مناسبات المثقف

المثقف في عامها الثاني عشر.. فرصة نادرة

صالح الرزوقمع اندلاع الأزمات وزيادة درجة الثقافة تتوسع الصحافة أفقيا لتغطي مساحة كبيرة من الرأي العام. وهذا معروف منذ الربع الأول من القرن العشرين حينما ظهرت أمهات الصحف في المنطقة كالعرفان في لبنان والحديث والضاد في حلب والطالب العربي والنواعير في دمشق وحماة.

ومن يقلب صفحات تلك المطبوعات سيفاجئه الجرأة في الطرح والتبويب ثم التفسير. حتى أن العدد الأول من الطالب العربي كانت فيه مواد لطه حسين وعيسى الناعوري وأمينة السعيد وفؤاد الشايب. ويمكن أن تقول إن السلة كاملة الدسم، وتتصدرها صورة لرئيس الجمهورية يومذاك وهو شكري القوتلي، وحوله لفيف من “أدباء العروبة” كما ورد تحت الصورة.

ومن بين أهم القضايا التي حازت على نصيب الأسد، في تلك الدوريات المبكرة، ظاهرة جبران والحداثة في أساليب التعبير. وقد تكررت نفس الظاهرة مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان. فالنار التي بدلت وجه مدينة بيروت ومحتواها هي نفسها التي ولدت منها صحف هامة مثل الجيل والسفير وفكر...

وكانت كلها تحاول أن تصهر معدن المواطن العربي في بوتقة نضالية وتحررية. ولكن للأسف ليس هذا هو حال أزمات هذه المرحلة. فهي تهدم ولا تبني. لقد خسرنا في المرحلة الأخيرة السفير "صوت من لا صوت له". ودخلت الحياة مرحلة السبات. وهناك مجموعة من المطبوعات الوطنية التي تحتضر في غرف الإنعاش. وبضوء هذه الحقيقة تأتي صحيفة المثقف بشكل فرصة نادرة للتنفس. فهي تعوض جزءا من هذه الخسارة، وتضيف إليها نقطتين هامتين.

- الأولى خاصة بالمثقف نفسها. وهي ما تقدمه في محور الإصلاح والتنوير. فمن أولى مهام هذه المطبوعة الإلكترونية ترقية مشاكل الحداثة من تجديد مشروط إلى ترميم تجديدي. بمعنى أنها عملت وفق مبدأ فلسفة تحرير الحداثة من نفسها. فكل حادث يصبح بالتقادم جزءا من التقاليد. وهذا يضاعف من ضرورة إزاحة الغبار المتراكم عليها وحقنها بمنشطات تعيدها للمسار الطبيعي مع دورة الحياة والطبيعة. وكما ورد في كتاب ماجد الغرباوي عن رهانات السلطة: إن الإسلام الحركي مسؤول مسؤولية مباشرة عن انكفاء الإيمان والعقيدة على الدين*. بمعنى أنه لأسباب سياسية تحول من دين إلى وعاء من "الإجراءات والعلاقات"*. ويدخل في هذا المضمار الجدل الدؤوب بين كتاب المثقف حول معنى الاستعمار والشراكة بين الدول، ومتى يكون الشريك مستبدا ومحتلا ومتى يكون قوة تحرير ومؤازرة. وأعتقد أن ما نشرته المثقف عن أشكال التدخل الأجنبي بدعاوى مختلفة في الشؤون المحلية يصلح ليكون مادة للدراسة، فما كان يعرف باسم انتداب وحماية عاد إلينا باسم مساندة وتدريب وتفتيش وما شابه ذلك. ولا يخفى على أحد أن القوة الناعمة للاستعمار المعاصر بدأت تتغلغل في حياتنا شئنا أم أبينا.

