تكريم الفنان شوكت الربيعي

الإمساك بجمر الذاكرة .. إطلالة على إبداع شوكة الربيعي

s16لدى مراجعتي أعمال شوكة الربيعي الموزعة بين أدبيات متنوعة، وإنتاج فني تصويري غني بموضوعاته متنوع بأساليبه، تساءلت هل لجأ الفنان إلى التعبير الأدبي للتنفيس عن ما لم تستطع اللوحة احتضانه،

 أو العكس هو الصحيح؟ وعندما قرأت مذكراته الموجعة بصدقها وحيويتها عرفت أنه أمسك بالطبشور والفحم ورسم خطوطا وأشكالا قبل أن يتعلم الكتابة، بل طلب من والده وهو في تلك المرحلة المبكرة من عمره، أن يشتري له ألوانا بدلا من الملابس الجديدة، ولدى انخراطه بالدراسة أصبح يعرف برسام المدرسة. وجميعها دلائل تشير إلى أن هاجس التعبير التصويري لدى شوكة الربيعي كان سباقا وأوليا. مع ذلك فهو يخبرنا بأن أذنه أيضا كانت تعي وتختزن ما كان يتردد في محيطه البيتي من قصائد شعبية تنظمها نساء بيته، ناهيك عما كان يسمعه خارج البيت في محيط مدينته التي تتنفس شعرا، خاصة في المناسبات الدينية، مما دفعه إلى تقليد ما يسمع. هكذا نمت لديه التجربتان الأدبية والفنية لتمضيا معا في طريق حياته يدا بيد، وظل كلا الفنين يتعاونان ويتكاملان إلى يومنا هذا.

ولد شوكة الربيعي في مدينة العمارة، جنوب العراق، وأمضى نشأته الأولى وصباه اليافع في تلك البقعة المعروفة بعراقة تاريخها الممتد إلى العصور السومرية الأولى، وثراء طبيعتها الفريدة بجمالها. وعلى الرغم من أن الربيعي غادر المدينة والتحق بالدراسة في معهد الفنون الجميلة في بغداد، وأمضى جل حياته فيها، ظل فنه وأدبه ينهلان من تلك الأرض البكر ويستمدان من ناسها ومائها وأرضها موضوعاته ورؤاه ومشاعره. لقد صوّر الطبيعة والحياة اليومية كما صوّر الناس وشدد على وجوههم وملامحهم المفعمة بالأسى. فوجوه نسائه تطل على المشاهد، في أعماله الزيتية، مثل طلاسم توقظ فيه الرغبة بالكشف عن بعض ما تحجب وتضمر. بروح ملتاعة معذّبة صور الفنان مفردات الطبيعة والحياة ووقف طويلا عند مفاصلها الكثيرة والمتنوعة ليشبعها توثيقا بقدر ما يغرقها بالمضامين الدالة ظاهرا وباطنا قبل أن ينتقل إلى مرحلته التجريدية.

عندما طُلب مني الإسهام بتكريم هذا المبدع والوقوف على إبداعه الغزير المتنوع، تداعت في ذاكرتي هذه  الصور وتمثلت أمام عيني وأنا أحاول استرجاع  بعض ما خزنت من أعمال شاهدتها لشوكة الربيعي بمراحلها الواقعية والانطباعية والتعبيرية حتى التجريدية، وبين يدي بعض ما رفد به المكتبة العربية من دراسات غنية أسهم، ولا يزال، في تأليفها وتحريرها، خاصة الكتابات الفنية التي ظلت من المراجع الرئيسة للحركة التشكيلية في العراق. فما الذي يمكن أن أقوله في هذه العجالة، وأنا أستعرض تفاصيل تجربة واسعة من خلال الامتداد الشاسع الذي يفصلني عن السنوات التي كان من اليسير حينها متابعة ما يصدر من أدبيات وما يعرض من فنون بصرية!

أول ما خطر على بالي وأنا أقدم على كتابة موضوعي المتواضع هذا، سؤال نظل نحن العراقيين نتلقاه من القاصي والداني: ما هو سر التنوع والغزارة في فنون وادي الرافدين المعاصرة؟ وإذا بي أمام نموذج حي يجسد نشاطه هذا الإصرار على الرسم والكتابة والتوثيق، بمثابرة لا تعرف الكلل ولا الملل. الربيعي فنان متواصل العطاء، قارئ نهم، يرسم بغزارة مثلما يكتب بغزارة، يتابع النشاط الفني والثقافي عامة في العراق والعالم العربي، لا يتوانى عن متابعة نشاط عراقي أو عربي، أدبا كان أو فنا، ولا يصيبه اليأس من الإحساس باللاجدوى. فهو لم يتوقف مرة ليسأل نفسه لماذا أقدم ما أقدم ولمن، خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار الظروف الصعبة بل الخطيرة التي مرت بها الأجيال العراقية في تاريخنا المعاصر والحديث، في مقدمتهم جيل الستين المخضرم ومنهم شوكة الربيعي.

