملها أسهمت في دفع الحركة الدرامية للحدث. وبالمقابل فإن توظيف اللون والصوت والحركة في وصف الطبيعة في شارع النهر المخضوضرة بالأشجار وزهور الحدائق المزدانة بشدو العصافير وهمس العاشقين إنما استحضره الكاتب حين أراد أن يقيم الأجواء الرومنسية الهادئة بين العشاق ويُحدِث مقابلات تضادية متباعدة بين الأمكنة المشرقة والمظلمة، بين الموترة والمنعشة الباعثة على استرخاء النفس والأعصاب.

فمن باب المحافظة على التوازن الشعوري وجد نفسه مضطراً لأن يزاوج بين المشاهد والمشرقة والقاتمة ويستدعي ما يلزم لتكوين الصورة المحسوسة الحية المحفزة لحواس القارئ فتتذوق كأس توصيفاته ويبقي الرقعة الانفعالية متوازنة لدى القارئ كلما تصاعدت مع تأزم الحدث .

و يرتبط المكان ارتباطاً وثيقاً بالشخصية يؤثر بها وتتأثر به يحمل أفكارها ويعبر عن نفسيتها، فهو ذو بعد نفسي بما يثيره فيها والتفاعل بينهما دائم الاستمرار، فالمدينة تمنح أهلها طابع الرقي والتحضر والبحر يعلم أهله رحابة الصدر وسعة الباع والصحراء تعلم أبناءها القساوة.

 ولكون الشخصية دائمة التحرك والتنقل بين الأمكنة تبعاً لما يطرأ عليها من تحولات فإن هذا التنقل إنما يسهم في دفع الحدث وتوالي مستجداته، فعودة نعمان إلى قضاء السلمان لم تتمخض سوى عن التغير والتحول الذي طرأ على نفسيته، والانعطاف الذي لحق بسلوكياته عندما تعرض لإعاقة أدت بكافة حيثياتها إلى تصاعد شهوة العنف وسفك الدماء، في حين أن مكوثه السابق في المدينة إنما كان تواؤماً طبيعياً لشخصية متوازنة واعية مع مظاهرها ورقيها تضع نصب عينها حلماً تسعى إلى تحقيقه في تقلُّد مركز مرموق في القضاء.

هذا وإن توظيف هذا الانتقال من منزل الأهل في حي العامل في المدينة إلى السلمان إنما يحمل في طياته دلالة تفسيرية لارتداد الإنسان إلى موطنه الأول بفعل متغيرات.

ويعد منزل الإنسان المكان الخارجي الذي لا ينفك يعيش في داخله، فبعد أن فارق والدا نعمان الحياة ومنزل الأسرة، غدا موحشاً تسكنه الغربة والحسرة ، وهجرته الأحلام لم يبق فيه سوى ذكريات راسبة في قعر الذاكرة وأصداءُ أصوات لقيمٍ ومبادئَ مخذولةٍ تتبادر إلى مسامعه كاستذكاراتٍ، في لحظات قاتلة من الضياع والانكسار أو أحلام تأتيه بوالديه الراحلين موبخين إياه لخذلانه التربية والمثل التي لقناه إياها.

ورد المكان الداخلي المعادي ذو الدلالة التفسيرية ممثلاً بالسجن الذي أشار إليه الكاتب في الرواية ليضيء جانباً في استخدام القوة والعنف في محاربة حرية الرأي والتعبير ومطاردة الأحرار من المفكرين الذي يمثلون ألد أعداء المستبد فيعمد إلى اعتقالهم والنيل منهم. أورد: " ارتبط اسمها ارتباطاً وثيقاً بسجن ( نقرة السلمان) الذي هو في ذاكرة العراقيين يمثل صورة غير محببة ومرعبة تشمئز منها النفوس ....كان معتقلاً رهيباً للسياسيين الذين ناوؤا السلطة آنذاك، وجلُّهم من الوطنيين الأحرار المخلصين وناشطي الأحزاب والنقابات ورجال الفكر والأدب. "

أو حين صور المقهى الذي يرتاده الناس في أوقات فراغهم التماساً للتسلية والمتعة من بين زخم تداعيات الحرب عليهم ومعاناة العيش، يجدون فيه متنفساً وحيزاً يخفف عنهم وطأة الهموم حين يجتمعون على لعب الشطرنج والدومينوو احتساء الشاي والقهوة ويتبادلون الأحاديث والنُّكات والمزاح والضحك، نراه يتخذ منه منه منفذاً لإيصال فكرة الخوف من إبداء الرأي خشية العيون المتربصة:

" كان يتردد إليها سابقاً في أوقات متفاوتة، ويلتقي مع أصدقائه الذين يلعبون الشطرنج والدومينو ويقضون أوقات هانئة وسعيدة فيها... وأغلقت المقهى لفترة ثم افتتحها مؤخراً شقيقه جميل لأنها مصدر رزق عائلتهم الوحيد وكانت لا تخلو من مراقبة بعض أفراد الأمن فبعض من يجلس فيها عليهم مؤشرات أمنية ... وكان ذكياً حينما يتحول الحديث بين أصدقائه ويأخذ منحى سياسياً يعتذر لقضاء بعض الأعمال." ..

