المثقف - قضايا

كربلاء التحدي الأخطر

tariq alkinaniتمثل كربلاء ومنذ بداية التشيع مركز انطلاق لكل الثورات التحررية في العراق  والعالم الاسلامي لغاية القرن الثالث الهجري حيث اخذت القضية الحسينية منحى آخر من انتاج الثورات إلى انتاج الطقوس، ولم يقلل هذا التحول من أهمية كربلاء لدى معتنقي المذهب الجعفري أو بقية مذاهب اهل البيت وأعتبرت كربلاء مركزا عقائديا مهما لدى اتباع اهل البيت عليهم السلام حيث وجود ضريح الحسين واخيه العباس والشهداء في واقعة الطف من اهل البيت عليهم السلام والصحابة والتابعيين، فهي مزار لكل العالم وبلغت ذروتها في الاعوام الأخيرة حيث بدأت تتزايد اعداد الزائرين إلى ارقام غير اعتيادية، بالرغم من التهديدات الأمنية الكثيرة التي تحيط بهذه المدينة الواقعة على أطراف الصحراء والتي تمتد إلى ارض الحجاز حيث لايوجد أي حد طبيعي يفصلها عن ارض الحجاز فالصحراء هي السمة الغالبة لهذه المدينة، ماخلا بعض البساتين التي تمت زراعتها بعد ان مدت قناة اروائية من نهر الفرات إلى المدينة التي تفتقر إلى وجود أي مسطح مائي حقيقي يمكن الاستفادة منه بالزراعة، حيث يعتبر منخفض الرزازة او كما يطلق عليه هور ابي دبس سابقا مسطح مائي غير صالح للارواء والسقي باعتبار الارض كلها ملحية بالاضافة إلى ان المياه التي ترده عن طريق بحيرة الحبانية هي مياه زائدة والغاية منها لتجنب حالة الفيضانات التي قد تحدث في الفرات في مواسم معينة ولكن بعد قطع الحصة المائية المقررة من المياه عن نهر الفرات اخذ منسوب المياه في بحيرة الرزازة بالانخفاض ايضا.

الهجمات الارهابية

كربلاء منذ بداية الاحتلال الامريكي اتخذت تدابيرها الامنية كاملة فسكانها يعرفون جغرافيتهم بشكل جيد وهناك من يتربص بهم من الصحراء الممتدة بينهم وبين محافظة الانبار حتى الحدود السعودية والحدود الاردنية والسورية فهذه المنطقة مفتوحة بالكامل ومن الواجب تامينها بشكل جيد لتلافي حدوث خروقات امنية محتملة وبالفعل كان هذا الاجراء وبالرغم من هذه الاحتياطات تعرضت كربلاء في بداية الاحتلال إلى هجمات ارهابية راح ضحيتها الكثير من الايرانيين وعراقيين وكانت الهجمات غالبا ماتستهدف الايرانيين ومراكز تجمعاتهم، وهذا الاستهداف جعلنا ان نضع اكثر من علامة استفهام عليها وعلى الجهات التي ورائها .

كربلاء والمرجعية:

لنعد قليلا إلى بداية الاحداث فعند سقوط النظام ودخول الجيش الأمريكي توجس الشارع الكربلائي من حالة الانفلات الأمني وقرأ الاحداث بشكل مبكر فتطوع شباب كربلاء مباشرة لحماية بيت المرجع الأعلى (السيد علي السيستاني) حرصا منهم على تعرض حياة هذا المرجع الذي يكثر مقلديه من الشيعة في محافظة كربلاء وباقي المدن العراقية  للخطر  فأمنوا له المنطقة وبذلك افشلوا كل المحاولات التي استهدفت حياته وبشكل مبكر، كما ان المرجع نفسه كان يرفض اية حماية من خارج محافظة كربلاء لمعرفته التامة بوجود انصاره المخلصين في هذه المحافظة،  على عكس محافظة النجف الاشرف والتي هي مقر اقامته حيث صارت تحت سيطرة التيارات الدينية القادمة من إيران اعتقادا منهم انها هي مركز القرار فتفاجئوا بنقل مركز القرار إلى كربلاء فالناطق باسم المرجعية الدينية الشيعية هو في كربلاء وعن طريقهم يتم ابلاغ كافة تعليمات المرجعية، وهذا لم يكن في حساباتهم فعند الانتباه إلى هذه المسألة كان الوقت قد فاتهم ولم تعد زمام الأمور بأيدييهم لاخضاع صوت المرجعية في كربلاء لارادة الولي الفقيه، رغم ان هناك عدة محاولات لتصفية ممثلي المرجعية في كربلاء حيث تعرض الشيخ عبد المهدي الكربلائي والسيد احمد الصافي لعدة محاولات اغتيال نتج عنها اصابات بالغة للشيخ الكربلائي ولم تنجح اية محاولة مع السيد الصافي بالرغم من انه تعرض في طريق اللطيفية لمحاولة تصفية .