من يقرأ مذكرات شوكة ويطلع على جانب من تفاصيل هذه الحياة الغنية بالتجارب والغنية بالمشاهد الطبيعية والإنسانية والغنية بالمعرفة، يتقين أولا أن من يواصل الرسم والكتابة والبحث بهذا الإصرار يمتلك ولاشك جرثومة الإبداع في دمه، كما يستطيع أن يضع يده على سر أسرار الإبداع الغزيز والمتنوع لديه، وهو ارتباطه الوثيق بالأرض الأم ارتباطا لا انفصام منه أينما حل وحيثما ارتحل. فذاكرته تكاد تكون متخمة بأحداث ومشاعر ومفردات حياة متواضعة وغنية بجمالها بقدر غناها بالمآسي البشرية خاصة حين تتواطؤ قسوة الطبيعة مع قسوة الإنسان على الإنسان. إنها ذاكرة تشبعت بالفكر الثوري الماركسي بداية ثم جرّبت المغامرة الفكرية الوجودية، كما كان سائدا في مطلع الستينيات، وألهبتها المشاعر العاطفية الجياشة فأسهمت كلها في شحن الفنان بروحه المتمردة ولم تترك له متنفسا غير الانفجار الذي تجلى في أدبيات متنوعة بقدر ما تجلى على سطوح أعماله التصويرية. لقد بث الفنان ما في نفسه من لوعات نراها ظاهرة في ملامح الناس الذين يصورهم، وجمال الطبيعة المتكتم على حزنه إلى الحد الذي تشعر فيه أن شوكة الربيعي حين يقدم على تصوير موضوعه تتدافع من تحت أصابعه المشاهد وتستفزه المشاعر بإلحاح تعجز لوحاته بمجملها أحيانا على احتواء زخمها. هذا الغنى في المشاهد هيأ لشوكة الربيعي غنى في التجريب وجعله ينتقل من حالة إلى أخرى ومن مدرسة فنية إلى أخرى تبعا لما تفرضه طبيعة الموضوع والحالة الذهنية التي يكون عليها في تلك اللحظة. لقد ارتبط بؤس حال الإنسان لديه، منذ تلك المراحل المبكرة، مع طبيعة ساحرة وفريدة بجمالها كالأهوار، حتى لم يعد يرى الجمال إلا بعين الأسى، هكذا ارتبط الجمال بالحزن، والفن بالشجن ليصبح سمة من سمات فن الربيعي ولازمة له.

l5a

يذكر الأديب الراحل جبرا إبراهيم جبرا، في معرض تقويمه لتجربة الربيعي، أنه في أثناء رحلة مشتركة مع الفنان إلى الإتحاد السوفيتي سابقا، وتحديدا في مدينة ليننغراد كما كانت تسمى آنذاك، أن ما حصل في لحظة انفجار فني للربيعي، ولا يمكن أن يكون غير انفجار، تسبب في خلق مشكلة مع إدارة الفندق الذي أقاما فيه.كان الفنان، تبعا للأستاذ جبرا، قد هيأ عدة الرسم ووضعها على سريره ليرسم على جدار كبير أبيض فارغ قرب السرير يبدو أنه غازل مخيلته واستنفرها لعمل فني. ويظهر أن الفنان في تلك الليلة شعر بغليان يسري في دمه ولم يهدأ له بال إلا بعد أن ملأ الجدار بأشكال متداخلة وألوان صارخة وقوية، كما هي ألوان الربيعي، وأطلق عليها اسم حصار ليننغراد. ولا داعي لذكر ما سبب اكتشاف هذا العمل صبيحة اليوم التالي من حيرة وذهول لأصحاب الفندق، وما نجم عن ذلك من تغريم الفنان مائة روبل.

بمثل هذا الغليان العاطفي صوّر الربيعي في لوحاته موضوعات الحرب والسلام والمرأة والأهوار والتراث مازجا ثراء الطبيعة، كما خزنتها ذاكرة الطفل، بما يكتسب من معطيات ثقافية فيضمنها قيمها الرمزية ودلالات معانيها. لقد وقف طويلا أمام المرأة وصوّرها بوضعيات مختلفة مؤكدا من خلال ما تنطوي عليه ملامحها الحادة القوية وألوانها القوية المؤثرة أنها صنو الأرض في قدراتها وعطائها وصبرها على الكوارث. لقد عاش شوكة الربيعي بين أهوار العراق حيث المرأة هناك تقوم بأعباء الحياة جملة وتفصيلا، ونشأ في كنف أسرة كانت المرأة فيها، على الرغم من وجود الوالد، سيدة الأسرة وهي التي رعت طفولته ودفعته إلى حب العلم والتعلم ومنها الرسم، تبعا لما ورد في مذكراته.

مرت تجربة شوكة الربيعي، الفنية التصويرية والنقدية، بمراحل متعددة لتوصله إلى شواطئه الأخيرة ذات النظرة الموضوعية والنبرة الهادئة والأفق المتسع، وهي نظرة  تستمد حيويتها من التمازج المتناغم بين التجربة الحية المباشرة وتلك المكتسبة من المعرفة بعد أن نضجت كلا التجربتين على نار السنوات وتخلصت من الاندفاع بقدر ما تخلصت من النظر إلى الحياة والفن معا من زاوية محددة كانت تخضع معايير الجمال والإنسانية إلى مقياس واحد، وهي نظرة ناتجة كما يبدو من طبيعة المراحل الفكرية الأولى التي مرت بها تجربة الربيعي على مدى سنواته المعطاء.

 

مي مظفّر

عمّان، نيسان 2011

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1692 المصادف: 2011-04-24 07:33:51