تكريم الفنان شوكت الربيعي

المثقف في حوار مفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي (7)

s8خاص بالمثقف: الحلقة السابعة من الحوار المفتوح مع الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، لمناسبة تكريمه من قبل مؤسسة المثقف العربي، وفيها يجيب على (ق3) من اسئلة الاديبة والمترجمة ا. د: إنعام الهاشمي.

 

- 74: 8: كارافاجيو (1573-1610)

- لقد لزم انتظار السنوات الأولى من القرن السابع عشر، ومجيء (كارافاجيو)، بمفاهيم رسم جديدة، كي تصبح الطبيعة الصامتة جنسا مستقلا.

عندما نرى أطباق الفاكهة، والكؤوس، والصحون المليئة بالأطعمة المرتبة على نحو متناغم، وحبات التوت - التي تعكسها شفافية ا لأواني، الذهبية والفضية، والنبيذ اللامع بعذوبة في الأقداح البلورية، وحينما نحس مسبقا بحموضة الليمون، وطراوة الفطائر، ونزور بأعيننا عنقود العنب الأحمر، الذي يدعو أصابعنا لالتقاطه، ونشم رائحة الدراقات ونحن ننظر إليها بقشرها المخملي، وندرك خشونة البرتقال بالبصر، ونصغي في كل ذلك إلى تمتمات الحياة البسيطة والهادئة كما في الحلم، فإننا نقول لأنفسنا إن هذه العوالم، الصامتة، التي تقرن فيها متعة النظر بملاذ التذوق، واللمس، والشم، وحتى السمع، لا يمكن لها أبدأ أن تتوافق مع تسميتها (الطبيعة الصامتة).

إن تاريخ (الطبيعة الصامتة)، هو الآخر، لا يخلو من سوء الفهم، واليوم، في معظم الأحوال، نرى الناس يفضلون لوحات المزهريات أو ا لأدوات الموسيقية على اللوحات التي تمثل (فينوس) أو (نبتون) غير أن الحال لم يكن كذلك في القرن السادس عشر، حين لم تكن (الطبيعة الصامتة) جنسا نبيلا وحين لم يكن الفنانون الشهيرين يكرسون لها سوى القليل من وقتهم واهتمامهم، ونحو نهاية القرن الخامس عشر، عندما انتابت الفنان شبه الرسمي (هانس مملنغ)، رغبة في التسلية، رسم شيئا عاديا جدا، مزهرية، وخفاه خلف صورة شخصية بعد أن أنهى رسمها، لقد أخفاها رغم أن كل ما فيها رائع: الباقة وزنبقتها البيضاء الكبيرة وسوسناتها، والجرة الخزفية والغطاء الذي وضعت عليه، واليوم، هذه اللوحة هي واحدة من أجمل لوحات الطبيعة الصامتة)، لشاعريتها الأخاذة.

 

الطبيعة الصامتة تتخفى وراء موضوعات دينية

وهكذا، طيلة القرن السادس عشر بقيت الطبيعة الصامتة تتخفى وراء شخصيات أو أشياء دينية، فإذا ما أراد الفنان رسم أدوات نحاسية جميلة أو كتب رائعة الأغلفة، رسم إلى جانبها قديسا أو كاهنا، وكثيرون هم الفنانون الذين لم يرسموا (المسيح في بيت مارتا وماري)، أو (أعراس قانا)، إلا استمتاعا بمشاهد سلال الفواكه والخضار، وأطباق اللحم، في حين يتجلى، في قاع المنظر، وكأنه مرآة، استحضار صغير لأحد الأشياء الدينية. كان الرسام الإيطالي (كارافاجيو) 1573-1610 أول فنان كبير يتجرأ على رسم (طبيعة صامتة) لذاتها، دون وسيلة تاريخية أو أسطورية، صحيح انه لم يرتق في ذلك إلى حد إحداث (ما يشبه الثورة) في مفاهيم الرسم آنذاك، غير أن (كارافاجيو) هو من قلب أسلوب الرسم المثالي ا لأوربي القديم. عندما قدم الكهنة والقديسين، بوجوه رومانية سوقية، كان رساما متمردا أو ملعونا، وقد مات مقتولا في إحدى ضواحي روما ومن أشهر لوحاته (سلة الأزهار)، التي يمكن وصفها بأنها لوحة طبيعية حقيقية، وتتسم بتذكارية الموضوع، وبساطة التركيب وابتذال الأشياء المرسومة، ولا نجد فيها درسا في الأخلاق ولا أثرا للمعرفة أو الرموز، ولكن فقط شيئا من لمسات الفصول، ورسما ذا طبيعة برجيلية.

 

كارافاجيو وفيرمير والطبيعة الصامتة

في الوقت الذي كان كارافاجيو مستمرا في قلب مفاهيم الرسم في إيطاليا، كانت هولندا بدورها تبدي اهتماما متناسبا بحقائق الحياة اليومية، إلا ان ظرف الرسام كان هنا مختلفا عنه في إيطاليا، ففي حين كرس (كارافاجيو) وقته لتلبية طلبات النبلاء وكبار الكهنة الرومان، كان (فيرمير) مثلا في هولنده رساما وتاجر لوحات في آن واحد، كان الأول يتلقى طلبات من الدوائر الكنسية وعائلات "كولونا" الكبيرة، وكان الثاني يعرض إنتاجه على كبار بورجوازي الشمال الذين أحبوا تصوير (أشياء الحياة)، مع ذلك لم تكن حدود أوربا مغلقة، فكانت الأعمال تنتقل من بلد لآخر وكذلك الفنانون، وفي روما، التي برزت آنذاك كعاصمة للفنون، كانت باقات زهور الهولندي (امبروزيوس بوسشايرت) غالية الثمن جدا، وكانت قريحة الفنان الفلمنكي (فرانس سيندرس) ثّرية مع تركيبات خضاره وفواكهه، فتزاحم هواة الفن على شرائها، وبالطبع، لم تكن الطبيعة الصامتة تشكل أسلوبا عالميا، لكنها كانت تكوّن من خلال تأثير الفنانين بعضهم على البعض الآخر، وفي فرنسا، أضفى (لوبن بوجن) على الموضوع أناقة معتدلة، وبساطة مرهفة توحي بشيء من ا لفلسفة الديكارتية، وفي أسبانيا، تسامى (زورباران) بهذا النوع حين رسم ثمرتي ليمون على طاولة خشبية عادية، إلا أن جميع الفنانين، في شمال أوربا كما في جنوبها، خلال القرن السابع عشر، الذي كان بالفعل العصر الذهبي للطبيعة الصامتة، عالجوها وفقا لقواعد ومبادئ فن الرسم، واكتسبت (الطبيعة الصامتة) فيما بعد ألقاب النبالة منذ ئذ، لم يعد أي رسام يفكر في الدخول في أي جدل حولها.

 

- 74: 9: فيلاسكيز (1599-1660).