اعتقد البعض ان هذه المحاولات صادرة عن تيارات دينية متطرفة نشأت حديثا في كربلاء او بالاحرى جعلوها تبدو هكذا ولكن الامور لم تكن بالصورة المعلنة حيث كانت هذه هي البداية في الصراع على الاستحواذ على المرجعية الدينية .

الصراع على المؤسسة الدينية:

كان هذا الصراع ومازال علنيا بين تيارات مؤيدة للولي الفقيه وتيارات مؤيدة للمرجعية التقليدية في النجف وحاولت إيران جاهدة منذ الحرب العراقية الإيرانية في عهد الرئيس صدام حسين وحتى وقت الناس هذا إلى نقل المرجعية الدينية إلى قم ولكنها محاولات باءت بالفشل وانتبه لها صدام حسين في تلك الفترة الا انه لم يكن بالحصافة التي تمكنه من امتصاص هذه المحاولات بل راح ينجر ورائها فأوقع نفسه في مطب الطائفية دون ان يدرك حيث قام قياديون بالمجلس الاعلى انذاك ومن إيران بالتحريض على قتل المرجع (محمد محمد صادق الصدر) وقبله تمت تصفية الشيخ مرتضى البروجردي والشيخ علي الغروي ومن ثم السيد محمد محمد صادق الصدر وقبلهم ابن السيد الخوئي في حادث مفتعل على طريق كربلاء النجف، كل هذه الاحداث كانت تصب في مصلحة إيران حيث تعالت الاصوات لنقل المرجعية من النجف إلى قم بدعوى الحفاظ عليها وعلى حياة المراجع من التصفية الجسدية، وانا لا استبعد ان هذه التصفيات تمت بمساعدة إيران بشكل او بآخر فالهدف والمصلحة واضحة والاسلوب وطريقة الوصول إلى الاهداف كانت معروفة انها تتم من الداخل الحوزوي، عدا عملية اغتيال السيد الصدر ونجليه .

الصراع بعد الاحتلال:

كما قلنا في البداية ان إيران لم تقرأ الوضع بشكل جيد معتقدين انهم حين يسيطرون على النجف ستكون لهم السيطرة على القرار الحوزوي والمرجعية الدينية في العراق، فتاجل الصراع لمناسبة اخرى وبقيت النار تحت الرماد، حيث راحت تدرس الوضع المستقبلي في الحوزة العلمية بشكل عقلاني بعيدا عن التخمينات الطوبائية وعرفت بشكل جيد من هو المرشح بعد السيستاني لزعامة الحوزة العلمية وتأكدت ان شخصية السيد (......) هي الشخصية الأقوى والغير ظاهرة على الساحة بشكل يلفت الانتباه ولكنه مصدر قرار لاغلب الساسة في العراق وصاحب تأثير،  ومرجعية معتدلة يمتلك كاريزما قوية للتاثير بمريديه وبالساحة الشيعية لم تنافسها سوى مرجعية السيد السيستاني باعتباره ابن للمرجع الاعلى السيد (..........) واخ للمرجع السيد (......)، هذه الشخصية المؤثرة ايضا كان لها دور في توجيه العملية السياسية ولكن بشكل عقلاني اكبر،  وعدم الوقوع تحت تاثير الساسة بل بقي الساسة يخضعون ويخشون جانبه، انتبهت إيران لهذا الشخص وحاولت تحييده ولم ينفع معه هذا الشيء فلجأت في المرة الاخيرة التي زار بها إيران إلى عملية اغتياله من خلال علاج دسته له المخابرات الإيرانية توقفت خلاله الكلى عن العمل ولكن مسارعة ال الخوئي بارسال طائرة للسيد (........) ونقله على نفقتهم إلى بريطانيا للعلاج حيث تمكن الاطباء من انقاذ حياته في اللحظات الاخيرة، هذا علاوة على شكوى السيد السيستاني من عدم تمكنه من زيارة مرقد امير المؤمنين (علي بن ابي طالب) والذي يقع على بعد امتار من سكنه خشية الاغتيال من قبل الايرانيين ووقوع الفتنة بين ابناء الشعب، وقد صرح به لاكثر من مرة لخواصه.

