المثقف - قضايا

الذات المعنفة والشرعية المأزومة

أن الحديث عن العنف،يعني الحديث عن تاريخ الإنسان وحروبه وصراعاته ومشاكله الأزلية والراهنة،على أمتداد التاريخ البشري القديم والمعاصر، والحديث عن العنف والذوات المعنفة،يتطلب منا الحديث المفصل عن مظاهر وأنماط متعددة للعنف، فالعنف منه الفردي، ومنه الجماعي، ومنه الديني، ومنه السياسي، ومنه الاقتصادي، ومنه العسكري، ومنه السايكولوجي المرضي، ومنه الإجتماعي العرفي - القبلي .

فالذات العنيفة تحمل كل شيء من رواسب هذا الركام المكلس للوعي البشري والحاجب للعقلانية،التي تستدعي إرادة قوية وصوت صارخ للخروج من شرنقة المحيط العنفي، فالذات التي تريد أن تتحرر من أسوار الحظيرة المفترسة والمتوحشة، والتي تصور له الحياة على أنها مغالبة ومراوغة وخداع وألتواء وتخفي،نحو مفاهيم شمولية تحمل في طياتها صور الخداع البصري، التي تعمي كل من يفسر ألغازها ويكتشف ويفك أسرار ملامحها .

أن مكاسب الذات من المجتمع، تتبع المجتمع بالدرجة الأولى، فكلما كان المجتمع يُخيل للذات النامية فيه صورة البطولة الزائفة، والرجولة الطائشة، والأفكار الزائفة، كلما كانت هذه الذات تحمل أستعدادها الكسبي بالدرجة الأساس، لتلقي العنف الذي نفهمه نحن،والشجاعة التي تفهمها هي .عندها لا نستطيع أن نفهم ما هو فطري، عما هو كسبي في أي ممارسة عنفية، وبذلك نحتاج إلى دراسة الذات ودراسة المجتمع إلى تخصص سايكولوجي، لكشف الأصول الأولى للعنف .

فمفهوم الذات المعنفة، يتطلب منا أن نقف بين الاستعداد الفطري والاستعداد الكسبي،في تحليل أي ممارسة عنفية .فالذات التي تتحمل القسوة من المجتمع، تصبح بطبيعة الحال ذات تحمل سلوك قسوي،عصبي،ومتطرف نوعا ما،ينعكس على كافة الممارسات الاجتماعية والسياسة والاقتصادية للفرد .والذات التي تتلقى عنفاً أسريا،تبقى ذات أسيرة للسلوك العنفي،بسبب عنف احد الوالدين أو كلاهما،أو أي خلل في الحياة الأسرية، والذي قد يُلقي بظلاله سلباً على طبيعة حياة الإنسان .و يجعل منه في المستقبل ذات معنفة .

فالعنف السايكولوجي،بدوافعه الشخصية والنفسية والاستعداد الفطري لممارسة العنف بكل تمظهراته،هو وجه من وجوه العنف، الذي يستغل بدوائر مختلفة سواء كانت أيديولوجية أو سياسية،أو حزبية أو عسكرية - ميلشاوية،أو استخبارية . بحيث يكون واجهة لرهب الأخر و أخافة الغير .

والعنف الإجتماعي الذي يَصنع ذوات معنفة،بفعل المجتمع وممارساته الإجتماعية المنطوية على تراكمات الماضي المتوارث والباقي في خزين الذاكرة الجمعية، فالأزمات التي تعصف بالمجتمعات، والتجارب القاسية، والبيئة القاسية، والظروف المعيشية الصعبة، وانعدام التربية الصحيحة، وأشاعة ثقافة المغالبة والسطوة و الغلظة،وما إلى ذلك من عوامل تتدخل بشكل وبآخر في تكوين الذات،فالذات المتصفة بكل هذه الصفات هي ذات معنفة أجتماعياً، فالأنعطاف الإيجابي على كل هذه الدوائر السلبية، يمثل تحدي ذاتي – ذاتي، ولكن قد يفهم إجتماعيا على أنه ميوعة أو ضعف أو تراخي، فالغلظة والخشونة التي تتصف بها الذات المعنفة، لا تفهم كثيرا معنى العقلانية أو العقلنة، فكل رأي من هذا القبيل أو كل أجراء نحو المناصفة،يعد نوعا من المسامحة المتواطئة الذي يؤاخذ عليها كل من بادر إلى ذلك، فالذات المعنفة إجتماعيا، هي ذات متغلظة ذاتياً .نتيجة ذلك العنف الإجتماعي المتوارث،بشكل لا شعوري، ورغم كل محاولة للذات المتنورة لتجاوز الأخطاء الكبرى والمؤثرات الواضحة لذلك الموروث، تبقى الذات الناشئة في تلك البيئة، تظهر بإنعكاساتها السلبية بين حين وآخر .