- إن الحديث عن فناني عصر النهضة والفترة التي أعقبتها، لابد وأن يستنير بتجربة المبدع الفنان فيلاسكيز (1599-1660). وكان واقعيا يعنى بما تقع عليه عيناه أكثر من عنايته بعالم الروح الدفين. اهتم فيلاسكيز بالموضوعات الدينية اهتماما عارضا، وأنصب معظم فنه على مشاهدة حياة البلاط، وإن كان قد افرد بعض لوحاته لتسجيل الحياة اليومية لبسطاء الناس من القرويين والعمال وأفراد الطبقة الوسطى، ومع فيلاسكيز يكتمل كل شئ مع اللمسة الأولى للفرشاة، فثمة ألوان محملة بأبعد مما تعبر عنه، وليس ثمة تقنية حرفية تبعد بنا عن الواقع، بل إننا نستطيع أن نرى شعيرات الفرشاة وهي تحدد الأشكال والعضلات، وتبين معالم المشهد المصور وتوزع الأضواء والظلال بواقعية جلية. ومع ذلك تظل ألوانه معتمة وقورة، فلم يلجأ فيلاسكيز إلى الألوان الساطعة، كما لم يشع بالإضاءة المكثفة والدفء الذي يلف شخوصه باستخدام العجائن اللونية، وإنما بلمسات الفرشاة المتقطعة، وبالتباين الحاذق بين التدرجات اللونية وبالحس الغريزي باللون المناسب للشكل المصور.

 

كان فيلاسكيز واقعيا، لم يسع فقط إلى الجمال لذاته، شأن الاتجاه الفني السائد لدى المصورين في عصره، فلقد نقل تفاصيل الطبيعة وحاكاها بحيوية ومعالجة ماهرة على الإيهام، وأسبغ عليها مزايا أسلوبه الفني، فكان (مثل الشمس التي توزع ضوءها على كل الأشياء دون تفرقة فتحيل كومة القش إلى رابية من الذهب وقطرة الماء إلى ماسة متألقة والخرقة البالية إلى عباءة أرجوانية)، إذ كان يوزع ألوانه المشعة على كل الأشكال الزاخرة بها اللوحة، فيضفي عليها دون تغييرها قيمة فنية ضافية، ليبلغ النضوج والتكامل في اسلوبه الفني، وبه قدم فيلاسكيز خلاصة تجربته المتجسدة في لوحته الخالدة (الرماح) أو (استسلام مدينة بريدا).. وقد كان فيلاسكيز مثل الفنان تتسيانو في ضبط انفعالاته وفي البقاء في حدود التزاماته، كما حقق مثله سلسلة من النجاحات المتصلة، ذلك لأنه لم يشغل ذهنه بغير إنجاز الأسلوب الأحدث في دوام قيمته الفنية ونفاذ رؤيته للناس والطبيعة والحياة، ولاغرابة في تحقيقه خصوصية مفردات الاسلوب، فتلك حاسة حدسية وهبة طبيعية من سمات شخصية تميز بها فيلاسكيز. الذي امتد تأثيره إلى تجارب فناني العصر الحديث، ومنهم لفنان بابلو بيكاسو (1881 – 1973)الذي تناول لوحة (وصيفات الشرف) بالتحليل وأعد سلسلة من التخطيطات الأولية بالفحم والدراسات (الإسكيجات)، بالمواد الملونة.

 

- 74: 10: رامبرانت (1606- 1668)

-ولد رامبرانت في الخامس عشر من يوليو عام 1606 في مدينة (ليون) لأبوين فقيرين في عائلة مدقعة الحال. ، و التحق في بداية حياته بكلية الفلسفة في جامعة (لابون) ثم ما لبث أن تركها عام 1622 ليدرس الرسم بإشراف أحد الفنانين الهولنديين. ثم أسس بعد مضي ثلاث سنوات مرسما صغيرا ليبدأ رحلة جدية في عالم الفن.. ما ان التقى رامبرانت بالفتاة الجميلة (ساسكيا)، حتى اختلج وجدانه بحبها فباح لها بما يكنه تجاهها، وقرر الاثنان الزواج، فتركت هذة العلاقة بصماتها على مساحات لوحاته، وأخذت بعداً نفسياً حركت في نفسه مكامن الإبداع. وانغمست ريشته بالحب، وازدهرت اللوحة بين أنامله، وأخذت لون الفرح، واظهرمهارة فائقة في معالجة التضاد الحيوي لمساحات الظل والضياء والتقنية الجديدة في معالجة اللون على مسطح اللوحة، وكان يرسم على أرضية او خلفية بيضاوية رمادية فاتحة وكان شكلها وفي بعض الحالات غير مألوف" واحتل مركزا مرموقا بتلك الصياغة. وقد " تميزت لوحاته في الثلاثينات من القرن السابع عشر بمهارة فائقة الحساسية في بناء كتل اللون المتراكمة، فكشفت عن الصلة الروحية مع تجربة الفنان فان دايك والقيم الجمالية التي اظهرها الفنان روبنز في مجمل أعماله..

لقد أحتل رامبرانت في ذلك الوقت مركز رسام الشخصيات المرموق بين فناني جيله.. أما أبرز اللوحات التى رسمها رامبرانت فهي: " التاجر نيقولاس روتس " " والشاعر جان كرول " " وامرأة شابة و "رجل جالس على مقعد " و(عودة الإبن الضال) ولوحات أخرى يقدر ثمنها بالملايين مما أعطى الفنان زخماً مادياً كبيراً، اشترى أجمل واشهر المنازل في المدينة، آملا بحياة سعيدة مع (ساسكيا)، وكإن يهمس في اذنها برغبته انجاب الكثير من الاطفال، ليملأوا البيت باصواتهم عندما يرسمون. غير أن أحلامهما، قد تلاشت بعد أن مات الوليد الأول والثاني والثالث.. وعاش المولود الرابع هذه المرة، ولكن أمه (ساسكيا) هى التي ماتت! لم تكن الحياة بعدها رحيلها سهلة على رامبرانت وما لبث أن انطوى على نفسه ليعيش حزنه المؤلم في بئر معاناته الدفينة، فتبددت ثروته التي جمعها طوال حياته. ووهنت موهبته، وعاش في الظل وتراكمت عليه الديون.. حتى مات فقيراً كما بدأ أول مرة.

 

-74: 11: شاردان وبنفسج الروح والفن (1699 - 1779)

-"آه شاردإن! إنه ليس لونا أبيض أو أحمر أو أسود، ذلك الذي تطحنه على لوحتك: إنه جوهر موضوعاتك ذاتها.. إنه الهوإء والضوء، ذلك الذى تغمس فرشاتك فيه وتتقله وتضعه على القماش.. تستخدم روح الألوان، لكنك ترسم بالأحاسيس أيضا.. نكاد أن نلمس فنك بالعين.. أنت الساحر الذي لم يسرق الزمن عصاه السحرية.. نرى رقتك تشف عن انبهارك بمتعة الرسم.. يشجيك سكون اللوحة فتتأمل أسر اللحظة الأبدية في ابداعك. وحين نشيخ، سنعرف الفرح والحزن.. و خيبة الأمل والدهشة.. والحب والسرور) وقيمة زمن المبدعين. إذ ندرك جيدا أن سحر وغموض الفن انما ينبثقان من وجود لا يوصف.