الاسلوب الايراني في السيطرة على المقدسات:

تتوزع المراقد الشيعية في العراق على اربعة محافظات وهي: النجف وفيها مرقد علي بن ابي طالب عليه السلام وهذا تمت السيطرة عليه بالكامل، وكربلاء وفيها مرقدي الامام الحسين واخيه العباس وشهداء معركة الطف التي تعتبر علامة فارقة في تاريخ الشيعة عموما،  وهذا فشلت إيران في الاستحواذ على القرار فيه بالرغم من تواجدها الكثيف هناك الا ان القرار مازال عراقيا وبيد المرجعية العليا في النجف حيث خاض التيار الصدري وهو يمثل الوافدين الجدد إلى كربلاء والتيار الموالي للمرجعية وهو يمثل اهل كربلاء الاصليون صراعا كبيرا نتج عنه الكثير من الخسائر بالارواح والاموال والبنى التحتية لكن النتيجة كانت لصالح المرجعية وبالرغم من ذلك بقي التيار الصدري يمثل قوة لايستهان بها في كربلاء، بغداد وفيها مرقدي الامامين موسى بن جعفر الكاظم وحفيده الامام محمد بن علي الجواد وهذا بيد التيار الصدري وهو الاقوى في بغداد وبقي لديهم مرقدي الامامين علي بن محمد الهادي وولده الامام الحسن بن علي العسكري  ومكان والغيبة  والسيد محمد في الدجيل كان يجب ان تسيطر عليها إيران من خلال تواجد كثيف وهذا لايتأتى لها وهم بهذه الظروف وكان لابد من فعل قوي يعطيهم المبرر لهذا التواجد وهذه احدى فرضيات عملية تفجير مرقدي الامامين حيث تشير الكثير من الدلائل لتورط إيران بهذا الفعل سواء كان بصورة مباشرة او غير مباشرة، وهكذا تمكنت إيران من ضرب عصفورين بحجر واحد حيث تمكنت من اشعال حرب اهلية طائفية راح ضحيتها اكثر من مليون ونصف المليون عراقي وحققت تواجد كثيف من خلال شركاتها التي جاءت لإعادة الاعمار، وبقيت كربلاء مرحلة مؤجلة ولو بعد حين !!!!

كربلاء التحدي الاخطر:

لابد لنا عندما نريد الوقوف على حقيقة مايجري ان نتخلى عن كل النزعات الطائفية التي تعترينا ونضع كل المعطيات التي بين ايدينا على طاولة البحث والتمحيص حتى تتكون لدينا فكرة واقعية بعيدة عن الخيال وبعيدة عن التوقعات العشوائية، لقد ملأ الساسة وذيولهم من الكتاب والمثقفين الذين يمثلون لسان حالهم بتوقعات بحرب شيعية شيعية وسنية سنية وغيرها من التوقعات فالكل ينتظر مابعد داعش وماسيجري من ويلات ومصائب، والحقيقة هذا كله مقدمة لما ستفعله بعض الفصائل المؤيدة لايران من اجل الاستحواذ على كربلاء، فقبل ايام قامت قوة مسلحة تحمل اعلام داعش على سيارات مفخخة بالتعرض على حدود كربلاء بغية احداث خرق امني في جدار الصد حيث تحمي هذه المناطق قوات كبيرة من متطوعين كربلائيين ومن سرايا السلام التي يقودها الزعيم الشيعي مقتدى الصدر  وقد تم القضاء على هذه المحاولة، لم تكن هذه المحاولة من قبل قوات داعش حيث يصعب تصديق هذه الرواية لكون المنطقة مؤمنة إلى حدود الرطبة فالحدود السورية والاردنية والسعودية تم تأمينها بالكامل ولم تعد فصائل داعش المسلحة تتواجد في هذه المناطق ومن الصعب التصديق وصول هذه العجلات إلى قوة الصد الواقعة في النخيب دون المرور على قوات الصد التي قبلها في الكيلو 160 والصفاويات وغير ها من المناطق دون وقوع مصادمات وحدوث مواجهة عسكرية بينهم، كما ان تواجد الجيش العراقي وبقية فصائل الحشد الشعبي في المناطق المجاورة كثيف فكيف يعقل ان تتم عملية اختراق هذه المصدات والقوات المنتشرة على عرض الصحراء لتصل إلى حدود كربلاء الادارية والتي هي النقطة الابعد في المواجهة، اذا لم تكن هناك مثابات او اماكن لتجهيز هذه العجلات في داخل هذه المناطق، وهذا لم يعد بامكانيات داعش، فقط الفصائل التابعة للحشد هي من يمتلك زمام الامور وهناك خمسون فصيل الكثير منها تتبع إيران ونظرية ولاية الفقيه فهي اداة بيد إيران وتأتمر بامرها، فالعجلات التي جاءت لتخترق حدود محافظة كربلاء لأجل دق ناقوس الخطر في كربلاء ومن ثم تسمح المرجعية لهذه الفصائل الدخول إلى كربلاء بحجة الحماية كما فعلت في سامراء وبغداد والنجف فعندها سيتحقق تواجد كبير لهذه الفصائل ومن خلال هذا التواجد يتمكن الولي الفقيه من تحجيم دور المرجعية وممثليها في كربلاء وبالتالي يتم تقويض سلطة المرجعية العليا في النجف بالسيطرة على اخطر معقل لها وهي كربلاء .