بين سايكولوجية العنف وبين العنف الإجتماعي، رابط موضوعي،يشكل خطرا وخطرا كبيرا إذا تحول إلى عنف سياسي أو أصبحت الذات المعنفة واجهة سياسية،تحكم بتلك المواريث التي عنفتها، وهذا ما يَتمظهر غالباً بسلوك السياسي الدكتاتوري أو القائد العسكري أو كل صاحب قرار في سلطة، هنا يكمن الصراع ويتضح بشكل جلي في أول إشكالية على طريق الممارسة إلا وهي الشرعية، شرعية أنماط الحكم وطبيعة الأنظمة و الأحزاب والتيارات الأيديولوجية، وكل من يبحث عن شرعيته ليفرض نفسه في ساحة الصراع حول المشروعية .

عندنا تصبح شرعية مأزومة،تظهر من ورائها ذوات معنفة، والشرعية المأزومة والضعيفة، التي كسبت شرعيتها من عوامل الغلبة تبقى في مرصد الناقم والناقد والثائر و المتمرد على أساليب الحكم الزائفة بشرعيتها المتناقضة والناقصة،فمكسب الشرعية،هي إشكالية كبيرة ؛ ولاسيما في بلداننا العربية والأسلامية التي تزاحمت بها الشرعيات المدنية مع الشرعيات الدينية، والصراع بين دولة الدين ودولة العلمنة،هو صراع على أصل الشرعية ومظاهرها التي يرجعها البعض إلى الشعب والبعض الآخر إلى الدين، وهنا تظهر لنا أنماط مختلفة من الحكم بأختلاف وجهات النظر هذه . وهذه تتمثل واقعياً مع أنواع الحكم الذي حدده الفلاسفة منذ أفلاطون وإلى اليوم بين دولة دكتاتورية وديمقراطية وشيوعية وقومية وليبرالية ودينية،وسط فكر وفلسفة الدولة هذا، ولاسيما في المجتمعات الأزدواجية في تعاطيها مع الواقع وبين المثل،ينشب صراع حول أحتكار الشرعية والسطوة عليها وأدعاء تمثلها والحديث بأسمها، والأخطر من ذلك، هو ظهور جماعات تدعي إنها تستمد شرعيتها من الله مباشرة بدون واسطة . وهذا ما وجد في طروحات الحركات السلفية الجهادية المعاصرة وصراعها نحو أحتكامها إلى شرعية وشرعنة كل ما يصدر منها من أجرام وقتل وفضائع أخلاقية،تكشف أن ذواتهم هي ذوات معنفة، وهي بالفعل كذلك،لأن الغالبية العظمى منهم هم خريجوا سجون،وتربية قسوة سواء كانت أسرية أو نتيجة نشؤهم في بلدان دكتاتورية مستبدة بأنظمتها، أو خضوعهم إلى برامج تعنيف وصناعة موت و أرهاب .

بالنتيجة أن الذوات المعنفة ( ذاتياً و أجتماعياً ) هي ذوات كثيرا ما تجد نفسها،بحاجة إلى شرعية وأعتراف، وهذا ما نراه عند الأفراد الذي يعانون من شذوذ جنسي ومطالبتهم بشرعيتهم والاعتراف بهم عن طريق رابطة أو جمعية ولعل واقعية المجتمع الأوربي مليئة بهذه الشواهد وحتى بعض البلدان الخليجية والمجاورة للعراق فيها هكذا نوع من الجمعيات، فالعنف الذي يتمظهر بممارسة شاذة أو أرهاب ويفرض نفسه على الواقع،نتيجة وجود بيئة معترفة ومرحبة، سوف يكتسب شرعيته الموهومة والممنوحة من أناس يمتلكون نفس الدوافع السايكلوجية التي دفعتهم لتلك الممارسات،فمنحتهم تلك الشرعية، والتي تدخل في أطار البرامج الستراتيجة لتخريب الشعوب والمجتمعات،بمنح الشرعية لمن لا يستحق الشرعية، وتصدير ما هو لا شرعي على أنه شرعي، ولو كانت هذه الشرعية تمنح على وفق القوانين الوضعية لكانت القضية أقل وطئة، ولكن أصحبت تمنح بتشريع ديني و أخلاقي وبقول مجتمعي .

في ختام هذا المقال دعوتنا إلى التأكيد على تنمية الذات العراقية وفي كل الوسائل المتاحة،لأنتاج ذوات وسطية وسوية،تملك إرادة التخطي والتجاوز،لكل ما يكبل خطواتها نحو أصلاح الذات،عندها تكسب شرعيتها صفة العقلانية المتفقة مع الدين والعقل والأخلاق . والمجتمع العراقي بحاجة كبيرة وماسة إلى التعريف بهويته الذاتية الهلامية والمتناقضة والأزدواجية،نتيجة الأضطرابات التأريخية التي تتجسد لكل أجيال العراق،بأنماطها المختلفة ووسائلها المتعددة، والتي تجعلنا نحكم بأن التأريخ يعيد نفسه،فلا إعادة للتأريخ ونحن خارج ذواتنا وداخل ذوات الآخر المشكل لذواتنا كيفما شاء وأتفق على وفق منطق المصادرة والتبني . لذلك فعلاقتنا مع ذواتنا ومع الآخر يجب أن تكون على أسس سليمة وسوية، وعلى أسس شرعية وعقلانية حتى لا ننتهي إلا العنف وصراع حول الشرعية .

 

بقلم الدكتور رائد عبيس الجميل

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 3428 المصادف: 2016-01-24 01:41:44