 

ميلاد صخب السكينة

ولد جان- سيميون شاردان،، فى الثاني من نوفمبر سنة 1699. تزوج مرتين. أحب المكوث في المنزل للرسم، طوال حياته. ولم يبرح مرسمه مرتين.. كان استثناء وسط معاصريه فهو لم يغادر باريسإلا مرة واحدة، ولفترة قصيرة فى (فونتانبلو) سنة 1731 لتجديد بعض لوحات القرن السادس عشر الجدارية، بينما كان زملاؤه يسافرون إلى إيطاليا. ولندن، و فولتير يتجول فى روسيا وانجلترا وسويسرا. شاردان يتقدم بطلب الإنضواء إلى أكاديمية سان- لوك. فى عام 1724، ويتم قبوله بمنزلة (رسام قدير)، في ضوء مشاهدة لوحتيه: (جراح)، و (حفلة بلياردو على ضوء الشموع).. كان رسام الأشياء المألوفة. ولوحاته من القماش والخشب مليئة بوسائل الحياة اليومية: (آنية مطبخ وموائد وكراسي وسجاجيد وساعات حائط وكؤوس وأوعية مغطاة..) وقد رسم زوجتيه في تلك المشاهد اليومية، كما جرى مع اصدقائه. بله رسمه المتكرر لنسخة جبسية من تمثال "ميركوري" للنحات جان- بابتيست بيجال التي ظهرت فى لوحته الشهيرة: (خصائص الفنون ومكافأتها). التي كلفته برسمها عاشقة الفن المتفرد:(كاترين) امبراطورة روسيا القيصرية في سنة 1766 خصيصا لتعلق على جدار قاعة المحاضرات في اكاديمية الفنون الجميلة بسانت بطرسبرج.

 

التقنية الباهرة تلمس بالعين

عندما وصلت اللوحة: "خصائص الفنون ومكافأتها" إلى روسيا بهرت الإمبراطورة بالتشكيل المبتكر فقررت الاحتفاظ بها لنفسها. كانت اللوحة تمثل الطبيعة الصامتة البارعة بمفردات رسم فيها مجموعة ألوان مطلية بلا إتقان، و رقائق جبسية متساقطة من تمثال "ميركوري" وكُتبا وقطع نقود معدنية وإبريقا و(محفظة للرسم و للتخطيطات الورقية) وشريط كهنوتي أسود، حققها بمعمار وتصميم إيقاعى للشكل واللون.كتب ديدرو، "هذا السحر يتحدى الفهم. انها طبقات سميكة من الألوان وضعت كل واحدة على الأخرى... فى أوقات أخرى، قد تقول إنه بخار نفث في اللوحة. وهذه الحساسية هي فكرة مهيمنة تتكرر في فن شاردان.. فن الاحساس بنوع المادة وكثافتها وحجميتها ونسيجها ولونها حتى كأنك تلمسه بروحك قبل يديك بل هو شعور بقيمة المرئي من تفاصيل المادة وتعبير عن تفاصيل الأشياء وهي تفضي بأسرار وجودها ذي الأبعاد الطبيعية على سطح اللوحة ذي البعدين.. (فن شاردان مقدر له أن يلمس بالعين. إنها ليست مهارة الفنان فحسب. فالفراء يعطي ملمس الفراء). وتحت إضاءة طبيعية، مثل أضواء سماء متحف كانست فى دوسيلدورف، يستطيع المرء أن يرى كيف عكف الفنان على ألوانه كما لو كان يشكل تمثالا من صلصال أو شمع. كشف مهارة شاردان فى تحويل الصور والنسيج والألوان الى إيقاعات مرئية.

فى معرض شاردان الباهر، عرضت لوحات من مجموعة الامبراطورة كاترين شأنها شأن نسخة معهد مينيابوليس للفنون من لوحة "خصائص" مع حوالي 60 عملا آخر تمثل مجرى حياة فنية امتدت 50 عاما.. وقد أعلن دينيس ديدرو عام 1769- وهو العقل المبدع " للا نسيكلوبيد يا"، والمستشار الفني لكاترين، لدى كتابته عن إحدى النسخ المتأخرة من لوحة(خصائص) قائلا: عند النظر إليها تكون العين هادئة وتظل راضية وفي سلام. وعندما ينظر المرء إلى هذه اللوحة لمدة طويلة، تبدو اللوحات الأخرى باردة وذات بُعدين وعادية وفجة. إن شاردان يكمن بين الطبيعة والفن. إنه(ساحر لم يسرق منه العمر عصاه السحرية بعد). وقد علق صاموئيل ساكس الثاني، المدير السابق لمعهد مينيابوليس للفنون، على نسخة "الخصائص": "هذه طبيعة صامتة بمقياس مخصص لرسم الأشخاص. إنها صورة شخصية لكل ما هومهم للفنان الذى رسمها". وهذه الحساسية هي فكره مهيمنة متكررة في فن شاردان.. وبالنسبة لفيليب مونتبللو، مدير المتروبوليتان، فشاردان: (رسام صاف، غالبا ما يخضع موضوعه لمتعة الرسم). وكانت موهبته وطموحه متجليتين فى لوحته التي تصور الكلاب والقطط التى تتفرس فى الحجل والأرانب البرية والأسماك على الموائد المحملة بالأغذية رسمها بعد عام 1724. فجلبت لوحاته الإنتباه ومنها لوحتاه:" البوفيه " و(سمك الورنك) اللتان منحتا شاردان الإشادة من الأكاديمية الملكية للرسم والنحت المهيبة، كـ"رسام بارع للحيوانات والفواكه". وفي سنة 1728، استقبلته الاكاديمية عضوا في مجلسها وهو غض فى الثامنة والعشرين. فلوحة(سمك الورنك)، تصور آنية نحاسية، و(سيراميك)، وزجاجة مغلقة، وسكينا، ومحارا مفتوحا، و(سمك شبوط) نيئا، وقماشا متجعدا، وقطة مفعمة بالحيوية. وتتعلق على حائط حجري، مهيمنة على المشهد، صورة السمك الشبحية المسماة بها. وقد نسخت لوحة شاردان من قبل بعض الرسامين المهمين فى بداية تجاربهم الفنية، ومن بينهم مانيه ومونيه وفوييار، واستلهموا من عناصره الأساسية وطرائقه التقنية الشيء الكثير. كما رسم بول سيزان الجانب الأيمن من لوحة شاردان:(سمك الورنك) بصورة تخطيطية أواخر الثمانينيات من القرن التاسع عشر. وقال هنري ماتيس خلال ذروة التكعيبية: " كثيرا ما أذهب إلى اللوفر أدرس بصورة أساسية أعمال شاردان هناك. أذهب... لأدرس تقنيته.

 

