ا. د. عبد الله الفيفي
د. عبير خالد يحيى
ا. د. محمد الدعمي
سلس نجيب ياسين
علي علي
د. عبير خالد يحيى
سلس نجيب ياسين
د. رائد الهاشمي

الاغتراب والعزلة النفسية والجنون (2)

ali mohamadalyousifيرى الدكتور مراد وهبة ان لفظة عبقرية تعني التميز بقوى عقلية خارقة أي نادرة ولهذا لم يكن من غير المألوف الترويج للنظرية القائلة بأن العبقرية ضرب من الجنون، فلم يميز القدماء بين الهام الحكماء وغطرفة المجانين، فلفظة (مانيا Mania) في اليونانية تشير الى حماس المبدع والى الهياج الذي يعتري المجنون ويذهب المحدثون وفي مقدمتهم (لامبروز 1891) الى الربط بين العبقرية والابداع ومن مؤيدي هذا الاتجاه، ربط العبقرية بالجنون والعصاب المرضي كلا من (كاتل) و(بونشر) فبرأيهما ان العديد من العباقرة في الماضي عانوا من الذهانية او النزعات العصابية العنيفة ومن الصعب ان نعتقد ان نتاجهم كان سيتم وبنفس الكفاءة لو انهم كانوا في حالة نفسية سوية(1).

على العكس من هذه النظرية كانت وما زالت هناك نزعة فكرية تؤكد اهمية الجد والاجتهاد والتنظيم والعمل الشاق، فالسير (فرنسيس جالتون) كان يؤكد دائما ان الانجاز المتفوق يعتمد على الحواس والقدرة على العمل الشاق، وسانده في رأيه هذا (هوجارث) الذي قال انني لا اعرف شيئا عما يسمونه عبقرية، العبقرية هي العمل والاجتهاد ومقولة (توماس كارليل)، بان العبقرية اولا وقبل كل شي هي قدرة متفوقة على مواجهة الاضطرابات(2). ويبدو من المحتمل ايضا ارتباط العبقرية بالجنون او المرض العقلي لم تنشأ فقط من ملاحظة ان بعض المبدعين تكون لديهم اعراض عصابية او ذهنية اكثر من أي فرد اخر ولكن من خلال الشعور بان كلا من المبدعين والمرضى العقليين تكون لديهم خبرات عقلية يجد الفرد العادي انه غير قادر على فهمها او المشاركة بها(3).

اضافة لما سبق ان المرض العقلي يتسم بالاضافة الى مظاهر الخلل الداخلي بامكانية وجود عدم تماسك في الكلام وتداعيات لا يمكن التنبؤ بها وهلاوس وهذاءات طويلة المدى ومستمرة وحتى عندما تختفي بعض الاعراض المزمنة مثل الهلاوس والهذاءات فيما بين النوبات الحادة فان الاعراض المتعلقة بشكل ومحتوى التفكير واللغة يمكن ان تستمر وتكون معوقة للتكيف الاجتماعي للفرد بشكل حاد، فالمريض يبدو غير قادر على التفكير الهادف بل يمضي بعيدا ويشتط وينساق لبعض التداعيات الغريبة غير المألوفة المتعلقة بمنبهات وعناصر تخضع للصدفة ومن ثم يعطي الانطباع بالغموض والخلط وعدم التماسك(4).

ويجهز الاستاذ الدكتور شاكر عبد الحميد في نهاية بحثه العلمي الشيق الذي اشرنا اليه اكثر من مرة على النظرية التي تربط العبقرية بالجنون او الذهان العقلي او العصاب النفساني قائلا: (ان ذلك التحالف المدعي بين العبقرية والجنون ان هو الا تحالف كاذب او اكذوبة أكبر اطلقها البعض وحاول البعض الاخر الدفاع عنها بينما اثبت التطور الطبيعي للعلم والحياة والابداع الادبي  والفني تهاوي مثل هذه الادعاءات … ان أي عضو من اعضاء جسم الانسان عندما يضعف او يختل وظيفيا او عضويا فان هذا الضعف وهذا الاختلال ينعكسان في قيامه بوظائفه… فلماذا نستغرب ذلك او نتغافل عنه ونحاول ان نربط بين الاضطرابات الوظيفية او العضوية المختلفة التي تحدث للمخ وتصيبه وبين اكثر وظائفه المعرفية تطورا وارتقاءا وهو الوظائف المتعلقة بالاكتشاف والابداع(5).