- النقطة الثانية وهي رفد الكتابة بأسماء جديدة. وهذا يعني فيما يعنيه إحياء الأساليب وليس الانقلاب عليها. ففي (إبداعات) فتحت المثقف بابها لألوان جديدة من المقامات، والشعر النثري الذي لا يخلو من لمسات لوتريامون. ومثل هذا التقاطب، لا يغني معرفتنا بالماضي وبدايات الحداثة، ولكنه يخلق فرصة لنوع من الصوت وصداه. وبالأخص أن المقامة المعاصرة ليست ناقدة جوهريا، ولكنها تحاول أن تلعب باللغة، وأن تحول المشاعر لنوع من الأفكار السائلة liquid thinking. وهذا هو ما تفعله القصيدة النثرية الجديدة. إنها تفجر قالب القصيدة ومحتوياتها في آن واحد. أما باب (دراسات) فهو مثل غربال نعيمة، يبدأ من الشك ليصل لشيء يشبه اليقين.

أتمنى للمثقف دوام العطاء، وأن تكون شموعها الحزينة جزءا من رصيد صحافتنا التي تكافح من أجل البقاء بمقدار ما تكافح لمقارعة الحقيقة بالحقيقة.

وشكرا.

 

د. صالح الرزوق – أديب وناقد ومترجم سوري

...............

*انظر الكتاب الذي اشترك في تبويبه ماجد الغرباوي وطارق الكناني، و صدر عن دار الأمل الجديدة بدمشق عام 2017 بعنوان: رهانات السلطة في العراق: حوار في إيديولوجيا التوظيف السياسي.

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (11)

This comment was minimized by the moderator on the site

كل الشكر والتقدير للدكتور الرزوق الاديب الموسوعي لما قدمه ويقدمه من كتابات مختلفة كالترجمات والبحوث والشعر والنقد والمقالات وهذا ما يجعله الكاتب الذي ينال استحسان القاريء ويشبع ما في نفسه من معرفة ما دار ويدور في عالم متلاطم تسوده اللا انضباطية عدا ان هناك من يحاول جاهدا من مجابهة الطوفان بالحرف الصادق والفكر النير تحياتي للدكتور الرزوق وتمنياتي له ولبلاد الياسمين السلام والامن والاستقرار

This comment was minimized by the moderator on the site

فعلا المثقف هي هذا الذي ذكرت وأكثر وإنما ذلك بفضل جهودكم أيضا أ د صالح الزروق حيث أنك دائم الاطلاع على ما يكتب لايخطئه قلمك الحارس الجميل
وقد أثرت صفحاتها بالكثير من الأفكار والإبداعات التي أفادتنا وأمتعتنا فشكرا لك ألف شكر

This comment was minimized by the moderator on the site

إثنتا عشرة شمعة
إثنتا عشرة وردة
وإثنتا عشرة قبلة
للمثقف في عيد تأسيسها المبارك

كل الايام والاعوام والمثقف ابهى واروع
مع اسمى ايات الشكر للمفكر التنويري الصديق الاستاذ
ماجد الغرباوي
وللزميلات والزملاء اسرة التحرير الذين بذلوا ويبذلون الجهود الكبيرة من اجل ديمومة وارتقاء المثقف

سلاماً لك ولنتاجاتك الرائعة التي اثريت بها الصحيفة
اخي وصديقي المبدع الموسوعي الدكتور صالح الرزوق .
اتمنى لك المزيد من العافية والابداع

This comment was minimized by the moderator on the site

الدكتور العزيز صالح الرزوق
لقد واكبت جهودك في النقد والحوار والترجمة وبحوث التنوير والأصلاح وقصصك المنشورة فوجدتها جهودا رائعة سواء منك ام من الاستاذ ماجد الغرباوي ام هيئة التحرير فشكرا لك على هذه الجهود الفذة المباركة
اخوك قصي

This comment was minimized by the moderator on the site

شهادة ما اروعها من أديب وناقد، خبير بالثقافة وتاريخها. انها وسام قلد به المثقف الاخ الاستاذ الدكتور صالح الرزوق. لك خالص الاحترام ونبقى نواصل مشروعنا معا.
احترامي

This comment was minimized by the moderator on the site

اشكر السادة على لطفهم و مؤازرتهم. و بالاخص السيد ماجد الغرباوي فقد منحنا الكثير من وقته و جهده.