أسر اللحظة الأبدية

وفى العديد من لوحات (الطبيعة الصامتة ومشاهد الحياة اليومية)المعروضة فى متحف المتروبوليتان، يمكن رؤية البراعة التي استخلصت منها إجابة ديدرو المتحمسة. فأعمال شاردان تنقل دفئه وسحره وتَحَفّظُه. لقد رسم الأطفال بحنان وكان يلامس الخطوط الخارجية للأشياء مصورا بساطة الحياة اليومية. وفي أعماله، قدمت الأشياء والمشاهد العامة بطلاوة، وأصبحت الرتابة فاتنة. وتظل الكيفية التي حقق بها شاردان ما حققه لغزا، فلم يكشف أبدا سر تقنيته. وقيل إنه كان يعمل في آن متواز على قطعة قماش واحدة أو لوح خشبي واحد، تستغرق اللوحة عدة أشهر لتكتمل. فكان يراكم ألوانه ويرسم بلمسات سريعة للفرشاة، مستخدما إبهامه فى أغلب الأحيان.. وكان يفضل رسم ما يعرفه. من صور مألوفة و ما يراه في الحياة اليومية. ويعلق مونتبللوعلى ذلك: (جانب من الشعر فى شاردان هو سكون لوحاته. إنه يأسر ويقبض على اللحظة الأبدية). وعندما عاد شاردان لرسم الطبيعة الصامتة سنة 1750، بسطها أكثر. واستخدم عناصر أقل وأصبحت تشكيلاته أكثر تقشفا. وكثيرا ما يدخل مفردات ذات قيمة أكبرمن قبل، لتعكس تغير أسلوب حياته، ففي لوحات من قبيل "الشمام المقطع"، تبدو الأشياء أقرب للمشاهد. وأصبح التصميم الكلي أكثر تجريدية، كما تطهر أشكاله كأنها تتهض وتقع وتندفع وتتراجع. انحناءات ترد د صدى بعضها البعض الآخر. وعندما تنعكس ألوان الفاكهة والورود على البورسلين والأسطح إلفضيه، ينقل الرسام رقة شخصين يتلامسان. وكما صاح ديدر: "آه شاردإن! إنه ليس لونا أبيض أو أحمر أو أسود، ذلك الذي تطحنه على لوحتك: إنه جوهر موضوعاتك ذاتها: إنه هوإء وضوء ذلك الذى تغمس فرشاتك فيه وتتقله وتضعه على القماش). ولم يكن لدى شاردان سوى إلقليل ليقوله عن فنه: "يستخدم المرء الألوان، لكن المرء يرسم بالأحاسيس" ذلك ما نقل عنه من ملاحظة. وفيما كان يرسم ما يراه، أدرك جيدا أن سحر وغموض الفن انما يجيئان مما لا يوصف.

وكان من بين جامعي لوحات شاردان: (لويس الخامس عشر)، وملك بروسيا والسويد، وكونتات عديدون وكرادلة ووزراء وسفراء عبر أوروبا. وقد كتب كارل جوستاف تيسين(كونت السويد) معجبا، بأن (لوحات شاردان عالم تنحني أمامه...)

قال أندريه مالرو عام1951: (شاردان ليس أستاذا صغيرا فى القرن الثامن عشر أرهف من منافسيه... فأستاذيته الهادئة أطاحت بالطبيعة الصامتة لباروك هولندا وجعلت معاصريه مجرد مزخرفين). كما تجلى مجموعة مقتنيات الامبراطورة كاترين من بينها لوحة "خصائص" مع ستين لوحة تمثل مجرى حياة فنية امتدت خمسين عاما.. وهذا ما تجسد في لوحات شاردان التي ضمها المعرض الإستعادي الابتدائي الذي افتتح فى باريس سنة 1979، ونقل إلى(كليفلاند وبوسطن) فكان أول معرض شامل منذ وفاة الفنان شاردإن. أقامته المتاحف خلال المائتي عام المتنائية.

 

فيض المنجز الفني

فى سبتمبر سنة 1752 منح شاردإن أول منحة من عدة منح ملكية على إنجازإته. وعينوه أيضا مسؤولا عن عرض الصالونات بعد سنة 1755، و أمينا لصندوق الأكاديمية الملكية فأنقذها من الديون.. وقبل أن يضعف بصره خلال سبعينيات القرن إلثامن عشر، إنتقل الفنان وزوجته سنة 1757 الى العيش في إلشقق الملكية في قصراللوفر على السين مقابل منزل طفولته تماما.  لم يعد شاردان قادرا على الرسم بألوان الزيت. بلأسباب صحية ولكنه برع باستخدام مادة الباستيل على الورق. وبخاصة صوره الشخصية التي يضع فيها نظاراته.. وقد شبه مارسيل بروست ذات مرة مظهر الفنان فى لوحاته الشخصية(بمظهر سائح انجليزي غريب في كهولته) وكان(شاردان)، بومضة ساحرة وإيماءة رأس وشفاه ملتوية، يلخص ببلاغة، حياته إلفنية). وكأني بالفنان يقترح وهو في الثمانين من أقاصي ممرات العمر قائلا: (إنك حين تكبر وتمتد بك الأعوام وتحتويك سنوات اللهيب والقحط والجفاف أو تحتضنك مرابع الربيع والفرح وتأخذ حدقات بصيرتك مرائي الفن في ممراتها السرية والمكشوفة، عند ارتيادك ضفاف الرحلة الأخيرة في ساعاتها المتناقصة التي تناءت عنها مسافات الأحلام الوردية وتباعدت عن مواصلة القبض على جمرة الشعر واللون والح، سنغدو كالثمرة الناضجة التي تسقط من غصن منبتها على ثرى الأبدية. من هنا فقط، سوف نعرف الفرح والحزن وخيبة الأمل والدهشة والحب والسرور..). كان التعب وضعف البصر ومكابدة الأوجاع والأحزان في الأيام الأخيرة من عامه الثمانين قد جعله يستشعر دنو أجله، فانصرف إلى تأمل بعض اللوحات المعلقة على الجدران وأغمض عينيه هادئا كلوحاته وملامح ابتسامة شاحبة ظلت مرتسمة على وجهه بعد أن أسلم الروح في فجر الرابع عشر من نوفمبر عام (1779).

صدرت عشرات الكتب والبحوث والمقالات المهمة ومن بينها: دراسة عن سيرة وتجربة الفنان الفرنسي شاردان بقلم: فليبس توشمان ـ ترجمة: راوية صادق.

 

-74: 12: فرانسيسكو جويا (1746-1828)

-ولد (فرانسيسكو جويا) في الثلاثين من مارس عام (1746)، في إحدى القرى الأسبانية، لأب يعمل في الصياغة وأشغال مهنة التذهيب. وعاش فى طفولته مع الفلاحين وعمل في الحقول. وانتقل فى الرابعة عشرة من عمره للعيش في المدينة، وبدأ أولى خطواته مع تعلم قواعد الرسم.. لكنه أخفق في الالتحاق بأية مدرسة فنية،. لكنه تابع دراسته في مراسم أخرى، فدرس أصول الرسم على يد رسام مغمور هو(خوزيه لوزان).. وفي عام 1763 ترك قريته متوجها إلى مدريد حيث فشل في الحصول على منحة دراسية في اكاديمية الفنون الجميلة في(سان فرناندو) بسبب القواعد الشديدة التي وضعتها، فسافر إلى روما وعاش فيها من 1768 إلى عام 1771 ثم عاد الى(ساراغوسا) حيث رسم عدة لوحات كبيرة على جدران إحدى الأديرة في عام 1772 شهدت بقدرته على استيعاب وفهم تقاليد فن الباروك..

