المثقف - قضايا

اخطاء تربوية (2): التفرقة بين الاولاد

(اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم) بهذه الكلمات اوجز النبي (ص) اهمية معاملة الابناء معاملة حسنة ومتساوية لان التمييز غير العادل بينهم يعد من اخطر الاخطاء التربوية التي يقترفها الابوان سواء عن قصد او بدونه بحق اولادهم والتي تؤثر سلبا على سايكلوجيتهم وسلوكهم سواء عاجلا ام اجلا وتضعضع متانة ورصانة اسرهم وتفكّك نسيجها وتفتت لحمتها، هي مسالة عدم زرع العدالة بين الاولاد من خلال التفريق فيما بينهم في المعاملة والتفرقة في توزيع مناسيب الحنان الذي يتولد بغريزة الابوة والامومة بشكل صحيح ومنصف،وقد يسأل سائل ويقول ما الخطورة في ذلك؟ ولايوجد ابوان في الدنيا لايحبان اولادهما .. والجواب نعم لايوجد ابوان بهذا التوصيف فغريزة الابوة والامومة التي اودعها الله سبحانه في طبيعة البشر تحتّم عليهم توجيه عنايتهم ورعايتهم وحنانهم الى اولادهم، ولاجدال في هذا الامر ولكن هذا التوجيه الغريزي الالهي ليس بدرجات متساوية وانما يتفاوت بين البشر، مما ينسحب على النواة الاصغر في المجتمع (الاسرة)، حيث نجد التفاوت في معاملة الابناء ونسب توزيع الحنان فيما بينهم بنسب متأرجحة مابين الدرجة المقبولة منها وهي الاعتيادية، ومابين الدرجة التي توصف بالنشاز وهي المقصودة في مقالنا هذا، فليس من المنطقي او الطبيعي ان يحرم احد الابوين او كلاهما بعض الاولاد من عطفهما او رعايتهما وفي الوقت ذاته تتوجه تلك الامور الى اخرين ولأسباب شتى قد تتعلق بمزاج الابوين النفسي او لسبب يتعلق بالابن نفسه كأن يكون اقل (او اكثر) جمالا من البقية او اكثر مشاكسة (او هدوءا) منهم او تكون التفرقة بسبب جنس الابناء حيث يميل احد الابوين الى جنس معين دون الاخر كالتمييز في المعاملة مابين الذكور والاناث حيث يكون الميل غير طبيعي الى جنس معين دون غيره هاملين الجنس الاخر، غير مدركين خطورة هذا الامر على واقع الاسرة من جهة وعلى تأثير هذه المعاملة على نفسية هؤلاء الابناء ومآلات هذه التربية الخاطئة عليهم وعلى مستقبل علاقة الابناء فيما بعد، التمييز العاطفي بين الاولاد هو عبارة نار مختبئة تحت الرماد او قنبلة موقوتة يزرعها احد الابوين او كلاهما جهلا او عمدا داخل جسد الاسرة مايؤدي الى زرع بذور الفتنة بين الابناء في المستقبل واشاعة جو القطيعة بينهم قد تؤدي الى استفحال العداء المحكم والمتوارث حتى بين الاجيال اللاحقة لهم والذين ينشؤون ولايعرفون شيئا عن ذوي رحمهم بسبب العداوة والبغضاء التي استحكمت في النفوس جراء الخطأ الفادح الذي اقترفه الكبار في التفريق في المعاملة بين الاولاد انعكس سلبا على الاجيال التالية في تبادل مشاعر الكره والقطيعة بدلا من مشاعر المحبة والالفة والتراحم والتواد.

وعلى العموم فان الأسرة التي تشهد نوعا من التمييز بين الابناء لا تعيش في اجواء مريحة ومستقرة وذلك لنشوب مشاكل ومعارك وقلاقل بين الاولاد بسبب (الغيرة) والغبن التي ستشتعل حتما فيما بينهم مما يولّد جوا غير مريح او مستقر لها. وعلى الآباء والأمهات ان لا يُظهروا تعاطفهم أو تفضيلهم مع ذلك الابن أو البنت أمام البقية من الأبناء، حتى لا تحدث حساسيات تولّد مشاكل فيما بينهم؛ إذ إن لكل واحد من الأبناء خصوصية مختلفة عن الآخرين، وعلى قدر الخصوصية التي يتمتع بها تكون المحبة والتفضيل ، قد يؤدي الإحساس بالتمييز إلى الإصابة بأمراض نفسية عديدة. وتكون من نتيجة ذلك فشل الطفل في تحقيق أهدافه المستقبلية وإشباع حاجاته الجسمية والنفسية والاجتماعية بشكل سوي، وضعف معنوياته وشعوره بالفشل والإحباط ووقوعه تحت وطأة التوتر والصراع النفسيين.

وللتغلب على هذه المشكلة :

على الوالدين إتباع خطوات متوازنة ودقيقة تحكم تعاملاتهم اليومية مع أبنائهم كي لا تظهر حساسيات وكرها وانتقاما بين الأبناء لا سيما أن الفرد سواء في مرحلة الطفولة أو المراهقة يغار من قرينه حتى ان كان شقيقه إذا ما أحس انه أفضل منه وانه يحظى بتعامل خاص من ذويه، و لا بد للوالدين من أجل تجنب الوقوع في التمييز من البحث الواعي والعمل بأسس التربية وقراءة نفسية الأبناء، كمحاولة لفهم دواخلهم، ومعرفة احتياجاتهم وردود أفعالهم، وهو ما يتطلب جهداً ودراية خاصة لترجمة المحبة والشعور الداخلي إلى سلوكيات وتصرفات، وفي حالة عدم القدرة على ذلك فلا بأس من التصنّع لإبداء المحبة لجميع الأبناء، ومن المؤكد أن يرتاح الأبناء لهذه البادرة لتطفو إلى السطح إيجابياتها ولو كانت بسيطة، فضلا عن إعطاء الأبناء حقهم في التعبير عن مشاعرهم وحاجاتهم، والاستماع لهم جميعاً و عدم إيلاء اهتمام كبير للطفل الصغير بشكل ملفت للنظر، خاصة أمام أخيه الذي يكبره مباشرة، لكي لا يفسر ذلك بأنه نوع من التمييز بينه وبين أخوته، اضافة الى عدم ذكر السلبيات في الطفل وتجريحه أمام أخوته عند القيام بالخطأ، بل مناقشة ذلك معه على انفراد ناهيك عن تطبيق التعليمات على الجميع، دون التذبذب باتباع طرق مختلفة في العقاب والثواب، وتشجيع التصرفات الحكيمة التي تظهر عليهم.

 

عباس الصباغ - كاتب عراقي

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4345 المصادف: 2018-07-29 00:49:29