فالمكان هنا داخلي مغلق "مقهى" لكنه أدى وظيفته في كونه ملاذ الراحة والاسترخاء وفي الوقت ذاته مرصد تتبُّع الجواسيس، فحمَل المواقف والآراء الفكرية والاتجاهات والتوجهات المتضاربة وبالتالي انطوى على صعيد الانفعال على حالتين شعوريتين متضادتين." الاسترخاء والتشنج" " الحرية والكبت" وقد أدى وظيفته في التفسير عندما بيَّن الكاتب موقف نعمان المتيقظ إزاء الوضع الراهن بخروجه من المقهى وتملصه من المشاركة في الحديث في الوقت المناسب. ولم يكتفِ الكاتب عند حدِّ اتخاذ المقهى المكان المخصص للهو والمرح فحسب، وإنما جعله مكاناً يفسح لمن يرتاده من المثقفين وهواة الأدب لأن يقرؤوا ما ينظمون من شعر، كإشارة لا تخلو من الاعتزاز والاعتداد بتاريخ بلد كان منبت الثقافات والعلوم والآداب الإنسانية رفد الشعوب قديماً بعلمه وفكره قبل أن يطيح الطغاة ببنيانه، بلدٍ كلُ حجر فيه يحدث عن عراقة وأصالة تراثه الفكري وكل زاويةٍ تشدو برصين الشعر وعذوبة القوافي. حين أطلق صوته الشعري عبر شخصية "نديم" متغنياً بحب العراق مبرزاً حسه الوطني، آخذاً عبرها بمسمع ألباب الحضور على اختلاف مستويات الوعي والثقافة لديهم، باعثاً في وجدانهم نبض حبه لوطنه وألمه لما حلَّ به من نكبات.

التنوع بين الأمكنة في الرواية بين الكلية والنفق ومنزل التربية والتنشئة والأسوق التجارية وشارع النهر والزوراء والصحراء ونهر دجلة والمقهى والسجن والملهى والحافلة وسيارة الأجرة وسيارة المرسيدس الزرقاء والقرية وسينما بابل ووو .. لا يجسد اختلاف الملامح الخارجية المادية بقدرما هو يشيد بنى فكرية تقوم على اختلاف القيم والمبادئ والأفكار والمعتقدات والمستويات ..

 وبالتالي يقيم مفارقات ليست سوى تقابلات بين القيم وثنائيات مختلفة قوامها التضاد أو التناقض أو التضارب تتوزع بين العلم والثقافة والوعي، الرقي والأخلاق، التخلف وموروثاته، الحب والحقد، الكبت والقمع والحريات المختلفة ، الخير والشر، القبح والجمال، الحياة والموت وما إلى ذلك .... منها السامي والواطئ، الوضيع والحسن ،القريب والبعيد، المؤنس والغامض المجهول .. فاكتسبت الأمكنة سماتها مما تسبغه عليها الشخوص.

ولم يقف عند حد توظيف المكان لأغراضه المختلفة التي تخدم الحدث فحسب وإنما أسبغ عليه بصفات تشخيصية في صورة دمجت الذاتي بالموضوعي من جهة فجعله يشعر ويحس يفرح ويحزن تبعاً لما تبث فيه نفسية الشخصية من مشاعر وأحاسيس، وتُحدث بخروجها عن المألوف شقاقاً وشرخاً بين نفسه وجسده حين شرعت نفسه تجر الجسد "الجزء المادي" في إطار تصويري مثقل بشعور الألم والتمزق:

" خرج من الأسواق المركزية يجر جسمه جراً متثاقلاً ، كان يرى كل شيء باكياً في شارع الرشيد، هل هو يواسيه؟ أو أن رؤياه قد تبدلت بعد هذا اللقاء الخاطف مع رحمة. هذا الشارع الذي شهد أحلى أوقات فرحهما وعشقهما هو سناء سمع همسهما وترقب زهوهما حاملاً خطاهما على رصيفه المزدهي بالعنفوان."