 بدأ حياته العملية رساما بمصنع السجاد الحائطي التابع للبلاط الملكي الأسباني. فتفوق فيه، حيث لم يعد يرسم بخيوط السجاد على وفق الأسس الفنية المعروفة لفن الباروك، وفن الروكوكو حيث الرسم التقليدي لمشاهد الملائكة وقصص الأساطير القديمة، بل رسم حياة الناس اليومية، منجزا خمسين تصميما جديدا في اسلوبه. فذاع صيته، ورسم وجه رئيس الوزراء، فأسرع أفراد مجتمع النبلاء إليه يطلبون أن يرسم وجوههم (بورتوريه). وفى عام 1780- تم اختياره عضوا بالأكاديمية الملكية للفنون. تزوج جويا من جوزيفا بايو بعد أن تعرف عليها، خلال اقامته في مدريد وعلى نخبة من المتنفذين في المجتمع، الذين رسم لهم لوحات شخصية، مما زادهم تعلقا به ورعاية له، ودعمه و تعيينه رساماً في القصر الملكي في يوليو 1786، وفي هذا القصر بدأ يرسم مجموعة من الصور الشخصية للنبلاء وأمراء العائلة المالكة واصبح أشهر رسام في مجتمع مدريد، وفي عام 1789 عين(جويا) رساما خاصا في قصر (شارل الرابع) فرسم للملك والملكة وافلراد العائلة المالكة عدة لوحات شخصية بالأضافة الى رسم لوحات شخصية لنبلاء وامراء وشخصيات سياسية عديدة، فكان الرسام المبدع الذي لانظير له في مجال رسم الصور الشخصية في إسبانيا وتميزت لوحاته بثراء الوانها مع سيطرة اللونين الرمادي والأخضر فيها. وفي نهاية عام1792 اصيب جويا بمرض خطير دام عدة اشهر سبب له الصمم ورغم مرضه تمكن من انجاز 11 لوحة ارسلها الى اكاديمية سان فرناندو في يناير1793. أدخل المرض تغييراً عميقاً في أعمال (جويا) فمن كونه رساماً للمناظر الممتعة والرسوم الشخصية أصبح فناناً ذا أصالة قوية مميزة. رسم(جويا)أعمالاً فنية كثيرة وتقلد عدة مناصب منها مديراً لأكاديمية الفنون الجميلة في عام 1795 ولم تقف اعاقته حاجزاً دون انجازاته واعماله.

l18 

 

مهدت محفوراته للفن الحديث

عاش "جويا" حياة مليئة بالمغامرة والتحدي معا، وصراعا بين سطوة الكنيسة ومحاكم التفتيش. كان يرسم طوال النهار، ويتمتع طوال الليل مع دوقة ألبا "قانيا".. كما عرف عنه حدة الطبع، وحب المبارزة، و مصارعة الثيران. جمعت شخصيته المتناقضات، بين الرقة ورهافة الحس، والعنف والخشونة. والجمع بين متناقضات الحياة اليومية، في معيشته مع كل فئات الشعب.. (من الفقير المعدم، في قاع المجتمع، حتى الأثرياء والنبلاء، والعائلة المالكة في أسبانيا، حيث كان مصور القصر.. إذ بدأت مرحلة جديدة من مراحل التعبير الفني في لوحاته، بعد أن كانت اللوحة تشع روحا وثابة والوانا مبهجة مليئة بالحياة.. أصبح اللون في تجسيد مفردات الموضوع، تعبيرا أقرب إلى الواقع. ولكن استمرار المرض الغامض الذي لازمه كئيبا وحيدا، قد دفعه إلى معاناة نفسية مضطربة جعلته يتحول إلى فن "الحفر" فأنتج أجمل المحفورات في تلك الفترة، فتميز اتجاه جديد، على غير السائد بين فناني المجتمع الأسباني والأوروبي.

وهى أيضا الفترة التي انتقد فيها، انتشارالدعوة غلى الاعتقاد بالسحر. ومع ترحيب جويا بمفاهيم الثورة الفرنسية، تحولت الثورة إلى نقمة عليه وعلى أسبانيا، وقد احتلتها فرنسا لثماني سنوات، نجح جويا خلالها برسم مجموعات هامة بعنوان "ويلات الحروب" مكونة من 22 عملا عن الحرب والمقاومة.. مع تصوير مجازر الحرب اللاإنسانية. فرسم الشهيد وحول رأسه هالة بيضاء، واضعا إياه في مصاف الصفوة الإلهية والقدسيين، واستخدام الألوان المضيئة المبهرة في رسمهم. مع تأكيده على بشاعة الاحتلال وسلوك الغزاة مستخدما الالوان المعتمة. وفى إحدى اللوحات رسم في خلفية الصورة مكتبة "الأوسكوريال" الشهيرة. كأنه بذلك يشهد الثقافة والتاريخ والفكر الإنساني على فضاعة أعمال المحتلين.. ثم كانت أعمال مرحلة "اللوحات السوداء"، تلك التي رسمها وحيدا في منزله المنعزل اختياريا في ضواحي مدريد، وأغلبها على جدران المنزل. فلما كانت العزلة والبعد عن حياة القصر، وآثار المرض، كلها مجتمعة، أثرت في نفسه.. فكانت رمادية اللون مع غلبة اللون الأسود عليها.. مع عنف التعبير والتشاؤم والوحدة. وقد حللها البعض بأن جويا سبق السرياليين بقرن من الزمان، لشدة طابع الأحلام الكابوسية فيها. وبدأ مرحلة فنية جديدة من فن الحفر، كان موضوعها "مصارعة الثيران".. حيث لعب الضوء و والحركة دورهما فيها بشدة.

 

محفوراته عن الحرب والمقاومة

كانت مجموعة أعماله الكرافيكية: "ويلات الحرب" تتكون من 22 عملا، صورت(الحرب والمقاومة)، وعبرت عما فيها من مجازر ووحشية، وما خلفته من تشويه وتعذيب. لقد ظهر للمرة الأولى في تاريخ الفنون التشكيلية موقف ثابت، (ألا يمجد الفنان الحرب). فقد رفضها شكلا وموضوعا. رفض مبدأ الحرب، العدوان.. لقد رسم لوحتين من أهم الأمثلة على أعمال "المقاومة في الفن التشكيلي": الأولى لوحة "الثاني من مايو 1808م – هجوم المماليك"، والثانية لوحة "الثالث من مايو –إعدام المرافقين المدافعين عن مدريد. كانت الأولى تسجل دخول الفرنسيين مدريد، والثانية تصور نهوض الأسبان للدفاع عن وطنهم.. وكانت اللوحة البارعة من نوعها في تاريخ الفن... لم ينبع الجمال فيها من الألوان أو الحركة (كما هو شائع، ومعروف أيضا في لوحات جويا السابقة)، بل من الحيوية الهائلة التي تتفجر من اللوحة، تعبيرا عن رفض البشاعة والحرب. اللوحة دعوة للتمسك بالحياة. بالرغم من تراجيديا المشهد الذي وصف الشباب الأسباني الأعزل، أمام الجنود الفرنسيين المدججين بالسلاح،.. رافعين أيديهم احتجاجا ورفضا واستهانة بالموت من اجل حرية واستقلال الوطن. كما رسم(جويا)أعمالاً فنية كثيرة وتقلد عدة مناصب منها مديراً لأكاديمية الفنون الجميلة في عام 1795 ولم تقف اعاقته حاجزاً دون انجازاته واعماله كان جويا،فى أخريات أيامه، قد لجأ إلى باريس، من شدة وطأة الحياة السياسية المتفجرة في مدريد، ولم يرسم هناك سوى وجوه الأصدقاء، بألوان متعارضة ثم عاد الى (بوردو) ليرسم لوحات لمناظر طبيعية،وتوفي بها عام 1828م عن عمر ناهز الثالثة والثمانين من عمره، ونقل رفاته عام 1901 الى اسبانيا، ليدفن في مقبرة كنيسة سان انطونيو. عرضت معظم لوحاته ومحفوراته في المتاحف العالمية والقسم الأكبر منها في متحف(برادو) في مدريد، وأشهر(كلريات)الأعمال الفنية المتميزة في العالم.