يذهب الفيلسوف الفرنسي (فوكو) في دراسته لتاريخ  الجنون على ان الجنون لايتوفر له عامل الفكر والابداع لافتقاده (اللغة) التجربة التي تمكنه من اقامة (أي صدق مطلق) مع الاخر…

وقال الكاتب الشهير (انطوان ارتو) وهو يمر في محنة الجنون يحق للمريض المجنون الهذيان، التي تحاول المؤسسة  الطبية اخماده والذي يفجر طاقات كشفية عالية تفضح المجتمع ومؤسساته القهرية(6). الا ان الحقيقة التي يدركها المجنون في هذيانه تتجاوز هنا بكثير (تفاهة البشر الجنونية) وتؤكد مقولة لانج (الخبرة الفردية جنون متفق عليه اجتماعيا) .

ومن ثم اقتناع (فوكو) بهذه المنطلقات التي تبدو له صحيحة بالذات قائلا :(ان امكانية السؤال عن العقل تتولد من اللاعقل نفسه، كما تتوفر من جديد امكانية ادراك ماهية الوجود من خلال هذيان يجمع في صورة وهم مواز للحقيقة بين وجود الواقع ولا وجوده)(7). (ان هذه الحقيقة النابعة من اعماق التمزق الذي يصيب الانسان الضائع ومن اغوار النفس البشرية ولغة الهذيان المعكوسة واوهام اليقظة لتشكل اكثر الظروف ملائمة لقيام مجتمع الظلم ونقيضه الحي . كما ان الوهم الذي يدركه المجنون ببصيرته المغتربة ليس الا الصورة السرابية البراقة للحقيقة) (8). ان اغترابية المجنون المغيبة، انما هي اغترابية زائفة لأنها (انفصام ذات المريض بين الحقيقة والوهم) بعكس اغتراب المبدع الذي هو اغتراب ابتغاء كشف حقائق ومجاهل النفس البشرية وتطلعاتها وانكسارها بوسائل عقلانية سليمة اكثر منها مرضية وهمية . وربما كانت وجهة النظر المتحيزة هذه في جانب منها الى الحلم والوهم باعتبارهما الواقع الحقيقي الصادق والى الواقع الحقيقي باعتباره الوهم، والكذب والزيف والخداع ومجانبة العقل ..، قد وجدت هذه المنطلقات الطبية النفسية تأييدها لدى العالم (لانج) الذي مال الى الاخذ باعتبار الانفصام انقساما او انشطارا بين الذات الحقيقية الخفية والذات الخارجية الزائفة والتي تكون عمليات نشاطها الاساسية المحددة من خلال مطالب الاسرة والمجتمع بأعتبارهما نقاط انطلاقتها....

اما الذات الحقيقية الداخلية، فتكون مشغولة بالمحافظة على حريتها وهي تكون متعالية غير متجسدة ومن ثم تكون هذه الذات غير قابلة للامساك بها او تحديد ملامحها او اقتفاء اثارها او امتلاكها بشكل كامل(9).

توجد نماذج يتعذر حصرها في التاريخ والفلسفة والاداب والفنون ممن كان العصاب المرضي، والمرض العقلي – النفسي لديهم من عوامل تحفيز عبقريتهم واطلاق طاقاتهم الابداعية مثل هولدرين وديستوفيسكي وكافكا ونيتشه وآخرين كثيرين.

فاغتراب المبدع كشف للحقيقة الانسانية وان كانت تتم احيانا بوسائل علمية عقلية ابداعية صرفة انما كان ما يميزها  الطابع الجمالي الفني المتناسق بوسائل وابداعات ذات تقنية منظمة بعيدة عن التفكك والفوضى بمعنى توافر زيادة عالية في خصوبة التخيل الابداعي لما وراء المحسوس المدرك عيانيا او المالوف وجودا طبيعيا، انما يكون التخيل منظما عقليا حتى عندما يتناول غير المنظور ويستبطن غير المرئي والمحسوس المباشر ونجد تحقق ذلك في شروط العمل الفني الابداعي الجمالية ذات الاثر الفاعل المتحقق في المحيط ( في حين يؤكد الباحثون بان المرض العقلي – النفسي الذي يتفرع منه انفصام الشخصية الذي يترجم الى انهيار قدرة الفرد على اظهار التزامه بالقيم المشتركة في المجتمع)(10).

(ان المبدع يهدف اساسا من وراء عملية التواصل مع الآخرين وعمله لا يكتمل في ذهنه الا بحدوث عمليات التلقي والاستقبال المناسبة عن الاخرين لهذا العمل الابداعي … فالابداع عملية تفاعلية قوامها الاحتكاك الايجابي النشيط بين الأنا المبدع المرسِل، والآخر المتذوق المستقبل وهذه عملية تبدو غائبة شديدة الضعف في حالات الانعزال المرضي والانفصال الاجتماعي واللجوء الى الاجترار الداخلي لدى المريض العقلي او المنفصم)(11).