أو في وصف المدينة المنكوبة، فالأرض هي الكيان الحامل مادياً للإنسان والمحمل معنوياً بآماله وأحلامه والتي لا يشعر بوجوده إلا من خلال التفاعل مع موجوداتها ومجرياتها والمحيط ، ينظر إليها بمنظار داخله فتختلف النظرة تبعاً لما فيه، فحين انتكست بالحرب انطفأ أمله رأى الأشياء شاحبة، فصب عليها شحوب رؤياه وضعف وترهل الحركة وخلع المعنى عليها من خلال لفظة "شيخوخة" على سبيل الاستعارة المكنية:

" وحتى الوجوه تغيرت أثقلها الحزن والإرهاق فبانت عليها وعلى شوارعها علامات الشيخوخة وقلة الحركة والجمود الاقتصادي ..."

وحين أراد تهدئة الحدث المتسارع في طريقه إلى النهاية ارتأى أن يضمن روايته حيزاً من الصوت والصورة وأطيافاً من أجواء المغنى في الملهى في إطار أدق تفاصيل الوصف، تضع القارئ في عالم مشبع بالرومنسية مكثف الإيحاء مقحماً وصف الراقصة ليعطف على وصف المكان الذي حمَّله ميول ورغبات الشخصيات ودوافعها فمنح المكان الحقيقي خصوصية الخلق الفني. وردت في أواخر استذكاراته ورمى من خلال ذلك

الموصلي، فتحسب أنك في جوٍّ مخمليٍّ يأخذك بعيداً عن متاعب الحياة وهمومها." كما أن بروز دوال الصوت واللون والحركة قد أسهم في استحضار الكاتب للمشهد مرئياً مسموعاً حياً بلغة اقتضت تكثيف الإيحاء وتآزرت مع ذلك أساليب شتى من توظيفِ الإسقاط التاريخي والتشبيه والرمز باللون الأحمر كلون للحب والعاطفة فتمكن الكاتب من ابتداع المكان الفني، في مشهد تصدرته صورة المرأة المثيرة اللعوب، وخلق رقعة انفعالية تسبح في خيالاتها أحلام وتتسع الفجوة في الكيان النفسي ليخرج الليبيدو المقموع ويمارس فعل الحياة ويتمرد على قوافل الزمن فيسترسل لاشعوره في الإفصاح عن فجوات صدَّرت مملياتها إلى عقله الباطن وكشفت عن دوافع صاحبها المكبوتة بفعل الأنا العليا وتتجلى إلهاماً يسقط بها في الكتابة الأدبية، باعتبار الكتابة تمثل السلوك الواعي في التعبير عن اللاوعي واستخراج خزين النفس الكامن.

كما أنه لم يغفل عن إلحاق ذلك بالوثوب إلى تصوير أدق التفاصيل في وصف الكازينو، في مسار حركي وظف فيه المضارعات بغزارة بما تفيده من معاني الحيوية والاستمرارية والتجدد، والأسلوب الإخباري مستهلاً الوصف بضمير الغائب ماضياً إلى أن يُحدِث انزياحاً ضمائرياً إلى ضمير المخاطب "القارئ " ليختزل له فيه جمال المشهد ويجدل ما أثار في المكان من مشاعر وجدانية في شعرية جملة: " فتحسبُ أنكَ في جوٍّ مخمليٍّ ...." ومن خلال هذا المكان وجد متسللاً ليشير إلى نقطة في ظلم القانون للمرأة حين تفقد زوجها في الحرب حيث لا موجود ولا ميت، تبقى معلقة لا يعتبرها أرملة أو مطلقة، وأشار إلى تداعيات ذلك عليها من حيث أنه يقودها إلى تلويث كرامتها واستثمار جمالها وأنوثتها في مهاوي الخطيئة ...

يُتبع ...

 

رحاب عوض

 

 

ايمن عيسىمنذ اختلاط الحضارة العربية بغيرها من الحضارات الأخرى، ودخول أعداد كبيرة فى الإسلام من أهل هذه الحضارات المتحدثة بلسان غير عربى، نجد أول ظهور للأخطاء اللغوية وشيوعها على الألسن العربية، وهو ما عرفه القدماء بـ "اللحن" حيث انحراف اللسان عن الصواب، وبامتداد العصور فإن المَلـَكة العربية ضعفت على الألسن، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن .

 ولم يقف العلماء إزاء هذه الظاهرة بالموقف السلبى لا فى القديم ولا فى الحديث، بل منذ بدأت هذه الظاهرة تعرف طريقها للسان العربى، وقف العلماء واللغويون فى مواجهتها بكل السبل . وكان الدافع الأول فى ذلك هو تشكيل خط دفاعى يمنع وصول هذا اللحن إلى النص القرآنى، فلا يعنى أن الله عز وجل قد تكفل بحفظ القرآن الكريم، أن يركن المسلمون وأهل اللغة إلى الاطمئنان السلبى، بل فطنوا إلى دورهم جيدا، وعلموا أنهم بعلمهم من الجنود التى سخرها الله وهيأها لحفظ كتابه الكريم .