 

-74: 13: ديلاكروا.. (1798 – 1868)

-نبذة عن حياته.. ولد (يوجين ديلاكروا) في السادس و العشرين من نيسان 1798. م، وكان ابوه (شارل ديلاكروا) وزيرا للشؤون الخارجية حتى يوم وفاته عام 1805، اما امه (فيكتوريا أو بين) فقد توفيت عام 1814. وكان هناك ثلاثة من اخوته يكبرونه في السن، (هزييت 1780-1827) و التي تزوجت من رايموند دي فيرنيناك، حاكم ليون. و (شارل هنري 1779-1845) الذي اصبح جنرالا و بارونا للامبراطورية. و(هنري 1784-1807) و الذي كان جنديا ايضا، و قد قتل في معركة "فريد لاند" عن عمر يناهز الثالثة و العشرين.

"الرسم هو الحياة" ذلك ما كتبه لصديقه ادوارد دسولير في تموز 1821. و بعد قرن من ذلك التاريخ كتب (اندريه جوبين) بأن ما يرسمه ديلاكروا هو قصة قلبه). فمن خلال العلاقة الدائمة بين الفن و الحياة نجد المفتاح لتاريخ ديلاكروا من العذاب و الكفاح. و من الممكن القول انه يرمز الى روح تلك الفترة بالتمام، التي ولدت من التنوير و الثورة الفرنسية، تلك الروح التي ارتبط بها ديلاكروا الانسان باكتشافاته و تناقضاته، بنزاعاته و حماسته، اكثر من حماسته. ان لوحة ديلاكروا الشهيرة (دانتي و فرجيل في الجحيم) كانت تعكس حماسه لدانتي، وهي مقدمة أو استهلال لقراءاته لبايرون، سكوت، شكسبير و غوته. و قد علق (بودلير) في مقطع معروف بأن (ديلاكروا كان يعشق بانفعال الالم و كان يعقد العزم بمنتهى البرود للبحث عن الوسائل التي بمقدوره التعبير عنه.).

 

ديلاكروا والنقد

كتب عن ديلاكروا الشئ الكثير، و تناول اعماله و لوحاته نقاد كثيرون كان من بينهم (يوجين فورمنتين) الذي كتب عنه ذات مرة قائلا: "' ثمة بعض من تنكر له و انكره حتى اللون، بينما يتوق الاخرون لاكراء اخطائه، و هذه مبالغة مضاعفة لا تستطيع المس بديلاكروا، لم يثنه الاطراء و اطواق الغار، لكنه كان في كل مرة يقوي من شهرته بمشاريع اكثر جرأة. ".

واوضح فورمنتين اراءه الخاصة باللون و الرسم، فقال: "ليس اللون، كما يعتقد الناس، نتيجة للحدة و التكثيف، و انما من التنوع، من التدرج الجميل، من التناسقات المتناغمة المنطقية، و في رسومه، بالرغم من عدم صواب هذا الرأي، على المرء ان يميز الاهداف الحاذقة و الجريئة التي بامكانها، حسبما اعتقد ان تخرس نصف منتقديه". فمثلا، لوحته (عربي على ظهر جواد، يهاجمه اسد-1827) تنحصر فكرتها في الصراع الجسدي، في الضراوة والعتوة، التي فتنت ديلاكروا طيلة حياته. انها تتكرر في عدد من اللوحات. و في أي شكل ممكن: حيوان مفترس يصارع حيوانا مفترسا آخر، حيوان مفترس يصارع انسانا، أو انسان يصارع شخصا ثانيا في غابة.

 

-74: 14: كوربية (1819-1877)

- كوربية والواقعية المستقبلية: كرس الفنان كوستاف كوربية (1819-1877) نفسه وتجربته، للتعبير عن شرائح المجتمع والمستقبل، وكان التزامه الجاد بموقفه الفكري، قد أسبغ على تجربته، أهمية مؤثرة في المراحل اللاحقة على هيئة خطوات جوهرية نحو الفن الحديث.. فجمع في موقفه من الفن والمجتمع والسياسة، ما جعله يعكس متناقضات الوضع الاجتماعي والاقتصادي السائد بتفاصيله العميقة الثقيلة، فنتج عن عملية الصراع الفردي والمجتمعي والفني، ذلك الموقف المحدد في آرائه السياسية الثابتة. وانعكست خلف بنائها الفني، تلك التفاصيل الجوهرية القيمية بصورة جلية، فجعل منها موقفا يحمل المعاني والدلالات الغنية بالرموز الاجتماعية. وهذا ما أكد قوله بأنه.. (يملك القدرة على استيعاب شخصيته ومجتمعه، والتعبير عنهما بموضوعات واقعية حققها بأسلوب سلس مبتكر...).

ومن هنا احتل بين فناني عصره منزلة مهمة في تاريخ الفن، تم الحديث عنها في كتاب عن التكعيبية ترجمه فخري خليل إلى العربية مؤخرا: نشره عام 1912 الناقدان (البير جليزي وجان متزنجر) وذكرا في المقدمة ملاحظة سريعة مكثفة عن صعوبة قراءة تاريخ الفن المعاصر في فرنسا، دون الإستناد إلى تجربة كوربية: (.. ولتقويم التكعيبية، ينبغي لنا أن نعود إلى كوستاف كوربيه نفسه..).. (.. لأنه حرر مفاهيم فن التصوير من "عبودية التقاليد) عدا(قواعد رسم المنظور). لأنه حقق مواضيعه الواقعية بأسلوب سلس مبتكر مقابل الكشف عن علاقة صادقة واحدة، هي قناعته بما يراه من مشاهد دون أدنى قدر من الرقابة الذهنية) والقبول بما تقدحه اللحظة الاولى واتباع عواطفه ومشاعره التي كونتها (الفكرة الاولى). ومنها توظيف المشاهد اليومية العابرة على نحو يجعلها زاخرة بالمعاني التي لم تتبلور تقاليدها الفنية الخاصة بعد. فانبثقت دراسة لوحاته وتحليلها تقنيا (اسلوبا فنيا) و (موقفا اجتماعيا)، لنستنتج وجود (فكر مركب) شمل معظم لوحاته، وساعد على اكتشاف جديد لنقل "المعاني" من البنية السردية إلى البنية الجمالية، فكان لعناصرها التصويرية، هذا الموقف والرؤية المستقبلية التي أشارت وأومأت لإنبثاق واستيلاد الحركة التكعيبية لاحقا من رحم تجربة سيزان وما بعد الإنطباعية في تجارب براك وبيكاسو وكرشنر وموندريان.

ومن هنا أيضا اقتضى البحث عن أهمية تقييم وتقويم دور شخصية كوربية ولوحاته في "تفاصيلها الرائعة" وإعادة تقدير تجربته الشاملة التي توازنت في أهميتها التاريخية مع تجربة (ديلاكروا).. باستخدام اللون الخالص والمركب. وبنوعية تكوينات "أعما ل كوربية" المتشابهة المتساوية، بإزاء البناءات الهرمية وتنافر التنوع باستخدام عناصر الرمز والتماهي والمزج بين تعارض مستوى مركز اللوحة، و مستوى الكتل المحيطة ببؤرة الموضوع. فهو تعارض واضح بين مستويات الواقع المتمايزة، الفعلية، الحقيقية منها وبين المستويات المتخيلة في أعمال ديلاكروا المستمدة جذورها من أعراف وقيم ومفاهيم عصر النهضة. على العكس مما نلحظه من غياب المشهد الخطابي الأدائي لشخوص كوربية، المفعمة بالحيوية، وهي تنبض بالتعبير التقليدي لملاقاة المعنى المجازي أو الرمزي بحياة شريحة فقيرة من مجتمع فرنسي منشطر إلى (شعب فقراء وشعب أغنياء).