على العكس مما ورد ذكره امضى نيتشه اكثر من (13) ثلاثة عشر عاما في مصح عقلي مؤمنا : (أن اليقين الحقيقي هو طريق المرء الى الجنون) و(ان المرء لا يكتسب هويته الحقيقية الا بفقدانه لهويته المحدودة) وكان الجنون بالنسبة له احدى المتطلبات الضرورية لاحداث التحول الجذري في وجدان الفنان واطلاق طاقات الابداع والخلق الكامنة فيه) (12).

       وكان بريتون ابرز مؤسسي الحركة السيريالية يؤمن بأن الجنون يمثل الوضع الطبيعي للانسان الا ان الوصول الى هذا الوضع يتطلب سلوك طرق متعرجة ملتوية نظرا لعملية التشويه التي اضفاها العالم والمجتمع على الطبيعة.

ويرى بريتون : (ان الجنون ضرب من الهوس الذي يفت طاقات الانسان ويضفي على حياته معان تتجاوز في الزمان والمكان الى درجة تجعلها تلحق بالعالم المستحيل)(13)، الا ان الانسان لم يخلق قويا في قرارة نفسه الى درجة كافية حتى يتحمل صدمة الجنون وجبروته، فالجنون قوة طاغية عاتية لا طاقة للكائن البشري المحدود الاني على ضبطها والسيطرة عليها او استخدامها بطريقة مثمرة في حياته العادية وليس من شك في ان اكبر دليل على ذلك هو تصدع حياة الكثير من الفنانين والادباء في النهاية امام تجربة الجنون مثل (ارتو) و(فيرلين) و(لترايامون) و(نيتشه) و(فان كوخ) الا ان بعض النوابغ من الفنانين والكتاب استطاعوا ان يحولوا الجنون الى طاقة ابداعية هائلة وان كان ذلك على حساب حياتهم ونظير معاناتهم وآلامهم التي لا قبل لشخص عادي تحملها وابرزهم الشاعر الالماني هولدرين(14).

ان هذا النوع من العصاب النفسي او المرض العقلي يكون لدى المبدع الذي يعانيه ربما احد عوامل ظهور عبقريته وبروز نبوغه وتحفيز الابداع لديه واطلاق طاقاته بصورة خلاقة غير اعتيادية وهو حتما كما مر بنا يختلف عن عصاب المريض او المجنون او المنفصم لانها تصبح عند المريض من عوامل واسباب شل أي قدرة او قابلية في التعامل مع المحيط ولو بصيغة لغة او تعابير تحمل الاخرين على فهمه والاستجابة له فكيف به اذا ما استخدم اللغة كخامة او أي عنصر اخر في انتاج ابداعية ادبية او فنية… واعراض هؤلاء المرضية تدعم في نفسيتهم وقواهم العقلية الوعي المشوش والتداعي المضطرب واحساسات الشعور باختلال الذات وعدم توازن الواقع معاً ولا تترك اثرا ايجابيا في المحيط الخارجي للمريض ولا تمنحه توازنا نفسيا – اجتماعيا حتى لو كان موقتا انيا يتمتع فيها بحالة سوية او طبيعية تبعده عن الانطوائية النفسية وعدم الوعي الحقيقي بالوجود والحياة من حولهم.

(ان المريض النفسي بدرجاته المختلفة هو ضد النظام وقرين الفوضى بينما الابداع الفني قرين النظام وضد الفوضى والنظام الفني لايشبه النظام الميكانيكي او الحسابي بل هو نظام معقد خاص يطمح دائما للجدة والاصالة والمعاصرة والنفاذ الى جوهر الواقع والحياة واعماق الذات ويقوم على اساس من تأكيد الحساسية الانفعالية والخيال الطليق للفنان)(15).

من جانب اخر نجد ظواهر عديدة جدا لا يمكن حصرها عن غربة النفس غير المرضية لكنها عاجزة ان تكون من عوامل بعث الطاقة الخلاقة لدى صاحبها أي ان تكون سببا في انتاج فعالية ابداعية ايجابية، في حين كما مر بنا سابقاً ان هناك من ظواهر العزلة النفسية المرضية كما في حالات الذهان العقلي والفصام والجنون من اعتبر (هذاءات) اصحابها وهلوساتهم من مظاهر التعبير الحقيقي عن الوجود في جوهره الانساني كما اعتمدها (لانج) و(كرتشمر) وبعض مدارس الطب النفسي والبحوث الميدانية المتخصصة الحديثة وان كان لهذه البحوث دراسات ميدانية تنفي صحة وصواب الاولى وتخطؤها . والموقف (المتعاطف) مع الجنون او الفصام والعصاب النفسي مرجعه سببان:

الاول: النظرة العاطفية الانسانية الاخلاقية الاجتماعية المركبة التي تعامل الجنون وامراض النفس والعقل الاخرى وفق معياريتها المحددة بعيدا عن التحليل العلمي والتجربة الواقعية التي لا تؤكد بصفة جازمة صحة الربط بين النبوغ او الابداع والمرض العقلي.