ومن المعلوم فى القراءة والكتابة أن اليد تابعة للسان، فإن انحرف اللسان قراءة انحرفت اليد كتابة، وإن سلم اللسان أخذ اليد معه إلى السلامة والصواب، من هنا فإننا نركز فى هذه الدراسة الموجزة على تصويب أخطاء شائعة فى كتابة وقراءة الأعداد، ويتمثل ذلك فى:

1- العدد (100)، ينطقه كثيرون بفتح الميم ومد ألف بعدها، وفى الكتابة يكتبونه هكذا "مائة". بينما الصواب هو كسر الميم ولا مد ألف بعدها، فتنطق وتكتب هكذا " مِئـَة "، بكسر الميم وفتح الهمزة .

2- العدد (400)، ينطقه كثيرون ويكتبونه " ربعمائة "، فاجتمع هنا خطأ قراءة وكتابة المئة، وهو على النحو الذى ذكرنا، وخطأ صدر العدد وهو " ربع "، والذى لا يعلمه البعض أن هذا الخطأ فى صدر العدد ينحرف به إلى خطأ آخر فى الدلالة، وهو أنك لو قلت أو كتبت " ربعمائة " أو حتى " ربعمئة "، فإنك بذلك لا تقصد أربع مئات، وإنما ينحرف المقصد إلى ربع المئة، وهو العدد " 25 " . فالصواب إذن هو أن تقرأ وتكتب " أربع مئة " . وأما عن الوصل الكتابى، لماذا لا نكتبها " أربعمئة "، فهذا ما نوضحه فى النقطة التالية .

3- فى كتابة الأعداد من (300 إلى 900)، يـُفصل الجزء الأول عن الثانى، ونسوق فى ذلك قرار مجمع اللغة العربية بالقاهرة، الصادر فى سنة 1963م، وهذا نصه (نظرا ً إلى أن المجمع أقر حذف ألف مائة، والتزام ذلك مع وصل كلمة " مئة " بثلاث ونحوها، فإنه يزيد صورتها غموضا، فالفصل أقرب إلى الهداية . ونظرا ً إلى أن الفصل مكتوب به بعض النصوص القديمة كما فى الطبرى، ونظرا ً إلى أن الإعراب يقع على ثلاث ونحوها، فيجب الفصل لبيان حركة الإعراب على آخر الكلمة، ونظرا ً إلى أن الفصل فيه تيسير على الناشئين، على أن نفصل الأعداد من ثلاث إلى تسع عن مئة، فتكتب هكذا : ثلاث مئة، أربع مئة ....... إلى تسع مئة) [انظر : مجموعة القرارات العلمية فى خمسين عاما من 1934 إلى 1984 – مجمع اللغة العربية بالقاهرة – ص 316 ] .

وقد يرى بعض المتخصصين جواز الأمرين فيما عرضنا له، فعلى سبيل المثال العدد 100 يـُكتب مائة أو مئة . ولكن الحقيقة والصواب، أنه لا وجه للتجويز، خاصة مع وجود قرار مجمعى ملزم، وما كان القول بجواز الأمرين عند هؤلاء المتخصصين إلا ناشئا عن أحد أمرين : الأول هو عدم الاطلاع على القرار المجمعى . والآخر هو رؤية كثير من الكتابات تسير وفق هذا أو ذاك، كتابات تكتب " مئة " وأخرى تكتب " مائة " وتكون لأسماء مرموقة ومتخصصين كبار، فيخالون أن كلا الأمرين صواب، ولكن لا جدال مع قاعدة مجمعية موجبة العمل .

فإن أردنا مثالا لما يجوز حقا، فمن ذلك قراءة وكتابة الأعداد المركبة مع المئة، فيجوز عطف الأقل على الأكثر نحو إحدى ومئة صفحة، وعطف الأكثر على الأقل نحو مئة وإحدى صفحة، وإن كان الأفضل عطف الأكثر على الأقل . [انظر المصدر السابق – ص 162] .

وختاما نرجو أن تكون الدراسة قد حققت قدرا من المنفعة العلمية، وأسهمت فى الهدى إلى الطريق الصائب لغويا، قراءة وكتابة، وأن تكون بينت الفرق بين ما يمكن أن نقول فيه: يجوز الأمران، وما لا يمكن فيه إلا أن نـُعمل وجها واحدا فقط .

 

د. أيمن عيسى - مصر