ملتقى المثقف

ملتقى المثقف العراقي .. ونبع الخلود

saleh altaeiإلى ملتقى المثقف العراقي: وأنت تبدأ أولى خطوات سيرورتك؛ تحتاج فيما تحتاج إليه أن تضع قواعد عمل أخلاقي رديفة لقواعد العمل المهني

التي ورد ذكرها في نظامك الداخلي، تدعمها وتسندها وتوجهها إذا ما انحرفت أو مالت، وتمدها بأسباب القوة والصمود في رحلتها التي لن تكون سهلة أبدا وبكل المقاييس، لأنها تمثل مشروع تحد وتنافس كبيرين في عالم يخاف التحدي ويكره المنافسة ويحارب المنافسين.

لا يخفى على أحد أن الثقافة كائن حي وليست جمادا متحجرا مقولبا في أطر تاريخية دون سواها، وهي متى ما جمدت على منهج بعينه تفقد معناها وتفقد روحها وتتحول إلى مخلوق مسخ يصلح أن نطلق عليه أي اسم نختاره باستثناء (ثقافة).

الثقافة تفاعل يبدأ من داخل الإنسان نفسه، يتحكم به مقدار صدقه مع ذاته، ثم صدقه مع الآخر أي كان ذلك الآخر، وبالتالي صدقه مع محيطه الاجتماعي والإنساني امتدادا إلى أبعد ما وصل إليه الإنسان.

الثقافة دعوة إلى مراجعة الذات وإعادة اكتشاف مجاهلها وكل المناطق التي لم تكتشف فيها بعد؛ سعيا في اتجاه التطوير والتنوير.

الثقافة مشروع ثورة داخلية إيجابية يبدأ من داخل الإنسان كفرد ليصل إلى كل الناس في ذلك المجتمع.

الثقافة سطوة وقوة سواء كانت أمية أم فكرية، فهي ثقافة أمية إذا ما عملت على خذلان وتجميد الإنسان وقولبته ضمن أطر الموروث، وفكرية متى ما عملت على تمكينه وتفعيله من خلال التجديد والتطوير والإبداع.

الثقافة متابعة وممانعة وتجديد وتوليد لكل ذلك الموروث الذي نحمله على عواتقنا منذ بدايات فجر تاريخنا وإلى اليوم، وعلى المثقف قبل غيره أن يرفض كل صور التقليد الأعمى لأن تاريخنا يصبح في مرمى نيران التلاشي متى ما فرض التقليد ومنع التجديد، فقد ولى زمن التقليد الأعمى وولد زمن تجديد دور الفكر في الحياة العامة وهو دور يقوده المفكر ولا أحد سواه.

الثقافة سلعة كما هو النقد وباقي السلع الأخرى التي يحتاجها الإنسان في حياته اليومية الفردية والمجتمعية، تختلف فقط في كونها سلعة طلبها لا يقف عند حد ولا يتأثر بالوضع الاقتصادي للإنسان والبلد، وعلينا أن نتعلم طرائق التعامل معها لأن معرفة التعامل معها تجعلنا قادرين على التعامل مع كل السلع الأخرى، فهي الميزان المعياري بين النظام والفوضى وبين التهور والتعقل.

الثقافة هي التي طبعتنا بطابع الميل مع الريح حيث تميل، والانحناء للعواصف العاتية لكي لا ننكسر أو نطيح، وهي التي يجب أن تطبعنا بطابع التحدي، وتعلمنا كيف نتصدى للريح الخبيثة والفكر المنحرف ولا ننكسر، ونتحدى ولا ننحدر.

الثقافة هي التي تنتقل بالمجتمع الإنساني المحلي والعالمي من مرحلة الممكن إلى مرحلة جديدة تتمثل فيها كل تلك القيم الإنسانية الخالدة، الدينية منها والمجتمعية، لتتحول إلى قيمة مضافة تخرج من سطوة الغلو ولا تتمثل بجحافل الغزو، وهي في سيرورتها العقلائية تمثل مشروعا طلائعيا غاية في الروعة يهدف إلى بناء منظومة الفكر الإنساني ولاسيما العربي منه، تلك المنظومة التي خربها جهل القوى التي قادت عالمنا من قبل، وجل ما نحتاجه اليوم هو خلق مختبرات فكرية ثقافية تحول الإنسان العربي من مستهلك للثقافة الوافدة والمستوردة إلى منتج للثقافة البديلة التي تشبع حاجات المجتمع المحلي، والقابلة للتصدير أيضا.

ثقافتنا اليوم واحدة من آلاف الثقافات الأخرى التي تنضوي تحت علم الحضارة الإنسانية القائمة، ونجمة في سماء الإنسانية ضمن مجرة كونية، وهي إذا ما تحركت في مسارها بعيدا عن التخطيط قد تصطدم بنجوم أخرى أو بكواكب أخرى أكبر منها حجما فتتحطم، وإذا بقيت واقفة ساكنة في مكانها قد تسحقها مجموعة نجوم تمر من ذلك المسار، مما يعني أنها محكومة بحركة التاريخ والكون في وقوفها ومسيرها، وأنها يجب أن تراعي المسارات الأخرى حين تضع خارطة مسارها.

إن الثقافة التي طالما ركنت على رفوف النسيان مرشحة اليوم أكثر من أي وقت آخر لأن تكون سلاح المعارك الكونية المعاصرة المرتقبة، في حروب أصبح استخدام السلاح الحربي  فيها امرأ ثانويا وسلاح الفكر هو المبدأ والأساس، ونحن يجب أن نطور فكرنا من أجل تطوير أسلحتنا الدفاعية والهجومية في معركة البقاء، ولذا لا يمكن للعمل المهني وحده أن يؤسس إلى مشروع ثقافي رائد مؤمل له أن يقود حياتنا لأن العمل المهني على عظيم أهميته هو جزء من مشروع كبير جدا يمتد على طول مساحة وجود الإنسان، مقدر له أن يقود إنساننا المعاصر المجبول على التحدي والقادر على خوض النزالات إلى اكبر انتصارات شهدها التاريخ، وعليه أن ينتصر في هذه المنازلة لأن هزيمته فيها تعني هزيمتنا فكرا وتاريخا ووجودا، وهذا ما لا نريده أن يحدث، فالإنسان مجبول على حب البقاء، وقد جازف جدنا (كلكامش) وخاض غمار المستحيل وظلمات المجهول بحثا عن نبع الخلود.

 

صالح الطائي

21/1/2013

  

 

 

 

 

 

العودة الى الصفحة الأولى

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها: (العدد :2335 الثلاثاء  22 / 01 / 2013)

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 2331 المصادف: 2013-01-22 07:08:09