الثاني: محاولة استثمار عنصر الغرابة والتشويق لدى المتلقي وتهيؤاته للاستجابة في تفسير كل ظاهرة (غامضة) غريبة غير مألوفة بتحليلات ونظريات تضخيمية وابرازها في بهرج من الزيف والتراكم الذي يخاطب جوانب عقلية متخلفة لدى البعض في وضع حلول هي اقرب لنفسية الانسان الغامضة بالتصديق والتأويل اكثر منها مثبوتة علميا في الركون الى صحتها والاطمئنان للاخذ بها. فالعزلة النفسية التي يمكن اعتبارها ظاهرة سوية غير مرضية يمكن اعتبارها من وجهة نظر طبية علمية من طبائع النفس البشرية وظاهرة (عامة) تقريبا معرض كل انسان المرور بها ومجاوزتها فهي لن تكون (عاملا) او (حافزا) او (سببا) لميزة تفرد ابداعي، كما هي لدى اغترابي اديب او مثقف او فنان وهم اشخاص بمواصفات وراثية – بيئية خاصة يمكنها استثمار عزلتها النفسية وانفصالها المجازي عن المجتمع بخلق ابداعات وفعاليات فنية فتكون لديهم – أي العزلة النفسية – عامل اغتراب ايجابي، في حين تكون لدى الشخص العادي حالة من الركون الاجتراري المتأمل للذات والمحيط بطريق مسدود. فتكون عزلته النفسية بالنتيجة عامل اغتراب زائف، ولو سألنا لماذا تكون العزلة النفسية من عوامل الاغتراب الاصيل لدى المبدع !؟ والجواب (ان انا المبدع تقوم على اساس الوعي والتوجه الاستبصار ووجود امكانيات التنمية والشعور بالذات لدى المبدع متزايد مطلوب في حالات كثيرة بل هو احد الاهداف التي يسعى اليها المبدع ويسعى الى تدعيمها، بينما مثل هذه الامور غائبة في حالة المرضى)(16).

فاغتراب النفس لوحدها ما لم تكن مقرونة باستعداد ابداعي فكري ناقد وموهبة فنية مستكشفة فلن تكون من نمط ابداعي وفي تعبير (نيتشه) : (متى صار الانسان خالقا يعيش ابعد من ذاته فلن يكون معاصرا لذاته)(17).

التتمة في ج3

 

علي محمد اليوسف

......................

(1) الجنون في الادب، مصدر مشار اليه سابقا، د. محمد على الكردي، ص 29.

(2) نفس المصدر السابق ص 52

(3) نفس المصدر السابق ص82.

(4) نفس المصدر السابق ص83

(5) المرض العقلي والابداعي  د. شاكر عبد الحميد ص 88

(6) الجنون في الادب مصدر مشار له سابقا د.محمد علي الكردي ص33

(7) نفس المصدر السابق ص35

(8) نفس المصدر السابق ص38

(9) المرض العقلي والابداع الادبي  د.عبد الحميد شاكر ص84

(10) الجنون في الادب، مصدر سابق، د. محمد على الكردي، ص 45.

(11) المرض العقلي والابداعي  د. شاكر عبد الحميد ص107.

(12) الجنون في الادب، مصدر سابق، د. محمد على الكردي، ص24.

(13) الجنون في الادب، مصدر سابق، د. محمد على الكردي، ص23.

(14) المرض العقلي والابداع، مصدر سابق، د.شاكر عبد الحميد، ص86.

(15) نفس المصدر السابق ص87.

(16) المرض العقلي والإبداع، مصدر سابق، د.شاكر عبد الحميد ص85

(17) الصراع في الوجود، بولص سلامة ص209.

 

 

تعليقات (3)

  1. خلف الله سمير

سيدي الكريم محمد على اليوسف شكرا لكم على هذا المقال المميز حقا فالواحد منا لا يستمتع به وفقط بل قد يغير وجهة البعض منا ومسار حياتهم وإلى الأبد مقال يستحق العلامة الكاملة وشكرا مرة أخرى

 

شكرا استاذ خلف الله على كلمات الثناء وارجو منك سيدي الكريم متابعة الجزء الاخير من البحث ولك مودتي وتحياتي

 

تحياتي وتقديري لجهدكم الرائع ع اطيب الامنيات


الحريزي حميد -العراق

 
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4054 المصادف: 2017-10-11 12:54:40