This comment was minimized by the moderator on the site

الاديب والناقد القدير الاستاذ صالح الرزوق
حقاً ذكرتني بمرحلة الانفتاح تلك , التي خلقت رموزاً بارعة , ومرحلة الانكفاء والانعكاف والتقوقع , وتبديل البوصلة السياسية بدرجة 180% . مثلاً كانت جريدة السفير غذاء روحي لكل مثقف , ولكن في النهاية حولت بوصلتها الى ضفة اخرى , لتساهم في الخريف العربي , وشطبت شعارها ( صوت من لا صوت له ) . اما صحيفة المثقف الغراء وانت احد مبدعيها , او رموزها بصورة يومية . اعتقد ان شموعها ستظل مضيئة لنبراس الثقافة والمثقفين , بجهود مبدعيها وبسادنها الاستاذ الجليل ماجد الغرباوي ,
تحية لكم بالصحة , وننتظر بفارغ الصبر عودة فلذة كبدكم الغائب . ان يعود بالسلامة , حتى تصبح الفرحة بفرحتين . آمين بعون الله تعالى

This comment was minimized by the moderator on the site

انها مرحلة انفتاح على العالم و بشروط ضمنت لنا كرامتنا، من ينسى وقوف امجد ناصر و محمود درويش و سعدي يةسف معا في بيروت حتى مأساة الحصار و الانسحاب الى قبرص و تونس.
لكن الاتكاء على الماضي مثل الثقة بالعقرب، لا بد ان ينتهز اةل فرصة ليحقنك بالسموم.
ثم كانت المقاونة في عباءة الدكتاتورية ايضا.
و هنا عجائب العرب تبدو واضحة. كيف نحرر انفسنا و نحن نخضع للعبودية و بشروط الطاغية الذي بيده كل شيء.
سرني في هذالاللتعليق امنية طالما سكت عنها و هي ظهور ابني من رماد هذه الحرائق و الاهانات الشخصية.
المهان و الذليل لا يقاوم. و المحروم لا يقاوم. و المستضعف و المغبون لا يقاوم.
شكرا لم استاذ جمعة على وقوفك مع هذه للذكريات.

This comment was minimized by the moderator on the site

تهنئة الى جميع كاتبات وكتاب المثقف الغراء في عامها الثاني عشر والشكر والتقدير للأستاذ الجليل ماجد الغرباوي على ما يبذله من جهود كبيرة لادامة هذا الصرح الثقافي المهم واخيرا وليس آخرا تحية اجلال للأستاذ الأديب الموسوعي القدير الدكتور صالح الرزوق على شهادته هذه التي عبر فيها عما يجول في خواطر جميع مبدعي بيتنا الثقافي صحيفة المثقف الغراء...

This comment was minimized by the moderator on the site

لست مبالغا ـ والله ـ في قولي : إنّ المثقف غدت بيتي الروحي الذي آوي إليه كلما ظمئت الى نمير يبُلُّ غليلي للمداد العذب ، وأنها النافذة الضوئية التي أطلّ منها على الأحبة ممن لهم في قلبي منزلة ليست أقلّ من منزلة المئذنة في قلب بلال المحمدي ـ ومن هؤلاء الأحبة : الرزوق صالح ، الذي " رزقني " الله إخاءه وأسهم في " إصلاح " سفينة أبجديتي .

This comment was minimized by the moderator on the site

اشكر الدكتور الزبيدي و الشاعر السماوي على حسن الظن و على هذه الاغة الاسرية الدافئة

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4292 المصادف: 2018-06-06 11:30:30