 

كما تجلت في لوحاته المفعمة بالمعاني الرمزية الاجتماعية، وليس في الإعتماد على النصوص الأدبية أو الدينية أوالعلمية، أوالماورائية (النصيةالأخرى)، القليلة التي يستعير موضوعاته عنها والتي تتعدى مجرد تصوير حرفي لحدث وقع بالفعل في سياقه التاريخي.. إن نوع المعنى الحقيقي هنا، يشكل أميز سمات واقعية كوربية، ففي اللوحات ذات الموضوعات الدينية التقليدية، ندرك، تأكيد الفنان على العلاقات البنيوية المثيرة، سواء تاريخية كانت أم أسطورية، على وفق معرفتنا بنوع وأهمية استعارة بعض النصوص الأدبية. وفيها مستويات مجازية لرصد التفاصيل الواقعية الفنية (الجمالية) منها والفكرية، بإسلوب موضوعي وفيها أبعاد مقلقة أخرى للمعانى المستنبطة المستولدة عن مشاهدة لوحات كوربية.

فلا هي تعبر عن اليقين فيما تتضمنه النصوص، ولا هي تنكرها بالشك والريبة. بل هي مجموع تزاوج اليقينية والتجريبية والشكوكية الملفعة بقدر كبير من(الأخلاقية العميقة) ومن الرؤية الفنية العميقة. وكلاهما يقين ثابت لايرحم، يستنبت المعاني الرمزية الثرية في شكل وقائع فعلية أو تفاصيل واقعية.

 إن تصاعد الشكل والمضمون معا في موقف ملتزم بالواقعية التي ستكون مستقبلية الرؤى في امتدادها الإبداعي اجتماعيا، يعني ضمنا، خلاصة تجربة رائدة، قدمت نموذجا هاما لتقدم فن الرسم في القرن التاسع عشر، وشكلت محور إنطلاق مثير لمبدعي القرن العشرين.. وقد تصبح تجربة (كوربية) الفنية، حافزا لمنطلقات حداثوية ستشهدها العقود المذهلة في اكتشافاتها العلمية لفترة ما بعد معرفة اسرار الخارطة الجينية وانجلاء الغموض عن علوم الفضاء في الألفية الثالثة.. وربما سيحدث العكس.

وكانت لوحاته ولوحات كورو وسائر الاتجاهات الواقعية في لبفن تصب في مجرى الرؤية الحديثة لرسم الطبيعة والوجود وعناصر الحياة. إذ مر فن رسم المناظر الطبيعية والمشاهد الواقعية، بتحولات اسلوبية كثيرة ومتعددة، في صياغتها ومعمارها جماليا، ولنا أن نتساءل: كيف استمر مثل هذا الموضوع مع ضغوط التحولات الثقافية والاجتماعية والسياسية والفكرية وتنوع وتعدد الاساليب الفنية عبر مراحل مسيرة الفنان في المجتمع؟

 تاريخيا، يبدو ان المنظر لم يكن له الإهتمام نفسه الذي حظي به تصوير الاشخاص في الفن المصري القديم، وفنون وادي الرافدين. إذ كان المنظر دائما يشتمل على عناصر حيوانية أو إنسانية مما يجعلها لا تنتمي كثيرا إلى مفهوم المنظر الطبيعي. عدا مشاهد قليلة نادرة لنباتات وصخور واشجار ومياه.. كخلفية تزينية لموضوعات دينية اعتبرت جزءا تكامليا للمشهد المراد رسمه أو نحته أو تدوينه. متجسدة في منحوتات محزوزة أو متشطفة على هيئة نحت ناتيء(الرليف) او بارز أو مدور كما عثر عليه في (لوحات الحدائق على جدران مقبرة نيبامون 1400 ق. م والتي صيغت باسلوب تبدو فيها العناصر كانها إسقاط للاشكال وليس تمثيلا لها، وكأن اللوحة حقيقة أخرى موازية للواقع، ولم تظهر تحريفات منظورية أو محاكاة لوضعيات مكانية خارجية).

كما ظهر المنظر مبتكرا في الحضارة الصينية القديمة، كان تزاوجا بين قصيدة وصفية لمشاهد طبيعة.. وهناك دراسات تبحث في جماليتها منها: (مدخل إلى رسم الطبيعة) تاليف (تسونج بنج) من القرن الخامس الميلادي ودراسة أخرى حول رسم (الجبال والمياه) تاليف (كووهيi) ودراسة (سي هو) بعنوان (تعليم الرسم في حديقة كي تسو).. لم يرسم الفنان الصيني المناظر الطبيعية في ذاتها فقط، وإنما كان يراها، مسكونة بقوة قاهرة، ويسعى إلى التماهي بها. وبفضل المنظور (المقلوب) يشعر المشاهد امام المشهد الصيني اليابانى وكانه يسبح في فضاء كوني رحيب، يبدو فيه الفنان أو الانسان، ليس قطرة في محيط، بالإضافة إلى تجسد صفة(تسطيح الألوان) و(لعدم استخدام التجسيد الذي يوحيه النور والظل)، وقد ظل هذا التقليد في رسم المناظر اليابانية مستمرا حتى القرن التاسع عشر بالنسبة إلى فرنسا بالتحديد، حيث ظهور الاتجاه الانطباعي وتاثره بأعمال اليابانيين المقيمين في اوربا مثل (أوتامورو) و(هوكاساي) وايضا الفنان (هيروشيج)، أحد مصادر الإبداع والالهام لعدد من التاثيريين مثل: فان جوغ، وجوجان.

 لم يحدث اهتمام كبير بتصوير المنظر كعمل مستقل في الفن الإغريقي. ولكن في الفن الروماني ظهرت في خلفيات بعض اللوحات الجدارية مشاهد من الطبيعة، فيها الأشجار والصخور والمياه كعناصر مكملة للأعمال التشخيصية حتى العصور الوسطى الاوربية والتي بدأت تظهر في أواخرها بعض اهتمامات بتصوير الخلفيات لكنها لم تصل إلى درجة المنظر بحد ذاته. لقد اشتملت اللوحة في الفن الإسلامي على عناصر النبات والصخور والمياه والسهول والازهار، مع تصوير الإنسان والحيوان والطيور في كثير من صور المنمنمات، خاصة اعمال المدرسة البغدادية (رسوم الواسطي) في رصد العادات والتقاليد الاجتماعية وفي المدرسة التيمورية والمدرسة الفارسية التي اهتمت بتصوير مشاهد الطبيعة في مناظر خيالية مستمدة من الحياة القروية في السهول والوديان. وجاءت جميع المعالجات اللونية مسطحة، إسقاطا لعناصر الطبيعة وليس انعكاسا لها. بينما اتجه مصورو المناظر الطبيعية في المدرسة الهندية الفارسية، إلى تحديد نوع المكان والزمان، ومعالجة الضوء والظل في لوحاتهم.