لماذا كربلاء هي الاخطر:

كربلاء مدينة مقدسة وكما قلنا في بداية المقال عن دور هذه المدينة عبر التاريخ في تأجيج الصراع السياسي ضد السلطة الحاكمة في دمشق أبان الحكم الأموي ومن ثم في بغداد ابان الحكم العباسي فهي مركز للثورات ومركز اشعاع للفكر التحرري، وبالرغم من تراجع هذا الفكر واستبداله بطقوس بدأ الشيعة بممارستها خلال مواسم معينة تعبر عن حزنهم ورفضهم للظلم والجور وحكام السوء الا انها بقيت مركز استقطاب للشيعة وغيرهم من رواد الفكر التحرري في العالم، حيث يزورها اكثر من 25 مليون زائر سنويا من العراق وخارج العراق تتوزع على مدار ايام السنة وتصل ذروتها في محرم وصفر حيث تصادف مناسبة معركة الطف التاريخية، وفيها  يشد الشيعة في كل انحاء العالم الرحال إلى كربلاء لحضور مراسيم وطقوس هذه المناسبة التي اصبحت مع الايام مقدسة، ان اصحاب المنبر والقائمين على العتبات في هذه المدينة يتمتعون بسلطات كبيرة منذ الحكم العثماني ولحد الان فسلطاتهم تفوق سلطة المحافظ والغريب حتى في عهد حكم صدام ظل السادن في الروضة الحسينية محافظا على مكانته الاجتماعية والرسمية ففي العهد العثماني كانت تصدر السلطات فرمان من الاستانة وليس من بغداد وكان المنصب ينتقل بالوراثة لبعض العوائل الكربلائية، ومن هنا صار بامكان هذا السادن او القائم على خدمة هذه العتبات التأثير بشكل كبير على توجهات الجمهور في العراق وخارجه، وفي الوقت الحالي  اضفت المرجعية سببا اخر لاحترام هذا المنصب، فنسبة تواجد الشيعة في كربلاء يفوق تواجدهم حتى في الكعبة المشرفة فهم يعتبرونها المكان الأقدس ولهذا تتمتع اداراتها وعلى مدى التاريخ بمركز ديني وعقائدي واجتماعي مهم جدا ولديهم امكانية على توجيه الجمهور بما تريده المرجعية من خلال الخطب فهم لايسمحون الان باي صوت يعلو على صوت المرجعية في خطب الجمعة والمناسبات الدينية الكثيرة التي تحتفل بها كربلاء ولهذا ادركت إيران ان من يريد ان يسيطر على العقل الشيعي عليه اولا ان يسيطر على كربلاء فهي المفتاح لكل طموحاتهم وستستقتل إيران في سبيل الوصول إلى هذا الهدف، ومن الجدير في ختام المقال ان اذكر ان في كل الطرق البرية في المحافظات الإيرانية وعند السير فيها تجد المسافة بين تلك المدينة وكربلاء  وكأنما كربلاء هي محافظة ايرانية حيث مازالت تعتبرها واحدة من محافظاتها المهمة او هكذا اقنعت العقل الإيراني .

 

طارق الكناني: كربلاء

    

 

 

المشاركون في هذه المحادثة

تعليقات (1)

This comment was minimized by the moderator on the site

لا تخلو كربلاء مِمَّن يتشدَّق بالمناطقيَّة والمذهبيَّة للتغطية على ماضيه في لعقِ بساطيل الجَّيش الشَّعبي الصَّدّامي وفدائيّي صدّام الدكتاثور الذي يسكنه بكُلِّ انحرافاتِه يفضحه لحن القول وفصام الشَّخصيَّة المهزوزة المُجافية لمُثل وعِفة وترفع آل البيت عن الصَّغار. لا تخلو كربلاء مِمَّن يرى المُجرم اللّاشرعي صدّام الرئيس صدام حسين!.. إيران تقدّس كُلّ العتبات العِراقيَّة قبل الإيرانيَّة رُغم سفاسف المناطقييّن الأدعياء في كربلاء.

مهدي النجفي
لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4068 المصادف: 2017-10-25 13:51:47