لقد كان تصوير المنظر في الفنون الاوروبية ابتكارا خاصا بعصر النهضة، حيث ظهر كخلفية في الموضوعات التشخيصية في لوحات ليوناردو دافنشي، التي نجد فيها مشاهد من الطبيعة ولكن كان دورها ثانويا بالنسبة للاشخاص، ولكن في أعمال باتينير (1485- 1524) ظهرت قيمة المنظر الطبيعي أٍساسية في المشاهد المرسومة. ولكن أهميةالمنظر تجلت للمرة الاولى في اعمال روبنز، خاصة لوحته (منظر خلوي في ضوء القمر) وهي اللوحة التي اتخذها النقاد مثلآ ونموذجا للوحات المناظر. (.. إن أهم ما يميز لوحة المنظر منذ عصرالنهضة هي خاصيتها (الشعرية) كان روبنز، وبوسان، وكلود لوران، وكورو، يهدفون إلى الإيحاء الشعري في مناظرهم. وتصوير المنظر هو فن رومانسى من الطراز الاول، لان مبدعيه الاوائل، قدموه كحالة حلم تفتقر إلى مناظر طبيعية شعرية موحية.. وفي أعمال (كلود لوران، وبوسان)، نجد ارتباطا قويا بالأجواء الادبية، كان (كلود لوران) يصور منظرا طبيعيا ويسميه (انهيار الحضارة الرومانية) لأنه كان يهدف عامدا إلى دمج الافكار التشكيلية والأدبية معا.

 اتخذ الالمان (المنظر) تعبيرا عن معان ومشاعر ورؤى خاصة تكمن وراءه كما في مناظر الفنان (كاسبر فريدريش) كما تاثر الفنانون الإنجليز بفناني الاراضي الواطئة، وتطلب اهتمامهم بتصوير المناظر، إلى الانتقال من المرسم إلى الطبيعة مباشرة كي يستخلصوا الظواهر المتبدلة للضوء واللون. ويعد (كونستايبل) من اهم رسامي المناظر الطبيعية ليجعل منها مادة عمله الفني وموضوعه الاساس. وكان ظهور الانسان في لوحاته هامشيا ضمن تاليف عناصر ومفردات المنظر.

أما (تيرنر) فهو مصور المناظر الطبيعية ذات الطابع الغنائي الشاعري إذ نقل شفافية الألوان المائية إلى مناظره التي نفذها بالانوان الزيتية الشفافة والمبهرة، ويصبح الضوء فيها هو الموضوع الرئيس. ويبقى المنظر الطبيعي الذي صوره الرومانسيون والطبيعيون، مستقلا بذاته وليس له علاقة مباشرة بمظاهر الحياة اليومية. العالم الخيالي الذي يمثله هو رفض للواقع وبعد عنه. كما ان المعالجات البنائية والتقنية في المنظر لم تخرج كثيرآ عما هو سائد، فالرومانسية والطبيعية لم يخلق اي منهما أسلوبا أدائيا خاصا أومميزأ بشكل واضح عما سبقهما، ولكن كان الفارق في الرؤية والطرح الجمالي يستثني من ذلك كل من كونستيبل وتيرنر.

ظهرالمنظر الطبيعي في اعمال الواقعيين بحكم صلاتهم بواقع الحياة اليومية للناس العاديين، في القرى والحقول، وقدموها في صيغة عادية بسيطة لارتباطهم بمفاهيم اجتماعية وسياسية حول الديموقراطية والعدالة الاجتماعية وقد تخلوا عن التفسير الروائي للطبيعة. وكان أهم ما قدموه هو الخروج من المرسم، والتصوير مباشرة من الطبيعة وحياة الناس اليومية. ومن أبرز مصوري الواقعية، جوستاف كورييه. وتعتبر جماعة باربيزون التي تاسست في فرنسا عام 1860، من اهم الجماعات التي صورت المنظر الطبيعي الذي مهد لظهور المنظر التاثيري فيما بعد، ومن أهم فنانيها: (تيودور روسو وجان فرانسوا ميليه، وكورو.)

 كان المنظر هو الموضوع الاول والمميز للمدرسة التاثيرية، التي اهتمت بتصوير مظاهر الطبيعة تحت تاثير الهواء الطلق واشعة الشمس. واعتبار اللون الوسيلة الأساسية للتعبير عن الانطباع البصري وفقا لتغييرات وتاثيرات الانعكاسات الضوئية في عناصر ومفردات الموضوع: السماء بغيومها المتحركة، والشمس بتالقها الضوئى المتغير من وقت لآخر طوال النهار، والاشجار والاعشاب، ومياه الجداول ا لتي تعكس صورها..

  قدم الانطباعيون المنظر في معالجات تشكيلية وتقنية جديدة مثل: اهتزاز العناصر وهشاشتها على سطح اللوحة، واهتزاز الخطوط الخارجية للاشكال، والبعد عن أنصاف اللونيات، ووضع الالوان الفاتحة المتالقة بجوار بعضها البعض، واعتبار الابيض والاسود لونين حقيقيين مثل بقية الالوان، وليست وسائل مساعدة في خلط اللون على صفحة (البالت)، وكذلك اعتبار اللون في الطبيعة اصطلاحيا، لا يتحدد الا باجتماع عناصر ثلاثة هي: (العين والشيء المرئي، والضوء)، وهو ليس ثابتا بل يتبدل باختلاف الضوء، كما ابتعدوا كثيرا عن استخدام الابيض الصافي والأسود من تصوير المناظر، واكتفوا بالوان الطيف السبعة فقط، وعالجوا الضوء والظل، باللون ومكمله، بدلآ من الدرجة الفاتحة، والدرجة الغامقة للون نفسه، وذلك في ضريات لونية مجزأة متباينة، قادرة على بث انطباعات بصرية متحركة يولدها مزج الالوان بصريا من قبل المشاهد، وكذلك وظفوا القيمة البعدية للون لتشكيل فضاء المنظر بدلا من المنظور الخطي.

وقد تخلى معظم التاثيريين عن الصورة الإنسانية في رسم المناظر، وإذا وجدت فإنها تكون جزءا صغيرا كبقعة لونية أوظلية في الجو الغنائي العائم للمنظر.. وفي بناء لوحة المنظر استخدم فان جوخ نقاط تلاشي عدة في اللوحة الواحدة، ودمج بين مناهج عدة في تطبيق المنظور، نتيجة لتاثره بالفن الياباني، وقد عبر عن المسافة والمدى الفضائي بواسطة قيم الالوان الصافية وليس عن طريق التدرج اللوني والخطوط، اما جوجان فقد اسس لوحة المنظرعلى اللون والخط للتعبير عن فضاء تخيلي رافضا الحسية المادية للتاثيريين وجمع بين الشعور البدائي، والعقلانية، وحول المنظر الطبيعي إلى مسطح ذي بعدين فقط، فخرجت الألوان عن السيطرة البصرية وتحولت إلى ظواهر عقلية اصطلاحية، ففي مناظرة نرى حقولا حمراء واشجارا زرقاء لأن الطبيعة ليس لها مخيلة كما قال له (بودلير). اما سيزان فقد بنى المنظر محافظا على تمثيل الواقع المرئي.. واتخذ موضوع المنظر مسارات ثرية متشعبة في وسائل الفن الحديث، باتجاه توصلات حداثوية مستقبلية..

 

لمتابعة حلقات الحوار المفتوح

 ..............................

 

ملاحظة: يمكنكم توجيه الاسئلة للمحاوَر عن طريق اميل المثقف

almothaqaf@almothaqaf.com

 

...........................

خاص بالمثقف

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (عدد خاص: ملف: تكريم الفنان التشكيلي شوكت الربيعي، من: 24 / 4 / 2011)

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1697 المصادف: 2011-04-29 12:44:11